من الفهم الى الأنطولوجيا .. في سوسيولوجيا الدين

قراءة للدين والظمأ الأنطولوجي

 

د. فاطمة الثابت[1]

لكي نقبل هذا العالم يجب أن نرفض هذا العالم، فالوجود أستُهلك إلى درجة الأضمحلال، وهناك تناقض فعلي بين تأمل العالم وبين تحويل العالم، ومن هنا تبرز ضرورة توظيف الفهم الحقيقي للدين ليرتوي “الظمأ الأنطولوجي”.

من منظور اجتماعي، تتضمن أنطولوجيا الدين دراسة طبيعة الكيانات والتجارب والظواهر الدينية في إطار الهياكل والمؤسسات والتفاعلات الاجتماعية. يدرس علماء الاجتماع كيف يشكل الدين المجتمع ويهيكله، وينظرون إلى البناء الاجتماعي للواقع الديني. من أهم القراءات السوسيولوجية للدين قراءة إميل دوركهايم، عالم الاجتماع الرائد، الذي تناول دراسة الدين من منظور وجودي، لا سيما في عمله الأساسي: “الأشكال الأولية للحياة الدينية” الذي نشر عام 1912، كان دوركهايم مهتمًا بفهم الطبيعة الأساسية وجوهر الدين داخل المجتمعات البشرية.

كما قدم ماكس فيبر، عالم الاجتماع الألماني، مساهمات كبيرة في الفهم الاجتماعي للدين من خلال كتابه “الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية “، بينما ركز إميل دوركهايم على التكامل الاجتماعي والجوانب الجماعية للدين، كان نهج فيبر أكثر دقة وشمل باستكشاف تجربة الفرد الذاتية، وتأثير الأفكار الدينية على التغيير الاقتصادي والاجتماعي، حيث وظّف (الفهم). كان نهج فيبر في فهم الظواهر الاجتماعية، بما في ذلك الدين، يرتكز على مفهوم “Verstehen”، وهو ما يعني الفهم باللغة الألمانية، وشدد على أهمية فهم المعاني الذاتية التي يعلقها الأفراد على أفعالهم ومعتقداتهم وتجاربهم. في دراسة الدين كان هذا يعني الاهتمام بالتجارب الحياتية للأفراد والمعاني التي ينسبونها إلى الممارسات الدينية.

وبغض النظر عن السياقات التاريخية التي ميزت بداية وجهات النظر الحداثية وتأثيرها الدائم، فضلاً عن الظهور اللاحق لاتجاهات ما بعد الحداثة، التي كشفت عن نقاط الضعف في العديد من الأيديولوجيات الحداثية، أو من زاوية مختلفة، النظر في إعادة تشكيل المشهد الفكري عالميًا، إن الحاجة ملحة إلى فهم جديد خاصة في العصر الحالي، بعد تراجع الهيمنة الأيديولوجية للفكر الغربي، أصبح من الضروري بالنسبة لنا أن نفهم فهمًا جديدًا واقعنا.

هذا الفهم يبدأ من تشخيص دقيق لأزمة التديّن، حيث يبين د. عبد الجبار الرفاعي: “إن ما وضع الدين اليوم في مأزق تأريخي، هو ترحيله من مجاله الأنطولوجي الى المجال الأيديولوجي هذا من جهة، ومن جهة أخرى ازدراء بعض النخب للدين واحتقارهم للتديّن، أثر الفهم الساذج المبتذل لحقيقة الدين في فهمهم، والصدور في أحكامهم من نمط التديّن الأيديولوجي الشائع”.

في رحلة عميقة من الذات ينتقل بنا الرفاعي الى الوجود الإنساني، حيث يعتبر “الإيمان تجربة ذاتية، خلافًا للفهم والمعرفة، لا يتحقق الإيمان بالنيابة، بوصفه تجربة تنبعث من الداخل، وصيرورة تتحقق بها الروح وتتكامل، ونمط وجود يرتوي به الظمأ الأنطولوجي للكائن البشري”. مَن يقرأ الفصول الأولى للكتاب وما بعدها يفهم هذا النص بتجلياته، يبدأ كتاب: “الدين والظمأ الأنطولوجي” بنسيان الذات، ثم نسيان الأنسان، ليصل الى التجربة الدينية وأزمة الظمأ الأنطولوجي، وبعدها يقف على الاحتكار الأيديولوجي لإنتاج المعنى الديني، ويخرجنا من هذه الأزمات الى ضرورة تجديد الفكر الديني. مما يؤدي في النهاية إلى استكشاف التجارب الدينية والتعطش الوجودي للمعنى، فهو يدقق في أزمة الشوق الوجودي، ويواجه احتكار الأيديولوجيات لإنتاج المعنى الديني. وبذلك ترشدنا رحلة الرفاعي إلى الخروج من هذه التحديات الوجودية، وترسم خارطة طريق لتجديد الفكر الديني.

وفي تنمية هذا الفهم والانغماس في الأعماق الروحية لهذه المعاني، هناك تجنب متعمد للابتعاد والازدراء تجاه الذات أو نقيضها، وبدلًا من ذلك، يبدأ الاستكشاف من الذات، ويمتد نحو الوجود، ويرسم صورة متكاملة للوجود الإنساني.

[1] أستاذة علم الاجتماع بكلية الآداب بجامعة بابل في العراق.

اغتراب المثقف العراقي عن مجتمعه

د. عبد الجبار الرفاعي

بعضُ الأدباء والمثقفين العراقيين يظن أن المتدينَ لا يمكن أن يكون مثقفًا، ‏والمثقفَ لا يمكن أن يكون متدينًا. في الشهر السادس سنة 2003 دعاني المعهدُ الألماني للأبحاث الشرقية في بيروت لمؤتمرٍ لدراسة تداعيات الاحتلال وآثاره على العراق.كنا جماعةً من المدعوين العراقيين جالسين في الاستقبال مع لزلي ترامونتيني معاونة رئيس المعهد. حلَّ وقتُ آذان المغرب، فقلت: استأذنكم أصعد للغرفة أصلي، أجابني مثقف معروف قائلًا: أنت رجل مثقف عقلاني، إلا أن الغريب أنك تصلي، وهذا لا يليق بمثقف. رددتُ غاضبًا: رجاء لا تجرح ضميري الديني، أنا إنسان مؤمن أصلي منذ البلوغ، ولن أترك الصلاةَ مادمتُ حيًّا. الصلاة معراجي إلى الله الذي يطمئن به قلبي، ويملأ روحي سكينةً وسلامًا. لماذا تشترط على المثقف العقلاني ألا يكون مؤمنًا، وينبغي ألا يصلي؟ عددٌ من الفلاسفة مثل “امانويل كانت” فيلسوف التنوير كانوا مؤمنين بالله، كيركغورد كان مؤمنًا عارفًا، محيي الدين بن عربي أعظم حكيم عارف ظهر في الإسلام كانت استبصاراتُ روحه ساطعة. فوجئ الرجلُ بهذا الجواب الصريح، فاعتذر بكلماتٍ مرتعشة، ماتتْ في شفاهه.

الدينُ حاضرٌ في كلِّ شيء في حياتنا، تجاهلُ آثاره الإيجابية والسلبية كليًا، انتهى إلى اغتراب ثقافتنا ومثقفنا عن مجتمعه. يذهب بعضُ المثقفين إلى استفزاز الضمير الديني لك لو علم أنك تؤمن بالدين، يتحدث معك بكلماتٍ جارحة أحيانًا بلا مقدّمات. قبل سنة قابلتُ شخصًا كان يسأل عني ويريد أن يتعرف عليّ، حييته باحترام واهتمام واحتفاء، بعد التحية مباشرة، لم أكن أفكر بالحديث معه عن أيِّ شأن يتصل بالدين، غير أنه استبقني وهو يقول بتوتر وانفعال: “أنا لا أؤمن بكل شيء ينتمي للدين جملة وتفصيلًا، ولا أطيق أن أقرأ أو أستمع أي كلام من أي إنسان يتحدث عن ذلك”، فانصرفتُ مباشرة.

الثقافةُ العراقية اليوم مغتربة عن محيطها، والمثقفُ العراقي مغترب عن مجتمعه. يعرف المثقفُ والأديب الأدبَ والشعرَ اليوناني أكثر مما يعرف الجاحظَ والتوحيدي والمعري، ويستشهد بالميثيولوجيا والآلهة اليونانية أكثر مما يستشهد بآلهة الحضارات العراقية القديمة الراسخة الجذور في حضارات وادي النهرين. يهتمّ بقراءة الكتب المقدّسة الوحيانية وغير الوحيانية للأديان المختلفة وتراثها الديني، وقلّما يعود للقرآن الكريم، ولو حاول أن يلتقط نصًا من التراث الإسلامي، كأن يستشهد بشذرةٍ للحلاج أو النفّري أو ابن عربي أو جلال الدين الرومي لا ينظر للنهر الذي استقتْ ونبتتْ في تربته هذه الشذرة. عندما يقتطف ثمرةً لا يرى الشجرةَ العظيمة المثمرة ولا جذورَها، ولا الأرضَ المغروسة فيها. يحتفي بأفراح وأحزان أديان متنوعة، ويمتنع أو يتردّد كثيرًا وأحيانًا يخجل من الاحتفاء بأفراح وأحزان أمه وأبيه وأهله ومجتمعه. أعرف أن الثقافةَ والأدب والفن العراقي الحديث ولدت في أحضان أيديولوجيا اليسار الأممي منذ ثلاثينيات القرن الماضي، وتغذّت لاحقًا من أيديولوجيا اليسار القومي، غير أنها بعد مضيّ نحو قرن من الزمان مازالت أسيرةَ آباء اليسار، وتلبث حتى اليوم في رعاية أبناء وأحفاد أولئك الآباء.

الغريب أن تبجيلَ شعر الحلاج وشذرات النفري وأمثالهما من العرفاء يرادفه تجاهلُ العرفان ونصوصه لدى أكثر المثقفين العراقيين. نادرًا ما أرى ومضاتٍ مضيئة في النثر والأدب العراقي الحديث مرآةً لرؤية فيلسوف وذوق عارف في الأدب العراقي. يكتب فتغنشتاين: ‏”إن الشعور بالعالم ككل هو الشعور الصوفي”. إن ثقافةً لا تتشبّع بالفلسفة ولا تتذوق العرفانَ تظلّ فقيرة، تحاول أن تغطي فقرَها بفائض الألفاظ. مثلُ هذه الثقافةِ تجهل الحاجةَ للدين، وتعجز عن رؤية أعماق الحياة الروحية.

في العراق موقف المثقف من الدين والتدين ملتبِس، أحيانًا يبلغ الموقفُ حدَّ النفور والاشمئزاز من كلِّ ما يمتّ للدين بصلة، من دون نظرٍ وتأملٍ في الدين بوصفه ظاهرةً أبدية في الحياة البشرية، ومن دون نظر وتدبر بتنوع قراءات النصوص الدينية، واختلافِ تأويلها عند المفسرين والمحدثين والفقهاء والمتكلمين والفلاسفة والعرفاء، ومن دون تمييزٍ بين أنماطِ التدين وتعبيراتِه المتنوعة في الحياة.كلُّ شيء يتصل بالدين والتديّن يوضع في سلةٍ واحدة. المشكلة في العراق أنك نادرًا ما تجد في الوسط الثقافي، الذي يحتكره اليسارُ تاريخيًا، مَن يكتب في الدين، أو يقدم تفسيرًا علميًا لقوة حضورِه وتأثيرِه الواسع في حياة الفرد والمجتمع، بل تجد من يهزأ بالكتابة في الدين ويسخر من الحديث عنه. أحدُ حاملي الدكتوراه، بدلًا من أن يتجنب الخوضَ خارج تخصّصه، يقول: كيف يمكن أن يكون الإنسان مثقفًا وهو يعتقد بـ “‏ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ”[1]، لو قرأ هذا الدكتور شيئًا من الدراسات الحديثة في لغة الدين لأدرك أن لغةَ الكتب المقدّسة لا تُقرأ من دون أدواتها الخاصة. ترسّخت عقدةُ ازدراءٍ للدين والتديّن في الثقافة العراقية الحديثة، إلى الحدّ الذي يمكن أن نجد المثقفَ عقلانيًا في أكثر كتاباته، إلا أنه لحظةَ يكتب عن الله والدين والتدين يتحول إلى كاتبٍ لا عقلاني ولا منطقي، وأحيانًا يصير شتّامًا، يكتب بتهكّم وسخرية.

‏ لم أجد مثقفًا جادًا أو أديبًا مبدعًا من أصدقائي خارج وطني إلا وتكوّن تكوينًا فلسفيًا رصينًا.كلُّ ثقافة فاعلة تتأسّس على أرضيةٍ فلسفية، ورؤيةٍ جمالية للعالَم، ولا تفتقر لنكهةٍ عرفانية، ترى ذلك يتجلّى في: الدين، والميثولوجيا، والشعر، والفنون السمعية والبصرية. لولا ابن رشد وابن عربي وابن طفيل وابن سبعين، وغيرهم من الفلاسفة والعرفاء، لنُسي الوجهُ الثقافي المضيء للأندلس.

المثقف الحقيقي يتبنى العقلانيةَ النقدية، يرى في النقد حياةَ العقل، يتعلّم من النقد العلمي، ويتعلّم من المتعلمين، وحتى من غير المتعلمين. في الثقافة العراقية الحديثة مفهومُ النقد مضلّل، نادرًا ما تقرأ في وسائل التواصل نقدًا عقلانيًا، بعضُهم يتهجّم ويستهزىء بمؤلفات ثمينة من دون أن يقرأها. وأحيانًا يهجو غيرَه، لا لسببٍ إلا لأنّ مزاجَه لا يقبله، وربما يلجأ للعنف اللفظي، وإذا سألته: لماذا تكتب هكذا، يجيبك: هذا نقدٌ، وكأن النقدَ ازدراءُ الأشخاص والسخرية منهم، وليس محاكمةَ الأفكار وغربلتَها وتمحيصَها. هذا مأزق مستحكِم في الثقافة العراقية الحديثة، وهو في ظني أعمقُ عامل للطلاق البائن بين المثقف والمجتمع.

عشتُ في بلدان متعدّدة وتعرّفت على نخب ثقافية عربية وغير عربية، قلّما رأيتُ مفكرين معروفين جادّين يفهمون الدينَ بتبسيطٍ مريع، وحانقين على التديّن إلى الدرجة التي عليها بعضُ مثقفينا. محمد عابد الجابري ختم حياتَه بتفسيرٍ للقرآن الكريم، وهكذا كان إنتاجُ خريف عمر عبد الرحمن بدوي كتابَ “دفاع عن القرآن”، و” دفاع عن محمد”، وأصدر عبد الله العروي كتاب “الإصلاح والسنة” في خاتمة رحلته الطويلة، وكرّس حسن حنفي السنوات الأخيرة من حياته لتفسير القرآن. ورأينا أمثالَهم مفكرين كبارًا منتمين إلى مجتمعات عالَم الإسلام وغيرها يختمون إنتاجَهم الفكري بكتابات دينية. لا أدعو لأن يفعل الشعراءُ والأدباء والفنانين ذلك في مجتمعنا، ولا أريد أن يتحول المثقفُ إلى مبشِّر ديني، وليس هدفي تقييمُ تلك الكتابات لمفكرين معروفين لا يعنيهم الشأنُ الديني قبل نهاية مشوارهم في التأليف، والتنقيبُ عن الدوافع الخفية في خريف العمر، مثل قلق اقتراب الموت والشعور الحزين بوحشة القبر، التي تحفزّهم لمثل هذا النوع من الكتابات. أردتُ فقط التنبيه إلى وعي مفكرين عرب كبار، وإن كان متأخرًا، للحضور الفاعل للدين والتديّن في مجتمعاتنا.

الغريبُ أن بعضَ المثقفين كثيرًا ما يكرّر الدعوةَ لنبذ العنف والدعوة للـ “السلام”، ويراكم مقالات متنوعة حول ذلك، غير أنه ينفر من كلمة “السلام” حين تقترن بتحية الإسلام. من حقِّ كلّ إنسان أن يحيّي الناسَ بما يحلو له وبما تربى عليه، إلا أن بعضَهم يرفض حقَّك في استعمال تحيتك المعبِّرة عن ذوقك وتربيتك وأخلاقك ودينك. لا يطيق آخرون الترحّمَ المتعارف على الميّت والدعوةَ له أن تشمله رحمةُ الله الواسعة، فلو ترحمتَ عليه ودعوتَ له، يعاندك بلغةٍ مباشرة تشي بإنكارِ الحياة الأخرى، وكأن عزاءَه لك في إنكارها. رثيتُ قبل مدة أحدَ علماء الدين من الأصدقاء الأعزاء الذين تمتدّ صلتي بهم إلى نصف قرن، عرفته بمواقفِه العنيدة المناهِضة لفاشية صدام، وجهودِه الدينية والاجتماعية والثقافية، ومشاريعِه الخيرية باحتضان الأيتام ورعاية الفقراء، ارتبطتُ بعلاقة احترام متبادل معه، وتربطني علاقاتٌ ودية بأبنائه الكرام وعائلته. عندما استيقظتُ صباحًا قرأتُ في التعليقات كلامًا مستهجنًا يزدري رثائي، ويتهجم على الميت بلغة حانقة مبتذلة، وكأن هناك ثأرًا مكبوتًا حانتْ لحظةُ استيفائه، مما اضطرني لحذفِ الرثاء، وحظرِ كل مَن يكتب بهذه اللغة الهابطة.

كلُّ مثقف مسؤول يزعجه مَن يجرح الضميرَ الديني للمختلِف في دينه ومعتقده وتفكيره، لا يليق أخلاقيًا وذوقيًا أن نتهكم على الطاوية أمام إنسان طاوي، أو نلعن بوذا أمام إنسان بوذي، أو نتهجم على زرادشت أمام إنسان زرادشتي، أو نزدري نبي أي ديانة أو مؤسّسها أمام إنسان يختلف عنّا في ديانته. ينبغي أن نحترم معتقدات المختلِف في الدين،كما ينبغي له أن يحترم معتقداتنا، وألا يتّهم النبيَّ الكريم “ص” الذي نؤمن بنبوته ووحيه ورسالته السماوية، مثلما يحترم المختلِفين عنه في معتقداتهم من غربيين وشرقيين.

أعني بالثقافة في العراق الشعرَ والأدبَ كما هي مختزلة بذلك، وأخصُّ به الشعرَ المفرّغ من أيّ مضمون فلسفي ورؤية معرفية، ومن أية بصيرة حاذقة، ومن أية كثافة دلالية. مركزية الشعر في الثقافة العراقية عملت على إسقاط أو تهميش كلِّ ما هو خارج الشعر والأدب، فلا ينصرف مفهومُ الإبداع إلا لها، ولا ينصرف مفهومُ مثقف إلا للشاعر، بل حصرت معنى الثقافة بالشعر والأدب والفن. هُمشّت الفلسفةُ وعلومُ الانسان والمجتمع وعلوم الدين، قلّما نلتقي بها في أنشطة وزارة الثقافة واتحادات الأدباء والكتاب ومؤتمراتهم وندواتهم ومطبوعاتهم. غالبًا لا تكترث الوزارةُ واتحادات الكتّاب والأدباء وغيرها من منتديات ثقافية عراقية بالإنتاج الفكري في حقل العلوم الإنسانية والفلسفة والعرفان والدين، أو تمنح الباحثين الجادّين في الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع والدين منصاتها، أو تكرمهم. ‏جوائز وزارة الثقافة وغيرها من المؤسّسات ودور النشر تختصّ غالبًا بالشعر والرواية والسرد. ولا تحتفي اتحاداتُ الأدباء والكتاب في العراق بأية جائزة كبيرة تمنح خارج الوطن لمنجز فكري عراقي، إن كانت لا تقع ضمن هذا الضرب من الكتابة.

‏ الثقافة في العراق تعيش خارج الوسط الأكاديمي، الأكاديميا في وطننا لا تهتمّ كثيرًا بالثقافة بمعناها الأشمل إلا في حالات قليلة، حتى لو بادر بعضُ الأكاديميين للكتابة خارج تخصّصه فإنه لا يتجاوز الشعر والرواية والنقد. ‏الأكاديمي حبسته ‏قراراتُ وزارة التعليم العالي والجامعة ‏في الانشغال بأبحاثٍ لأغراض الترقية واللقب العلمي، وهي في الغالب أبحاث شكلية، وأغرقته في أعمال لجان وإدارة تعليمية أكثرها ينبغي أن ينجزه موظفون إداريون خارج مهنة التعليم العالي والبحث العلمي. تقوقع الأكاديمي على نفسه، ودخل حالةَ غياب عن الثقافة هو ‏وإنتاجُه الفكري، بعد أن سجنت عقلَه القوالبُ الأكاديمية المهنية الصارمة، وعجز عن التفكير خارج اطارها المغلق.

ربما ينشأ الموقفُ السلبي من الدين من الخلط وعدم التمييز بين الإيمان من جهة والدين من جهة أخرى، وبين تمثلات الدين وأنماط التديّن في حياة الفرد والمجتمع من جهة ثالثة. الإيمان يعبّر عن تجربةٍ روحية ووصالٍ مع الله يعيشه المؤمن، وهي حالةٌ للروح لا تتحقّق إلا فرديًا،كلُّ إنسان يعيشها على وفق وعاء روحه وقدرتها الوجودية على الانبساط والاتساع. ينعكس الإيمانُ في يقظة الروح واستبصاراتها، ويؤثر في نمطِ رؤية الإنسان للعالَم، وقدرتِه على تذوق تجليات الجمال الإلهي في الوجود. أما الدينُ وتمثلاتُه وأنماطُ التديّن في حياة الفرد والمجتمع فهو ظاهرة فردية ومجتمعية، تعبّر عن حضورها في أخلاق الإنسان وثقافته ومواقفه وسلوكه ومختلف أحواله، تؤثر هذه الظاهرة وتتأثر بطبيعةِ الفرد وظروفِ عيشه، ونمطِ حياة المجتمع، والمؤسساتِ المسؤولة عن تدبير الشؤون الدينية، والسلطات السياسية. أسوأ ما يجري فيه توظيفُ الدين هو استثمارُه في استعبادِ الإنسان، والصراعِ على السلطة والثروة، والسعي للاستحواذ على المجال الخاص بالعقل والعلم والمعرفة، وإخضاعُ الآداب والفنون والثقافة لمنطقه اللاهوتي، ورفضُ استعمال المنطق العلمي، واستعمالُ الدين في إدارة الاقتصاد والمال والإدارة وبناء الدولة وصياغة نظمها، وتجاهلُ معطيات الخبرات البشرية المتراكمة عبر عشرات آلاف السنين، ومكاسب العلوم والمعارف الحديثة.

من الظواهر المثيرة اليوم تفشي ظاهرة الحكواتيين، وطغيانُ حضورهم في الفضائيات ووسائل التواصل، يتحدثون بتكهنات وافتراضات في الدين وعلومه والميثيولوجيا والآثار، من دون تأهيلٍ أكاديمي تخصّصي في علوم الدين والميثيولوجيا والآثار، ولا معرفةٍ بقراءة الخط المسماري ولغات الحضارات العراقية القديمة مثلا، وبلا مطالعاتٍ عميقة للمراجع الأساسية في هذه التخصّصات العلمية الدقيقة.

لهذه الأسباب وغيرها تظل الثقافةُ العراقية مغتربةً غيرَ فاعلة بمجتمعها، منفصلةً عن واقعه وصيرورته وتحولاته، قاصرةً عن التعبير عن آلام الناس وآمالهم، وبؤسهم وأحزانهم وهمومهم وواقعهم المرير الذي يعيشون فيه ويحلمون بتغييره،كأن الثقافة غيرُ معنية بالإنسان العراقي.

[1]  البقرة، 2

https://alsabaah.iq/88442-.html?fbclid=IwAR3VIHfRmz0p3_WqZAxu0DylpCNCLUBuABzkwIDetNfkRquYLKdV1U2zmeY

عبدالجبار الرفاعي: التديّن يتأثر باختلاف الناس وطريقة عيشهم

عرض: علي الرباعي

يرى المفكر العراقي الدكتور عبدالجبار الرفاعي، أن أنماط التديّن تختلفُ تبعاً باختلاف النَّاس أفراداً ومجتمعاتٍ، وباختلاف واقعهم وعصرِهم وثقافتهم، وطريقة عيش الإنسان ونمط العمران، وباختلاف كيفية تلقِّي النصوص المقدَّسة.

ويؤكد، أن التديُّن ربما كان دافئاً، ليِّناً، رقِيقاً، رحيماً، كما هو لدى قليل من الأشخاص الذي يُولدون في واقعٍ يستمعون فيه إلى صوتِ المَحَبَّة والعطف والشفقة والتَّراحم، ويحظون بتربيةٍ وتعليمٍ سليمَين، وربما يكون التديّنُ شديداً، قاسياً، عنيفاً بلا رحمة، كما نجد لدى معظم الأشخاص الذين يتعرَّضون للاضطهاد وعنفٍ في العائلة والمجتمع والسلطة السياسية، ولا يحظون بتربية وتعليم سليمَين.

وأوضح الرفاعي، أن الدين أبدي، وموجودٌ بوجود آدم الأوَّل، وسيبقى إلى آدم الأخير. وهو قائم في عصرنا كما كان قائماً على الدَّوام في كلِّ عصر، وهو كائنٌ حي ينمو ويتطوَّر ويمرض، وربما يصاب بداءٍ مزمن. فكم من ديانةٍ منفتحة انغلقت، وكم من ديانةٍ مغلقة انفتحتْ.

ولفت الرفاعي إلى أن مفسّري النصوص المقدسة تتحكمُ في فهمِهم للدين وتفسيرِهم لنصوصه رؤيتُهم للعالَم وثقافتُهم ونمطُ نشأتهم وتربيتُهم وتكوينُهم المعرفي، وأحكامُهم المسبقة، وآفاقُ نظرهم للدين، ويمكن للإنسان في هذا العصر تجديد مناهج فهمه للدين، وتجديد أدوات تفسير نصوصه في ضوء متطلَّبات هذا الواقع، كما فعل الإنسانُ في الماضي.

وذهب الرفاعي إلى أن دراسة أثر كلِّ دين وأنماط التديُّن التي تتشكّل في فضائه تتطلَّب أن يعتمدَ الدارسُ معادلةً مثلثةً للفهم؛ إذ لا بدَّ من أن يعاينَ الدارسُ ذلك الدين بوصفه نصّاً مقدَّساً أولاً، ويتعرّف ثانياً إلى شخصيَّة الإنسان المُعْتَقِد بهذا النصِّ فَرْداً ومُجْتَمَعاً، ويكتشف طبيعةَ الواقع الذي يعيش فيه هذا الإنسانُ وكلَّ ما يحفل به عصرُه ثالثاً. وتشكل هذه العناصرُ الثلاثةُ توليفةً متفاعلةً تؤثّر كلٌّ منها في الأخرى وتتفاعل معها؛ لذلك تختلف.

وعزا الثَّغراتُ في دراسة الأديان إلى إهمال أحد أضلاع المعادلة المُثلثة للفهم، لذلك تتطلَّب دراسةُ الأديانِ أنْ يتعاطَى الدَّارسُ مع نصوصِها المقدّسةِ وتراثِها الدينيّ بمنطقِ الباحث الذي يعتمدُ مناهجَ البحثِ العلميِّ، وينشدُ فهمَ المغزى العميقِ لهذه النصوص، ويهمُّه التعرُّفُ إلى دلالات التُّراث في فضاء السياقات الخاصّة التي تَشَكَّل فيها، والسعي لاكتشاف الآثارِ الروحية والأخلاقية والجمالية التي أنتجتْها نصوصُ هذه الأديان، وكيفياتِ تمثّلها في الحياة البشرية. ولا أظنُ أن هناك جدوى من دراسة الأديان ومقارنتها وحوارها لو كان الدارسُ مولعاً بالتبشيرِ بمعتقده ولا يريد إلّا ترويجَه، والحرص على إدخالِ المختلف فيه، بوصف معتقده هو الحقّ وكل ما سواه باطل.

ويقرر الرفاعي، أن الرؤية غير التاريخية للدين ترى الأديانَ قارَّةً ساكنةً، وكأنَّها تؤثِّر في المجتمعات وتعمل على تغييرها، من دون أنْ تتغيّر هي أو تتأثَّر، بينما الرؤيةُ التاريخية العلميَّة تذهب إلى أنَّ الأديانَ تتأثَّر بطبيعةِ المجتمعاتِ الإنسانيَّةِ المتنوِّعَةِ، تبعاً لتنوُّع الزمانِ والمُحيط والإثنيَّة والجغرافيا والثقافة واللغة والاقتصاد والسلطة، وهناك تأثير وتأثُّر متبادَل بين الدين والمجتمع، فمثلما يؤثّر الدينُ في المجتمع، ويسهم في إنتاجِ رؤيتِه للعالَم، ويعمل على صوغ نمطِ حياتِه، يعمل المجتمعُ أيضاً على إنتاجِ صورتِه الخاصَّة للدين، وصياغةِ نمطِ التديّن الذي يشبهه. مثلاً لو ظهرت البوذيةُ في الجزيرة العربيّة لأضحتْ مُشَابِهَةً للمجتمع العربيّ، ولو ظهرت الهندوسيةُ في اليونان لأضحت مشابهةً للمجتمع اليوناني، ولو ظهرت المسيحيةُ في الصِّين لأضحت مشابهةً للمجتمع الصيني، وهكذا الحالُ في الأديان الأخرى. كما تؤثّر المجتمعاتُ في الأديان؛ تؤثر الأديانُ في المجتمعات، ما فعلتْه الأديانُ في المجتمعات لا يقلُّ عن فعلِ المجتمعات بالأديان.

ويصل إلى نتيجةٍ مفادها حاجة المجتمعات إلى تتابع النبوَّات وظهور المجدِّدين والضرورات الأبدية لإصلاح الأديان وتجديد فهمها وإعادة تفسير كتبها المقدسة. ثم إن الضرورة إلى تجديد الفكر الديني تشتدُّ في كلِّ عصر، من أجل تحرير فهم الدين من التعصُّب الأعمى، وبعث الإيمان، وحماية الاعتقاد من الاستغلال فيما ينهك الحياة، والواقع الذي نعيشه اليوم يفرض علينا الاهتمام بدراسة الدين في سياق مكاسب العقل والعلم والمعرفة والخبرة البشرية المتراكمة، ودراسة كيفية نشأته وأنماط حضوره وصيرورته عبر التاريخ، والانتقال في الدِّراسات الدينيَّة من الرؤيةِ التقليديَّة – التي كانت ترى الدين ونصوصَه المقدَّسة مرجعيةً نهائيةً في تفسير كلِّ شيء وفهمه – إلى رؤيةٍ تُخضِع تعبيراتِ الدين وتجلياتِه في الحياة للفهم والتفسير، بوصفها تَمَثُّلاتٍ بشريةً، وكلّ ما هو بشري يقع في مداراتِ عقلِ الإنسان وعلومه ومعارفه وخبراته، وإن كانت نصوصُ الدين مقدّسة، غير أنَّ تفسيرَها وتأويلَها وفهمَها يتجلَّى فيه الأُفُقُ التاريخيُّ الذي يتموضعُ فيه الإنسان، ولا يمكن أن يكون ذلك الفهمُ عابراً للإطار المعرفيّ لذلك الإنسان.

جريدة عكاظ، الصادرة يوم الاثنين 27 مارس 2023.

رابط نشر المقال: