القيم الكونية نسبية في تطبيقاتها لا في ذاتها

 د. عبد الجبار الرفاعي

كان لمطالعاتي المتواصلةِ للكتاباتِ العقلانية النقدية أثرٌ ملموسٌ في إيقاظِ ذهني، وتحرّرِه من الأوهام المتضخمة. لن أنسى أثرَ أعمال علي الوردي وغيرِه من ذوي التفكير النقدي الحرّ في إيقاظِ ذهني، واستردادِ عقلي الذي استلبته أوهامٌ بضعةَ سنوات، لبثَ فيها تأسره مفاهيمُ لا صلةَ لها بحياتي ومعاشي، ولا علاقةَ لها بمشكلاتِ الناس وآلامِهم.كنت عاجزًا عن استبصار العوامل المختلفة المعقدة المكونة للواقع، أحسبُ الواقعَ المركب بسيطًا، أفهمُ ظواهرَ اجتماعية معقدة تنتجها سلسلةُ عوامل عميقة ظاهرة ومضمرة فهمًا ساذجًا، لا أعرف شيئًا عن التفسير العلمي للظواهر السائدة في المجتمع. كنتُ أعتقد أن الناسَ يتغيرون بالمواعظ فقط، أتقنتُ صناعةَ الكلام، من دون أن أعرف شيئًا من أسرارِ الطبيعة الإنسانية الدفينة. لم أكن أعرفُ أن إصلاحَ ظروفِ عيش الناس، وإعادةَ بناء وعيهم وثقافتهم، هو الذي يتكفل بتغييرهم.

حذّر الوردي ممن يريد أن يغيّر الناسَ بالكلام، من دون أن يعرف الطبيعةَ البشرية، ويدرس الظواهرَ الاجتماعية دراسةً علمية، تتعرّف على أسبابها ومكوناتها وآثارها، ويبحث في كيفية الخلاص منها. البشرُ لا يتغيرون بالكلام، وأن ما هو عميقٌ في الطبيعة البشرية لا يمكن استئصالُه؛ ذلك ما دعا الوردي للشكوى ممن يعمل بذلك بقوله: “ابتلينا في هذا البلد بطائفة من المفكرين الأفلاطونيين، الذين لا يجيدون إلا إعلان الويل والثبور على الإنسان لانحرافه عما يتخيلون من مُثل عليا، دون أن يقفوا لحظة ليتبينوا المقدار الذي يلائم الطبيعة البشرية من تلك المثل… إن الطبيعة البشرية لا يمكن إصلاحها بالوعظ المجرد وحده، فهي كغيرها من ظواهر الكون تجري حسب نواميس معينة، ولا يمكن التأثير في شيء قبل دراسة ما جبل عليه ذلك الشيء من صفات أصيلة… لقد جرى مفكرونا اليوم على أسلوب أسلافهم القدماء، لا فرق في ذلك بين من تثقف منهم بثقافة حديثة أو قديمة،كلهم تقريبًا يحاولون أن يغيّروا طبيعة الإنسان بالكلام. وكثيرًا ما نراهم بمواعظهم يطالبون الناس أن يغيروا من نفوسهم أشياء لا يمكن تغييرها، فهم بذلك يطلبون المستحيل. وقد أدى هذا بالناس إلى أن يعتادوا سماع المواعظ، من غير أن يعيروا لها أذنًا صاغية”[1].

الوردي يعلن انحيازَه للتطور، لذلك يتكرّر في كلِّ كتاباته التشديدُ على أن كلَّ شيء في العالم يتغير ويتطور، الإنسانُ كائن تفرض عليه بيئتُه ومحيطُه وظروفُه المعيشية نوعَ ثقافته وقيمَه وشكلَ تدينه، بناء على أن كلَّ عصر يمتلك معاييرَه الخاصة للمعرفة والقيم والجمال والزمن وغيرها.

حدث تحولٌ في رؤيةِ الوردي للعالَم ومنظورِه للقيم وفهمِه للحياة ووعيه للواقع عندما انخرط في الدراسات العليا في الولايات المتحدة الأمريكيَّة، وذلك ما قاده للقول بنسبيةِ الأخلاق، واختلاِفها باختلاف الثقافات والمجتمعات والعصور، كما يصرّح بقوله: “الأخلاق نسبية كما لا يخفى. فما يعدو في نظرهم بريئًا قد يعتبر عندنا فسقًا وفجورًا. وربما تنقلب الأحوال عندنا في المستقبل، فيصبح مقياسنا في شؤون الأخلاق مخالفًا لمقياسنا الحاضر. ولستُ أنكر أني قد ذُهِلْتُ حينما رأيتُ في جامعات الغرب ذلك الاختلاط العجيب بين الجنسين لأول مرة، واعتبرته من قبيل الإباحية والفسق، حيث كنت آنذاك لا أزال تحت تأثير التفكير الوعظي الذي نشأتُ فيه في بيئتي الشرقية المتزمتة”[2]. أبدى الوردي دهشتَه من الاختلاط لأحد أساتذته، فأجابه الأستاذ بقوله: “إننا إذا منعنا طلابنا وطالباتنا عن الاختلاط المكشوف لجؤوا إلى الاختلاط المستور بعيدًا عنا، في جو ملؤه الريبة والإغراء. إننا إذ نعترف بما في الطبيعة البشرية من قوى، ونهييء لها ما ينفّس عنها في جو من البراءة والطمأنينة، نكون بذلك قد وقينا الإنسان من مزالق الشطط ومغريات الخفاء”[3].

الأخلاق ليست كلها نسبية كما يرى الوردي، ما هو حسن بالذات وما هو قبيح بالذات يحكم بهما العقلُ العملي “الأخلاقي”. “الحُسن والقُبح” الذاتيان، مثل حُسن الصدق والعدل والأمانة، وقُبح الكذب والظلم والخيانة، حكم الحُسن أبدي لما هو حسن بالذات، وهكذا القُبح أبدي لما هو قبيح بالذات، لكن معرفة حدوده في الواقع وتطبيقاته، وما يصدق عليه في الحياة، ينكشف بالتدريج. اكتشافُ مصاديق ما هو حسن بالذات وما هو قبيح بالذات نسبيٌ، بمعنى أن الإنسانَ لا يدرك كلَّ المصاديق، إلا بعد نضجِ عقله، وتطورِ وعيه، وتراكمِ خبراته عبر التاريخ، وادراكه للحريات والحقوق المستحقة للإنسان بما هو إنسان. الحقيقة الأخلاقية تتكشف بالتدريج للإنسان بمختلف أبعادها وحدودها ومصاديقها، في ضوء اكتشافه لذاته، والعالَم من حوله، وتطور علومه ومعارفه المتنوعة، وتراكم خبراته وتجاربه وتنوعها.كلما اكتشف الإنسان ذاته والعالَم من حوله، تكشفت له حدود الأخلاق، واتضح ما هو نسبي متغير وأبدي ثابت فيها.

الحُسن والقُبح غيرُ الذاتيين، وأعني بهما كلَّ مالم يحكم العقلُ العملي بأنه حسنٌ وقبيحٌ بالذات. ما كان حُسنهما وقُبحهما لسبب ما خارجَ ذات الفعل، سببٌ يتحقّقُ في مجتمع وثقافة وزمان ما، في مثل هذه الحالة الحُسن والقُبح نسبيان، يزولان بزوال سببهما. ذلك ما نراه في مختلف العادات والتقاليد والأعراف والثقافات المحلية المتنوعة بتنوع المجتمعات، والمتغيرة بتغيّر ظروف الإنسان وأحواله.

الحُسن والقُبح الذاتيان النسبيُ فيهما هو التعرّف على المصاديق. معرفةٌ المصاديق تتأثر بدرجةِ التطور الحضاري وتكاملِ الوعي البشري بذات الإنسان والعالم، كما تتأثر بمختلف أنماط عيش الناس، والظروفِ الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية في حياتهم. يدرك الإنسانُ حُسنَ العدلِ بذاته في كل زمان ومكان.

العدلُ قيمةٌ أخلاقية وحقوقية تطور اكتشافُ مصاديقه بتطور وعي الإنسان بالكرامة والحرية والمساواة، لم يولد هذا الوعي مكتملًا مع أول إنسان عاش في الأرض. تفشَّت العبوديةُ ولم يصدر تشريعٌ بتحريم الرقِ، مع كل ما يتضمنه الرقُّ من هتك لكرامة الإنسان، إلا قبل أقل من قرنين. الكرامةُ والحرية والمساواة مفاهيمُ تطور اكتشافُ مصاديقها وتحقّقُها بالتدريج تبعًا لتطور الوعي البشري فيها، إلى أن وصلت إلى ما هي عليه في الميثاق العالمي لحقوق الإنسان.

الكرامةُ والحريةُ والمساواةُ كغيرها من القيم الإنسانية الكونية، لم يولد الوعيُ بمصاديقها دفعةً واحدة، بل تطلَّبَ وصولُ البشرية إلى وعيها بمعانيها المعروفة، والتعرّف على حدودها وتطبيقاتها عبورَ عدة محطات موجعة، وهي تقطع مسارًا طويلًا مريرًا شاقًّا مضمخًا بالدماء. تطلبَ ذلك طيُّ مراحل وعرة تطورت فيها عبر آلاف السنين،كي يتحقّق الوعي بحدودها وتتحقّق بشكل واسع في المجتمعات البشرية.كتاباتُ المفكرين والكتاب، وجهودُ المصلحين، وتضحياتُ الأحرار في العالَم؛كان أثرُها ملموسًا في تكامل الوعي بهذه القيم وتحقّقها بالتدريج في الحياة.

لم يُنظر لاسترقاق البشر على أنه ظلمٌ وانتهاك للكرمة البشرية إلى القرن التاسع عشر. أضحى اليوم يُنظر إليه بوصفه ظلمًا قبيحًا، وانتهاكًا سافرًا للكرامة البشرية.كان فلاسفةٌ مثل أفلاطون وأرسطو وغيرُهما من الفلاسفة لا يقبلون أن يكون كلُّ الناس بمرتبة واحدة في استحقاق الحقوق، رفضوا أن يكون الكلُّ في المرتبة ذاتها في نيل الحق بالكرامة والحرية والمساواة. يرى أرسطو أن العبيدَ طبيعتُهم البشرية العبودية، والأحرارُ طبيعتُهم البشرية الحرية، اليوناني والأوروبي حرٌّ لأن لديه روح، والآسيوي عبدٌ لأنه لا روح له. جعل أفلاطون في “الجمهورية” البشر طبقاتٍ ليست متكافئةً في المكانة والحقوق والوظيفة، إلى الحدّ الذي وصف فيه كارل بوبر أفلاطونَ، في كتابه: “المجتمع المفتوح وأعداؤه”، بأنه المنظّر للتوتاليتارية والملهم للشمولية. في العصر الحديث يرى ديفيد هيوم (1711 – 1776) الزنوج وكل إنسان غير أبيض أدنى بطبيعته البشرية من الإنسان الأبيض. هذا الرأي لهيوم، على الرغم من كل ما أنجزته آثار هذا الفيلسوف العقلانية. هذه نماذج فقط من مواقف فلاسفة معروفين، وشرعنتهم للاستعباد وعدم المساواة، وعدم رفضها أخلاقيًّا. وليست غريبة هذه المواقف على معاصريهم أو مَن سبقوهم أو ظهروا في عصور تالية، قبل القرن التاسع عشر.

 

[1] الوردي، علي، وعّاظ السلاطين، ص 5 – 6.

[2] الوردي، علي، وعّاظ السلاطين، لندن، دار كوفان، ص 9، ط 2، 1995، الهامش رقم (1).

[3] المصدر السابق، ص 9.

 

https://alsabaah.iq/84721-.html?fbclid=IwAR2P1aA55lEFaLr3a2UJHZJ18L3djw4m2ETzqcykSfIjMjwubkjwzfOBnSQ

مواجع الكتابة

د. عبد الجبار الرفاعي

يقول الجاحظ: “وينبغي لمن كتب كتابًا ألا يكتبه إلا على أنّ الناسَ كلهم له أعداء وكلهم عالم بالأمور وكلهم متفرغ له، ثم لا يرضى بذلك حتى يدع كتابه غُفلاً ولا يرضى بالرأي الفطير فإن لابتداء الكتاب فتنة وعُجبًا فإذا سكنت الطبيعة وهدأت الحركة وتراجعت الأخلاط وعادت النفس وافرة أعاد النظر فيه، فيتوقف عند فصوله توقّفَ من يكون وزن طمعه في السلامة أنقص من وزن خوفه من العيب”[1]. تردني بين حينٍ وآخر تعليقاتٌ لاذعة، لا تخلو من سخرية، يكتبها قراءٌ على هامش نصوصي. اتألم وأغضب مما يُقال أو يُكتب إن كان افتراء، لا أردّ على ما يكتب. هاتفني قبل سنوات صديقٌ فقال لي: عثرتُ على عددٍ من المجلة الفلانية صادر قبل ثلاثة أعوام، خصّص كلمةَ التحرير ضد افتتاحيتك في مجلة قضايا إسلامية معاصرة. قلتُ له: نعم أعلم، قرأتُه لحظةَ صدور المجلة، وقرأتُ افتتاحيةً بمجلة أخرى خصّصها كاتبُها للتحريض ضد قضايا إسلامية معاصرة، وتصلني على الدوام رسائل على الخاص تتضمن كلامًا جارحًا، من أشخاص يختفون خلف أسماء شبحية. اندهش، وهو الشجاع الذي خاض بكتاباته معارك مفتوحة، فتسائل مستنكرًا: ماذا فعلت؟ أجبتُه: لن أكتب حرفًا واحدًا، على أي اتهام وتحريض مغرِض. ازدادت دهشته وتسائل: لماذا؟ أجبتُه: لا أجد عقابًا أقسى من الإهمال لمن يخرج على أدب النقد العلمي ويسرف بالهجاء، وأقسى من الإهمال ألا تكترث بالاتهام والتحريض، وتواصل عملَك وتثابر عليه، ويتحدث المزيدُ من إنتاجك نيابة عنك للقراء. واصلتُ عملي وأخلصتُ له وثابرتُ عليه أشدّ من السابق، أعمالنا إن كانت ذاتَ قيمة تفرض حضورَها، ولم تحتج لمن يتحدث ويدافع عنها. تعلمتُ من تجارب غيري أن الزمانَ يتكفل بمحو كلِّ الاتهامات والافتراءات والازدراء، لن يبقى إلا المنجزُ إن كان قادرًا على البقاء.‏ لستُ أولَ أو آخر كاتب يتعرض للهجاء، كلُّ كتابةٍ مشغولة ببناء معرفة علمية تخرج على المعرفة العامية لن يهادنها مَن يدركون تأثيرها، ويهرول إليهم أبواقٌ ممَن لا يقرأون ولا يكتبون، يُستدرجون في معارك ليست معاركهم. المنجز النوعي مزودٌ بإمكانات ذاتية للدفاع ومقاومة أية ضربات موجِعة، وامتصاص آثارها ولو كانت جارحة. الكاتب الذي يترقب أن تمكثَ أعمالُه في الذاكرة عليه أن يستعدّ للاتهامات في زمانه من كتّاب حانقين يستفزهم إنتاجُه. الافتراءاتُ ضريبةٌ باهضةٌ يدفعها مَن يثابر على الكتابة المغايرة للمألوف شاء أم أبى. تصدر على الكتابة المغايرة للمألوف أقوالٌ تتضمن اتهاماتٍ وأحكامًا باطلة، لن تتوقف مثل هذه الشائعات مادمتَ تصغي لنداء عقلك، وتنفرد بصوتك الخاص. لو انشغلتَ بملاحقة الافتراءات يتوقف عملُك، ولن يكفَّ هؤلاء عن ملاحقتك مهما كتبتَ ونشرتَ لفضح أكاذيبهم.لا أتحدث عن النقد العلمي، الذي أتعلم منه، ويرشدني إلى شيءٍ من وهن كلماتي وثغرات أفكاري. أتحدث عن الذي يتهكم ويتكلم بسخرية مبتذلة، لا شك أنه يزعجني ويؤذيني، لكنه يعمل على ترويج ما أكتب. الكلامُ المتواصل عن أيِّ كاتبٍ وإن كان هجاءً يؤشر إلى قوةِ حضوره واشتدادِ تأثير كتاباته. يخرس هؤلاء عندما يفرض منجزُك حضورَه ولو بعد حين، وتتردّد أصداؤه لدى القراء الأذكياء، ويهتمّ به الخبراء.

‏لم يألف ذهنُ القارئ كتابةً تعتمد العقلَ مرجعية، ولا تنسى متطلبات الروح والقلب والعاطفة، ولا يعرف أن الكتابةَ العقلانية تتطلب الوعيَ بالاحتياجات العميقة المتنوعة الأخرى للإنسان بكليته. عقلُ الجمهور أقربُ لقبول الأضداد في كلّ ما يسمعه، يصعب عليه جدًا تصورُ حالة خارج الثنائيات المتعاندة. ذهنُ القارئ أُحاديٌ مبرمجٌ على النفي والإثبات، لا يرى شيئًا خارجها، مَن يرى العقلَ لا يرى القلبَ والعاطفة والخيال، مَن يرى القلب لا يرى العقل، وهكذا. في تطور الفكر البشري كلُّ فكرة لا تكرّر المألوفَ تحدث ضجةً لحظةَ اطلاع القراء عليها، وتتعرض للكثير من الهجاء والتهكم والازدراء. على مَن يعتنقها أو يكتبها أو يتحدث بها أن يدفع ضريبةً باهضة. بعد أن تصبح مألوفةً، يزعم بعضُهم أنه تبناها، ويدعي آخرون أنهم قالوا بها من قبل، وبعد زمن يمسي أتباعُها كثيرون، ومَن يرفضها يعدّ متخلفًا.

واحدةٌ من ضرائب الكتابة الموجعة أنها تضعك في مواجهة أقرب الأصدقاء ممن يظهرون أحيانًا مودةً مفتعلة، وتخلق لك نماذجَ من الأعداء، بعضهم شبحيون يتقنون فنونَ المراوغة والاختباء. أكثر الناس يفرحون بما يصيب غيرَهم من أذى، هذه طبيعة البشر لن نستطيع تبديلَها مهما فعلنا، وإن تظاهر كثيرٌ منهم مجاملةً بالاحتفاء بمنجزك. ما عدا الأبوين، وبعض الاخوان، وقليل جداً من الأقرباء والأصدقاء، فإن أكثرَ الناس بطبيعتهم يستفزّهم أيُّ مُنجَز يقدّمه غيرُهم، وتؤذيهم نجاحاتُهم، خاصة مَن يمتهنون مهنتَهم، ومَن هم أقرب إليهم.

بدأتْ ردودُ أفعالي حيالَ الشرِّ الأخلاقي الصادر عن الإنسان أخفّ وطأة، ‏منذ أدركتُ سببَ مثل هذا السلوك الذي كان يصدمني سابقًا. القراءةُ المزمنة المتأملة الصبورة، ومعاشرةُ الناس،كشفتْ لي شيئًا مما هو مختبئ داخل النفس الإنسانية، وأرتني ما يثير الذعرَ أحيانًا من صراعٍ للخير والشرّ في أعماق الإنسان.كنتُ أجهل تركيبَ الإنسان جهلًا تامًا، بعد دراسةِ الفلسفة ومواصلة مطالعةِ علوم النفس والمجتمع الحديثة، والعيشِ في بلدان ومجتمعات متنوعة، أمسيتُ أعرف شيئًا عن هذه الطبيعة المركبة الغاطسة.كانت حياتي توجعها أحيانًا كلماتٌ عنيفة أتجرعها بمرارة، ومواقفُ لئيمة يجرحني فيها صديقٌ أحسبه مخلصًا، ولم أدرك آنذاك أن مثل هذا الإنسان تتحكم في مواقفه غيرةٌ مضاعفة، وعقدٌ تربوية، وأمراضٌ أخلاقية مزمنة، تسوقه كرهًا للحطّ من أيِّ منجز لأيِّ إنسان قريب أو بعيد منه. رأيتُ بعضَ الناس كأنه مدرّبٌ على العنف اللفظي، محترفٌ لجرح القلوب بكلمات كسهام. ‏لفرط الحياء الموروث من بيئة القرية البريئة، وجهلي بنزعة الشرّ الأخلاقي العميقة داخل الإنسان،كنتُ سابقًا أبتلع كلماتِ أمثال هؤلاء كمن يبتلع السمّ وأصمت وهي تأكلني من الداخل.

أحاول إكراهَ نفسي على المواقف الأخلاقية مع هؤلاء، على الرغم من أن النفسَ تنفر بشدّةٍ ممن يواصل الإساءةَ إليها باستمرار، وهي تواصل الإحسانَ إليه. يحتاج الإنسانُ الإحسانَ لتكريس تربية الذات أخلاقيًا، مع أن ذلك شديدٌ على النفس. الإحسانُ إلى المُحسِن لا تسامي فيه، الإحسانُ إلى المسيء، والإصرارُ على العفو والغفران في التعامل معه، هو ما تسمو فيه الذاتُ وتتكامل.

بمشقةٍ بالغة، وبعدَ مخاضِ علاقات واسعة مع الناس المختلفين في أديانهم ومذاهبهم وهوياتهم، والعيشِ في مجتمعات متنوعة، تراكمتْ لدي خبراتٌ مكنتني من ممارسة أقل الطرق كلفةً لإدارة العلاقات الاجتماعية بالأخلاقيين والمزعجين. الأخلاقيون قليلون في الحياة، المزعجون تركوا جروحًا عميقة في داخلي، تجاوزتها بصعوبةٍ شديدة واستطعتُ أن أتعامل معهم بإحسانٍ ورفق، وتعلمتُ كيفيةَ العيش وإدارةَ العلاقات بأقلّ ما يمكن من وجع. يبتهج مَن يعيشُ الرحمةَ بوصفها حالةً يتذوقها، والإحسانَ بوصفه مواقفَ نبيلة تصنعها أرواحٌ تجيد التغافلَ والصمتَ وكتمانَ الغضب. الإنسانُ تسعده الرحمةُ ومواقفُ الرفق والإحسان، بغضِّ النظر عن شخصية مَن يرفق به ويرحمه ويحسن إليه. وجدتُ لهذا النمط من السمو الأخلاقي تأثيرًا سحريًا في بناءِ الضمير وإيقاظه، واكتشافِ أن الأخلاق تحمي الإنسانَ من طيش نفسه ونزقها، مثلما تحميه من شرورِ غيره. رأيتُ المواقفَ الشريرة تنقلب على فاعلها فتعاقبه.

تأتي آلامُنا الموجِعة غالبًا ممن نحسن إليهم وهم يسيئون إلينا، إثر التوهم بخيرية كلّ إنسان، والجهل الشامل بطبيعة البشر. تصير الحياة أكثرَ سكينة وأقلَّ ألمًا، حين نكتشف التركيبَ المعقد لشخصية كل إنسان وإن كان يبدو ذلك الإنسانُ لنا بسيطًا. شخصيةُ كلّ إنسان يتجاور فيها الخيرُ والشرّ، ويتغلّب فيها الشرُّ على الخير لحظةَ ينامُ الضميرُ الأخلاقي. شخصيةُ الإنسان الذكي أعمق وأشدّ تركيبًا من غيرها، العقلُ كلّما كان أعمق يكون أقدرَ على المكر وأكثرَ قدرة على حجب دوافعه وممارسة الأذى بمكر واحتيال، لا يحمي الناسَ من الإنسان الذكي إلا يقظةُ ضميره الأخلاقي. مازالتْ رحلتي في اكتشاف طبيعة الإنسان المذهلة مستمرّة، أعرف أن هذه الرحلةَ لن تصل مدياتِها القصوى حتى اليوم الأخير لحياتي.كلّما عرفتُ الإنسانَ أكثر عرفتُ اللهَ أكثر، وأدركتُ الحاجةَ الأبدية إليه مادمتُ حيًّا، وأدركتُ الحاجةَ لحضور القيم الأخلاقية السامية، والقوانين العادلة وضرورة التطبيق الصارم لها على الجميع مهما كانت مواقعُهم الطبقية ومقاماتُهم الاجتماعية.

اتخذتُ قرارًا منذ سنوات طويلة، كان اتخاذُه شديدًا على نفسي، أن أمزّق رسائل الأذى وكتابات الازدراء والهجاء الورقية لحظة تصلني، وأمحو كلَّ ما يزعجني من رسائل الكترونية.كلُّ شيء يمكن أن يورث كراهيةً أتخلص منه عاجلًا، كي أحمي قلبي وأطهّره من الضغائن، القلبُ حسّاسٌ جدًا تمرضه الضغائنُ والأحقاد. رسائل الكلام القبيح والافتراء وسوء الأدب أمزقها لئلا تمزّق قلبي. أتحدث عن ضرورة حماية القلب من الكراهية، لا أدعو هنا إلى محبةٍ جزافية غير واقعية، لا يطيق الإنسانُ محبة مَن يعتدي عليه ويطعنه ويغدر به مرات متوالية. يتمكن الإنسانُ من أن يتغاضى ويقطع صلتَه بمثل هؤلاء، غير أنه لا يطيق أن يحبّ شخصًا مؤذيًا يتمادى ويواصل الاعتداءَ عليه. لا يطيق ذلك إلا إن كان إنسانًا استثنائيًا أو قديسًا، وأنا لم أكن يومًا ما إنسانًا استثنائيًا أو قديسًا.

 

دار الكتب العلمية، بيروت.‌  الجاحظ، الحيوان، ج1: ص 60-61،[1]

الكتابة بوصفها امتحانًا للضمير الأخلاقي

د. عبد الجبار الرفاعي

‏   نشر شاعرٌ ستيني شهير في بغداد سيرةً بعنوان “شاعر في حياة: ذكريات وأطياف” سنة 2017[1] سبقتْ وفاتَه بخمس سنوات. انتمى هذا الشاعرُ لحزب البعث في فترةٍ مبكرة من حياته، ومنذ انقلاب 1968 عمل في مواقع مهمة بمؤسسات إعلامية وثقافية متنوعة، كان يتنقل من مؤسسة لأخرى، أصبح المديرَ العام لدائرة الشؤون الثقافية في وزارة الثقافة والإعلام، والمديرَ العام للإذاعة والتلفزيون، ورئيسَ تحرير جريدة الجمهورية، وجريدة الثورة، ومجلة ألف باء، ومجلة الأقلام، ومجلة المثقف العربي، وغير ذلك من مناصب. فضلا عن توظيفِ أدبه لمعارك صدام العبثية، مثل روايته الوحيدة: “الصعود إلى سيحان” سنة 1987، والاحتفاءِ بالحرب وتمجيدها. اشتهرت جريدتا الثورة والجمهورية ومجلة ألف باء بافتتاحياتها الغارقةِ في مديح البعث الصدامي، وصناعةِ أسطورة كائنٍ متوحش اسمه صدام حسين.

أتحدّث عن سامي مهدي السياسي، لا أتحدّث عنه كشاعرٍ مبدع وكاتب موهوب. حين أقرأ بعضَ شعره أرى فرادةَ صوته الشعري، وأتحسّس أصداءَ غربة الشاعر وصرخةَ لوعته، وشهيقَ ألم الروح المختنقة بوجودها وزفراتها، والشعورَ العميق بمنفى الذات التائهة في العالم.كأن الكلمات في شيءٍ من شعره لا يمكن أن تتسع لكلِّ ما تستبطنه الذات، وتعيشه كتجربة وجودية. التجربة من هذا النوع عصيةٌ على أن تتكشف كيفيتُها بأيّ جنسٍ من الكلمات. مواقفُه السياسية لا تشبه بعضَ قصائده، لم تكن مواقفُ كاتب “شاعر في حياة” السياسية استثناءً أو شاذة في العراق وغيره. فلاسفة كبار وكتّاب وشعراء من أمثاله تورطوا في الدفاع عن أنظمةٍ قمعية وحكام يضطهدون الأحرار. نذكر مثالًا واحدًا لهؤلاء أورده عبد الرحمن بدوي، وهو الفيلسوف الشهير فرانسيس بيكون “1561-1626” الذي كان (صديقًا حميمًا لايرل اسكس، وسعى هذا بقوة ومثابرة لتوفير منصب رفيع لبيكون، وكان ايرل اسكس مقربا الى الملكة، لكن الملكة رفضت تعيينه في المنصب… وعوّضه ايرل اسكس بأن منحه احدى ضياعه، لكن حدث بعد ذلك بسنوات قليلة أن فقد ايرل اسكس حظوته لدى الملكة اليصابت، واتُهم أسكس بالخيانة. أتدري بمن استعانت الملكة لتبرير الاتهام؟ ببيكون نفسه، ضد ولي نعمته وصديقه الحميم ايرل اسكس! لقد استدعت الملكة بيكون وطلبت منه اعداد صحيفة الاتهام ضد اسكس، فحاول بيكون في أول الأمر أن يعقد مصالحة بين الملكة واسكس لكن لم تفلح محاولته، وأطاع الملكة فيما أمرته به، بل اجتهد في تلمس الحجج وكيل الاتهامات لصديقه وولي نعمته، ولما قدم اسكس للمحاكمة تولى بيكون نفسه مهمة المدعي العام، وكان أعرف الناس بخبايا صديقه، فحكم على ايرل اسكس بالاعدام ونفذ الحكم)[2].

قرأتُ سيرة سامي مهدي من الغلاف إلى الغلاف بشغفٍ كعادتي في قراءة كتب المذكرات والسير الذاتية.كتب هذا الشاعرُ سيرتَه بصيغةٍ خارجة عن السياق الزمني الرتيب للأحداث، لم يتقَّيد بأزمنةٍ ولا أمكنةٍ ولا مراحل عمرية. جذبتني لغتُه في الكتابة البعيدة عن التكلّف والاعوجاج، كان نثرُه طريا كأنه حكواتي ينسج حكاياتِه بسردٍ سهل ممتنع، يتقن الإنشاءَ بشكلٍ يخلو من الصناعة والافتعال، يكتب بلغة الحياة اليومية، كما يكتب الشاعرُ الشهير تي. إس. إليوت. من منظورٍ شعري محض، كان سامي مهدي متفرّدًا في شيءٍ من قصائده، لغتُه المنسابة كموسيقى؛ صورُه الأخّاذة، وشحنةُ الشجن المرهف أيضًا، ولو استقام مع حياة المعاني الزاخرة لترك إرثًا، لا قيمةَ بعده لافتتاحيات صحف المجد الزائف، ولا لخطابات مديح الهباء. أغلبُ نماذج النوم على سرير السلطة، لم تقترب من الشعر. سماءُ الشعر زرقاء وأرضُه بلون الماء، وبين السماء والماء امتدت تجاربُ الشعراء من دون أن ترتكب مجزرةَ التدنيس بالدم. هذه وقائع الشعريين والشعوريين التي كانت ردمًا لا يخلطهم بذوي المواهب، ولكنّ شعريي وشعوريي السلطة الغاشمة المتأخرين أسقطوا حصانةَ الروح المرهفة بلا ندم. تحت تأثير المواقع المتقدّمة، تراجع سامي مهدي مُبكراً عن ضفة الحياد الشعري. لم يكن لموهبته الشعريّة حضورٌ يقلّل من تمادي سلطة صدام بالقتل والفتك، وفقدَ مع غبار الحروب آخرَ مَلَكات الحريّة تجاه صداقات الأدب والثقافة.

لا أنكر حماسي لقراءة كتاب “شاعر في حياة”، غير أن هذا الحماسَ بدأ يخبو كلّما توغلتُ في قراءة صفحات الكتاب إلى أن شعرتُ بخيبةٍ مريرة بعد الفراغ من مطالعته. أكملتُ قراءةَ الكتاب سريعًا، وشعرتُ أن الكاتبَ يستغفل القارئَ بعد أن أسقط من تاريخه الشخصي كلَّ شيءٍ يتصل بالانتماء لحزب حكم العراق سنوات مريرة، وتشبّثه بأيديولوجيا البعث الصدامي حتى آخر يومٍ في حياته، إذ كان حاضرًا بفاعليةٍ في مؤسسات السلطة الإعلامية والثقافية. اندهشتُ من عجزِ هذا الشاعر الذي ينتمي للحداثة الشعرية عن الاعترافِ بأيِّ خطأ في حياته الحزبية في صفوف البعث، وتجاهلِه أية جريمةٍ ارتكبها حزبُه في حكم العراق. حجب سامي مهدي من كتابه كلَّ شيءٍ له صلةٌ بذلك من قريب أو بعيد. “شاعر في حياة” نموذجٌ لشيزوفرينيا مارسها كتابٌ مشاهير التقتْ في نصوصهم الأضداد.كتابٌ يتلمس القارئُ الذكي فيه كيف تختفي النزعةُ الفاشية خلفَ قناع الحداثة الأدبية. استبدَّ بضمير هذا الشاعر الانتماءُ لأيديولوجيا البعث، وأفقده القدرةَ على ذكر أيّ شيءٍ ولو عابر من خطايا نظام البعث الصدامي بحقِّ الشعب العراقي. حاول الكاتبُ ممارسةَ خدعة تمويهٍ تخفي تاريخَه الحزبي عن أولئك الذين لا يعرفونه من قراء الجيل الجديد في العراق.كأنه لم يكن يعرفُ ولائمَ الذبح الصدامية لرفاقه، كمجزرة قاعة الخلد في 22 تموز 1979 بعد 6 أيام من رئاسته، ومجازرِ المواطنين الأحرار في العراق، ولم يكن شاهدًا ومسؤولًا ثقافيًا وإعلاميًا في محطاتٍ متنوعة من مسيرة حزب البعث ونظامه، ولا يرى شيئًا من مذابح صدام وفاشيته المتوحشة. لم يُصدر الشاعرُ كتابَه في زمن صدام كي نلتمس له العذر، أصدر الكتابَ بعد 15 سنة من سقوط نظامه، وبعد 12 سنة تقريبًا من إعدامه.

بعد احتلال صدام للكويت عقد اجتماعًا لكبار المسؤولين في الدولة، وكان (يدعو القوات المسلحة إلى عدم الانسحاب من الكويت بأي صورة: “حتى لو أتاكم كتابٌ موقعٌ من قبل صدام حسين يأمركم فيه بالانسحاب فلا تفعلوا”… رفع الشاعر سامي مهدي ذراعه طالبًا الإذن بالكلام، وأذن له الكائن الأدري الأعلى، صدام حسين. قال: “وماذا يا سيادة الرئيس لو أن الأعداء قاموا بترتيب تصويري كاذب لسيادتكم وأنتم تأمرون الجيش بالانسحاب!”)[3]. يتغنى سامي مهدي بصدام في قصيدة له بعنوان “ولصدام المحبة”، يقول فيها:

“حبنا هو هذا الكثير الكثير القليلُ

حينا السهلُ والصعب، والممكن المستحيل

هو أجمل ما عندنا

وهو أثمن ما عندنا

وهو ما أدخرته القلوبُ لصدام

منذ بدأنا الطريق الطويل”[4].

أيامُ الحصار المرير المفروض على الشعب العراقي يواصلُ سامي صناعةَ الاسطورة فيكتب افتتاحياتٍ لجريدة الثورة بعناوين، مثل: “القائد صدام حسين جدد شباب البعث”، للعدد 9233 بتاريخ 28-4-1997. أورد مؤلفُ “معجم كتاب وأدباء ومؤلفي أم المعارك الخالدة 1990-1998”[5] لسامي مهدي 258 مقالة في هذه السنوات[6]، أكثرُها افتتاحيات لجريدة الثورة يمجِّد فيها صدامَ ونظامَه وأم المعارك وحروبه الطائشة. يتجاهل سامي كلَّ جرائم صدام ومذابحه، ويغضّ النظرَ عن حماقتِه الشنيعة باحتلال الكويت، ومأساةِ الجيش العراقي الذي فرض عليه صدامُ البقاءَ في الكويت مهما كلَّفه ذلك، ثم دعاه لانسحابٍ مذلّ انتهى إلى مذابح مريعة بطائرات وصواريخ ومدرعات التحالف الدولي، بعد أن رفض كلَّ مبادرات الدول العربية وغيرها بالانسحاب السلمي، ويدفع الشعب العراقي اثنين وخمسين مليارًا وأربعمائة مليون دولار كتعويضات لحماقة احتلال صدام للكويت. وكان “آخر منصب شغله هو رئاسة مؤسسة الثورة للإعلام، وعندما أسقط الجنود الأمريكيون تمثاَل صدام حسين يومَ الأربعاء الموافق 9 نيسان/ إبريل، كانت افتتاحيةُ الجريدة الناطقة باسم حزب البعث الحاكم، التي صدرتْ فجر يوم الثلاثاء 8 إبريل، تحمل توقيعَ سامي مهدي”[7].

في شهادته حول شعراء الستينات و”نقد البيان الشعري” يصوّر الشاعر عبد الكريم كاصد موقفًا مثيرًا لسامي مهدي، حين كان ومجموعة من أصدقائه في جلسة مرح وابتهاج، استفزه ذلك وهو يجلس قربهم، يكتب كاصد: (سامي مهدي أغاظه ما رآه من فسحة فرح منحتها لنا سلطته الجادة الدموية المتجهمة، لأنّ مكاننا الحقيقي هو السجن، أو المنفى، “وهذا ما تحقق فيما بعد بأسوأ مما قبل”، وليس موائد الفرح: فجأةً بحركة همجية شرسة مباغتة قطع ضحكنا بعرض ساعته ليرينا أياها معلنًا: إنها ساعة سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي سلام عادل الذي عُذِّب تعذيبًا وحشيًا لا سابقة له. قال له الصديق الراحل جعفر موسى هذا يعني أنك كنت تمارس دور الجلاد معه. أجابه: كنت حاضرًا التعذيب ولم أمارسه. رد عليه جعفر بل مارسته. ليلة ليلاء لا تُنسى، وجلسة عرس ارتدت حدادها منذ اللحظة الأولى… الجلاد الذي مرّ ذكره، والذي قدم عذرًا أسوأ من فعلته، وهو حضوره ليشهد الصلب أو التصليب أو المذبحة، أو سمّها ما شئت: إنسان معلّق بمروحة سملوا حتى عينيه، فلم يقو حتى على الأنين. كيف لشاعر أن يستمرئ رؤية مثل هذا المشهد المريع! ولم يكتف بما فعله أو رآه باعتباره فرجة دموية نادرة، وإن تكررت في أقبيتهم، بل وفي المنازل والشوارع والساحات. لا لم يكتف حتى بتذكره. إنه يستدعيه ويستعيده ملتذًا، علنًا أمام الجميع، في أي مناسبة تسنح له ملوحًا بساعته، مفتخرًا رغم مرور السنوات التي تبدو أنها مرت بالنسبة إليه سراعًا، وكأنها ساعاتٌ تلوّنتْ بالنصر، واستعادة النصر ثانيةً، وثالثةً، وهكذا هم بالفعل)[8].

التماهي مع آلة الفتك والتدمير، أسكر سامي، الشاعر، فلم يتخفّف من أردية الدم الحمراء حتى الرمق الأخير من حياته، ولو من أجل الشعر نفسه. لا أظن سامي، الإنسانَ الشعريّ، سيخلف سامي السياسي، مهما كان تأريخ الفرادات نديًّا. هذه هي الخسارةُ المرئية والثابتة، خسارةُ الأدب والثقافة والإلهامات. حسناتُ سامي مهدي الشعريّة، سيئاتُ سامي مهدي الشعوريّة؛ حسناتُ وسيئاتُ كلِّ أحدٍ وكلِّ نظامٍ سياسي، لن تنفي، لاحقًا، أن سامي عاش سنوات عديدة ومديدة حرًّا وطليقًا لدرجة لا تُصدق بعد سقوط صدام، تحت ظلال التغيير السياسي الذي جرف نظامَه الديكتاتوري. لكنه، مرّة أخرى، لم يكن يرى حتى هذا الفارقَ المبسّط.

عندما فرغتُ من مطالعة كتاب “شاعر في حياة” فكرت بكتابة مقالٍ عن كيف يموت الضمير الأخلاقي للأديب والمثقف، وكيف يعجز عن الاعتراف والاعتذار لشعبه، وكيف يتجاهل هو وشعراءُ ومثقفون، ممن انخرطوا طوعيًا في جوقة المهرّجين لصدام ونظامه، مأساةَ المقابر الجماعية ومسالخَ البعث الصدامي. منعتني من الكتابة شيخوخةُ الرجل، ووهنُ جسده، ومرضُه، رأيتُ الإجهازَ على جريحٍ عاجز ليس من شيم الكرام. لم يعد هناك ما يمنعني اليوم من التحدّث عنه، بوصفه نموذجًا لموت الضمير الأخلاقي لعددٍ من شعراء وأدباء مازالوا يحضرون بقوةٍ في حياتنا الثقافية، ولم نقرأ اعتذارًا شجاعًا ولو بكلمةٍ واحدة من أحدٍ منهم للشعب العراقي. هذا النموذج معروضٌ للبيع في كلِّ العهود، هناك دائمًا من يقوم بمثل هذا الدور في خدمة كلِّ نظامٍ مستبدٍّ في بلادنا وغيرها، لا يصحو ضميرُ هؤلاء إلى آخر يومٍ في حياتهم. سألتُ عددًا من شعراء وأدباء وكتّاب معروفين، ممن مكثوا في العراق أيام الحروب والحصار ولم يغادروا الوطن، عن نشرِ الشعر في مديحِ صدام وتمجيدِ حروبه، والتزلفِ له ولحزبه في الكتابة، فشدّد الكلُّ على أن هؤلاء كانوا متطوعين، يطمعون بما يعطيه صدام لهم، ويتملقون له ولزبانيته. شعراء وأدباء وكتّاب كبار صمتوا، ولم يكتبوا جملةً واحدة تملقًا أو طمعًا بمال كلِّ تلك الأيام.

سجالات جيل الستينات، أو سلوكياتُ التناحر الجدليّ بين اليسار الشيوعي واليمين القومي، تركتْ آثارًا عميقة على الروح الشعريّة العراقيّة. هذه الآثارُ ستظهر بأوجه عديدة ومتناقضة جدًا. لكن يغلب على جيلها كلّه نزعةُ تمرّد، غالبًا ما أخرجتْ عددًا مذهلًا إلى فضاء المراجعة والتغيير، الذين وُلدوا بلا هذه النزعة انتزعوا، من جانبهم، آخرَ ورقة توت من مواهبهم المبكرة.

الكتابةُ ضربٌ من امتحان الضمير الأخلاقي للكاتب، أسوأ خياناتِ الكاتب خيانةُ دماء شعبه، والتبَجَح بـ “ما ادخرته القلوبُ” من محبة لزعيم متوحش سفّاح كصدام.كما تتطلب الكتابةُ عقلًا يقظًا تتطلب أيضًا ضميرًا أخلاقيًا يقظًا، بعض الكتاب يحاولون خداعَ القراء عندما يكتبون مغالطاتٍ ومراوغاتٍ وتمويهات مفضوحة. ‏ليس المهم أن تكون موهوبًا وحاذقًا ومتعلمًا تعليمًا جيدًا فقط، المهم أيضًا أن تمتلك وعيًا بالعالم من حولك، وتكون حكيمًا، وتمتلك ضميرًا أخلاقيًا يقظًا يحضر بفاعليةٍ حين تكتب.

[1] يكتب سامي مهدي: “وهذا الكتاب ليس سيرة ذاتية، ولا سيرة أدبية، بل ذكريات على هامش السيرتين، وقبسات منهما، طغى فيهما الأدبي على غيره. ويتألف الكتاب من قسمين: الأول يتعلق بذكرياتي الأدبية المتعلقة بشخصي، والثاني يتعلق بأدباء وفنانين كانت لي ذكريات ومواقف معهم، ويكمل القسمان أحدهما الآخر ويضيئه، في ما أظن”.

[2] موسوعة الفلسفة ج1: ص 393.

[3] حيدر المحسن، جنازة سرية لشاعر، جريدة القدس العربي، الصادرة في 11 سبتمبر 2022.

 

[4] سامي مهدي، بريد القارات، ص 129، 1989، دار الشؤون الثقافية، بغداد.

[5] هذا المعجم يتضمن استقراءً واسعًا لمن كتب بتمجيدِ صدام وجرائمِه وحروبِه العبثية.

[6] عدنان رشيد الجبوري، معجم كتاب وأدباء ومؤلفي أم المعارك الخالدة 1990-1998، ج3: ص 719-740، 2000، دار الكتب والوثائق، وزارة الثقافة والاعلام، بغداد.

[7] حيدر المحسن، جنازة سرية لشاعر، جريدة القدس العربي، الصادرة في 11 سبتمبر 2022.

[8]  عبد الكريم كاصد، رهان الستينات: نقد البيان الشعري، ص 40-42، 2022، الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، بغداد.

 

 

رابط النشر: