الكتابة الأيديولوجية

د. عبد الجبار الرفاعي

ينظر الأيديولوجي لكلِّ شيءٍ مركّب بعيونٍ لا ترى إلا وجهًا واحدًا، يرى الخيرَ والشرَّ والعدلَ والظلمَ والحقَّ والباطلَ من منظار الأيديولوجيا، الحُبّ والكراهيةُ تفرضها وتتحكم ببوصلتها الأيديولوجيا. تعطّل الأيديولوجيا الضميرَ وتسيّره على وفق رؤيتها، الضميرُ الأخلاقي اليقظ ينتصر للإنسان المظلوم حيثما كان، ولا يتضامن مع مظلوم، ويشمت بمظلوم آخر لا يعتنق رؤيتَه للعالَم. الأيديولوجيا نسقٌ مغلَقٌ، يغذّي الذهنَ بمنظومة معتقداتٍ ومفاهيم ومقولاتٍ نهائيةٍ، تعلن الحربَ على أيّة فكرة لا تشبهها، تنتهي إلى إنتاجِ نسخٍ متشابهةٍ في الظاهر من البشر، وتجييشِ الجمهور لرأي واحدٍ، وموقفٍ واحد. يتبنّى الأيديولوجي نموذجًا تفسيريًّا مسطّحًا وأُحاديًّا، يمنحه شعورًا مزوّرًا بأنّه قادرٌ على الفهمِ الدقيق والتحليلِ العميق لكلّ شيءٍ، وأنّ أفكارَه مبتكرةٌ وفريدةٌ، ويلبثُ غارقًا لا يستفيق من عبوديته للأيديولوجيا، حتّى كأنّ سعادتَه في عبوديته هذه[1].

فجأةً بدأت قراءةُ كتابات سيد قطب المسرفة بالأدلجة، وأغوتني شعاراتُه، نصوصُه بارعة في رسم صورةٍ جذابة للرغبات والتمنيات والأوهام، تصيّرها كأنها واقعٌ مجسّد في متخيَّل المراهقين، وتخدعهم بضرورةِ العمل على استئنافِ حياة مجتمع الصحابة، ولو بالعنف. ذلك المجتمع صنعه الذهن، واصطلح عليه سيد قطب “جيل قرآني فريد”، فكان محصلةَ متخيَّلٍ ديني تضخّم خارج الزمان والمكان والواقع الذي عاش فيه الصحابةُ بوصفهم بشرا اختصموا وتقاتلوا في مرحلةٍ لاحقة. وقائعُ صراعات ذلك الجيل “الفريد” وحروبُه الدامية، تكشف أن تلك الصورةَ نحتتها تمنياتٌ فرضها حلمُ الإنسان الأبدي بصناعة فردوسٍ أرضي، فحاول أن يغرسَ في ضميرِ الشباب مجموعةَ مقولات اعتقادية مغلقة، اعتناقُها شرطُ الإسلام الصحيح الذي يحلم به هو. يتسع مفهومُ الجاهلية عند سيد قطب ليشمل المجتمعاتِ الإسلامية، كما يصرّح بقوله: “يدخل في إطار المجتمع الجاهلي تلك المجتمعات التي تزعم لنفسها أنها مسلمة… لا لأنها تعتقد بألوهية أحد غير الله، ولا لأنها تقدم الشعائر التعبدية لغير الله، ولكنها تدخل في هذا الإطار، لأنها لا تدين بالعبودية لله وحده في نظام حياتهــا… فهي – وإن لم تعتقد بألوهية أحد إلا الله – تعطي أخصَّ خصائص الألوهية لغير الله، فتدين بحاكمية غير الله، فتتلقى من هذه الحاكمية نظامها، وشرائعها، وقيمها، وموازينها، وعاداتها، وتقاليدها… موقف الإسلام من هذه المجتمعات الجاهلية كلّها يتحدد في عبارة واحدة: أن يرفض الاعتراف بإسلامية هذه المجتمعات كلها”[2]. ويعلن عن الردة الشاملة بقوله: “ارتدّت البشرية إلى عبادة العباد وإلى جور الأديان، ونكصت عن لا إله إلا الله، وإن ظلّ فريق منها يردد على المآذن لا إله إلا الله”[3].

كتاباتُ سيد قطب تتقن صناعةَ الغضب والاغتراب، قادت مقولاتُه شبابَ الجماعات الدينية إلى اغترابٍ عن عصرِهم وعن كلِّ إنسان لا يشبههم، وورطتهم بصراعٍ مفتوح مع أهلهم ومجتمعاتهم وأوطانهم، ومواجهةٍ مباشرة مع العالم بأسره. تخلص مقولاتُه إلى أن إسلامَ المسلم لا يتحقّق من دون اعتناقِ مقولاته والعملِ بها، مثل: “استعلاء الإيمان، جاهلية المجتمع الذي يعيش فيه، جاهلية الفلسفة والعلوم والمعارف الإنسانية، العزلة الشعورية”، وغير ذلك من معتقداتٍ تعزل المسلمَ عن كلِّ من حوله. لم يكن في هذه المقولات من جديدٍ إلا صياغتَها بمصطلحاتٍ وشعاراتٍ مثيرة كان يتقنها الرجل، وإلا فمضمونُها شائٌع في التراث الكلامي والفقهي، تارةً بشكلٍ صريح وبلغةٍ تحريضية حادّة كما في آثار ابن تيمية ومَن يقلده، وأخرى بأساليب أقل حدّة، وإن كان مضمونُها يتطابق وما يدعو إليه، كما في آثار مختلف متكلمي الفرق وفقهاء المذاهب.

أنهيتُ الثانويةَ سنة 1973، في العامَين الأخيرَين من هذه المرحلة قرأتُ كتاباتِ سيد قطب وأمثاله؛كتباً يحسبها القارئُ تقول كلَّ شيءٍ لكنها لا تقول شيئًا نافعًا، لا تقول إلا ما يثير فيك الغضبَ على كلِّ ما حولك، وكراهيةَ نفسك لأنك تعيش في مجتمعٍ جاهلي. حين أقرأ بعضَ فصول كتاباته التحريضية لا أخرج منها إلا بالمزيدِ من كراهية العالَم الذي أعيش فيه، والشعورِ باغترابٍ وعزلةٍ ونفور واكتئاب من كلِّ إنسان لا يشبه هذا النوعَ من التفكير الذي صاغته تمنياتُه ورغباتُه وأوهامُه. لكني سرعان ما تحرّرتُ من مقولاته، وبعد سنواتٍ عدتُ إلى كتاباتِه وأشباهِها فرأيتُها سطحيةً تعجز عن وعي الواقع العميق، فهي أقربُ للأحلام الرمانسية منها إلى الفكر، ولا يقع في فتنتها إلا الشبابُ المراهقون المقهورون من بطش الاستبداد. شيءٌ من كلماته كان منقوعًا بالدم، كتبه إنسانٌ موتورٌ من الدولة الحديثة، ومناهضٌ للفلسفة ومكاسب العلوم والمعارف الحديثة، مولَعٌ بدولةٍ صنعتها أحلامُه وأوهامُه التي اخترعتْ تاريخًا تتنكر إليه وقائعُ حياة مجتمع دول الخلافة والسلطنة ونمطُ عيش الإنسان فيها، لا نراه إلا في تمنيات خيالية ورغبات موهومة. استقى مادتَه الخام من متخيَّلٍ اتسع وترسّخ عبر التاريخ، وكان بارعًا في إعادة رسم صورته بشكلٍ يُشعر الشبابَ بأنه حقيقةٌ لا مراء فيها.

كان هذا الكاتبُ معذَّبًا يتقن إيقادَ مشاعر المعذبين، ويجيد صناعةَ الشعارات التعبوية المحرِّضة على الكراهية والعنف. ولفرط سطوة التمنيات يخيَّل إليه أنها تتحول إلى واقعٍ مجسّد. كتاباتُه وأشباهُها من كتابات غيره ألهمت الرغباتِ الموهومة شعاراتٍ توقد مشاعرَ أبناء الحرمان المراهقين، وتستفزّ كلماتُه عواطفَهم وتوقد غضبَهم على كلِّ شيء في مجتمعهم، وتبرع في تأجيجِ انفعالاتهم، وتفجيرِ مكبوتات عقد المظلومية والاضطهاد والحرمان والجوع وكلِّ ما أنهكهم في حياتهم. ساقتني هذه الكتاباتُ لرحلةٍ مضنية سرقتْ بعضَ سنوات عمري، أمضيتُها في قراءة عشرات الكتب، لأبي الأعلى المودودي وأبي الحسن الندوي ومحمد قطب وتقي الدين النبهاني ومحمد البهي وأنور الجندي ومحمد فتحي عثمان، وأمثالِهم من كتّاب الجماعات الدينية السنية والشيعية. وحين استفاق عقلي بعد بضعة سنوات، وجدتُه ممزقًا افترسته أوهامُ وعي زائف، لبث غائبًا عن الواقع وغارقًا بأحلام رومانسية وأوهام ووعود خلاصية. قرأتُ أكثرَ أدبيات الجماعات الدينية، رأيتُها بعد مراجعتها نقديًا تستند إلى الأشعرية كبنيةٍ اعتقادية، ويتسيّد فيها تفكيرٌ رغبوي وأمنياتٌ لكتّاب لا يفهمون الدولةَ الحديثة، ويفهمون الواقعَ المعقد فهمًا مبسّطًا ساذجًا، لا يتوغل في ديناميات التغيير الاجتماعي وعوامله المتشعبة المتنوعة. يختزلون أسبابَ كلّ ظاهرة بسببٍ واحد، ويفسرون كلَّ شيءٍ بشيءٍ واحد، يرون أن سببَ كلِّ مشاكل عالم الإسلام هو انهيارُ دولة الخلافة، ويختصرون أمانيهم بأمنيةٍ واحدة تعود فيها تلك الدولةُ القديمة. فهم يتهمون مَن يكتب عن رموزٍ تثري الهويةَ الوطنية وتكرّسها، يعتاشون على تفجير حروبِ الهويات الطائفية. لا تتغير المجتمعاتُ اليوم بشعاراتٍ مجوفة، أو كتاباتٍ تحريضية ضد كلِّ شيءٍ من حولنا، ولا بكتاباتٍ تستمدّ فاعليتَها من أوهامٍ أنتجها المتخيَّل التاريخي، يصاب القارئُ بالضجر من إيهامه بأنها تقول كلَّ شيء إلا أنه لحظة يستفيق يراها تكرّر عباراتٍ وإجاباتٍ جاهزة، فلا تقول شيئا ‏علميًا دقيقًا.

مشكلة أكثر هؤلاء جهلهُم بالتراثِ الإسلامي العقلاني وتراثِ الأديان الأخرى، مضافًا الى جهلِهم بعلم الأديان الحديث. أدبياتُ هذه الجماعات تفتقر لعمقِ التراث العقلي في الفلسفة والمنطق وعلم الكلام، وطرائقِ المناظرة والنقاش فيها، ولا تنعكس فيها استدلالاتُ الأصوليين وتفريعاتُها وتطبيقاتُها الفقهية المتنوعة، ولا أثرَ فيها لاستبصاراتِ العرفاء وثراءِ تجاربهم الروحية. لا تضيف عند مطالعتها إلا مجموعةَ شعاراتٍ لم يتحقّق شيءٌ منها في الواقع،كالشعار الملتبس: “الإسلام هو الحل”، وغير ذلك من شعارات غائمة، دلّلت على إخفاقها التجاربُ المتنوعة لدول دينية هشّة في بلادنا العربية وغيرها في عالم الإسلام، تتداعى اليوم وتتداعى معها منظوماتُ القيم والتضامن والثقة والمواطنة في بلادنا.

لا تختصّ أدلجةُ الدين بالإسلام أو غيرِه من الأديان،كلُّ ديانةٍ ومذهب وعقيدة يمكن تحويلُها إلى أيديولوجيا مغلقة. الماركسية والقومية والعنصرية والفاشية والنازية صارت أيديولوجيات أشدَّ انغلاقًا وتشدّدًا من سواها في مختلفِ بلدان العالم.

[1] عبد الجبار الرفاعي، الدين والظمأ الأنطولوجي، ص 172-175، ط4، 2023، دار الرافدين ومركز دراسات فلسفة الدين، بيروت.

[2] سيد قطب، معالم في الطريق، ص101-103، دار الشروق، القاهرة.

[3] سيد قطب، في ظلال القرآن، ج:4. ص:2009، دار الشروق، القاهرة.

 

https://alsabaah.iq/80467-.html