Category: وسائل التواصل

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

التعليم في عصر الهوية الرقمية

التعليم في عصر الهوية الرقمية

د. عبد الجبار الرفاعي

أميّة الأساتذة الثقافية والرقمية ليست خاصةً بكثيرٍ من التدريسيين في الجامعات العربية، بل إنها تغطي أكثرَ الجامعات التي أعرفها في المحيط الإقليمي خارج فضاء التعليم العالي العربي، كما تشير بعضُ البيانات والتقييمات في جامعات شرقية وغربية إلى أنها تعاني الأزمةَ نفسَها. ويعود ذلك إلى فقدان الرؤية الاستراتيجية لبناء التربية والتعليم والثقافة والإعلام في عصر الهوية الرقمية والذكاء الاصطناعي، والافتقار للإرادة الحازمة لتنفيذها، حتى إن كانت موجودةً في بعض البلدان فإنها غيرُ صبورةٍ وهشة، وعدم الحماس للانخراط في العصر الرقمي لدى القيادات، والافتقار للخبراء المؤهلين تأهيلًا جادًّا لإنجازها، وضعف البنية التحتية المادية والتكنولوجية والمعرفية اللازمة لولادتها وتنميتها.

هوية جيل الألفية الجديدة رقمية، هذه الهوية وُلدت في فضاء وسائل الاتصال والذكاء الاصطناعي، تواصل الهويةُ الرقمية ولاداتِها باستمرار في فضاء الذكاء الاصطناعي المتدفق كشلالٍ هادر. الهوية الرقمية لا تشبه أيّةَ هوية من الهويات الدينية والعقائدية والأيديولوجية والإثنية الموروثة، ‏الهوية الرقمية سيالة في صيرورة متعجّلة سريعة التحول، لا تستقرّ على حال أبدًا، ولا تلبث في حالةٍ واحدة لسنوات، أو حتى سنة واحدة. هذا يعني أن الجيل الجديد يتفاعل بنحو مختلِف مع الهويات الرقمية وينتمي إليها بطريقته، لا كما كان يجري في الانتماء ‏لهويات العصر ما قبل الرقمي، ما يحدث تناشزًا حادًا تزداد وتيرته وتتسع فجوته بسرعة، بين نظامِ التربية والتعليم التقليدي، والهويةِ الرقمية المتغيّرة والمتواصلةِ الولادات وإعادةِ التشكل. في عصر الهوية الرقمية يتفاقم اغترابُ الأستاذ عن التلميذ، واغترابُ التلميذ عن الأستاذ، ويُحدث ذلك تناشزًا يتضخم كلَّ يوم بينهما، وينتهي إلى المزيد من الأمية المعرفية والثقافية والرقمية، التي تنعكس في الآتي:

  1. إن زمانَ التلميذ يختلف عن زمانِ الأستاذ، وأعنى الزمانَ بمعناه التربوي والتعليمي والرقمي، وليس الزمان بمعناه الفيزيائي.كلُّ زمانٍ مشتقٌّ من نمطِ وجودٍ يختلف عن زمانٍ مشتقٍّ من نمطِ وجودٍ آخر. نمطُ وجودِ التلميذ في العالَم هو واقع العالَم اليوم، ونمطُ وجودِ كثيرٍ من الأساتذة في العالَم هو ماضي العالَم. أغلبُ الأساتذةِ يعيشون اغترابًا عن حاضرهم، فينحازون بثقةٍ مفرطة للماضي، وكأن كلَّ شيء في ذلك الماضي صوابٌ أبدي. القليلُ من الأساتذة من جيل الآباء استطاعَ حضورَ واقع العالَم، ومواكبةَ الذكاء الاصطناعي والعيش في الواقع، ووعي نمط وجوده في عصر الهوية الرقمية المتغيرة، واستثمار ما تقدّمه له منصاتُ الاتصال وتطبيقاتُها المتنوعة والذكاء الاصطناعي من جديد العلوم والمعارف والثقافات يوميًا.

2.كلُّ نمطِ وجودٍ يفرض نظامَه التربوي والتعليمي المشتقَّ منه والمتناغمَ مع إيقاع صيرورته، وذلك النظامُ يفكّر بمنطقِ عقلانيةِ نمطِ ذلك الوجود، ويتعاطى تقاليدَه الثقافية، ويعتمد نظامَ قيمه، ويتحدّث لغتَه المتفرّدة. نمطُ الوجود في عصر الهوية الرقمية يفرض عقلانيتَه ورؤيتَه للعالم وقيمه وثقافته، لا يستطيع الإنسانُ التغلبَ عليه مهما عاند الانخراطَ في هذا العصر، أو الاحتماءَ من آثاره، والتحكمَ الكامل بحضوره الهائل. ذلك ما يدعو الإنسانَ في بلادنا لمواكبته، في سياق رؤية تتسع لاستيعاب مكاسبه، وبناء أخلاقيات تقي الإنسانَ من ارتدادته المربكة والعاصفة.

  1. النظامُ التعليمي الذي يعبّر عن المتطلبات التعليمية للتلميذ في عصر الهوية الرقمية، غيرُ النظام التعليمي التقليدي الذي يعرفه الأستاذُ ويتعلّمه التلميذ،كلٌّ منهما يفكّر بمنطق عقلانية العالَم الذي ينتمي إليه، ويتعاطى تقاليدَه الثقافية، ويعتمد نظامَ قيمه، ويتحدّث لغتَه الخاصة. اللغةُ ليست أداةً محايدة، اللغةُ تنتمي إلى منطقِ عقلانية العصر وثقافته، وذلك يعني أن الأستاذَ يفتقر لمعرفة لغة التلميذ عصر الهوية الرقمية، والتلميذ يفتقر لمعرفة لغة الأستاذ، فيكون الحوارُ بينهما بمثابة حوار الطرشان.
  2. العمليةُ التعليمية عمليةٌ ديناميكية وليست ميكانيكية، التلميذُ فيها يُعلِّم الأستاذَ، مثلما يُعلِّم الأستاذُ التلميذَ،كلٌّ منهما مُلهِم للآخر، ومكوِّنٌ لعقله، ومولِّدٌ لوعيه، ومحفزٌ لذهنه بطرح الأسئلة وابتكار الأجوبة.
  3. عندما تكون العمليةُ التعليمية ميكانيكيةً تكفُّ عن أن تكون تعليمية، وتفشل في أن تظل مُلهِمةً للتلميذ والأستاذ، وتضمحل فاعليةُ الأثر والتأثير المتبادَل فيها، وغالبًا ما يصاب ذهنُ كلٍّ من المعلم والتلميذ بالوهن، ويشعران بالملل والإحباط، الذي ربما ينتهي لدى البعض لشعور بالقرف وحتى الغثيان.
  4. تكرارُ الأستاذ المملُّ لكلامٍ لا يفقه أسرارَ اللغة التي ينجذب إليها التلميذُ، ولا يدرك طبيعةَ انفعالاته ومشاعره، لا يمكن أن يمنح التلميذَ علمًا ومعرفة ووعيًا بعصر الهوية الرقمية الذي يعيش فيه، ولن يؤثر في تكوين أسئلته ومتخيّله وأحلامه وهمومه المعرفية، ولا صلةَ له ببناءِ منظومةِ قيمه، وتقاليدِه الثقافية. وينتهي ذلك إلى أن يتعاطى كلٌّ من التلميذ والأستاذ مع العملية التعلمية بوصفها فرضًا، كلٌّ منهما ملزَمٌ بتأديته على شاكلته، الأستاذُ تلزمه ضروراتٌ معيشية، والتلميذُ تلزمه ضروراتٌ يفرضها تقليدٌ مكرَّسٌ لتعليمه، بغضّ النظر عن ثمراته ومآلاته.
  5. الجيلُ الجديدُ يتلقى المعرفةَ والثقافةَ والقيمَ من وسائلِ الاتصال وتطبيقاتِها الكثيرة، وما تقدّمه مجانًا من موضوعاتٍ متجدّدة فاتنة جذابة، متنوعةٍ بتنوّع مراحل العمر، ومتناغمةٍ مع مختلف مستويات الإدراك والفهم والاستيعاب. تتنوع الموادُ التي تنتجها وتسوقها وسائلُ الاتصال لكلِّ مرحلةٍ عمرية حسب مستوى إدراكها وتذوقها. سميراميس بنت ابنتي د. تُقى، عندما كانت بعمر سنتين، تمضي ساعاتٍ طويلةً كلَّ يوم تشاهد أفلامّا مخصّصةً لمرحلتها العمرية، يبثها اليوتيوب، ولفرط تذوقها لها وتفاعلها معها، تصرخ فزعةً لحظةَ يمنعها أحدٌ طالبًا منها الكفَّ عن إدمان ذلك.
  6. لا يهتم النظامُ التعليمي بالاختلاف بين استعدادت الأطفال ومواهبهم، وما يفرضه موقعهم الطبقي من تفاوت في تكوينهم المبكر. تكوين الأطفال يختلف تبعًا للإمكانات المتاحة لهم، كما كشفت عن ذلك دراسة في أمريكا عن الأثر الذي يحدثه تلقي الأطفال للغة في مرحلة مبكرة من حياتهم في بناء وعيهم ورؤيتهم للعالَم، وكيف يتناسب وعيهم مع ما يتلقونه من اللغة، فتبين وجود تفاوت فاحش في تلقي اللغة تبعًا للتفاوت الطبقي، إذ ان أبناء العوائل الغنية إذا بلغوا 4 سنوات من عمرهم يكونون قد استمعوا إلى 43 مليون كلمة، لكن أبناء العوائل الفقيرة إذا بلغوا 4 سنوات من عمرهم لم يستمعوا إلا إلى 13 مليون كلمة. والمعروف أن نضج الذهن ونموه يتناسب وامتلاك اللغة وحضورها وتفاعل الذهن معها في الصغر، فكلما كانت الحصيلة اللغوية أثرى نضج الذهن أسرع واتسعت آفاق الوعي أكثر.
  7. مأزقُ أعضاء هيئة التدريس أنهم يعيشون في عصر الهوية الرقمية وهو لا يشبه عصرَهم أمس، عصرٌ يمضي بسرعةٍ فائقةٍ إلى الأمام، لذلك ينسى هذا العصرُ مَن لم يتكيَّف معه، بل سرعان ما يمسي حضورُه عبئًا عليه فيحذفه. أكثرُ الأساتذة عجزوا عن التكيّف مع هذا العصر، لأنهم يفتقرون للوعي العميق به، فيعجزون عن الاستجابةِ لمتطلباته ووسائله ورموزه ولغته. وأغلبُهم لا يمتلك إرادةَ التمرّد على ماضٍ شديدِ الحضورِ في وجدانهم، والسطوةِ على مشاعرهم. الماضي مكوّنٌ عميقٌ للاوعي الأساتذة من جيل الآباء، مازال عالقًا فيهم ومازالوا عالقين فيه.
  8. إيقاعَ التحولات أسرعُ من استجابة النظام التعليمي لاحتياجات الأبناء، ذلك أن وتيرةَ التبدّل في كيفية عمل الذهن أسرعُ من القدرة على مواكبتِه والانتقالِ بما يستجيب له ويتناغم معه في أنظمة التربية والتعليم، من هنا ستتسع الفجوةُ بالتدريج بين هذه الأنظمة وطبيعةِ احتياجات الجيل الجديد، التي قد يعجز عن تلبيتها حتى النظامُ التعليمي في البلدان المتقدمة.كما تتطلب كلُّ الأجهزة التي تعمل على وفق أنظمة الذكاء الاصطناعي تحديثًا مستمرًّا يرتقي بكفاءة أدائها،كذلك هو النظام التعليمي في عصر الهوية الرقمية ، فما لم يتم تحديثُه تنتهي صلاحيتُه ويخرج من التداول.
  9. لا غرابةَ ألا يحرص أعضاءُ هيئة التدريس على التكوين الأكاديمي والثقافي والرقمي في عصر لا يشبههم، وأكثرُهم فشلوا في التكيّف معه. ذلك أن طرائقَ ووسائلَ وأداواتِ التكوين المعرفي والثقافي في عصر الهوية الرقمية تختلف عن تلك التي عرفوها وتمرّسوا بها وأدمنوا عليها أمس حتى صارت مكوّنًا لهويتهم المعرفية، لذلك نجد أكثرَهم يفتقدون أيَّ حافزٍ لامتلاك ما هو جديد.
  10. يُصاب الأستاذُ بالملل عندما تنضب منابعُ الإلهام لديه، ويفتقر للطاقة المُلهِمة للاستجابة الفاعلة من التلميذ، فيفتقد الحوافزَ العميقةَ للتعليم المستمر، وتنمية التكوين الأكاديمي، والحرص على الحضور في الفضاء الرقمي ومواكبة وتيرة تطوره الفائقة. وربما يُصاب الأستاذ بالقرف وهو يكرّر كلامًا لا ينتج علمًا لدى المتلقي ولا يكوّن معرفةً، ولا يؤثّر في بناء وعي التلميذ، ولا يوسّع متخيّله وأحلامه العلمية.

 

 https://alsabaah.iq/99240-.html

 

التربيةُ السليمة خيارُها الحصانةُ لا المنع

التربيةُ السليمة خيارُها الحصانةُ لا المنع

  د. عبد الجبار الرفاعي

أضعفت وسائلُ التواصل كثيرًا دورَ العائلة في التنشئة الاجتماعية، إلى درجةٍ أصبح الصغارُ يعيشون ويتفاعلون مع اليوتيوب وأمثاله أكثر من حياتهم وتفاعلهم وأحاديثهم مع الأبوين والأهل. الناشئة يحتاجون التسليةَ واكتشافَ كلّ شيء في الحياة، تغويهم وسائلُ اللعب المسلّية أكثر من أيّ شيء آخر. في وسائل التواصل المرئية يمكن التعرّفُ على الأشياء بسهولة بالصور ووسائل الإيضاح الجذّابة، وتوفر لهم طرائقَ للاندهاش واللعب، وعروضًا كوميدية ضاحكة لا يرونها خارجها، وغالبًا لا تتوفر في بيت العائلة والمدرسة.

أمضيتُ أسبوعين قبل مدة في بيت ابنتي د. تُقى وابنتها سميراميس، سميراميس بعمر عشر سنوات، حادة الذكاء ومتفوقة كأمها، لم تجلس معنا إلا وقتَ الطعام،كانت تستهلك وقتَها منذ تستفيق صباحًا بمشاهدةِ الأفلام والسياحةِ في وسائل التواصل المرئية والمسموعة، والتواصلِ مع ألينا بنت ابنتي أبرار في استراليا لعدة ساعات. سميراميس وألينا تتحدثان الإنجليزيةَ كأنها لغتُهما الأم، تتبادلان المعلومات عن: الأفلام، واكتشاف ثقافات العالم، والطبيعة، والحياة في البحار والمحيطات والأنهار، والمدن وتقاليد المجتمعات، وآخر معطيات العلوم والمعارف والذكاء الاصطناعي. تدهشني سميراميس حين تتحدث بما تعلمته من اليوتيوب ووسائل التواصل، تعرف أشياء مازلتُ أجهل كثيرًا منها.

يمكن إعادةُ بناء التربية والتعليم من خلال تطوير مناهج تواكب إيقاعَ الذكاء الاصطناعي والتقنيات الجديدة في وسائل التواصل، وإيقاظُ القيم الروحية والأخلاقية والجمالية الضرورية لتحصين الجيل الجديد، وحمايته من الآثار السلبية لوسائل التواصل والذكاء الاصطناعي، لكن ذلك يتطلب خبراءَ مؤهلين أكاديميًا وقيميًا للنهوض بهذه المهمة الجسيمة. في أغلب البلاد العربية ينتمي العقلُ الذي يدير العمليةَ التربوية والتعليمية إلى عصرٍ لم تظهر فيه وسائلُ التواصل ولا الذكاء الاصطناعي، أعرف بعضَ مَن يديرون مؤسسات التربية والتعليم لا يمتلكون مهارات بسيطة للتعامل مع وسائل التواصل. في استطلاعٍ نُشر قبل سنوات قريبة رأيتُ بعضَ المسؤولين في الدولة لا يمتلكون بريدًا إلكترونيًا.

التربيةُ السليمة تعتمدُ الحصانةَ لا المنع، الأبناءُ ينتمون إلى عصر الإنترنت والذكاء الاصطناعي، يتعذرُ علينا إرجاعَ الزمن للوراء والهجرة العكسية من زماننا إلى الماضي مهما فعلنا.كنتُ لا أمنعُ أولادي من اللعبِ في الشارع والاندماجِ بجيلهم، والتعرّفِ على الواقع ميدانيًا. أساعدهم على اكتشافِ ذواتهم، والتنقيبِ في خرائط دروبِ الحياة المتشعبة بأنفسهم، لئلا يعيشوا مغتربين عن عصرهم وجيلهم. أرشدهم، وأراقب سلوكَهم من بعيد، ولا أتدخل كثيرًا في حياتهم الخاصة وخصوصياتهم. حرصتُ على أن يكونَ أولادي كما هم لا كما أنا،كلٌّ منهم يشبه ذاته، ما أكرهتُهم على محاكاتي، ولم أحثّهم يومًا على استنساخ صورتي. تطورت شخصياتُهم في سياق طبيعتِهم البشرية وبنيتِهم النفسية وزمانِهم، فصاروا يعبّرون عن ذواتهم ورؤيتهم للعالَم وأحلامهم قبل تعبيرهم عني ورؤيتي للعالَم وأحلامي، وهذا سرّ النجاح في حياتهم.

لحظةَ تختفي الحياةُ العائلية لإنسانٍ تفرض وسائلُ التواصل حضورَها بالتدريج بوصفها عائلةً بديلة، يمكن أن توفِّر للإنسان تواصلًا يوميًا مع مَن يحتاج أو يشتاق للتواصل معه.كثيرٌ من العوائل اليوم، خاصةً الأفراد الذين يقيمون في بلاد متعدّدة، يلتقون بتواصلٍ يومي داخل مجموعة واحدة، تحضرُ فيها أخبارُهم وكلماتُهم وكتاباتهم وصورهم وأفراحهم وأحزانهم، ولا تغيب فيها أكثرُ مواقفهم ونشاطاتهم، يفيض بعضُهم على بعض المودةَ والأشواقَ وترقبَ اللقاء والتطلعَ إلى كلِّ ما يجعلهم أشدّ قربًا وتلاحمًا. ولا تخلو من متاعبهم ومواجعهم ومشكلاتهم وأحزانهم، يتعاونون معًا للتغلّب عليها، ويدعمون مَن يمرّ بظروفٍ قاهرة من أفراد العائلة.

تسهم وسائلُ التواصل في خفض معاناة كبار السن، وتخفض شيئًا من عزلتهم الموحشة. الشيخوخة منفىً موحش، أكثر الجيل الذي عاش معه الإنسانُ يغادر الحياة، أو تفرض عليه الأمراضُ ووهنُ البدن العزلة، الأبناء يذهب كلٌّ منهم إلى حياته الخاصة وشؤونها وشجونها. لا يحمي الإنسانَ من وحشة تقدّم العمر إلا تكثيفُ التواصل مع مَن يحب. الاستعمال الذكي لوسائل التواصل يحمي كبارَ السن من منفى العزلة. تجاوز عمرُ أحد الأصدقاء 90 عامًا، أمثالُه من المعمرين تفرض عليه الشيخوخةُ عزلةً مريرة، وأكثرُهم يضطرّ للعيش في دور العجزة، عندما لا يجد أحدًا من العائلة يواكبه في هذه المرحلة العمرية، ويؤمّن له متطلبات العيش الأساسية. صديقي إنسانٌ عالِم حكيم وواقعي اكتشف في وسائل التواصل عائلةً يعوّض فيها شيئًا من الافتقار للعائلة، ويكسر شيئًا من عزلة تقدّم العمر الكئيبة، فصار يكثّف تواصلَه اليومي بكلِّ إنسان تعرّف عليه يومًا في حياته في أيّ بلد كان. لم أرَه يومًا يضجر من تكرار مهاتفة بعض الأشخاص، الذين لا يجيبونه إلا مرة واحدة لو هاتفهم عدة مرات لكثافة وتراكم أعمالهم.

عويلُ الضحايا وصرخاتُ المعذبين كانت تموت داخل جدران الزنزانات الحزينة والكهوف المظلمة، تتمزق جلودُهم من أنواع التعذيب الشنيعة، ويمارس الجلادون كلَّ أساليب القهر وانتهاك الكرامة الفظيعة معهم ويسحقون شخصياتِهم بوسائل قذرة من دون أن يسمع بذلك أحدٌ خارج هذه الأقبية المظلمة الحزينة. في أكثر الدول لم يعد هؤلاء الجلادون يمارسون شناعاتِهم بعيدًا عن الافتضاح عبر الإنترنت وتطبيقات وسائل التواصل. لم يلبث عويلُهم يختنق وينطفئ في تلك الأقبية، بل أضحى بالإمكان أن يتردّد صدى عويلهم في أنحاء العالم المختلفة. المنظمات والهيئات والجماعات المدافعة عن الحقوق والحريات تستثمر تطبيقات وسائل التواصل بمهارة، وتحرص على تحشيدِ الأصوات وتعبئةِ المواقف المتضامنة مع الضحايا وتكثّف شعاراتِها ومطالبَها وما تذيعه من وثائق لفضح جرائم التعذيب والبطش في دول متعدّدة.

وسائل التواصل ليست شرًا مطلقًا، بوصفي طالبًا للعلم وقارئًا شغوفًا كلّ حياتي، تعلمتُ كثيرًا مما يُنشر في وسائل التواصل. وبوصفي كاتبًا تعلمتُ أكثر منها، وقفتُ فيها على شيءٍ مما هو غاطسٌ داخل الإنسان، وما تعلنه بعضُ كلماته وما تضمره هفواتُه. اكتشافُ شيءٍ مما يختبئ داخل الإنسان أثمنُ اكتشافات حياتنا، لأنه يمكّننا من حماية أنفسنا من شروره. اكتشفتُ عبر وسائل التواصل شيئًا من التعصبات والكراهيات والشرور المختبئة في أعماق بعض الأشخاص، الذين يحاولون الاختباءَ خلف أقنعة يظهرون فيها بصورةٍ مضادّة لما يختبئ في داخلهم. رأيتُ المخيالَ والرغبات والعقد النفسية والأوهامَ تحضر في وسائل التواصل أكثر من الواقع، تتحدّث فيها أماني الناس وأحلامُهم وطموحاتُهم ورغباتُهم وأوهامُهم وعقدُهم المكبوتة وأمراضُهم النفسية والأخلاقية بوضوحٍ لافت. لم تعد الحياةُ الخاصة مستودعًا للأسرار، كثرةُ ما ينشره بعضُ المدمنين على النشر ينضب فيها الواقع، ويتدفق شلّالُ المخيال والأوهام بفيض التمنيات والأحلام والأسرار المدفونة في الأعماق.

لا يتسع وقتي للذهاب إلى الأسواق والمناسبات الاجتماعية والمقاهي. السوقُ الذي أحتاج التسوقَ منه أحضر فيه عبر الإنترنت، الشارع أزوره بتطبيقات وسائل التواصل، كأن الفيس بك والتطبيقات المشابهة له أصبحت هي الشارع والسوق والمجال العام الحقيقي لا الافتراضي. أقرأ فيها واستمع وأرى كلَّ ما يزدحم في الواقع من ضجيج وضوضاء وصخب الأصوات العنيفة وغيرها. تعرفتُ بحضوري في تطبيقات وسائل التواصل على كثيرٍ من تفاصيل حياة المجتمع، وعاداته، وتقاليده، وثقافته، والقيم السائدة فيه، وعاهاته، وكثيرٍ من أمراضه الأخلاقية والنفسية،كما تعكسها منشوراتُ بعض الأشخاص وأحاديثُهم. لا أزهد بما تعلمته من الهامشي والتهكمي والغرائبي والتافه الذي يتفشى فيها، الذي تتجلّى فيه ثقافةُ المجتمع واهتماماتُه واحتياجاته وتمنياته وأوهامه. دعاني ذلك أيضًا لإعادةِ النظر بإصدار أحكام قِيْمة، تصف كلَّ ما يُنشر بأنه: هامشي أو تافه أو رديء أو عبثي. إن ما يتكشف في هذا النوع من الكتابات المتنوعة لا نراه أحيانًا في نصوص جادة.

ينبغي أن نعيد النظرَ بمثل هذه الأحكام الكلية الشاملة، في مثل هذه الحالات لا يتفق منطقُ البحث العلمي مع التعميم. يجدر بمن يحكم على تسمية الواقع الذي نعيشه اليوم بـ “التفاهة”، ويحكم بذلك على نمط وجود الإنسان الجديد الذي فرضه الإنترنت ووسائلُ التواصل أن يعيد النظرَ بهذا الحكم الكلي المتعجّل. يدهشني التسرعُ والتكرار بإطلاق كلمة “التفاهة”، بنحوٍ أضحت هذه التسميةُ فيه أحدَ الأحكام المبتذلة على كلِّ شيء جديد في الحياة الراهنة، على لسان كثيرٍ من المتحدثين.

وسائلُ التواصل قَدَر وجود الإنسان في عصر الإنترنت ووسائل التواصل، نادرًا ما نرى أحدًا من البشر اليوم غيرَ منخرط فيها، أو تخرج نشاطاتُه وما يمارسه في حياته عن الإنترنت. البشر جميعًا نقلهم الإنترنت ووسائلُ التواصل إلى نمطِ وجود مختلف شاؤوا أم أبوا. نمطُ الوجود هذا فرضته صيرورةٌ أبدية لن تتعطل ولن تعود للوراء إلا بانهيار هذه التكنولوجيا. ذلك ما يجعل الإنسانَ لا يرى بحضوره في الإنترنت ووسائل التواصل حرجًا قيميًا أو اجتماعيًا أو ثقافيًا، بوصف حياته صارتْ لا تتحقّق إلا في فضاء هذا الواقع الذي وجد ذاتَه تعيش فيه، ويجري تسيير ُكثيرٍ من معاملاته وعلاقاته وإدارة حياته في فضائه.

https://alsabaah.iq/89408-.html

 

نمط وجودنا في الإنترنت ووسائل التواصل

نمط وجودنا في الإنترنت ووسائل التواصل

 د. عبد الجبار الرفاعي

التطورُ العلمي قدرٌ مفروضٌ على الإنسان، لا يستطيع الإنسانُ إيقافَه أو تعطيلَه، ولا يستطيع منعَ الولاداتِ المتوالية للتكنولوجيات الجديدة، إلا إذا تعطّل العقلُ والتفكير والعلم والاكتشاف. العقلُ خُلِق للتفكير، يصعبُ على الإنسان الذكي توقفُ تفكيره وصمتُ عقله. مادام الإنسانُ ينفرد بملكة التفكير يندهش ويتسائل، ويحاول أن يكتشف أعماقَ ما يراه من حوله، ويتحرّى عن أسبابه والقوانين المتحكمة فيه. اختراعُ الآلة البخارية، واكتشافُ الكهرباء، والإنترنت، كانت مؤثرةً في كلِّ شيء في حياة الإنسان. أحدثت هذه الأشياءُ منعطفًا عميقًا في حياة الأفراد والمجتمعات، وخلقت كيفيةً أخرى لوجود الإنسان في العالم.كما أن التكنولوجيا ليست محايدةً حيال اقتصاد المجتمع فهي ليست محايدةً حيال معتقدات الإنسان وقيمه وثقافته ورؤاه للعالم وكيفية تعامله مع غيره. تُحدِث التكنولوجيات الجديدة تصدعاتٍ حادة في منظومات القيم، ورضّات نفسية شديدة تزلزل العلاقات الاجتماعية، وتعصف بكيان المجتمع والعائلة، وتتسبب بانهياراتٍ روحية وعاطفية ونفسية وقيمية عنيفة.

أتحدثُ عن حياة الإنسان على الأرض كما عاشها في الماضي ويعيشها اليوم. أتحدثُ عن هذه الحياة إن لم تفتك بها حربٌ نووية شاملة. أو أوبئةٌ غامضة مميتة، يعجزُ الإنسانُ عن الوقاية والشفاء منها. أو تغيراتٌ مناخية تتجاوز “الغليان الحراري العالمي”[1]. أو عبثُ علماءِ وراثة بالجينات، وانتاجُ كائن غريب متوحش يقضي على الإنسان. أو تطويرُ أنظمة الروبوتات والذكاء الاصطناعي إلى مستوى يفوق إمكانيةَ الإنسان على تسييرها والسيطرة عليها والتحكم فيها.

أنتج الإنسانُ العائلةَ تلبيةً لضروراتٍ فرضتها طبيعةُ حياتِه على الأرض. في مقدمة هذه الضرورات الحاجةُ العميقة لمعنى عاطفي وروحي وأخلاقي وجمالي، يمنح الإنسانَ الأمانَ والمحبة والحنان والتراحم.كانت وما زالت العائلةُ في أكثر المجتمعات ملاذًا نفسيًا وعاطفيًا وروحيًا واقتصاديًا واجتماعيًا آمنًا للإنسان. العائلةُ تحمي الإنسانَ من التشرّدِ والعيشِ في عزلة مريرة، وتأمينِ ملجأ يأوي الإنسانُ إليه في حالة المرض والعجز والشيخوخة. العائلةُ منبعٌ غزير للمعاني العاطفية والروحية والعلاقات الحميمية بلا مقابل مادي، في أحضانها يتوالدُ ويتدفق الحنان والتراحم والمودة والسكينة. يصعب جدًا على الإنسان أن يبني مؤسسةً تفيض عليه هذه المعاني الثمينة خارجَ فضاء العائلة. وظائفُ العائلة المادية يمكن تأمينُها عبر بدائل تكفلها مؤسساتُ المجتمع والدولة، غير أن الحنانَ والتراحمَ والمودة والسكينة يصعب جدًا في كثيرٍ من الأحيان تأمينُها خارجَ العائلة. العيشُ خارجَ فضاء العائلة ضربٌ من العيش الذي يُشعِرُ الإنسانَ أنه قابعٌ في منفىً كئيب، لا يطيق العيشَ الاختياري فيه إلا إنسانٌ استثنائي.

تسارعت وتيرةُ التغيير الاجتماعي في عصرنا، بسبب العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية المختلفة والتكنولوجيات الجديدة، وما أحدثته من تحولاتٍ عميقة في منظومات القيم والعلاقات الضامنة لتماسك العائلة وتكافلها. وعبثت تطبيقاتُ الإنترنت ووسائلُ التواصل بنسيج العائلة، وأنهكت أواصرَها العضوية المتجذّرة. وقبل ذلك قوّض نمطُ الحياة الرأسمالية المتوحشة بنيةَ العائلة، وزلزلَ التكافل العائلي في أوروبا وغيرها من المجتمعات الغربية، وبدأ هذا الزلزالُ يزحف إلى مجتمعات تقليدية في آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية. لم تعد العائلةُ ملجأً للأمن النفسي والعاطفي والروحي والاقتصادي والاجتماعي كما كانت أمس، وترسخت الفردانيةُ المطلقة بشكل مريع، بنحوٍ صار فيه كلُّ إنسان يعيش بنفسه لنفسه، ولا يشعر بأية مسؤولية حيال أهله، وانهارت الوشائجُ العضوية بين الأبناء والآباء والأخوة والأخوات، ورُحّلتْ وظائفُ العائلة الاقتصادية للدولة ومؤسسات الضمان. إلا أن الدولةَ تعذّر عليها تعويضُ الأمن النفسي والعاطفي والروحي للإنسان الذي كانت تكفله العائلةُ لأفرادها.

الفردانيةُ المطلقة ضدّ طبيعة الإنسان بوصفه كائنًا اجتماعيًا عاطفيًّا، صلاتُه الأصيلة بغيره تحقّق وجودَه وتثريه، وتمنح حياتَه معنى. الإنسانُ يشقى عندما يعيش منكفئًا على ذاته، لا يتصل بأحد، ولا يتصل به أحدٌ من الناس، لا يُشعرُه أحدٌ بمحبتِه الصادقة وعطفه، واعترافِه بأفعاله ومواقفه ومنجزاته. ويكشف التهافتُ على وسائل التواصل، وكثافةُ النشرِ في تطبيقاتها، حاجةَ الإنسانِ الشديدةَ للغير. الفردانيةُ المطلقة ليست قيمةً إنسانية، لأنها تنتهي إلى مواقفَ أنانية لا مسؤولة حيالَ قضايا الإنسان الأخلاقية العادلة. الفردانيةُ المطلقة تضيع معها القيمُ السامية للمحبة والتراحم والعطاء والإحسان والإيثار والوفاء والتكافل والتضامن، وهي قيمٌ تتفسخُ العلاقاتُ الاجتماعية بفقدانها، وتضمحلّ كلُّ المعاني الجميلة المُلهمة في الحياة باختفائها. باختفائها يختفي تقديرُ الإنسان لذاته، عندما لا يجدُ مَن يقدّره أو يعترف به أو يعطف عليه، ويتبدّد كلُّ معنىً يمكن أن يمنحه بناءُ مفهوم الفرد للإنسان[2].

وسائلُ التواصل تمارس ضربًا من الإكراه، لا يقتصر على النصوص المنشورة فيها فقط، بل حتى الخوارزميات والذكاء الاصطناعي الذي يتحكم في عملية توزيع منشورات أصحاب الصفحات، تمارس تحيزاتِها وإكراهاتها، كأنها محكومةٌ بأيديولوجيا، يمكن تسميتُها: “أيديولوجيا الخوارزميات”. هذا الضرب من الإكراه لا تختصّ به وسائلُ التواصل، بل نراه أيضًا في مقرّرات التربية والتعليم التلقينية المفروضة على التلامذة، وحتى في الأكاديميات، والقوالب الجاهزة لإعداد أطروحات ورسائل الدراسات العليا، وبحوث الترقية والألقاب العلمية، في الجامعات الخاضعة لأيديولوجيات سلطات شمولية.

وسائل التواصل أثرها لا يقل عن أثر المدارس، بل أثر وسائل التواصل في التنشئة والتربية والتعليم والتثقيف أعظم من أثر المدارس اليوم. تعيد هذه الوسائلُ انتاجَ القيم الأخلاقية، والذوق الفني، والعلاقات الاجتماعية، على شاكلتها. يصعب جدًا وربما يتعذر إعادةُ دور العائلة في التنشئة الاجتماعية بوسائلها وأساليبها التقليدية الموروثة اليوم. مضمونُ لغة الأبناء غريب على لغة الآباء، ولغةُ الآباء غريبة على لغة الأبناء، لم يعد الأبناءُ يفهمون مضمونَ لغة الآباء، ولم يعد الآباءُ يفهمون لغةَ الأبناء، كأن الكلامَ بينهما كلامٌ بين طرشان.

وسائلُ التواصل أنهكت الأواصرَ التقليدية داخل نسيج العائلة، وعملت على تصدع الروابط الزوجية، وارتفاع نسبة الطلاق، كما تتحدث سجلاتُ محاكم الأحوال الشخصية. يقول: إبراهيم سليم، رئيس صندوق المأذونين الشرعيين بمصر، إن “حالات الطلاق في مصر ستقل بنسبة 60% إذا تم غلق الإنترنت ومنصات مواقع التواصل الاجتماعي”. وفي تصريحات تلفزيونية، قال سليم: “قبل الإنترنت، كان لدينا 84 ألف حالة طلاق في عام 2008، لكن هذا الرقم ارتفع الآن إلى 222 ألف حالة”[3].

مَن يدعو لغلق الإنترنت ومنصات مواقع التواصل الاجتماعي كمَن يطلب عدم استعمال الكهرباء. هذه الدعوة تقفز على الواقع، وتعكس تبسيطًا في إدراك نمط الوجود الجديد للإنسان في العالم، الذي فرضه الحضور الطاغي للإنترنت في مختلف حقول حياة الإنسان وشؤونه ونشاطاته.

لم تعد القيمُ التقليدية كافيةً للوقاية من آثار وسائل التواصل، ولا قوانينُ الحظر والعقوبات المفروضة في بعض الدول، لعجزها عن التحكم التام في الفضاء السيبراني المشاع. سياسيةُ الحظر فضلًا عن أنها غير ممكنة، هي انتهاكٌ للمجال العام، ومصادرةٌ لحق الإنسان في تيسير شؤون حياته وتأمين مختلف احتياجاته المتنوعة. الإنترنت يخدم الإنسانَ في كل مؤسساته ونشاطاته وشؤونه الشخصية والمجتمعية، ولا يمكن أن يستغنيَ عنه مجتمعٌ أو دولةٌ اليوم.

يتفشى النفاقُ السلوكي في وسائل التواصل، وهو أحدُ الأمراض المقيمة فيها. للنفاق السلوكي قوةٌ تدميرية مخيفة على العلاقات الاجتماعية، والقيم الأخلاقية، والتربية الذوقية.‏ تتضخمُ الفردانيةُ المطلقة في حياة جيل الألفية الجديدة، الذي ينفق ساعاتٍ طويلة في وسائل التواصل. أحيانًا وهو يعيش داخل المنزل لا يتواصل مع أحد، غارقًا في أنفاق هذه الوسائل، منقطعًا عن الأب والأم والعائلة. رأيت بعضَهم حتى في أوقات الطعام لا يحضر المائدة مع الأهل.كأن هؤلاء الأبناءَ ضيوفٌ في العائلة. وإن كان الضيفُ يشارك مُضيِّفيه أحاديثهم، يجلس معهم على مائدة طعام واحدة، ويتفاعل مع الأحاديث والمواقف مادام في ضيافتهم. الأبناءُ في الوقت الذي يعيشون فيه داخل البيت بأجسادهم، يعيشون خارجَ البيت بعلاقاتهم الاجتماعية، وروافدِ تربيتهم وتعليمهم وثقافتهم، وهواياتِهم وأمانيهم وأحلامهم، وربما حتى بمشاعرهم وعواطفهم.

[1] الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يعلق في مؤتمر صحفي عقده الخميس 27 تموز/يوليه 2023 في نيويورك على تسجيل ارتفاع قياسي في درجات الحرارة العالمية هذا الشهر: إن عصر الاحتباس الحراري انتهى وبدأ عهد “الغليان الحراري العالمي”. موقع أخبار الأمم المتحدة.

[2] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والكرامة الإنسانية، ص 306، ط 2، 2022، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد، ودار الرافدين، بيروت.

[3] قناة العربية، 20 مارس 2022.

 

https://alsabaah.iq/89020-.html?fbclid=IwAR1HTr5pruVjf0H4kZ9xYlQYLMsQSi9pDdf9yx3ISNKmh_AzAlT-iVhJriA

وسائل التواصل ليست شرًا مطلقًا

وسائل التواصل ليست شرًا مطلقًا

د. عبد الجبار الرفاعي

‏هجاءُ الفلسفة والعلوم والمعارف الحديثة والتكنولوجيات الجديدة والتقدّم لا يختصّ بعصرٍ دون غيره. الإنسان يخاف من تغييرِ نمط حياته، خاصة إذا كان هذا التغييرُ ينقله إلى طورٍ وجودي بديل، ‏لذلك يسارع إلى الإعلان عن خوفه وتحذيره من كلِّ ما هو جديد. يلازم هذا التحذيرَ على الدوام مديح، غالبًا ما يكون غارقًا برسم صورةٍ رومانسية متخيَّلة لكلَّ شيء ينتمي إلى الماضي مهما كان، ويشتدّ هذا المديحُ إن كان الماضي موغِلا في القدم. ‏أكثر الناس في مختلف العصور مسكونين بـ “وهم الزمن الجميل” الذي مضى. يرون بشاعةَ الزمن الذي يعيشون فيه، ويصفونه على الدوام بأنه أسوأ الأزمنة، ‏ويتوهمون أن الناسَ الذين سبقوهم محظوظون بوصفهم عاشوا زمنًا جميلًا، كان العيشُ فيه سهلًا، وحياةُ الإنسان سعيدة، خلافًا لعيشهم الشاقّ وحياتهم الشقية في زمانهم الراهن.

لا يعلمون أن العيشَ دائمًا كان صعبًا، ممارسةُ الإنسان للمهن كانت قاسية، لأنه يستعمل الآلات اليدوية في الزراعة والحرف اليدوية والصناعات المتنوعة قبل اختراع الماكنة البخارية. أحيانًا يأخذ الموقفُ من تبجيل كلِّ شيء في الماضي طابعًا دينيًا، فيصدر تحريمٌ باستعمال التكنولوجيات الجديدة،كما صدر في وقتٍ مبكر في السلطنة العثمانية تحريمٌ بطباعة القرآن الكريم في المطبعة[1]، ‏وتوالى التحريمُ لاستعمال الراديو والتلفزيون والفيديو وغير ذلك من بعض الفقهاء في أزمنة لاحقة. ‏في كلِّ هذه الحالات تتوالد صورٌ فاتنة متخيَّلة للماضي، ويقع تحت تأثيرِ هذا النوع من الصور المفتعلة كثيرٌ من الناس، الذين لا يعرفون ما تقدّمه العلومُ والمعارفُ والتكنولوجيا لتيسيرِ حياة الإنسان، وتحسينِ ظروفه المعيشية وأحواله الحياتية المتنوعة. التكنولوجيا الجديدة تنتج سلسلةَ مشكلات على شاكلتها، عندما تقضي على نمطِ إنتاج سابق تحدث أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية وقيمية وثقافية ونفسية متنوعة،كما حدث بتصفية المهن والحرف اليدوية بالتدريج بعد اختراع الآلة البخارية.

كانت العصورُ الماضية عصورَ استعباد وخضوع، كان الإنسانُ مكلفًا بالطاعة العمياء للسلطان.كي يتمتع الإنسان برعاية السلطان وحمايته عليه ان يكون عبدًا مطيعًا لا ينطق بكلمة “لا” أبدًا. لا أحدَ يتمتع بالحقوق والحريات ذلك الزمان إلا السلطان، السلطان يتكلم والرعية وظيفتها السمع والطاعة. في العصر الحديث ظهرت الحريات والحقوق. الحقوق والحريات تعمل باتجاهين متضادين،كما تسمح للإنسان أن يكون إنسانيًا، تسمح له أن يكون متوحشًا.

أرى من الضروري إعادةَ النظر بتعميم توصيف عصر “التفاهة”[2] للواقع الراهن. الغريبُ أن مصطلحَ “التفاهة” صار لافتةً تُلصق على ما يسود حياةَ الإنسان اليوم، يستعملها كثيرون بأسلوب مبتذل. إذا كان هذا راهنَ وجود الإنسان في العالم، ولكلِّ عصر نمطُ وجودٍ تنكشف فيه كينونةُ الإنسان ويتحقّق نمط وجوده الخاص فيه، فكيف نظهر أنه عصرُ تفاهة، ونضمر الحنينَ لعصور ذهبية متخيَّلة.كان يقال: “دوام الحال من المُحال”، وأضيف إلى ذلك: “عودة الحال إلى الماضي مُحال”. لا يتمكن الإنسانُ من استئناف ماضيه مهما امتلك من إمكانات ووسائل، كلّما حاول العودةَ قبض عليه الواقعُ الذي يعيش فيه وحبسه وعطلّه عن إدراك الأمس واستئنافه كما هو، ومهما فعل سينهك حياتَه ويضيّع مستقبلَه من دون أن يستأنف الأمس.

توصيف عصرنا بـ “التفاهة” يحيل إلى أن العصورَ الماضية كانت ذهبية، وكأن لا موضع فيها للبؤس والشقاء. يتجاهل من يتحدث عن تسيّد “التفاهة” وتغلبها على كلِّ شيء اليوم ذلك البؤسَ والشقاء عندما جرى اجتثاتُ وإبادةُ حضارات الأمريكتين، بعد اكتشاف كولمبس للعالم الجديد سنة 1492، وما تلاه في القرون التالية من تغوّلِ ظاهرة الاستعمار المتوحشة، واسترقاقِ شعوب أستراليا وأفريقيا وآسيا ونهبِ ثرواتها، ومآسي الحربَين العالميتين الأولى والثانية في القرن العشرين، وسقوطِ عشرات ملايين الضحايا الأبرياء، وتدميرِ المدن وإنهاكِ كثيرٍ منها، وجريمةِ الكيان الصهيوني باغتصاب فلسطين، وما جرى ويجري من قتل وتشريد أهلها حتى اليوم.

‏أتحدث عن التخويفِ المبالغ فيه من استعمال وسائل الاتصال والتطبيقات الجديدة في الإنترنت، والتشديدِ على أنها شرٌّ مطلق. ولا أريد الغوصَ بعيدًا في ضوء الموقف الفلسفي للفيلسوف الشهير هيدغر بخصوص ميتافيزيقا التكنولوجيا، وما يختبئ فيها من قدرةٍ مهولة على تغيير منظومات المعتقدات والقيم ورؤى العالم والأفكار.

من مكاسب عصر الإنترنت وشيوع وسائل التواصل القضاءُ على “طبقية التعليم”.كلُّ شيء يريد الإنسانُ تعلّمَه اليوم متاحٌ للجميع بمختلف المراحل العمرية، يعلّمه أمهرُ المعلمين بأحدث الوسائل مجانًا. قبل هذا العصر كان أبناءُ الفقراء أمثالي، يوم كنتُ تلميذًا، عاجزين عن تعلّم اللغات والمهارات المتنوعة. أتألم كلّما تذكرت أمنيةً ضائعة في نفسي، بعد تخرجي في الثانوية قبل نصف قرن عندما كنتُ طالبًا ببغداد، شعرتُ بحاجة ماسة لتعلّمِ اللغة الإنجليزية وإتقانِها. سألتُ زملائي الطلاب، أخبروني بأن مَن يريد إتقانَ الإنجليزية عليه الالتحاقُ بدورات مكثفة في “المعهد البريطاني” في منطقة الوزيرية ببغداد، سألتُ عن أجور كلِّ دورةٍ فعلمتُ بضرورةِ دفع مبلغ باهض، لا أستطيع تأمينَه تلك الأيام. لم تتكرّر مثلُ هذه الفرصة، فضاعت هذه الأمنيةُ وأُضيفت إلى ما ضاع من أمنياتي. بعد سنوات طويلة كان باستطاعتي دفعُ المبلغ وقت توفر المال، لكن لم تعد الرغبةُ ممكنةَ التنفيذ، بعد أن ساقتني الأقدارُ بعيدًا عن مثل هذه الأحلام الجميلة.

سألتُ ولدي علي قبل أيام بعد مناقشته الماجستير، ماذا تفعل هذه المدة؟ فقال: انخرطتُ في معهد أونلاين لتعلم أجود طريقةٍ لتحميص القهوة وتحضيرها. قلتُ له: أعرف أنك خبيرٌ في هذه الصنعة، بعد دوراتٍ متعدّدة على أيدي خبراء محترفين، وممارسةِ المهنة منذ سنوات عمليًا، فلماذا تفعل ذلك؟ قال: أدرس في معهد استرالي متقدّم لتعليم تحضير أجود أنواع القهوة وأغلاها ثمنًا، يتولى التعليمُ فيه أكاديميون متخصصون في هذه الصنعة. هذا المعهد من أفضل المؤسسات التعليمية في هذا المضمار، يدرس فيه أونلاين عشرات الآلاف من قارات عديدة، شهادته معتبرة في كل أنحاء العالم، وأجور التعليم لديهم ليست فاحشة. فوجئت بوجود مثل هذا المعهد، فبادرتُ بسؤال: ومَن يريد تعلمَ صنعة أخرى هل هناك مثل هذا المعهد؟ فقال:كلُّ مَن يرغب بإتقان مهنة مهما كانت، يستطيع التعلّمَ وهو في بيته عبر الإنترنت، وكثيرًا ما يكون التعليمُ مجانًا. أردفتُ بسؤال إنكاري: هل تحضيرُ القهوة يتطلب وجودَ مهارات وتأهيلَ متخصّص لا يتقنه إلا مَن يتعلم في مثل هذه المؤسسة الأكاديمية المختصة؟ فأجاب: حجم التداول في سوق القهوة عشرات المليارات، الجيل الجديد مسحور بالقهوة، لم يعد أكثرُهم يشرب الشاي، القهوة شرابُه المفضل في كلِّ الأوقات. عندما رجعتُ إلى محرك البحث لأتحقّق من حجم التداول، قرأتُ تصريحًا لخبيرٍ بسوق القهوة، جاء فيه: “أكد علي الإبراهيم، المؤسس والمدير التنفيذي لتطبيق COFE، وهو عبارة عن سوق إلكترونية للقهوة، أن سوق القهوة العالمية التي يبلغ حجمها اليوم 150 مليار دولار، ستنمو بعشر مرات خلال السنوات الخمس المقبلة، على الرغم من مشكلة الجفاف، وتقطّع سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار البن مؤخراً”[3].

من المكاسب الأخرى لعصرِ الإنترنت وشيوعِ وسائل التواصل الحدُّ من تضخمِ “طبقية العلاقات الاجتماعية” وأرستقراطيتها الممقوتة، وعيشِ الطبقة العليا في حصون منيعة بعيدًا عن المجتمع. وسائل التواصل كسرت حصونَ الأسوار المغلقة، وفكّكت كثيرًا من شكليات البروتوكولات الزائفة، وحاصرت الشخصياتِ السياسية والاجتماعية والثقافية في قصورهم وأبراجهم العاجية، واضطرتهم للخروج والعودة لحياة المجتمع والتواصل مع شؤون الناس وهمومهم.

[1] كتب الفقيه المغربي محمد بن إبراهيم السباعي المتوفى سنة 1332هـ: “رسالة في الترغيب في المؤلفات الخطية، والتحذير من الكتب المطبوعة، وبيان أنها سبب في تقليل الهمم وهدم حفظ العلم ونسيانه”.

[2] صدر كتاب: “نظام التفاهة” للمفكر الكندي آلان دونو، ترجمة وتعليق: مشاعل عبد العزيز الهاجري، 2022، دار سؤال.

[3] العربية.نت، بتاريخ 3 ديسمبر 2023.