كلما احترقت مكتبة انطفأ شيءٌ من نور العالَم

د. عبد الجبار الرفاعي

غامرت بالفرار إلى الكويت في متاهات الصحراء ليلًا، رغم وضعي الأمني الطارئ ببلد دخلته بلا جواز سفر، حرصت على اقتناء الكتاب أكثر من حرصي على أي شيء آخر أول وصولي،كثيرٌ من الممنوعات ذلك الوقت في العراق مسموح ببيعها في المكتبات هنا. متعةُ الظفر بكتاب ممنوع بعد سنواتٍ من البحث عنه لا يعرفها إلا هواةُ الكتب. في زمن غياب المنع ووفرة الكتب الورقية والإلكترونية، يخسر القارئ هذا النوع من الشوق الغريب للممنوع، ولا يبتهجُ بمتعة الظفر بكتاب بعد سنواتٍ مديدة من البحث عنه. بعد أيام من وصولي بدأت تتشكل مكتبة في مقر إقامتي الجديد، تضاعفت أعداد الكتب وتنوعت بمدة قليلة، ولأول مرة تتغلب كتب الفلسفة والعلوم الإنسانية على الكتب الدينية في مقتنيات المكتبة. أرتاد مكتبات البيع باستمرار، أحاول التعرّفَ على جغرافيا توزيعها في مدينة الكويت. في مكتبة دار البحوث العلمية تعرّفت على مجلة المسلم المعاصر، ومحيي الدين عطية شقيق رئيس تحرير المجلة مدير الدار، ومؤسّسِها جمال الدين عطية. نشأت صداقة مع الأخوين، الأول عبر اللقاء عند زيارة دار البحوث العلمية، والثاني عبر المراسلة. من العدد الأول كنت أقرأ أعدادَ المسلم المعاصر بتمامها غالبًا، كانت أعدادُ السنوات الأولى تناقش موضوعاتٍ تتّصل بواقع حياةِ المسلم اليوم وشؤونه، يتّسع هامشُ الحرية لنقاش أصواتٍ متعارضة على صفحاتها، قبل أن يضيق أفقُ هذه المجلة بعد سنواتٍ من صدورها، ويحتكرها صوتٌ واحدٌ ينطق بكلماتٍ متشابهة وألفاظٍ مكرَّرة. نشرتُ فيها سلسلةَ موضوعات، لم أظفر بأعدادها الجديدة بعد مغادرة الكويت، بعد سنواتٍ نسيت ما نشرته فيها،كان المحرّرُ نبيلًا، إذ تلقّيت شيكًا بقيمة 800 دولار مكافأة لم أتوقّعها، وأنا في ضائقةٍ مادية حرجة نهاية ثمانينيات القرن الماضي.

تضاعف عددُ مقتنياتِ مكتبتي في الكويت بمدة محدودة، تجاوز عدد عناوينها 1000 كتاب، لم أبخل بشراء أي َّكتابٍ أحتاجه أو أتوقّع احتياجَه غدًا. ساعات اليوم تمضي في العمل، والمهام المتنوعة والعلاقات، لم أستطع تخصيصَ وقتي بتمامه للقراءة، تراجع نصيب الكتاب من ميزانية الوقت، لم يختص إلا بساعاتٍ قليلة ليلًا. باغتتنا حوادثُ طارئة، لا أعرف من يقف وراءها، اضطررت لمغادرة الكويت فجأة. كلما احترقت مكتبة انطفأ شيءٌ من نور العالَم،كان مصير هذه المكتبة مشؤومًا، لفرط خوفه مما تتضمّنُه محتوياتُها أرسلها صاحبُ البيت الذي استأجرته عاجلًا إلى المحرقة فاستحالت رمادًا. ليس في كتبي كتابٌ واحدٌ ممنوع، تفهّمت ظروفَ الرجل وما تعرّض له من إكراهٍ يفوق طاقتَه فعذرته. كان لا يقرأ ولا يكتب، ظلت تقلقه نشاطاتي ورفاقي ضد نظام صدام، هو إنسان طيب يمقت العملَ السياسي.

أعاد لي حدثُ احراق مكتبتي المرير شريطَ صور مجازر المكتبات وحرائقها الانتقامية في مختلف العصور. أكاد أتحسس ابادةَ مكتبات بغداد المريعة، بعد سقوطها بيد هولاكو وجيشه المتوحش سنة 656 ه/1258م، وحرائقَ مكتبات الأندلس بعد سقوط غرناطة، فمثلًا أصدر الكاردينال سيسنيروس أمرًا سنة 1501 بحرق مكتبة “مدينة الزهراء” التي تضم كثير من الكتب بغرناطة، وسلسلةَ حرائق المكتبات في مدن الأرض المنكوبة على مر التاريخ[1]. عندما أراجع المصنفات القديمة المختصة بالمصنفين وآثارهم،ككتاب الفهرست لابن النديم، أقرأ مئات العناوين البائدة، والمبادة بدوافع سياسية واعتقادية وانتقامية، تارة بالحرق، وأخرى بغسل كتابتها بالماء، وثالثة بالإغراق، وبمختلف أفعال التدمير الأخرى. فقد تعرض تراث أديان وفرق ومذاهب للتدمير المريع،كما حدث مع المعتزلة وتضييع جواهر مؤلفاتهم. أحيانًا يلجأ المدون الرسمي للعقيدة لطمس مؤلفات علماء لديهم آراء تتعارض ورأيه، وإن كانوا من مجتهدي الفرقة ذاتها. الأقسى من ذلك أن يعمد أحدُ العلماء إلى ابادة مؤلفاته، كما فعل أبو حيان التوحيدي وغيره احتجاجًا على نكد الأيام. يقول ياقوت الحموي في كتابه معجم الأدباء: “وكان أبو حيّان قد أحرق كتبه في آخر عمره لقلّة جدواها، وضنّا بها على من لا يعرف قدرها بعد موته. وكتب إليه القاضي أبو سهل علي بن محمّد يعذله على صنيعه، ويعرّفه قبح ما اعتمد من الفعل وشنيعه. فكتب إليه أبو حيّان يعتذر من ذلك… وافاني كتابك غير محتسب ولا متوقّع، على ظماء برح منّي إليه، وشكرت الله تعالى على النعمة به عليّ، وسألته المزيد من أمثاله الذي وصفت فيه بعد ذكر الشوق إليّ والصبابة نحوي وما نال قلبك والتهب في صدرك من الخبر الذي نمي إليك فيما كان مني من إحراق كتبي النفيسة بالنار وغسلها بالماء”. وأضاف أبو حيّان التوحيدي، وهو يسوق أسباب ذلك الفعل الموجع: “وبعد فلي في إحراق هذه الكتب أسوة بأئمة يقتدى بهم ويؤخذ بهديهم ويعشى إلى نارهم، منهم أبو عمرو بن العلاء، وكان من كبار العلماء مع زهد ظاهر وورع معروف، دفن كتبه في بطن الأرض فلم يوجد لها أثر. وهذا داود الطائي، وكان من خيار عباد الله زهدًا وفقهًا وعبادة، ويقال له تاج الأمة، طرح كتبه في البحر وقال يناجيها: نعم الدليل كنت، والوقوف مع الدليل بعد الوصول عناء وذهول وبلاء وخمول. وهذا يوسف بن أسباط، حمل كتبه إلى غار في جبل وطرحها فيه وسدّ بابه، فلما عوتب على ذلك قال: دلّنا العلم في الأول ثم كاد يضلّنا في الثاني، فهجرناه لوجه من وصلناه، وكرهناه من أجل من أردناه. وهذا أبو سليمان الداراني جمع كتبه في تنور وسجرها بالنار ثم قال: والله ما أحرقتك حتى كدت أحترق بك. وهذا سفيان الثوري مزّق ألف جزء وطيّرها في الريح وقال: ليت يدي قطعت من هاهنا بل من هاهنا ولم أكتب حرفا. وهذا شيخنا أبو سعيد السيرافي سيد العلماء قال لولده محمد: قد تركت لك هذه الكتب تكتسب بها خير الآجل، فإذا رأيتها تخونك فاجعلها طعمة للنار”[2].

[1] ذكر ناصر الحزيمي في كتابه “حرق الكتب في التراث العربي”، المكتبات التي تم حرقها وتدميرها في مدن الإسلام. صدر الكتاب عن دار الجمل ببيروت.

[2] ياقوت الحموي، كتاب معجم الأدباء: إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب، تحقيق: إحسان عباس، ترجمة أبو حيان التوحيدي، ط1، ١٤١٤ – ١٩٩٣، دار الغرب الإسلامي، بيروت. النص منقول من نسخة المكتبة الشاملة.

https://alsabaah.iq/82454-.html