تفسيرُ كلِّ شيء بشيءٍ واحد

د. عبد الجبار الرفاعي

ذهبتُ إلى مكتبة في الكويت بمعية الصديق العزيز د. حسين الفضلي سنة 1980، أستاذ علم الاجتماع بجامعة الكويت سابقًا، فنبهنا صاحبُ المكتبة، وهو رجلٌ كهلٌ يعتنق عقيدةَ جماعة دينية مغالية، إلى كراس بعنوان: “مذكرات مستر همفر”، مدحه كثيرًا، وقال إنه مترجم عن الإنجليزية. اشترينا نسختين، أول ما لفت نظرَنا عدمُ ذكر اسم المترجِم، ولا الأصل الإنجليزي المترجَم عنه النصُّ العربي، ولم نعرف من قبل رحالةً ومستشرقًا انجليزيًا باسم “مستر همفر”. فور العودة لمقرّ إقامتي قرأتُه في ساعةٍ واحدة، وجدتُ هذا الكراس كلَّه أكاذيب، سطرها شخصٌ مسكون بالتآمر إطارًا للتفسير، بلغةٍ بليدة مبتذلة. تذكرتُ عدةَ كتب كنا نتداولها في مراهقتنا السياسية في المضمون ذاته، تتفاوت في الدرجة، وتتطابق في الكيفية والغرض الذي تنشده، مثل كتابات أنور الجندي وأمثاله. ضاعت أيامٌ ثمينة من عمري بقراءة كتبٍ تعتمد التآمر إطارًا لتفسير كل واقعة.كلُّ شيءٍ في السياسة وغيرها يحدث في بلادنا تخضعه تلك الكتبُ لهذا النوع من التفسير الأُحادي.كان لتفشي هذه الكتابات أثرٌ فتاك في تزييفِ وعي الشباب، وتخريبِ التفكير السليم.

الإنسان الذي لا يفكر بهدوء وتأمل يلجأ دائمًا للإجابات والتفسيرات الجاهزة المبسطة لأعقد المشكلات. التفسيرُ الأُحادي الذي يفسّر كلَّ شيء بشيءٍ واحد، ويختزل كلَّ الأسباب بسببٍ واحد، جاهزٌ ومُشاعٌ لمن لا يطيق التفكير. إنه تفسيرٌ عاجل لا يتطلب أيَّ تأمل، يشجع كلَّ إنسان، مهما كان مستوى وعيه، للتشبث فيه واعتماده في الجواب لما يسمع ويرى من وقائع. ليس كلُّ إنسان قادرًا على إيقاظ عقله وتوظيفه في الفهم، العقلُ النائم مرتاح، الإنسانُ كسولٌ يزعجُه إيقاظُ عقله، يلجأ بسهولة لاستعارة التفسير الأُحادي المتداول بشكل واسع. التفسير الأُحادي لا يتطلب يقظةً للعقل وتأملًا صبورًا، ولا يدعوه للتقصي عن نسيج العوامل المتشعبة المتنوعة لإنتاج الواقعة. تداولُ أيّ تفسير بشكل واسع يرسخه، ويرتقي به إلى بداهات العقل الجمعي، ويصيّره حقيقةً نهائية لا تقبل النقاشَ لدى أكثر الناس. التفكيرُ الهادئ لا تطيقه إلا العقولُ الحاذقة، ولا يلجأ إليه إلا إنسانٌ ذكي قادرٌ على إيقاظ عقله وتوظيفه في فهم الأشياء والظواهر والأحداث. التفكيرُ الهادئ الصبور يتوغل في البنية العميقة للأشياء، ويكتشفُ العواملَ المستترة للواقعة، ويقدّم تفسيرًا لمختلف الأشياء والظواهر والوقائع في ضوء حفر وتنقيب يسعى لبلوغ المديات القصوى، وهو يحاول التعرفَ على العوامل الظاهرة والخفية لها. هذا التفكيرُ لا يطيقه كثيرٌ من الناس لأنه مرهِقٌ للذهن، وطالما شغل الإنسانَ عن متع الحياة الحسية، وعكّر مزاجَه الشخصي.

التآمرُ بوصفة إطارًا لتفسير الأحداث والمواقف الفردية والمجتمعية قديمٌ في التاريخ قدم الإنسان، وخبرته بحماية ذاته والإعلاء منها، وتبريره المتواصل لأخطائه، وعجزه عن الاعتراف بضعفه وهشاشته، والتنكر لكونه كائنًا مطبوعًا على النقص والخطأ. الإنسان بارع في حماية نفسه وتنزيهها والإعلاء منها، دائمًا يبحث عن مشجب يعلّق عليه عجزَه وفشلَه. لا يختصّ هذا التفسيرُ بفرد أو مجتمع أو ثقافة أو ديانة أو معتقد أو حقل معرفي، يوجد حيثما وجدت أحداثٌ مثيرة ومواقفُ غريبة، ويتغول باستمرار في السياسة. ازدادت فاعليتُه هذا التفسير بشكلٍ لافت، وصار أحدَ الظواهر المتفشية في المعرفة العاميّة غير العلمية، والأدبيات الشعبوية للجماعات الراديكالية اليسارية أممية وقومية، وانتقلت عدوى هذا التفسير للجماعات الأصولية، وهي الأكثر دراية بمخزونٍ لا ينضب في اللاوعي الجمعي يمدّ التآمرَ بوصفة إطارًا للتفسير ويجذّره. تمرست هذه الجماعاتُ بابتكارِ صيغٍ جديدة للتفسير التآمري لأكثر ما يجري من تحولات وأحداث ومواقف، وغرسِها واستنباتها وتعميمها بسهولة. أمسى إنتاجُ كتابات تعتمد هذا التفسير حرفةً تتخصص بها دوائرُ تمتلك خبرةً مهنية في الحرب النفسية، وبثِّ الشائعات، وصناعةِ الرأي العام، تحترفها أجهزةُ مخابرات الأنظمة الشمولية، ومختلف الحركات اليسارية والقومية والأصولية في بلادنا.

لا أنكر وجودَ مؤامرات، بمعنى أنه كلّما كان الإنسانُ أذكى كان أكثرَ دهاء، وأكثرَ قدرةً على ابتكار مختلف الخطط والأساليب والوسائل للتمويه والخداع لبلوغ أهدافه، ما يخفيه مثلُ هذا الإنسان أكثر مما يظهره، يسعى لتحقيق غاياته عبر مختلف الوسائل.كلّما كانت غاياتُه أعظمَ وأكثرَ عرضةً للرفض والإجهاض كان تخطيطُه لها أدقَّ وأخفى. يحاول دائمًا أن يسلك سبلًا مراوِغة، أكثر من المباشرة، ومكتومةً أكثر من المعلنة من أجل بلوغ غاياته، وأحيانا يلجأ لاستخدام وسائل غير مشروعة أخلاقيًا.

لا أريد التنكرَ للأشكالِ القديمة والحديثة للغزو، وكيفيةِ اجتياح الإسكندر المقدوني العدواني للعالم القديم، وكيف اجتاحت الحروبُ والفتوحات العالمَ القديم، وما راكمته من أموال وممتلكات وأراضي ورقيق. التقدمُ الذي وصلته العلومُ والمعارف والفنون والآداب والتطور في الغرب لم تصله البشريةُ من قبل في كلِّ تاريخها، غير أن هذا الغربَ الحديث صنع الاستعمارَ، وهو ظاهرةٌ مقيتة لم تتردّد في استعبادِ مجتمعات بأسرها، والسطوِ على ثرواتها، واستنزافِ مواردها وكلِّ ما تمتلكه. الغزاة يقتلون ويسترقون الإنسانَ وينهبون كنوزَ البلاد المنكوبة وثرواتها ومواطنها، غير أن الغزو الإسباني سنة 1492 ثم الأوروبي للأمريكتين تمادى في التوحش فأباد الحضاراتِ وسكانَها واستولى على ديارها. هذه الحضاراتُ مازالت شواهدُها وأطلالها ترثي أهلَها، مثل: حضارة نورتي شيكو، حضارة أولمك، حضارة المايا، حضارة الإنكا، حضارة الزابوتيك، حضارة نازكا، حضارة إمبراطورية تيواناكو، حضارة واري، حضارة المسيسيبي، حضارة الأزتك. الاحتلال والاستعمار ضربٌ من التواطؤ الفردي والمجتمعي اللاأخلاقي لاستعبادِ الغير وتسخيرِهم لخدمة المُستعمِر والمحتل. المفارقة أن الغربَ الحديث ذاته ابتكر أحدثَ صيغةٍ للتداولِ السلمي للسلطة، وفصلِ السلطات، وبناءِ الحكم والإدارة ونظم الدولة المتنوعة الحديثة، وتأسيسِ الدولة الديمقراطية، وضمانِ حقوق مواطنيه وحرياتهم، داخل حدود دولته خاصة.

الكلام عن التآمر بوصفه إطارًا للتفسير ليس دفاعًا أو تبريرًا للاستعمار، لا أثق بالاحتلال مهما كانت الأسماءُ التي يتخفى خلفها، أنا ضدّ كلّ شكل من أشكال انتهاك الإنسان واستعباده واستلاب حرياته وحقوقه تحت أيّ شعار وتسمية، سواء كانت تلك الانتهاكاتُ تحت راية الرأسمالية أو الليبرالية أو القومية أو الاشتراكية أو الأصولية. الكفاحُ الذي خاضته البشرية منذ فجر التاريخ حتى هذه اللحظة ‏كان وما زال من أجل استرداد الكرامة والحريات والحقوق الإنسانية، الغزو والاستعمار والاحتلال وكلّ أشكال الاستغلال والعنصرية لا يمكن الشفاءُ منها بشكلٍ تام في كلّ المجتمعات والدول والحضارات أمس واليوم.

التنكرُ للأخطاء أحدُ أهم عوامل العجز العربي والإسلامي المزمن، وهو أحدُ بواعث تسيّد التآمرُ بوصفة إطارًا لتفسير الأحداث. الإنسانُ كائن مسكون بإعلاء ذاته، وحماية صورته أمام نفسه وغيره بمختلف الوسائل، هذا الضرب من التفسير يمثل حيلةً لحماية الهوية المغلقة للجماعات من أن تتصدع أو تنثلم أو تتهشم. نرى هذا التفسيرَ ماثلًا في تفسير الصراعات والمعارك المريرة بين الفرق والمذاهب في الماضي، بعض الكتّاب يحيل نشوءَ أكثر الفرق والمذاهب والفلسفة والتصوف في تاريخنا إلى مؤامرات أعداء الإسلام، ويفسِّر كلَّ ما حدث في تاريخنا البعيد والقريب إلى عدو خارجي يخطّط وينفذ بخفاء ويزجّنا في معارك مفتوحة،كما نرى هذا التفسيرَ ماثلًا اليوم في تبرير ما نعيشه من انقساماتٍ تتوالد منها نزاعاتٌ وصداماتٌ متواصلة، تستقي من إكراهات التاريخ وتراث تكفير المختلِف في المعتقَد. يتسيّد يقينٌ راسخ في أذهان بعض الكتّاب بأن كلَّ شيء في الماضي مؤامرة،كلّ شيء في الحاضر مؤامرة، كلّ شيء في المستقبل محكومٌ مسبقًا بأنه مؤامرة. يصعب جدًا على الأفراد والمجتمعات قبولُ إخفاقاتها وأخطائها وفشلها، تخاف دائمًا من فضح عوامل عجزها الداخلية، ودراسة الأسباب الماضية والحاضرة الكامنة لفشلها. يلجأ الإنسانُ لصناعة العدو والتفنن في تصويره ورسم مهاراته وقدراته الاستثنائية على اختراق وإفساد كلِّ شيء مهما اتخذنا حياله من حصون.

“ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة”[1]، هذا شعار ضجّت به شوارعُ العراق سنة 1959، بعد الإعلان عن انقلاب في الموصل بسبب الصراع على السلطة والثروة داخل جماعة الضباط الأحرار الذين قاموا بالثورة. العراق من أكثر البلدان حديثًا عن المؤامرة، منذ ثورة 14 تموز 1958 وتسلم الجنرالات للسلطة إلى 9 نيسان 2003 يوم احتلال بغداد وسقوط صدام حسين ونظامه. تورطت الأنظمةُ المتعاقبة والأحزاب السياسية والإعلام والثقافة والتربية والتعليم في هذا البلد بتبني التآمر بوصفه إطارًا للتفسير. ذبح صدام رفاقَه في مجزرة قاعة الخلد، بذريعة التآمر عليه، في 22 تموز 1979 بعد 6 أيام من وصوله الى الرئاسة، وبدأ بتصفية رفاقه بالتدريج منذ انقلاب 17 تموز 1968، واعدام الأحرار في العراق بوحشية بتهمة التآمر على الحزب والثورة، ولم تنشر أجهزتُه الأمنية والمخابراتية أيةَ وثيقة يُطمئَن إليها تفضح ذلك التآمرَ المزعوم.

عملت التعبئةُ الأيديولوجية وخطاباتُ صدام حسين وأمثاله على ترسيخ التفسير التآمري، بنحوٍ صار مكونًا غاطسًا في اللاوعي الفردي والجمعي، يتحدث فيه الناسُ بحماس بلا تدبر، ويصعب جدًا وربما يتعذر معه حضورُ التفسير الواقعي.كتّابٌ شعبويون كانوا ومازالوا مسكونين باتخاذ التآمر إطارًا للتفسير، سيئو الظن بالمواطن الذي ينتمي لحزبٍ غير أحزابهم، وأيديولوجيا غير الأيديولوجيا التي يعتنقونها، ومعتقَدٍ غير معتقَدهم، وهويةٍ غير هويتهم. هؤلاء المولعون بهذا التفسير يعجزون عن رؤية أيّ عامل يساهم في إنتاج الواقع، ما هو مكشوفٌ أمامهم يغمضون عيونهم ويصمون آذانهم عنه، يتجاهلون العواملَ الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية الداخلية المنتِجة للواقع الذي يعيشه المواطن. التفسيرُ السياسي متهمٌ في بلادنا، إن لم يعتمد التآمر إطارًا للتفسير، ولو حاول اكتشاف العوامل المحلية للفشل والإخفاق والتخلف، مهما كانت تلك العواملُ مكشوفةً وتعلن عن حضورها بكثافة وقوة. أظن هذه المقالة يضعها بعضُ هؤلاء في خانة التآمر.

 

[1] “ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة” باللهجة العراقية، تعني: ليس من مؤامرة إلا وحبال المشنقة معدة لها.

 

https://alsabaah.iq/77495-.html?fbclid=IwAR3oboYb1QxhHXZyep0A3FNUMZw73WNVu_l-SMJOz20BLfr_H1wd_Ir3DJE