Category: Uncategorized

تصنيفات

أحدث المقالات

Follow me on Twitter

ماتعد به فلسفة الدين

مفهوم التدين وأنماطه

ما أعنيه بعلم الكلام الجديد والمتكلم الجديد

الأرشيف

وسوم

المكتبة

سلة المشتريات

اللغة فضاء لتشكّل السلطة

اللغة فضاء لتشكّل السلطة

د. عبد الجبار الرفاعي

تسهم اللغة، بما تمتلكه من تأثير وحضور واسع، في ترسيخ المعتقدات والأنظمة والسلطات، وتوجيه الوعي، وإدارة المشاعر، وتشكيل اللاشعور الجمعي، من دون أن تلفت الانتباه إلى فعلها الخفي. تنسج اللغة في الحياة اليومية شبكات دقيقة من التأثير، وتبني السلطة في مؤسسات المجتمع وأجهزة الدولة، وتنتج البنى الرمزية التي تمنحها معناها، وتسوّغ مشروعيتها، وتصوغ صورتها في المتخيل، وترسخ شرعيتها في الوعي.

اللغة من أعمق أدوات السلطة وأبرعها في بناء الهيمنة وترسيخ النفوذ وتغلغله. السلطة، سياسية كانت أم روحية، قديمة أم حديثة، تتخفى في كلمات اللغة وأساليبها وبياناتها المراوغة، وتحكم بها وعي الأتباع ولاوعيهم، وتوجه أفكارهم ومشاعرهم، حتى يغدو الخضوع استجابة طوعية لا إكراهًا ظاهرًا فيها. تتسلل السلطة إلى الوعي عبر المفردات والشعارات التي تكررها، والتأويلات التي تحتكرها، والمعاني التي تصوغها. حين تستأثر بتعريف المفاهيم، وتمنح الكلمات دلالات تخدم مصالحها، تعيد تشكيل الإدراك، وتصوغ صورتها في المتخيل، وتنتج الانقياد عن اقتناع.

أخطر أشكال السلطة ما يتخفى في اللغة، ويتسلل إلى الوعي في صورة مسلمات وقيم ومفاهيم تبدو محايدة. حين تستوطن لغة السلطة لاشعور الإنسان، يتحول الرقيب الخارجي إلى رقيب داخلي؛ فيخشى أسئلته، ويقمع اختلافه، ويرى العالم بعينيها، ويتكلم بلسانها، وهو يتوهم أنه يعبر عن ذاته. لا تنهض المجتمعات ما لم تسترد اللغة حيويتها، وتتحرر من احتكار المعنى، وتنفتح على السؤال والنقد وتعدد الأصوات. اللغة الحية لا تغلق الوعي على معنى نهائي، ولا تمنح أحدًا حق الاستئثار بالحقيقة؛ إنها تكشف ما تحجبه اللغة المهيمنة، وتمكن الإنسان من تسمية الأشياء بصوته، واكتشاف المعنى وبناء ذاته.

تبدأ مقاومة الهيمنة بنقد لغتها، وكشف المصالح المستترة في مفرداتها، وأنماط الإخضاع المضمرة في مفاهيمها، وتحرير الأسماء من احتكار السلطة. تتحرر اللغة حين تسترد قدرتها على تسمية الأشياء كما هي، وتفضح الأقنعة اللفظية التي تمنح القمع شرعية، والإقصاء قبولًا، والخضوع مظهر الطاعة. لا تتحقق حرية الإنسان ما لم تتحرر لغته من الخوف وادعاء امتلاك الحقيقة، وتعترف بحقه في السؤال والاعتراض وفي أن يكون مختلفًا. تحرير اللغة تحرير للوعي، وتحرير الوعي بداية استرداد الإنسان حريته وكرامته.

لا تعمل السلطة بالقوة وحدها، بل تتغلغل لغتها في حياة الناس، وتشدهم إلى منظومة من المفاهيم والمعاني والقيم التي ترسخ حضورها، وتجعل رؤيتها للعالم تبدو محايدة. اللغة فضاء تتشكل فيه السلطة، وتعيد من خلاله إنتاج ذاتها، وتوجه طرائق التفكير والإحساس، وتحدد ما يجوز قوله وما ينبغي الصمت عنه. لكل سلطة معجمها الخاص وتسمياتها التي تعيد بها رسم الواقع وفقًا لمصالحها؛ لأن احتكار اللغة يفضي إلى احتكار نظام إنتاج المعنى، مَن يحتكر نظام إنتاج المعنى يمتلك سلطة خفية على الوعي.

في اللغة تتخلق البنى الرمزية التي تمنح السلطة معناها، وتسوغ وجودها، وترسخ شرعيتها. لا تفرض السلطة حضورها بالقوة وحدها، إذ تحتاج إلى معجم يعيد تسمية أفعالها، وصور رمزية تكسبها القبول، وسرديات تقنع الناس بأن حكومتها ضرورية للأمن والتنمية، وأن الخضوع لها يضمن الاستقرار والحماية مما يهدد حياة المواطنين وعيشهم. تتغلغل لغة السلطة في التعليم والإعلام والقانون والخطابين السياسي والديني، فتشد الأفراد إلى منظومة من المعايير والشعارات التي تكرس هيمنتها، وتجعلهم يرون الواقع من خلال مفاهيمها وتسمياتها، ويحكمون على الأشياء وفقًا لمعاييرها.

اللغة بهذا المعنى فضاء تتولد فيه السلطة، وأداة تعيد بها إنتاج ذاتها وتشكيل الوعي وترسيخ اللاوعي بما يحفظ مصالحها. تبلغ الهيمنة ذروتها حين تتحول لغة السلطة إلى لغة المجتمع؛ فيتكلم الناس بمفرداتها، ويفكرون بمقولاتها، ويتبنون معاييرها وأحكامها، ويدافعون عن مصالحها، من دون أن يدركوا أنها استوطنت وعيهم، وصاغت إدراكهم، ورسمت حدود ما يحق لهم التفكير فيه والتعبير عنه. عندئذ لا تحتاج السلطة إلى إعلان حضورها في كل مرة؛ لأنها تغدو صوتًا داخليًا يتكلم في الإنسان، ويوجه نظرته إلى ذاته والآخر والعالم.

حين تتشكل العلاقات بين البشر وفق منطق السلطة، تتحول اللغة إلى أداة لتوجيه السلوك وضبط الأفعال. لا تستقر لغة السلطة في صورة واحدة؛ فقد تظهر في صيغة أمر صارم، أو في نبرة استعطاف ولطف، أو تمزج بينهما في خطاب يتخفى فيه القسر وراء لطف يستدرج القبول، وتتوارى فيه إرادة الإخضاع خلف عاطفة مصطنعة. تستعمل السلطات والمؤسسات والجماعات اللغة لفرض معايير تخدم مصالحها، فتمنح نفسها حق تعريف الحقيقة واحتكار تفسيرها، وتحدد للناس كيف يفهمون الواقع، وتحاصر كل رؤية لا تتطابق مع رؤيتها. تعيد اللغة تشكيل الوعي، وتغرس في الإنسان صورًا وتمثلات تتراكم بمرور الزمن، حتى يتلقاها كأنها حقائق نهائية لا تقبل السؤال أو الاختلاف. تبلغ الهيمنة مداها حين يفقد الإنسان القدرة على التمييز بين صوته وصوت السلطة المستوطن في داخله، فيظن أنه يفكر بحرية، فيما تعيد أفكاره إنتاج معاييرها وأحكامها ومصالحها.

كما تعمل السلطة السياسية على بناء سلطتها باللغة، تعمل السلطة الروحية على ترسيخ المعتقدات في العبادات والطقوس والمواعظ والحكايات والأدعية والأمثال، وربطها بالمقدس، وإضفاء الهيبة على مفرداتها ورموزها. بالتكرار تستقر هذه المعتقدات في الوعي وتتكرس في اللاوعي، وتكتسب حصانة رمزية تجعل مساءلتها عسيرة، فيغدو الاعتراض عليها اعتراضًا على المقدس ذاته. لا يقتصر دور اللغة على حفظ المعتقدات ونقلها، وإنما تصوغ مفاهيمها وصورها، وتحدد طرائق تلقيها، وترسم الحدود بين المقدس والمدنس، والإيمان والضلال، والطاعة والعصيان. يستمد المعتقد حضوره من اقترانه بالأماكن والأزمنة والمناسبات الدينية والشعائر الجماعية، فينتقل من فكرة يتلقاها العقل إلى معنى تعيشه الذات في مشاعرها، ويصير جزءًا من ذاكرتها وخيالها ونظرتها إلى نفسها والعالم. حين يقترن المعتقد بالخوف والرجاء، والثواب والعقاب، والقبول والنبذ، يزداد رسوخًا في أعماق الإنسان، وتصير مساءلته تهديدًا لأمنه النفسي ومكانته الاجتماعية وانتمائه إلى الجماعة، لا مراجعة لفكرة.

يتكرس أثر السلطة الروحية حين تتحدث باسم الله، وتمنح تفسيرها صفة القداسة، وتخلع على أحكامها حصانة تعلو على النقد؛ فتغدو طاعتها مرادفة لطاعة الله، ويغدو الاعتراض عليها خروجًا على الإيمان. تستمد هذه السلطة نفوذها من قدرتها على إدارة الخوف والأمل، وتوزيع الاعتراف والحرمان، وتحديد من ينتمي ومن يقصى، ومن يستحق الخلاص ومن يستوجب العقاب. عندئذ تتحول اللغة إلى حارس للمعتقد، يعيد إنتاجه في الضمير والذاكرة، ويمنحه القدرة على البقاء والانتقال بين الأجيال.

خلافًا للمعتقد المغلق الذي يحتكر النجاة، يكون الإيمان الحر منبعًا للمعنى والرحمة والسكينة، وطاقة لتحرير الإنسان من الخوف والاستعباد. يبدأ الانحراف حين تستثمر السلطة الروحية حاجة الإنسان للصلة بالله، وتقدم اجتهادها النسبي كأنه حكم إلهي نهائي. ينشأ عن ذلك تدين يخشى السؤال، ويرى النقد اعتداء على الدين، والاختلاف خروجًا على الجماعة. الإيمان المُحرِّر لا يصادر العقل، ولا يطفئ صوت الإنسان، ولا يحول صلته بالله إلى خضوع لوسيط يتحدث باسمه. تتحرر لغة الإيمان حين تميز بين النص المقدس وقراءاته البشرية، وتعترف بمحدودية المعرفة الدينية وتاريخية فهمها، وتستعيد وظيفتها الروحية والأخلاقية في إيقاظ الضمير، وتغذية الأمل، وصيانة الكرامة، واكتشاف معنى وجود الإنسان وحياته.

https://alsabaah.iq/137915-.html

 

قائمة برسائل الدراسات العليا المنجزة لدراسة مشروع عبد الجبار الرفاعي في تجديد الفكر الديني في جامعات عراقية وعربية وأجنبية.

تمت يوم الخميس 11-6-2026، مناقشة الرسالة التي قدّمها الطالب مخلوف شمس الدين في كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة عبد الحميد مهري – قسنطينة 2 في الجزائر، بعنوان: “علم الكلام الجديد في فكر عبد الجبار الرفاعي: من العقدية التقليدية إلى الروحانية المعاصرة”. وقد مُنحت الرسالة تقدير “جيد جدًا”.

هذه الرسالة هي الحادية والثلاثون في تسلسل الرسائل المنجزة لدراسة مشروع عبد الجبار الرفاعي في تجديد الفكر الديني في جامعات عراقية وعربية وأجنبية.

 وفيما يأتي قائمة بما تمت مناقشته حتى اليوم:

 أولا. الدكتوراه:

  1. الفكر الإسلامي المعاصر والتجديد في علم الكلام: عبدالجبار الرفاعي أنموذجا، اطروحة دكتوراه، صافية مناد،كلية العلوم الاجتماعية في جامعة وهران بالجزائر، 2020.
  2. النزعة الإنسانية في الفكر العربي المعاصر عند حسن حنفي وعبد الجبار الرفاعي، اطروحة دكتوراه، حسين علي منصور، كلية الآداب بجامعة بغداد، 2024.
  3. في تأويلية علم الكلام: قراءة زمانية مركبة في أعمال يمنى طريف الخولي وباسل الطائي، وعبد الجبار الرفاعي ومحمد إقبال، إيمان مخينيني، أطروحة ما بعد الدكتوراه، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة سوسة في تونس، 2023.
  4. الموقف من التصوف الإسلامي في الفكر العربي المعاصر: من العراق هادي العلوي، وعبد الجبار الرفاعي، ومن مصر زكي نجيب محمود، وعبد الرحمن بدوي، ومن سوريا طيب تيزيني، وأدونيس، ومن المغرب محمد عابد الجابري وطه عبدالرحمن، اطروحة دكتوراه، رغد سليم داود، كلية الآداب في الجامعة المستنصرية ببغداد، 2024.
  5. نقد العقل التراثي، جيل ما بعد محمد باقر الصدر في العراق: “عمار أبو رغيف، كمال الحيدري، يحيى محمد، عبد الجبار الرفاعي”، اطروحة دكتوراه، علي المدَن، جامعة الأديان والمذاهب بقم، 2016.

ثانيا. الماجستير:

  1. التجديد في الفكر الإسلامي المعاصر: الدكتور عبد الجبار الرفاعي أنموذجا، مروة حسن فرحان الأعرجي،كلية الآداب بجامعة الكوفة، 2017.
  2. تفكيك بنية التعصب في الفكر الإسلامي: الدكتور عبد الجبار الرفاعي أنموذجا، علي قاسم محمد، كلية العلو الإسلامية بجامعة بغداد، 2018.
  3. النزعة الإنسانية في علم الكلام الجديد عند عبد الجبار الرفاعي، أحمد لقمان فهمي، المعهد العالي للحضارة الإسلامية، جامعة الزيتونة، 2019.
  4. علم الكلام الجديد عند عبد الجبار الرفاعي: عرض ومناقشة، راضية نوري، وفاء بن قطران، معهد العلوم الإسلامية بجامعة الشهيد حمه لخضر في الوادي بالجزائر، 2020.
  5. الانهمام بالإنسان في علم الكلام الجديد: عبد الجبار الرفاعي نموذجا، بن شليخ مريم،كلية العلوم الاجتماعية في جامعة عبد الحميد بن باديس في مستغانم بالجزائر، 2021.
  6. التجديد الديني في الفكر الشيعي المعاصر: عبد الجبار الرفاعي أنموذجا، طارق أمين، كلية الآداب والفنون والإنسانيات بجامعة منوبة في تونس، 2022.
  7. التجديد في علم الكلام الأسلامي: عبد الجبار الرفاعي أنموذجا، أسعد صباح شنان،کلیة الفلسفة بجامعة الأدیان والمذاهب في قم، 2022.
  8. مسألة الكرامة الإنسانية في علم الكلام المعاصر بين مشروعي عبد المجيد النجار وعبد الجبار الرفاعي، مسعودة الأعور، مروة عـــــزوز، معهد العلوم الإسلامية بجامعة الشهيد حمه لخضر الوادي، 2022.
  9. فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد عند عبد الجبار الرفاعي، سهيلة شريكي، كلية العلوم الإنســـانية والاجتمــــاعية بجامـــــعة محمد بوضيـــــاف – مسيـــلة في الجزائر، 2022.
  10. الإنسان بين علم الكلام القديم وعلم الكلام الجديد: الراغب الأصفهاني وعبد الجبار الرفاعي نموذجا، هاجر فرزولي، كلية العلوم الإسلامية، جامعة باتنة -1 الحاج لخضر، الجزائر، 2023.
  11. تجديد علم الكلام الجديد عند عبد الجبار الرفاعي، حراث أنغام، مشري روفيدة، كلية العلوم الإنســـانية والاجتمــــاعية بجامعة الشهيد الشيخ العربي التسي بتبسة، الجزائر، 2023.
  12. الكرامة الإنسانية في فكر الدكتور عبد الجبار الرفاعي من خلال كتابه الدين والكرامة الإنسانية، زينب بشار أحمد الخفاف، كلية العلوم الإسلامية بجامعة الموصل، 2023.
  13. مبادئ تفسير القرآن عند الدكتور عبد الجبار الرفاعي: دراسة نقدية،كلية العلوم والمعارف القرآنية في جامعة الاديان والمذاهب بقم، 2023.
  14. النزعة الإنسانية في علم الكلام الجديد: دراسة مقارنة بين محمد أركون وعبد الجبار الرفاعي، داود سالم عيسى حسن،کلیة الفلسفة بجامعة الأدیان والمذاهب في قم، 2023.
  15. مفهوم الوحي عند عبد الجبار الرفاعي وحيدر حب الله، سرى مقداد شاكر،كلية الآداب بجامعة بغداد، 2024.
  16. فلسفة الدّين في فكر عبد الجبّار الرّفاعي: أنسنة الإسلاميّات أم أسلمة الإنسانيّات؟، روي روبير عيد، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجامعة اللبنانية، 2024.
  17. التحربة الدينية في علم الكلام المعاصر: عبد الجبّار الرّفاعي أنموذجا، مريم عزيز عبد، كلية الآداب، جامعة واسط بالعراق، 2024.
  18. موقف عبد الجبار الرفاعي من التراث الكلامي الإسلامي: عرض ومناقشة، شروق محمد محمد هاشم بصرة، كلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر، 2024.
  19. الإنسان ومشكلة المعرفة في فكر الدكتور عبد الجبار الرفاعي، منال عوني عبد الخالق غنيم،كلية الآداب بجامعة طنطا، مصر، 2025.
  20. آفاق فلسفة الدين عربيا: عبد الجبار الرفاعي انموذجا، بلبية فريحة، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، بجامعة ابن خلدون، في مدينة تيارت، غربي الجزائر، 2025.
  21. التجربة الدينية دراسة مقارنة بين محمد إقبال وعبد الجبار الرفاعي، فاطمة صالح عزيز، كلية الامام الكاظم ببغداد، 2025.
  22. 27. سؤال التجديد في علم الكلام الجديد: عبد الجبار الرفاعي انموذجا، اعداد: شيماء قدح، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية في جامعة محمد بوضياف المسيلة في الجزائر، 2025.
  23. أثر الهرمنيوطيقا في فهم النص الديني عند عبد الجبار الرفاعي، ميس السراي، كلية التربية للعلوم الإنسانية، جامعة واسط بالعراق، 2025.
  24. تجديد الفكر الفلسفي والديني لدى عبد الجبار الرفاعي”، بلال الحمداني، كلية الإلهيات في جامعة دكوز ايلول في مدينة ازمير، تركيا، 2026.
  25. منهج الدكتور عبد الجبار الرفاعي في كتابه مقدمة في علم الكلام الجديد، محمود الطائي، كلية العلوم الإسلامية، جامعة الموصل، 2026.
  26. علم الكلام الجديد في فكر عبد الجبار الرفاعي: من العقدية التقليدية إلى الروحانية المعاصرة، مخلوف شمس الدين، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة عبد الحميد مهري، قسنطينة 02، الجزائر، 2026.

 

 

 

نحو لاهوت إسلامي للحوار بين الأديان عند عبد الجبار الرفاعي

نحو لاهوت إسلامي للحوار بين الأديان

قراءة نقدية لـ “علم الكلام الجديد” عند عبد الجبار الرفاعي

إيمانويل بيزاني[1]

منذ ثمانينيات القرن العشرين، عرّف عدد من المثقفين المسلمين أنفسهم بأنهم ينتمون إلى “علم كلام جديد”، أو دعوا إلى تطويره. ومن بينهم الفيلسوف عبد الجبار الرفاعي، الذي ألّف كتابًا تمهيديًا في هذا الحقل الناشئ، دعا فيه إلى قطيعة إبستمولوجية والتخلي عن علم الكلام التقليدي، لأنه، بحسب رأيه، عاجز عن الإجابة عن الأسئلة التي تطرحها الحداثة. ويسعى هذا المقال، في الوقت نفسه، إلى الإسهام في التعريف الأكاديمي بمفكر ما يزال قليل الحضور في الغرب، وإلى تقويم الإطار النظري الذي يقترحه في ضوء الحوار بين الأديان. ذلك أن علم الكلام التقليدي تشكّل أساسًا ضمن موقف دفاعي اعتذاري، مما جعله غير مهيأ للانخراط في حوار ديني بنّاء يحترم إيمان الآخر من دون السعي إلى تحويله أو استقطابه.

ومن هنا يطرح المقال السؤال الآتي: هل ينجح “علم الكلام الجديد”، كما يصوغه الرفاعي، في وضع الأسس اللازمة لقيام لاهوت إسلامي للحوار بين الأديان؟ هذا السؤال التوجيهي سيكون منطلقًا لهذا التقييم. إن “اللاهوت الجديد” أو “علم الكلام الجديد” صار اليوم اسمًا لحقل معرفي يُدرَّس في المعاهد وكليات العلوم الدينية، ويحظى باهتمام أكاديمي متزايد. هل ينجح “علم الكلام الجديد”، كما يصوغه الرفاعي، في وضع الأسس اللازمة لقيام لاهوت إسلامي للحوار بين الأديان؟ هذا السؤال التوجيهي سيكون منطلقًا لهذا التقييم.

من بين المجلات التي تُعنى بـ”علم الكلام الجديد” في إيران: “نقد ونظر”، و”هفت آسمان” (السماوات السبع). أما مجلة “إسلاميات” فتصدر عن لاهوتيي مدرسة أنقرة، وفي العراق تصدر: “مجلة قضايا إسلامية معاصرة”، التي أصدرها عبد الجبار الرفاعي قبل 30 عامًا، وقد صدر عددها الأخير الشهر الماضي، أصدرت هذه المجلة 82 عددًا مرجعيا في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد. وفيما يتعلق بنشأة علم الكلام وتشكّله في مدارس كبرى، يُحال إلى دراسات جوزيف فان إس حول بدايات اللاهوت الإسلامي، وإلى أعمال أخرى تناولت تشكّل الفلسفة الإسلامية فيما بعد العصر الكلاسيكي وفلسفة علم الكلام.

ويشير عبد الجبار الرفاعي في كتابه “مقدمة في علم الكلام الجديد” إلى أن هذا العلم نشأ من التساؤل حول طبيعة كلام الله ومعناه. ومع ذلك، فإن الرؤية والتشخيص اللذين يقدمهما الرفاعي لعلم الكلام يتعلقان أساسًا بالعالم العربي، ولا ينصفان، بحسب كاتب المقال، الحيوية التي عرفها الفكر اللاهوتي الإسلامي في فضاءات جغرافية أخرى، وهو ما عبّر عنه المفكر شهاب أحمد بمفهوم “المجال الممتد من البلقان إلى البنغال”، وهو فضاء واسع يمتد من جنوب شرق أوروبا إلى البنغال في جنوب آسيا، ويشمل الدولة العثمانية وإيران وآسيا الوسطى وشبه القارة الهندية. ويستعمل شهاب أحمد هذا المفهوم لبيان ثراء وتنوع التعبيرات الإسلامية، ومنها الفكر الكلامي، في المدة الممتدة بين 1350 و1850، وهي مرحلة شهدت ازدهارًا فكريًا وفنيًا وروحيًا واسعًا.

في هذا السياق، سعى عدد من المفكرين، منذ القرن التاسع عشر، إلى تطوير علم الكلام واستعادة الروح التي تأسس عليها في بداياته. ومن هذه الدينامية وُلد “علم الكلام الجديد”، الذي يُنتظر منه أن يستجيب للحاجات والتطلعات المعاصرة انطلاقًا من الكلمة الإلهية، ومن ثم من ظاهرة الوحي نفسها. غير أن هذا التيار لا يقدم نفسه بوصفه مدرسة موحدة، إذ يضم تحت هذه التسمية مفكرين تختلف افتراضاتهم وأطرهم الإبستمولوجية.

وفي هذا الإطار كرّس الفيلسوف العراقي عبد الجبار الرفاعي، المولود سنة 1954 في ذي قار بالعراق، مشروعه الفكري لعلم الكلام الجديد في العالم العربي. وبعد دراسات متنوعة شملت دبلومًا زراعيًا سنة 1975، ودراسات دينية تقليدية في النجف وقم، ثم بكالوريوس في العلوم الإسلامية سنة 1988، وحصل على ماجستيرًا في علم الكلام سنة 1990، ودكتوراه في الفلسفة الإسلامية سنة 2005، ونال لقب الأستاذية سنة 2012. ويترأس اليوم مركز فلسفة الدين في بغداد. ألّف الرفاعي ستين كتابًا، من أبرزها “مقدمة في علم الكلام الجديد”، واستلهم في مشروعه أعمال مفكرين هنود وباكستانيين، مثل شاه ولي الله الدهلوي، وسيد أحمد خان، ومحمد إقبال، وفضل الرحمن، إضافة إلى الفلسفات المعاصرة والهرمنيوطيقا. ويسعى الرفاعي إلى استعادة الحيوية الروحية للدين، وعمقه الأخلاقي، وبُعده الجمالي، عبر القطيعة مع التكرار العقيم الذي لم يعد قادرًا على الإجابة عن القلق الوجودي المعاصر، والذي يفضي أيضًا إلى شرعنة إقصاء الآخر، ورفض التعددية الدينية، وإنكار أي أساس لاهوتي للحوار بين الأديان.

ومن خلال هذه المقاربة، يسعى عبد الجبار الرفاعي إلى استعادة تفكير خلاق وحدسي ورمزي، يتيح بناء تفسير جديد للوحي الإلهي. وهو يرى أن تجديدًا جذريًا للمقولات اللاهوتية وحده القادر على استعادة الطاقة الروحية للإسلام، وفي الوقت نفسه تأسيس حوار ديني صادق بين الأديان. ويهدف “علم الكلام الجديد”، في هذا الأفق، إلى القطيعة مع كل أشكال الشرعنة اللاهوتية للتمييز والعنف التي تستمد مبادئها وأسسها من علم الكلام التقليدي.

من هنا يطرح الرفاعي السؤال الآتي: هل تشكل الافتراضات الإبستمولوجية، والمقولات اللاهوتية، والغايات التي يتصورها لعلم الكلام الجديد، جهازًا لاهوتيًا فعّالًا حقًا لبناء لاهوت منفتح على الحوار بين الأديان، بوصفه السدّ الوحيد في مواجهة أخطار الصراعات الجديدة التي تغذيها القراءات المغلقة والإقصائية؟ وبعد عرض الانتقادات التي يوجهها الرفاعي إلى علم الكلام التقليدي، والمآزق التي يرى أنه يوقع فيها التفكير في التعددية الدينية، سينتقل الكاتب إلى تحليل المبادئ. وبعد عرض الانتقادات التي يوجهها عبد الجبار الرفاعي إلى علم الكلام التقليدي، والمآزق التي يرى أنه يوقع فيها التفكير في التعددية الدينية، سينتقل الكاتب إلى تحليل المبادئ المؤسسة لعلم الكلام الجديد، قبل تقويم مدى قدرته الفعلية على إعادة تأسيس فضاء لاهوتي مهيأ للحوار بين الأديان.

أولًا: عجز علم الكلام عن الحوار بين الأديان

يرى عبد الجبار الرفاعي أن عجز علم الكلام عن تقديم أطر لاهوتية صالحة للحوار، سواء مع أتباع الديانات الأخرى أو مع العالم الحديث، يعود إلى عدة عوامل. فمن جهة، تحمل هذه المنظومة الكلامية تصورًا لاهوتيًا لله يقوم على منطق السيد والعبد. ومن جهة أخرى، ظلّ علم الكلام مشبعًا بوظيفته الأصلية المتمثلة في الدفاع عن الإسلام وحمايته، الأمر الذي قاده كثيرًا إلى ممارسة التكفير، وهي ممارسة ما تزال آثارها حاضرة، على الأقل في الذهنيات، رغم تخلي مؤسسات أكاديمية عديدة، مثل الأزهر الشريف، عن استعمالها الصريح. كما أن مساواة علم الكلام بالدين نفسه أسهمت في تجميد الفكر اللاهوتي الإسلامي، وحكمت عليه بالتكرار المستمر، في مفارقة لافتة.

وعلى المستوى اللاهوتي، يسلّط الرفاعي الضوء على المشكلة الأساسية في علم الكلام، والمتمثلة في أن تصوره لله يتأسس على جدلية السيد والعبد، وهي بنية موروثة من العصور القديمة والعالم البيزنطي، انتقلت إلى الفكر الكلامي الإسلامي من دون مراجعة نقدية. فهذه العلاقة الهرمية، التي يُنظر فيها إلى الله بوصفه سيدًا مطلقًا، وإلى الإنسان بوصفه عبدًا ملزمًا بالخضوع الكامل، أثّرت بعمق في بناء العقائد الكلامية الإسلامية. كما أنها، بحسب الرفاعي، شكّلت المخيال الديني للمسلمين في علاقتهم بالعالم وبالآخر. وبدل أن تفتح أفقًا لحوار أو لتفكير في المسؤولية الإنسانية، حصرت العلاقة بالله في بنية تقوم على السيطرة والطاعة، حيث لا يتحدد الإنسان إلا عبر محو ذاته أمام إرادة إلهية تُتصوَّر وكأنها إرادة اعتباطية لا تخضع للمساءلة. وينتج عن ذلك، بحسب الرفاعي، نوع من “الاغتراب الوجودي” لدى المؤمن تجاه العالم، إذ لا يعود قادرًا على التفكير الحر، ولا على بناء علاقة تقوم على التبادلية أو المسؤولية، بل يبقى سجين منطق الخضوع الكلي، البعيد عن متطلبات العالم الحديث. ويرى الكاتب أن علم الكلام الأشعري، حين بالغ في تأكيد القدرة المطلقة لله على حساب العدالة، بحيث يبقى الله حرًا في مكافأة من يشاء، أسهم في شرعنة نوع من الاستبداد العمودي الذي يتسرّب إلى الحياة اليومية ويتجلى فيها.

ومن البديهي أن مثل هذا اللاهوت يترك أثرًا حاسمًا في المجال السياسي للمجتمعات الإسلامية، إذ يميل، بفعل انعكاسه على الواقع، إلى تبرير أنماط الاستبداد وترسيخها. وينتج عن ذلك، بحسب عبد الجبار الرفاعي، تربية على الخوف تؤسس لثقافة “العبودية الطوعية”، وتبني المجتمع بصورة هرمية وفق العلاقة بالعقيدة والإيمان. ففي إطار هذا اللاهوت يُصنَّف أفراد المجتمع تصنيفًا عموديًا بحسب مراتبهم العقدية؛ فالمؤمنون بالعقيدة الرسمية يحتلون قمة السلم، أما الآخرون فيوضعون في مراتب أدنى، من غير أن يُسمح لهم ببلوغ المكانة العليا. ونتيجة لذلك، لا تتحدد حقوق الإنسان وحرياته ومسؤولياته على أساس المواطنة أو الانتماء الوطني، وإنما على أساس درجة ولائه العقدي وإيمانه. ويرى الرفاعي أن هذه الرؤية التي أنتجها علم الكلام وأسهم في ترسيخها تتناقض مع أي إمكان للتعايش السلمي والمتكافئ بين الجماعات، وتجعل الحوار بين الأديان عاجزًا عن أن يكون حوارًا مثمرًا يواجه التمييز ويؤسس لـ “مواطنة كونية”، مهما ارتفعت اليوم الأصوات الإسلامية الرسمية الداعية إلى ذلك. ومن جهة أخرى، يتجلى هذا الاغتراب في صورة أنثروبولوجية فقيرة للإنسان. فقد أسهم علم الكلام، بحسب الرفاعي، في تشكيل منطق يقوم على “ترويض” الإنسان و”تنميط” سلوكه ومعتقداته وحتى تعبيراته العاطفية. ومن خلال إنكار فرادة كل إنسان وخصوصيته، قوّض هذا التفكير الأسس اللاهوتية للكرامة الإنسانية، وهي الأسس الضرورية للاعتراف بالآخر. وفي ظل هذا الأفق يُنظر إلى المختلف، سواء كان من أتباع دين آخر، أو مفكرًا نقديًا، أو صاحب تجربة روحية مغايرة، على أنه تهديد للوحدة العقدية، ومن ثم يجري إقصاؤه.

هكذا ترسخت ثقافة لاهوتية قائمة على الإقصاء، تتجلى في ممارسة التكفير، التي جرى تبريرها باسم حقيقة واحدة مغلقة على نفسها. ولذلك يرى الرفاعي أن الإطار التقليدي لعلم الكلام، وما يتفرع عنه من فقه، يجعل من المستحيل بناء لاهوت إسلامي للحوار بين الأديان، أو تأسيس مواطنة جامعة غير تمييزية. فعلم الكلام، بكل امتداداته، ظل يسعى إلى حماية الإسلام من كل أشكال التجديد، وإثبات حقيقته في مواجهة المدارس الأخرى التي يعدّها منحرفة، أو الأديان الأخرى التي يعتبر عقائدها ضلالًا. ومن خلال تحويل التكفير إلى أداة لحماية “الفرقة الناجية”. ومن خلال تحويل التكفير إلى أداة لحماية “الفرقة الناجية”، أصبح من المتعذر، بحسب عبد الجبار الرفاعي، قيام أي حوار صادق أو تعايش حقيقي. ولذلك يخلص إلى نتيجة حاسمة مفادها أن التكفير في علم الكلام والفقه يمنع المسلم من المشاركة العضوية والخلاقة في حياة المجتمعات المتعددة دينيًا وثقافيًا، كما يمنع نشوء المواطنة بوصفها أساس الدولة الحديثة، ومن ثم يصبح بناء دولة حديثة أمرًا مستحيلًا في البلدان التي تتخذ من علم الكلام والفقه مرجعًا للدساتير والقوانين والبرامج العامة. ويؤكد الرفاعي أن هذا المنطق قاد إلى تبرير العنف من أجل تشكيل مجتمع يتكون من “نسخ متطابقة”، تتشارك الصفات ذاتها والأفكار المتماثلة والمشاعر المتشابهة. وهكذا لم يقتصر هذا النظام على تهميش الاختلاف، وإنما اختزل الإيمان في مطابقة صارمة، الأمر الذي جعل أي حوار، سواء داخل الإسلام أو بين الأديان، شبه مستحيل. ويرى أن هذا المنطق نفسه يتجلى اليوم في المبدأ السلفي المعروف بـ”الولاء والبراء”، الذي يقصي كل من لا يشارك الجماعة عقيدتها، والذي استند إليه تنظيم داعش في تبرير العنف واستخدام السيف. كما يظهر هذا المبدأ في تقييد الإحسان إلى الآخر، إذ يُنظر، ضمن هذا التصور، إلى أن فعل الخير مع من يُعتقد أنه من أهل الهلاك أمر غير ملائم. ويبيّن الرفاعي كيف أن الأدبيات المنبثقة من علم الكلام والفقه تبرر الاستيلاء على أموال غير المسلم، أو تجعل كل طعام محرّمًا على غير المؤمن. ويرى الرفاعي أن هذا التوجه يمثل خيانة لرسالة الدين والإيمان، التي يفترض أن تدفع المؤمنين إلى إنجاز أفعال نافعة للإنسانية جمعاء. فبدل أن ينتج علم الكلام مفاهيم ومبادئ تؤسس لإنسانية حقيقية، أفرز، على العكس، منظومات فكرية تغذي باستمرار آليات التمييز والإقصاء. وفي مواجهة ذلك، حاول عدد من المفكرين، منذ قرون، إحياء علم الكلام وإصلاحه في ضوء الفلسفة الحديثة، غير أن هذه المحاولات بقيت هامشية، وواجهت اعتراضات حادة من حراس علم الكلام التقليدي. ويشير الرفاعي إلى أن رفض الفلسفة الحديثة يحمل مفارقة واضحة، لأن علم الكلام نفسه تكوّن تاريخيًا من خلال استيعاب التراث الفلسفي اليوناني، وخاصة فلسفة أرسطو، وتشكّل عبر التفاعل بين الإسلام في بداياته.

وعلى الرغم من الإرث الأولي للفلسفة اليونانية، فإن كثيرًا من علماء الكلام المسلمين يرفضون اليوم أي حوار مع الفلسفة الحديثة والمعاصرة، الأمر الذي يجعلهم عاجزين عن إدماج مسألة إعادة تشكيل العقل العملي وما يترتب عليها من آثار في تفكيرهم اللاهوتي. المفارقة، بحسب عبد الجبار الرفاعي، أن المبرر الذي يُقدَّم لهذا الرفض يقوم على الخوف من “تغريب” علم الكلام، أي من أن يؤدي الانفتاح على فلسفات نشأت خارج الثقافة الإسلامية إلى تشويه طابعه الإسلامي. ويرافق هذا الانغلاق على الفلسفة نوع من المساواة بين علم الكلام والدين نفسه، بحيث تُعدّ كل محاولة لتجاوز المدرسة الأشعرية أو نقدها أو الانفتاح على آفاق جديدة بمثابة طعن في الدين برمته. ولهذا تُفسَّر كل معارضة بوصفها علامة على إنكار الضروري أو بدعة، حتى غدا علم الكلام، الذي كان يُنظر إليه بوصفه “أشرف العلوم”، مصفوفة جامدة منغلقة على ذاتها، كثيرًا ما تحظى بدعم السلطات السياسية التي تستمد منه شرعية حكمها.

يرى الرفاعي أن الخطابات الصادرة عن علماء مسلمين يدعون إلى الحوار بين الأديان لا تتجاوز غالبًا حدود المجاملات واللياقات الأخلاقية من دون أثر حقيقي، لأنها تبقى خارج البنية اللاهوتية التقليدية، ولا تدفع اللاهوت الإسلامي إلى إعادة التفكير في نفسه انطلاقًا من ضرورة الحوار والاعتراف بالآخر. كما أن عجز علم الكلام عن تجاوز الإطار الأرسطي الذي حكم المتكلمين الأوائل حرم اللاهوت الإسلامي من امتلاك المفاهيم الأساسية اللازمة للإجابة عن الأسئلة الجديدة التي فرضها ظهور الذات الحديثة والحداثة نفسها. ويرى الرفاعي أن جمود علم الكلام يمنع اللاهوت الإسلامي من استيعاب قضايا مركزية، مثل كرامة الإنسان، وهي فكرة تقع في صميم تشكل الذات الحديثة وحقوق الإنسان، مع أن القرآن، بحسب رأيه، يتيح تأسيسًا لاهوتيًا واضحًا لها. ومن هنا يدافع الرفاعي عن ضرورة بناء “علم كلام جديد”، ويتساءل الكاتب عن مفاهيم هذا العلم الجديد وطبيعته ومنظومته القيمية ومنهجيته.

ثانيًا: علم الكلام الجديد، دعوة إلى قطيعة إبستمولوجية

تُعدّ فكرة “التجديد” عند عبد الجبار الرفاعي فكرة محورية، إذ لا يتعلق الأمر عنده بإصلاح أو إحياء بالمعنى التقليدي، وإنما بضرورة التفكيك والقطيعة مع الرؤى اللاهوتية القديمة. فالرفاعي، وهو يفكر خارج الأسوار التقليدية، يسعى إلى “إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين”، أي إلى إعادة النظر في اليقينيات والعقائد والمطلقات، والتحرر من تكرار المقولات الموروثة، ومن الشروح على الشروح والحواشي على الحواشي. يرى الرفاعي أن أول من استعمل تعبير “علم الكلام الجديد” هو المفكر الهندي شبلي النعماني، غير أن الدلالة التي قصدها تختلف عن المعنى الذي يمنحه الرفاعي لهذا المفهوم اليوم. فشبلي النعماني كان يريد معالجة قضايا جديدة فرضتها الحداثة، من دون اقتراح إطار إبستمولوجي جديد للتفكير فيها. فقد انشغل موضوع “علم الكلام الجديد” لديه بقضايا مثل الانتحار، والرق، وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة، والميراث، والجهاد، بقصد الدفاع عن التعليم الإسلامي التقليدي، من غير أن يفتح مسافة نقدية تجاه التصورات الكلامية عن الله، إذ بقي اشتغاله محصورًا في مستوى الشريعة، ولم يتناول بنية المعتقدات نفسها. أما هذا التحدي تحديدًا فهو ما يريد الرفاعي مواجهته. ولا يرى الرفاعي أن “علم الكلام الجديد” يمثل مدرسة مغلقة، وإنما يعدّه جزءًا من تيار عام يمتد في أثر مفكرين هنود مثل سيد أحمد خان. كما يدرج ضمن هذا التيار أسماء مثل محمد إقبال وأمين الخولي، الذي كان يؤكد أن “تطور العقائد واجب”. ويرى بعض المفكرين، مثل حسن حنفي، أن المطلوب هو ثورة إبستمولوجية تنطلق من الإنسان من أجل بناء “لاهوت للتحرر”، في حين يدعو آخرون، مثل محمد عابد الجابري، إلى توظيف مفاهيم الفلسفة المعاصرة، بينما يرى محمد أركون ضرورة تجديد المنهج.

ويرى آخرون ضرورة تجديد المنهج نفسه، عبر إدخال المقاربة التاريخية النقدية مثلًا، من أجل فهم كيفية تشكّل المقولات والبُنى الفكرية الموروثة من القرون الماضية وسياقات إنتاجها. ومن ثم فإن فكرة تجديد علم الكلام ليست جديدة، إذ ظهرت أيضًا منذ ثمانينيات القرن العشرين في الوسط الشيعي مع مفكرين مثل: عبدالكريم سروش، ومحمد مجتهد شبستري، ومصطفى ملكيان، ومحسن كديور. وهذه الرؤية تنقض الاعتقاد بأن الفكر الكلامي التقليدي يمثل حقيقة ثابتة ونهائية، لأن أطروحات المتكلمين، بحسب عبد الجبار الرفاعي، ليست سوى “أجوبة ظرفية” عبّرت عن عصرهم وبيئتهم وثقافتهم وتجاربهم الشخصية والظروف التي عاشوا فيها. صحيح أن الأسئلة الميتافيزيقية تبقى بطبيعتها أسئلة أزلية، غير أن الإجابات عنها ترتبط دائمًا برؤية للعالم يسميها الرفاعي “اللاوعي المعرفي”. لذلك يرى ضرورة استيعاب “المنعطف الهرمنيوطيقي”، الذي لا يعني التحرر من الدين نفسه، وإنما التحرر من البُنى الدينية التقليدية التي تغذي المخيال الجمعي، وتغذي أحلام الجماعة وطموحاتها ونرجسيتها، بحيث تبقى الجماعة أسيرة الصور المثالية التي صنعتها ورسختها في معتقداتها وذاكرتها التاريخية. ومع ذلك، يلاحظ الرفاعي أن هذا التجديد الذي دعا إليه عدد من اللاهوتيين لم ينجح حتى الآن في فرض نفسه أو التحول إلى معرفة متداولة على نطاق واسع في التعليم الديني، لأن “المفكرين الجدد” ما يزال يُنظر إليهم بوصفهم أصحاب بدع أو نزعات هدامة. وحتى المؤسسات الإسلامية التي تعلن حاجتها إلى التجديد، مثل الأزهر الشريف، بقي خطابها، بحسب رأيه، خطابًا بلاغيًا في معظمه، لأن علم الكلام الذي يُدرّس فعليًا ما يزال هو علم الكلام الأشعري التقليدي. كما أن كثيرًا من الداعين إلى تجديد أصول الدين لم ينجحوا في فتح الطريق نحو تفسير متجدد للوحي، مع أن هذا التفسير يمثل الشرط الضروري لكل تجديد حقيقي. ولذلك يرى الرفاعي ضرورة إنجاز جينالوجيا نقدية لمحاولات الإصلاح المختلفة، وتحليل أسباب إخفاقها، واستخلاص الدروس التي يمكن أن تساعد على ولادة التجديد اللاهوتي المنشود وانتشاره. وفي هذا الأفق يؤكد الرفاعي ضرورة إحداث قطيعة إبستمولوجية داخل اللاهوت الإسلامي، من أجل بناء “فهم جديد…”.

في هذا الأفق يؤكد عبد الجبار الرفاعي ضرورة إحداث قطيعة إبستمولوجية داخل اللاهوت الإسلامي، من أجل بناء “فهم جديد للدين، وتحديد وظيفته المركزية في الحياة، وإعادة بناء مناهج تفسير القرآن والنصوص الدينية، وتشييد العلوم والمعارف الدينية في ضوء الفلسفة والعلوم الإنسانية والاجتماعية والمعارف الحديثة”. ويرى أن هذا التحول الجذري وحده القادر على إتاحة فهم مختلف تمامًا للحقائق اللاهوتية. فلم يعد المقصود الدفاع عن الإسلام أو دحض ما هو غير إسلامي انطلاقًا من مسلمات ثابتة، وإنما تعريف المعتقدات الدينية ووصفها وتحليلها في ضوء الفلسفة والعلوم والمعارف المعاصرة. وهذا يقتضي، بحسب الرفاعي، ممارسة جدلية نقدية حتى تجاه السلطات النصية نفسها، أي الانخراط فيما سماه غاستون باشلار “فلسفة الرفض”، حيث يتقدم العقل العلمي لا بالتأكيد وحده، وإنما أيضًا برفض المعارف السابقة وتصحيحها. ويستدعي هذا التجديد إعادة تعريف الدين ضمن أفق يلتقي مع المقاربات الوجودية والفينومينولوجية التي تهتم بالإنسان في ذاتيته وقلقه الوجودي وسعيه إلى المعنى وفق حاجاته العميقة. ومن منظور تداولي وسياقي، ينبغي إعادة تعريف الدين لكي يستجيب للحاجات الروحية والأخلاقية والجمالية للإنسان المعاصر. كما يدعو الرفاعي إلى هرمينوطيقا نقدية حية للتراث الديني، ترتكز على فلسفة دينامية عقلانية حوارية، ترفض الجمود العقائدي وتدعو إلى تجدد دائم يقوم على التحليل والسياق والعقل النقدي. ويمنح الرفاعي العقل مكانة مركزية، إذ يعدّه المعيار الأساسي للحكم على الحقيقة، ويرى أنه يتقدم على النقل، لأنه يضيء الحقائق الدينية بصورة تدريجية ومتطورة تبعًا لما يتيحه تطور المعرفة الإنسانية. ومن هنا يقترح لاهوتًا نقديًا للتاريخية، يقوم على فهم تطوري للحقيقة الدينية. الرفاعي لا ينطلق من النصوص للدفاع عنها مسبقًا، وإنما يضعها في مواجهة العقل والتجربة الإنسانية. كما أن العقل نفسه ليس ثابتًا، بل يتطور تاريخيًا مع تطور العلوم ومعرفة الإنسان بذاته وبالعالم. ولذلك تبقى الحقيقة الدينية، بحسب هذا التصور، حقيقة جزئية تتكشف تدريجيًا، ولا يمكن أن توجد صيغ نهائية أو ثابتة للعقائد. العقائد ليست مطلقات مغلقة، وإنما صيغ مؤقتة ترتبط بمستوى العقلانية والسياق التاريخي الذي وُلدت فيه. لهذا يرفض “علم الكلام الجديد” بصورة قاطعة فكرة اكتمال التفسيرات الكلاسيكية ونهائيتها، ويدعو بدلًا من ذلك إلى هرمينوطيقا مفتوحة تأخذ بعين الاعتبار نضج الوعي الإنساني وتطوره المستمر.

يدعو عبد الجبار الرفاعي إلى إعادة التفكير في الوحي القرآني من خلال الجمع بين بُعديه الإلهي والإنساني، والتخلي عن النظر إلى النبي بوصفه مجرد قناة سلبية لتلقي الوحي. كما يدعو إلى استبدال العلاقة القائمة على الخوف من الله بصورة العلاقة القائمة على المحبة، مع التأكيد على أن الله هو الذي يبادر إلى الحب، وأن الإنسان يمتلك الحرية في الاستجابة لهذا الحب. ومن هنا يطرح الرفاعي إعادة تشكيل وجدانية وتفاعلية للعلاقة بالله، تستلهم التصوف الإسلامي، وترتكز على أن الإنسان قادر على أن يحب ويُحب من الله، وعلى أن المبادرة الإلهية بالمحبة تشكل أساس هذه العلاقة، كما تشير إلى ذلك الآية الرابعة والخمسون من سورة المائدة. وينبثق من هذا التصور ما يسميه الرفاعي “ثورة أنثروبولوجية”، تقوم على الاعتراف بكرامة كل إنسان، وهو ما يعبّر عنه بمفهوم “الإنسان القرآني”. فالإنسان القرآني، بحسبه، هو صورة أنثروبولوجية تنطلق من الرؤية القرآنية للإنسان بوصفه كائنًا كريمًا، حرًا، مسؤولًا، ومنفتحًا على التعالي، بصرف النظر عن انتمائه الديني أو الثقافي أو الإيديولوجي. ولذلك لا يختزل الرفاعي “الإنسان القرآني” في صورة “المسلم التقي” بالمعنى الضيق، وإنما يراه كل إنسان يحمل، في ضوء القرآن، كرامة أنطولوجية، واستعدادًا روحيًا، وقابلية للحوار. إنه نموذج إنساني كوني، منفتح ومتعدد، يقوم على مركزية الوعي الوجودي. وهذه الكرامة لا تتأسس على الانتماء المذهبي أو الطاعة لأحكام فقهية بعينها، وإنما على الاعتراف بالإنسان حاملًا لجوهر مشترك لا يُنتهك، يتجاوز كل الانتماءات الطارئة. ومن هنا يمثل هذا التصور قطيعة أنثروبولوجية مع علم الكلام التقليدي، الذي صاغ علاقة الإنسان بالله من زاوية الاستعباد، على حساب الكرامة والحرية والاستخلاف في الأرض. ومع أن القرآن يصف الإنسان مرارًا بأنه ضعيف وجحود ومغرور، فإن الرفاعي يقرأ في هذه الآيات إمكانًا معاكسًا، إذ يرى أن الإنسان، رغم ضعفه وهشاشته، يمتلك القدرة على العظمة والتحول. وهذه العظمة تتجلى في “الاستخلاف”، الذي يعني “مركزية الإنسان في الأرض”، ويمثل “أعلى مراتب التكريم الإلهي للإنسان”. وهكذا يقطع “علم الكلام الجديد” مع صورة الإله المتسلط الذي يخضع الإنسان لأوامر قهرية، ويدعو بدلًا من ذلك إلى بناء صلة تتأسس على الحب المتبادل.

ويدعو عبد الجبار الرفاعي إلى بناء “أنطولوجيا إنسانية كونية”، تؤسس للاهوت يقوم على المحبة المتبادلة، ويعيد تعريف النبوة بوصفها مصدرًا لا ينضب لإغناء الإنسان، وقادرًا على الاستجابة الدائمة لتطلعاته المتجددة. ويقتضي هذا التصور التمييز بين الأحكام الظرفية المرتبطة بسياقات التنزيل، وبين القيم الأخلاقية الكونية ذات الطابع الإنساني العام. كما أن تجديد علم الكلام، بحسب الرفاعي، يستلزم منهجًا يدمج البعد النقدي والتعددي للعلوم الإنسانية الحديثة، مع الانتباه إلى التجربة المعيشة وتعقيد السياقات المعاصرة، ولذلك تتخذ هذه المقاربة موقفًا مضادًا للحرفية. ويدعو الرفاعي أيضًا إلى ترشيد استعمال المخيال الديني وضبطه، ضمن فلسفة تأويلية تكشف آليات إنتاج المعنى وتفكك مسلّماته، من أجل الحيلولة دون تحوله إلى أداة اغتراب أو هيمنة. كما يشجع على اعتماد مقاربة مقارنة بين الأديان، وعلى دراسة كيفية تشكّل مؤسساتها الدينية وتطورها التاريخي. وعلى الرغم من أن اللاهوت المقارن لا يحتل موقعًا مركزيًا في كتاباته، فإن تحديد معالمه وتعليمه يمثلان أحد المحاور المهمة في “علم الكلام الجديد”. فلم يعد المقصود دراسة المذاهب أو الأديان الأخرى من أجل الرد عليها أو التحصن ضدها أو تفنيدها، وإنما دراستها لاكتشاف قيمها الإنسانية المشتركة، وتأسيس حوار بنّاء يحترم الآخر. ومن هنا يتضح أن “علم الكلام الجديد” يجعل الحوار بين الأديان محورًا تأسيسيًا في مشروع التجديد اللاهوتي الإسلامي. غير أن الكاتب يطرح في النهاية سؤالًا حاسمًا: كيف يدرس هذا اللاهوت الجديد الآخر فعليًا؟ وكيف ينظر إلى تاريخ الأديان الأخرى وأشكال تدينها المختلفة؟ وكيف يوفق بينها وبين الإسلام ورسالته الكونية؟

ثالثًا: مكانة الآخر والأديان الأخرى في “علم الكلام الجديد”، أساس لاهوت الحوار بين الأديان

يؤكد عبد الجبار الرفاعي أن دراسة الأديان تقتضي أولًا القيام بمراجعة نقدية داخلية تكشف ما في الدين ذاته من عناصر قد تُنتج خطاب كراهية تجاه الآخر، أو سبق أن أفضت تاريخيًا إلى ذلك. ويرى أن هذا الوعي ضروري لحماية الأجيال الجديدة من “سحر الأدبيات التعبوية” التي مجّدت الماضي بصورة رومانسية جذابة، وما تزال تحتفظ بتأثير واسع إلى اليوم. كما يدعو الرفاعي إلى ممارسة نقد ذاتي متواضع، لأن الحوار بين الأديان يقتضي الاعتراف بأن الدين، في تجلياته التاريخية، لم يكن دائمًا وفيًا لوعوده الإنسانية أو لقيمه الأخلاقية العليا.

وعلى المستوى اللاهوتي، يسلّط عبد الجبار الرفاعي الضوء على المشكلة الأساسية في علم الكلام، والمتمثلة في أن تصوره لله يتأسس على جدلية السيد والعبد، وهي بنية موروثة من العصور القديمة والعالم البيزنطي، انتقلت إلى الفكر الكلامي الإسلامي من دون مراجعة نقدية. فهذه العلاقة الهرمية، التي يُنظر فيها إلى الله بوصفه سيدًا مطلقًا، وإلى الإنسان بوصفه عبدًا ملزمًا بالخضوع الكامل، أثّرت بعمق في بناء العقائد الكلامية الإسلامية. كما أنها، بحسب الرفاعي، شكّلت المخيال الديني للمسلمين في علاقتهم بالعالم وبالآخر. وبدل أن تفتح أفقًا لحوار أو لتفكير في المسؤولية الإنسانية، حصرت العلاقة بالله في بنية تقوم على السيطرة والطاعة، حيث لا يتحدد الإنسان إلا عبر محو ذاته أمام إرادة إلهية تُتصوَّر وكأنها إرادة اعتباطية لا تخضع للمساءلة. وينتج عن ذلك، بحسب الرفاعي، نوع من “الاغتراب الوجودي” لدى المؤمن تجاه العالم، إذ لا يعود قادرًا على التفكير الحر، ولا على بناء علاقة تقوم على التبادلية أو المسؤولية، بل يبقى سجين منطق الخضوع الكلي، البعيد عن متطلبات العالم الحديث. ويرى الكاتب أن علم الكلام الأشعري، حين بالغ في تأكيد القدرة المطلقة لله على حساب العدالة، بحيث يبقى الله حرًا في مكافأة من يشاء، أسهم في شرعنة نوع من الاستبداد العمودي الذي يتسرّب إلى الحياة اليومية ويتجلى فيها.

ومن البديهي أن مثل هذا اللاهوت يترك أثرًا حاسمًا في المجال السياسي للمجتمعات الإسلامية، إذ يميل، بفعل انعكاسه على الواقع، إلى تبرير أنماط الاستبداد وترسيخها. وينتج عن ذلك، بحسب عبد الجبار الرفاعي، تربية على الخوف تؤسس لثقافة “العبودية الطوعية”، وتبني المجتمع بصورة هرمية وفق العلاقة بالعقيدة والإيمان. ففي إطار هذا اللاهوت يُصنَّف أفراد المجتمع تصنيفًا عموديًا بحسب مراتبهم العقدية؛ فالمؤمنون بالعقيدة الرسمية يحتلون قمة السلم، أما الآخرون فيوضعون في مراتب أدنى، من غير أن يُسمح لهم ببلوغ المكانة العليا. ونتيجة لذلك، لا تتحدد حقوق الإنسان وحرياته ومسؤولياته على أساس المواطنة أو الانتماء الوطني، وإنما على أساس درجة ولائه العقدي وإيمانه. ويرى الرفاعي أن هذه الرؤية التي أنتجها علم الكلام وأسهم في ترسيخها تتناقض مع أي إمكان للتعايش السلمي والمتكافئ بين الجماعات، وتجعل الحوار بين الأديان عاجزًا عن أن يكون حوارًا مثمرًا يواجه التمييز ويؤسس لـ”مواطنة كونية”، مهما ارتفعت اليوم الأصوات الإسلامية الرسمية الداعية إلى ذلك. ومن جهة أخرى، يتجلى هذا الاغتراب في صورة أنثروبولوجية فقيرة للإنسان. فقد أسهم علم الكلام، بحسب الرفاعي، في تشكيل منطق يقوم على “ترويض” الإنسان و”تنميط” سلوكه ومعتقداته وحتى تعبيراته العاطفية. ومن خلال إنكار فرادة كل إنسان وخصوصيته، قوّض هذا التفكير الأسس اللاهوتية للكرامة الإنسانية، وهي الأسس الضرورية للاعتراف بالآخر. وفي ظل هذا الأفق يُنظر إلى المختلف، سواء كان من أتباع دين آخر، أو مفكرًا نقديًا، أو صاحب تجربة روحية مغايرة، على أنه تهديد للوحدة العقدية، ومن ثم يجري إقصاؤه. وهكذا ترسخت ثقافة لاهوتية قائمة على الإقصاء، تتجلى في ممارسة التكفير، التي جرى تبريرها باسم حقيقة واحدة مغلقة على نفسها. ولذلك يرى الرفاعي أن الإطار التقليدي لعلم الكلام، وما يتفرع عنه من فقه، يجعل من المستحيل بناء لاهوت إسلامي للحوار بين الأديان، أو تأسيس مواطنة جامعة غير تمييزية. فعلم الكلام، بكل امتداداته، ظل يسعى إلى حماية الإسلام من كل أشكال التجديد، وإثبات حقيقته في مواجهة المدارس الأخرى التي يعدّها منحرفة، أو الأديان الأخرى التي يعتبر عقائدها ضلالًا. ومن خلال تحويل التكفير إلى أداة لحماية “الفرقة الناجية”.

ومن خلال تحويل التكفير إلى أداة لحماية “الفرقة الناجية” في مواجهة سائر الفرق المحكوم عليها بالنار، لا يستطيع علم الكلام، بحسب عبد الجبار الرفاعي، إلا أن يُفشل كل محاولة صادقة للحوار والتعايش. ولذلك يخلص الرفاعي إلى نتيجة حاسمة مفادها أن التكفير في علم الكلام والفقه يمنع المسلم من المشاركة العضوية والخلاقة في حياة المجتمعات المتعددة دينيًا وثقافيًا، كما يمنع نشوء المواطنة بوصفها أساس الدولة الحديثة، ومن ثم يصبح بناء دولة حديثة أمرًا مستحيلًا في البلدان التي تتخذ من علم الكلام والفقه مرجعًا للدساتير والقوانين والبرامج العامة. ويؤكد الرفاعي أن هذا المنطق قاد إلى تبرير العنف من أجل تشكيل مجتمع يتكون من “نسخ متطابقة”، تتشارك الصفات ذاتها والأفكار المتماثلة والمشاعر المتشابهة. وهكذا لم يقتصر هذا النظام على تهميش الاختلاف، وإنما اختزل الإيمان في مطابقة صارمة، الأمر الذي جعل أي حوار، سواء داخل الإسلام أو بين الأديان، شبه مستحيل. ويرى أن هذا المنطق نفسه يتجلى اليوم في المبدأ السلفي المعروف بـ”الولاء والبراء”، الذي يقصي كل من لا يشارك الجماعة عقيدتها، والذي استند إليه تنظيم داعش في تبرير العنف واستخدام السيف. كما يظهر هذا المبدأ في تقييد الإحسان إلى الآخر، إذ يُنظر، ضمن هذا التصور، إلى أن فعل الخير مع من يُعتقد أنه من أهل الهلاك أمر غير ملائم. ويشرح الرفاعي كيف أن الأدبيات المنبثقة من علم الكلام والفقه تبرر الاستيلاء على أموال غير المسلم، أو تجعل كل طعام محرّمًا على غير المؤمن. ويرى الرفاعي أن هذا التوجه يمثل خيانة لرسالة الدين والإيمان، التي يفترض أن تدفع المؤمنين إلى إنجاز أفعال نافعة للإنسانية جمعاء. فبدل أن ينتج علم الكلام مفاهيم ومبادئ تؤسس لإنسانية حقيقية، أفرز، على العكس، منظومات فكرية تغذي باستمرار آليات التمييز والإقصاء. وفي مواجهة ذلك، حاول عدد من المفكرين، منذ قرون، إحياء علم الكلام وإصلاحه في ضوء الفلسفة الحديثة، غير أن هذه المحاولات بقيت هامشية، وواجهت اعتراضات حادة من حراس علم الكلام التقليدي. ويشير الرفاعي إلى أن رفض الفلسفة الحديثة يحمل مفارقة واضحة، لأن علم الكلام نفسه تكوّن تاريخيًا من خلال استيعاب التراث الفلسفي اليوناني، وخاصة فلسفة أرسطو، وتشكّل عبر التفاعل بين الإسلام في القرون الأولى والفلسفة القديمة، وكذلك المسيحية واليهودية.

وعلى الرغم من الإرث الأولي للفلسفة اليونانية، فإنّ كثيرًا من اللاهوتيين المسلمين اليوم يرفضون أيّ حوار مع الفلسفة الحديثة والمعاصرة، وبهذا الموقف يعجزون عن إدماج مسألة إعادة تشكيل العقل العملي وما يترتب عليها من دلالات في تأملاتهم الفكرية. والحجة التي يسوقونها لتبرير هذا الرفض لا تخلو من مفارقة؛ إذ يرون في الانفتاح على الفلسفات المنبثقة من ثقافة غير إسلامية خطر “تغريب” علم الكلام، بما قد يفضي إلى تشويه طابعه الإسلامي. ويرافق هذا الانغلاق على الفلسفة، بحسب المؤلف، نوعٌ من المماثلة بين علم الكلام والدين نفسه. وضمن هذا التصور، تُعدّ كل محاولة للانفتاح، أو للتجاوز، أو لنقد المدرسة الكلامية الأشعرية، التي تهيمن اليوم على العالم السني إلى حدّ بعيد، ضربًا من التشكيك في الدين برمّته، لذلك تُفسَّر كل معارضة بوصفها تعبيرًا عن نزعة إنكارية لدى “منكر للضروري”، أو عن بدعة تصدر عن “مبتدع”. وهكذا أصبح علم الكلام، الذي يُنظر إليه بوصفه “العلم الأعلى رتبة”، والذي تتوقف عليه حركة تطور سائر العلوم، بنيةً جامدةً منغلقةً على ذاتها، وغالبًا ما يحظى بدعم السلطات السياسية التي يستند إليها في إضفاء الشرعية على سلطانها. وانطلاقًا من ذلك، يرى الرفاعي أنّ كل الخطابات الصادرة عن علماء مسلمين يدعون إلى الحوار بين الأديان ليست سوى جلسات مجاملة ولطف لا تترك أثرًا حقيقيًا. فهذه الدعوات السخية تبقى خارج البنية اللاهوتية الكلاسيكية، ولا تتيح لعلم الكلام أن يعيد التفكير في نفسه على ضوء ضرورة الحوار الديني والاعتراف بالآخر. إنّ هذا العجز عن تجاوز الإطار الأرسطي الذي تشكّل داخله علم الكلام لدى المتكلمين الأوائل يحرم اللاهوت الإسلامي من المفاهيم الأساسية اللازمة للإجابة عن الأسئلة الجديدة التي أثارها ظهور الذات الحديثة والحداثة نفسها. كما أنّ جمود علم الكلام يمنع اللاهوت الإسلامي من استيعاب قضايا مركزية، مثل قضية الكرامة الإنسانية، وهي فكرة تقع في قلب تشكّل الذات الحديثة، وتشكل أساس حقوق الإنسان، مع أنّ الرفاعي يرى إمكان تأسيسها لاهوتيًا في القرآن الكريم. ولهذا السبب يدعو الرفاعي إلى “علم كلام جديد”، غير أنّ السؤال الذي يطرح نفسه هو: ما مفاهيم هذا العلم الجديد؟ وما طبيعته، ومنظومته القيمية، ومنهجه؟

رابعًا: علم الكلام الجديد: مرافعة من أجل قطيعة إبستمولوجية

تُعدّ فكرة التجديد “التجديد” عند عبد الجبار الرفاعي فكرةً جوهرية في مشروعه الفكري، فهو لا يقصد بها الإصلاح “الإصلاح”، ولا الإحياء “الإحياء”، وإنما يحيل بها إلى ضرورة تفكيك الرؤى اللاهوتية القديمة والقطيعة مع أنماط التفكير الكلامي الموروث. ومن خلال التفكير خارج الأسوار التقليدية، يسعى الرفاعي إلى “إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين”، أي إلى إعادة النظر في اليقينيات والعقائد الجامدة والمطلقات، والتحرر من تكرار المقولات المستعادة، ومن الشروح على الشروح، والحواشي على الحواشي، والتعليقات التي لا تنتج معرفة جديدة. فالتجديد عنده لا يكتفي بإعادة صياغة الخطاب الديني، وإنما يطمح إلى إعادة بناء أفق التفكير الديني نفسه، والانفتاح على أسئلة الإنسان المعاصر وقلقه الوجودي وحاجته إلى المعنى.

ويرى الرفاعي أن أول متكلم استعمل تعبير “علم الكلام الجديد” هو شبلي النعماني (1878-1914)، غير أنّ المعنى الذي قصده النعماني يختلف عمّا يقصده الرفاعي اليوم. فقد أراد النعماني معالجة قضايا حديثة ترتبط بالتحولات الاجتماعية والسياسية للعصر الحديث، من دون أن يقترح إطارًا إبستمولوجيًا جديدًا للتفكير الديني، لذلك انشغل علم الكلام الجديد عنده بموضوعات مثل الانتحار، والعبودية، وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة، والميراث، والجهاد، بهدف الدفاع عن التعليم الإسلامي التقليدي وحمايته من النقد الحديث. ولهذا بقي مشروعه في حدود الشريعة والأحكام، ولم يمتد إلى مساءلة البنية العميقة للعقائد أو نقد التصورات التقليدية عن الله والوحي والإنسان والعالم. أما الرفاعي، فيرى أن التحدي الحقيقي يبدأ من هنا تحديدًا: من إعادة التفكير في أنماط الفهم الموروثة، وتحرير الدين من الانغلاق الكلامي والفقهي الذي عطّل أبعاده الروحية والأخلاقية والجمالية. ولا يشير “علم الكلام الجديد” عند الرفاعي إلى مدرسة مغلقة أو مذهب محدد، وإنما يندرج ضمن تيار فكري واسع تشكل في العالم الإسلامي الحديث، ويمتد في أثر مفكرين مثل السيد أحمد خان (1817-1898)، وقاسم النانوتوي (1833-1880). ويمكن إدراج أسماء عدد من المفكرين ضمن هذا الأفق، مثل محمد إقبال (1877-1938)، الذي حاول إعادة بناء الفكر الديني في الإسلام على ضوء الفلسفة الحديثة، أو أمين الخولي (1895-1966)، الذي أكد أن “تطور العقائد واجب”، في إشارة إلى أن العقائد ليست معطيات جامدة خارج التاريخ، وإنما تتطور تبعًا لتحولات وعي الإنسان وخبرته بالعالم. كما يلتقي هذا التيار مع مشاريع متعددة في الفكر العربي والإسلامي الحديث؛ فالفيلسوف المصري حسن حنفي (1935-2021) دعا إلى ثورة إبستمولوجية تنطلق من الإنسان نحو “لاهوت للتحرر”، بينما رأى الفيلسوف المغربي محمد عابد الجابري (1935-2010) ضرورة توظيف مفاهيم الفلسفة المعاصرة ونقد البنية المعرفية للعقل العربي. أما محمد أركون (1928-2010)، فقد شدد على ضرورة تجديد مناهج دراسة الفكر الديني، والانفتاح على علوم الإنسان الحديثة، وتفكيك السياجات المغلقة التي فرضها التراث الكلامي والفقهي على فهم الدين.

وفي هذا الأفق يتحرك مشروع الرفاعي، ساعيًا إلى تأسيس فهم للدين ينحاز إلى كرامة الإنسان، ويعيد الاعتبار للتجربة الروحية، ويحرر الإيمان من القوالب الجامدة التي أفقدته قدرته على إرواء “الظمأ الأنطولوجي” للإنسان المعاصر.

كما يرى بعض المفكرين، وفي مقدمتهم محمد أركون، ضرورة تجديد المنهج نفسه، عبر توظيف المقاربة التاريخية النقدية لفهم ظروف نشوء المفاهيم والمقولات الفكرية الموروثة وإنتاجها في سياقاتها التاريخية والثقافية. لذلك فإن فكرة تجديد علم الكلام ليست جديدة تمامًا، فقد ظهرت أيضًا منذ ثمانينيات القرن العشرين في العالم الشيعي مع مفكرين مثل محمد مجتهد شبستري، ومحسن كديور، ومصطفى ملكيان. وقد جاءت هذه المشاريع لتفنّد الادعاء القائل بثبات الحقيقة الكلامية التقليدية وكونها حقيقة نهائية لا تقبل المراجعة، ذلك أن أطروحات المتكلمين لا تمثل، بحسب عبد الجبار الرفاعي، سوى “أجوبة ظرفية عبّرت عن عصرهم وبيئتهم وثقافتهم وتجاربهم الشخصية والشروط المختلفة التي عاشوا فيها”. صحيح أن الأسئلة الميتافيزيقية ذات طبيعة أزلية، غير أن الإجابة عنها تبقى مرتبطة برؤية للعالم يسميها الرفاعي “اللاوعي المعرفي”، أي ذلك المخزون الثقافي والتاريخي الكامن الذي يوجّه التفكير ويصوغ أنماط الفهم من غير وعي مباشر به. لذلك يرى الرفاعي ضرورة الانتباه إلى المنعطف الهرمنيوطيقي، الذي يمثل في نظره تحريرًا، لا من الدين نفسه، وإنما من البنى الدينية التقليدية التي تغذي المخيال الجمعي، وتُبقي الجماعة أسيرة الصور المثالية التي صنعتها عن ذاتها ورسختها في معتقداتها وذاكرتها التاريخية، حتى تغدو عاجزة عن رؤية الواقع خارج تلك الصور المتخيلة.

ومع ذلك، يلاحظ الرفاعي أن هذا التجديد، على الرغم من الدعوات الكثيرة إليه، لم ينجح حتى اليوم في أن يفرض حضوره الواسع في المؤسسات التعليمية والدينية. فهؤلاء “المفكرون الجدد” ما يزال يُنظر إليهم بريبة، وكأنهم أصحاب نزعات متمردة أو هدامة. وحتى المؤسسات الإسلامية الكبرى، مثل جامعة الأزهر، التي تعلن الحاجة إلى التجديد، بقي خطابها ـ بحسب الرفاعي ـ محصورًا في مستوى بلاغي وشعاراتي، بينما ظل التعليم الفعلي قائمًا على تدريس علم الكلام الأشعري التقليدي كما هو. كذلك فإن كثيرًا من المفكرين الذين دعوا إلى تجديد أصول الدين لم يتمكنوا من فتح الطريق نحو تفسير جديد للوحي، مع أن تجديد فهم الوحي يمثل الشرط الحاسم لأي تجديد حقيقي في التفكير الديني.

ومن هنا يؤكد الرفاعي ضرورة إنجاز جينيالوجيا نقدية لمحاولات الإصلاح السابقة، وتحليل أسباب تعثرها، واستخلاص الدروس التي يمكن أن تمهد لولادة تجديد لاهوتي أكثر عمقًا وتأثيرًا. وفي هذا السياق، يرى الرفاعي أن على اللاهوت الإسلامي أن يُحدث قطيعة إبستمولوجية مع أنماط التفكير الموروثة، من أجل بناء “فهم جديد للدين”، فهمٍ ينفتح على تحولات المعرفة الحديثة، ويعيد قراءة الوحي والعقيدة والإنسان والعالم في ضوء خبرة الإنسان المعاصر وأسئلته الوجودية الجديدة.

يرى عبد الجبار الرفاعي أن هذا التحول يقتضي بناء “فهم جديد للدين، وتحديد وظيفته المركزية في الحياة، وإعادة بناء مناهج تفسير القرآن والنصوص الدينية، وإعادة تشييد العلوم والمعارف الدينية في ضوء الفلسفة والعلوم الإنسانية والاجتماعية والمعارف الحديثة”. فهذا التحول الجذري وحده يتيح فهم الحقائق اللاهوتية بطريقة مغايرة جذريًا. ولم يعد المقصود الدفاع عن الإسلام أو دحض ما يُعدّ غير إسلامي انطلاقًا من مسلمات ثابتة، وإنما تعريف المعتقدات ووصفها وتحليلها في ضوء الفلسفة والعلوم والمعارف المعاصرة. لذلك يدعو الرفاعي إلى إقامة علاقة جدلية نقدية مع السلطات النصية والتراثية، والانخراط فيما يشبه “فلسفة الرفض” التي صاغها غاستون باشلار، حيث تتقدم المعرفة العلمية لا عبر الإثبات وحده، وإنما أيضًا عبر نقد المعارف السابقة وتصحيحها وتجاوزها. ويتحقق هذا التجديد، بحسب الرفاعي، من خلال إعادة تعريف الدين في أفق يلتقي مع المقاربات الوجودية والفينومينولوجية التي تنشغل بالشرط الإنساني، وبالذات في قلقها وسعيها إلى المعنى تبعًا لحاجاتها الوجودية. ومن منظور سياقي وعملي، ينبغي إعادة تعريف الدين كي يستجيب للحاجات الروحية والأخلاقية والجمالية للإنسان المعاصر. لذلك يقترح الرفاعي هرمنيوطيقا نقدية وحية للتراث الديني، تستند إلى فلسفة ديناميكية عقلانية حوارية، ترفض الجمود العقائدي، وتؤسس لتجدد دائم يقوم على التحليل والتأويل والسياق والعقل النقدي. فالعقل “العقل” عنده هو معيار الحكم على الحقيقة، وهو متقدم على النقل “النقل”. والعقل لا يكتشف الحقائق الدينية دفعة واحدة، وإنما ينيرها تدريجيًا تبعًا لتطور المعارف التي يكتسبها الإنسان. لذلك يؤسس الرفاعي لاهوتًا نقديًا للتاريخية، يرتكز على فهم تطوري للحقيقة الدينية. ومن خلال تقديمه العقل على النقل، لا ينطلق من النصوص للدفاع عنها مسبقًا، وإنما يعرضها على العقل والخبرة الإنسانية. والعقل نفسه ليس معطًى ثابتًا، بل يتطور تاريخيًا مع تطور العلوم وعلم النفس ومعرفة الإنسان لنفسه وللعالم. ولهذا تبقى الحقيقة الدينية دائمًا جزئية ومنفتحة على التحقق التدريجي، ولا يمكن أن توجد صيغ نهائية أو مطلقة لا تقبل المراجعة. فالعقائد لم تعد تُفهم بوصفها حقائق أبدية مكتملة، وإنما بوصفها صيغًا مؤقتة ترتبط بمستوى العقلانية والسياق التاريخي الذي تشكلت فيه. لذلك يرفض “علم الكلام الجديد” عند الرفاعي بصورة قاطعة فكرة اكتمال التفسيرات التقليدية ونهائيتها، ويدعو إلى هرمنيوطيقا مفتوحة تراعي النضج المتزايد للوعي الإنساني. وفي هذا الأفق يضع الرفاعي ثلاثة مبادئ أساسية لإعادة بناء التفكير الديني المعاصر.

ويضع عبد الجبار الرفاعي ثلاثة مبادئ أساسية لإعادة بناء التفكير الديني المعاصر: إعادة التفكير في الوحي القرآني من خلال الجمع بين بعديه الإلهي والإنساني، والكف عن النظر إلى النبي بوصفه مجرد قناة سلبية لتلقي الوحي؛ واستبدال العلاقة القائمة على الخوف من الله بعلاقة تقوم على المحبة؛ وإبراز أن الله هو الذي يبتدئ المحبة، وأن الإنسان يمتلك القدرة على الاستجابة لها بحرية. ومن هنا يدعو الرفاعي إلى إعادة تشكيل العلاقة بالله على أساس وجداني تفاعلي، يستلهم التصوف الإسلامي، ويرتكز على أن الإنسان كائن قادر على أن يُحب ويُحبَّه الله، وأن المبادرة الإلهية بالمحبة تسبق استجابة الإنسان، كما تشير إلى ذلك الآية الرابعة والخمسون من سورة المائدة. ويترتب على ذلك ما يسميه الرفاعي “ثورة أنثروبولوجية” تقوم على الاعتراف بكرامة كل إنسان، وهو ما يعبّر عنه بمفهوم “الإنسان القرآني”. فالإنسان القرآني عنده هو صورة أنثروبولوجية تستند إلى الرؤية القرآنية للإنسان بوصفه كائنًا كريمًا، حرًا، مسؤولًا، ومنفتحًا على التعالي، خارج كل انتماء أيديولوجي أو ديني أو ثقافي ضيق. لذلك لا يقصد الرفاعي بالإنسان القرآني “المسلم التقي” بالمعنى الفقهي المغلق، وإنما كل إنسان يُنظر إليه في ضوء القرآن بوصفه حاملًا لكرامة أنطولوجية، وطاقة روحية، وقابلية للحوار. إنه مثال إنساني كوني، مفتوح ومتعدد، يتمحور حول مركزية الوعي الوجودي. وهذه الكرامة لا تستند إلى الانتماء الطائفي أو الامتثال لأحكام قانونية محددة، وإنما إلى الاعتراف بالإنسان بوصفه حاملًا لجوهر إنساني مشترك، لا يجوز انتهاكه، ويتجاوز كل الانتماءات العارضة. وتمثل هذه الرؤية قطيعة أنثروبولوجية مع علم الكلام التقليدي الذي صاغ علاقة الإنسان بالله من زاوية الاستعباد والخضوع، على حساب كرامته وحريته ووظيفته الاستخلافية في الأرض.

صحيح أن القرآن يصف الإنسان مرارًا بوصفه كائنًا ضعيفًا وجحودًا ومغرورًا، غير أن الرفاعي يقرأ في هذه الآيات، بخلاف القراءة الكلامية التقليدية، تأكيدًا على إمكان مضاد يسكن الإنسان نفسه؛ فالإنسان، على الرغم من ضعفه وهشاشته، يمتلك قدرة على العظمة والتحول. وهذه العظمة تتمثل في الاستخلاف، الذي يعني “مركزية الإنسان في الأرض”، والذي يعدّه الرفاعي “أعلى مراتب التكريم الإلهي للإنسان”. ومن هنا يقطع “علم الكلام الجديد” مع صورة الإله المتسلط الذي يفرض على الإنسان أوامر قهرية، ويقترح بدلًا منها فهمًا لعلاقة الله بالإنسان يقوم على الرحمة والمحبة والحرية والكرامة الإنسانية.

ومن هنا يعمل عبد الجبار الرفاعي على بناء ما يسميه “كينونة وجودية كونية”، تؤسس للاهوت يقوم على المحبة المتبادلة، ويعيد تعريف النبوة بوصفها مصدرًا لا ينضب لإغناء الإنسان، وقادرًا على الاستجابة لتطلعاته المتجددة باستمرار. وتقتضي هذه الرؤية التمييز بين الأحكام الظرفية المرتبطة بسياقات التنزيل التاريخية، وبين القيم الأخلاقية الكونية التي تتجاوز تلك الظروف وتحتفظ بطابعها الإنساني الشامل. كما أن تجديد علم الكلام، بحسب الرفاعي، يفرض اعتماد منهج يدمج البعد النقدي والتداخلي للعلوم الإنسانية الحديثة، مع الإصغاء إلى الخبرة الحية وتعقيد السياقات المعاصرة. لذلك تتخذ مقاربته موقفًا مناهضًا للحرفية، وتسعى إلى تحرير النصوص الدينية من القراءة الجامدة التي تفصلها عن شروطها التاريخية والإنسانية. ويدعو الرفاعي أيضًا إلى ترشيد المخيال الديني وضبط استعمالاته، ضمن فلسفة تأويلية تكشف آليات إنتاج المعنى، وتفكك المسلمات الخفية التي تتحكم في الفهم الديني، من أجل الحيلولة دون توظيف الدين بطريقة اغترابية أو استلابية. كما يؤكد أهمية المقاربة المقارنة بين الأديان، ومعرفة الكيفية التي تشكلت بها مؤسساتها الدينية وتاريخها التأويلي. وعلى الرغم من أن اللاهوت المقارن لا يحتل مركز الصدارة في كتاباته، فإنه يمثل أحد المحاور المهمة في “علم الكلام الجديد”، إذ لم يعد المقصود دراسة المذاهب أو الأديان الأخرى بهدف الرد عليها أو التحصن منها أو دحضها، وإنما دراستها لاكتشاف ما تنطوي عليه من قيم إنسانية كونية، وتأسيس حوار يقوم على الاحترام المتبادل والاعتراف بالآخر. ومن هنا يغدو الحوار بين الأديان محورًا تأسيسيًا في مشروع التجديد اللاهوتي الإسلامي عند الرفاعي، لأنه ينظر إلى الآخر لا بوصفه تهديدًا للعقيدة، وإنما بوصفه شريكًا في البحث عن المعنى والحقيقة والكرامة الإنسانية.

خامسًا: مكانة الغيرية والأديان الأخرى في علم الكلام الجديد: أسس لاهوت الحوار بين الأديان

يؤكد عبد الجبار الرفاعي ضرورة القيام، قبل دراسة الأديان، بجردٍ نقدي يكشف ما يمكن أن يتضمنه الدين الخاص بالإنسان من عناصر أسهمت، أو يمكن أن تسهم، في إنتاج خطابات كراهية تجاه الآخر. فهذه اليقظة النقدية ضرورية، في نظره، لتحصين الأجيال الجديدة من “سحر الأدبيات التعبوية التي مجّدت الماضي بصورة رومانسية فاتنة”، وما تزال تحتفظ بتأثير واسع حتى اليوم. كما يدعو الرفاعي إلى ممارسة مراجعة داخلية متواضعة للذات، لأن الحوار بين الأديان لا يتحقق إلا حين يعترف كل دين بأن تمثلاته التاريخية لم تكن دائمًا وفية لوعوده الإنسانية، ولا منسجمة على الدوام مع القيم الروحية والأخلاقية التي يحملها في جوهره.

ومن منظور بنّاء، يدعو عبد الجبار الرفاعي إلى الاعتراف بأن “لا دين يحتكر وحده المحبة، أو الحريات، أو الحقوق، أو احترام الكرامة الإنسانية، كما لا يوجد تاريخ ديني خالٍ من التعصب والعنف وانتهاك الكرامة”. غير أن هذا العمل النقدي في استعادة الذاكرة ومراجعتها، على الرغم من كونه “واجبًا أخلاقيًا”، لا يكفي وحده، بل ينبغي أن يترافق مع دراسة لاهوت الأديان الأخرى. وهذه المقاربة نادرة، غير أنها موجودة، ويشير الرفاعي في هذا السياق إلى أبحاث وليد البعاج حول اليهودية. ويرى أن دراسة الأديان الأخرى تمثل شرطًا للحوار الأصيل، لأن معرفة الآخر في عمق إيمانه، وفي طريقته في الحديث عن الله، تسهم في تفكيك الصور النمطية والأحكام المسبقة التي تنتجها التقاليد المغلقة، والتي تتحول غالبًا إلى مصدر للتعصب والإقصاء. فالالتباسات والأحكام السلبية تجاه المختلف تُفضي دائمًا إلى مواقف إقصائية ترفضه وتنفيه. ولا تتوقف الدراسة المقارنة للأديان عند مجرد إبراز التشابهات أو القيم المشتركة، وإنما تنخرط في دينامية أعمق، لأنها تدفع الإنسان إلى نوع من التوغل في عالم إيمان الآخر، وفي نصوصه ورموزه وتجربته الروحية. وهذا “الانغماس” لا يوسّع الأفق المعرفي فحسب، وإنما يدخل في حوار داخلي مع إيمان الإنسان نفسه، ويكشف قدرة الأديان على بناء الصلة الإنسانية، وإنتاج أخلاق للعلاقة، وفتح فضاء مشترك للتفاهم. لذلك يشدد الرفاعي على الوظيفة التحويلية العميقة للدراسة المقارنة، التي لا تهدف إلى إقامة تراتبية بين الأديان، وإنما إلى الكشف عن غنى كل تجربة دينية وفرادتها. فلا يتعلق الأمر بتنصيب دين ما معيارًا للحقيقة المطلقة أو للكمال الذي ينبغي أن تخضع له بقية الأديان، وإنما بالدخول في منطق التعايش. ومن هنا يرى أن “الدراسة المقارنة للأديان تسهم في ترسيخ العيش المشترك، لأنها تؤسس لقبول الاختلاف العقدي والثقافي، وتفتح أفقًا لاحترام حق الاختلاف، واحترام من لا تشبهنا معتقداتهم وثقافاتهم”. ويؤكد الرفاعي أن هذا النمط من الانفتاح المعرفي والتربوي لا يمكن أن يتشكل داخل أفق علم الكلام التقليدي، كما يتجلى في نموذج محمد جواد البلاغي (1865-1933)، الذي درس الأديان الأخرى بهدف مقارنتها بالإسلام والكشف عما يراه تحريفًا فيها. لذلك فإن تأسيس لاهوت إسلامي للحوار يقتضي، مرة أخرى، مغادرة الأطر التقليدية لعلم الكلام، والانتقال من المقارنة الدفاعية المغلقة إلى المقاربة المقارنة المنفتحة التي تبحث عن الفهم لا عن الإدانة، وعن التعارف لا عن التفوق والإقصاء.

وفي هذا الأفق، تتحول دراسة الأديان عند عبد الجبار الرفاعي إلى فعل أخلاقي، وإلى التزام بالاعتراف بالآخر في فرادته وتميزه. فهي تدعو إلى النظر إلى كل تقليد ديني لا بوصفه منظومة مغلقة على ذاتها، وإنما بوصفه منبعًا لطاقة روحية وأخلاقية قادرة على الإسهام في السلام الاجتماعي. كما أنها لا تحبس المؤمنين داخل صورة جامدة من الماضي، وإنما تكشف الطاقة الخاصة بكل إيمان: قدرته على إنتاج المعنى، وإحداث التحول الداخلي، وبناء الجماعات الإنسانية. وهذه الطاقة لا تظهر عبر اختزال الأديان في صيغة واحدة، ولا عبر إذابة الفروق بينها، وإنما عبر مجاورة تأويلية تحترم خصوصية كل تجربة دينية. ومن هنا فإن المقارنة بين الأديان لا تعني حيادًا باردًا أو مسافة معرفية جافة، وإنما تُشرك المؤوِّل في تجربة اعتراف متبادل، حيث لا يمكن فهم أي دين فهمًا حقيقيًا إلا من خلال انفتاحه على الأديان الأخرى وتفاعله معها. لذلك يؤكد الرفاعي أن الإنسان لا يعرف دينه معرفة عميقة إلا حين يضعه في أفق الأديان الأخرى. وهذه المقاربة لا تنتهي إلى نسبية تلغي الحقيقة، ولا إلى توحيد قسري للمعتقدات، وإنما تكشف الحيوية المعقدة للظاهرة الدينية، وقدرتها على حمل المعنى للإنسانية كلها. غير أن مقاربة الرفاعي للآخر والأديان لا تصدر عن موقع “فيلسوف الأديان” بالمعنى الأكاديمي المحايد، وهو يحرص على التنبيه إلى ذلك، وإنما تصدر عن موقع “المتكلم الجديد”، أي المؤمن الذي يسعى إلى تجديد صورة الله والدين بحيث تصبح صورة سلام وسكينة. فالمتكلم الجديد، بحسب الرفاعي، “يحرر صورة الله من كل استعمال يجعلها ذريعة لسفك الدماء، أو اضطهاد الناس، أو إرهابهم، أو استنزاف طاقات البناء والتنمية”. ومن أجل ترسيخ هذه الرؤية يستند الرفاعي إلى تعليم محيي الدين بن عربي، وخاصة مفهومه عن “وحي النبوة العامة”، أي إمكان انكشاف معرفة بالله وحقائق إلهية عبر التجربة الوجودية والحدس الروحي، من غير أن تكون مرتبطة بالضرورة بوحي تشريعي أو بكتاب منزل. وهذه الإحالة إلى ابن عربي ليست هامشية في فكر الرفاعي، فهو يرى فيه مصدرًا يساعد على “بناء فهم للوحي لا يضحي بمضمونه الميتافيزيقي المتعالي، وفي الوقت نفسه يتحرر من القوالب المغلقة للفهم الكلامي”. وبعد أكثر من ثلاثين عامًا من قراءة ابن عربي، يعترف الرفاعي بأنه اكتشف فيه معلمًا يفتح أفق “لغة أخرى للإسلام”، لغة تتجاوز الانغلاق العقدي، وتنفتح على التجربة الروحية والبعد الوجودي للدين. ففي رؤية ابن عربي، كما يقرأها الرفاعي، يظهر “الدور الوجودي للدين” بوصفه حاجة ملازمة للإنسان في كينونته، لا تتحقق إلا من خلال الصلة الوجودية بالله. وعلى ضوء هذا التعليم يؤسس الرفاعي ملامح لاهوت تعددي منفتح على الأديان الأخرى، سواء أكانت أديانًا كتابية أم غير كتابية. وفي تفاعل مع تعليم ابن عربي، ومن منظور أكثر فلسفية، يحاول الرفاعي، مستعينًا بالفلسفة الحديثة، البرهنة على استحالة اختزال الحقيقة الدينية في تمثيل واحد مغلق أو احتكارها داخل حدود جماعة بعينها.

ويرى عبد الجبار الرفاعي أن الإنسان يعجز عن امتلاك الحقيقة الإلهية امتلاكًا مطلقًا، كما يعجز عن الإحاطة الكاملة بها. ومن هنا يستنتج أن هذا العجز نفسه يفسر تعدد التقاليد الدينية ويبرره، لأن كل دين يمثل محاولة نسبية لبلوغ حقيقة إلهية تتجاوز الجميع. لذلك يؤكد الرفاعي أن فرض دين واحد على البشرية أمر مستحيل واقعيًا وتاريخيًا، إذ “لم تتوحد الإنسانية يومًا حول دين واحد، ولو حاول دين ما احتكار تمثيل الله في الأرض، وفرض حضوره عبر القضاء على أتباع الأديان الأخرى، فلن ينجح في ذلك”. ومن هنا يدافع الرفاعي عن “إبستمولوجيا التواضع”، التي تتجلى خصوصيتها في جمعها بين التفكير الميتافيزيقي، والتصوف، وعلوم الدين المعاصرة. كما أن إدماج الأديان الأخرى وطاقاتها الروحية في بناء لاهوت إسلامي للغيرية والحوار يستند أيضًا إلى ثورة أنثروبولوجية وأخلاقية.

وفي هذا السياق يصوغ الرفاعي مفهوم “الإنسانية الإيمانية”، ويقصد به رؤية تعتبر أن الغاية الأساسية للإيمان هي خدمة الإنسان بما هو إنسان، بصرف النظر عن انتمائه الديني. ويندرج هذا المفهوم ضمن أخلاق إنسانية غائية يعمل الرفاعي على بنائها في ضوء الفلاسفة والمفكرين الذين يستند إليهم. فهذه الأخلاق، التي تتمحور حول خير الإنسان، تتضمن بعدًا نفعيًا من جهة، لأن قيمة الأفعال تُقاس بنتائجها وآثارها النافعة على البشر، كما تتضمن بعدًا كانطيًا من جهة أخرى، لأنها تؤكد القيمة الذاتية للإنسان، بغض النظر عن معتقداته وآرائه. وعلى خطى إيمانويل كانط، يرى الرفاعي أن الإنسان غاية في ذاته، لا مجرد وسيلة. ومن منظور علم الكلام الإسلامي، تمثل هذه الرؤية قطيعة مع الأشعرية التي تجعل معيار الخير مستندًا إلى الوحي لا إلى العقل. لذلك يعيد الرفاعي إحياء الحدوس المعتزلية المتعلقة بإمكان معرفة الخير بالعقل، وينتقد التصورات الإقصائية للخلاص والقيمة الدينية للأفعال، وينحاز إلى لاهوت رحمة يتمحور حول الإنسان في ذاته، لا حول انتمائه العقدي. ومن هنا تقف “الإنسانية الإيمانية” على الضد من كثير من التصورات الكلامية التقليدية التي تشترط صحة الفعل الأخلاقي بانتماء صاحبه إلى العقيدة الإسلامية. فالخير عند الرفاعي لا يستمد قيمته من الإيمان وحده، وإنما من كونه يحقق خير الإنسان وكرامته. لذلك تسبق الإنسانية الهوية الدينية، ويصبح الإنسان، بما هو إنسان، موضوع الأخلاق الأول. وهذه الفكرة تمتلك جذورًا داخل التراث العقلي الإسلامي نفسه، وخاصة في الفكر المعتزلي، الذي يرى أن العقل البشري قادر بذاته على إدراك الحسن والقبح، أو ما يعرف بمبدأ “الحسن والقبح العقليين”. وقد شكل هذا المبدأ أحد الأسس الكبرى للأخلاق المعتزلية، لأن الفعل الحسن عندهم لا يكتسب قيمته فقط من الأمر الإلهي، وإنما من كونه حسنًا في ذاته، ومدركًا بالعقل الإنساني.

فالفعل الحسن، في الرؤية المعتزلية التي يستلهمها عبد الجبار الرفاعي، ليس حسنًا لأن الله أمر به، وإنما يأمر الله به لأنه حسن في ذاته. وهذه الرؤية تقطع مع التصور الإرادوي والوضعي للخير كما يظهر في الأشعرية، حيث لا يكتسب الفعل صفة الخير إلا من خلال الأمر الإلهي. ومن خلال تعريفه للفعل الأخلاقي بوصفه كل جهد يسعى إلى تحسين حال الإنسان وخدمته، بصرف النظر عن عقيدته، يحاول الرفاعي الاستجابة لتحديات التعددية الدينية والأخلاق الكونية في العالم المعاصر. لذلك لم يعد لاهوته ينطلق من عدالة الله فحسب، وإنما من الكرامة غير المشروطة للإنسان. ومن هنا لا يمثل مشروعه مجرد عودة إلى الاعتزال، وإنما تجاوزًا له نحو “الإنسانية الإيمانية”، حيث تصبح غاية الإيمان خدمة العالم والإنسان، لا تبرير خلاص احتكاري مغلق. وانطلاقًا من هذه الرؤية للآخر، ومن إدماجه في بنية “علم الكلام الجديد”، ومن الأسس الصوفية والعقلانية التي يستند إليها، يخلص الرفاعي إلى أن الحوار بين الأديان ينبغي ألا يبقى محصورًا في حدود المجاملات والعلاقات العامة، وإنما يتحول إلى “حوار بنّاء ومثمر، يحمل أسس السلام ومبادئ العيش المشترك”.

سادسًا: تقييم نقدي للاهوت الحوار بين الأديان في الفكر الإسلامي عند عبد الجبار الرفاعي

يتضح من تحليل أعمال عبد الجبار الرفاعي أن مشروع “علم الكلام الجديد” الذي يتبناه يعكس إرادة واضحة للإسهام في الحوار بين الأديان، من خلال فتح التفكير اللاهوتي على سؤال الغيرية وإدماجه في بنيته الداخلية. فمن خلال كتاباته يسعى الرفاعي إلى القطيعة النهائية مع النزعات الاعتذارية الإقصائية، ومع أحكام التكفير واللعن الموروثة من علم الكلام التقليدي، ومع “احتكار الرحمة الإلهية والادعاء بحصر الخلاص في دين واحد أو فرقة واحدة أو جماعة واحدة”. وفي قلب هذا المشروع تقوم لاهوتية للكرامة الإنسانية، تستند إلى ما يسميه “الإنسان القرآني” أو “الإنسانية الإيمانية”. وهذه الكرامة، التي يعدّها قيمة أولى، تتجذر في النص القرآني، ولاسيما في الآيات التي تؤكد تكريم الإنسان، مثل قوله تعالى: “ولقد كرّمنا بني آدم”. ومن خلال هذا الأساس يؤسس الرفاعي لفكرة المواطنة بوصفها انتماءً مشتركًا إلى فضاء وطني واحد يجمع مؤمنين من ديانات ومذاهب متعددة، مستخرجًا هذا المعنى من الإمكانات الكامنة في القرآن من غير الوقوع في إسقاطات تاريخية متعسفة. لذلك يدعو إلى إعادة قراءة القرآن في ضوء كثافته الدلالية وتعدد معانيه، تبعًا لاختلاف السياقات وتطور الوعي البشري. كما أن التمييز الذي يقيمه بين “الوجه الإلهي الكوني” للقرآن و”الوجه البشري الظرفي” يسمح له بالخروج من القراءة الحرفية والتفسير التقليدي المغلق، ويفتح أفقًا تأويليًا جديدًا للنص الديني.

وتمنح هذه المقاربة شرعية للقراءات التعددية لبعض الآيات القرآنية، في تعارض كامل مع القراءات التقليدية المغلقة. غير أن عبد الجبار الرفاعي، على الرغم من ربطه مفهوم “الإنسان القرآني” بمفهوم “الفرد”، الذي يعدّه أساسًا للتعددية الدينية والسياسية والاجتماعية والثقافية، لا يقوم بتفكيك الخلفيات الفلسفية الغربية التي يستند إليها هذا المفهوم تفكيكًا كافيًا، مثل الاستقلال الذاتي، والوعي التأملي، والحق الذاتي. ويترتب على ذلك نوع من إضفاء الطابع الجوهري على الفرد بوصفه حاملًا كونيًا للكرامة، بما يقلل من أهمية الوساطة الجماعية والتقاليد الدينية في تشكيل علاقة الإنسان بالله. فالفرد عند الرفاعي يبدو سابقًا على العلاقة الدينية نفسها، وهو ما يحدّ من إمكان بناء تصور حواري متجذر فعلًا في تنوع التقاليد الدينية وتجاربها التاريخية. لذلك يرى هذا النقد أن مشروع الرفاعي، حتى وإن حاول الدفاع عن طابعه اللاهوتي، يقترب أكثر من فلسفة الدين منه إلى “لاهوت الأديان” بالمعنى الدقيق، لأن الحوار بين الأديان يقتضي الاعتراف بأن الإنسان يتشكل داخل العلاقات التي ينتمي إليها، سواء أكانت تقاليد، أم جماعات، أم سرديات مؤسسة للهوية والمعنى. أما في ما يتعلق بتوظيفه للتصوف، فإن الرفاعي يستثمر مفاهيمه من أجل تأسيس رؤية منفتحة على الأديان الأخرى، مستلهمًا بصورة خاصة محيي الدين بن عربي ومفهومه عن “وحي النبوة العامة”، الذي يشير إلى إمكان انكشاف معرفة بالله وحقائق إلهية خارج حدود الوحي التشريعي والكتاب المنزل.

ومن خلال هذا التصور يفتح الرفاعي “علم الكلام الجديد” على تقاليد دينية متعددة، سواء امتلكت وحيًا كتابيًا أم لم تمتلك، بحيث لا تبقى الغيرية الدينية محصورة في “أهل الكتاب” وحدهم. وهذه الفكرة تتيح الاعتراف بإمكان حضور الحقيقة الإلهية في أديان وتجارب روحية مختلفة. غير أن السؤال الذي يطرحه هذا النقد يتمثل في مدى نجاح الرفاعي في تحويل هذه الإمكانية النظرية إلى بناء لاهوتي متكامل. فهو، وإن كان يضع مفاهيم واتجاهات مستمدة من القرآن والتصوف لتأسيس هذا الأفق، لا يطوّرها دائمًا بصورة منهجية مكتملة. كما أن استناده المتكرر إلى ابن عربي يثير إشكالًا منهجيًا، لأن اقتباساته، على الرغم من غناها، تُنقل غالبًا خارج سياقاتها التاريخية والنصية، الأمر الذي يمنحها طابعًا تجريديًا ومفارقًا لسياقاتها الأصلية، ويجعل إعادة توظيفها محكومة أحيانًا بأفق معاصر أكثر من ارتباطها بالبنية الفكرية الكاملة لابن عربي نفسه.

وبعبارة أخرى، يرى هذا النقد أن عبد الجبار الرفاعي يطبّق في قراءته لـمحيي الدين بن عربي نوعًا من المنهج “الأصولي”، وهو المنهج نفسه الذي ينتقده عند المتكلمين المعاصرين المرتبطين بعلم الكلام التقليدي، لأن اقتباساته لابن عربي تُستعمل أحيانًا بصورة انتقائية ومنفصلة عن سياقاتها الأصلية، وتُعاد قراءتها ضمن أفق شخصي ومعاصر. كذلك يرى هذا النقد أنه، على الرغم من الأسس الأنثروبولوجية والانحيازات الأخلاقية والسياسية الواضحة لصالح العيش المشترك، فإن “لاهوت الحوار” عند الرفاعي بقي أقرب إلى مستوى النوايا العامة منه إلى مستوى البناء العقدي المتكامل. فكرامة الإنسان تمثل نقطة انطلاق مركزية في مشروعه، غير أن الحوار نفسه لا يتحول إلى موضوع لاهوتي مؤسس بصورة مكتملة. فالقرآن والوحي، بحسب هذا النقد، لا يُعاد تأويلهما مباشرة في ضوء سؤال الحوار بين الأديان، كما لا نجد بناءً مفاهيميًا متكاملًا للاهوت خاص بالحوار الديني. صحيح أن “علم الكلام الجديد” يقطع مع الإطار التقليدي الذي يراه الرفاعي عاجزًا عن إنتاج ثقافة حوارية، غير أنه لا يقدّم هرمنيوطيقا قرآنية مكتملة للتعددية الدينية، ولا يؤسس فعلًا “لاهوت أديان” بالمعنى الدقيق، بخلاف ما نجده عند عبد الكريم سروش. لذلك يبقى مشروعه، وفق هذا التقييم، أقرب إلى الأنثروبولوجيا الدينية والأخلاق الاجتماعية منه إلى بناء لاهوتي مكتمل. ومن هنا يمنح هذا الغموض العقائدي فكر الرفاعي أحيانًا طابع برنامج سياسي ـ لاهوتي إنساني ومنفتح على الغيرية، لكنه لا ينجح دائمًا في إنتاج المفاهيم اللاهوتية الضرورية لتأسيس حوار ديني متين. ولهذا يبدو “علم الكلام الجديد”، في هذا المجال تحديدًا، لاهوتًا غير مكتمل. ويرى هذا النقد أن أحد أسباب هذا القصور يعود إلى غياب بناء عقدي متماسك، لأن الرفاعي، في سعيه إلى تجاوز العقيدة الجامدة نحو فينومينولوجيا للإيمان بوصفه خبرة إنسانية تأسيسية وانفتاحًا على المطلق وسعيًا إلى المعنى، يفترض ضمنيًا أن العقيدة تمثل بطبيعتها عائقًا أمام التعايش. غير أن هذا الافتراض، بحسب النقد، لا يصح دائمًا، لأن العقيدة في كثير من التقاليد الدينية لا تؤدي وظيفة الإغلاق، وإنما توفر إطارًا تأويليًا لفهم الإيمان ذاته. فالعقيدة ليست في ذاتها عامل إقصاء، وإنما تتحول إلى أداة إقصائية حين تُستعمل استعمالًا أيديولوجيًا وهيمنيًا. بل إن العقيدة، حين تُفهم على نحو سليم، يمكن أن تصبح عنصرًا مهمًا في الحوار بين الأديان، لأنها تمنح كل جماعة دينية هوية واضحة تنطلق منها نحو اللقاء بالآخر. فالحوار الحقيقي لا يولد في الضبابية أو في تمييع الفروق، وإنما يحتاج إلى مواقف واضحة وقادرة على تسمية الاختلافات من غير عنف. ومن هنا توفر العقيدة لغة مشتركة وبنية مستقرة للتفكير اللاهوتي. لذلك يتساءل هذا النقد: إذا كان الرفاعي يدعو إلى إدماج دراسة لاهوت الأديان الأخرى داخل “علم الكلام الجديد”، فكيف يمكنه في الوقت نفسه أن يطالب بالتخلي عن العقيدة داخل اللاهوت الإسلامي؟ ويزداد هذا التساؤل قوة حين نكتشف، من خلال قراءة تراث المتكلمين أنفسهم، وجود إمكانات كامنة للتفكير في أنثروبولوجيا علائقية منفتحة على فرضية الخلاص الكوني، وقادرة على تقديم أسس لاهوتية للحوار والتعايش.

ويزداد هذا التناقض وضوحًا، بحسب هذا النقد، حين نلتفت إلى أن المرجعيات الفكرية التي يستند إليها عبد الجبار الرفاعي نفسها تتضمن عناصر تخفف من حدة القطيعة التي يعلنها مع البنية العقدية التقليدية. فـبول ريكور، على سبيل المثال، يؤكد أن الوصول إلى الآخر يقتضي “المرور عبر الهوية”، أي إن الإنسان لا يستطيع استقبال المختلف استقبالًا حقيقيًا إلا حين يعرف من يكون هو أولًا. وعلى العكس من ذلك، فإن الإيمان الذي يسعى إلى التحرر الكامل من كل بنية عقدية قد ينزلق بدوره إلى أشكال من الأصولية، أو الذاتية المطلقة، أو العداء للعقل. فحين تغيب العقيدة التي تنظّم الانفعالات الدينية وتؤطر التأويل وتضبط العاطفة، تصبح التجربة الإيمانية معرضة للانفلات والتحول إلى نزعات غير عقلانية. لذلك يرى هذا النقد أن العقيدة، ما دامت منفتحة وقابلة للمراجعة والنقد، تبقى فضاءً ضروريًا للتمييز والتبصر، كما تمثل أحد الضمانات المهمة للعيش المشترك ولتنظيم العلاقة بين الإيمان والاختلاف.

الخاتمة

لأن صورة الله هي التي تحدد طبيعة علاقتنا بالآخر، فإن القطيعة مع علم الكلام الكلاسيكي تعني عند عبد الجبار الرفاعي القطيعة مع منطقه الإقصائي، الذي يتجلى في تكفير المختلف وادعاء احتكار الخلاص. وكما يتضح من مشروعه، فإن “علم الكلام الجديد” الذي يدعو إليه يأخذ الغيرية والأديان الأخرى بجدية واضحة، ويتبنى أفقًا منفتحًا وشاملًا، ويتعمد تجاوز الحوار الديني الشكلي القائم على المجاملة، من خلال الدعوة إلى التعرف منذ الطفولة على نصوص الأديان الأخرى ومعتقداتها بطريقة بنّاءة. لذلك يدعو “علم الكلام الجديد” إلى تربية تقوم على الانفتاح على الآخر، لا من حيث الاعتراف بحقه في الوجود فقط، وإنما أيضًا من حيث الاعتراف بما يحمله من حقائق لاهوتية داخل تقاليده الدينية. وفي هذا تكمن قطيعة إبستمولوجية واضحة مع علم الكلام التقليدي. ويمثل هذا المشروع محاولة جريئة وخصبة لتجديد الخطاب الإسلامي انطلاقًا من قراءة تتمحور حول الإنسان. غير أن هذا المشروع، في مجال الحوار بين الأديان، يبقى محدودًا بسبب طابعه الداخلي المفرط في فهم الدين، وبسبب تصوره غير الكافي للطابع العلائقي للإنسان، الأمر الذي يحدّ من قدرته على التفكير في التجسد العملي للحوار انطلاقًا من قضايا دينية ملموسة. كذلك، وعلى الرغم من دعوة الرفاعي إلى “التوغل” في نصوص التقاليد الدينية الأخرى، فإن لاهوته يستند بدرجة أكبر إلى الفلسفة الغربية أكثر من استناده إلى النصوص اللاهوتية لتلك الأديان نفسها. ومن هنا لا يغدو مشروعه “لاهوتًا حواريًا” بالمعنى الذي نجده، على سبيل المثال، عند فريد إسحاق، الذي استطاع، متأثرًا بلاهوت التحرير المسيحي، أن يؤسس رؤية إسلامية للحوار بين الأديان. ومع ذلك، تبقى محاولة الرفاعي محاولة جديدة وجريئة، وحتى وإن بدت ذات طابع برنامجي أكثر من كونها بناءً لاهوتيًا مكتملًا، فإنها تمثل خطوة مهمة في مسار تجديد التفكير الديني الإسلامي والانفتاح على التعددية والعيش المشترك.

[1] مدير المعهد الدومينيكاني للدراسات الشرقية (إيديو) في القاهرة، والمعهد الكاثوليكي في باريس.

 

ترجمة عربية لبحث منشور في مجلّة «لافال اللاهوتية والفلسفية» ، المجلّد 82، العدد 1، سنة 2026، ص. 49-68. الصادرة في كندا:
https://revues.ulaval.ca/ojs/index.php/LTP/en/
index

رابط نشر البحث:

https://revues.ulaval.ca/ojs/index.php/LTP/fr_CA/article/view/54372

 

في سياق الادخار والتراكم والتدبير تولد الدولة

في سياق الادخار والتراكم والتدبير تولد الدولة

د. عبد الجبار الرفاعي

شهدت أرضُ الرافدين ولادات متعاقبةً لحضارات كبرى، انبثقت فيها بدايات الوعي الإنساني، وهو يخطو نحو تنظيم العالم وبناء المدن والدول. ابتدأت هذه المسيرة بحضارة سومر في أواخر الألف الرابع قبل الميلاد، حيث ابتكر الإنسان الرافديني الكتابة المسمارية، وأسس أولى المدن المنظمة، وأرسى ملامح القانون، وفتح آفاق المعرفة في الري والزراعة، والعمارة، والرياضيات، والفلك. كانت سومر لحظةً تأسيسية في تاريخ الإنسان، تجلت فيها قدرة العقل على تحويل الطبيعة إلى عمران حي، وإدارة نمط متناغم من الأرض والمياه للإنتاج وتدبير العيش. تلتها الحضارة الأكدية مع صعود سرجون الأكدي (2334–2279 ق.م)، الذي وحّد مدن سومر وأكد تحت سلطة واحدة، وأقام أول إمبراطورية في التاريخ، امتدت من الخليج إلى تخوم سوريا وإيران، فانتقل الإنسان من دولة المدينة إلى الدولة المركزية الكبيرة، ومن تشتت الكيانات إلى وحدة سياسية تتجاوز الحدود الجغرافية. في هذا الامتداد، تواصلت روح الإبداع الرافديني، وتجذّر حضور بلاد الرافدين بوصفها فضاءً يتكوّن فيه التاريخ، وتنبثق فيه أشكال جديدة للسلطة والمعرفة والعمران، في سعي دائم إلى بناء عالم أكثر انتظامًا واتساعًا لتراكم رأس المال المادي والرمزي.

ثم ولدت حضارة بابل، وتواصلت في التاريخ نحو 1894 ق.م حتى سقوطها سنة 539 ق.م، في طور متقدم لتطور الوعي الرافديني. ففي بابل الأولى مع حمورابي (1792–1750 ق.م) يتجلى أحد أبرز المنعطفات في تاريخ الإنسان، حين جرى تدوين “شريعة حمورابي” كمحاولة مبكرة لتأسيس القانون على قواعد مكتوبة تنظم حياة الناس وتحدد الحقوق والواجبات، وتمنح السلطة معنى يتصل بحماية المجتمع، فارتبط الحكم بفكرة العدالة، وتحول القانون إلى لغة تضبط العلاقات، وتسيطر على فوضى القوة. وفي حضارة بابل الثانية مع نبوخذ نصر (605–562 ق.م) بلغت الحضارة البابلية أوجها العمراني والرمزي، فكانت المدينة فضاءً يجمع القوة والجمال، وتجلى ذلك في أسوارها الشاهقة وبواباتها المهيبة وحدائقها المعلقة التي غدت رمزًا لالتقاء الطبيعة بالخيال الإنساني. في هذه المرحلة صارت الدولة تعبر عن روح حضارية ترى في الجمال امتدادًا للسلطة، وفي العمران لغة تجسد هوية الجماعة وذاكرتها. هكذا تواصلت بابل في مرحلتيها التاريخيتين كتجربة إنسانية يلتقي فيها القانون والعلوم بالعمران والجمال، في أفق يعكس سعي الإنسان إلى بناء عالم أكثر انتظامًا وأقرب إلى معنى التناغم والانسجام.

كذلك نشأت حضارة آشور في شمال العراق على ضفاف نهر دجلة، واتخذت من مدينة آشور مركزًا لها منذ الألف الثالث قبل الميلاد. بدأت كقوة تجارية في مطلع الألف الثاني ق.م، ثم تحولت إلى دولة إقليمية في العصر الآشوري الوسيط، قبل أن تبلغ ذروة اتساعها في العصر الآشوري الحديث (911–612 ق.م) حين امتدت من الخليج إلى حدود مصر. تميزت آشور ببناء دولة مركزية تقوم على إدارة منظمة وتقسيم إداري للأقاليم، وتطوير جيش محترف متقدم في تقنيات القتال والحصار في ذلك العصر، كما شيدت مدنًا كبرى مثل نينوى ونمرود، واهتمت بالمعرفة والثقافة، فأنشأت مكتبة نينوى في عهد آشوربانيبال نحو 650 ق.م، حيث جُمعت آلاف الألواح المسمارية التي حفظت تراثًا رافدينيًا معرفيًا وأدبيًا واسعًا، وبذلك أسهمت في ترسيخ نظام حكم عسكري، وفي حماية تراث بلاد الرافدين ونقله إلى العصور اللاحقة.

قدّمت حضارات سومر وأكد وبابل وآشور إسهامات تأسيسية في بناء الحضارات الإنسانية. ففي سومر ظهرت الكتابة المسمارية نحو 3200 ق.م، فكانت أول طريقة تدوين منظمة، استُخدمت على ألواح الطين لتوثيق شؤون الاقتصاد والقانون والأدب، وانتشر الخط المسماري في الكتابة في بلاد ما بين النهرين وما جاورها، واستمر استعماله أكثر من ثلاثة آلاف عام، إذ تواصل حضوره في التدوين حتى القرن الأول الميلادي. وفي الألف الرابع ق.م نشأت المدن السومرية، مثل أور وأوروك، واخترعت العجلة نحو 3500 ق.م، وتم تطوير أنظمة الري قرابة 3000 ق.م، وجرى تدوين ملحمة كلكامش في الألف الثالث ق.م، بموازاة اختراع القيثارة وابداعات مبكرة في الفنون السمعية والبصرية. وفي أكد أسس سرجون الأكدي أول إمبراطورية مركزية نحو 2334 ق.م، مما رسّخ مفهوم الدولة الموحدة والإدارة المنظمة واللغة السياسية. أما في بابل فقد بلغت التشريعات ذروتها مع شريعة حمورابي نحو 1754 ق.م، وتقدمت الرياضيات بابتكار النظام الستيني في الألف الثاني ق.م، وتطورت علوم الفلك ورصد الكواكب بين القرنين الثامن والسادس ق.م، فأسهم ذلك في ضبط الزمن والتقويم. وفي آشور، ولاسيما بين القرنين التاسع والسابع ق.م، برز التنظيم العسكري والإداري، وجُمعت المعارف في مكتبة نينوى في عهد آشوربانيبال نحو 650 ق.م، حيث حُفظت نصوص اسطورية وأدبية وعلمية متنوعة. وهكذا أسهمت هذه الحضارات مجتمعة في ترسيخ أسس الكتابة والدولة والقانون والمعرفة.

وأخيرًا ولدت حضارة الإسلام في الكوفة والبصرة وبغداد، حيث تأسست علوم اللغة والفقه والكلام، ومدارس التفكير التي صاغت ملامح العقل الإسلامي في أطواره الأولى، ثم ازدهرت في بغداد حين غدت مركزًا للمعرفة والترجمة والعمران، وملتقى للثقافات، فانتقل فيها العقل من التلقي إلى الإبداع، ومن الشرح إلى التأسيس، وبلغت هذه الحضارة أوجها في القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي، حين ازدهرت علوم الدين واللغة والأدب، والفلسفة والطب والرياضيات والفلك،  وتجلّى فيها تلاقي العقل والنص في إنتاج المعرفة الدينية، قبل أن تتعرض لانكسارها الكبير باحتلال هولاكو لبغداد سنة 1258م، ذلك الحدث الذي أحدث جرحًا في ذاكرة العراق الحضارية، وتدميرًا متوحشًا للعمران والثقافة والفنون والآداب، ترك أثره العميق في مسار العراق المستقبلي.

منذ أن سقطت بابل بيد الأخمينيين سنة 539 ق.م، بدأ ليل طويل من الاحتلالات في تاريخ بلاد الرافدين، غابت فيه الدولة التي تنتمي إلى الأرض، وتعبر عن إرادة أهلها ومصالخهم. وتوالت عليه سلطات أجنبية متعاقبة، نقلت إليه أنظمتها وأديانها وعقائدها ومفاهيمها وثقافاتها، وأخضعته لحكم مركزي غريب عن نسيجه الاجتماعي والثقافي والقيمي والرمزي. أضحت بلاد الرافدين هامشًا لمراكز قوى خارجية، ترسم حدودها، وتحدد وظائفها، وتفرض عليها ما هو غريب عن استمراريتها الحضارية. حكم هذه البلاد الأخمينيون (539 ق.م – 331 ق.م) بعد أن احتل كورش مدينة بابل سنة 539 قبل الميلاد، منهيًا حكم الدولة البابلية الحديثة، وجاعلًا بلاد الرافدين إقليمًا تابعًا. استمر الحكم الأخميني قرابة قرنين، حتى جاءت معركة غوغميلا سنة 331 ق.م، حين هزم الإسكندر المقدوني الملك الفارسي داريوش الثالث، ودخل مدينة بابل، منهيًا الحكم الأخميني، ومحتلًا لبلاد الرافدين واخضاعها للإمبراطوريته الهلنستية، فاتحًا فصلًا جديدًا في تاريخ المنطقة تحت هيمنة الثقافة الإغريقية. بعد وفاة الإسكندر سنة 323 ق.م في بابل، تقاسم قواده إمبراطوريته، فكانت بلاد الرافدين من نصيب سلوقس الأول نيقاطور أو سلقيس الأول (358-281 ق. م)، مؤسس الدولة السلوقية. خضعت بلاد الرافدين في هذه المرحلة لحكم يوناني غريب عن ثقافتها وقيمها ومجتمعها، سعت السلطة السلوقية لفرض الهيلينية كثقافة ورؤية للعالم، غير أن هذا الفرض لم يجد جذورًا في أرض الرافدين، وبقي مفروضًا من علٍ، بلا تفاعل حي مع البيئة المحلية.

وتوالت الاحتلالات على هذه الأرض، وكان أطولها الاحتلال العثماني الذي بدأ سنة 1534 حين دخل السلطان سليمان القانوني بغداد، وامتد حتى سنة 1917 مع انسحاب العثمانيين منها، فاستغرق قرابة أربعة قرون، ظل خلالها العراق ساحةً لسلطةٍ تتبدل وجوهها وتتشابه آثارها، إلى أن تهيأت الشروط لولادة الدولة العراقية الحديثة سنة 1921.

بعد أفول هذه الحضارات، وتبدد ميراثها ورموزها، وانفصال الحاضر عن الماضي، تراجعت صلة الإنسان العراقي بإرثه الحضاري، ولم يتدرب حتى اليوم على التدبير، ولا على الادخار، ولا على إدارة الثروات والمهارات والخبرات والزمن، بوصفها مكونات أساسية لبناء الدولة. ما زال سلوك العراقي في مناسباته الاجتماعية والدينية حتى اليوم يعكس غياب ثقافة الادخار والتراكم، فهو يهدر الطاقات والثروات والمهارات والخبرات بلا وعي بالمستقبل، وكأنه لا يعيش إلا اللحظة الحاضرة فاقدًا لبوصلة الغد. نرى الأموال تنفق بسخاء في الولائم الاجتماعية والمناسبات الدينية، من دون أن تتحول إلى رصيد منتج يعود بالنفع على الدولة والمجتمع، أو يسهم في بناء مشاريع تنموية. هذا النمط من الهدر المجاني يعكس بقايا نمط العيش البدوي، الذي كان يجد معناه في بيئة صحراوية لا تعرف الاستقرار ولا الادخار.

تقوم الدولة الحديثة على تدبير عقلاني للموارد، تحصي فيه الحكومة كل شيء بدقة، وتدير الإنسان وخبراته ومهاراته وزمنه وثرواته وأمواله ضمن رؤية علمية تعيد استثمار الإمكانات وتنميتها. في هذا الأفق تتحول السياحة الدينية إلى مورد وطني فاعل، يغدو اقتصادًا منتجًا يرفد التنمية ويعزز موارد المجتمع والدولة، كما تكشف تجارب بلدان متعددة أن مواسم الحج والعمرة والزيارات تمتلك قدرة حقيقية على توليد قوة اقتصادية مؤثرة. إذ تتصدّر المملكة العربية السعودية عالميًا بعائدات الحج والعمرة التي تتراوح بين 12 و15 مليار دولار سنويًا، وقد ترتفع إلى 20–30 مليارًا مع احتساب إنفاق الخدمات والتسوق، ما يجعلها من أبرز مصادر الدخل غير النفطي. في المقابل يستقبل العراق قرابة ثلاثين مليون زائر إلى مراقده المقدسة، وذلك يكشف عن طاقة اقتصادية كبيرة لم تُستثمر بالكفاءة المطلوبة، ما يجعل العراق والسعودية معًا أكبر مركزين للسياحة الدينية من حيث الأعداد والتأثير الاقتصادي في العالم الإسلامي.

https://al-aalem.com/%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d9%8a%d8%a7%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%af%d8%ae%d8%a7%d8%b1-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d9%83%d9%85-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%af%d8%a8%d9%8a%d8%b1-%d8%aa%d9%88%d9%84/

 

عبد الجبار الرفاعي والشباب في (ثناء على الجيل الجديد)

عبد الجبار الرفاعي والشباب في: (ثناء على الجيل الجديد)

د. رائد جبار كاظم

تميزت سيرة حياة عبد الجبار الرفاعي الشخصية، ومسيرته الفكرية والثقافية، وتجربته الدينية والروحية، وجهوده العلمية والمعرفية، طوال فترة تاريخية تجاوزت النصف قرن، بالعطاء والانجازات والدراسة والكتابة والتأليف والمغامرات واختلاف الاحوال والمقامات الدينية والفكرية والثقافية والادارية، منذ فترة طويلة وهو يحث الخطى بمفرده وبما يبذله من طاقة وجهود فردية فريدة، وصبره الطويل وحفره في الصخر ليكون شيئاً وشخصاً وأسماً يشار له بالبنان، وفعلاً تحقق له ذلك من خلال صناعة نفسه وإدارتها إدارة ذاتية وخلقها خلقاً جميلاً صارت قدوة للآخرين، في السير والسلوك والفكر والأخلاق والثقافة والفكر والأدب، وهذا بحد ذاته يحتاج ليكون منهجاً ودرساً وصورة حقيقية للشباب للاقتداء به، من خلال ما قدمه في سنوات عمره التي حُفت بالمكاره والمخاطر والمحن والأزمات، ولكنها تكللت بعد ذلك بالنجاح والتفوق والتميز، سنوات من الدراسة والعلم والاجتهاد الديني والفكري والعرفاني والثقافي الذي يشار له بفاعلية وحضور كبيرين بين رواد الفكر الاسلامي المعاصر، وهذا ما يدعونا لبيان دوره الكبير في هذا الفكر وما قدمه من جهود غنية تليق بأن تكون دروساً وعبراً للشباب في صقل مواهبهم وطاقاتهم وإثراء عقولهم وخلقهم بهذه الطاقة الايجابية التي تحول المستحيل والمصاعب والمكاره الى حالة من النجاح والعطاء وإثبات الوجود لمقاومة عقبات الحياة وعوائقها وتحويلها الى طاقة تزود الانسان بالعمل والبقاء والإثراء والحياة بدلاً من التخاذل والانحراف والضعف أمام مغريات الدنيا والوقوع فريسة في يد الأمراض الاجتماعية والرذيلة والخطر والخطأ الذي يملأ المجتمعات اليوم، من خلال الابتعاد عن الأيمان الحقيقي بالله تعالى والدين والأخلاق والفضيلة، فالشباب رأسمال الشعوب والأمم والدول، وقد أعطى الرفاعي جزءاً كبيراً من فكره وعلمه ووقته للشباب والتواصل معهم بما يخدم هذه الشريحة كأب ومعلم وأستاذ ومجتهد ومفكر ومربي وإنسان له خبرة وتجربة طويلة في مجالات متعددة في الحياة وواجه مصاعبها بقوة قل نظيرها بين الناس، وقد أنشغل الرفاعي بتربية جيل من الشباب ورعاهم رعاية خاصة وحمل همومهم وآلامهم وحولها الى حالات من النجاح والابداع والعطاء، ولذلك فهو يعول كثيراً على الجيل الجديد (الشباب) في صناعة الحياة ومواجهة تحدياتها المعاصرة، وقد نجد دروس الرفاعي للشباب مبثوثة في كتاباته الفكرية، وقد خصهم في كتاب موجه لهم وهو كتاب (الثناء على الجيل الجديد )، الذي يقول فيه الرفاعي عن الشباب : “الجيل الجديد أثمن رأسمال في بلادنا للحاضر والمستقبل”(1) . ويقول أيضاً : “من يستثمر مواهب الجيل الجديد يربح الحاضر والمستقبل” (2) . ولميزة مرحلة الشباب وأهميتها كمرحلة عمرية في حياة الانسان توجه الرفاعي لطرح مشكلات وتحديات وإجابات جديدة تواجه الشباب اليوم، من خلال خبرته وتجربته الكبيرة كأب ومثقف وإنسان، بإسلوب حوار الأفكار بين جيلين، جيل الحكمة والمعرفة وجيل القوة والفتوة، وهذا ما دعى الرفاعي للقول بوجود عالمين مختلفين بين عالم الآباء وعالم الأبناء، وهذا لا يعني التخاصم والأنفصام والأنفصال بين العالمين، بل بتناغيم والوئام والتكامل بين الأثنين، حيث يقول : (ثمة عالمان للآباء والأبناء لا عالم واحد. لا يلتقي هذان العالمان في الكثير من الرؤى والأفكار والأشياء، وأحيانا يتنابذان إذ يقع كل منهما على الضد من الآخر. لكل منهما رؤيته الخاصة للعالم، لكل منهما معاييره في الثقافة والأدب والفن والجمال والذوق، لكل منهما تطلعاته للغد، لكل منهما مفاهيمه عن الكون والإنسان والحياة، لكل منهما مواهبه ومهاراته وإبداعاته وابتكاراته ، لكل منهما منظومات قيمه ومفاهيمه الأخلاقية وأنماط تدينه. متطلبات الروح لكل منهما لا تتطابق ومتطلبات الروح للآخر، مشكلات وأمراض كل منهما غير الآخر. لكل جيل أمراضه الخاصة. استبدت بالجيل الجديد أمراض تحكي قوة الواقع الذي يعيشه، وتعكس تعقيداته المختلفة، والأصداء الحادة لإيقاع تحولاته المفاجئة. بعض هذه الأمراض أشد فتكا وأعنف وأخطر من أمراض الجيل السابق، كما تُعلن عنها جروح الروح، وتوترات المزاج، واضطرابات المشاعر، وتقلبات التفكير، وتذبذبات المواقف.)(3)  . وهنا يمنح الرفاعي استقلالية العالمين لا تخاصمهما، والذي استشفه من كلامه هو مع سيادة مبدأ الاستقلالية ينبغي أن يكون هنالك مبدأ الأحترام والتقدير والاعتراف المتبادل بين العالمين أو الجيلين، لأنه سبق وأن كان الأب أبناً وقد كان له عالمه الخاص وظروفه التاريخية التي تميزه عن عالم أبيه، وسيكون الأبن أيضاً فيما بعد أباً وعليه أن يشعر بعالم أبنائه المختلف عنه، وكأن الأمر متلازمة منطقية بين عالمين، الأب الذي كان أبناً، والأبن الذي سيكون أباً، ففي العالمين على الإنسان أن يدرك ذلك ويتعامل معه بحكمة واحترام ووعي متكامل لا يسىء لأحد الطرفين.

ويلتفت الرفاعي الى نقطة مركزية في غاية الأهمية ألا وهي مسألة التربية والتعليم بين الماضي والحاضر، بين جيلين، جيل الآباء وجيل الأبناء، (النظام التعليمي الذي أنتج وعي الآباء مازال يعيد إنتاج وعي الأبناء، وهو إن كان متناسيا مع ذهن الآباء لكنه يعجز اليوم عن إنتاج وعي مواكب لحياة الأبناء، بل يتفاقم التضاد والتناشر بين النظام التعليمي وبين قدرة الأبناء على التلقي والتعلم. كلما مرت عليه سنة جديدة يغدو متخلفا أكثر. وتيرة التغيير في عصر الذكاء الاصطناعي؛ كل سنة فيها تاوي عشرات السنين مما مضى، كما تؤشر لذلك الأبحاث العلمية في هذا الحقل. نحن بحاجة للبحث عن جذور هذه المشكلة في بنية التربية والتعليم الموروث منذ عشرات السنين، الذي ينتمي لعالم الأمس المختلف عن عالم اليوم اختلافًا جوهريا. فلم يعد الكتاب وحده رافدا لتلقي المعرفة، بعد أن تراجع موقعه فأضحى أحد الروافد – ربما ثانويا – بموازة روافد متدفقة غزيرة متنوعة. ولم يعد التعليم على وفق أساليب وطرائق التدريس الموروثة ملائما لعالمنا اليوم، بل لم بعد الصف المدرسي بفضائه وأدواته المتعارفة ملائما للتعليم، وقبل كل ذلك لم تعد ملائمة اليوم معظم المعلومات والمفاهيم والخبرات والمهارات المكدسة بعشوائية في المقررات المدرسية المتدوالة. أغلب مضامينها لا ينتمي لعالم الأبناء، ولا يشبه أحلامهم، ولا يلبي احتياجاتهم؛ لغربتها عنهم وغربتهم عنها. يشعر الأبناء بالاغتراب والمرارة عندما تفرض عليهم هذه المقررات، وينفرون عندما يجدون أنفسهم ملزمين أن يمضغوا أشياء لا تشبه ذائقتهم ولا يشبهونها، ويتعلمون علوماً ومعارف لا تنتمي لزمانهم، ولا تعرف منطق حياتهم، ولا تتحدث لغة عصرهم.)(4) ويؤكد الرفاعي مراراً وتكراراً على أنه رغم اختلاف جيل الأبناء عن جيل الآباء وأستقلالية عوالم كل منهما لكن تبقى هنالك أسئلة وجودية وقيمية وفكرية بشرية مشتركة بين عموم الناس، ولكن علينا أن لا نورث قناعاتنا الفردية الشخصية لأبنائنا كما لو نورثهم المال والثروة، بل تبقى لكل منا قناعاته الخاصة به التي يتحمل مسؤوليتها الانسان نفسه، ذكراً كان أو أنثى، أباً أو أبناً، وأماً أو أبنة. فالرفاعي لا يحرّض الشباب على الآباء، ولا يدعو الآباء للتسليم المطلق أمام الأبناء، فهو يعتقد بأهمية الوصال والأتصال بين الأجيال، ولذا فهو أيضاً هنا يفصل ويفصّل المقال بين الأبناء والآباء من الأستقلال والأتصال، أعتماداً على مبدأ الحوار المتبادل بين الأجيال، والاعتراف بخصوصية وأهمية كل مرحلة عمرية يعيشها ويحياها الانسان، في كل زمان ومكان. وتأكيده على أن التربية والتعليم خيارها الحصانة لا المنع. والاستماع لأسئلة الجيل الجديد وأجوبته معاً دون أحتكار سلطة التفكير والتربية والتعليم.

ومما يسجله الرفاعي أيضاً على الشباب هو اساءة فهمهم من قبل الآخرين، وعدم الاقتراب من أسئلتهم  فيما يخص المسألة الدينية، سوء فهم يتعرضون له ويضعهم في إحراج فكري وديني واجتماعي، وخاصة في موضوع الألحاد وموقف الشباب من الدين، حيث يرى الرفاعي: إن     ( الجيل الجديد ليس ضد الله، هو ضد صورة الله الكئيبة التي رسمتها السلفية المتشددة. لا أظن أن هناك إنسانًا يستغني عن الله، الجيل الجديد يريد أن يرى صورة مضيئة لله، يفرح ويبتهج عندما يشهد نورها. بعد نصف قرن من تعلم وتعليم علوم الدين أحاول رسم هذه الصورة في ضوء ما ورد في القرآن، كتاباتي تحاول أن ترسم هذه الصورة بألوان النور كما رسمها الله لذاته. لعل هذا النوع من الكتابات يساعد في إيقاظ صوت الله في الأرواح الكئيبة، ويسعف بعض التائهين ليدلهم على الله، ويريهم تذوق إشراقات أنواره الأبدية. كثيرا ما تخفق السلطة السياسية والروحية في إدراك نمط وعي الجيل الجديد ومتطلباته، ما يوقعها في اشتباك معه عاجلا أم آجلا، ينهكها بالتدريج ويقوضها، إن لم تغير هذه السلطات مفاهيمها ولغتها وأساليبها وسلوكها يغيرها الجيل الجديد. قلما نجد أحدًا من الكتاب في الدين من يكرس جهوده للتعرف على أنماط عيش الجيل الجديد وآماله وآلامه، ويكتشف رؤيته للعالم وأحلامه وكيفية تفكيره، وفي ضوء ذلك يقدم المعنى الديني الروحي والأخلاقي والجمالي الذي يحتاجه هذا الجيل. اكتشاف هذا المعنى الديني يتطلب اختراق التراث المتراكم، والعودة إلى القرآن الكريم والتمييز بين القيم الكلية الكونية التي يحتاجها الإنسان بما هو إنسان ويشترك فيها كل الناس مثل : الخير، والحق والعدل، والكرامة والمساواة، والصدق والأمانة والأمن، والثقة، وما هو خاص من قيم تعكس عصر البعثة الشريفة. أكثر ما نفكر فيه ونتكلمه ونكتبه مشغول بالماضي لا بالحاضر. نحن أمة يحكمها الأموات برؤيتهم للعالم وأفكارهم ومقولاتهم الاعتقادية.)(5) .  الرفاعي هنا يعتقد أن تحولات العصر الرقمي ألقت بظلالها على الشباب عالمياً، وطرق التفكير الجديدة متداولة بين الناس أكثر وأكبر من السابق، والشباب هم من يتقبل هذه التحولات والتجديد أسرع من غيرهم من جيل الآباء وكبار السن، وجل الأسئلة الفكرية والوجودية والدينية تطرح في مرحل الشباب، ساعة يتفجر السؤال الفلسفي والديني في ذهن الفتى والفتاة الشباب، ولكن المسألة الكبرى هي من يجيب على تلك الأسئلة، والى من يقترب ذلك الفتى وتلك الفتاة الشباب لمعرفة اجاباتهم وتحقيق طمأنتهم الفكرية والروحية، الى رجل الدين أم الى الاستاذ أم الى المثقف أم الى الأب والأم أم الى ذاته؟  تلك الحيرة والمسألة تحتاج الى اجابة ومعرفة أيضاً، خشية أن لا يقع الشاب في المحذور والمحضور الذي يلقي به في التيه ومخاطر الأفكار، وهذا ما تتوجه له اليوم مؤسسات وشركات عالمية كبرى لتحقيق أهدافها في غسل أدمغة الشباب وتوظيفهم في مجالاتهم التي يريدون، في الدين أو السياسة أو الثقافة الأيديولوجية أو أي مجال آخر يسعون به لزج الشباب في تحقيق مطامحهم ومطامعهم الشخصية المقيتة. ومن تلك الأساليب التي تسعى لها تلك المؤسسات، التي تتقن صناعة العرض والطلب الفكري والاقتصادي معاً، هو تثقيف الشباب بفكر مختلف تماماًعما تعيشه مجتمعاتهم وما تربوا عليه من دين ومعتقدات وأخلاق، لزج الشباب في حروبهم الاقتصادية من خلال المسألة الدينية والفكرية، هذا من جانب، ومن جانب آخر هو جهل وعجز مؤسساتنا الدينية والسياسية والفكرية والثقافية في مخاطبة الشباب خطاب عقلاني وديني معتدل ومنفتح يقترب من تلك المشكلات ويطمأنها، بل كثيراً ما نجد إجابة المؤسسات والخطابات في جانب، وأسئلة الشباب وطموحاتهم في جانب آخر، وقد ملّ الشباب تلك الخطابات الجوفاء مما دعاهم للاقتراب من موجات التغريب ودعوات الالحاد والتجديد ونبذ الاجابات المحلية ذات الصبغة الدينية، ولهذا يجد الرفاعي حاجتنا اليوم أكثر مما مضى الى بث خطاب ديني وفكري عقلاني مستنير يطمأن الشباب ويقترب منهم أكثر.

يرى الرفاعي حيوية الدين وفاعليته وضرورته في حياة الانسان، فهو حاجة أنطلوجية بشرية لا يمكن الاستغناء عنها، (الدين لا يموت، ما يموت هو الصور المتوحشة العنيفة لله التي صنعها الإنسان. ما يموت هو كل شيء يصنعه الإنسان ويضع الدين في مواجهة الاحتياجات الأساسية للروح والقلب والعواطف والضمير والجسد والعقل الله حي لا يموت ما يموت هو ما يصنعه الإنسان من صور لله، يستعملها في خدمة مصالحه واحتياجاته، للاستحواذ على المال والثروة والسلطه باسم الله. شبكات المصالح المعقدة تنتج صورًا لله تخدم مصالح الأشخاص والمؤسسات. يصعب جدا تحرير صورة الله من استغلال المؤسسات الدينية والسياسية والمالية واستثمارها لها بأساليب بارعة في اخضاع الأفراد والمجتمعات وتركيعها. إن الحياة اليوم، بكل ما تحفل فيه من: ذكاء اصطناعي، وهندسة جينات، وتقنيات البيوكيمياء المعقدة، وغير ذلك، تفرض على الإنسان العاقل طريقة التفكير ونمط الوجود الذي يتناغم معها، والتراث يفرض على الإنسان المسلم والجيل الجديد خاصة نمط وجود وطريقة تفكير وسلوك لا تتحقق إلا برفض التناغم مع معطيات العلم والتكنولوجيا والعالم الجديد، فيحدث التناشز، الذي يفرض على كل إنسان عاقل أن يقدم حياته ومصالحه المادية والمعنوية، ولا يجعلها قرباناً مجانياً للتراث، لذلك ينفر الجيل الجديد من التراث، ويقطع معه جذرياً، كي يعيش في العصر الذي هو فيه فعلاً، ولا يغترب عن واقعه اليوم.) (6)

لا أريد أن أفسد على القارىء الكريم متعة قراءة كتاب (ثناء على الجيل الجديد)، ولا تقديم دراسة موسعة فيه أو عنه في هذا المقام، بل أحببت تسليط الضوء عليه، وتوجيه أنظار الآباء والأبناء معاً لمعرفة أسرار الكتاب وموضوعاته وطريقة الرفاعي في تناول أفكاره. ليعرف كل من الجيلين كيفية التعامل والسلوك والمعرفة بهوية كلا العالمين والتنسيق والتفاهم والتعايش فيما بينهما دون عنف أو تطرف أو كرهية في فرض الأفكار وفض الاختلافات بين الأثنين، والأحترام والاعتراف المتبادل بينهما.

ولا بد من القول أن الرفاعي يعد أباً وراعياً ومربياً ومعلماً لجيل من الشباب والأشخاص، هم الآن جيل من المثقفين والباحثين والمبدعين والمربين والاساتذة والقادة لهم شأن كبير في الثقافة والفكر والمجتمع، وحري بتجربة الرفاعي الفكرية والروحية والمعرفية الثمينة أن تتحول الى دروس وطاقة تلهم الشباب من أبناء الجيل الجديد، للارتقاء نحو النجاح والعمل والصمود في مواجهة الحياة ومقاومة مخاطرها ومفاتنها، وبناء عقولهم وشخصياتهم بهذه الدروس القيمة، لضمان تحقيق نجاح أكبر يخدم الفرد والمجتمع والدولة والبشرية عامة، بدلاً من أن يتحول الانسان الى وجود هامشي لا قيمة له ولا معنى في هذا العالم المتلاطم الأمواج.

د. رائد جبار كاظم، أستاذ الفلسفةفي الجامعة المستنصرية.

الهوامش:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) عبد الجبار الرفاعي. ثناء على الجيل الجديد. ط1. منشورات تكوين ودار الرافدين. الكويت ـ لبنان. 2025.  ص14.

(2) المصدر نفسه. ص 17.

(3) المصدر نفسه. ص 22 ـ23.

(4) المصدر نفسه. ص33 .

(5) المصدر نفسه. ص 42ـ 43.

(6) المصدر نفسه. ص 45ـ 46.

 https://al-aalem.com/%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%a8%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%81%d8%a7%d8%b9%d9%8a/

ثرثرات السياسة تفسد الوعي

ثرثرات السياسة تفسد الوعي

د. عبد الجبار الرفاعي

ورد في الفصل الثالث من “فن الحرب” للحكيم الصيني المعروف سون تزو Sun Tzu: “الانتصار في مئة معركة ليس من أسمى مهارات المجد، إنما أسمى مهارة أن تقهر عدوك بلا قتال”. يتغلب وعي السياسي الواقعي حين يدرك أن أعلى مراتب النصر هو الانتصار بلا حرب، وأنه يجب ألا يهدر الفرص، ويغرق في الأوهام، لأن توهم القوة لا يصنع القوة، وتوهم الانتصار لا يصنع الانتصار. السياسة في أصلها فن للعيش المشترك، ومجال عام تتجسد فيه مسؤولية الإنسان عن تنظيم حياته مع الآخرين. عند أرسطو كانت السياسة أرقى صور الأخلاق، لأنها تعنى بسعادة الجماعة لا بمصلحة الفرد وحده. وفي الفكر الحديث صارت السياسة فن إدارة الصراع بالعقل لا بالعنف، وإدارة المصالح بواقعية.

السياسة الواقعية هي علم إدارة المصالح والمصائر المشتركة للمواطنين. السياسة التي تبني الأوطان تستثمر في التنمية، ولا تتورط في الاستثمار في الأيديولوجيات التعبوية، وتتفادى الحروب بكل الوسائل. هذا المعنى الواقعي للسياسة فقد حضوره في الأنظمة الثورية في بلادنا العربية وغيرها، حين تغلبت الثرثرة على التفكير، وصار الكلام في السياسة شغفًا عامًا يمارسه من لا معرفة له بها، فغدت السياسة على ألسنة هؤلاء مثل مرآة مهشمة لا تعكس الواقع بل تشوهه.

يتحدث أكثر الناس في مجتمعنا بالشأن السياسي، وكأنها حفلة للتفاخر اللفظي لا مجالًا للفهم والمسؤولية. بعد ضمور الوعي السياسي صار الحديث في الشأن العام موجة من الأصوات المندفعة التي تملأ المجال العام بضجيج لا ينتج فهمًا ولا يبني وعيًا. أفسدت أصوات المتحدثين غير الخبراء في السياسة المجال العام، ممن يتحدثون بلا وعي سياسي بالواقع، وأجهضت التفكير النقدي، وعطلت القدرة على الإصغاء، وجرى من خلالها استبدال الفكر بالشعارات والضوضاء الصاخبة، والعقل بالمشاعر، وإثارة المكبوتات التاريخية. وسائل التواصل اليوم منحت كل إنسان منبرًا بلا مسؤولية، فصار الحديث السياسي مسرحًا للانفعال والخصام المبتذل، يتكلم فيه الجميع ليعلنوا عن أنفسهم لا ليكشفوا الحقيقة.

صار الحديث في السياسة هواية من لا هواية له، وملاذًا لمن يهرب من مسؤوليته الفكرية والأخلاقية والوطنية، حتى صارت كثرة الكلام مهارة للتعويض عن الفهم الدقيق والعمل. بتضخم هذه الظاهرة، غابت المفاهيم المحورية في السياسة؛ كالدولة والحكومة والسلطة، والوطن والمواطنة، والقانون، والحرية والمسؤولية، والقيم والعدالة والحقوق، وغدت كلمات مستهلكة تستعمل من دون وعي بمعانيها التاريخية والفكرية والسياسية. لم يعد المتكلمون في السياسة يسألون: ما الدولة؟ ما الحكومة؟ ما السلطة؟ ما الدستور؟ ما العدالة والحقوق والقانون؟ ما الحرية والمسؤولية؟ ما الوطن والمواطن والمواطنة؟ لأن السؤال اختبأ تحت ركام الشعارات، وتحول النقاش إلى حلبة للصراخ، والاختلاف إلى خصومة.

كلما ارتفع صخب الثرثرة خفت صوت الفكر، وذبلت السياسة بوصفها فنًا للعيش المشترك، وتحولت إلى حلبة للإثارة والغضب والانقسام والتمزق. بالكلمات والشعارات الساذجة التي تقال في السياسة، يتسع الخرق في نسيج الوعي الجمعي، ويضطرب الرأي العام، وتزداد المسافة بين المواطن ومعنى الوطن، فيغدو الانفعال بديلاً عن الفعل، والصراخ بديلاً عن الحجة، والوهم بديلاً عن المعرفة. مَن لا يملك وعيًا سياسيًا لا يستطيع أن يخدم وطنه بالكلام، لأن السياسة ليست لعبة للكلام بل صناعة للمعنى. الوعي السياسي ليس حفظًا للمواقف ولا تكرارًا للكلمات، إنما هو إدراك للعلاقة بين الإنسان والدولة، بين الحرية والمسؤولية، بين العدالة والكرامة. لا يستقيم القول في السياسة إلا إذا صدر عن عقل يزن الكلمة بميزان القانون والقيم، وقلب يرى في الخلاف طريقًا إلى الفهم لا ساحة للصراع. السياسة من غير وعي سياسي تنقلب إلى عبث يهدر الطاقات، ويزرع الكراهية، ويبدد الأمل في البناء. حين يغيب الوعي السياسي، تصبح الثرثرة بديلاً عن العمل، ويغدو الصمت هو الملاذ هروبًا من هذر الكلام. الصمت هنا ليس انسحابًا من الشأن العام، بل هو إنصات للمعنى قبل النطق به، وتأمل في الكلمة قبل استعمالها.

السياسة لا تبني الوطن بالهذيان، ولا تبني الوعي بالكلام غير المسؤول، بل تتكرس بالمسؤولية، وتترسخ حين يتكلم مَن يفكر بصمت وتريث قبل أن تصدر منه أية كلمة، ويصغي مَن يريد أن يفهم. السياسة فعل وعي وبصيرة، لا ارتجال وانفعال وشعارات طائشة. حين يعاد الاعتبار للوعي السياسي ولفن الإصغاء، تستعيد الكلمة معناها، وتستعيد السياسة وظيفتها الواقعية، ويستعيد الوطن الانتماء إليه الذي يجتثه االتهريج والصراخ والأوهام. السياسة لا تبنى على ضجيج الحناجر، إنما تنبثق من يقظة العقول، ولا تنهض بالأكثر كلامًا، إنما بالأنضج وعيًا. حين يتكلم الإنسان في ما لا يعرف يهرب المعنى، وتفقد الكلمات محتواها المؤثر، ويغدو القول هذرًا ييستنزف الوعي. الثرثرة السياسية من غير خبرة ولا معرفة تشبه مَن يرسم خارطة لبحر لم يره، ولا يعرف عمقه، ولا يدرك تياراته. في زمن طغت فيه الأصوات على الفكر، غدت السياسة ميدانًا لمن لا دراية لهم بها، وصار الجدل السياسي تسلية يومية يمارسها مَن يظن أن السياسة انفعال لا مسؤولية، وكلام لا بناء، وشعار لا وعي.

مادامت السياسة في مضمونها فن لإدارة الحياة المشتركة، وموازنة دقيقة بين شبكات المصالح المتنوعة، وصيغة للعدل تحفظ كرامة المختلفين، فحين تتحول إلى ثرثرات فإنها تعني العجز عن الفهم، ومرآة للغرور تزين الجهل وتخفي الحقيقة. يتحدث بعض السياسيين عن الوطن كأنه غنيمة، ممن لا ينبض في ضميرهم الوطن،  وعن الدولة كأنها إرث خاص، وعن الحرية كأنها صراخ في الهواء، لا التزام ولا وعي بمسؤولية الكلمة. عندئذ يتلاشى المعنى، وتغدو الألفاظ والشعارات أداة للهدم لا أفقًا للبناء.

في هذا الفضاء يعاد انتاج الأمية السياسية، ويتكلم السياسيون كثيرًا من غير أن يعرفوا قليلًا، ويظنون أن تكرار الكلمات وصخب الشعارات علامة نضج، فيما هو وجه آخر للفراغ. الأمية السياسية ليست جهلًا بالنظريات ولا نقصًا في الثقافة العامة، إنما هي فقدان الحس بالواقع، وضعف البصيرة بالمصالح العليا، والعيش في انفعال دائم يستنزف العقل، ويقود إلى نزاعات لا تهدأ. الذين يثرثرون في السياسة من غير وعي يطفئون نور الفهم في العقول، ويشوشون على الناس إدراكهم لما يجري، فيختلط الوهم بالحقيقة، والعاطفة بالحجة، والشك بالمعرفة، وينشأ من ذلك ضجيج لا يفتح طريقًا للوعي ولا يخلق ادراكًا للواقع وشدة تعقيده. كلما ارتفع صوت الثرثرة انحسر صوت الفكر، وصارت السياسة وسيلة للخصومة والاحتراب، وغاب حضورها بوصفها فنًا لإدارة المصالح والمصائر المشتركة.

السياسة لا تستقيم إلا إذا كانت فعل وعي واقعي يربط الكلمة بالمسؤولية، والفعل بالقيمة، ويستمد منطقه من المعرفة لا من الانفعال. لا تصلح السياسة حين تمارس كعرض مبتذل في منابر الفضائيات والتواصل، أو كصراع في ساحات الغضب والانفعال. الوطن لا يبنى بالصراخ، إنما بالعقل الهادئ والضمير الوطني اليقظ، وتقديم الولاء للوطن على الولاء للعشيرة والطائفة. الوعي السياسي ليس تكديس معلومات غير دقيقة عن الأحزاب والزعامات، إنما هو إدراك للعلاقة بين الإنسان والمجتمع، بين الحرية والعدل، بين المصلحة والوطن والمواطن.

حين يغيب الوعي السياسي تستنزف السياسة في جعجعة الألفاظ، ويتحول النقاش إلى سوق للمزايدات، وتغدو الكلمة صدى بلا أثر. في تلك الحالة، يكون الصمت أصدق من الادعاء، والإنصات أعمق من الكلامة. السياسة تحتاج إلى عقل حاذق واقعي، يرى في الاختلاف طريقًا إلى الفهم لا ميدانًا للعداء، وتحتاج إلى إنسانٍ يدرك أن إصلاح العالم لا يتم بالنوايا وحدها، بل بالفكر الذي يضيء الطريق، وبالضمير الذي يصغي إلى نداء استغاثة المعذبين والضحايا في الوطن. السياسة عمل إنساني قبل أن تكون خطابًا أيديولوجيًا، ووعي بالإنسان قبل أن تكون صراعًا على السلطة والثروة. حين يستعيد الإنسان هذا المعنى، تستعيد السياسة وظيفتها، وتستعيد الكلمة حرارتها، ويستأنف الوطن حضوره في ضمير المواطن.

https://alsabaah.iq/124095-.html

 

صلة الصمت بالإنصات

صلة الصمت بالإنصات

د. عبد الجبار الرفاعي

بين الصمت والإنصات صلة عضوية، مَن يعجز عن الإنصات يعجز عن الصمت، ومَن يعجز عن الصمت يعجز عن الإنصات. أعرف بعض الأشخاص عندما تتحدث معهم لا يسمحون لك بإكمال حديثك في أية قضية تتكلم فيها، يعجزون عن الإنصات لغير أصواتهم. لو تكلمت معهم، سرعان ما ينتزعون الكلام منك، على الرغم من أنك لم تستوف ما تريد ايصاله بكلماتك، فيمتطون صهوة الكلام رغمًا عنك. لو حاولت الإصرار على التحدث، يضربون عن الكلام، إلا أنهم لحظة يضربون لا ينصتون، بل يغيبون ذهنيًا عنك، فتشعر أنهم غرقوا في منطقة ظلام، وكأنهم يمارسون نوعًا من عقابك بالإضراب عن الإنصات، لئلا تتجرأ على النطق بكلمة مستقبلًا في حضورهم.

‏مَن يتكلم بطريقة يحتكر فيها الكلام، من دون أن يسمح للمتلقي بالمشاركة، يضمر في داخله ضربًا من التسلط، وأن التكلم لا يليق إلا بمقامه، والإنصات يليق بمقام المستمع، الأستذة تليق بمقامه، والتلمذة تليق بمقام المستمِع. ‏وهو نوع من استبداد الكلمة والعنف الرمزي، الذي يلغي أي شكل من أشكال التواصل والحوار بين المتكلم ومَن يجب عليه الإنصات له. الحوار لا يتحقق إلا في فضاء يتوزع فيه الكلام توزيعًا يحرر الذات من شعورها بالاستعلاء، ويمنح الآخر حق الإنصات وحق الكلام معًا.

‏الصمت يمكّن الانسان من الإنصات إلى الذات، بوصفة مقدمة ضرورية للإنصات للآخر، وإيقاظ طاقة الحياة الكامنة في ذاته، وتغذية روافد تصلب الإرادة، وتوكيد الثقة في الذات. ‏الحوار أثرى فنون العيش المشترك، وإدارة شبكات المصالح، وحل المشكلات، وبناء التسويات حالة الخلافات، وترميم التصدعات في العلاقات الاجتماعية. الحوار يختلف عن إصدار الأوامر، والإملاء المفروض إكراهًا على المستمع. إرادة الحوار شرط التواصل، ‏وبناء الثقة، واحترام أحد الطرفين للآخر. الإنصات شرط الحوار، لأنه يعني إعلان المساواة بين المتحدثَين، والتكافؤ في الحق في الحديث وإبداء الرأي. غياب الإنصات يعني غياب الحوار، وتحول كلام المتحدث إلى أوامرَ إنسان يفرض تسلطه على مَن يتحدث اليه، ويمتنع من الإنصات لما يقوله. التنكر لحق مَن تتحدث إليه بالحوار يعني التنكر للحق في الاختلاف، والتنكر للحق في الخطأ. الإنصات نافذة ‏الحوار، الحوار أداة تمكّن المتحاوريَن من التعرف على الوجوه المتعددة للحقيقة. ‏وجوه الحقيقة والطرق إليها متنوعة، النظرة الأحادية ترى وجهًا واحدًا للحقيقة، ومثل هذه النظرة تحتكر الحقيقة، ولا ترينا صورةَ الحقيقة بتنوع أبعادها ووجوهها. يحتاج اكتشاف الحقيقة التعرف على وجوهها المتنوعة، وذلك ما نراه بجلاء في تنوع زوايا نظر المتحاورين.

ينشأ اختلاف الشعوب في علاقتها بالكلام والصمت من رؤيتها للعالم، ومن حاجتها إلى المعنى، وفي مقدار ما تمنحه للوعي من فسحة يتنفس فيها بعيدًا عن ازدحام الأصوات. أخبرني أستاذ جامعي صديق عاش سنوات طويلة في ماليزيا، وتكونت لديه علاقات طيبة مع عائلات من أهل ذلك البلد، قال: “اطلعت على حياة بعض العوائل الماليزية من الداخل، فرأيت الزوج والزوجة ربما لا يتحدثان في كل ساعات اليوم إلا بكلمات قليلة لتأدية الاحتياجات الضرورية للحياة، وربما تمر ساعات عديدة دون أن يتفوه أحدهما بكلمة”. تشير بعض البيانات إلى أن العرب من أكثر الشعوب كلامًا وأقلها صمتًا، إذ يستهلكون وقتًا أطول في الكلام الهاتفي والمباشر مقارنةً بغيرهم. تذكر بعض الدراسات أن الانسان في الامريكيتين يتكلم في يومه ما يقارب سبعة آلاف كلمة، بينما يرتفع هذا الرقم في المجتمعات العربية؛ إذ تتكلم المرأة المصرية مثلًا في اليوم الواحد أكثر من أربع وعشرين ألف كلمة، وتتحدث المرأة الأوروبية بنحو عشرة آلاف كلمة، وتتلفّظ المرأة الآسيوية بنحو سبعة آلاف كلمة، وتتكلم المرأة الامريكية نحو أربعة آلاف كلمة فقط في اليوم. يشي هذا الفارق بأن المجتمعات التي تسرف في الكلام تهدر وقتًا كان يمكن أن يتحول إلى فعل وإنجاز، مضافًا إلى أنها تنقطع عن السكينة التي يحتاجها كل إنسان ليعيد بناء انسجام وتماسك ذاته. يستريح الإنسان في الصمت لأنه يعيد ترميم ما تصدع في الذات، ويغدو الصمت موردًا لبناء الوعي في المجتمعات التي تحتفظ به رافدًا للسكينة، مثل اليابان وكوريا الجنوبية، حيث ينشغل الناس بالإنجاز والمثابرة على العمل، ويعيشون في أجواء يسودها النظام وتحرص على أداء الواجب المناط بها.

تتبدى ملامح هذا الاختلاف في عدد ساعات الكلام اليومي: ففي المجتمعات الامريكية اللاتينية مثل البرازيل والمكسيك، يمضي الناس أكثر من أربع ساعات يوميًا في الحديث المباشر أو عبر الهاتف، لأن ثقافاتهم تُعلي قيمة الجماعة والتواصل المستمر. وفي اليابان وكوريا الجنوبية ينخفض المعدل إلى ثلاث ساعات، نتيجة حضور الوعي العملي الذي يهتم بتدبير ميزانية الوقت وتنظيمها، ويحسب الكلام حسابًا دقيقًا. يغدو الصمت في حياتهم تقليدًا راسخًا في التربية والعمل وحياة الجماعة، ولا يحضر الكلام إلا حضورًا محسوبًا، لأن الإنسان في هذه المجتمعات يدرك أن الكلمة عبء على الذات إن كانت فائضة عن اللزوم، وهي لا تكون ذات جدوى ما لم تمنح الذات إشراقة ترمم هشاشتها. أمّا في الدول الاسكندنافية مثل فنلندا والسويد، فيسود تقدير للصمت يقلص الكلام إلى حدود ساعتين يوميًا، ليبقى الحضور الداخلي أوسع من ضجيج الأصوات، مما يجعل الانسان ينصت إلى صوته الباطني، ويستعيد صلته بروافد سلامه الكامنة في الذات. وتعيش الرهبانية البوذية وبعض الطرق الصوفية ساعات صمت تمتد إلى عشرين ساعة يوميًا، وتتحوّل الكلمة إلى ضرورة لا إلى عادة، لأنهم يجدون في الصمت سلّمًا إلى الصفاء، وطريقًا للالتقاء بالذات والإصغاء لصوت الوجود. حين يكرس هؤلاء وقتًا طويلًا يوميًا في الصمت، يفهمون أن الإنسان لا يلتقي بجوهره إلا إذا عاش أوقاتًا طويلة من السكينة، لأن الكلمة التي تخرج من غير حكمة تحجب البصيرة عن أن ترى ما تفتحه تجربة الذات في أعماقها.

تكشف أبحاث في علم النفس الثقافي والاتصال أن الشعوب الشرق آسيوية تتحمل فترات أطول من الصمت أثناء الحوار، وتترك مسافة زمنية بين الجملة والجملة حين تتكلم، كأنها تُصغي إلى ما وراء الكلام، وتمهل كلامها كما لو أرادت أن تستمع إلى ما يقوله الصمت قبل ما يقوله الصوت. في المقابل، يتجه الامريكي وبعض الأوروبيين إلى ملء الفجوة الكلامية بسرعة، كأنهم يخشون فراغ الصمت ولا يحتملون مراياه التي تعيد الانسان إلى ذاته. ففي دراسة واسعة في الولايات المتحدة وأوروبا، وجد أن متوسط الكلام اليومي يتراوح بين خمسة عشر وستة عشر ألف كلمة، مع فروق كبيرة بين الافراد. ويتسع الفارق عالميًا إلى مدى يثير الدهشة والتأمل؛ فقبائل المايا الإيتزا في غواتيمالا تتكلم بين خمسة آلاف وسبعة آلاف كلمة. والراهب الترابيستي لا يتجاوز كلامه ثلاثمئة كلمة في يومه، وهي أقل من عشرين دقيقة صوتية.

يكشف هذا التفاوت أن الكلام والصمت موقفان من الوجود، وأن الانسان حين يختار أحدهما يحدد الطريقة التي يصوغ بها صلته بوجوده والعالم من حوله، ويدرك حاجته إلى المعنى الذي يهب قلبه السكينة. يرتفع الكلام حين ينشغل الانسان بسطح الواقع وينظر إليه نظرة ساذجة لا تغور في الأعماق، ولا تدرك تركيب الواقع وتعقيده، يتراجع وعيه خطوة بعد خطوة، لأن الأصوات تزدحم في داخله وتحجب بصيرته في ضباب. أمّا حين يصغي الانسان لصوته الباطني، ويمنح صمته فرصة للانبثاق من الأعماق، يتهيأ قلبه لاستقبال معنى لا يفتح بابه إلا لمن تطهر من ضجيج الخارج وصخبه، واستعد لتلقي النور الذي تعكسه تجليات الجمال الإلهي في الوجود، ويهدي كينونته إلى سكينة ترمم هشاشته وتعيد إليه انسجامه وتناغمه مع صوت الوجود.

 

https://alzawraapaper.com/content.php?id=381848

 

 

 

 

 

 

 

الكتابة الأيديولوجية

الكتابة الأيديولوجية

د. عبد الجبار الرفاعي

ينظر الأيديولوجي لكلِّ شيءٍ مركّب بعيونٍ لا ترى إلا وجهًا واحدًا، يرى الخيرَ والشرَّ والعدلَ والظلمَ والحقَّ والباطلَ من منظار الأيديولوجيا، الحُبّ والكراهيةُ تفرضها وتتحكم ببوصلتها الأيديولوجيا. تعطّل الأيديولوجيا الضميرَ وتسيّره على وفق رؤيتها، الضميرُ الأخلاقي اليقظ ينتصر للإنسان المظلوم حيثما كان، ولا يتضامن مع مظلوم، ويشمت بمظلوم آخر لا يعتنق رؤيتَه للعالَم. الأيديولوجيا نسقٌ مغلَقٌ، يغذّي الذهنَ بمنظومة معتقداتٍ ومفاهيم ومقولاتٍ نهائيةٍ، تعلن الحربَ على أيّة فكرة لا تشبهها، تنتهي إلى إنتاجِ نسخٍ متشابهةٍ في الظاهر من البشر، وتجييشِ الجمهور لرأي واحدٍ، وموقفٍ واحد. يتبنّى الأيديولوجي نموذجًا تفسيريًّا مسطّحًا وأُحاديًّا، يمنحه شعورًا مزوّرًا بأنّه قادرٌ على الفهمِ الدقيق والتحليلِ العميق لكلّ شيءٍ، وأنّ أفكارَه مبتكرةٌ وفريدةٌ، ويلبثُ غارقًا لا يستفيق من عبوديته للأيديولوجيا، حتّى كأنّ سعادتَه في عبوديته هذه[1].

فجأةً بدأت قراءةُ كتابات سيد قطب المسرفة بالأدلجة، وأغوتني شعاراتُه، نصوصُه بارعة في رسم صورةٍ جذابة للرغبات والتمنيات والأوهام، تصيّرها كأنها واقعٌ مجسّد في متخيَّل المراهقين، وتخدعهم بضرورةِ العمل على استئنافِ حياة مجتمع الصحابة، ولو بالعنف. ذلك المجتمع صنعه الذهن، واصطلح عليه سيد قطب “جيل قرآني فريد”، فكان محصلةَ متخيَّلٍ ديني تضخّم خارج الزمان والمكان والواقع الذي عاش فيه الصحابةُ بوصفهم بشرا اختصموا وتقاتلوا في مرحلةٍ لاحقة. وقائعُ صراعات ذلك الجيل “الفريد” وحروبُه الدامية، تكشف أن تلك الصورةَ نحتتها تمنياتٌ فرضها حلمُ الإنسان الأبدي بصناعة فردوسٍ أرضي، فحاول أن يغرسَ في ضميرِ الشباب مجموعةَ مقولات اعتقادية مغلقة، اعتناقُها شرطُ الإسلام الصحيح الذي يحلم به هو. يتسع مفهومُ الجاهلية عند سيد قطب ليشمل المجتمعاتِ الإسلامية، كما يصرّح بقوله: “يدخل في إطار المجتمع الجاهلي تلك المجتمعات التي تزعم لنفسها أنها مسلمة… لا لأنها تعتقد بألوهية أحد غير الله، ولا لأنها تقدم الشعائر التعبدية لغير الله، ولكنها تدخل في هذا الإطار، لأنها لا تدين بالعبودية لله وحده في نظام حياتهــا… فهي – وإن لم تعتقد بألوهية أحد إلا الله – تعطي أخصَّ خصائص الألوهية لغير الله، فتدين بحاكمية غير الله، فتتلقى من هذه الحاكمية نظامها، وشرائعها، وقيمها، وموازينها، وعاداتها، وتقاليدها… موقف الإسلام من هذه المجتمعات الجاهلية كلّها يتحدد في عبارة واحدة: أن يرفض الاعتراف بإسلامية هذه المجتمعات كلها”[2]. ويعلن عن الردة الشاملة بقوله: “ارتدّت البشرية إلى عبادة العباد وإلى جور الأديان، ونكصت عن لا إله إلا الله، وإن ظلّ فريق منها يردد على المآذن لا إله إلا الله”[3].

كتاباتُ سيد قطب تتقن صناعةَ الغضب والاغتراب، قادت مقولاتُه شبابَ الجماعات الدينية إلى اغترابٍ عن عصرِهم وعن كلِّ إنسان لا يشبههم، وورطتهم بصراعٍ مفتوح مع أهلهم ومجتمعاتهم وأوطانهم، ومواجهةٍ مباشرة مع العالم بأسره. تخلص مقولاتُه إلى أن إسلامَ المسلم لا يتحقّق من دون اعتناقِ مقولاته والعملِ بها، مثل: “استعلاء الإيمان، جاهلية المجتمع الذي يعيش فيه، جاهلية الفلسفة والعلوم والمعارف الإنسانية، العزلة الشعورية”، وغير ذلك من معتقداتٍ تعزل المسلمَ عن كلِّ من حوله. لم يكن في هذه المقولات من جديدٍ إلا صياغتَها بمصطلحاتٍ وشعاراتٍ مثيرة كان يتقنها الرجل، وإلا فمضمونُها شائٌع في التراث الكلامي والفقهي، تارةً بشكلٍ صريح وبلغةٍ تحريضية حادّة كما في آثار ابن تيمية ومَن يقلده، وأخرى بأساليب أقل حدّة، وإن كان مضمونُها يتطابق وما يدعو إليه، كما في آثار مختلف متكلمي الفرق وفقهاء المذاهب.

أنهيتُ الثانويةَ سنة 1973، في العامَين الأخيرَين من هذه المرحلة قرأتُ كتاباتِ سيد قطب وأمثاله؛كتباً يحسبها القارئُ تقول كلَّ شيءٍ لكنها لا تقول شيئًا نافعًا، لا تقول إلا ما يثير فيك الغضبَ على كلِّ ما حولك، وكراهيةَ نفسك لأنك تعيش في مجتمعٍ جاهلي. حين أقرأ بعضَ فصول كتاباته التحريضية لا أخرج منها إلا بالمزيدِ من كراهية العالَم الذي أعيش فيه، والشعورِ باغترابٍ وعزلةٍ ونفور واكتئاب من كلِّ إنسان لا يشبه هذا النوعَ من التفكير الذي صاغته تمنياتُه ورغباتُه وأوهامُه. لكني سرعان ما تحرّرتُ من مقولاته، وبعد سنواتٍ عدتُ إلى كتاباتِه وأشباهِها فرأيتُها سطحيةً تعجز عن وعي الواقع العميق، فهي أقربُ للأحلام الرمانسية منها إلى الفكر، ولا يقع في فتنتها إلا الشبابُ المراهقون المقهورون من بطش الاستبداد. شيءٌ من كلماته كان منقوعًا بالدم، كتبه إنسانٌ موتورٌ من الدولة الحديثة، ومناهضٌ للفلسفة ومكاسب العلوم والمعارف الحديثة، مولَعٌ بدولةٍ صنعتها أحلامُه وأوهامُه التي اخترعتْ تاريخًا تتنكر إليه وقائعُ حياة مجتمع دول الخلافة والسلطنة ونمطُ عيش الإنسان فيها، لا نراه إلا في تمنيات خيالية ورغبات موهومة. استقى مادتَه الخام من متخيَّلٍ اتسع وترسّخ عبر التاريخ، وكان بارعًا في إعادة رسم صورته بشكلٍ يُشعر الشبابَ بأنه حقيقةٌ لا مراء فيها.

كان هذا الكاتبُ معذَّبًا يتقن إيقادَ مشاعر المعذبين، ويجيد صناعةَ الشعارات التعبوية المحرِّضة على الكراهية والعنف. ولفرط سطوة التمنيات يخيَّل إليه أنها تتحول إلى واقعٍ مجسّد. كتاباتُه وأشباهُها من كتابات غيره ألهمت الرغباتِ الموهومة شعاراتٍ توقد مشاعرَ أبناء الحرمان المراهقين، وتستفزّ كلماتُه عواطفَهم وتوقد غضبَهم على كلِّ شيء في مجتمعهم، وتبرع في تأجيجِ انفعالاتهم، وتفجيرِ مكبوتات عقد المظلومية والاضطهاد والحرمان والجوع وكلِّ ما أنهكهم في حياتهم. ساقتني هذه الكتاباتُ لرحلةٍ مضنية سرقتْ بعضَ سنوات عمري، أمضيتُها في قراءة عشرات الكتب، لأبي الأعلى المودودي وأبي الحسن الندوي ومحمد قطب وتقي الدين النبهاني ومحمد البهي وأنور الجندي ومحمد فتحي عثمان، وأمثالِهم من كتّاب الجماعات الدينية السنية والشيعية. وحين استفاق عقلي بعد بضعة سنوات، وجدتُه ممزقًا افترسته أوهامُ وعي زائف، لبث غائبًا عن الواقع وغارقًا بأحلام رومانسية وأوهام ووعود خلاصية. قرأتُ أكثرَ أدبيات الجماعات الدينية، رأيتُها بعد مراجعتها نقديًا تستند إلى الأشعرية كبنيةٍ اعتقادية، ويتسيّد فيها تفكيرٌ رغبوي وأمنياتٌ لكتّاب لا يفهمون الدولةَ الحديثة، ويفهمون الواقعَ المعقد فهمًا مبسّطًا ساذجًا، لا يتوغل في ديناميات التغيير الاجتماعي وعوامله المتشعبة المتنوعة. يختزلون أسبابَ كلّ ظاهرة بسببٍ واحد، ويفسرون كلَّ شيءٍ بشيءٍ واحد، يرون أن سببَ كلِّ مشاكل عالم الإسلام هو انهيارُ دولة الخلافة، ويختصرون أمانيهم بأمنيةٍ واحدة تعود فيها تلك الدولةُ القديمة. فهم يتهمون مَن يكتب عن رموزٍ تثري الهويةَ الوطنية وتكرّسها، يعتاشون على تفجير حروبِ الهويات الطائفية. لا تتغير المجتمعاتُ اليوم بشعاراتٍ مجوفة، أو كتاباتٍ تحريضية ضد كلِّ شيءٍ من حولنا، ولا بكتاباتٍ تستمدّ فاعليتَها من أوهامٍ أنتجها المتخيَّل التاريخي، يصاب القارئُ بالضجر من إيهامه بأنها تقول كلَّ شيء إلا أنه لحظة يستفيق يراها تكرّر عباراتٍ وإجاباتٍ جاهزة، فلا تقول شيئا ‏علميًا دقيقًا.

مشكلة أكثر هؤلاء جهلهُم بالتراثِ الإسلامي العقلاني وتراثِ الأديان الأخرى، مضافًا الى جهلِهم بعلم الأديان الحديث. أدبياتُ هذه الجماعات تفتقر لعمقِ التراث العقلي في الفلسفة والمنطق وعلم الكلام، وطرائقِ المناظرة والنقاش فيها، ولا تنعكس فيها استدلالاتُ الأصوليين وتفريعاتُها وتطبيقاتُها الفقهية المتنوعة، ولا أثرَ فيها لاستبصاراتِ العرفاء وثراءِ تجاربهم الروحية. لا تضيف عند مطالعتها إلا مجموعةَ شعاراتٍ لم يتحقّق شيءٌ منها في الواقع،كالشعار الملتبس: “الإسلام هو الحل”، وغير ذلك من شعارات غائمة، دلّلت على إخفاقها التجاربُ المتنوعة لدول دينية هشّة في بلادنا العربية وغيرها في عالم الإسلام، تتداعى اليوم وتتداعى معها منظوماتُ القيم والتضامن والثقة والمواطنة في بلادنا.

لا تختصّ أدلجةُ الدين بالإسلام أو غيرِه من الأديان،كلُّ ديانةٍ ومذهب وعقيدة يمكن تحويلُها إلى أيديولوجيا مغلقة. الماركسية والقومية والعنصرية والفاشية والنازية صارت أيديولوجيات أشدَّ انغلاقًا وتشدّدًا من سواها في مختلفِ بلدان العالم.

[1] عبد الجبار الرفاعي، الدين والظمأ الأنطولوجي، ص 172-175، ط4، 2023، دار الرافدين ومركز دراسات فلسفة الدين، بيروت.

[2] سيد قطب، معالم في الطريق، ص101-103، دار الشروق، القاهرة.

[3] سيد قطب، في ظلال القرآن، ج:4. ص:2009، دار الشروق، القاهرة.

 

https://alsabaah.iq/80467-.html

الوقوع في أسر الكتب

الوقوع في أسر الكتب

د. عبد الجبار الرفاعي

وقعت أسيرًا للكتب في حياتي. أشعر بوحشة مريرة في بيت يخلو من الكتب، أحتاج الوجود المادي للكتب أكثر من احتياجي لمختلف الأشياء الكمالية في البيت، وحتى بعض الأشياء الضرورية. حيثما أكون تصاحبني الكتب، في سفري بوسائل النقل، واقامتي بالفنادق وأي محل أقيم فيه خارج البيت. لا أتردد للمقاهي وليس لدي هوايات خارج الكتب. أقرأ الصحافة منذ الصف الرابع اعدادي “العاشر”، ومازلتُ حتى اليوم تأكل قراءةُ الصحف والأخبار عبر الأنترنيت ما لا يقل عن ساعتين يوميًا، الصفحاتُ الوحيدة المنسية في قراءتي الصحف والمجلات الأسبوعية هي صفحات الرياضة.

الشغف بالكتب قديم يعود لمرحلة مبكرة من حياتي، والادمان على حضورها الدائم ترسخ بمرور الأيام. أعيش مع الكتب وكأنها كائنات حيّة تتكلم بلغة أتحسسها وأسكن إليها، وإن كنت لا أجيدها. تتكلم الكتب وهي صامتة على رفوف المكتبة، أتحسس كأنها ترقبني برفق وهي مبعثرة في غرف البيت، وتفيض الهدوء حين تلبث بجواري على الدوام حتى في غرفة النوم. بعض الكتب تمكث مهملة سنوات لم أقرأها، وجود الكتاب يشعرني بالأمن النفسي، ويؤنسني حين أشعر بوحشة الوجود. الكتاب الذي أقتنيه أو يهدى لي، أقرأ مقدمته ومحتوياته، وأتعرف عليه بالتدريج كما أتعرف على الأصدقاء. إن كان لا فائدة فيه، لا يضيف لمعرفتي شيئًا، ولا يغذّي لغتي، ولا يؤنسني، أشعر بأنه عبء على المكتبة، وأحيانًا كأني أحمله على أكتافي، فأطرده من المكتبة حتى لو اشتريته بثمن كبير. الحافز الذي يغويني بشراء الكتاب هو الحاجة النفسية الشديدة له، والشعور بأنه أحد مهدئات الاكتئاب. أتساءل لماذا الاستمرار باقتناء الكتب وتكديسها بهذه الطريقة الغرائبية، أليس هذا السلوك يثير أكثر من استفهام، إن كنت غير محتاج لها آنيًا، وأحيانًا متأكد من عدم توفر فرصة قريبة لمطالعتها؟ لم أجد جوابًا منطقيًا، سوى إدراك حاجتي لها، الذي لا أعرف بواعثها بوضوح، أتحسس الاحتياج العاطفي لها أكثر من العقلي. مضافًا إلى وهم يتملكني، وربما يتملك غيري من عشّاق الكتاب، بأن امتلاك الكتاب يعني الامتلاء بالضوء الذي ينبع منه، وينكشف فيه شيء مما هو محتجب في الذات والآخر والعالَم من حولنا.

بداية مطالعاتي كنت أبحث عن أي كتاب أقرأ عنه أو أسمع به أو أراه، أسعى مباشرة لشرائه عندما أمتلك ثمنه، إلا أني غادرت هذا النوع من الولع الفوضوي بالكتاب منذ نصف قرن تقريبًا. تواصل الولع بشكل مختلف ولم ينطفئ، أصبحت أنتقي عناوين أحسبها نوعية، وطالما خذلتني توقعاتي بمضمون الكتب وقيمتها الفكرية والابداعية. ما يخدعني من العناوين يؤذيني، أحاول أتريث وأدقق لأرى ربما يكون حكمي متسرعًا على كتاب واحد، فأحاول تكرار التجربة مع كتاب ثان وثالث للكاتب ذاته، عندما أتأكد من وهن قلمه أهمله للأبد. لا أظن تحررت أو أتحرر تمامًا من الولع بالكتب، مازلتُ عندما أكون في مجلس وأرى كتابًا بيد أحد الجالسين أو على منضدة، يقودني الفضول للتعرف عليه بطريقة لا أرتضيها أحيانًا. الشعور بالحرج من إنسان ألتقيته أول مرة، يدعوني للتردد بطلب الإذن من صاحبه، والمغامرة بسؤاله عن الكتاب وإمكان الاطلاع على عنوانه ومحتوياته. حاولت التخلص من هذه العادة، إلا أني فشلت، مثلما فشلت بالتخلص من ادمان مصاحبة الكتب حيثما أكون.

حين أظفر بكتاب أبحث عنه مدة طويلة أعيش حالةَ ابتهاج تتواصل أيامًا، وحين أتردد بشراء كتاب لم أعثر عليه لاحقًا، ربما ألبث سنوات أشعر بالضجر كلما تذكرت لحظة الاعراض عن شرائه، أو لم تسعفني قدرتي المالية لتأمين ثمنه ذلك الوقت. أتذكر أول زياراتي لشارع المتنبي سنة 1973 عندما كنت طالبًا ببغداد، لم تكن المكتبات في الشارع بهذه الكثافة وهذا الحضور الواسع المتنوع اليوم. دخلت المكتبة العصرية للحاج صادق القاموسي، الذي لم يكن يعرفني ولا أعرف عنه شيئًا وقتئذ، رأيته والشيخ أحمد الوائلي جالسين يتحدثان، بعد السلام عليهما، سألت القاموسي عن كتاب رأيته بتجليد أنيق في عدة مجلدات بحجم الموسوعات على أعلى رف في المكتبة، فأجاب: هذه “دائرة المعارف: قاموس عام لكل فن ومطلب” لبطرس البستاني، وذكر رقمًا كبيرًا ثمنًا لها، وأضاف: أنت لا تحتاجها بهذا العمر. لم يكن في جيبي سوى بضعة دنانير، ما تبقى من سلفة شهرية تمنح لطلاب الجامعات والمعاهد تلك الأيام. لم تمت هذه القصة في ذاكرتي، ظلت ترافقني حتى اليوم، كلما تذكرت ذلك الموقف الذي مضى عليه نصف قرن أتمنى لو اشتريتها ساعتها، وأحيانًا أتحسر للعجز عن اقتناء دائرة معارف البستاني. لو كنت قادرًا على ثمنها واشتريتها ربما تكون أحد محطات الاستراحة في حياتي، ولعلها تجدد بهجتي بمشاهدتي لها راقدة على رفوف المكتبة، وإن كنت لا أقرأها، ولا أعود إليها إلا نادرًا.

كنت أتردد على مكتبة الصديق عصام الطيار “أبو جعفر” وغيره في سوق الكتب بقم أكثر من مرة في الأسبوع قبل أكثر من ربع قرن. عصام مثقف أخلاقي مهذب، قارئ متمرس، خبير بعناوين الكتب ومحتوياتها، أعود إليه للتعرف على مضمون الكتاب وقيمته العلمية، رأيت في مكتبته للبيع “دائرة المعارف الإسلامية” في طبعتها العربية الثانية المنقحة في تسعينيات القرن الماضي، بترجمة: أحمد الشنتناوي، وإبراهيم زكي خورشيد، وعبد الحميد يونس، سألته عنها، فأجابني: هذه الطبعة في 13 مجلدًا، توقفتْ عند حرف الشين، وهي أجود من الطبعة الأولى بكثير بما تشتمل عليه من تنقيحات وتعليقات مهمة. ذلك اليوم ترددت بشرائها عندما رأيتها مطبوعة بورق غير جيد على الرغم من امتلاكي لثمنها. ندمت بعد أيام، لما عدت للأخ أبي جعفر وأخبرني أنه باعها، تألمت لما فرطت فيه. الغريب تنامي هذا الندم بمرور الأيام،كنت كمن يفتقد كنزًا زهد فيه وهو بثمن زهيد.كلما تذكرت ذلك اتأسف، أعرف لا يتسع وقتي لمطالعتها، ولا أحتاجها كثيرًا. هذه مواقف ربما تبدو غريبة لأكثر القراء، غير أني عشتها، أظن تشبع الإنسان بمناخات الكتب تجعله يتحسسها بوصفها ملاذًا يأوي إليه أوقات الضنك، أو كأنها مرآة يرى فيها الصورة المحببة لوجوده.

ورطني شغف الكتب بموقف محرج، كاد يودي بحياتي. بداية شهر ابريل/نيسان 1980، بعد وصولي للكويت هاربًا من بطش صدام حسين بعشرة أيام، اكتريت سيارة أجرة من منطقة الصليبة، حيث بيت أخي الحاج أبو عادل الذي أقمت فيه، إلى شارع فهد السالم المعروف بشارع الجهراء في الكويت. ذهبت إلى مكتبة “وكالة المطبوعات”، وهي مكتبة تعرفت عليها قبل سنوات في زيارة سابقة للكويت، من أهم اصداراتها سلسلة الأعمال الثمينة لأستاذ الفلسفة الشهير د. عبد الرحمن بدوي، عندما كان أستاذًا في جامعة الكويت. دخلت المكتبة التي تتألف من طابق أرضي لبيع اللوازم المدرسية والقرطاسية، ومخزن واسع للكتب تحت الأرض، يتسع لعدد كبير من المطبوعات اللبنانية والمصرية ومختلف البلاد العربية.كانت مكتبة غنية متنوعة، تتراكم على رفوفها كثيرٌ من الكتب الثمينة، مما كنت أسمع بها ولم أطلع عليها من قبل، بعد تزايد عدد عناوين الكتب الممنوعة من دخول العراق. وصلت المكتبة الساعة العاشرة صباحًا، وانغمرت في كنوز رفوفها، أمسك كتابًا يستدرجني عنوانه فأبحث عن مضمونه، أقرأ المحتويات، وأقلب صفحاته، أقرأ نص الغلاف الأخير، وأحيانًا أقرأ مقدمة المؤلف. شغلتني كتب مهمة، وفرحت بعناوين أمضيت عدة سنوات في البحث عنها. لم أتنبه إلا بمضي نحو خمس ساعات من الأُنس بمعاشرة الكتب، خرجت من المخزن لأغادر المكتبة وجدتها مقفلة. لم يكن صاحب المكتبة عبد الله حرمي يعلم بوجودي، أغلق الباب الذي كان من الزجاج، وخرج ليستريح الظهر في بيته، من دون أن يطفئ الانارة أو المراوح في المكتبة. قلقت لشعوري بتوريط نفسي بموقف شديد الحرج، ظننت يرتاب صاحب المكتبة بعد عودته، لحظة يراني وكأني استغفلته بالبقاء بمكتبته، وربما يشاهدني شرطي من وراء الزجاج فيظن أني سارق، وسرعان ما يقودوني إلى السجن. المشكلة كانت بدخولي للكويت من دون جواز سفر، وليست لدي أية وثيقة تدلل على اقامتي القانونية في البلد، المصير الحتمي لحالات كهذه التسفير للعراق، وسأكون صيدًا ثمينًا لجلادي نظام صدم، لو حدث ذلك قد ينتهي مصيري إلى أن أقضي تحت سياط هؤلاء. لبثت أترقب عودة صاحب المكتبة بوجل، لحظة دخوله المكتبة الساعة الرابعة والنصف عصرًا، لم أتحسسه إذ كنت أواصل السياحة بين الكتب في السرداب، صعدت ففوجئت بوجوده، كان الطابق الأول لوكالة المطبوعات مزدحمًا بأشخاص يبتاعون قرطاسية. خرجت من المكتبة بهدوء، من دون أن يتنبه هو لخروجي، بعد خطوات شعرت بحرج أخلاقي لمكوثي بمكتبته، وتقليب الكتب والاطلاع عليها عند غيابه دون إذنه. قررت العودة مهما كانت العواقب، عدت مسرعًا وقلت له: أعتذر منك، مكثتُ في المكتبة عندما أغلقتَ حضرتك الباب الخارجي، لم أكن أعلم بمغادرتك لاستراحة الظهر، ولم تعلم بوجودي لحظة اغلاقك المكتبة. ظهر على وجه عبد الله حرمي الذهول والخجل، أجابني بلطف معربًا عن أسفه لما حدث. لن أنسى موقف هذا الرجل المهذب بعد مضي كل هذه السنوات،كان بإمكان صاحب وكالة المطبوعات اتهامي وتسليمي للشرطة، ووفقًا للقانون سأُرحّل للعراق، وأغلب الظن يكون مصيري الإعدام. ‏أنقذني هذا الرجل النبيل من مغامرة لم أكن مضطرًا أن أزج نفسي فيها بلا حساب للوضع الطارئ الذي كنت فيه،كان يمكن أن تودي تلك المغامرة إلى الهلاك.

 

 

 

 

https://alsabaah.iq/77990-.html

 

نحو أُفق جديد لعلم الكلام قراءة في كتاب: مقدمة في علم الكلام الجديد

نحو أُفق جديد لعلم الكلام: كتاب مقدمة في علم الكلام الجديد

د. محمد التهامي الحراق[1]

    يعتبر إصدار د. عبد الجبار الرفاعي لكتاب جديد حدثا معرفيا بالمعنى المستوفي لهذا التوصيف، فقد أتيح لي أن اطلع على جل أعماله؛ مثل “إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين”، و”الدين والظمأ الأنطولوجي”، و”الدين والاغتراب الميتافيزيقي”، وصولا إلى الكتاب الأخير الذي نقدمه هذه الورقة، أعني: “مقدمة في علم الكلام الجديد”؛ فضلا عن اطلاعي على عدد من تقديماته ومراجعاته، وعلى نشاطه المتّقد في مجلة “قضايا إسلامية معاصرة” و”مركز دراسات فلسفة الدين”…؛ اطلاع أظهر لي حجم العمل الكبير الذي يقوم به الأستاذ الرفاعي، ضمن جبهة تجديد التفكير الديني اليوم، وخصوصا تجديد علم الكلام. من هنا، أهمية كتابه الجديد؛ وهو إذ يسمه بـ “مقدمة في علم الكلام الجديد”، فهو يدرك المسار المعرفي الطويل والعميق الذي يتطلبه الانتقال من علم الكلام التقليدي إلى علم كلام جديد، الأمر الذي جعله، ومنذ الصفحات الأولى، ينتقد في كتابه من يحمل شعار علم الكلام الجديد فيما هو يكرر المحتوى القديم.

الأستاذ الرفاعي، ودفعا لهذا الالتباس، يطرح في كتابه الجديد معايير وعلامات المتكلم الجديد المعرفية والمنهجية والرؤيوية، وذلك بوضوح نادر، ورصانة علمية أبعد ما تكون عن الحرتقة أو التلفيق، مع استشراف مؤسِّس ومؤصَّل، يستحضر من خلاله معالمَ قصورِ علم الكلام التقليدي، والمواقفَ المرتبكة التي يوقعنا فيها اعتمادُه في تناول أسئلة اللحظة المعاصرة. يعود د. الرفاعي في تأصيل هذا الاستشراف إلى محاورة المحاولات السابقة للتأسيس لهذا الأفق، ولا سيما مع رواد مدرستي الإسلام الهندي (ولي الله الدهلوي، سيد أحمد خان، ثم محمد إقبال وفضل الرحمن….).

لقد أكدت لي القراءة الأولية لهذا العمل العلمي الجاد ما سبق أن أدركته منذ بداية اطلاعي على أعمال الأستاذ الرفاعي؛ أكدت لي أن  تجربة عبدالجبار الرفاعي الفكرية تستحق الإصغاء والاهتمام؛ ذلك أن الرجل ذو تكوين تقليدي وحداثي متين، ولا ينطلق من رؤية طائفية، ولا من انغلاقية مخاتلة، وينفتح على محاورة كل المشاريع الفكرية التجديدية في عالمنا الإسلامي في الجناحين السني والشيعي؛ مثلما يؤسس لرؤية معرفية إيمانية تستلهم الفلسفة والعرفان الإسلاميين والمعارف الفلسفية واللاهوتية والمنهجية الحديثة المختلفة، للذهاب نحو أُفق جديد لعلم الكلام في المرجعية الإسلامية. وهو بهذا الاعتبار يشتغل في العمق، مثلما يتسم عملُه بجرأة معرفية مسؤولة أصبحت شبه مفقودة في مجالنا الثقافي العربي والإسلامي، أمام سيادة أشكال التطرفات “الفكرية” سواء منها التي تتذرع باسم الدين أو تلك التي تسعى إلى استئصال الدين.

ضمن هذا المنظور، تبرز أهمية كتاب: “مقدمة في علم الكلام الجديد”، إنها أهمية تنطلق من مكانة وتجربة الرجل، ومن قدرته على تبديد التباس المفاهيم، وتوضيح أفق الرؤية المنشود. فمنذ الصفحات الأولى للكتاب الجديد نجده يقف، مثلا، عند التمييز بين “علم الكلام التقليدي” و”علم الكلام الجديد”، وكذا عند التمييز بين هذا الأخير و”فلسفة الدين”، مع تبيان المساحات المعرفية والروحية والأخلاقية والجمالية التي يفتحها علم الكلام الجديد، خصوصا وأساسا، بما هو أفق جديد لفهم الوحي، وقراءة النصوص الدينية من داخل الإيمان الديني، معتبرا هذا شرطا من أجل إدراج اجتهاد ما ضمن نعت علم الكلام الجديد. يكتب الرفاعي: “إن كل من يقدم تفسيرا جديدا للوحي، بشرط أن يكون مؤمنا بمصدره الميتافيزيقي، يمكن أن يصنف تفسيره على أنه علم كلام جديد، أما من يقدم تفسيرا جديدا للوحي لكنه لا يؤمن بالله، أو يؤمن بالله ولا يؤمن بالمصدر الإلهي للوحي والنبوة والقرآن، فهو ليس متكلما جديدا، يمكن أن يكون فيلسوف دين؛ لأن المتكلم غير فيلسوف الدين، فيلسوف الدين يفكر خارج إطار الدين، أما المتكلم فيفكر في إطار الإسلام، كاللاهوتي في كل دين وحياني الذي يفكر في إطار الدين، وإن كان يستعير مناهج بحثه مما أنجزته العلوم والمعارف البشرية” (د.عبد الجبار الرفاعي، ” مقدمة في علم الكلام الجديد”، دار التنوير، بيروت _ مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد، ط1، 2021، ص،9).

يستند هذا الكتاب، كما أومأنا، إلى رؤية واضحة قوامها اقتناع معرفي رئيس ومؤسس، هو قصور علم الكلام التقليدي عن الإجابة عن أسئلة المسلم المعاصر، بل والإنسان المعاصر بوجه عام، وذلك بسبب انتماء مقولات ذاك العلم القديم إلى نظام معرفي مغاير لما صار إليه النظام المعرفي في السياق الحديث والمعاصر. وهو ما يجعل تلك المقولات مثل وَرِقِ أهل الكهف فاقدة الصلاحية، مفتقرة للسياق الذي يمنحها حياتها المعرفية والتاريخية. يكتب الرفاعي منبِّها لذلك، وموقظا الوعي بتقادم مقولات المتكلمين التقليديين: “تعكس مقولاتهم الكلامية عقلانية عصرهم، ودرجة تطور العلوم والمعارف، ومناهج التفكير، وأدوات المعرفة، ومستوى الوعي البشري، ونمط التمدن. في ضوء ذلك لا يصح النظر إلى آراء النظّام أو الأشعري، أو الماتريدي، أو المفيد، أو الطوسي، أو القاضي عبد الجبار، أو الغزالي، أو الفخر الرازي، أو ابن تيمية، أو غيرهم من المتكلمين، بوصفها آراء أبدية، والتمسك أسئلتهم وأجوبتهم بوصفها أسئلة وأجوبة نهائية”، (ص،15).

إن إضفاء الطابع التاريخي على آراء الفرق والمتكلمة القدامى، هو مفتاح رئيس لمشروعية أي حديث عن تجديد علم الكلام، مع الوعي التام بعدم المماهاة بين تلك الآراء الاجتهادية والنسبية والتاريخية في الفهم، وبين الوحي الإلهي المطلق والمتعالي الذي يشكل منهلا لا ينضب للاستمداد  المعرفي، وأفقا لا ينقضي للحوار العقلاني والروحاني المتجدد. فالوحي يمثل مصدرا أبديا ما يفتأ ينتج معنى دينيا متجددا، فيما علم الكلام التقليدي قد جمد على معنى ديني؛ لم يعد يطرح أو يجيب على أسئلة وإحراجات العقل المسلم المعاصر. يكتب المؤلف: “لا يمكن للمعنى الديني الذي ينتجه علم الكلام القديم إرساء أسس للعيش المشترك بين مختلف الأديان والثقافات، وبناء علاقات دولية سليمة تحقق المصالح المشتركة بين الشعوب؛ إذ لا تصلح المقولات الكلامية الموروثة منطلقا للحوار الصادق المنتج بين الأديان، الذي لا يمكن أن يؤتي ثماره إلا بالإيمان بالحق في الاختلاف، وتبنيه أصلا في أي حوار وتفاهم ونقاش مع المختلف في الدين، والعمل على اكتشاف ما هو جوهري في كل دين”، (ص.17). والأستاذ الرفاعي يشير هنا إلى الإحراجات التي تضعنا في مآزقها اليوم مقولات كلامية موروثة مثل مقولة الفرقة الناجية، وأحكام أهل الذمة، والردة، ونجاسة غير المسلم… وغيرها.

لا يعني هذا المنحى الذي يتبناه الرفاعي حيال المقولات الكلامية الموروثة أنه من أنصار القطيعة الجدرية مع الميراث المعرفي والروحاني الإسلامي، أو أنه من دعاة الانسلاخ التام عنه أو نسيانه بشكل كامل وشامل؛ بل إنه مع الجمع بين الاستفادة النقدية من هذا الميراث، بعد التمكن من علوم الأقدمين واستيعاب مسالكها المختلفة، يكتب الرفاعي: “لا يقطع علمُ الكلام الجديد كليًا مع التراث، بل يحاولُ أن يستوعبَ ما هو حيّ في عقلانيته”، والاستفادة النقدية من مختلف الفتوح المعرفية والمنهاجية الحديثة دون عقدة أو مركب نقص، وهو ما من شأنه أن يجدد العقل المسلم، ويجعله قادرا على إنتاج أفق جديد في فهم الوحي ينتمي إلى روح الدين، ويستجيب للسياق المعاصر معرفةً وتاريخا وإشكالاتٍ ورهاناتٍ وتطلعات. يقول المؤلّف: “لا يمكن تجديد علم الكلام من دون دراسة وبحث يستكشف مسالك التراث الكلامي المتنوعة، واستيعاب مقولات وآراء المتكلمين المختلفة. وبموازاة ذلك يتوقف تجديد علم الكلام على تمثل روح العصر، والانفتاح على المكاسب الهائلة للعلوم الراهنة، خاصة العلوم الإنسانية، والتخلص من الحساسية والوجل والعقدة في التعامل مع معطيات العلم الحديث، فإن بعض العلوم الإنسانية تطورت لدرجة توازي تطور العلوم الطبيعية والعلوم البحتة والتطبيقية في الغرب”، (ص،161).

نجد الأستاذ الرفاعي، وبقدر ما يحتفي بمعارف فلسفة العلم، والهيرمينوطيقا، والسميائيات، والأنتروبولوجيا، وعلم الاجتماع، وغيرها من علوم الإنسان والمجتمع الحديثة؛ بقدر ما نجده يعيد الاعتبار لبعض الإلماعات العرفانية الكونية في ميراثنا الإسلامي، كما نجدها مثلا عند الشيخ الأكبر محيي الدين بن العربي أو مولانا جلال الدين الرومي، مثلما نجده يستحضر بعض الرؤى الإنسية والفلسفية والعقلانية المنسية في ذاك الميراث لإعادة استثمارها في أفق قرائي يشيِّد فهم الدين على عقلانية زماننا، مع إعادة الاعتبار في هذا الفهم لقيم المحبة والروحانية والجمال ومكارم الأخلاق، ومحورية تكريم الإنسان، كما يدل على ذلك عنوان كتابه الجديد الآخر: “الدين والكرامة الإنسانية”. يقول الرفاعي: “كما لا يقطع علمُ الكلام الجديد كليًا مع التراث، يسعى لأن يستخلص ما أشرق به العرفانُ من رؤى واستبصارات تفتقر إليها حقولُ التراث الأخرى. العرفانُ كنزُ الأديان، وعصارةُ معناها الروحي والأخلاقي والجمالي، لذلك يحرصُ الكلامُ الجديد على توظيف رؤية العرفاء لنمط الصلة بالله، المؤسسة على المحبّة المُتبادَلة بين الله وعباده، ويستأنفُ مقولاتِهم في النجاة والخلاص، ليكسر احتكارَ الرحمة الإلهية، والادعاء باختصاص النجاة والخلاص بديانة أو فرقة أو طائفة دون سواها”. هذا الوعي المنهاجي النقدي الذي ميز عمل الرفاعي في هذا الكتاب، وهو الذي جعله يُسهم في إيقاظ المعنى القيمي في الكلام الجديد، ومَكَّنَهُ من أن يرصد بجلاء معالم القصور في علم الكلام التقليدي؛ والتي من بينها هيمنة المنطق الأرسطي، والنزعة التجريدية أو الفصام بين النظر والعمل، وتفريغ علم الكلام من مضمونه الاجتماعي، وسيادة التقليد مع تراجع دور العقل، ونسيان الإنسان، والتربية على الخوف وترسيخ العبودية الطوعية، ونسيان القلب والعاطفة الدينية، والافتقار للمضمون الأخلاقي، والخلط بين النص وقراءاته، واعتماد الطبيعيات الكلاسيكية؛ وهي معالم بسطها المؤلف بدقةٍ في بالتفصيل في الكتاب.

وهنا، أراني مُلزَما أخلاقيا ومعرفيا بالإدلاء بشهادة؛ فقد اطلعتُ على العديد من أعمال “المجدّدين” في الفكر الإسلامي المعاصر؛ لكنها، وعلى الرغم من المزايا العظيمة لبعضها، لم تكن تقنعني؛ لغياب وضوح الرؤية، وافتقاد جرأة التجديد من الداخل، والافتقار لسلاسة المنهج. فهذا يُشعركَ بأن عمله هو تبريز للمنهج أكثر مما هو إضاءة للموضوع المدروس، وهذا يذهب باسم جذرية النقد إلى نسف الإيمان باسم “الموضوعية العلمية”، دون أن يُقْدِرَك على امتلاك قدرتِك الخاصة والمستقلّة على التفكير، وهذا يتبنى باسم “التجديد” لغةً “علمية منطقية” مقعَّرة إلى درجة التعقيد والإغماض، فيما هو وفي أحايين شتى ينتج القديم في ثوب لغوي جديد، دون أن يمس تجديده الروح والجوهر؛ وهذا يُبشّر بآفاقِ “مشروعه النقدي” المُخَلِّص، فيما هو يرسم الخطوط والبرامج دونما انخراط مثمِر وكاف ومقنع في الإنجاز، وهذا يُشظِّي بنية العقل العربي، يستبقي منها أجزاء ويلفظ أخرى، فيما هو ينسف تكاملية المعرفة الإسلامية، وينكرُ دينامية تفاعلها التاريخي مع محيطها الثقافي المتعدد منطلقا في ذلك من مفهوم وهمي ولا تاريخي للهويةِ؛ وغيرهُ تشعُر بفقرٍ في معرفته بالعلوم الإسلامية أو فقرٍ نظير في المعارف العلمية والمنهجية الحديثة، أو سرعة غير حذرة في إسقاط رؤية إحداهما على الأخرى.

بخلاف هذا وذاك، تُعد أعمال عبدالجبار الرفاعي واحدةً من ألمعِ المسارات البحثية التجديدية في الفكر الإسلامي المعاصر، والتي شدَّتني إليها؛ فقد وجدتُ في كتاباته خمسة أمور جاذبة على الأقل؛ أولها: النَّفَس الإيماني الصريح والواضح، وهو نَفَسٌ قرآني مثمر يحوِّلُ الإيمانَ إلى أداة استبصار معرفي ووجودي، مما يُحرّرُ أعمال الأستاذ الرفاعي من تلك المقابلة الوهمية التي تناقِضُ بين المقاربة الإيمانية والمقاربة العلمية، بل ويدرأ عن فكرهِ الالتباسَ الذي يقع فيه غيره على هذا المستوى؛ الأمر الثاني: هو الجمع بين معرفة عميقة ومتينة بالعلوم الإسلامية الموروثة، وبين انفتاح نقدي رصين على المعرفة الفلسفية الحديثة، وخصوصا ما تعلق منها بالمعارف اللاهوتية وفلسفة الدين؛ أما الأمر الثالث: فهو التفاعل الإيجابي والنقدي مع كل المشاريع الفكرية المطروحة في هذا الباب دون إقصاء أو عقدة اعتراف، بعكسِ الغالب في علاقة أصحاب المشاريع التجديدية الكبرى فيما بينهم؛ الأمر الرابع: خفوت الصوت الإيديولوجي في أعمالهِ قياسا إلى السؤال المعرفي الإبستيمولوجي والسؤال الإيماني الأنطولوجي؛ أضف إلى ذلك أمرا خامسا: هو ما أسميه بـ”الاستعادة النقدية للميراث العرفاني والفلسفي”، مما لا أجد له أثرا تأسيسيا واضحًا في أعمال جمٍّ من المجدِّدين منذ محمد إقبال. وهي أمور تجعلك إزاءَ مفكر حقيقي؛ مفكرٍ لا يريد أتباعا وإنما رفقة صالحة في المعرفة، تطوِّر الأفكارَ وتوسِّع الأفق، عنوانُ الوفاء فيها المراجعةُ النقدية الدائمة، والتجاوزُ المستمرّ لمزالق الرفقة طلبا للحقيقة بتعدد أوجهها ولا نهائيتها.

وإجمالا، فإننا لا نروم في هذه الورقة الوجيزة تقديمَ قراءة موسَّعَةٍ ومعمَّقة لكتاب “مقدمة في علم الكلام الجديد”، أو استيفاء القول في المسار المعرفي للأستاذ الرفاعي، بقدر ما نرومُ التنبيه إلى أهمية الكتاب في هذا المسار، وما يطرحه من مقدمةٍ نفيسةٍ تؤسسُ للتفكيرِ في علم كلام جديد، بل وتنخرط في بنائه؛ مقدمةٍ تَنظر لهذا العلم بوصفه أُفقا متجددا لفهم الوحي، كفيلا بالذهاب بهذا الفهم نحو إنقاذنا من نوعين من الغلو متواطئين موضوعيا كما أسلفنا؛ أحدهما: يغلو في  تجميد المعنى الديني، وكأنهُ فُهِمَ مرة واحدة ثم أغلق باب الفهم إلى الأبد، وثانيهما: يغلو في الإقصاء التام لأي معنى ديني تجفيفا للوجود من الغيب وللعالم من التعالي؛ فضلا عن كون هذا الكتاب يتوِّج مسارا من البحث الجدي والجاد الممتد على أكثر ثلاثة عقود.

ها هنا، تبرز أيضا أهمية أُفقِ الكتاب، وتظهر الحاجة مسيسة إلى محاورة أفكاره، والتفاعل النقدي معه، طلبا لسفر مفتوح في هذا الأفق الاستثنائي الواعد، الذي يفتحه لنا د. الرفاعي، وتحتاجه بقوة لحظتنا الإسلامية المعاصرة؛ بل يحتاجهُ ذاك السعي التحريري للإنسان المعاصر بوجه عام، سعي ما فتئنا نؤكد عليه من أجل التحرر من إحراجات “ألهُنا” و”الآن”، تَحَرُّرٌ نريده بنَفَس عقلاني إيماني، نتحَرَّرُ فيهِ بالدين لا من الدين.

د. محمد التهامي الحراق، أُستاذ في الإسلاميات والتصوف، المغرب [1]

 

رابط النشر: