وقفات عرفانيّة في فكر عبد الجبار الرفاعي

  د. أسماء غريب[1]

أنْ تَصِلَكَ كُتبُ المُفَكِّر العراقيّ د. عبد الجبّار الرّفاعيّ وتقرأَهَا وأنتَ في المَهْجَر الغربيّ الإيطاليّ تحديداً، يعني ولا شكَّ الكثيرَ مِن الأشياء، أهمّها إيقاظُ جِراح الذّات الكونيّة المتعلّقة بالانتماء والهويّة والدّين. نعم، الرّفاعيّ بكُتُبِه الأخيرة بيْن يديّ (1) فعلَ هذا وأكثر: أيقظَ كلَّ ما كنتُ أعتقِدُ أنّني تجاوزتُه بدفني لهُ في طامورة “النّسيان” أو التّناسي بتعبير أكثر دقّة. لقد أعادني إلى سنوات إقامتي المهجريّة الأوروبيّة الأولى، حينما كُنتُ أرفضُ مُعْظمَ الدّعوات التي كانت تُوَجَّهُ إليّ من أجلِ المشاركةِ داخلَ أو خارج إيطاليا في ندوات ومُحاضراتٍ تتناولُ الفِكرَ الإسلاميَّ ومواضيعَ تخصُّ وضعيّة المرأة وحقوقها “المهضومة” في العالم العربيّ، وكان لرفضي هذا أسباب عدّة؛ أوّلُهَا سياسة الكَيْل بمكياليْن المُنْتَهَجَة تجاهَ مواضيع بهذا الشّكل من الحساسيّة والتّعقيد، حيث غالباً ما كانتْ تُوَجَّهُ لفكر الآخر “العربيّ المُسلمِ” أصابعُ الاتّهام والمُساءلة، دون الخوض تاريخيّاً في موروث الدّيانات في العالم الغربيّ وما كانت تعيشُه من صراعات دمويّة مازالت تُلقي بظلالها على العديد من البلدان الأوربيّة وغيرها إلى اليوم. أمّا عن السّبب الثّاني فكان السّطحيّة التي عادةً ما تُعالَجُ بها هذه المواضيع حتّى وإن كانَ المحاضرون بشأنها من كبار المختصّين في السّؤال الدّيني أو اللّاهوتيّ بشكل خاصّ، إذ تجدُ معظمَهم يناقشُ الأمورَ بعين لا ترى شيئاً أمامَها ولا تزِن القضايا إلّا بميزان الحيْف الّذي تمارسه “ماكينة” الإعلام الغربيّ عبر نِظام مُمَنْهَجٍ لغَسْل دماغ المتلقّي الأوروبيّ وإعادة برمجتهِ، وتجذير مشاعر الرّعب والخوف من الآخر “الأجنبيّ” بداخله. ثالث الأسباب ولا أجدهُ يقلّ أهمّية عمّا ذكرتُ سابقاً هو عزّة نفسي، وشُمُوُخ كينونتي، وعُمق انتمائي لثقافتي، كلّ هذا كان يجعلني أرفضُ رفضاً قاطعاً أن أضعَ نفسي في موقفِ المُدافِع عن ديني وثقافتي، وتبرير ما لا يُبَرَّرُ، لا سيما وأنّني نشأتُ في بلدي الأمّ المغرب، وسطَ بيئة تعدّديّة تؤمنُ بالاختلاف وترى في الإيمان والمحبّة الإلهيَيْن طريقاً من طُرق تحرير الفكر والرّقيّ بالرّوح إلى مدارج السّمو والنّقاء والبهاء الإنسانيّ الكامل.

كم كانَ مُوجعاً في سنوات المهجَرِ الأولى أن أجدَ مَن هبَّ ودبّ ممّن يدّعي الثقافة والتحضُّرَ يسألني عن “العُنف” في الإسلام من أين يأتي؟ وعن “ذلّ” المرأة ومهانتها في بيت الرّجل العربيّ كيف تحتَمِلُه وتطيقه؟ وعن نبيّ الرّحمة محمّد لماذا تزوّج بالطّفلة الصّغيرة عائشة، وفي عيونهم ألفُ تلميح وتلميح لما يسمّى بـ”البيدوفيليّة”! بل كان فيهم من لا يُطيق الحديث عن الدّين أو الإيمان بشكل عامّ، ويشكّكُ في عذريّة مريم (ع) ويسائلها بعين الاتهام عن عيسى من أين أتت به (ع) فجعلتهم من وجهة نظرهم أضحوكة أمام العالم أجمع، وأرغمتهم على التّصديق برواية لا أساس لها من الصحّة، وكنتُ حينذاك ألوذ بالصّمتِ وأستشعرُ يداً غيبيّةً تخيط شفتيّ بإبر من فضّة خيوطها من ذهبٍ حتّى لا أدخل في مهاتراتٍ مع من لا يعرفُ عن دينه شيئاً، فما بالكَ بديانات “الآخرين”، ثمّ جاءت أحداث 11 أيلول 2001، فزادتِ الطّينَ بلّة، وانفجرت بعدها صاعقة داعش وتعقّدتِ الأمورُ أكثر وأكثر، وأصبح من الصّعب الخوض في كلّ هذا وقد اختلطتِ الأوراقُ أمام غياب إعلام عربيّ إسلاميٍّ نزيه يُشَرِّحُ بمِبضع النّقد والتحليل قضايا العُنف والإرهاب التي تتستّرُ وراء لباس الدّين، وأصبحتُ أتمسّكُ كلّ يومٍ أكثر فأكثر بموقف الرّفض، وتفادي الزجّ بنفسي في متاهاتٍ لا أوّل لها ولا آخر من خلال النّقاش في مواضيع محسومة من البداية ومن كافّة الجوانب، لأنّ أهل الحقيقة يعلمون جيّداً أنّ كلّ هذه العواصف العُنفيّة والإرهابيّة المدمّرة لا علاقة لها بالدّين الإسلاميّ ولا بالمسلمين الأحقّاء وإنّما هي سياسات دوليّة أعمق وأكبر منْ أن يستوعبَها عقلُ مواطن بسيط مهما بلغت درجة ثقافته وعِلمه. لكنْ ما العملُ ولليوم مازال هناكَ من يقول لكَ، كيف يدّعي المسلمون بأنّ ما يحدث من إرهاب وعنفٍ لا علاقة له بدينهم، وهُم يستمدّون كلّ هذا من القرآن الكريم، وكتبِ الفقه والشّريعة، وأوّل ما يستدلّون لكَ به سورة “السّيف”؟! وهنا لا يُمكنُ إنكار حالة الذّهول التي قد يُصابُ بها المرء، فالقرآن حقّاً فيه سورة “السّيف” هذه، واسمها الحقيقيّ هو سورة التوبة أو سورة براءة، وهي نفسها الإشارة التي التقطَها عبد الجبّار الرّفاعي في كتابه (الدّين والاغتراب الميتافيزيقيّ)، حينما قال بأنّ كلمة السّيف مع أنّها لمْ تَرِدْ في القرآن، إلّا أنّ المفسّرين سمّوا هذه السّورة بهذا الاسم، والغريب أنّ أكثرهُم من المشهورين، الذين ادّعوا أنّها ناسخة للكثير من الآيات التي تدعو للسّلم والعفو والصّفح والغفران والرّحمة (2). كيف سأردُّ على هذه السّورة والحال أنّها كلّها قتال في قتال وحرب ومواجهة وسيف؟! أيُّ جرحٍ هذا يا إلهي، وذاتي الباطنيّة الدّاخلية العميقة ترى غير ما يراهُ الآخرون بشأن هذه السّورة بالتّحديد. وأعني هنا بعبارة “الذّات الباطنيّة” تلك التي عرّفهَا الرّفاعيّ قائلاً عنها بأنّها “تنطوي على الكثير من الأسرار، وكيف لا، وهي التي تتخصّبُ وتغتني بمنابع إلهامها وديناميّاتها الجوّانية، وتتحقّقُ على الدّوام حين تشرع بوجودها وتجاربها وحياتها الخاصّة التي لا يُمكن اختراقها واكتشاف مدياتها إلّا بحدود ما تبوح به” (3). هنا المعضلة، في هذا الّذي يُباح به ويُكشَفُ عن أسراره، أقول هذا وبين يديّ الآن قارئيَ الإلكترونيّ، وفيه كتب عبد الجبّار، وأنا في حديقة إيطاليّة، اسمها “فيلّا جوليا” (4)، أفتح كتاب (الدّين والاغتراب الميتافيزيقيّ) وأقرأ منه ما قاله الرّفاعيّ في تعليقه على سورة “السّيف” هذه، وأتوقّفُ طويلاً لأسمع صوتَهُ وهو يُرَدّدُ: (إنّ كلّ من يقرأ القرآنَ، يجدُ العنفَ ماثلاً بتعبيرات مختلفة في بعض آياته ، فمثلاً وردت كلمة “قتال” والكلمات ذات الصّلة بها في القرآن بحدود 170 مرّة. ويعود نفي أيُّ شكل للعنف في لغة القرآن إلى تجاهل سياقات النّزول في محيط الجزيرة العربيّة […] ومفتاح دراسة العنف في لغة القرآن هو نمط حياة الأمّة التي نزل فيها وبنية لغتها وأساليب تعبيرها، إنّ ألفاظ اللّغة ومصطلحات معجمها وأساليب بيانها والحضور المتنوّع للعنف في الحياة العربيّة وأثره الواضح في رسم أنماط العلاقات المجتمعيّة في عصر البعثة، كلّها كانت قيوداً ضاقت بسعة الرّحمة الإلهيّة وعجزت عن أنْ تستوعب تجلّيات غريزة الرّحمة في شخصية ودعوة المبعوث رحمة للعالمين. النبيّ محمّد “ص” أحد أعظم دعاة الحرية ومن أرسوا أسسها في التاريخ البشريّ، عاش في مجتمع يؤسّسُ العنفُ حياته، ويحوك العنف نسيج علاقاته الاجتماعية، وتنبثق من العنف تقاليده وعاداته. […] في مثل هذا المجتمع لا يُمكن لثائرٍ على كلّ أشكال الاستعباد وهتك الكرامة البشريّة، إلّا أن يستعير شيئاً من عنف لغة المجتمع الذي يخاطبه بدعوته، ويتسلّح بمواقف صارمة؛ لا تخور أمام عنف لغتهم، ولا تنهزم أمام عدوانيتهم، ولا تتراجع أمام توحّش بعضهم، لغة العنف في آيات القرآن تعكس أنطولوجيا لغويّة عنيفة كانت ماثلة في الحياة العربيّة وأيّة محاولة تخفي ذلكَ فإنّها تسيء للقرآن عندما تنكر ماهو صريح واضح فيه) (5).

يا لغزارة النّزيف الدّاخليّ أمام هذه الحقيقة التي لا يُمكن إنكارها بأيّ وجه من الأوجه، نزيفٌ يجعلني في الوقت ذاته أتشظّى وأنا أتذكّرُ كلماتِ الرّفاعيّ في الكتاب ذاته وأعيد الإنصات إليه وهو يقول: “القرآن الكريمُ كتابٌ تسري فيه روح واحدة، مضامينه تتوحّد في نسيج عضويّ متماسك، ويسوده نظام كلّيّ يتطلّب فهمُه أن نكتشف المنطق الذّاتي الّذي يتحدّث فيه القرآن عن نفسه. ففي القرآن كلّ فكرة ومقولة تتحدث للأخرى، وتتبصّرُ كلّ آية دلالتَها ووجهتها في أفق آياته الأخرى بمجموعها. القرآن كتاب تحيل فيه الفروع على الأصول، والجزئيات على الكليات، والصغريات على الكبريات. نحن بحاجة ماسّة إلى منهجٍ بديل في فهم القرآن، يحرّره من أسوار الأفق التاريخيّ التكراريّ المغلق للمفسّرين، الذي أفضى لنضوب حضور الروافد الملهِمة للمعنى والأخلاق في القرآن. وعلى الرّغم من ضجيج أصوات الجماعات الدّينيّة، وضوضاء صيحات شعاراتهم في الحديث عن القرآن، وكلامهم المبسّط في نسبة كلّ شيء إليه، وإن كان على الضدّ من منطقه وما ينشده، لكن قلّما نعثر على رؤية تتبصّرُ متطلّبات الحياة الرّوحية وبناء الضمير الأخلاقي للمسلم المعاصر في سياق قرآني. إنّ هذه الرؤية البديلة تفرضها ضرورة إعادة اكتشاف الأبعاد المضيئة للحياة الروحية والجمالية في القرآن، كما يفرضها أيضاً افتقار المسلم اليوم لمعنى عميق لحياته، وضياعه في كهوف التراث التي لا تقوده إلّا لمزيد من الضّياع. رأيتُ الرّحمة تمثل مفتاح فهم المنطق الدّاخلي للقرآن، فقد اتخذت الرّحمة فضاء واسعاً في القرآن الكريم لم تتخذه في الكتاب المقدّس وغيره من نصوص الأديان، إذ وردت بصيغ متوّعة في القرآن تصرّح بشمولها كلّ شيء وعدم خروج أيّ شيء عنها”(6).

وفي ظلّ ما يقوله عبد الجبّار يتوهّج سؤال آخر بداخلي، فمادامتِ الرّحمة هي المنطق الّذي يحكم القرآن وجميع سوره ورسائله وخطاباته، فأين الخلل إذن؟ لماذا لا يحاول المفسّرون لليوم إلغاء كلّ ما قيل من مفاهيم كارثيّة روّجوا لها على مرور المئات من السنين؟ لماذا لا يجتمع أهل الرّشاد فيهم على قول واحد يشطبون به كلّ أخطاء الماضي؟ سؤالي طبعاً سيظلّ من النّوع المجازي لا أقلّ ولا أكثر، لكنّ حلّ معضلة هذه الهوّة السّحيقة التي تفصلُ بين موقف المتشبّتين بتراثيّات الماضي وبكائيّات أمجاده الوهميّة، وموقف أهل الحقيقة السّاعين أبداً إلى إيقاف نزيف الرّوح الّذي تسبّب فيه تراكم الأخطاء المعرفيّة الفادحة أجدُه ماثلاً أمامي وأنا أجول بحركة بصريّة دائريّة أحيطُ بها كلّ أطراف حديقة فيلّا جوليا فأجدها تخاطبني بأبجديّة أخرى، وأرى فيها كتاباً جديداً يدعوني لقراءته بلغة أهل التصوّف والعرفان الفلسفيّ، ذاك الّذي يراه الرّفاعي: “تصوّفاً عقليّاً خرجَ على الأنساق المغلقة الحرفيّة لقراءة النّصوص الدّينيّة، وأنتج قراءة للنصوص خارج إطار مناهج وأدوات القراءة والفهم والنظر والتفكير الموروثة، بنحو منح للمسلم أفقاً رحباً في التأويل، وإنتاج قراءات تتوالد منها قراءات أخرى حيّة على الدّوام في فضاء يواكب متغيّرات الحياة”(7). وأصيخ السّمع أكثر فأكثر فتصلني أصواتُ الأعمال الفنّيّة المنحوتةِ في كلّ أطراف هذا المكان، وكلّها تقول لي إنّ لكلّ وجود ظاهريّ لنا في هذه الحديقة معنى خفيّاً يتجاوز الأمكنة والأزمنة بالضّبط كما قال الرّفاعي، بحيث أن العالم بالنسبة له: “يستوعب أشياء لا حصر لها لا ندركُ معناها، والدّين يمعنن ذلك، يفكُّ الألغاز، أو تغدو الألغاز من منظور المتديّن ذات مضمون، يفيض بمعانٍ يسقيها من رؤيته الدّينيّة” (8). أنظرُ حولي فيطالعني أسدان متأهّبان للانطلاق يقولان بأنّ زمن الكشف لم يحِن بعد، ثمّ ألتفتُ مرّة أخرى فأرى جواكّينو روسّيني، الموسيقي الفذّ الّذي جدّد في الفكر الموسيقيّ الغربيّ وأخرج الرّوح الإيطاليّة من أقبية أحزانها ساعياً بها إلى مدارج وآفاق فسيحة من النّور والحريّة عبر اللّحن الشفيف والنّغم السّاحر، وفي الطّرف الآخر أرى أرخميدس مجدّد العلوم الحقّة، وتيوكريتوس رائد الشّعر الرّعويّ، وأبولّو إله النبوءة والشّفاء والتألّق، فأجدني بين هذه الوجوه التّاريخيّة والأسطورية أسبح في إشراقات من البهجة الرّوحيّة التي ليس لها مثيل والّتي تبلغ الذّروة حينما تقعُ عيني على تمثال عبقريّ وشفيع مدينة بلرم وبين يديه أفعى الحكمة يطعمها من صدره إكسير المعرفة، وبالقرب منه نسر كبير كرمزٍ لانتصارات الرّوح في حروبها من أجل بلوغ سدرة المنتهى، وفي الجهة الأخرى أرى طفلاً عجيباً يحمل فوق رأسه ساعة باثني عشر واجهة، في كلّ واحدة منها ساعة شمسيّة تقول بأنّ زمن الصّعود والتّحليق مازال بعيداً، مادام صبيّ الحديقة المعلّم الأسمر الجالس فوق وسادة نحاسيّة لم يسلّمكِ بعد عصا الحكمة التي بها يُختتمُ السّفر العرفانيّ بين أرجاء هذا المكان الخلّاب. ارفع عينيّ وأتذكّرُ صديقي الألمانيّ يوهان غوته الّذي زار قبلي بمئات السّنين فيلّا جوليا، وعرف مثلي أنّه ليس في حضرة حديقة عاديّة بل جنّة حافلة برموز أهل المعرفة والفلسفة المتمثّلة بشكل المكان الدّائريّ المُجسِّدِ لصورة الكون الميتافيزيقيّ والّذي يقتضي من السّالك خوض سفرٍ روحيّ عميق كذاك الّذي قام به هوميروس المخلّد في الأوديسّا والتي من وحيها ألّف غوته وهو في فيلّا جوليا عمله “ناوْسيكا” والّذي بقيَ غير مكتملٍ لليوم. وبصورة غوته أمامي، وكلام عبد الجبّار عن لغة العنف في القرآن يأتي المعنى ويجلسُ عند قدميّ وهو يذرف بدل الدّمع دماً، فأمسكُ بوجهه وأمسح بيدي على جبينه وأكفكف دمعه ثمّ أسأله الحلّ لكلّ هذه المتاهات الفكريّة الدّوّامية فيُشير عليّ بكلمات قالها عبد الجبّار عن والدته رحمها الله وهو يصفها بالمرأة التي كانت تمتلكُ خبرة جيّدة في رواية الملاحم ومحاولات تطبيقها على ما يسود حياة مجتمع القرية المحدود، بحيث كان يستمع إليها في طفولته وهي تتحدّث بإسهاب مع صديقاتها، وهنّ يصغين بإمعان لما تتحدّث به من حكايات خرافيّة عتيقة وقصص ميثولوجيّة غابرة، حينما يعود إليها اليوم يجدها الرّفاعيّ غنيّة بالرّموز والعلامات والإشارات ذات الكثافة الدلالية التي يتيح تأويلها التعرّف على الأنساق الرّمزية ويكشف لنا عن طبقات المعنى المحوريّة الرّابضة في البنى التحتيّة العميقة للمجتمع الرّيفي (9). ومن هذه الكلمات يتبرعم في حديقة الأسرار سؤال جديد: لماذا لم يحاول أهل التّفسير قديماً العمل على هذا الجانب الدّلاليّ الرّمزيّ للنصّ القرآني وكلّ آية فيه تحمل عنوانا سيميائيّاً بامتيازٍ، بين شمس وقمر ونساء، وطارقٍ ومائدة وبقرة وناقة، ونجمٍ وناس وفلق وفجرٍ، وعاديات وذاريات وصافّات وما إليها من الأسماء التي تعلن وتفصح عن معاني أشدّ عمقاً من تلك التي سطّرتها كتب التراث القديمة والتي أتت بنيران ظلماتها على الأخضر واليابس في كلّ المنظومة الفكريّة العربيّة الإسلاميّة؟!

عبد الجبّار الرّفاعيّ يعرفُ أكثر منّي أنّ لغة القرآن الكريم وأسماء سوره وشخوصه وأبطال أحداثه تنتمي كلّها إلى الحقل الرّمزيّ السيميائيّ، الّذي يحتاج اليوم لمفاتيح خاصّة من أجل الوقوف على وجه جديد من معانيه، وكيف لا وهو المتسائل عن جدوى احتماء الآباء في قريته بأسماء منفّرة يعطونها لأبنائهم علّ ذلك ينقذهم من الوفيات المبكرة، فكانوا بذلك يعلنون شيئاً، ويتكتّمون على ضدّه (10)، هكذا كان العرب، أهل رمز وحجب وتواري وراء المعاني، ولأجل هذا ظهرت لغة القرآن كلغةٍ تختلف عن كلّ لغات الكتب السماوية التي سبقته، وكان خطابه موجّهاً للعالمين، ولم تكن الأحداث التي فيه تعني أقواماً معيّنة بعينها وإنّما تعني الجميع، يكفي فقط العثور على مفاتيحها الحقّة التي كان يعرفها جيّداً العرب آنذاك وإن نُعتَ عهدُهم بالجاهليّة، وليسوا منها في شيءٍ، فقد كانوا على دراية بالعديد من العلوم وعرفت المنطقة العربيّة العديد من الحضارات البائدة التي بلغت من التقدّم آنذاك ما لم يخطر على بال بشر وإرم التي لم يُخلق مثلها في البلاد تشهد على ذلك. العرب إذن وأهل الكتاب منهم، وأعني بهم هنا رجال الدّين والكهنوت الأعلى كانوا يعرفون لغة القرآن جيّداً، وحروفة المقطّعة وأسماءه ورموزه كاملةً، ولم يكن النبيّ محمّد يتحرّج أبداً في مخاطبتهم به، لأنّه خطاب روح ونفس، والحروب التي فيه، وفي سورة التوبة مثلاً إنّما هي حروب على المستوى الباطنيّ للنّفس، أيْ على المستوى العرفانيّ الخالص الذي لم يكن حاضراً بهذه الصيغة الجديدة لدى فلاسفة اليونان، وقد عجزت أعظم كتب فلاسفة تلك العصور عن بلوغها، وهذه هي معجزة الرّسول الأكرم لأنه كان على معرفة بمبدأ الوحي بحيث يكشف له أسرار الوجود، وكان هو بدوره يرى الحقائق بوضوح وبدون أيّ حجاب وذلك بعروجه وارتقائه قمّة كمال الإنسانيّة، وفي ذات الوقت كان حاضراً في جميع أبعاد الإنسانيّة ومراحل الوجود، فمثّل بذلك أسمى مظهر لـ (هو الأوّل والآخر والظّاهر والباطن) (11)، كما سعى إلى رفع جميع النّاس للوصول إلى تلك المرتبة، وكان يتحمّل الآلام والمعاناة حينما كان يراهم عاجزين عن بلوغ ذلك (12).

محمّد (ص)، هو القلب الكونيّ الّذي تلقّى كلمات ربّه بأسلوب جديد، يصف حروب النّفس، أو حروب الأرض التي تنقلبُ فيها الأعمال وتتجسّدُ بصور مختلفة تجتمع فيها الحيوانات، والحشرات والهوام والزّواحف، وصور الإنسان ذكراً كان أو أنثى، وتتمثّل فيها الأماكن بالجبال والمفاوز والصحاري والغابات والوديان والرّياح والنيران، وكلّ ماهو ظاهر وغير ظاهر في كون الظهور وأكوان البرازخ والغيبيّات، فإذا عمل الإنسان عملاً صالحاً فإنّ هذا العمل يؤثّر على قلبه ويجعله مهيّئاً لنزول البركات، أمّا إذا كان القلب مفعماً بالحسد مثلاً أو الغضب أو حبّ الدّنيا وما إليها من ملكات أخرى خبيثة فإنّ ذلك يحجبه ويعتم مرآته فيتعذّر عليه التوجّه للغيب، وحلول الرّحمة فيه (13).

تحدّث القرآن كثيراً عن النّفس وأهوائها وحروبها، وكما لقّبها اليونان قديما ببيرسيفون، التي تعني بؤبؤ العين فإنّ العرب لقّبوها بقرّة العين وما من فراغ شبّهت إيزيس النّفسَ خلال أحاديثها مع حورس بالعين والجفون التي تحيط بها، وذلكَ لأنّها تمثّلُ مبدأ الإدراك المستيقظ الّذي لا ينام أبداً، وأهل الذّوق يعلمون هذا جيّداً وكثير منهم رأوا هذه العين (14)، وهي العنصر الّذي يبعث الحياة في الجسد المادّي، لأنه نفس الإله المنفوخ فيه. وهو أيْ الجسد، العالم الدنيويّ المتكوّن من النّفس التي هي المبدأ الأنثويّ، ومن الأنا التي هي المبدأ الذكريّ القابع في حضنها، وهذه الأخيرة لا تمثل المادّة الصّلبة وإنّما شخصيّتها، وهي بعبارة أخرى الانعكاس الوهميّ للذّات. وإني لأتحدّث هنا عن محتوى عقليّ ذو طبيعة سائلة، ولأجل هذا فإنّ النّفس مرتبطة بالماء وهي توجد في المركز بين العالم الباطنيّ والعالم المادّي، وبين صراعات النّفس لا سيما حينما يتعرّضُ الكيان العقلي في ارتباطه بالمبدأ الذكريّ إلى عملية الوحشنة التي تحجب بالكامل الذّاتَ الحقيقيّة في جوهر الإنسان، وهذا ما يفسّرُ ويبرّرُ لغة الحرب والقتال الواردة في القرآن الكريم والتي أشار إليها آنفاً عبد الجبّار فيما يتعلّق بحروب النّفس وطريقة تخليصها من أسرها ووحشنتها وسجنها الدّاخليّ الرّهيب. ولقد حدّد خطابُ الوحي إمكانية الخلاص في التعرّف على التركيبة الحقيقيّة للإنسان ولا غرابة إذا كان محمّد يعرف أنّ هذه التركيبة تقبع في المركز والجوهر الأصيل، بينما يقبع في القشرة الخارجيّة كلّ ماهو مزيفّ، ولذا سمّيت عملية الخلاص هذه بالجهاد الأكبر، والّذي سمّاه رجال الدّين في الديانات الأخرى بمحاربة التنّين أو الأفعى الّتي تبدأ في سنّ الأربعين، وهي السنّ التي أسمّيها نسبة إلى سورة التوبة بسنّ براءة، أيْ العمر الّذي يتبرّأ فيه القلب الكونيّ من شواغل النّفس المرتبطة قبل الأربعين بقوّة النموّ والتّغذيّة، وذلك حتّى يتفرّغ لمسار الانعتاق من شؤون الدّنيا حينما يتحقّق انحسار نشاط الطّاقة الأنثويّة المعبّر عنها في القرآن الكريم بعبارة (فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا) (15)، أيْ بمعنى فلمّا قضى الجسمُ الّذي يزيد في النموّ وطره من الطّاقة الأنثوية المتمثّلة بالنّفس التي كبّرتهُ وزادت في نموّه تزوّج بها لكي تعينه على جهاده الدّاخليّ في سبيل الخلاص من ربقة الاستعباد الدّنيويّ، وهذه الزّوجة في مقام الأربعين لها اسم آخر لدى أهل الأسرار وهو زينب، أيْ الشّجرة العطرة الحسنة المنظر وهي ذاتها شجرة الحياة والمعرفة التي يأكل منها السّالكُ وهو في طريقه إلى الكمال الرّوحيّ.

وإذ أكشف لكَ عن هذه المعاني الجديدة فإنّه يبدو واضحاً كيف حُرّفتِ المعاني وقُلبت الآيات وتشوّهت الأهدافُ بشكلٍ أدّى إلى مسخِ صورة الدّين الإسلامي في كافّة المجتمعات كما يقول عبد الجبّار الرّفاعي، بحيث أصبح “كلّ ماهو دينيّ مختلطاً بكلّ شيء: بالعلم وبالفلسفة والأدب والفنّ، وبالدّولة والقبيلة والعادات والأعراف بشكل انهار فيه كلّ شيء وماعاد الدّينُ ديناً، ولا العلم علماً، ولا الأدبُ ولا الفنّ أدباً وفنّاً” (16). فما الحلّ إذن أمام هذه المعضلة الكبيرة، و”كيف نحوّل الدّين من موتٍ إلى حياة ومن داء إلى دواء، ومن سمّ إلى ترياق، ومن هيروئين إلى فيتامين، ومن ظلام إلى نور، ومن حزن إلى فرح، ومن شقاء إلى سعادة، ومن ضعف إلى قوّة، ومن هدم إلى بناء؟!”، يجيب عبد الجبّار: (لا خلاص إلّا بالخلاص من “تديين الدّنيويّ” وإعادة الدّين إلى حقله الطّبيعيّ، ومن دون ذلك ننهكُ ماهو ديني، ونبدّد ما هو دنيويّ) (17).

وإلى كلماته أضيف وأقول، إنّه لا بدّ من شجرة الحياة والحسن والجمال والبهاء زينب بكلّ مقاماتها النّسائيّة، بما فيها مقام عائشة التّاسع الّذي هو أحد أسماء الإلهة إيزيس والتي تعني في معناها الباطنيّ كلّ شيء يعيش ويحيا وينمو في الكيان والّذي لا بدّ للمريد والمريدة أيضاً من ولوجه في التّاسعة أيْ في المقام التّاسع من شجرة الحياة، وهذا هو ردّي على من كان يسأل من مثقفّي الحسرة منذ أزيد من عشرين سنة عن محمّد لمَاذا تزوّج بعائشة، وهي بعد طفلة في التّاسعة من عمرها، وهم لا يعرفون عن حياة السالكين إلى الله شيئا ولا عن شجرة الحسن زينب فيها ولا عن النساء الأربع التي لا بدّ للسالك والسّالكة من الزّواج بهنّ كرمز لعناصر الخلق الأربعة وهي النار والهواء والماء والتّراب، والتي لا يستطيع المريد التوفيقَ بينها بسهولة فوجب اكتفاؤه بواحدة، أو اثنين أو على الأكثر ثلاثة قبل البدء في رحلة تسلّقه لشجرة المعرفة زينب.

وأمّا لمن يسأل عن الجواري في الإسلام واستعباد النّساء من أين أتى، فأقول إنّ تاريخ الإنسان الأسود في تحريف كلّ شيء عبر غرائزه المتوحّشة تشهد ضدّه على قبح ما ارتكب من جرائم. ففي الوقت الّذي كان فيه نصّ الوحي صريحاً في تمييزه بين النّساء والجواري، وأقول النّساء لأنّ العدد الحقيقيّ الذي يتزوّج به المريد والمريدة أيضاً وهُما في حروبهما الرّوحيّة الباطنيّة مع المبدأ الأنثويّ الذي هو النّفس يصل إلى تسع نساء يضاف إليهنّ أربع أخريات حينما يتمُّ الوصول إلى المقام العاشر من شجرة المعرفة والحكمة، ليصبح المجموع 13 زوجة، فافهم قولي وافقه من أين أتت هذه الأعداد النسائيّة التي يتجادل حولها المفسّرون إلى اليوم وباسمها ارتكبت العديد من المجازر والحروب النكاحيّة على أرض الواقع الماديّ الإنسانيّ وفي حياته اليوميّة!

أمّا بالنسبة لسبي الجواري، فإنّ الأمر فيه إشارة إلى الجانب الأنثويّ للقوى المتعلّقة بمقامات شجرة الحسن والحكمة ولكن في الجزء المتعلّق بالنزوات الدّنيوية الطّارئة داخل قلب المريد، وهنّ أقل شأناً من النّساء اللائي هنّ طاقات أنثوية أساسية بينما الجواري طاقات ثانويّة والتي يتوجّب على السّالك سبيها أيْ سلخ جلد الأفعى فيها، ونزعها وتحريرها من الكينونة الذّكريّة التي تحكمها داخل العالم الجوّانيّ للنّفس البشريّة لكلّ إنسان، ولا فرق في هذا بين مسلم أو مسيحيّ أو غيرهما ممّن يعتقد ويدين بديانات أخرى. والكشف اليوم عن هذه المعاني فيه كشف عمّا ألحقه التفسير السّيء للتعاليم المتعلّقة بالمبدأ الأنثوي، والذي أفرد له القرآن الكثير من الآيات وخصّص له سورة كاملة تحمل عنوان النّساء، من ضرر أدّى إلى خلق أبشع الممارسات التي شهدها التاريخ مثل السّبي الفعليّ للنساء والمتاجرة بهنّ في سوق الرّقيق إلى اليوم، وهو ما أشار له د. عبد الجبّار الرّفاعي بقوله: (الرِّقُّ أقبحُ أشكال نزَعات التسلط وامتهان الإنسان لأخيه الإنسان، وأقسى صور هتك الكرامة البشرية. إنه ظاهرة بشعة مزمنة في الحياة، لم يتورط فيها كائن آخر غير الإنسان. ولم تَصدر قرارات صارمة تُلغي تشريعه حتى القرن التاسع عشر. فهذه القرارات – وإن ربما استطاعت تحريمه والقضاء عليه -، عجزت عن استئصال جذوره ومنابعه المزمنة. فمع أنه اختفى شكلُه القديم، غير أنه واصَل حضورَه بِعُنوانات وأشكال بديلة. خلَق اللهُ الناس متساوين في إنسانيتهم، إذ ليس هناك إنسان كامل الإنسانية، وآخَر إنسانيته ناقصة. أمّا الرقُّ، فهو أقسى أنماط احتقار البشر، لأنه هتكٌ للكرامة. ولا تتحقق إنسانية أية ديانة إلَّا بتبنِّي المساواة بين الإنسان وأخيه الإنسان، وتجسيدِها في مختلف المواقف والأفعال والسلوك، بغضِّ النظر عن الدين والثقافة والجنس والنسب واللون والطبقة. فلا قيمة سامية تعلو على قيمة الكرامة، وهتكُها يُثير الفزع في كيان أيّ كائن بشري، مهْما كان بَلِيدًا أو أبْلَهَ في نظر بعضهم. هتكُ الكرامة يُنتجُ عمليات الثأر العنيفة، والثورات والأشكال المتنوعة للمقاومة. وجميعُها ليست إلَّا مَساعِيَ لاسترداد الكرامة، وإنْ أخطأت مراميها أحيانًا.

الرقُّ غيرُ مستهجَن عند أكثر الناس الذين يمارسونه؛ إذ هناك حاجة نفسية مختبِئة، إلى استرقاق البشر وإخضاعهم لدى كثير من الناس، الذين يتلذذون بالتسلط على غيرهم، مضافة إلى حاجتهم إلى الخدمة والعمل. ذلك سببٌ خفيّ اليوم لاستنساخه في المجتمعات بأقنعةٍ جديدة، مِن أبشعها ظاهرةُ “الخدم”، المتفشية في مجتمعات التمييز العنصري واحتقار الإنسان المُتْخمة. العبوديةُ تختبئ في الكلمات، وتَشِي كلمةُ “الخدم” بحمولة سالبة، تحطُّ برأيي من كرامة الإنسان الذي كرّمه اللهُ تكوينًا. إنْ كان بعضُهم يلتمس مبررات للرقّ في التاريخ، فإنَّ استئناف الرقّ بأقنعة بديلة في مجتمعات اليوم، لا يمْكن تبريرُه أبدًا. في “العبودية المقنَّعة” نرى شابَّاتٍ وشبابًا يعملون في المنازل، ويتعامل معهم أهلُ المنزل باحتقار وإذلال ومهانة، بخِلاف الكلاب والقطط والطيور التي يهتمون بها في الغالب أكثرَ منهم. فيُسكِنون أولئك الخدم في أماكن غير ملائمة، ويطعمونهم أحيانًا بقايا الطعام، وغالبًا ما يُلبسونهم ثيابًا غيرَ ثيابهم، دون أن يكترث أحد لِمشاعرهم وعواطفهم وحساسياتهم وانفعالاتهم بصِفَتهم بشَرًا. “الخدم” يفكرون ويشعرون مثل كلّ البشر. هؤلاء بشرٌ مُكرَّمون، كرامتُهم هبة من الخالق لهم، كرامتُهم مُكوِّن لهُويَّتهم الوجودية. أكرهَتهم الفاقةُ والحرمان والجوع وفقدان فرص العمل الكريم، على زجّ أنفسهم في هذا النوع من العمل المُزْري الذي يمتهنهم. هؤلاء بشر، ينفعلون، يتألمون، يحزنون، يكرهون، يحبون، يشعرون بالسعادة، وتنزف قلوبُهم أسًى لحظةَ يتعرضون لإهانة أو تنكيل. لكنْ مع ذلك، يتعامل معهم أكثرُ من يستخدمهم، وكأنهم محكومون باكتئاب وحزن أبديّ. هؤلاء بشرٌ، لديهم احتياجات جسدية وروحية وأخلاقية. فيحتاجون إلى الحياة العاطفية والجنسية، كما كلُّ كائنٍ بشري. أيضًا يحتاجون إلى الفرح والحبّ والحنان، ويحتاجون إلى الاعتراف بهم وبمُنجَزهم مهْما كان، ويحتاجون إلى الاحترام والشكر والتكريم. هؤلاء بشرٌ، لديهم حياتهم الباطنية. فالذات البشريّة بطبيعتها باطنية داخلية عميقة، تنطوي على أسرارها، وتَخْصَب وتغتني بمنابع إلهامها وديناميّتها الجوّانية، وتتحقّق على الدوام حين تَشْرع في وُجودها وتجاربها وحياتها الخاصّة. ولا يمْكن لنا اختراق هذه الحياة واكتشاف غاياتها، إلّا بحدود ما تبوح هي به. يولَد الإنسان بمفرده، ويحيا بمفرده، ويموت بمفرده، ويتألّم بمفرده، ويمرض بمفرده، ويشعر بالخطيئة بمفرده، ويستفيق ضميرُه بمفرده، ويؤمن بمفرده، ويُلحد بمفرده. أيضًا يجتاحه بمفرده: القلق، واليأس، والاغتراب، والضجر، والسأم، والألم، والحزن، والغثيان، وفقدان المعنى، وذبول الروح، وانطفاء القلب، والعدمية، والعبثية، والجنون). (18).

كيف النّجاة من كلّ هذه الأهوال التي تسبّبت فيها القراءات المقلوبة لكلمة الوحي وخطابه، وكيف السبيل إلى إعادة البهجة والمسرّة والضوء إلى مشكاة الرّسالات النبويّة وقد سدّ علينا المتشدّقون بالمعرفة كلّ الأبواب؟ لا سبيل إلّا بالعودة إلى المعين الصّافي، أي إلى محبّة الله بعيداً عن قساوة وتعصّب كلّ أشكال التديّن المتزمّت الّذي ينافي فطرة الإيمان لدى كلّ إنسان، لأنّ “اللّحظة التي يمتلكُ فيها الإيمان قلبك تصير أنت الأمن والسكينة. أمنكَ هو إيمانكَ، وإيمانك هو أمنكَ، إنه إيمان أنطولوجيّ متوحّد بكينونتكَ والعلاقة فيه باللّه أفقيّة لا عموديّة، علاقة جوهرها الحبّ والحريّة، لا تتضمّن استرقاقاً، ولا قهراً ولا انتهاكاً لكرامتكَ” (19).

بهذه الكلمات أختمُ سفري العرفانيّ ووقفاته في حضرة عبد الجبّار الرّفاعيّ، أطفئُ قارئي الإلكتروني، أو مكتبتي الرقميّة المتنقّلة، أمشي بخطوات ثابتة، وأتوجّه نحو صبيّ الحكمة الأسمر في الطريق المؤدّي إلى باب الحديقة العرفانيّة الكبير، أسلّم عليه، ثم أستلمُ منه عصاه، التي بها لا شكَّ ستبدأ أسفار جديدة أخرى، ووقفات مع أهل الله من شتّى الدّيانات والاعتقادات، راجية من الله عزّت وجلّت قدرته أن يمدّني بمزيد من التأييد، ويفتح لي وعليّ من بركاته وفيوضاته فتحاً مبيناً لا يأتيه الباطلُ من بين يديْه ولا من خلفه.

الهوامش:

  • وأعني بها ثلاثية كتب الرفاعي عن الدين، الّتي صدرتْ في طبعات ثانية وثالثة ما بيْن عامَيْ 2018-2019 عن مركز دراسات فلسفة الدّين ببغداد، ودار التنوير ببيروت، وهيَ على التّوالي: (الدّين والنّزعة الإنسانيّة، ط3)، و(الدّين والظّمأ الأنطولوجيّ، ط3)، ثمّ (الدّين والاغتراب الميتافيزيقيّ، ط2).
  • د. عبد الجبّار الرّفاعيّ، الدّين والاغتراب الميتافيزيقيّ، مركز دراسات فلسفة الدّين ببغداد، ودار التنوير ببيروت، ط2، ص 8، 2019.
  • د. عبد الجبّار الرّفاعيّ، الدّين والظّمأ الأنطولوجيّ، مركز دراسات فلسفة الدّين ببغداد، ودار التنوير ببيروت، ط3، 2018، ص 27.
  • انظر في الملحق صوراً توثّقُ زيارة أسماء لهذه الحديقة العجيبة.
  • د. عبد الجبّار الرّفاعيّ، الدّين والاغتراب الميتافيزيقيّ، مركز دراسات فلسفة الدّين ببغداد، ودار التنوير ببيروت، ط 2، 2019، صص، 37-39.
  • المصدر نفسه صص 24-25.
  • د. عبد الجبّار الرّفاعي، الإيمان والتجربة الدّينيّة، “موسوعة فلسفة الدّين 2″، ط1، مركز دراسات فلسفة الدّين ببغداد، ودار التنوير ببيروت، 2015، ص13.
  • د. عبد الجبّار الرّفاعيّ، الدّين والنّزعة الإنسانيّة، مركز دراسات فلسفة الدّين ببغداد، ودار التنوير ببيروت، ط3، 2018، ص 50.
  • د. عبد الجبّار الرّفاعيّ، الدّين والظّمأ الأنطولوجيّ، مركز دراسات فلسفة الدّين ببغداد، ودار التنوير ببيروت، ط3، 2018، ص 53.
  • المصدر نفسه، ص 46.
  • سورة الحديد: الآية 03.
  • وصايا عرفانيّة للإمام الخمينيّ، إعداد السّيّد عبّاس نور الدّين، مركز بقيّة الله الأعظم، ط2، بيروت، 2001، صص 18-19.
  • عبد الحليم عوض الحلّي، ظهور الحقائق وانقلابها في عالم المُلكِ والملكوت، ط1، مؤسسة الطّبع والنّشر التّابعة للأستانة الرّضويّة المقدّسة، 2013، ص52.
  • د. أسماء غريب، قصيدة (عينُكَ)، ضمن ديوان مشكاة أخناتون، ط1، دار الفرات للثقافة والإعلام، العراق، 2018، ص 109.
  • سورة الأحزاب: الآية 37.
  • د. عبد الجبّار الرّفاعيّ، الدّين والظّمأ الأنطولوجيّ، مركز دراسات فلسفة الدّين ببغداد، ودار التنوير ببيروت، ط3، 2018، ص 143.
  • المصدر نفسه، ص 143.
  • د. عبد الجبّار الرّفاعيّ، الاستعباد والعبوديّة المقنّعة، من مقالة منشورة في موقع تعدّدية بتاريخ (18 /06/ 2020).
  • د. عبد الجبّار الرّفاعي، الإيمان والتجربة الدّينيّة، “موسوعة فلسفة الدّين 2″، ط1، مركز دراسات فلسفة الدّين ببغداد، ودار التنوير ببيروت، 2015، ص23.


أكاديميّة وروائية وناقدة ومترجمة مغربية مقيمة في إيطاليا. [1]

 

رابط النشر

من الإنسانِ الآليّ إلى الإنسان العاليّ  

في عرفانيّات عبدالجبّار الرّفاعي

 

د. أسماء غريب[1]

حينما انشغلتُ لأزيد من خمس وعشرين سنة بـ “الفلسفة”، لمْ أَكُ في الحقيقة أبحثُ فيها عن طريقة لأفهَم بها الكونَ والوجود، ولا عن وسيلة تُمكّنُني من الغوصِ عميقاً في غيابات جُبّي، أو مِنَ الولوج في دهاليز نفسي وإنّما كنتُ أحاولُ فقط أن أجيبَ عن أسئلة بسيطة جدّاً من قبيل؛ ما الفلسفة، ولماذا مرافقة الفلاسفة؟ وما سرّ هذا الاهتمام الّذي أوليه لهُم؟! أنا لا أنكرُ أنّ الفلاسفة أصدقائي الأحقّاء، ولنْ أقول إنّني لمْ أقرأ للعديد منهم، بلى لقد تعرّفتُ على المئات منهم سواء بين جدران فصول التعليم الثانويّ، أو حول موائد المكتبات ورفوفها، أو من خلال قراءاتي المنزليّة العدنيّة داخل المغرب الحبيب أو خارجه، ووحدها فقط هذه القراءات العصاميّة منْ فتحتْ لي أبواب الفلسفة الحقّة على مصراعيها، لا سيما وأنّ دروس الفصول المدرسيّة والجامعيّة الأولى لم تكن أبداً كافية لتطفأ لهيب عطشي للمعرفة، والنتيجة كانت أنّني فهمتُ باكراً أنّه ثمّة فرقٌ كبير بين الفلسفة التي تدرّسها المؤسساتُ التعليميّة، وبين الفلسفة التي تلقّنها إيّاكَ الحياة خارج الأسوار الرّسميّة، وفهمتُ أيضاً أنّ الفيلسوف الحقّ ليس بالضرورة هو منْ يُدَرّسُ الفلسفة، فالأوّلُ حكيم والثاني غالباً ما يكون متفلسفاً لا غير، والحكيم هو من يعلمُ أنّ الفلسفة هي حبّ الحكمة، بينما التّفلسفُ ماهو سوى طريقةٍ روتينيّة جدّاً لجمع المعلومات وتكديسها داخل العقل والتنظير من خلالها للعديد من القضايا دون تحقيق الوعي السّليم بها. وبناء على هذا تعلّمتُ أنّ الحكمة هي مرادفة لإزهار الوعي وانتشار عطر العقل الأعلى عبر التحليق في الماورائيات حتّى إدراك مستوى اللّاتفكير، أو اللّاعقل، ولك أن تسمّيه ما تريد، ولتعلم أنّني هنا أقصد الوصول إلى ما يسمّى بالإيمان الأعلى، أيْ بلوغ سدرة المنتهى، هذه هي الفلسفة يا صديقي، وليستْ تلك التي أصبحت مجرّد حرفة لتنظير، وتحديد التقنيات والأفكار التي لا تحلّ ولا تغيّرُ أيّ شيء بداخلكَ، وإنّما أنت تبقى كما أنتَ دون أن تعلمَ أنّ الرّجل المتفلسفَ هو أكثر النّاس وهماً في العالم لأنّه يعتقد أنّه يعرفُ كلّ شيئ في حين هو لا يعرف شيئاً على الإطلاق لأنّ فلسفته لم توصله إلى المقامِ المحمود. وأنتَ دون أن تعلمَ أيضاً أنّك حينما تُراكمُ المعرفة، فإنّها تصبح جزءاً من ذاكرتِكَ، فلا تتفاعلُ بها مع أيّ شيء. ولا شيء من المعلومات التي راكمتها يلامسُ قلبكَ أو ذاتكَ، وعليه فإنّ المعرفة التي لا تفعل فعل الكيمياء بداخلك هي أكثر خطورة من الجهل نفسه. عليك أن تدرك هذا جيّداً، وعليكَ أيضاً أن تعلم أنّ المعرفة الحقّة تتجلّى عبر الوصول إلى مستويات الكينونة العالية، فالأمر لا يتعلّقُ بمعرفة قصوى بقدر ما هو مرتبط بجوهر أعلى، والطريقة الحقّة هي أن تكونَ أكثرَ، لا أن تعرفَ أكثر. أقول هذا وقد حضر الآن بين عينيّ طيفُ الشّاعرة الأمريكية جيرترود شتاين، فتذكّرتُها حينما سألت الحاضرين حولها وهي في لحظات احتضارها الأخيرة فوق فراش الموت قائلة: “ما الجوابُ إذن؟”، قال أحد الأصدقاء مستغرباً الأمر: “إذا كنّا لا نعرفُ السّؤال، فكيف بوسعنا أن نُعطيكِ الجواب؟”، فتحت جيرترود عينيها للمرّة الأخيرة وعقّبت: “جيّد جدّاً، في هذه الحالة ماهو السّؤال إذن؟” ثمّ ماتت!

نهاية عجيبة، أليسَ كذلك أيّها القارئ العزيز؟ من يدري لربّما تكون أنتَ أيضاً مثل جيرترود ومثل العديد من النّاس في عجلةٍ من أمركَ وتُريد أن تعرف ما الجواب قبل أن تعرفَ ما السّؤال، وأنا أقول لكَ إنّه لا يوجد سؤال ولا جوابٌ حقّاً وحقيقةً، ولم أكُ لأقرأ كتب الفلسفة وأصَاحبَ الفلاسفة لأجد جواباً عن سؤال ما، لأنّه لا يوجد أحدٌ يعرفُ السؤال ولا الجواب، والكونُ الّذي هو مدرستي الإلهيّة علّمني أنّ ما يوجد حالياً هو فقط طريقة للعيش في فوضى العقل الّذي يضجُّ بالأسئلة وعشرات الملايين من الأجوبة التي تتناسل باستمرار أبديّ، أقول هذا وقد سطع في سمائي الفكريّة اسم جديد لعارف لم أكن أعرف عنه شيئاً مسبقاً، وأعني به د. عبد الجبّار الرّفاعي، قرأتُ حديثاً بعض كتبه سواء تلك ذات الطّابع الحوزويّ أو تلك التي انفتحت على الفكر والفلسفة الغربيّيْن، واطّلعتُ على بعض الأعداد من مجلّة “قضايا إسلاميّة معاصرة”، فخلصتُ إلى أنّ هذا الرّجل قد مرّ في حياته الفكريّة بمخاضات عدّة، وتحوّلات ذات قيمة معرفيّة هائلة من حيثُ أنّهُ استطاع من خلال دراسته للمعارف والعلوم الإسلامية أن يلاحظ أنّ بعض هذه العلوم لا سيما الحوزويّة منها بحاجة إلى غربلة عميقة مع إعادة لبنائها وتحديثها ثمّ تخريجها بأسلوب ولغة جديدين ينسجمان مع تحوّلات العصر سائراً في هذا على خطى المجدّدين الأوائل من قبيل الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء، والشيخ محمد رضا المظفّر، وكذا السّيد هبة الدين الشهرستاني، والإمام الشهيد محمد باقر الصدر. ولعلّه من باب التّجديد هذا وُلدت مجلّة: ” قضايا إسلامية”، ثم “قضايا إسلامية معاصرة”، والتي بها وبما طرحته من مواضيع تجديديّة وقضايا رائدة تعمّقت أكثر فأكثر تجربتُه ومسيرته الفكريّة، إلى أن بلغت الذّروة في كتابيْه (إنقاذ النّزعة الإنسانيّة في الدّين)،  و(الدّين والظّمأ الأنطلوجي)، وهما الإصداران اللّذان وجدتُ فيهما عبد الجبّار الرّفاعي وقد تجاوز مرحلة الفلسفة إلى ما بعد الفلسفة، أو ما أسمّيها بالمرحلة العرفانيّة التي لا تتحقّقُ إلّا بعد أن يتخلّص “الفيلسوف” من فوضى العقل، ليدخل إلى نظام الوعي الأعلى، أو إلى ما رمز إليه ابن عربيّ في ديوانه (ترجمان الأشواق) بوجه المحبوبة الأنثى المتألّهة “نظام”. وهو النّظام الجديد الّذي به تغيّرت كتابات د. عبد الجبّار الرّفاعي لتصبح مغموسة في مدادِ المحبّة، ولا أقول الحُبّ، إذ أنّ هناك فرق كبير بينهما، لأنّ الحبّ يقتضي الوقوع، والمحبّة تقتضي الصعود، وهذا ما يفسّرُ كيف أنّ معظم النّاس حينما يرغبون في التعبير عن حالة الحبّ التي يمرّون بها يقولون: “وقعتُ في الحبّ”، أمّا محبّ الحكمة أو العارف فيقول: “صعدتُ بالمحبّة”، وعليه فإنّ من يقع في الحبّ نائم حالم، ومن يصعد بالمحبّة عاشق مستيقظ بقلب واعٍ وعيون متّقدة. ولهذا فإنّي أعتقدُ أنّه لو كان د. عبد الجبّار حاضراً لحظات احتضار الشّاعرة جيرترود لقال لها وقد بلغ هذا المستوى العظيم من الحكمة التي بها حلّق إلى مرحلة ما بعد الفلسفة: “هذا ليس بالوقت المناسب لتشغلي بالك بالسّؤال والجواب، فلا وجود لهما أصلاً، ولتتذكّري أنّ الوجود صامتٌ كاملٌ مطلقٌ كما خلقه الوعي الأكبر، والحياة ليست فصلاً للفلسفة، أغمضي فقط عينيكِ بدون سؤال ولا جواب، تحوّلي الآن وموتي بصمتٍ، برحمة، بسلام ومحبّة، وعشق ووعي كبيريْن”!

وحده من اكتوى بأوار استبداد المعارف الرّسميّة وترويض المؤسسات التربوية للفكر على الطّاعة العمياء، يستطيع أن يُشَكّلَ ويخلقَ هذا النّوع الجديد من الفكر وهو يعلم بأنّه بقدر ما يكون الفردُ واعياً يكون حيّاً، لأنّ الوعيَ هو الفرق بين الحياة والموت، والإنسان ليس حيّاً لأنّه يتنفّس، وإنّما أنتَ حيّ أيها القارئ العزيز حينما تكون يقظاً، ولا أحد في هذا الوجود باستثناء اليقظين حيّ، الباقون هُم جثث تمشي، تتكلّمُ وتصنع الأشياء وتعيش، إنّهم الإنسانُ الآليُّ الجديد، وعبد الجبّار الرّفاعي بكتاباته الجديدة يدعوكَ إلى التحوّل من الإنسان الآليّ إلى الإنسان العاليّ بوعيه ويقظته، أقول هذا وقد اكتشفتُ أنّنا لسنا بعدُ إنساناً، نحن آلة وإن كانت هذه الحقيقة تزعج الكثيرين، لكن راقب نفسك ولو لبضع دقائق وستدرك للعمق أنّكَ تتصرّفُ كالآلة، إنّك آلة رائعة حقّاً كما قال العالمان؛ الروسي بافلوف، والأمريكي سكينر، وإني لأغفر لهما قولهما هذا لأنّهما لم يصادفا لليوم إنساناً كمحمّد، أو عيسى، أو حكيماً متصوّفاً عارفاً بالله  كجلال الدين الرّومي، وابن عربيّ والحلّاج، ولكنّهما صادفا الملايين من النّاس الّذين يشبهونك. لقد درس سكينر الإنسان والجرذان وخلص إلى أنّه لا يوجد فرق بينهما، الجرذان مخلوقات بسيطة والإنسان كائن أكثر تعقيداً، وعليه فالجرذان آلة بسيطة، في حين الإنسان آلة معقّدة لكنها رائعة جدّاً، ولهذا السّبب يدرس علماء النّفس الجرذان ويعمّمون نتائج دراساتهم على الإنسان، وهم على حقٍّ فيما يذهبون إليه إلى حدٍّ ما، فأين لسكينر أن يجد رجلاً متيقّظا واحداً، أيْ حكيما وعارفاً بالله في أمريكا كلّها، وكلّ ما يراه في الإنسان هو صورة مكبّرة عن الجرذان، مادام هذا الإنسان في حالة نوم عميقٍ. وهي الفكرة التي ذهب إليها أيضا سيغموند فرويد حينما قال إنّ الإنسان محكوم بحالة اللّاوعي التي تسيطر عليه بشكل كامل، وإنّ العقل الواعي عند الإنسان لا يمثّل سوى 10 % من مجمل العقل، وقد بلغ تلميذه يونغ شأناً عظيماً حينما اكتشف اللّاوعي الجماعيّ، وإني لأنتظرُ أن يظهر عالم آخر يكتشف شيئاً اسمه اللّاوعي الكونيّ، وما دام موجوداً فهذا يعني أنّ هناك أيضا شيء اسمه الوعي الكونيّ وهو الّذي تحدّث عنه مراراً وتكراراً العرفاء والأنبياء، ألم تسمع الحلّاج حينما قال: أنا الحقّ؟ إنه لم يكن يقصد أنّه هو الله بالمفهوم الغوغائيّ لدى عامة النّاس، وإنما كان يقصد إنه هو العقل الواعي الأعلى الكونيّ، وهو نوع الوعي الذي تحدّث عنه سري أوروبيندو بحيث جعلنا ندركُ أنّ الإنسان على الصّعيد الفكريّ هو أكبر حجماً بكثير من الصّورة السّلبية التي ترسّخت عنه طيلة عمره الوجودي فوق هذا الكوكب. وعبد الجبار الرّفاعي بكتاباته الجديدة يسعى هو أيضاً إلى إحياء هذا الوعي الأبديّ الّذي لا يموت، حتّى يصبح الإنسان قادراً على أن يراقب كلّ ما يقوم به، فيخرج من الحالة الآليّة إلى الوعي العاليّ، لأنّ من يراقبُ يستيقظُ، ومن يستيقظُ يحيا، ومن يحيا يُحبُّ، ومن يُحبّ يجد الله، أو سمّه إذا شئتَ الوعي الكونيّ الأعلى، هذه هي القمّة التي تستحقُّ أيّها الإنسان، فإذا لم تبلغها فأنت المسؤول، ولا أحد سواك، وتذكّر أنّه كما قال الرّفاعيّ في إحدى مقالاته الحديثة، وهو يتحدّث عن الحبّ بمعنى المحبّة: “عندما أنظر لأعماقِ النفس البشرية بمجهرِ علماء النفس، لا أرى في هذا الكائن ما يغويني بمحبته، وعندما أنظر لروح الإنسان ببصيرة العرفاء والمتصوفة أرى شيئًا من النور يغويني بمحبته. أدركتُ أن الطبيعة البشرية ملتقى الأضداد، فعملتُ منذ سنواتٍ طويلةٍ على ترويضِ نفسي على الحُبّ، كان هذا الترويضُ شديدًا شاقًا منهِكًا، ولم يكن سهلًا أبدًا. الترويضُ على الحُبّ هو الأشق، إلا أنه كان ومازال يطهرني من سموم الكراهية، وينجيني من أكثر شرور الأعداء… من يعجز عن إنتاجِ الحُبّ يعجزُ عن إنتاجِ معنىً للحياةِ، الحُبُّ أهمُّ منبعٍ لإنتاج المعنى في الحياة، مادام هناك إنسانٌ فإن حاجتَه لمعنىً لحياته تفوق كلَّ حاجة، الإنسانُ لا يستطيع العيشَ بسلامة نفسية من دون معنى لحياته، ولا معنى في الحياة أثرى وأجمل من الحبّ”!

أكاديميّة وروائية وناقدة ومترجمة مغربية مقيمة في إيطاليا.. [1]

 

رابط النشر