بعد تمثلها تخييليًّا تتقدّس الأشياء

د. عبد الجبار الرفاعي

كما أن المتخيَّل هو الحقل الخصب لولادة الأسئلة الوجودية الكبرى، هو حقلُ توالد الأجوبة، والأساطير، والتقديس. تجيب الأساطيرُ في شيء منها عن هذه الأسئلة، لتُطمئن الإنسانَ، الذي لا يفكر بعقلٍ نقدي، وتُشعره بالثقة عندما تصنع له ماضيًا بمقاسات رغباته وأمانيه وأحلامه، وتوهمه بقدرته على امتلاك ما يفتقر إليه في الواقع الذي يعيش فيه،كما كان أسلافُه في الأزمنة البعيدة يمتلكون كلَّ شيء يتمناه اليوم. في الأساطير ينشط المتخيَّلُ لينسج حكاياتٍ مقدّسة، تتكشف فيها أماني الناس وأحلامُهم وطموحاتُهم ورغباتُهم بوضوح لافت. عندما ينضب الواقعُ يتدفق شلّال المتخيَّل بما يفيض فيه من أسرار مدفونة في الأعماق. المتخيَّل أرشيف يختزن أحلامَ الإنسان وطموحاته ومثله العليا، وتتوطن فيه ذكرياتُه بعد إعادة إنتاجها وتمثلها تخييليًّا.

لا يتقدّس الشيء إلا بعد تمثله تخييليًّا. ربما لا يستغني عن المقدّس إنسانٌ، حتى الملحد أحيانًا لديه مقدّساتُه الخاصة، قد يراه في شخصيات استثنائية، يعتقدُ أنَّها خارقةٌ تتجاوز تناهي الكائنِ البشـري وقدراتِه المحدودة وقصوره، ويتخيّلُ أنها عابرةٌ لحدود الطاقة البشـرية. يتخيّلُ رموزًا وأشياء متنوعة يحسبها تعبيراتٍ للمقدّس، وإن كان يُعلِن تنكّره لذلك. لا يقع المقدّس موضوعًا للعقل النقدي، أو موضوعًا للعلم، لأن المقدّس خارج حدود العلم وأدوات كشفه، ولا يخضع لـ “معيار قابلية التكذيب”، فكلّ فكرة لا تقبل الدحضَ والإبطالَ والتكذيبَ لا ينطبق عليها عنوانُ العلم، على وفق “منطق الكشف العلمي” لكارل بوبر[1].

يبدأ التقدّيس عندما يتنكّر المتخيَّلُ لحقيقة الأشياء والأشخاص والكائنات، ويخلع عليها جلبابَ القداسة، بعد سلخِها من كينونتها وغايتها الوجودية، وافتعالِ غايةٍ مقدّسة لها تعطّل غايتَها الحقيقية. التنكّر لطبيعة الحجارة وتكوينها وقدراتها ووظيفتها يمكن أن يحولّها إلى مقدّسة، التنكّر لطبيعة الحيوان وماهيته ووظيفته يمكن أن يحولّه إلى مقدّس،كما في الهندوسية وغيرها من الأديان.

من نتائج تقديس البشر فرضُ تراتبيةٍ هرمية في الهندوسية وأديان أخرى، إذ يجري تكريسُ طبقةٍ نبيلة عليا تتفوق على سواها، وطبقةِ منبوذين سفلى في أحطّ منزلة من أتباع الديانة الهندوسية. الاعتقاد بالتناسخ وحضور الروح في عالَم يسبق هذا العالم في هذه الديانة، هو الذي يعطي الإنسانَ المكانةَ في عالمنا، فيجعله كبيرًا أو صغيرًا. تصنيف السلالات البشرية محفوظ في ذلك العالم قبل الولادة حسب معتقدات الهندوسية. يولد الإنسانُ وتولد معه تلك الروحُ النبيلة أو الوضيعة وترسم له أقدارَه ومصائرَه الأبدية، ويظلّ مسجونًا حتى موته في هذا القدر الوجودي الذي يستلب كرامتَه وحقوقَه كما في طبقة المنبوذين، أو يمنحه كرامةً وحرياتٍ وحقوقًا وامتيازات فائضة، يتفوق فيها على كلِّ إنسان ينتمي لطبقة أدنى منه، من دون أن يبذل أيَّ جهد لينالها،كما تستحق ذلك بالولادة طبقةُ البراهمة.

تصنيفات البشر إلى طبقات في سلّم هرمي، فرضتها الهوياتُ الدينية والإثنية المغلقة، وهي من بقايا ترسبات عصور الاستعباد المريرة. الولادة الثانية للأديان في المتخيَّل خلقت هذه التراتبية. حتى لدى المتصوّفة والعرفاء، كان ومازال مفهومُ الشيخ والمريد مفهوما طبقيًا استعباديًا بقناعٍ ديني. الكرامة مقام وجودي، ليس من حقّ الإنسان أن يتنازل عن كرامته لصالح حجر أو كائن حيّ أو إنسان أو أيّ شيء آخر، بمعنى أن الإنسانَ يولد مكرّمًا، ولا يكتسب الكرامةَ بعد ولادته من الانتماء: لدينه أو جنسه أو إثنيته أو ثقافته أو جغرافيته. الكرامة والمساواة والحرية، يحتاجها كلُّ إنسان بما هو إنسان، بغضّ النظر عن جنسه وعرقه وموطنه وثقافته ودينه. هذه قيم كونية واحدة أبدية لا يستغني عنها أيُّ إنسان، ولا تخضع للأديان والطوائف والهويات والخصوصيات والأزمنة والأمكنة والثقافات والاختلافات مهما كانت[2].

في المتخيل الإسلامي ‏المتخيل الصوفي والشيعى هما الأشد قوة ونشاطًا وفاعلية، ‏يتضخم في هذا النوع من المتخيل تقديسُ الأشخاص والأشياء والأماكن، بشكل يستنزف روحَ الدين وأهدافه الكلية الروحية والأخلاقية والجمالية. التنكّر لطبيعة الإنسان جعل المتصّوفةَ وغيرَهم لا يقبلون بتفسير سلوك شيوخهم بما يتناغم وكونهم بشرًا.كان محيي الدين بن عربي مثلًا إنسانًا كأيِّ إنسان، لديه احتياجاتٌ تفرضها طبيعتُه البشرية العاطفية والجسدية، ويتذوق الجمال كأي إنسان سليم الذوق، ديوانه يكشف عن هذه الطبيعة، المريدون لا يقبلون أن يكون أمثالُ هؤلاء بشرًا. “ترجمان الأشواق” ديوان كتبه محيي الدين حين أحبَّ النظام، وتلقب بـ “قرة العين”، وهي بنت أستاذه في مكة، أنشدَ هذا الديوانَ في عشقها والتغزّل بها. المتصوّفة من أتباعه يعتقدون أن هذا شعرٌ لا علاقة له بعشق المرأة بوصفها جسدًا وجمالًا وعاطفة، يؤولون ما ورد فيه بأنه ضربٌ من التغزّل الصوفي بالله. إلا أن محيي الدين بن عربي يتحدث بوضوح عن تجربة عشقه لهذه الفتاة بقوله: “فإني لما نزلت مكة سنة خمسمائة وثمان وتسعين ألفيت بها جماعة من الفضلاء، وعصابة من الأكابر والأدباء والصلحاء بين رجال ونساء، ولم أر فيهم مع فضلهم مشغولًا بنفسه، مشغوفًا فيما بين يومه وأمسه، مثل الشيخ العالم الإمام، بمقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام، نزيل مكة البلد الأمين، مكين الدين أبي شجاع زاهر بن رستم بن أبي الرجاء الأصفهاني رحمه الله … وكان لهذا الشيخ رضي الله عنه بنت عذراء، طفيلة هيفاء، تقيد النظر، وتزين المحاضر، وتحير المناظر، تسمى بالنظام؛ تلقب بعين الشمس، وإليها من العابدات العالمات السابحات الزاهدات شيخة الحرمين، وتربية البلد الأمين الأعظم. ساحرة الطرف، عراقية الظرف، إن أسهبت أتعبت، وإن أوجزت أعجزت، وإن أفصحت أوضحت إن نطقت خرس قس بن ساعدة، وإن كرمت خنس معن بن زائدة، وإن وفت قصر السموأل خطاه، وأغرى ورأى بظهر الغرر وامتطاه … ثم إني عرفتها بعد ذلك، وعاشرتها فرأيت عندها من لطائف المعارف الأربع ما لا يصفه واصف … ولولا النفوس الضعيفة السريعة الأمراض السيّئة الأغراض، لأخذتُ في شرح ما أودع الله تعالى في خلقها من الحسن، وفى خُلُقها الذي هو روضةُ المزنِ، شمسٌ بين العلماء، بستان بين الأدباء، حُقَّةٌ مختومة، واسطة عقدٍ منظومة، يتيمة دهرها، كريمة عصرها .. مسكنُها جيادٌ وبيتها من العينِ السوادُ ومن الصدر الفؤاد، أشرقت بها تهامة، وفتح الروض لمجاورتها أكمامه … عليها مسحة مَلَكٍ وهمَّة مَلِكٍ … فقلّدناها من نظمنا في هذا الكتاب (ترجمان الأشواق) أحسن القلائد، بلسانِ النسيبِ الرائق وعبارات الغزل اللائق، ولم أبلغ في ذلك بعض ما تجده النفس من كريم ودِّها وقديم عهدِها … إذ هي السُّؤْلُ والمأمول، والعذراءُ البتول، ولكن نظمنا فيها بعضَ خاطر الاشتياق، من تلك الذخائرِ والأعلاق … فكلُّ اسمٍ أذكرُه في هذا الجزء فعنها أكنِّي، وكل دارٍ أندبها فدارها أعني”[3].

[1] الرفاعي، عبد الجبار، مقدمة في علم الكلام الجديد، ط 3، ص 195، 2022، دار الرافدين ببيروت، ومركز دراسات فلسفة الدين ببغداد.

 

[2] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والكرامة الإنسانية، ط 2، ص 231-232، 2022، دار الرافدين ببيروت، ومركز دراسات فلسفة الدين ببغداد.

 

[3] ابن عربي، ذخائر الأعلاق في شرح ترجمان الأشواق، ص 1 – 3، 2006، دار الكتب العلمية، بيروت.

https://alsabaah.iq/93332-.html