في شراك الأيديولوجيا.. أزمة الهوية الوطنية في فكر عبد الجبار الرفاعي
فاطمة أبو ناجي، كاتبة صحفية مغربية.
تعيش الهوية الوطنية في العراق مأزقاً مركّباً، إذ لم تعد رابطة الانتماء إلى الأرض والمصير المشترك قادرة على الصمود أمام الولاءات الأيديولوجية التي تمزّق النسيج الوطني. هذه الإشكالية يتتبعها عبد الجبار الرفاعي في كتابه الجديد: “الهوية الوطنية في شِراك الأيديولوجيا”، الصادر حديثاً عن دار الرافدين، بوصفها أزمة وعي قبل أن تكون أزمة سياسة، إذ يرى أن اختلال ترتيب الولاءات؛ حين تتقدّم الطائفة أو العقيدة على الوطن، هو ما أنتج هشاشة الدولة الحديثة، وأفقد المواطن قدرته على تعريف ذاته في فضاء عام يتّسع للجميع.
يستعيد الرفاعي مفهوم الهوية الوطنية بمعناه المدني الحديث، فيعرّفها بأنها كيان جامع يقوم على الذاكرة المشتركة، والثقافة المتراكمة، والرموز التي توحّد أبناء البلد؛ وهي اللغة والأدب والفنون والمناسبات والأمكنة والرموز المؤسسة، وكل ما يعيد وصل الحاضر بجذور التاريخ. وهي هوية تتسع لمختلف المكونات الدينية والقومية والمذهبية، ولا تُبنى على الإلغاء أو الاصطفاء، وإنما على المواطنة الدستورية التي تُعلي من قيمة الإنسان بما هو إنسان، وتُخضع الجميع للقانون وتكفل العدالة في الحقوق والفرص، على نحو ما صاغه جون رولز في مفهوم “العدالة بإنصاف”.
في مقابل ذلك، يضع الرفاعي الهوية الأيديولوجية العقائدية تحت مجهر النقد، بوصفها هوية مغلقة تُقصي الآخر وتستبدل الوطن بالجماعة. فحين يتحوّل الدين أو القومية أو المذهب إلى أيديولوجيا، يصبح الانتماء السياسي انعكاساً للعقيدة، لا للأرض أو المصلحة المشتركة. هذه الهوية، كما يرى الرفاعي، تُنتج وعياً زائفاً بالانتماء، وتشيّد ولاءات موازية للدولة، فيتراجع مفهوم المواطنة أمام العصبية، ويغدو الوطن مجرد مساحة تُستغل لترسيخ سلطة الجماعة.
ويعود الكتاب إلى الجذور التاريخية لهذه الأزمة، فيحلّل الدور الرمزي الذي أدّته الخلافة الإسلامية في تشكيل الوعي السياسي، إذ لم تكن مجرد نظام حكم، بل منظومة رمزية استقرت في اللاشعور الجمعي للمسلمين، فغذّت الخيال السياسي بوهم وحدة تتجاوز حدود الجغرافيا. بعد سقوط الدولة العثمانية، تحوّل فقدان الخلافة إلى جرح نرجسي عميق، أنجب حركات الإسلام السياسي التي جعلت الحكم ركناً من أركان الدين، كما فعل حسن البنّا في تأسيس جماعة الإخوان المسلمين. يرى الرفاعي أن هذا الانزياح من الدين الروحي إلى الدين المؤدلج كان أحد أخطر تحولات الوعي السياسي.
ويتوقف الكتاب عند اضطراب سلّم الانتماءات في التجارب الحديثة، من الشيوعية والقومية إلى الإسلام السياسي، حيث كان الولاء للأيديولوجيا يتقدم على الولاء للوطن. فالمنتمي إلى الحزب الشيوعي كان يوالِي الاتحاد السوفييتي أكثر من بلده، والقومي العربي كان يرى في العروبة السياسية وطناً بديلاً، والإسلامي يجد في الأمة العقائدية بديلاً عن الدولة الوطنية. تلك الاختلالات عمّقت الانقسام وأضعفت فكرة الدولة بوصفها كياناً سياسياً جامعاً للمواطنين جميعاً.
وفي مواجهة هذا الارتباك، يدعو الرفاعي إلى إعادة ترتيب الوعي الوطني وفق تسلسل قيمي واضح: العراقي أولاً، ثم العربي أو الكردي أو التركماني، ثم المسلم أو المسيحي، ثم الانتماء المذهبي. بهذا التدرّج وحده يمكن استعادة الوطن بوصفه الإطار الذي يحتوي التنوّع ويحميه، بعيداً عن كونه ميداناً لصراع الهويات الفرعية.

مقدمة كتاب الهوية في شِراك الأيديولوجيا[1]

د. عبد الجبار الرفاعي

منذ عودتي إلى وطني العراق قبل عشرين عامًا، بعد سنوات طويلة عشتها في المنفى، متنقلًا بين أكثر من بلد، صدمتني اضطرابات الهوية السياسية لدى عدد كبير من المواطنين. تلاشت الهوية الوطنية أو ضعف حضورها، وحلت محلها هويات طائفية وعرقية، استحوذت على المشهد السياسي والاجتماعي والديني وحتى الثقافي، وفرضت خطابها في الحياة العامة. عندما كنت أتابع أحاديث الزعماء السياسيين في الفضائيات، قليلًا ما كنت أسمع مَن يذكر العراق بوصفه الوطن الجامع. كان كثير من حديثهم يتمحور حول استعادة حقوق تاريخية مهدورة لجماعتهم، ويطالب بتسويتها اليوم، من غير اهتمام بما يهدد كيان الدولة، ويفكك رابطة العيش المشترك في المجتمع الواحد.

في الأحاديث اليومية للمواطنين، قلما كنت أسمع اسم “العراق” يتردد، وكأن الوطن غائب عن الوعي العام. أسماء المواليد من الإناث والذكور لم تكن تعبّر عن انتماء لحضارات وادي الرافدين، ولا تشير إلى رموزها وأعلامها ومعالمها وميراثها الحضاري والثقافي الثمين. بدا حضور العراق في الصحافة والإعلام ووسائل التواصل والفضائيات والإذاعات باهتًا، لا يعكس ما يفترض أن يمثله من رمز للهوية والانتماء. في الشعر القديم والحديث، وفي الأمثال والشعر الشعبي، لا يحضر العراق بما يكفي بوصفه الوطن الذي تلتقي فيه مصالح الجميع، وتتوحد فيه مصائرهم، ويتجاوز حدود الطائفة والقومية. عشت في بلدان يعتز أهلها كثيرًا بهويتهم الوطنية، أتأمل كيف صارت هويات أوطانهم أوعية ينصهر فيها تنوع الديانات والمذاهب والثقافات المحلية والعالمية، وكيف تغلبت تلك الهويات على الانغلاق، وتشكلت من تراكم الذاكرة المشتركة، وخبرات العيش معًا، والاعتزاز برموز الوطن وميراثه.

في وطننا، أضحت الكتابة والحديث باسم العراق، والمناداة بضرورة تجذير الهوية الوطنية وترسيخها في ضمير المواطن أمرًا غير مألوف لدى كثيرين، بعد أن جرى نسيان الوطن، وانشغل أغلب المواطنين بهوياتهم الطائفية والقومية. ربما ينظر بعضهم إلى الكاتب المهموم بترسيخ مفهوم الوطن والمواطنة، ويكتب عن الهوية الوطنية، بأنه يمارس نوعًا من رفاهية الكتابة، لأنها كتابة لا حاجة لها هذا اليوم، وعديمة الجدوى في نظره. ويشكك بعض آخر في دوافع هذا الكاتب، ويحسب أن الكاتب المهموم بالهوية الوطنية والمواطنة يرمي إلى صرف أنظار الناس عن هموم طائفتهم وقوميتهم.

ما تعانيه الهوية الوطنية من ضمور وتراجع وتهميش، يمثل إحدى أخطر أزماتنا السياسية والاجتماعية والثقافية. أتمنى أن يتناول هذه الظاهرة باحثون متخصصون، ويكرس طلاب الدراسات العليا اطروحاتهم ورسائلهم الدكتوراه والماجستير، لدراسة العوامل التاريخية السياسية والاجتماعية والثقافية والطائفية، التي أسهمت في تآكل الهوية الوطنية، وتفتيت بنيتها الرمزية، وأعاقت تشكل نسيجها التاريخي. لا أعلم على وجه الدقة إن كانت دراسات أكاديمية كافية قد تناولت هذه المسألة، لكنني أرى أن دراستها اليوم ضرورة قصوى، ينبغي أن تتعدد فيها المقاربات، من منظورات اجتماعية وأنثروبولوجية ونفسية وسياسية ولسانية، ومن غيرها من العلوم الإنسانية، بوصفها مسألة مصيرية لا يمكن تأجيلها أو التنكر لها.

نحن بحاجة ماسة إلى غرس الهوية الوطنية في الضمير السياسي، وتغذية حضورها النفسي والعاطفي والثقافي للأبناء وتنميتها، وتمكينهم من عبور مضايق هويات الآباء، التي ما زالت تلهيهم بهويات أيديولوجية مستعارة من الأمس، أو بهويات طائفية وعرقية لا تكترث بالهوية الوطنية، التي تفجرت عقدها المكبوتة عبر عقود طويلة، خدمةً لمصالح جماعات وزعامات تتصارع على السلطة والثروة، أو لتحقيق مكاسب لبلدان أخرى ترى في تآكل هوية العراق وتناحر مكوناته، ضمانًا لهشاشة الدولة، واستمرار التبعية.

الانتماء إلى العراق شرف وطني، العراق وطن جدير بنا جميعًا، وكل واحد من أبنائه ينبغي أن يعتز بالانتماء إليه. مَن يقرأ مكاسب الحضارات التي ولدت على أرض الرافدين، سواء في العصور القديمة أو العصر الإسلامي، يقف أمام ميراث زاخر بالمنجزات الاستثنائية التي انفردت بها هذه الأرض. على العراقي أن يفتخر بميراث إسلامي عريق، امتدت جذوره قرونًا طويلة في الكوفة والبصرة وبغداد، وما زالت بعض عناصر هذا الميراث حية، ننصت لصداها في المجتمعات الإسلامية، في علوم الدين، واللغة، والشعر والأدب، والفنون، والفلسفة، والتصوف. لولا ذلك الميراث، لما تراكمت في حضارة الإسلام كنوز معارفها وعلومها وآدابها وفنونها وقيمها، التي ازدهرت في القرن الرابع الهجري، وخلدت مكاسب هذه الحضارة في مواطن مجتمعات عالم الإسلام المتنوعة. وقبل حضارة الإسلام، أنجبت أرض الرافدين سلسلة حضارات عظيمة في سومر وأكد وبابل وآشور، وأورثت للبشرية منجزات رائدة، ما زال العالم بأسره مدينًا لها، مثل اكتشاف الكتابة، واختراع العجلة، وتدوين القانون، وتنظيم الري، والتخطيط الحضري، وفن العمارة، والرياضيات، والفلك، والقيثارة، والشعر، والملحمة، وسواها من اكتشافات واختراعات وإبداعات شكلت منعطفات حاسمة في مسار التطور الحضاري على الكرة الأرضية. أرض الرافدين تتميز بحيوية وخصوبة حضارية مدهشة، فعلى الرغم من تعاقب الاحتلالات الجائرة عليها، غير أنها كانت وما زالت تعاند سحقها والفتك بها، وتقاوم استنزاف إنسانها، وتعاند تدمير ميراثها.

لا يعني هذا الكلام التنكر للهويات الفرعية في المجتمع، تعدد الهويات وتنوعها منبع غزير للثراء والحيوية المجتمعية الخلاقة. أشرت في موارد متعددة من هذا الكتاب إلى أن بعض الهويات والانتماءات تبدأ تتوالد بعد ولادة الإنسان مباشرة، مثل وراثته لديانة آبائه ومجتمعه ومذهبهم ولغتهم وثقافتهم، وهذه الهويات تنمو وتترسخ في البيئة التي ينشأ فيها. في دولة المواطنة الحديثة يعد التنوع الهوياتي مصدر قوة لا ضعف، لكن ذلك يتطلب معادلة تبتني على جعل الهوية الوطنية إطارًا جامعًا، تتفرع منه الهويات القومية والدينية والمذهبية، من دون أن تطغى عليه. انقلاب هذه المعادلة، بتقديم المذهب أو الديانة أو القومية على الوطن، يجهض الوحدة المجتمعية، ولا يرسي أساسًا متينًا للعيش المشترك، ويعيق إقامة دولة حديثة. الهوية الوطنية أساس سياسي رحب يتسع للتنوع ويعترف بحق المواطن في أن يكون مختلفًا، فيصبح المجتمع نسقًا متكاملًا يحول التنوع إلى مصدر غنى وقوة.

لا يتحقق معنى الوطن والمواطنة إلا إذا تحقق معنى المواطن، الذي له الحقوق ذاتها الممنوحة لكل مواطن، كما عليه المسؤوليات ذاتها المفروضة على كل مواطن. أما لو فرضت عليه تلك المسؤوليات، ولم يمتلك الحقوق الممنوحة لبعض فئات المواطنين، وجرى انتزاع حقوقه التي تمنح له بوصفه مواطنًا، وحرمانه منها، لأنه ينتمي إلى دين، أو معتقد، أو مذهب، أو قومية، أو طبقة، ينظر إلى مقامها على أنها أدنى من غيرها من الشركاء في الوطن، فلا يتحقق معنى المواطن، ولا معنى المواطنة، ولا معنى الوطن.

حين يكون النصاب هو الهوية الوطنية، تصبح هذه الهوية ضامنًا للعيش المشترك، وشرطًا للتعايش السلمي، لأن الوطن هو المشترك الذي يحتضن الجميع، وتلتقي فيه مصالحهم، وتتعانق مصائرهم، وتتحقق فيه المساواة من دون امتياز ديني أو مذهبي أو عرقي. أما إذا كان النصاب عرقيًا أو مذهبيًا أو دينيًا، فإن ذلك يفضي إلى تمزق النسيج الاجتماعي، ويشعل التنازع على المصالح والمواقع، ويغدو بابًا لانتهاك حقوق مَن لا يشارك الجماعة الغالبة في مذهبها أو دينها أو قوميتها. آنذاك، لا يكون الوطن وطنًا للجميع، بل يتحول إلى غنيمة يتقاسمها المنتصرون، ويستبعد منها غيرهم من أبنائه.

ما كنت أفكر بتأليف هذا الكتاب قبل سنوات، لولا شعوري العميق بمتاهة الهوية الوطنية، التي لبث فيها جيلنا وجيل آبائنا عشرات السنين، مسجونًا في أيديولوجيات تغويه بالولاء لبلدان أخرى، وتنسيه وطنه. رهاني اليوم على الجيل الجديد، الذي أقرأ في ضوء عيونه الشغف بالتحرر من الانتماء لغير أرض العراق. أتطلع إلى أن يتحرر الأبناء من شِراك الهويات الأيديولوجية، ويتجذر الانتماء للوطن في وعيهم السياسي، ويتضامن معهم الآباء، على مبايعة الوطن تحت شعار: الولاء للعراق أولًا، قبل الولاء لأي انتماء آخر، كما تفعل كل المجتمعات التي تعتز بانتمائها لأوطانها، وترى فيه الحصن الأول لكرامتها، وسلامها، ومستقبل أبنائها. الدولة الوطنية هي النصاب الجامع الذي يحمي المواطنين بهوياتهم الفرعية المختلفة، ويكفل حقوقهم وحرياتهم. المواطنة تفرض على الجميع الولاء لهذه الدولة دون سواها، المواطنة هي الضامن لحقوقهم وحرياتهم، على أن تمارس هذه الحقوق والحريات في إطار القانون والعدالة والمساواة، وبما يحفظ الكرامة الإنسانية للجميع.

أوصي الأبناء من الجيل الجديد: افتخروا بوطنكم العراق، فهو بلد جريح لكنه حي، مثقل بالمآسي لكنه لا ينكسر، تتعثر خطاه لكنه لا يتخلى عن أحلامه. العراق ليس مجرد أرض نعيش فوقها، بل كيان يسكن فينا كما نسكنه. إنه ذاكرة حية لبداية التاريخ المدون للبشر، ومهد لحضارات كانت منطلقًا لصناعة أعياد التاريخ البشري. الانتماء إلى العراق لا ينبغي أن يكون شعارًا، بل شعورًا يتغلغل في الضمير، ويبعث في النفس العزم على الوفاء له، مهما اشتدت العواصف وتوالت المحن.

فككوا بين العراق الوطن، والأنظمة والحكام الذين تعاقبوا على حكمه، لا تخلطوا في وعيكم بين الانتماء للعراق بوصفه وطنًا لن يموت، وبين ما مارسته الأنظمة السياسية من استبداد وفساد، منذ تأسيس الدولة الحديثة سنة 1921. الأنظمة متغيرة عابرة، والحكام يتبدلون، لا أحد منهم يختزل العراق، أو يلغي هويته، أو يجسد عمق تاريخه، أو يمثل حضارته الضاربة في القدم. العراق أسبق من كل نظام، وأبقى من كل حاكم، وأرسخ من كل سلطة لا تصدر عن إرادة العراقيين، ولا تتجذر في شعورهم الوطني.

جيلكم هو أمل هذه البلاد، أنتم مَن يعول عليه العراق لينهض مجددًا، وتعاد له مكانته التي يستحقها في العالم. افتخروا بأنكم تنتمون إلى أرض ولدت فيها الكتابة، وصيغت فيها أول مدونة قانونية، وانبثقت فيها أحلام الإنسان بالعدل والحق والسلام، وتأسست فيها دولة المدينة، ثم الدولة، والامبراطورية الأكدية، وأنجز إنسان هذه الأرض أول ملحمة دونت أسئلته الكبرى حول معنى الحياة والوجود وحقيقة الخلود، وكان العراق منطلقًا للحضارة الإسلامية، ومركزًا لإشعاعها العلمي والفلسفي والأدبي والديني قرونًا عديدة.

[1] مقدمة كتاب: “الهوية في شِراك الأيديولوجيا”، يصدر قريبًا عن: مركز دراسات فلسفة الدين ببغداد، ودار الرافدين ببيروت.

 

الهوية الوطنية في شِراك الأيديولوجيا

د. عبد الجبار الرفاعي

الهوية الوطنية بمعنى، والهوية الأيديولوجية العقائدية بمعنى آخر. نصابُ الهوية الوطنية الانتماءُ إلى رقعة جغرافية، ومصير واحد، ومصالح يلتقي فيها الكل، وتاريخ مشترك، وذاكرة جمعية، تتجسد في ثقافة جامعة، ورموز مشتركة، بغض النظر عن الاختلافات الدينية والمذهبية والقومية. تتمثل ملامح الثقافة المشتركة والرموز الجامعة في ما تراكم في العقل الجمعي من سردية تستحضر منعطفات نشأة الوطن، وتؤرخ لتحولاته، وتعيد وصل حاضره بجذوره الممتدة في الزمن.كما تتجلى في الشخصيات المؤسسة، وكل شخصية استثنائية تركت بصمة مضيئة في مسيرة الوطن، وأسهمت في بناء كيانه السياسي والرمزي والمعنوي. وتنعكس في: اللغة، والآداب، والفنون السمعية والبصرية، والأديان والمعتقدات، والأمثال، والأساطير، والعلَم، والشعار الرسمي للدولة، والنشيد الوطني، والمناسبات والأعياد، والفلكلور، والأماكن الأثرية والمعمارية التي تستفيق فيها الذاكرة، وتمنح ما هو جميل في الماضي حضورًا مستأنفًا. وتظهر كذلك في المطبخ وأنواع الأطعمة، واللباس والأزياء، والأذواق، والرياضات الجماعية، مثل كرة القدم اليوم، وكل ما يسهم في توليد الشعور بالاستمرارية التاريخية. ويغذّي الإحساس بالارتباط الوجداني العميق بالوطن، ويُعيد ترميم أواصر الألفة والتضامن، في إطار كيان سياسي، يلتقي فيه المواطنون على أنهم جزء حيّ من نسيجه، وأمناء على ذاكرته، ومشاركون في مصيره، ومسؤولون عن حمايته وتنميته.

الهوية الوطنية هوية جامعة، لا تقبل الانغلاق على مكوّن واحد، ولا تسمح باحتكار الوطن لجماعة دون سواها. هوية تتسع لمختلف المواطنين، بتنوع أديانهم ومذاهبهم وقومياتهم ولغاتهم، وترى بأن العيش المشترك لا ينهض إلا على الاعتراف بالاختلاف في إطار كيان سياسي واحد، وشراكة الجميع في بناء الوطن وحمايته. تبتني هذه الهوية على المواطنة الدستورية، التي تُعلي من قيمة الإنسان بما هو إنسان، وتكرس المساواة في الحقوق، والمساواة في الفرص، على أساس “العدالة بإنصاف”، وفقًا لما عبر عنه جون رولز (1921 ــ 2002): في كتابه: “نظرية في العدالة”. وتُخضع الجميع للقانون، وترفض التمييز بكل أشكاله، مهما كان تبريره. إنها هوية تُصغي إلى صوت العقل، وتحتكم إلى عقد وطني يضمن التعدد، ويحمي السلم الأهلي، ويعيد تنظيم العلاقة بين الدولة والمواطنين على أسس تُعيد بناء الانتماء، وتُحرّر الولاء من أسر الانتماءات الفرعية الضيقة، التي تعزل الإنسان في مضايق القومية أو الطائفة، وتعيدُ توجيه بوصلته نحو الوطن بوصفه الإطار الأوسع الذي ينتظم فيه التنوع، وتتكامل فيه الخصوصيات، من دون أن تتنكر للانتماءات للدين أو المذهب أو القومية، وتُرسخه في الهوية الوطنية الجامعة، ليغدو الانتماء للوطن أصلًا، وما عداه من انتماءات فرعًا.

أما الهوية الأيديولوجية العقائدية، فهي انتماء إلى معتقد ما، بعد أن يتحوّل هذا المعتقد إلى أيديولوجيا مغلقة، سواء أكان دينيًا أم دنيويًا. تتسم هذه الهوية بالانغلاق، إذ تقسم العالم إلى: مَن ينتمي إليها، ومَن لا ينتمي إليها. وهي تتوهم الاصطفاء، وتكرّس شعورًا بالتفوّق الزائف، وتبني هويتها الجمعية على نفي الآخر وإقصائه. في ظل هذه الهوية، يُلغى الوطن لصالح الجماعة، وتُختزل الدولة في كيان هشّ، وتُستبعد المصلحة الوطنية لحساب الولاءات الضيقة. تنتج هذه الهوية خطابًا تعبويًا، لا يقبل التنوع، ولا يطيق الاختلاف، ولا يقرّ بحقّ الآخر في العيش المشترك. الهوية الوطنية مشروع بناء كيان سياسي، يتسع للجميع، ويقوم على العيش معًا بكرامة في ظل دولة القانون. أما الهوية الأيديولوجية العقائدية، فهي مشروع احتكار، يختزل الحقيقة في تفسير واحد، ويختطف الوطن لحساب جماعة، ويهدد وحدة المجتمع، ويقوّض أسس الدولة.

حين يتحوّل الدين إلى أيديولوجيا، يُنتَزع من مجاله الروحي والأخلاقي والجمالي، ويُزج به في صراعات السلطة والثروة، كما هو حال الأيديولوجيات القومية واليسارية والأصولية. في سياق هذا التحوّل، يفتقد الدين رسالته السامية، ويتحوّل إلى وسيلة للاستحواذ، ويُختزل في صراع النفوذ والسيطرة، ويُستخدم لتعبئة الأتباع وتجييش مشاعرهم، باسم الدفاع عن العقيدة. وذلك ما نراه ماثلًا في تجارب الأصوليات في سائر الأديان، سواء أكانت هذه الأديان سماوية أم أرضية. الأصوليات تهبط برسالة الدين من معناه السامي وغايته في إرواء الظمأ الأنطولوجي وتحرير الإنسان من الاغتراب الميتافيزيقي، وإيقاظ الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية، وتصيّره أداة أيديولوجية، لا تكترث بالهوية الوطنية، ولا تعترف بشرعية الدولة المؤسسة على هذه الهوية، وما تكفله من استيعاب للتنوع والاختلاف في فضاء العيش المشترك، بل تنزع إلى تجاوز حدود الوطن، وتقصي كل مَن لا ينتمي إلى حدودها الأيديولوجية.

حدود دولة المواطنة الحديثة ترسمها خرائط الأرض التي يعيش عليها أبناؤها، وتنهض على المصالح المشتركة، والمصائر الوحدة، والشعور بالانتماء لهذا الوطن بوصفه الملاذ الذي يأوي إليه الجميع. وتتجلى دولة المواطنة في مساواة المواطنين في الحقوق وأمام القانون، وتكافؤ الفرص لكل منهم، وإناطة المسؤوليات بكل مواطن بحسب طاقاته وإمكاناته. أما حدود الدولة الأيديولوجية فيرسمها الانتماء للعقيدة والولاء لها، ووحدة المصير مع مَن ينتمي إليها، بغض النظر عن انتمائه لوطن آخر، حتى إن كان في أقصى أطراف الكرة الأرضية. الحدود الوطنية تحمي الدول من أيّ شكل من أشكال النفوذ لدولة أخرى مهما كانت، ولا تسمح باستغلال موارد الوطن وثرواته لغير أبنائه، تحت أيّة ذريعة. أما الحدود الأيديولوجية، فلا تحمي الأوطان، بل تجعلها كيانًا عامًا، لا يختص بمواطنيها، بل يتسع لكل مَن يعتنق أيديولوجيا حكّامها، كما حدث في الأنظمة اليسارية والقومية والأصولية، وكما يحدث اليوم في دولٍ متعدّدة. الحدود الأيديولوجية تعدّ الأجنبي الذي يتبنى الأيديولوجيا ذاتها شريكًا شرعيًا، يتمتع بالحقوق الكاملة في السلطة والحكم وإدارة الدولة، وربما تمادى هذا الشريك، فاستغل شراكته، وأضحى سيّدًا على الحاكم والمواطن.

السياق الوطني لتشكّل الهوية ينبغي أن يتسلسل في ضمير كلّ مواطن في بلدنا على أساس أنه: عراقي أولًا، وعربي أو كردي أو تركماني ثانيًا، ومسلم أو مسيحي أو مندائي أو إيزيدي ثالثًا، وشيعي أو سنّي أو كاثوليكي أو بروتستانتي أو أرثوذكسي رابعًا، وهكذا. هذا هو التسلسل الذي يمكّننا من بناء مفهوم للوطن بمعناه الحديث، والمواطنة الدستورية بوصفها أساسًا لبناء دولة حديثة، تتوحّد فيها الأديان والمذاهب والقوميات في كيان سياسي، ينتمي فيه الجميع لأرض واحدة، وتاريخ ومصائر مشتركة، ويتضامن على مصالح جامعة. أما حين تنقلب معادلة الهوية، فتصبح الطائفة أو القومية أولًا، والدين ثانيًا، والوطن ثالثًا، فإننا نفشل في بناء دولة المواطنة بمعناها السياسي، ونخفق في إقامة الدولة الحديثة، مهما فعلنا.

اختلال سُلّم الهويات ينتج وعيًا زائفًا بالانتماء، يُقصي الوطن لحساب الجماعة، ويحوّل المواطنة من انتماء جامع إلى ولاء خاص، محكوم بالعصبية، ومسكون بهاجس الدفاع عن الهوية الفرعية، لا الهوية الوطنية الأصلية. حين تغدو القومية أو الطائفة هي الهوية الأصلية، وتتفرّع عنها سائر الانتماءات، لا يعود للوطن معنى ينطبق على المواطنين كلهم، وليس للمصالح والمصائر والتاريخ المشترك أثرٌ في بناء الدولة. تختفي عندئذ المواطنة خلف الانتماء القومي أو الطائفي، وتتحوّل إلى استماتة في الذود عن مصالح الجماعة، لا عن مصالح الوطن. ويغدو حضور الدولة هشًّا، لأن الولاء لها مشروط بولاء موازٍ أو سابق للجماعة، لا يسمح ببناء عقد اجتماعي يجتمع عليه المواطنون. حين تتسيّد الهوية القومية أو الطائفية، وتختزل الهوية الوطنية فيها، تتفشى اضطرابات الهوية السياسية، ويتعذّر على المواطن أن يحقق ذاته السياسية في الوطن، أو يعثر على ما يوحّده بأبناء بلده. ويغدو الوطن ساحة صراع هويات فرعية، يتقدم فيها الانتماء للجماعة على حساب الانتماء للأرض والمصالح والمصائر المشتركة.

تفشّت في جيلنا، والجيل الذي سبقنا، اضطرابات الهوية السياسية، فكان الشيوعي قبل أن ينتمي لوطنه ينتمي إلى الاتحاد السوفياتي والدول الاشتراكية المنضوية في محوره، أو إلى الصين والدول الاشتراكية التي تدور في فلكها. وكان القومي العربي، قبل أن ينتمي لوطنه، ينتمي إلى القومية العربية بصيغتها الأيديولوجية، وزعيمها جمال عبد الناصر، الذي كان أكثر الحكّام العرب براعةً في تجييش الجماهير، وأمهرهم في ابتكار الشعارات الصاخبة. وأخيرًا، صار مَن ينتمي إلى الإسلام السياسي ينتمي إلى الدول الدينية، كلٌّ على وفق مرجعيته المذهبية، لا على وفق انتمائه الوطني.

اضطرابات الهوية السياسية عشتها بمرارة في مراهقتي، كما عاشها كثير من أبناء جيلي، بعدما كنا نتخيّل أن الانتماء إلى الأيديولوجيا العقائدية هو الهوية الأصلية، وبأن العقيدة لا أرضَ لها كما تعلمنا في أدبياتها. لم نكن ننتمي إلى الأوطان بما هي أرضٌ وثقافة وتاريخ ومصالح ومصائر مشتركة توحّدنا مع أبناء بلدنا الذين نتقاسم العيش معهم.كان انتماؤنا يتجه إلى أيديولوجيا سياسية عابرة للجغرافيا والتاريخ والذاكرة والثقافة واللغة والمصير والمصالح المشتركة مع أبناء الوطن، حتى صار مَن يعتقد بهذه الأيديولوجيا، وإن كان في أقصى الأرض، أقربَ إلينا من ابن البلد الذي نشترك معه في الأرض والتاريخ والثقافة والمصالح والمصير الواحد. لم أكتشف هويتي الوطنية العراقية، ولم يتكرّس انتمائي الحقيقي إلى وطني، إلا بعد تشردي في المنافي، وعيشي سنوات طويلة في أكثر من دولة،كنت أعاني فيها كلها من نظرة الآخر إليّ كأجنبي. استفاقت هويتي الوطنية، حين تذوقت متعةَ الخلاص من الغربة تحت سماء وطني، وألهمني الشعور بالانتماء إلى أرض ولدت عليها ونشأت فيها.

ليس بوسعنا بناءُ تفسيرٍ علمي لنشأة الهوية السياسية في مجتمعنا، من دون العودة إلى تجربة الخلافة، الممتدة عبر مراحل تاريخ الإسلام المختلفة، منذ القرن الأول الهجري حتى القرن الرابع عشر، والكشف عن الكيفية التي جرى فيها استثمار الميراث الرمزي للخلافة في صناعة الهوية السياسية، بوصفها استمرارية عميقة لذلك الميراث العريق في الذاكرة، وتجسيدًا لهوية متخيلة، تتغذى على سلطة الماضي، وتستأنف حضورها عبر مقولاته ورموزه وتمثلاته، وما نتج عنه من مشاعر وأحلام ربما تتوارى في أزمنة لكنها لا تموت. تشكّلت الهوية السياسية في سياق دولة الخلافة، لا بوصفها مؤسسةً للسلطة فحسب، بل بما هي منبع للمتخيَّل الذي تشكّل وتضخم في فضائها، وصاغ مقولاتها حول المشروعية السياسية وغيرها، وولد فيه وتجذّر وعي الإنسان المسلم السياسي ولاوعيه الفردي والجمعي، وتوالد داخله تعريفه لهويته السياسية، والسلطة، والحكومة، وشكل الدولة.

الخلافة، في ضمير أكثر المسلمين، تنبثق مشروعيتها من السماء، وهي وحدها ما يتخيّلون أنها تعبّر عن هويتهم السياسية، وقد تكرّست صورتها في المتخيّل الجمعي بوصفها الهوية الجامعة للأمة المسلمة، عبر رمزية الخليفة الواحد. وإن كانت خلافة الخليفة متصدعة متآكلة، يظل رمزًا، ما دامت تُلقى خطبة الجمعة على المنابر بعنوانه كخليفة، والدعاء يُرفع له، والنقود تسكّ باسمه، مما أسهم في تجذّر هوية الخلافة وترسيخها في الذاكرة السياسية. يتجلى حضور الخلافة في اللاشعور الجمعي بوصاية الماضي على الحاضر، وامتدادها بوصفها سلطة رمزية لا تزال تنتج تأثيرها عبر نظامٍ رمزي وشبكة متشعبة من المفاهيم، تستمدّ قوتها وفاعليتها من صور رومانسية للخلافة، بوصفها مرجعية متخيّلة، تعيد إنتاج عناصر حياتها في الوعي واللاوعي، وتؤطر تصورات الإنسان المسلم عن السلطة، والحكومة، والدولة، والهوية السياسية.

في دولة الخلافة، كان بإمكان المسلم أن يتنقّل من بلد إلى بلد بحرية، ويقيم في أقاليمها المختلفة، الممتدّة من الأندلس إلى الهند، من دون أن يشعر بالغربة، مادام انتماؤه إلى دار الإسلام، وهويته السياسية هي عقيدته. هذا الانتماء الرمزي رسّخ في اللاشعور الجمعي عدم التمييز سياسيًا بين أرض وأخرى، ما دامت في إطار دولة الخلافة، وما دام الإسلام هو العقيدة السائدة لأهلها. هذه العوامل لا تزال تمارس ممانعة صلبة في تقبّل مفهوم الوطن، والمواطنة، والمشروعية السياسية، والسلطة، والحكومة، والدولة، بمعانيها المعروفة في الفكر السياسي الحديث.

الذاكرة السياسية المشبعة بالصور الرومانسية المتخيّلة لدولة الخلافة مازالت تشكّل أرضية خصبة، ذات تأثير فعّال في التمهيد، لولادة أحلام الدولة الدينية في المتخيّل السياسي لعدد غير قليل من المسلمين. لم تسقط الدولة العثمانية، آخر تجليات الخلافة في عالم الإسلام، إلا عام 1924، وهذا يعني أن المسلم لم يمضِ عليه قرن واحد في التعايش مع المفاهيم الحديثة للدولة، ولم يدخل المفهوم الحديث للوطن والمواطنة كمكون أساسي للهوية السياسية. معنى “الوطن” في تراثنا يختلف عن معناه في الفكر السياسي والدساتير الحديثة، التي تؤسّس للمواطنة بوصفها علاقة قانونية وحقوقية، تربط الفرد بالدولة على أساس الانتماء لأرض وتاريخ وثقافة ومصالح ومصائر مشتركة.

ما زال سقوط دولة الخلافة العثمانية يمثّل جرحًا نرجسيًا غائرًا للهوية السياسية لعدد غير قليل من المسلمين، ممن كانت الخلافة تمثّل لهم شعورًا بالتماهي مع كلّ مسلم يقطن أرضها، وتغذّي خيالهم بوحدة رمزية وعقائدية تتجاوز الحدود الجغرافية. ظلّ المتخيّل الجمعي، الذي تراكم واتسع عبر قرون، يعمل على ترسيخ صورة الخلافة بوصفها مكوّنًا أصيلًا في هوية المسلم السياسية، وبعد انهيارها استمر حضورها الرمزي في الذاكرة السياسية الجمعية. الخلافة لم تكن مجرّد نظام سياسي، بل غدت رمزًا مشحونًا بالدلالة، يتوارى فيه التاريخ خلف الأسطورة، وتتداخل فيه الوظائف السياسية بالدلالات الدينية. المتخيّل السياسي أسهم في بناء صورة مثالية مضيئة للخلافة، لا تعكس واقع المظالم التي وقعت في زمانها، ولا تكشف عن جور السلاطين وبطشهم، وما كان يعيشه رعاياهم من تمييز واضطهاد. جعلها هذا المتخيّل تمثّل ذروة اندماج السياسة بالدين، وملاذًا آمنًا لهوية سياسية مأزومة، تلجأ للماضي حين تعجز عن بناء الحاضر.

بعد انهيار آخر دولة خلافة، لم تتبدد صورتها، بل ظلّ ميراثها الرمزي وشبكة مفاهيمها حيّة في اللاشعور الجمعي، تتجدد حضورًا في الذاكرة، وتعيد إنتاج نفسها في وجدان لم يتحرّر من قبضة الماضي، ولم يغادر الحنين إلى سلطة يتخيّلها ضامنًا لوحدة شاملة على أساس الدين الواحد. ظلّ المتخيَّل الديني يعمل على مدى قرونٍ على ترسيخ صورة الخلافة بوصفها عنصرًا أساسيًا من مكوّنات هوية المسلم السياسية، فتتشبع بها اللاشعور الجمعي، وأمست ملاذًا يستحضره المسلم، كلّما عجز عن تحقيق أحلامه في الواقع السياسي، وصار المتخيَّل وسيلة يعيد بها الإنسان إنتاج ما فشل في إنجازه في الواقع. وما يزال عدد غير قليل من المسلمين، إلى اليوم، عاجزين عن الانفصال عن الصورة المثالية للخلافة، والتحرر من سلطتها الرمزية، وهيمنتها على الذاكرة السياسية. ذلك ما جعلهم يقرأون المستقبل بعيون الماضي، ويقيسون الدولة الحديثة بمقاييس الدولة السلطانية، ويحاكمون السياسة والدولة الحديثة بأحكام دولة الخلافة.

من أبرز آثار الجرح النرجسي للهوية السياسية، الذي نتج عن سقوط آخر دولة للخلافة، انبعاث أول حركة للإسلام السياسي في العصر الحديث، إذ لم تمضِ سوى أربع سنوات على نهاية الخلافة العثمانية، حتى بادر حسن البنا، في مدينة الإسماعيلية، إلى تأسيس جماعة الإخوان المسلمين عام 1928، بوصفها مشروعًا يطمح إلى استعادة مجد المسلمين السياسي، عبر إعادة بعث دولة الخلافة. وصارت الخلافة ركنًا من أركان الإسلام، كما يصرح حسن البناء في رسالة المؤتمر الخامس: (الإسلام يجعل الحكومة ركناً من أركانه… فإن قعود المصلحين الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمة لا يكفرها إلا النهوض واستخلاص قوة التنفيذ من أيدي الذين لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف… أما الخلافة فهي رمز الوحدة الإسلامية، والخليفة مناط كثير من الأحكام في دين الله، ولهذا قدم الصحابة رضوان الله عليهم النظر في شأنها على النظر في دفن النبي صلى الله عليه وسلم. والأحاديث الواردة في وجوب نصب الإمام كثيرة. لذلك فالإخوان المسلمون يجعلون فكرة الخلافة والعمل على إعادتها في رأس منهاجهم، وهم – مع ذلك – يعتقدون أن ذلك يحتاج إلى كثير من التمهيدات الضرورية)[1]. لم أجد فقيهًا أو متكلمًا في تاريخ الإسلام، قبل حسن البنا، يقول: إن “الحكومة ركن من أركان الإسلام”، أو إن الدولة ركن في الإسلام. أركان الإسلام معروفة لدى المذاهب والفرق. الماوردي “ت. 450هـ” يرى أن الإمامة، أو الخلافة، أو الحكم، واجب شرعي من واجبات الدين، لا من أركانه. ويذهب الجويني “ت. 478هـ” إلى أن الإمامة ضرورة لحفظ الشريعة، لا ركنًا من أركان الدين. لكن في العصر الحديث، جعل أكثر من منظّر من منظّري الإسلام السياسي، الحكم من أركان الدين.

وفي سياق أدبيات هذه الجماعة، وشعاراتها، وأهدافها، تشكّلت رؤية تمجّد الماضي السياسي، وتدعو للعودة إلى نموذج الحكم الذي ساد عدة قرون في دول الخلافة. في فضاء هذا المتخيّل السياسي، توالدت سلسلة من الحركات الإسلامية في شتى أنحاء العالم الإسلامي، استلهمت نموذجها من الإخوان، وواصلت الأحلام السياسية ذاتها ببعث الخلافة، كلٌّ منها على شاكلتها، بوصف دولة الخلافة رمزًا لوحدة المسلمين، ومصدرًا للهوية السياسية، وأفقًا لاستعادة السيادة والكرامة المهدورتين. غير أن ما لم يُدركه الوعي المؤدلج أن الخلافة، بوصفها مشروعًأ سياسيًا تاريخيًا، لا يمكن استعادتها إلا في المتخيّل السياسي، وأن إحياءها لا يعني سوى إعادة انتاج ماضٍ لم يعد صالحًا لبناء دولة قائمة على المواطنة الدستورية، والقانون، والعدالة، وحقوق الإنسان وحرياته. حين يتحوّل الحنين للماضي السياسي إلى مشروع للخلاص، يفقد الحاضر قدرته على توليد معنى سياسي، ويُختزل المستقبل في صورة مثالية لماضٍ متخيّل، لا حضور له خارج الذاكرة.

[1] الرسالة منشورة على موقع الإخوان المسلمين.

https://alsabaah.iq/115728-.html

عبــد الجبــار الــرفاعي ووعيه الاعتدالي لمعادلة الوطن والدين

د. محمد نعناع[1]

هو “كائــن ميتــافيزيقي”، لذلك عنده المعنى أهم من الحس، ولهذا يعيش هادئاً، ليس منزويا بل هادئا في خارجه وعاصفا في داخله، ومنبع عواصفه الداخلية يأتي من إدمانه القراءة وشغفه بها حد الظن بأنه يساويها مع العبادة، هو متطور في فكره بموازاة ثباته في التزامه بدينه، مضيء في فكره أيضا، لذلك يُحب أن يرى الله نورا على نور، يعشق العمق لأنه يُنتج الجرأة، وكاره للرثاثة، لإنها تُشوه العلم وتُعزز الكراهية.

هو أحد الرافضين للمنبهرين بالزبد، لأنه يهتم بما يمكث في الأرض، وأكبر المعترضين على مروجي الدوغما، فهو يمقت التبعية والطاعة العمياء، وبهذا انتقل من كونه مفكرا دينيا عبر تحولات موضوعية إلى أن يكون منظرا إنسانيا خلّاقا، وإن صيرورته منصة إبداعية ذاتية تحفيزية وليست تلقينية، جاء بسبب حساسيته من الواقع واستجابته لمتغيراته، وهذا ما سيجعل منه حالة فريدة في الفكر الإسلامي، وفي معادلة الوطن والدين، أو ثنائية الجغرافيا والمعتقد.

أبدع الرفاعي في مجال التطور الاعتدالي بين أن يرسخ “الظمأ الانطولوجي” ويغادر “الاجترار الفقهي” التقليدي، لقد أثبت لنفسه ثم للآخرين بأن التفوق يمر عبر التطور المعرفي، فهو يُضيف ويعدل باستمرار على كل ما يكتبه، وكل طبعة جديدة من كتبه تجد فيها تغييرا وإضافة بما نسبته أكثر من 20% من مضمون الكتاب، وهذا ما سيجعل منه مفكرا ديناميا مؤثرا، وما بدأه من (الدين وجوديا) فقد أنهاه بانصهار (الدين في الكرامة)، وما بينهما رفدنا “بـــــــالغربة الميتافيزيقية” و”بـالنزعة الإنسانية”، فهذا هو الدين في وعيه، وهو ما يجعله يتطور ويعتقد بأنه يُطور الآخرين، على الرغم من أنه ليس تبشيريا بل منطقيا إقناعيا.

في بواكيره كان متعلما على سبيل نجاة، وأصبح الآن باحثا على سبيل نجاة، ولذلك أراد أن يصنع [علم كلام جديد] فهو يعتقد بأن الكلام القديم ليس إنسانيا بل لاهوتيا محضا، وفي (مفارقاته وأضداده) و(مسراته ومخاضاته)، وهما خواتيمه الفكرية والشخصية، انبعث منه دفق اعتدالي يمكن وصفه بأنه فتحُ لأفق أوسع، أرحب من الأيديولوجيا.

حاجة الواقع المليء بالمنغصات المعيشية المهيمنة على العقليلة الشبابية لمفكرٍ كالرفاعي ستبدو حاجة في صميم الوعي، وإن أي محاولة لصناعة رأي عام معتدل متجاوز للمقولات الطوائفية ومفارق للتبعيات الدوغمائية يجب أن نجد في قلبها عبد الجبار الرفاعي وأمثاله، فهم الضرورة المُطورة لأجيال المتحفزين المقيدين بقيود المجتمع وللمحبطين المتلكئين في منتصف الطريق.

  [1] كاتب عراقي

https://altanweeri.net/12799/%D8%B9%D8%A8%D9%80%D9%80%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D9%80%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%80%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A-%D9%88%D9%88%D8%B9%D9%8A%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B9%D8%AA%D8%AF%D8%A7/

الوردي وشريعتي في الميزان

د. طه جزّاع[1]

بحدود اطلاعي ومعرفتي المتواضعة، فإنَّ قراءة تحليليَّة لفكر علي الوردي، ومراجعة نقديَّة جادة لطروحاته، لم تتم حتى الآن، فالرجل دخل نادي المقدسات عند الكثير من القرَّاء والباحثين والطلبة الذين باتوا يرددون بعضَ مقولاته الاجتماعيَّة كما لو كانت نصوصاً مقدسة. والحقيقة أنَّ الرجل مثله مثل أي عالمٍ كبيرٍ متواضع، لم يكن ينظرُ إلى نفسه هكذا طيلة حياته، بل أنَّه كان كثيراً ما يعترف بالخطأ في بعض الاستنتاجات، ويعلنُ بشجاعة العلماء التراجعَ عنها.

وبعد أكثر من نصف قرنٍ من تفتح عينيه وهو فتى بعمر 15 عاماً، على الجزء الأول من كتاب الوردي” لمحات اجتماعيَّة في تاريخ العراق الحديث”، يعود عبد الجبار الرفاعي لقراءة كاتبه المفضل الذي انجذب مبكراً إلى عقله النقدي، وطريقة تفكيره، وواقعيته، “واهتمامُه بالمهمَّش والمهمَل واليومي في المجتمع”، قراءة جديدة فاحصة ناقدة في الفصل الأول من كتابه الجديد: “مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث”. وكذلك كان الأمر مع علي شريعتي الذي اطلع على آثاره الصادرة بالفارسيَّة قبل أكثر من ثلاثين عاماً في كتابه الأسبق: “الدين والظمأ الأنطولوجي”. بل أنَّ الرفاعي يعقد مقارنة بين الاثنين، موضحاً البونَ الشاسعَ بين الرجلين، بينما يتوهم الكثيرون، أنَّ الوردي قد سار على خطى شريعتي في بعض طروحاته الدينيَّة والسوسيولوجيَّة، وأنَّه قد أخذ منه بعض الآراء وتأثر بها. لكنَّ قراءة الرفاعي الجديدة لكلا المُفَكِرَين تبين بوضوحٍ تامٍ الفرقَ بينهما، ففي حين كان الوردي مثقفاً نقدياً خرج من المجتمع والأيديولوجيات السياسيَّة، فإنَّ شريعتي كان مثقفاً أيديولوجياً، فأعمال الوردي تسودُها “عقلانيَّة نقديَّة لا تخلو من انطباعات ذاتيَّة، وما يسود أعمالَ شريعتي التبشيرُ بأيديولوجيا الثورة”.

“المثقَف النقدي غير المثقّف الأيديولوجي” وبذلك يضع الرفاعي كلاً من الوردي وشريعتي في ميزانه الفاحص، وهو لا يرغب بأنْ يقسو كثيراً على أول من قرأ له بدهشة القراءة الأولى، والإطلالة الأولى على عالم المدينة في الشطرة التي عاش فيها ثلاث سنوات طالباً، وفيها اكتشف عالم علي الوردي، لكنَّه يشيرُ إلى افتقار الوردي إلى تكوين في الفلسفة، وعلم الكلام، وأصول الفقه، والتفسير، والحديث، والتصوف، وغيرها من علوم الدين التراثيَّة، يماثل خبرته الواسعة “بثقافة المجتمع العراقي وتقاليده وأعرافه وفولكلوره، وتاريخه في القرنين الأخيرين”، لذلك فإنَّ بحثه في شخصيَّة الفرد والمجتمع العراقي “لم يتوغل في الحَفر ليصل إلى البنى الدينيَّة والأنساق الاعتقاديَّة المترسخة في اللاوعي الجمعي”.

وإذا كان شريعتي “مثقفاً رسولياً، كرّس جهوده لترحيل الدّين من الأنطولوجيا إلى الأيديولوجيا”، فإنَّ علي الوردي كان يمثل بذرة “المثقّف الديني النقدي”، وكان أول مثقفٍ ديني عراقي تُجهض ولادته.

لم يدخل علي الوردي في معركة مع الله. هكذا يقرر الرفاعي في دراسته المقارنة المثيرة بين الوردي وعلي شريعتي.

[1] أستاذ فلسفة بجامعة بغداد.

 

 

الكتابة الأيديولوجية

د. عبد الجبار الرفاعي

ينظر الأيديولوجي لكلِّ شيءٍ مركّب بعيونٍ لا ترى إلا وجهًا واحدًا، يرى الخيرَ والشرَّ والعدلَ والظلمَ والحقَّ والباطلَ من منظار الأيديولوجيا، الحُبّ والكراهيةُ تفرضها وتتحكم ببوصلتها الأيديولوجيا. تعطّل الأيديولوجيا الضميرَ وتسيّره على وفق رؤيتها، الضميرُ الأخلاقي اليقظ ينتصر للإنسان المظلوم حيثما كان، ولا يتضامن مع مظلوم، ويشمت بمظلوم آخر لا يعتنق رؤيتَه للعالَم. الأيديولوجيا نسقٌ مغلَقٌ، يغذّي الذهنَ بمنظومة معتقداتٍ ومفاهيم ومقولاتٍ نهائيةٍ، تعلن الحربَ على أيّة فكرة لا تشبهها، تنتهي إلى إنتاجِ نسخٍ متشابهةٍ في الظاهر من البشر، وتجييشِ الجمهور لرأي واحدٍ، وموقفٍ واحد. يتبنّى الأيديولوجي نموذجًا تفسيريًّا مسطّحًا وأُحاديًّا، يمنحه شعورًا مزوّرًا بأنّه قادرٌ على الفهمِ الدقيق والتحليلِ العميق لكلّ شيءٍ، وأنّ أفكارَه مبتكرةٌ وفريدةٌ، ويلبثُ غارقًا لا يستفيق من عبوديته للأيديولوجيا، حتّى كأنّ سعادتَه في عبوديته هذه[1].

فجأةً بدأت قراءةُ كتابات سيد قطب المسرفة بالأدلجة، وأغوتني شعاراتُه، نصوصُه بارعة في رسم صورةٍ جذابة للرغبات والتمنيات والأوهام، تصيّرها كأنها واقعٌ مجسّد في متخيَّل المراهقين، وتخدعهم بضرورةِ العمل على استئنافِ حياة مجتمع الصحابة، ولو بالعنف. ذلك المجتمع صنعه الذهن، واصطلح عليه سيد قطب “جيل قرآني فريد”، فكان محصلةَ متخيَّلٍ ديني تضخّم خارج الزمان والمكان والواقع الذي عاش فيه الصحابةُ بوصفهم بشرا اختصموا وتقاتلوا في مرحلةٍ لاحقة. وقائعُ صراعات ذلك الجيل “الفريد” وحروبُه الدامية، تكشف أن تلك الصورةَ نحتتها تمنياتٌ فرضها حلمُ الإنسان الأبدي بصناعة فردوسٍ أرضي، فحاول أن يغرسَ في ضميرِ الشباب مجموعةَ مقولات اعتقادية مغلقة، اعتناقُها شرطُ الإسلام الصحيح الذي يحلم به هو. يتسع مفهومُ الجاهلية عند سيد قطب ليشمل المجتمعاتِ الإسلامية، كما يصرّح بقوله: “يدخل في إطار المجتمع الجاهلي تلك المجتمعات التي تزعم لنفسها أنها مسلمة… لا لأنها تعتقد بألوهية أحد غير الله، ولا لأنها تقدم الشعائر التعبدية لغير الله، ولكنها تدخل في هذا الإطار، لأنها لا تدين بالعبودية لله وحده في نظام حياتهــا… فهي – وإن لم تعتقد بألوهية أحد إلا الله – تعطي أخصَّ خصائص الألوهية لغير الله، فتدين بحاكمية غير الله، فتتلقى من هذه الحاكمية نظامها، وشرائعها، وقيمها، وموازينها، وعاداتها، وتقاليدها… موقف الإسلام من هذه المجتمعات الجاهلية كلّها يتحدد في عبارة واحدة: أن يرفض الاعتراف بإسلامية هذه المجتمعات كلها”[2]. ويعلن عن الردة الشاملة بقوله: “ارتدّت البشرية إلى عبادة العباد وإلى جور الأديان، ونكصت عن لا إله إلا الله، وإن ظلّ فريق منها يردد على المآذن لا إله إلا الله”[3].

كتاباتُ سيد قطب تتقن صناعةَ الغضب والاغتراب، قادت مقولاتُه شبابَ الجماعات الدينية إلى اغترابٍ عن عصرِهم وعن كلِّ إنسان لا يشبههم، وورطتهم بصراعٍ مفتوح مع أهلهم ومجتمعاتهم وأوطانهم، ومواجهةٍ مباشرة مع العالم بأسره. تخلص مقولاتُه إلى أن إسلامَ المسلم لا يتحقّق من دون اعتناقِ مقولاته والعملِ بها، مثل: “استعلاء الإيمان، جاهلية المجتمع الذي يعيش فيه، جاهلية الفلسفة والعلوم والمعارف الإنسانية، العزلة الشعورية”، وغير ذلك من معتقداتٍ تعزل المسلمَ عن كلِّ من حوله. لم يكن في هذه المقولات من جديدٍ إلا صياغتَها بمصطلحاتٍ وشعاراتٍ مثيرة كان يتقنها الرجل، وإلا فمضمونُها شائٌع في التراث الكلامي والفقهي، تارةً بشكلٍ صريح وبلغةٍ تحريضية حادّة كما في آثار ابن تيمية ومَن يقلده، وأخرى بأساليب أقل حدّة، وإن كان مضمونُها يتطابق وما يدعو إليه، كما في آثار مختلف متكلمي الفرق وفقهاء المذاهب.

أنهيتُ الثانويةَ سنة 1973، في العامَين الأخيرَين من هذه المرحلة قرأتُ كتاباتِ سيد قطب وأمثاله؛كتباً يحسبها القارئُ تقول كلَّ شيءٍ لكنها لا تقول شيئًا نافعًا، لا تقول إلا ما يثير فيك الغضبَ على كلِّ ما حولك، وكراهيةَ نفسك لأنك تعيش في مجتمعٍ جاهلي. حين أقرأ بعضَ فصول كتاباته التحريضية لا أخرج منها إلا بالمزيدِ من كراهية العالَم الذي أعيش فيه، والشعورِ باغترابٍ وعزلةٍ ونفور واكتئاب من كلِّ إنسان لا يشبه هذا النوعَ من التفكير الذي صاغته تمنياتُه ورغباتُه وأوهامُه. لكني سرعان ما تحرّرتُ من مقولاته، وبعد سنواتٍ عدتُ إلى كتاباتِه وأشباهِها فرأيتُها سطحيةً تعجز عن وعي الواقع العميق، فهي أقربُ للأحلام الرمانسية منها إلى الفكر، ولا يقع في فتنتها إلا الشبابُ المراهقون المقهورون من بطش الاستبداد. شيءٌ من كلماته كان منقوعًا بالدم، كتبه إنسانٌ موتورٌ من الدولة الحديثة، ومناهضٌ للفلسفة ومكاسب العلوم والمعارف الحديثة، مولَعٌ بدولةٍ صنعتها أحلامُه وأوهامُه التي اخترعتْ تاريخًا تتنكر إليه وقائعُ حياة مجتمع دول الخلافة والسلطنة ونمطُ عيش الإنسان فيها، لا نراه إلا في تمنيات خيالية ورغبات موهومة. استقى مادتَه الخام من متخيَّلٍ اتسع وترسّخ عبر التاريخ، وكان بارعًا في إعادة رسم صورته بشكلٍ يُشعر الشبابَ بأنه حقيقةٌ لا مراء فيها.

كان هذا الكاتبُ معذَّبًا يتقن إيقادَ مشاعر المعذبين، ويجيد صناعةَ الشعارات التعبوية المحرِّضة على الكراهية والعنف. ولفرط سطوة التمنيات يخيَّل إليه أنها تتحول إلى واقعٍ مجسّد. كتاباتُه وأشباهُها من كتابات غيره ألهمت الرغباتِ الموهومة شعاراتٍ توقد مشاعرَ أبناء الحرمان المراهقين، وتستفزّ كلماتُه عواطفَهم وتوقد غضبَهم على كلِّ شيء في مجتمعهم، وتبرع في تأجيجِ انفعالاتهم، وتفجيرِ مكبوتات عقد المظلومية والاضطهاد والحرمان والجوع وكلِّ ما أنهكهم في حياتهم. ساقتني هذه الكتاباتُ لرحلةٍ مضنية سرقتْ بعضَ سنوات عمري، أمضيتُها في قراءة عشرات الكتب، لأبي الأعلى المودودي وأبي الحسن الندوي ومحمد قطب وتقي الدين النبهاني ومحمد البهي وأنور الجندي ومحمد فتحي عثمان، وأمثالِهم من كتّاب الجماعات الدينية السنية والشيعية. وحين استفاق عقلي بعد بضعة سنوات، وجدتُه ممزقًا افترسته أوهامُ وعي زائف، لبث غائبًا عن الواقع وغارقًا بأحلام رومانسية وأوهام ووعود خلاصية. قرأتُ أكثرَ أدبيات الجماعات الدينية، رأيتُها بعد مراجعتها نقديًا تستند إلى الأشعرية كبنيةٍ اعتقادية، ويتسيّد فيها تفكيرٌ رغبوي وأمنياتٌ لكتّاب لا يفهمون الدولةَ الحديثة، ويفهمون الواقعَ المعقد فهمًا مبسّطًا ساذجًا، لا يتوغل في ديناميات التغيير الاجتماعي وعوامله المتشعبة المتنوعة. يختزلون أسبابَ كلّ ظاهرة بسببٍ واحد، ويفسرون كلَّ شيءٍ بشيءٍ واحد، يرون أن سببَ كلِّ مشاكل عالم الإسلام هو انهيارُ دولة الخلافة، ويختصرون أمانيهم بأمنيةٍ واحدة تعود فيها تلك الدولةُ القديمة. فهم يتهمون مَن يكتب عن رموزٍ تثري الهويةَ الوطنية وتكرّسها، يعتاشون على تفجير حروبِ الهويات الطائفية. لا تتغير المجتمعاتُ اليوم بشعاراتٍ مجوفة، أو كتاباتٍ تحريضية ضد كلِّ شيءٍ من حولنا، ولا بكتاباتٍ تستمدّ فاعليتَها من أوهامٍ أنتجها المتخيَّل التاريخي، يصاب القارئُ بالضجر من إيهامه بأنها تقول كلَّ شيء إلا أنه لحظة يستفيق يراها تكرّر عباراتٍ وإجاباتٍ جاهزة، فلا تقول شيئا ‏علميًا دقيقًا.

مشكلة أكثر هؤلاء جهلهُم بالتراثِ الإسلامي العقلاني وتراثِ الأديان الأخرى، مضافًا الى جهلِهم بعلم الأديان الحديث. أدبياتُ هذه الجماعات تفتقر لعمقِ التراث العقلي في الفلسفة والمنطق وعلم الكلام، وطرائقِ المناظرة والنقاش فيها، ولا تنعكس فيها استدلالاتُ الأصوليين وتفريعاتُها وتطبيقاتُها الفقهية المتنوعة، ولا أثرَ فيها لاستبصاراتِ العرفاء وثراءِ تجاربهم الروحية. لا تضيف عند مطالعتها إلا مجموعةَ شعاراتٍ لم يتحقّق شيءٌ منها في الواقع،كالشعار الملتبس: “الإسلام هو الحل”، وغير ذلك من شعارات غائمة، دلّلت على إخفاقها التجاربُ المتنوعة لدول دينية هشّة في بلادنا العربية وغيرها في عالم الإسلام، تتداعى اليوم وتتداعى معها منظوماتُ القيم والتضامن والثقة والمواطنة في بلادنا.

لا تختصّ أدلجةُ الدين بالإسلام أو غيرِه من الأديان،كلُّ ديانةٍ ومذهب وعقيدة يمكن تحويلُها إلى أيديولوجيا مغلقة. الماركسية والقومية والعنصرية والفاشية والنازية صارت أيديولوجيات أشدَّ انغلاقًا وتشدّدًا من سواها في مختلفِ بلدان العالم.

[1] عبد الجبار الرفاعي، الدين والظمأ الأنطولوجي، ص 172-175، ط4، 2023، دار الرافدين ومركز دراسات فلسفة الدين، بيروت.

[2] سيد قطب، معالم في الطريق، ص101-103، دار الشروق، القاهرة.

[3] سيد قطب، في ظلال القرآن، ج:4. ص:2009، دار الشروق، القاهرة.

 

https://alsabaah.iq/80467-.html

أن نكتب يعني أن نختلف

د. عبد الجبار الرفاعي

انزعج قراءٌ كرام من التعبير المكشوف عن الذات، خاصة في المقالة السابقة المنشورة الأربعاء الماضي بتاريخ 29-3-2023، بعنوان: “الرهان على الكتابة”. ما ورد في ذلك المقال وما هو أسبق منه مما نشرتُه في صحيفة الصباح جاء استجابةً لطلبات متكرّرة من قراء محترمين يرغبون بتعلم الكتابة وكيفية القراءة، لم أجد جوابًا سوى التحدّث عن تجربتي الشخصية في هذا المجال. لم أتدرب على أحدٍ لتعلّم هذه الصنعة، ولا أتقن تدريبَ أحد. قرأتُ تجاربَ بعض المشاهير، جرّبت تقليدَهم ففشلت، عجزتُ عن أن أكون نسخةً لأحد، لم أجد ذاتي في طريقة أيٍّ منهم، فحاولتُ أن أشتقَّ لغتي وأسلوبي. رأيتُ ذاتي تنفر من تكرار غيري، لا أستطيع أن أكون إلا أنا. حاولتُ في سلسلة هذه المقالات التحدّثَ عن سيرتي ككاتب، وليس سيرة أيّ شخص مهما كان مقامُه. أتحدّث عن خبرتي ككاتب وقارئ بغضِّ النظر عن كيف يقرأ ويكتب الآخرون، لا يمكنني إلا توخي الصدق في كل ما أكتب. حقُّ الاختلاف يعكس الطبيعةَ الإنسانية، وهو ضرورةٌ في التربية والتعليم والثقافة والإعلام والسياسة، وكلّ ما يريد الإنسانُ أن يحقّقَ ذاتَه به بوصفه إنسانًا.

أتذكر بهذه المناسبة موقفًا حدث معي، عندما كنتُ حاضرًا أحد المؤتمرات ببغداد قبل نحو عشر سنوات، أثناء الاستراحة جاء شاب يتدفق حماسة، عرّف نفَسه بأنه في مرحلة دكتوراه العلوم السياسية، بدأ حديثَه بسؤالٍ إنكاري: لماذا لا تكتب للجماهير، لماذا لا تخطب في المساجد والحسينيات كما كان يفعل علي شريعتي. أجبتُه: أنا إنسان آخر، أعبّر عن ذاتي كما هي، وليس عن أي كاتب غيري أيًا كان مقامُه وتفكيره وتأثيره. أحترم قناعاتِ ونضالَ شريعتي، هو يختلف عني وأختلف عنه، لا أقلّده ولا أقلّد أحدًا غيرَه، لا أستطيع أن أكون صورةً مزورة لشريعتي، عجزتُ عن محاكاة أيّ إنسان آخر مهما كان عظيمًا، دائمًا لا أحقّق ذاتي إلا حين أعبّر عن فهمي ورؤيتي وقناعاتي. شريعتي أيديولوجي كان يرى نفسَه كأنه مبعوثٌ من السماء، أفتقر لحماسه، اكتويتُ بشعلة هذا الضرب من الحماس العاصف بدايةَ شبابي في سبعينيات القرن الماضي، بعد سنوات قليلة انطفأتْ شعلتُه في داخلي إلى الأبد، عندما نضج عقلي، واتسع أفقُ فهمي لذاتي والإنسان والواقع الذي أعيش فيه، وأدركتُ أن للحقيقة وجوهًا متعددة وطرقًا متنوعة، طالما أخطأ الإنسانُ في اكتشاف أحد وجوهها، وسلك طريقًا لا يوصله إليها. تضيّع الإنسانَ متاهاتُ العقل الوثوقي واليقين المسبق، وتكذّب الأيامُ أحلامَ هذا العقل وأوهامَه.

الأيديولوجيا غير الدين، مصطلحُ الأيديولوجيا كان يعني في أول ظهوره واستعماله علمَ الأفكار، ثم استعمل معناه لاحقًا في النسق الفكري المغلق، الذي يرفض كلَّ أشكال الاختلاف ‏في التفكير والتعبير، ويعطل العقلانبةَ النقدية والمعرفةَ العلمية. ‏ليس كلُّ مَنْ يعتقد بدين إنسان أيديولوجي، أن يكون الإنسانُ بوذيًّا أو هندوسيًّا أو مسيحيًّا أو مسلمًّا في دينه لا يعني أنه أيديولوجي. وفقًا للتعريف الذي اقترحتُه “للدينَ بوصفه حياةً في أُفق المعنى، تفرضُه حاجةُ الإنسان الوجودية لإنتاجِ معنىً روحي وأخلاقي وجمالي لحياتِه الفردية والمجتمعية” يكون الدينُ غير الأيديولوجيا. يمكن تحويل الدين أو أي معتقد أو أي فكرة إلى أيديولوجيا. أعني بالأيديولوجيا نظامًا لانتاج المعنى السياسي، يحوكُ نسيجَ سلطة متشعبة، وفقًا لصورة متخيلة حاكتها أحلامٌ مسكونة بعالم طوباوي. الأيديولوجيا تزييفٌ للحقيقة، وطمسٌ لمعناها عبر حجب الواقع، واحتكارٌ لنظام إنتاج المعنى، وتعطيلٌ للحق في الإختلاف. لا يعني ذلك رفض تغيير الواقع، تفسيرُ ونقد الواقع يسبقُ تغييره، عندما لا نفهمُ شيئًا نعجزُ عن تغييره،كلُّ عملية تغيير تسبقها عمليةُ تفسير ونقد عقلاني.

كثيرًا ما تصلني رغباتٌ وطلباتٌ من شباب أعتزُّ بهم، يفكرون بتوجيه الكتابات على وفق احتياجاتهم الأيديولوجية، وما يظنون أن الواقعَ الذي نعيش فيه يتطلبها. أحيانًا يظلّ بعضُهم يلحّ، وهو يشدّد على ضرورة أن أكتب ما تنشده أيديولوجيا يعتنقها وأجيب عن أسئلتها. أعرف أن هذه الطلبات تعكس احتفاءَ وثقة هؤلاء القراء الكرام بما أكتب، وتعلن عن شهادة اعتراف أعتزّ بها. يتكرّر هذا السؤالُ الإنكاري من هؤلاء القراء: لماذا لا تقومون بدوركم أيّها الكتاب، كأن هؤلاء يفترضون الكاتبَ سوبرمانًا أو مقاتلًا أو فدائيًا. الكاتب خارج الأيديولوجيا غير مستعدّ أن يموت من أجل ما يكتبه، يعرف أن كتابتَه وحتى مقتَله لن يغيّر المجتمع، ويعرف مسبقًا أن بعض قناعاته الأساسية قد تتغير غدًا بعد أن يكتشف خطأها. الأيديولوجيا تستعبد الإنسان، تغيّبه عن ذاته، تنسيه أن تغييرَ العالَم يبدأ بتفسيره، وأن تغييرَ العالَم ينطلق من قدرة الإنسان على تغيير ذاته أولًا. يعجز الإنسانُ عن تغيير عالَم لا يفهمه، مثلما يعجز إن كان لا يقدر على تغيير ذاته. الكاتب إنسانٌ يحتاج أن يشعرَ بالأمان، ويوفّر احتياجاته الأساسية، ويعيش كما يعيش كلُّ الناس. الأيديولوجيا تفسد الكتابة، يكرّر بعضُهم بطريقة مملّة عبارات للمفكر اليساري الايطالي غرامشي وكأنها نصوص مقدّسة، بوصفه مثالًا للمناضل الذي يجب أن يتخذه نموذجًا كلُّ مَن يكتب. الطريف أن هؤلاء يتحدثون عن حقِّ الاختلاف، وضرورةِ تعبير كلّ كاتب عن تفكيره هو، في الوقت الذي يريدون منه أن يكون صورةً مشوّهة لغيره، من دون وعي لموطن غرامشي وموهبته ونمط شخصيته وحساسياته وعواطفه وانفعالاته، والزمان والمجتمع والواقع الذي كان يعيشه، ونوع أيديولوجيته، وكيفية نضاله واضطهاده ومعاناته وعذاباته في السجن.

اعتاد هؤلاء الشباب على تلبية بعض الكتّاب لطلباتهم المتنوعة والاستجابة لما يريدون. أكثر مَن يستجيب لهذه الطلبات ممن يكتب بكلّ شيء من دون أن يقرأ أيَّ شيء قبل أن يكتب، ويجيب عن كلِّ سؤال من دون بحث وتقصٍّ، ويتحدث بكلّ تخصص، وإن كان خارج تخصصه. بعضُهم يكتب وينشر في مختلف الحقول بلا تكوينٍ معرفي عميق، ولا تكوين أكاديمي متخصص، ويفتقر إلى اللغة المناسبة لموضوع الكتابة.

كذلك تردني مناشداتٌ ملحة من قراء ومعجبين تدعوني لكتابةِ الموضوع كذا، والعملِ على تأليف كذا، وحاجة المجتمع لمطالعة كذا. احترم كلَّ الرغبات والطلبات، أعترف أن المشكلةَ تخصّني، أحذر الكتابةَ جدًا، أعجز عن الكتابة بكلّ شيء، أنأى بنفسي عن كلِّ شيء لا أعرفه، أدرك حدودَ علمي الضئيل جدًا مقارنةً بما أجهله، كلّما تعرّفتُ على محدودية معرفتي أذهلني جهلي. لا أمتلكُ تهورَ الكتابة أو التحدّث بغير تخصصي وخارج مطالعاتي، أشعر بضجر لحظة تفرض عليَّ مناسباتٌ اجتماعية الاستماعَ لمتحدث يتكلمُ خارجَ تخصصه، أراه لفرط جهله يتسابقُ مع أهل التخصص ويسكت مَن يبدي رأيًا، وهو يتكلم بحماس بموضوعات لا يعرف عنها شيئًا.

أحاول أكتب ما يعتمل بداخلي، ‏أعجز عن الكتابة استجابةً لطلبات لا أجد حافزًا بداخلي لكتابتها، وإن كانت في إطار تخصصي وكتاباتي في الشأن الديني والتراثي. فشلتُ عدة مرات بالاستجابة لطلبات عزيزة لإجراء حوارات شفاهية أو مدونة مع محاورين أذكياء أحترم تخصصَهم وفهمَهم وثقافتَهم، أحيانًا أتهرب بالتأجيل لأشهر، وأخيرًا أعجز عن إكراه نفسي على ذلك. مشكلة هذه المناشدات أن أصحابَها ينسون أني كغيري من البشر كائنٌ غارق بسجون ذاتي وهشاشتها وأحزانها ومخاوفها وعجزها ومواجعها، الكتابة عندي لا تولد بقرار مفروض، لا أقدر على ممارستها بشكلٍ يومي رتيب. لكلٍّ منا آلامُه ومزعجاته ومثيراته وحساسياته ومشاعره الخاصة،كتاباتاتي وحياتي تتذبذب كما يتذبذب المنحنى النفسي لذاتي صعوداً وهبوطاً. ذاتي كإنسان لا تخلو من حساسياتها وقلقها وتناقضاتها ومخاوفها. يقول كارل غوستاف يونغ: “الإنسان الذي تخلّص من مخاوفه هو إنسان على حافة الهاوية”[1].

يتعاطى الآخرون معك أحيانًا وكأنك ماكنةٌ تشتغل بانتظام رتيب، أو قالبٌ صناعي ينتج نسخًا متماثلة، وهم لا يعلمون أنك تعجز أحيانا عن تنفيذ قراراتك والتحكم بنفسك، عندما تخذلك ذاتُك لأسباب خفية أنت تجهلها عن نفسك. لا تخلو شخصيةُ الإنسان من تناقضات حادّة، أحيانًا يتعذّر عليه هو التحكم بها، لذلك لا يستجيب طوعًا إلا لما يتسق مع طبيعته ومزاجه ويتناغم وأحلامه ورغباته وقناعاته. الكتابةُ ليست عمليةً آلية، إن أراد الكاتبُ أن يكون مبدعًا ينبغي ألا يشاكس طبيعتيه، وأن يكون مختلفًا يعبر عن ذاته كما هي. الحقُّ في الاختلاف بالكتابة شرطُ الإبداع، الإنسانُ إن كان مبدعًا في حالة هبوطٍ وصعود، “قبضٍ وبسط” كما يصطلح العرفاء، شخصيتُه في حالة تذبذب، لا يستقرّ على برنامج مكرّر متواصل، يحتاج باستمرار أن يكسر الرتابة، ويتحرّر من كوابيس المواقيتِ المُعدَّة سلفًا، والخططِ المفروضة قسرًا.

أن نكتبَ يعني أن نختلف، المختلفُ غيرُ مألوف وغيرُ معروف، لذلك يثيرُ الناسَ وربما يتسببُ في خوفهم واستفزازهم. أكثرُ الناسِ يثيرهم الاختلاف، الاختلافُ أحيانًا يشعرهم بتغيير أحوالهم، وربما بتهديد استقرارهم، وسلب الأمان من حياتهم، فيحتاجون إلى الشعور بأن يلبثَ كلُّ ما كان على ما كان.

 

[1] هكذا تكلم كارل غوستاف يونغ، ترجمها وعلق على نصوصها: أحمد الزناتي، 162، 2022، الكويت. عن: (كارل غ. يونغ، الرسائل، الجزء الأول، صفحة 399).

 

الكتابة بوصفها امتحانًا للضمير الأخلاقي

د. عبد الجبار الرفاعي

‏   نشر شاعرٌ ستيني شهير في بغداد سيرةً بعنوان “شاعر في حياة: ذكريات وأطياف” سنة 2017[1] سبقتْ وفاتَه بخمس سنوات. انتمى هذا الشاعرُ لحزب البعث في فترةٍ مبكرة من حياته، ومنذ انقلاب 1968 عمل في مواقع مهمة بمؤسسات إعلامية وثقافية متنوعة، كان يتنقل من مؤسسة لأخرى، أصبح المديرَ العام لدائرة الشؤون الثقافية في وزارة الثقافة والإعلام، والمديرَ العام للإذاعة والتلفزيون، ورئيسَ تحرير جريدة الجمهورية، وجريدة الثورة، ومجلة ألف باء، ومجلة الأقلام، ومجلة المثقف العربي، وغير ذلك من مناصب. فضلا عن توظيفِ أدبه لمعارك صدام العبثية، مثل روايته الوحيدة: “الصعود إلى سيحان” سنة 1987، والاحتفاءِ بالحرب وتمجيدها. اشتهرت جريدتا الثورة والجمهورية ومجلة ألف باء بافتتاحياتها الغارقةِ في مديح البعث الصدامي، وصناعةِ أسطورة كائنٍ متوحش اسمه صدام حسين.

أتحدّث عن سامي مهدي السياسي، لا أتحدّث عنه كشاعرٍ مبدع وكاتب موهوب. حين أقرأ بعضَ شعره أرى فرادةَ صوته الشعري، وأتحسّس أصداءَ غربة الشاعر وصرخةَ لوعته، وشهيقَ ألم الروح المختنقة بوجودها وزفراتها، والشعورَ العميق بمنفى الذات التائهة في العالم.كأن الكلمات في شيءٍ من شعره لا يمكن أن تتسع لكلِّ ما تستبطنه الذات، وتعيشه كتجربة وجودية. التجربة من هذا النوع عصيةٌ على أن تتكشف كيفيتُها بأيّ جنسٍ من الكلمات. مواقفُه السياسية لا تشبه بعضَ قصائده، لم تكن مواقفُ كاتب “شاعر في حياة” السياسية استثناءً أو شاذة في العراق وغيره. فلاسفة كبار وكتّاب وشعراء من أمثاله تورطوا في الدفاع عن أنظمةٍ قمعية وحكام يضطهدون الأحرار. نذكر مثالًا واحدًا لهؤلاء أورده عبد الرحمن بدوي، وهو الفيلسوف الشهير فرانسيس بيكون “1561-1626” الذي كان (صديقًا حميمًا لايرل اسكس، وسعى هذا بقوة ومثابرة لتوفير منصب رفيع لبيكون، وكان ايرل اسكس مقربا الى الملكة، لكن الملكة رفضت تعيينه في المنصب… وعوّضه ايرل اسكس بأن منحه احدى ضياعه، لكن حدث بعد ذلك بسنوات قليلة أن فقد ايرل اسكس حظوته لدى الملكة اليصابت، واتُهم أسكس بالخيانة. أتدري بمن استعانت الملكة لتبرير الاتهام؟ ببيكون نفسه، ضد ولي نعمته وصديقه الحميم ايرل اسكس! لقد استدعت الملكة بيكون وطلبت منه اعداد صحيفة الاتهام ضد اسكس، فحاول بيكون في أول الأمر أن يعقد مصالحة بين الملكة واسكس لكن لم تفلح محاولته، وأطاع الملكة فيما أمرته به، بل اجتهد في تلمس الحجج وكيل الاتهامات لصديقه وولي نعمته، ولما قدم اسكس للمحاكمة تولى بيكون نفسه مهمة المدعي العام، وكان أعرف الناس بخبايا صديقه، فحكم على ايرل اسكس بالاعدام ونفذ الحكم)[2].

قرأتُ سيرة سامي مهدي من الغلاف إلى الغلاف بشغفٍ كعادتي في قراءة كتب المذكرات والسير الذاتية.كتب هذا الشاعرُ سيرتَه بصيغةٍ خارجة عن السياق الزمني الرتيب للأحداث، لم يتقَّيد بأزمنةٍ ولا أمكنةٍ ولا مراحل عمرية. جذبتني لغتُه في الكتابة البعيدة عن التكلّف والاعوجاج، كان نثرُه طريا كأنه حكواتي ينسج حكاياتِه بسردٍ سهل ممتنع، يتقن الإنشاءَ بشكلٍ يخلو من الصناعة والافتعال، يكتب بلغة الحياة اليومية، كما يكتب الشاعرُ الشهير تي. إس. إليوت. من منظورٍ شعري محض، كان سامي مهدي متفرّدًا في شيءٍ من قصائده، لغتُه المنسابة كموسيقى؛ صورُه الأخّاذة، وشحنةُ الشجن المرهف أيضًا، ولو استقام مع حياة المعاني الزاخرة لترك إرثًا، لا قيمةَ بعده لافتتاحيات صحف المجد الزائف، ولا لخطابات مديح الهباء. أغلبُ نماذج النوم على سرير السلطة، لم تقترب من الشعر. سماءُ الشعر زرقاء وأرضُه بلون الماء، وبين السماء والماء امتدت تجاربُ الشعراء من دون أن ترتكب مجزرةَ التدنيس بالدم. هذه وقائع الشعريين والشعوريين التي كانت ردمًا لا يخلطهم بذوي المواهب، ولكنّ شعريي وشعوريي السلطة الغاشمة المتأخرين أسقطوا حصانةَ الروح المرهفة بلا ندم. تحت تأثير المواقع المتقدّمة، تراجع سامي مهدي مُبكراً عن ضفة الحياد الشعري. لم يكن لموهبته الشعريّة حضورٌ يقلّل من تمادي سلطة صدام بالقتل والفتك، وفقدَ مع غبار الحروب آخرَ مَلَكات الحريّة تجاه صداقات الأدب والثقافة.

لا أنكر حماسي لقراءة كتاب “شاعر في حياة”، غير أن هذا الحماسَ بدأ يخبو كلّما توغلتُ في قراءة صفحات الكتاب إلى أن شعرتُ بخيبةٍ مريرة بعد الفراغ من مطالعته. أكملتُ قراءةَ الكتاب سريعًا، وشعرتُ أن الكاتبَ يستغفل القارئَ بعد أن أسقط من تاريخه الشخصي كلَّ شيءٍ يتصل بالانتماء لحزب حكم العراق سنوات مريرة، وتشبّثه بأيديولوجيا البعث الصدامي حتى آخر يومٍ في حياته، إذ كان حاضرًا بفاعليةٍ في مؤسسات السلطة الإعلامية والثقافية. اندهشتُ من عجزِ هذا الشاعر الذي ينتمي للحداثة الشعرية عن الاعترافِ بأيِّ خطأ في حياته الحزبية في صفوف البعث، وتجاهلِه أية جريمةٍ ارتكبها حزبُه في حكم العراق. حجب سامي مهدي من كتابه كلَّ شيءٍ له صلةٌ بذلك من قريب أو بعيد. “شاعر في حياة” نموذجٌ لشيزوفرينيا مارسها كتابٌ مشاهير التقتْ في نصوصهم الأضداد.كتابٌ يتلمس القارئُ الذكي فيه كيف تختفي النزعةُ الفاشية خلفَ قناع الحداثة الأدبية. استبدَّ بضمير هذا الشاعر الانتماءُ لأيديولوجيا البعث، وأفقده القدرةَ على ذكر أيّ شيءٍ ولو عابر من خطايا نظام البعث الصدامي بحقِّ الشعب العراقي. حاول الكاتبُ ممارسةَ خدعة تمويهٍ تخفي تاريخَه الحزبي عن أولئك الذين لا يعرفونه من قراء الجيل الجديد في العراق.كأنه لم يكن يعرفُ ولائمَ الذبح الصدامية لرفاقه، كمجزرة قاعة الخلد في 22 تموز 1979 بعد 6 أيام من رئاسته، ومجازرِ المواطنين الأحرار في العراق، ولم يكن شاهدًا ومسؤولًا ثقافيًا وإعلاميًا في محطاتٍ متنوعة من مسيرة حزب البعث ونظامه، ولا يرى شيئًا من مذابح صدام وفاشيته المتوحشة. لم يُصدر الشاعرُ كتابَه في زمن صدام كي نلتمس له العذر، أصدر الكتابَ بعد 15 سنة من سقوط نظامه، وبعد 12 سنة تقريبًا من إعدامه.

بعد احتلال صدام للكويت عقد اجتماعًا لكبار المسؤولين في الدولة، وكان (يدعو القوات المسلحة إلى عدم الانسحاب من الكويت بأي صورة: “حتى لو أتاكم كتابٌ موقعٌ من قبل صدام حسين يأمركم فيه بالانسحاب فلا تفعلوا”… رفع الشاعر سامي مهدي ذراعه طالبًا الإذن بالكلام، وأذن له الكائن الأدري الأعلى، صدام حسين. قال: “وماذا يا سيادة الرئيس لو أن الأعداء قاموا بترتيب تصويري كاذب لسيادتكم وأنتم تأمرون الجيش بالانسحاب!”)[3]. يتغنى سامي مهدي بصدام في قصيدة له بعنوان “ولصدام المحبة”، يقول فيها:

“حبنا هو هذا الكثير الكثير القليلُ

حينا السهلُ والصعب، والممكن المستحيل

هو أجمل ما عندنا

وهو أثمن ما عندنا

وهو ما أدخرته القلوبُ لصدام

منذ بدأنا الطريق الطويل”[4].

أيامُ الحصار المرير المفروض على الشعب العراقي يواصلُ سامي صناعةَ الاسطورة فيكتب افتتاحياتٍ لجريدة الثورة بعناوين، مثل: “القائد صدام حسين جدد شباب البعث”، للعدد 9233 بتاريخ 28-4-1997. أورد مؤلفُ “معجم كتاب وأدباء ومؤلفي أم المعارك الخالدة 1990-1998”[5] لسامي مهدي 258 مقالة في هذه السنوات[6]، أكثرُها افتتاحيات لجريدة الثورة يمجِّد فيها صدامَ ونظامَه وأم المعارك وحروبه الطائشة. يتجاهل سامي كلَّ جرائم صدام ومذابحه، ويغضّ النظرَ عن حماقتِه الشنيعة باحتلال الكويت، ومأساةِ الجيش العراقي الذي فرض عليه صدامُ البقاءَ في الكويت مهما كلَّفه ذلك، ثم دعاه لانسحابٍ مذلّ انتهى إلى مذابح مريعة بطائرات وصواريخ ومدرعات التحالف الدولي، بعد أن رفض كلَّ مبادرات الدول العربية وغيرها بالانسحاب السلمي، ويدفع الشعب العراقي اثنين وخمسين مليارًا وأربعمائة مليون دولار كتعويضات لحماقة احتلال صدام للكويت. وكان “آخر منصب شغله هو رئاسة مؤسسة الثورة للإعلام، وعندما أسقط الجنود الأمريكيون تمثاَل صدام حسين يومَ الأربعاء الموافق 9 نيسان/ إبريل، كانت افتتاحيةُ الجريدة الناطقة باسم حزب البعث الحاكم، التي صدرتْ فجر يوم الثلاثاء 8 إبريل، تحمل توقيعَ سامي مهدي”[7].

في شهادته حول شعراء الستينات و”نقد البيان الشعري” يصوّر الشاعر عبد الكريم كاصد موقفًا مثيرًا لسامي مهدي، حين كان ومجموعة من أصدقائه في جلسة مرح وابتهاج، استفزه ذلك وهو يجلس قربهم، يكتب كاصد: (سامي مهدي أغاظه ما رآه من فسحة فرح منحتها لنا سلطته الجادة الدموية المتجهمة، لأنّ مكاننا الحقيقي هو السجن، أو المنفى، “وهذا ما تحقق فيما بعد بأسوأ مما قبل”، وليس موائد الفرح: فجأةً بحركة همجية شرسة مباغتة قطع ضحكنا بعرض ساعته ليرينا أياها معلنًا: إنها ساعة سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي سلام عادل الذي عُذِّب تعذيبًا وحشيًا لا سابقة له. قال له الصديق الراحل جعفر موسى هذا يعني أنك كنت تمارس دور الجلاد معه. أجابه: كنت حاضرًا التعذيب ولم أمارسه. رد عليه جعفر بل مارسته. ليلة ليلاء لا تُنسى، وجلسة عرس ارتدت حدادها منذ اللحظة الأولى… الجلاد الذي مرّ ذكره، والذي قدم عذرًا أسوأ من فعلته، وهو حضوره ليشهد الصلب أو التصليب أو المذبحة، أو سمّها ما شئت: إنسان معلّق بمروحة سملوا حتى عينيه، فلم يقو حتى على الأنين. كيف لشاعر أن يستمرئ رؤية مثل هذا المشهد المريع! ولم يكتف بما فعله أو رآه باعتباره فرجة دموية نادرة، وإن تكررت في أقبيتهم، بل وفي المنازل والشوارع والساحات. لا لم يكتف حتى بتذكره. إنه يستدعيه ويستعيده ملتذًا، علنًا أمام الجميع، في أي مناسبة تسنح له ملوحًا بساعته، مفتخرًا رغم مرور السنوات التي تبدو أنها مرت بالنسبة إليه سراعًا، وكأنها ساعاتٌ تلوّنتْ بالنصر، واستعادة النصر ثانيةً، وثالثةً، وهكذا هم بالفعل)[8].

التماهي مع آلة الفتك والتدمير، أسكر سامي، الشاعر، فلم يتخفّف من أردية الدم الحمراء حتى الرمق الأخير من حياته، ولو من أجل الشعر نفسه. لا أظن سامي، الإنسانَ الشعريّ، سيخلف سامي السياسي، مهما كان تأريخ الفرادات نديًّا. هذه هي الخسارةُ المرئية والثابتة، خسارةُ الأدب والثقافة والإلهامات. حسناتُ سامي مهدي الشعريّة، سيئاتُ سامي مهدي الشعوريّة؛ حسناتُ وسيئاتُ كلِّ أحدٍ وكلِّ نظامٍ سياسي، لن تنفي، لاحقًا، أن سامي عاش سنوات عديدة ومديدة حرًّا وطليقًا لدرجة لا تُصدق بعد سقوط صدام، تحت ظلال التغيير السياسي الذي جرف نظامَه الديكتاتوري. لكنه، مرّة أخرى، لم يكن يرى حتى هذا الفارقَ المبسّط.

عندما فرغتُ من مطالعة كتاب “شاعر في حياة” فكرت بكتابة مقالٍ عن كيف يموت الضمير الأخلاقي للأديب والمثقف، وكيف يعجز عن الاعتراف والاعتذار لشعبه، وكيف يتجاهل هو وشعراءُ ومثقفون، ممن انخرطوا طوعيًا في جوقة المهرّجين لصدام ونظامه، مأساةَ المقابر الجماعية ومسالخَ البعث الصدامي. منعتني من الكتابة شيخوخةُ الرجل، ووهنُ جسده، ومرضُه، رأيتُ الإجهازَ على جريحٍ عاجز ليس من شيم الكرام. لم يعد هناك ما يمنعني اليوم من التحدّث عنه، بوصفه نموذجًا لموت الضمير الأخلاقي لعددٍ من شعراء وأدباء مازالوا يحضرون بقوةٍ في حياتنا الثقافية، ولم نقرأ اعتذارًا شجاعًا ولو بكلمةٍ واحدة من أحدٍ منهم للشعب العراقي. هذا النموذج معروضٌ للبيع في كلِّ العهود، هناك دائمًا من يقوم بمثل هذا الدور في خدمة كلِّ نظامٍ مستبدٍّ في بلادنا وغيرها، لا يصحو ضميرُ هؤلاء إلى آخر يومٍ في حياتهم. سألتُ عددًا من شعراء وأدباء وكتّاب معروفين، ممن مكثوا في العراق أيام الحروب والحصار ولم يغادروا الوطن، عن نشرِ الشعر في مديحِ صدام وتمجيدِ حروبه، والتزلفِ له ولحزبه في الكتابة، فشدّد الكلُّ على أن هؤلاء كانوا متطوعين، يطمعون بما يعطيه صدام لهم، ويتملقون له ولزبانيته. شعراء وأدباء وكتّاب كبار صمتوا، ولم يكتبوا جملةً واحدة تملقًا أو طمعًا بمال كلِّ تلك الأيام.

سجالات جيل الستينات، أو سلوكياتُ التناحر الجدليّ بين اليسار الشيوعي واليمين القومي، تركتْ آثارًا عميقة على الروح الشعريّة العراقيّة. هذه الآثارُ ستظهر بأوجه عديدة ومتناقضة جدًا. لكن يغلب على جيلها كلّه نزعةُ تمرّد، غالبًا ما أخرجتْ عددًا مذهلًا إلى فضاء المراجعة والتغيير، الذين وُلدوا بلا هذه النزعة انتزعوا، من جانبهم، آخرَ ورقة توت من مواهبهم المبكرة.

الكتابةُ ضربٌ من امتحان الضمير الأخلاقي للكاتب، أسوأ خياناتِ الكاتب خيانةُ دماء شعبه، والتبَجَح بـ “ما ادخرته القلوبُ” من محبة لزعيم متوحش سفّاح كصدام.كما تتطلب الكتابةُ عقلًا يقظًا تتطلب أيضًا ضميرًا أخلاقيًا يقظًا، بعض الكتاب يحاولون خداعَ القراء عندما يكتبون مغالطاتٍ ومراوغاتٍ وتمويهات مفضوحة. ‏ليس المهم أن تكون موهوبًا وحاذقًا ومتعلمًا تعليمًا جيدًا فقط، المهم أيضًا أن تمتلك وعيًا بالعالم من حولك، وتكون حكيمًا، وتمتلك ضميرًا أخلاقيًا يقظًا يحضر بفاعليةٍ حين تكتب.

[1] يكتب سامي مهدي: “وهذا الكتاب ليس سيرة ذاتية، ولا سيرة أدبية، بل ذكريات على هامش السيرتين، وقبسات منهما، طغى فيهما الأدبي على غيره. ويتألف الكتاب من قسمين: الأول يتعلق بذكرياتي الأدبية المتعلقة بشخصي، والثاني يتعلق بأدباء وفنانين كانت لي ذكريات ومواقف معهم، ويكمل القسمان أحدهما الآخر ويضيئه، في ما أظن”.

[2] موسوعة الفلسفة ج1: ص 393.

[3] حيدر المحسن، جنازة سرية لشاعر، جريدة القدس العربي، الصادرة في 11 سبتمبر 2022.

 

[4] سامي مهدي، بريد القارات، ص 129، 1989، دار الشؤون الثقافية، بغداد.

[5] هذا المعجم يتضمن استقراءً واسعًا لمن كتب بتمجيدِ صدام وجرائمِه وحروبِه العبثية.

[6] عدنان رشيد الجبوري، معجم كتاب وأدباء ومؤلفي أم المعارك الخالدة 1990-1998، ج3: ص 719-740، 2000، دار الكتب والوثائق، وزارة الثقافة والاعلام، بغداد.

[7] حيدر المحسن، جنازة سرية لشاعر، جريدة القدس العربي، الصادرة في 11 سبتمبر 2022.

[8]  عبد الكريم كاصد، رهان الستينات: نقد البيان الشعري، ص 40-42، 2022، الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، بغداد.

 

 

رابط النشر:

مَنْ ينسى الفلسفةَ تنساه أعيادُ التاريخ

د. عبدالجبار الرفاعي

العقلُ الفلسفيُّ عقلٌ كونيُّ، عابرٌ للجغرافية الإثنيّة والأيديولوجيَّة والدينية. قراءةُ الفلسفة بعيون أيديولوجية تنتجُ أيديولوجيا، قراءةُ الفلسفة بعيون لاهوتية تنتجُ لاهوتًا، قراءةُ الفلسفة بعيون كلاميّة تنتجُ علمَ كلام. لا ينتج الفلسفةَ إلّا التفكيرُ الفلسفي، والقراءةُ الفلسفيّةُ للفلسفة.

إيقاعُ التقدم المتسارع للذكاء الصناعي والروبوتات، والهندسة الجينية، وتكنولوجيا النانو، وتكنولوجيات متعدّدة تتحدث لغةَ الذكاء الصناعي وبرمجياته، يخلقُ طورًا وجوديًا بديلًا تعيد تكوينَه الأنماطُ المختلفة لصلاتِ الإنسان بالأشياء، وصلاتِ الإنسان بالكائنات الحيّة المتنوعة في الطبيعة، وصلاتِ الإنسان بالإنسان. ينتجُ التقدمُ المتسارع حالةَ لايقين شاملة، تطول: القيمَ، والمعتقدات، والثقافات، والاقتصادات، والنظم السياسية، والسياسات المحلية والإقليمية، والعلاقات الدولية، والعلاقات الاجتماعية، وكلَّ شيء في حاضر الإنسان ومستقبله.كلّما تضخم اللايقينُ واتسعت مدياتُه اتسعَت الحاجةُ لحضورٍ فاعلٍ للعقل الفلسفي. الأسئلةُ الوجودية الكبرى وأزماتُ العقل والروح ليست من اختصاص العلم، ولا تقع في فضاء المادة والتجربة.

‏‏لم يولد العلمُ إلا ‏في أحضان الفلسفة، تظلّ الفلسفةُ تواكبُ العلم، تتغذّى بأسئلته الحائرة ومشكلاتِه وأزماته خارجَ حدود المادة والتجربة، وترفده وتغذّيه بالأجوبة والحلول والرؤية لما تنتجه تطوراتُه من تساؤلاتٍ ومشاكلَ وأزماتٍ روحية وأخلاقية ونفسية وعقلية، سواء أكانت هذه المشاكلُ والأزمات فرديةً أو مجتمعية. لن يكتفي العلمُ بذاته ويستغنى عن الفلسفة، مهما بلغ تقدّمُه وتنوعت وتراكمت نتائجُه.كانت الفلسفةُ وستبقى تستجيبُ لما يستجدُّ من اكتشافات في الفلك والفيزياء وغيرهما من العلوم، فقد كان لعلم الفلك الحديث الذي بدأ مع كوبرنيكوس (1473 – 1543) ونظريتِه في مركزية الشمس ودوران الأرض والأجرام الأخرى في المجموعة الشمسية حولها، أثرٌ مباشرٌ على التفكير الفلسفي والميتافيزيقي في أوروبا من بعده. وهكذا تأثّر هذا التفكير بقوانين الحركة والجاذبية العامة في فيزياء نيوتن (1642 – 1727)، كما تأثَّر لاحقًا بفيزياء الكوانتم لماكس بلانك (1858 – 1947)، ونظرية النسبية لأينشتاين (1879 – 1955).

علاقةُ الفلسفة باللاهوت عضوية، فمثلما يتغذّى ويتجدّدُ اللاهوت بالفلسفة تتغذّى الفلسفةُ وتتسعُ آفاقُها وتتنوّعُ حججُها بالسؤال اللاهوتي. السؤالُ اللاهوتي يبحثُ عن يقينيات لا يظفر بها مهما توالدت الأجوبةُ وتواصلت الاستدلالات. إنه سؤالٌ مفتوح،كلُّ سؤال مفتوح منجمٌ ثمين للتفلسف.كلّما ابتعدَ اللاهوتُ عن الفلسفة وقعَ فريسةً للامعقول. لا يضعُ اللاهوت في حدوده ويمنع تغوّله إلا الفلسفة، ولا يتجدّدُ اللاهوت إلا عندما يعيدُ النظرَ في الحقيقة الدينية ويتأملُها بعين فلسفية.

إصداراتُ الكتب والدوريات التي تحملُ عناوينَ فلسفية لا أقرأ فيها غالبًا رؤيةً فلسفية، ولا أرى أكثرَها تتحدثُ لغةَ الفلسفة. صارت الفلسفةُ لافتةً يختفي وراءها جماعةٌ من المولعين بالشهرة، يراكمون عنواناتٍ بلا مضمون فلسفي، ويكتبون موضوعاتٍ عويصةً وهم عاجزون عن التفلسف وخلق الأسئلة الفلسفية، تتكدّسُ في كتاباتهم كلماتٌ تتخبّطُ في دلالتها ولا تفصحُ عن وجهتها، لا تقرأ فيها ما يشي بشيءٍ يصنَّفُ على الفلسفة. في أقسام الفلسفة بجامعاتنا قلّما نجدُ أستاذًا يتفلسف خارج النصِّ الذي يقرّرُه لتلامذته، مَنْ يعجز عن التفلسف يعجز عن تعليم الفلسفة، التفلسفُ غايةُ تعليم كلّ فلسفةٍ تنشدُ لنفسها إيقاظَ العقل.

 

 

بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة،17.11.2022

 

رابط النشر: