التفسير الثالث للدين: خارطة طريق عبد الجبار الرفاعي للجيل الجديد

مشتاق الحلو[1]

أتهيب الكتابة عن عبد الجبار الرفاعي؛ لأني أؤمن بأن التأريخ له تأريخ لمرحلة وحقبة وتجربة ومسيرة، مرحلة طالما تمنيت أن اكتب عنها بإسهاب، وأبين كل تفاصيلها التي شهدتها وعشتها، فأخشى أن اظلمها، أو أجانب الحقيقة في تقييم مستعجل لها. والآن، بمناسبة تسجيل شهادتي عن الرفاعي لا أرى مفرا من الانطلاق منها، والتحدث قليلا عنها، على أمل أن أعود لها ثانية بشكل أكثر تفصيلا وتحليلا.كما أؤمن بأن الاحتفاء بالرفاعي، والاهتمام به، هو اهتمام بمشروع وفكر وتفسير للدين، وعمل على تحرير مجتمعاتنا من “ثقافة هجاء الحياة وتمجيد الموت”، وهو واجب بالنسبة لي يحتّمه الضمير.

قد يلاحظ القارئ ان الحديث في البداية يتمحور حولي / الشاهد، لا حوله/ المشهود له. فللأمر اسباب قد يكون من اهمها: اني حينما أكون عند الرفاعي أحسّ بأني كبير ومحترم، لهذا حينما أتكلم عنه أيضا ينشط عندي الإحساس نفسه.

محطات في اكتشاف الرفاعي

 

المحطة الأولى: 1984 – 1991

في نهاية العقد الأول من عمري جرت أحداث مؤسفة في الكويت، وعلى أثرها هجّر أو هاجر اغلب العراقيين الذين اتخذوا من الكويت مأوى لهم. وكنا في قم في استقبال حصتنا من الشتات العراقي الذي كان يتقاذفه القدر في البراري.

كان الرفاعي أحد العراقيين الذين هاجروا من الكويت إلى إيران، اثر هذه الأحداث. في الأيام الأولى لدخول الرفاعي مدينة قم تعرفت عليه، بوصفه صديقا لبعض الأقرباء، ثم صديقا لوالدي، فكنت أراه في بعض الولائم والاجتماعات العامة.

كنت اسمع والدي يتكلم عنه فيقول: انه أستاذ حوزوي مثقف، لكنهم يضطهدونه، لأنه عراقي، ومن أصول عربية.كان هذا الكلام غريبا بالنسبة لي؛ إن كان أستاذا حوزويا، فلماذا هو حليق اللحية “مقارنة بمن أراهم حولي”، ويرتدي البدلة الغربية، التي لم تكن مرحبا بها في تلك الحقبة بالذات؟!

أما ثقافته فكنت امتلك شاهدا عليها، وهو أني كنت اسمعه يتكلم في الاجتماعات العامة بلهجة مختلفة عن الآخرين، بعربية قريبة من الفصحى، لكن تشوبها لهجة عراقية، لا يمكن تمييز – على الأقل بالنسبة لي آنذاك – المدينة التي ينتسب إليها. غير أن ما هو واضح تماما انه عراقي بامتياز.

كنت أتساءل حين أراه: ماذا يريد أن يقول بحلق لحيته؟ لماذا يتجاهر بخرق الشريعة؟ ولكن في الوقت نفسه كنت اكبر فيه هذه الشجاعة، وهذا الصدق، كونه لا يتظاهر بمظهر لا يحبه، في بيئة ما كان أي إنسان من وسطنا العراقي آنذاك يجرؤ على حلق لحيته فيها.

هذه الشخصية للرفاعي امتزجت في ذهني بشخصية ثانية؛ وهي انه من الكوادر المتقدمة في حزب الدعوة. وان كان لأهلي ووالدي انتماءات سابقة لهذا الحزب، إذ أعدم عمي على يد النظام الصدامي بجريمة انتمائه للدعوة، إلا أني كنت أمتلئ كراهية للمعارضة مع الوقت والنضج… معارضة صدام بكل فصائلها. المعارضة التي كنت أرى رموزها أناسا متكبرين علينا، مستبدين معنا، مستأثرين بخيراتنا، متاجرين بدموعنا ودمائنا، جهلاء بالعلم والمعرفة إلى درجة يصعب تصورها…

وبمرور الأيام حاولت جاهدا أن افصل نفسي، مهما استطعت، عن كل من ينتمي للمعارضة، حتى أصبحت أتمنى أن لا يعرف أحد منهم أني عراقي؛ لأني لا أحب الانتساب لهم. وكبديل عن هذا الفضاء ارمي بنفسي في الفضاءات الإيرانية، وابدأ حربا مستميتة لإثبات ذاتي وفرض نفسي عليهم. كان أكثر ما يستفزني من قبل الإيرانيين سؤالهم عن الجماعة التي أنتمي إليها من المعارضة. فأجيب بانفعال لا يفهم الإيراني سببه: أنا عراقي، لكني لا أنتمي إلى المعارضة.

 

المحطة الثانية: 1991 – 2002

انتهت الحرب العراقية الإيرانية، وبالنسبة لي بدأت مرحلة فقدان الأمل بالخلاص من دكتاتور العراق. وإذا به يقتحم الكويت، فبعث أمل فينا بأن أميركا سوف تخلصنا منه. وجاءت الانتفاضة الشعبانية نذر خير بأن الشعب العراقي بنفسه سوف يطهّر العراق من دنس الدكتاتورية. فهرعت للمشاركة في الانتفاضة، وتركت امتحانات الثلث الثاني من العام الدراسي “حسب النظام الدراسي الإيراني”، وما كانت إلا أيام وانجلت الغبرة وبانت الخيبة.

فعدت أدراجي مثقلا بالحزن، فاقدا للأمل، وبدأت كراهية _ ما تسمى _ معارضة صدام تتصاعد عندي، حتى وصلت إلى الحقد والازدراء الذي لا يمكن وصفه. لأني توصلت إلى قناعة بأن سبب فشل الانتفاضة، ودمار البلد، وإبادة الشعب هو أداء المعارضة. وبشكل تدريجي صرت أؤمن بأن جميع فصائل المعارضة لا يريدون سقوط دكتاتور بغداد قبل تصفية فرقائهم، أي يجب أن يبقى هو البديل الوحيد لصدام، ثم ينتقل لمرحلة التفكير بالتخلص منه.

عدت لإكمال الإعدادية، لكنني حزين على بلدي وشعبي وقد يكون حزني في الحقيقة على نفسي ومستقبلي وكرامتي المهدورة في المنفى الاختياري الذي اختارته الأسرة لي. والنفق المظلم الذي أسرنا فيه.

عشت طفولة من دون طفولة، ومراهقة من دون مراهقة، في بلد وبين أناس لا انتمي لهم ولا ينتمون لي، بلا ذكريات ولا حلم ولا أمل. ثم قررت أن ادخل الحوزة. ولا اعلم لم اتخذت هذا القرار. قد يكون السبب أن نموذج القائد المنقذ الذي كان يحضر في ذهني آنذاك، تجسد في السيد الخميني والسيد محمد باقر الصدر، وهما رجلا دين.

كنت ادرس ثانوية في الفرع العلمي، وأهتم بدروس الحوزة مساء، مستعينا بالأشرطة. فسمعت عددا من الأساتذة، واستقرّ رأيي في نهاية المطاف على اختيار دروس الرفاعي. أشرطة ضبط الصوت التي سجّل بعضها والدي، حين تتلمذ على الرفاعي، فطلب منه وحفّزه على تسجيلها، وما زلت اذكر عبارة الرفاعي الوجلة – في حينها -: “كيف توضع أشرطتي إلى جانب أشرطة أساتذتي؟” انسجمت مع اللغة والأسلوب، ومستوى الشرح المعتدل، لا المسهب، ولا المطنب.

وان كان الرفاعي جزءا من “معارضة صدام”، لكن التربية التي تلقيتها من بيئتي الإيرانية، علمتني أن أتجاوز هذا الحب والكره، واجعل الهدف نصب عيني. فاستمعت لأشرطة كتاب “المنطق” لمحمد رضا المظفر، ثم الحلقة الأولى من “دروس في علم الأصول” لمحمد باقر الصدر، وكتبت كل شاردة وواردة ذكرها الرفاعي، وما زلت احتفظ بها إلى يومي هذا.

في المرحلة التالية، دخلت الحوزة للدراسة المباشرة. لكن رفضي لـ”معارضة صدام” حال دون دخولي الحوزة العراقية، لأن الحوزة العراقية مجموعة مدارس، كل واحدة منها تابعة، أما لشيخ فلان أو سيد فلان، وجميعهم من أقطاب “معارضة صدام”. سألني في حينها أحدهم: كأنك تكره المعارضة أكثر من صدام؟ قلت: نعم! صدام أهانك، لكن معارضته أهانتني.

وان كنت ازدري رؤوس المعارضة، لكني كنت أتابع جميع خلجاتهم لسببين: كنت أفكر أن أثبّته للتاريخ، وأحاول أن أستفيد من كل ما يصدر عنهم، للتعرف على بلدي، واكتشاف ثقافتي العربية، كي أتسلح بها مقابل الآخر الذي يحتقرني، ولم أر أمامي نافذة مطلّة على العراق سوى هؤلاء؛ لأنه لم يتوفر بديل. لم أكن اسمع يومها بكائن اسمه النت أو الفضائيات، وكنا نعاني شحّة المصادر العربية، والمعاصرة منها خاصة. لهذا كنت أحاول رصد كل ما يصدر عن الجالية العراقية،كي اقوي لغتي العربية بها. أنا الذي أمضيت كل حياتي في البيئة الفارسية. لكن الرفاعي كان غائبا بالنسبة لي في هذه السنوات، فهو لا يرتاد الحسينيات العراقية، ولا يلقي الخطب الرنانة فيها.

حتى دخلت كلية العلوم السياسية عام 1995. وحين بدأت بكتابة البحوث، عثرت على كتاب “مصادر الدراسة عن الدولة والسياسة في الإسلام”، 1986. ثم “معجم ما كُتب عن الرسول وأهل البيت”، وهو موسوعة تقع في اثني عشر مجلدا، 1991-1995. ومجلة “قضايا إسلامية”، التي أصدرها عام 1994، وموسوعة “مصادر النظام الإسلامي”، تقع في عشرة مجلدات، 1996. هنا أحسست بأني أمام معجمي عراقي مختلف. موسوعي ببليوغرافي، بينما في الغالب ـ في حدود اطلاعي ـ الإيرانيون هم الببليوغرافيون والموسوعيون.

سرعان ما فوجئت بتوقف مجلة “قضايا إسلامية” سنة 1997، وصدور مجلة “قضايا إسلامية معاصرة” في السنة ذاتها. أثار استغرابي هذا الأمر، فسألت عنه. عرفت أشياء عن علاقته بحزبه السابق. فاكتشفت أن الرجل قطع ارتباطه التنظيمي بحزب الدعوة سنة 1984، أي خرج من “معارضة صدام”. واعتزل السياسة وتفرغ لتجديد الفكر الديني. في الحقيقة كان هذا الخبر بشرى بالنسبة لي. لكنني في حينها كنت أصنّف الخارجين من حزب الدعوة على أصناف ثلاثة:

صنف لم يحصل على الموقع الذي يطمع فيه، لهذا يكتب ويتخذ مواقف مناقضة لما كتبه بالأمس. والشواهد على ذلك ليست قليلة.

والصنف الثاني من يُصدم من الدكتاتورية والاستبداد والاستحواذ والاستفراد والاستئثار لدى قادة المعارضة، ويقرف من سلوكياتهم فيخرج من الحزب.

والصنف الثالث من تتوالد أسئلة في ذهنه، من يتمكن أن لا يبقى في مثل هذه الحركات الدوغمائية، حسب تقديري آنذاك. وهؤلاء أيضا لا يستطيعون التحرر من الدوغمائية الفكرية والبنية الصلبة الداخلية والحنين للماضي. ويبقون يقدسون وثن الحزب. فحسبت الرفاعي من الصنف الثالث وهو أشرفها وأوعاها عندي.

ثم كانت اللحظة “الخاتمية” في إيران، وجيلنا خاتمي الفكر والتوجه… مسلماتي انهارت أمام أسئلة أساتذتي في العلوم السياسية، وأهمهم الدكتور حسين سيف زاده.كنت كالغريق أتشبث بكل قشة، والتفّت نحو كل حدب وصوب، ابحث عن ناصر ومعين يعينني على الوصول إلى إجابة عن الأسئلة الجديدة، ومنجّ يخلّصني من قلق المعرفة. في هذا الوقت، نهاية عام 1997 صدرت مجلة “قضايا إسلامية معاصرة”، واكتشفتها منذ عددها الأول، لأنها كانت ضالتي…المجلة عرّفت نفسها بأنها: “مجلة فصلية فكرية تعنى بالهموم الثقافية للمسلم المعاصر”.

أحسست بأنها هي التي اطلبها، وإنها صدرت بالضبط في الوقت الذي احتاجها فيه، وفي الموضوع الذي اطلبه. حملة خاتمي كانت تحت عنوان “المجتمع المدني الديني” حفّزتني كطالب حوزة يدرس العلوم السياسية، أن اكتب في الفكر السياسي الإسلامي، ووفّرت لي هذه المجلة المادة العربية الكافية، لأنها خصّصت عددها الأول والثاني للفكر السياسي الإسلامي. لغة المجلة عربية معاصرة سليمة، التعاطي معها يقوّي عربيتي. كنت أحسّ بأني أقرأ شيئا مميزا، ما كان أقراني من طلبة الحوزة العراقيين في الغالب يقرؤون مثله.

محور العدد الثالث هو “إشكاليات الفكر العربي المعاصر”، كانت المرة الأولى التي أتعرف فيها على أسماء من قبيل: محمد عابد الجابري، برهان غليون، محمد أركون، هشام شرابي، علي حرب، طه جابر العلواني، حسن حنفي، رضوان السيد، عبد المجيد الشرفي… وغيرهم، من خلال هذه المجلة. القراء العرب اكتشفوا الساحة الثقافية الإيرانية التجديدية، من خلال النافذة التي فتحتها هذه المجلة، لكنني اكتشفت المشهد الثقافي العربي من خلالها.كان المصدر الوحيد للمنشورات العربية بالنسبة لنا هو معرض طهران الدولي للكتاب. وعادة ما اكتشف أسماء المفكرين من خلال هذه المجلة، وأقتني الكتب من المعرض.

توالت محاور المجلة: “اتجاهات جديدة في التفسير: التفسير الاجتماعي والتوحيدي والبنائي والسُنني 1998” و”إشكاليات الفكر الإسلامي المعاصر: قضايا إسلامية المعرفة والمرأة 1999″…وغيرها. في العام نفسه سجلت رسالة ماجستير في العلوم السياسية عن الحركة النسوية والفمنزم، وشكّل لي ملف المرأة مادة مرجعية غنية للمطالعة حول التوجهات الجديدة للمثقفين الدينيين في خصوص قضية المرأة.كنت انتظر صدور المجلة بفارغ الصبر، لتفتح علي آفاقا وعوالم جديدة من المعرفة. وان كانت أصبحت لا تطبع ولا توزع ولا تباع في قم، لكنني احصل عليها بالوسائط.

كنت أتفاعل مع كل محور يصدر فيها: “منهج التعامل مع القرآن،  1999″، “فلسفة الفقه 1999″، “مقاصد الشريعة 1999 -2000″، و”قراءات في فكر الشهيد الصدر 2000″… كلها تشكّل لي مادة للمطالعة والتدبّر، وبعض الأحيان الكتابة باللغة الفارسية.

في العام نفسه (2000) صدر كتاب الرفاعي: “محاضرات في أصول الفقه”، وهو شرح للحلقة الثانية لأصول الشهيد الصدر في مجلدين، وعلى الرغم من أني أنهيت دراسة الحلقة الثالثة، لكنني اقتنيته وقرأته بدقة، واستفدت منه كثيرا، وعرفت أن صاحبي فقيه كلاسيكي أيضا. في العام التالي (2001) صدر له: “مبادئ الفلسفة الإسلامية”، وهو شرح “بداية الحكمة” للعلاّمة الطباطبائي في مجلدين، وكنت في حينها قد فرغت من دراسة “نهاية الحكمة”، اقتنيته وقرأته بدقة، أما مقدمة الكتاب فصرت أعيد مطالعتها، حتى حاولت حفظ معلوماتها ومعطياتها. في العام نفسه، فتحت المجلة محورا جديدا وتوقفت عنده كثيرا، إذ صدرت الأعداد من الرابع عشر إلى الثامن عشر، جميعا تحت عنوان: “الاتجاهات الجديدة في علم الكلام” 2001 – 2002.

حتى ذلك الحين كنت مهتمّا بالفقه والأصول والسياسة والفكر النسوي. ومقتنعا بأن إصلاح المجتمع يتم من خلال إصلاح وضع المرأة، وهو يتم من خلال الفكر النسوي. لكن أستاذتي حميراء مشير زاده، التي كانت تشرف على أطروحتي في الفمنزم، ومن خلال حوارات طويلة أقنعتني أن وضع المرأة ليس منفكّا عن وضع الرجل والمجتمع. ولا يصلح وضعها إلا من خلال تنمية المجتمع. وإذا صلح المجتمع يصلح وضعها تلقائيا. فصارت أولويتي الأولى الاهتمام بفكر التنمية ونظرياتها.

كنت مستغرقا في دراسة الفقه وأصوله والعلوم السياسية، إلا أن معرفتي بأبحاث فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد متواضعة، ولأول مرة ومن خلال هذه المجلة، اكتشفت فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد. وفي مرحلة لاحقة توصلت إلى انه لا تقوم لمجتمعاتنا قائمة إلا من خلال إصلاح الفكر اللاهوتي. ما دام لاهوتنا باقٍ على ما قرّره لنا الأسلاف، الأشعري بالذات، نبقى ندور في الدوامة نفسها، ولا ينفعنا فكر التنمية، ولا الفكر النسوي. حتى المفكرين الإيرانيين الذين كنت احضر في حينها محاضراتهم بشكل مباشر، صرت استرشد آراءهم من خلال مجلة قضايا إسلامية معاصرة.

لم يكن بوسعي قراءة كل ما يكتبون. فكنت أتابع المجلة، وأقرأ الأصل الفارسي لأي من مواضيعهم التي ترجمت إلى العربية، لأني اكتشفت أن انتخاب الرفاعي للموضوعات انتخاب حكيم متفحّص. وأنا حتى هذه اللحظة أتابع المشهد الثقافي الإيراني من خلال مجلة قضايا إسلامية معاصرة. وما زلت إلى الآن اكتشف كتّابا إيرانيين هامين من خلالها، مثل: “أبو القاسم فنائي”. حين تابعت ملف “الاتجاهات الجديدة في علم الكلام” أحسست بشكل تدريجي بانبثاق فكر جديد، وتفسير جديد للدين، على الأقل في قم وفي ساحتنا العراقية.

قبل ذلك كان هناك تياران ومدرستان يتجاذبان ساحة الفكر الديني آنذاك في قم:

التيار الأول: هو تيار الحوزة والمرجعية التقليدية، التي تتبنى التفسير الكلاسيكي للدين، ويمكن اعتباره ممثلا للتوجه “السلفي” في المذهب الشيعي.

التيار الآخر: الأحزاب الإسلامية وأصحاب مشروع الدولة الدينية، وهم أشبه ما يكون بـ”الأصولية الشيعية”، وهو يستلهم أفكاره من تراث سيد قطب، التيار الذي تربع على عرش السلطة منذ 2005 في العراق، وقدّم أتعس نموذج للحكم.

التيار الأول كان يعدّ الثاني مارقا وابنا عاقا له. لكن الثاني ما تعلّم درسا من قمع الأول له، بل هو بدوره مارس قمعا أبشع بحق كل من يفهم الدين بصورة مختلفة عنه.

ومنذ هذا العام بدأت ارصد بزوغ تفسير ثالث وقراءة ثالثة وفهم ثالث للدين – في وسطنا العراقي في حوزة قم – لا هو كلاسيكي أو تسامحا “سلفي”، ولا هو “أصولي”، بل “تيار التنوير الديني”، وهي ظاهرة كنت ارصدها عند الإيرانيين فقط. فظاهرة المثقف الديني التي نمت نواتها الأولى عند الإيرانيين منذ عقود من الزمن، ويمكننا عدّ: نصر حامد أبو زيد ومحمد أركون وعبد المجيد الشرفي…وغيرهم من أعلامها على ساحتنا العربية. لكني لم اكتشف عراقيا في هذا الوادي.

لا أريد أن اظلم الآخرين فكان لأساتذة آخرين دور محترم وجهود مشكورة وكتابات مفيدة في هذا الخصوص، لكن لم أر أحداً يرفع راية التنوير الديني ويتبنى مشروعها غير الرفاعي ومجلته.

تناغم هذا التفسير مع روحي وفطرتي وعقلي أكثر من التفسيرين الآخرين، ذلك أني وجدته أكثر احتراما للإنسان وإنسانيته، وهو أكثر إجلالا وإعظاما وإكبارا لله. لهذا رفعت الحجاب بيني وبينه وقصدته، وكانت بداية علاقتي المباشرة معه، بعد ما استمرت علاقتي الغير مباشرة به ثمانية عشر حولا.

 

المحطة الثالثة: 2002 فما بعد

سجّلت في عام 2002 رسالة ماجستير في أصول الفقه، واخترت الرفاعي مشرفا عليها، وبدأت علاقتي المباشرة به…كان يتحفني بكل غال وثمين من مكتبته، ويجمعني منزله بنخبة المثقفين الإيرانيين والعراقيين…بيته، مكتبته، صدره…كان مفتوحا لي، ولكل طالب علم ومعرفة.

بعد أن انتهيت من الرسالة وناقشتها، توقعت أني سأخفّف عن الأستاذ ولا أتجاوز على وقته، لأن السبب الحقيقي للتواصل المستمر قد انتهى. فوجئت باتصاله بي ودعوتي، وظل يحثني على استمرار الصداقة والتواصل. وهذا الأمر لم أعهده من أي استاذ آخر. لأنه لم يكن بحاجة لي أبدا، بل العكس تماما، أنا كنت محتاجا لأخلاقه وروحه وعقله وعلمه وعلاقاته.

وبالفعل نشطت علاقتنا أكثر، وأصبحنا مقربين أكثر، حتى دخل هو الوظيفة ببغداد عام 2005، وتصدى للعمل الوظيفي “مستشارا ثقافيا في رئاسة الجمهورية”. مرة أخرى انسحبت قليلا إلى الوراء، كي اترك للرجل حريته في اختيار علاقاته الجديدة، كما هو المعهود من اغلب من عرفتهم ودخلوا السلطة. لكن هذه المرة أيضا فاجأني بأنه هو هو. لم يتغير فيه شيء…فشخصيته التي صاغها عبر عمر من التجربة وكسب المعرفة، وتهذيب النفس، ما كانت تتأثر بهذه المتغيرات العابرة.

ومنذ ذلك الحين غير الأمسيات التي كنا نقضيها في منزله بصحبة ثلّة من أهل العلم والمعرفة،كان كثيرا ما يدعونا لتناول العشاء في أفضل مطاعم قم، وتتحول مآدب العشاء إلى حواريات ثقافية، تستمر أربع أو خمس ساعات. وكانت لنا أنا وإياه جولات رياضية. نخرج في مشي سريع نجوب شوارع قم،كنشاط ضروري لحفظ توازن الصحة، وخلالها نتحاور بما هو مسموح وممنوع، وكانت أفضل حواراتي العلمية وأكثرها حرية، أمضينا مئات الساعات معا خلال العقد الماضي، نناقش مختلف القضايا الفكرية والحياتية مشيا. ربما شكّلنا معا نواة المشّائين الجدد من حيث لا نعلم.

مثّل لنا الرفاعي البديل الديني عن الحوزة والإسلام السياسي في قم، وهو ما كان مفقودا عراقيا، لكن فوجئت حينما سافرت إلى العراق بعد تغيير النظام، أن المهتمين بالفكر الديني الحديث كانوا يعرفونه منذ عهد الحكم السابق، وكانوا يتعاطون المجلة ومؤلفاته، من خلال استنساخها في سوق “المتنبي” للكتب، وتداولها بينهم… رأيت أن مشروعه حمل راية التنوير الديني في العراق، حتى قبل عودته للعراق. الرفاعي لم يبق مثقفا دينيا وحسب، بل رفع راية للمثقف الديني، نتفيأ ظلها.

في هذه المرحلة لم تكن علاقتي بالرفاعي من خلال المجلة أو الكتب، بل التعايش والتعامل المباشر. اما المجلة التي واكبتها منذ عددها الأول، فواكبتني وساهمت في صناعة لغتي وثقافتي، حتى تمكنت أن أكون مساهما فيها من خلال الترجمة منذ مطلع عامها التاسع في العدد الواحد والثلاثين (2007) حتى اليوم.

في الحقيقة كنت انهل من علمه في العقد الثاني من تعرّفي عليه، ولكن في هذه المرحلة إضافة للعلم والمعرفة صرت أنهل من شخصه، واكتسب نهج الحياة أكثر من اكتساب المعلومات. أحاول هنا أن أسجّل أهم ملامح الرفاعي الذي اكتشفته خلال هذا العقد الأخير من التعامل المباشر معه.

الرفاعي الإنسان والمشروع

کنت اريد التحدث عن الرفاعي كإنسان، ثم عن مشروعه. لكن كلما فكرت وجدت أن كل صفة فيه منعكسة في مشروعه، وكل ميزة لمشروعه فيه، هو مشروعه ومشروعه هو… يبدو انه حمل هذا المشروع في أحشائه، وغذّاه من روحه، وأنجبه نسخة منه، واستمرارا لوجوده. بحيث يبدو لي كأن الاثنين واحد. لهذا لا أرى التفكيك بينهما سهل، وليس بوسعي إلا أن أتكلم عن الاثنين في آن واحد. فسماتهما واحدة، وخير دليل لفهم مشروعه قراءته هو.

هدف الرفاعي الإنسان والمشروع

هدف الرفاعي ـ الإنسان والمشروع ـ كما يبينه هو في كتاباته: “فتح باب الاجتهاد في علم الكلام، وتحديث التفكير اللاهوتي، ومحاولة بناء لاهوت عقلاني مستنير. ومن الواضح أن تحديث التفكير اللاهوتي يتطلب تساؤلات واستفهامات جديدة، ومراجعات نقدية للتراث الكلامي، تفضي إلى التحرر من الصورة النمطية للإله، التي تشكلت في سياق الصراعات الدامية، والفتن والحروب العديدة بين الفرق والمذاهب. والسعي لترسيخ صورة للإله، تستوحي صفات الرحمة والمحبة والسلام، ونحوها من صفات الرحمن، وتستلهم ما يتحلى به الله تعالى من صفاته الجمالية، وأسمائه الحسنى، مثل: الرحمن، الرحيم، القدوس، السلام، المؤمن، العزيز، البارئ، المصور، الغفار، الوهاب، الرزاق، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الحليم، الشكور، الحفيظ، الكريم، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، الحق، المحيي، البر، التواب، العفو، الغفور، الرؤوف، مالك الملك، الغني، النور، الهادي، الرشيد، الصبور،…الخ”.

البنية الصلبة

قد يتصور البعض أن الرفاعي الذي يتحمل الآخر، ويتيح الفرصة له لطرح آرائه، تحلّلت البنية الصلبة داخله وتحرر منها. إذا كانت البنية الصلبة هي الإيديولوجية فهذا الكلام صحيح، ولكنه ما زال مسكونا ببنية صلبة، وهي القيم الأخلاقية والمعايير القيمية… محبة الآخر، الصدق، الأمانة، الوفاء للصداقة، الكرم، مساعدة الناس، احترام الناس… قيم وأخلاقيات محكوم بها الرفاعي، نتيجة البنية الصلبة التي تسكنه.كذلك هو مشروعه، يتوافر على بنية صلبة، هي التي ساعدته على أن يسلك خطاً واضحا وثابتا منذ العدد الأول والى آخر عدد صدر من مجلته.

فقيه غير معمم

اعتقد بأن دراستي مدة عقدين للعلوم الدينية، العقد الثاني منها (2001 -2011) عند ابرز أساتذة البحث الخارج، وأشهر الفقهاء في حوزة قم، تؤهلني لأن أميز بين المجتهد وغيره. وعليه يحقّ لي أن اشهد لأستاذي بالاجتهاد، حسب التعريف الكلاسيكي للاجتهاد في الحوزة العلمية. فإحدى ميزات الرفاعي التي ساندت مشروعه هو بلوغه درجة الاجتهاد فقهيا، وهذا من النوادر جدا بين الذين ارتادوا هذه الساحة، واهتموا بهذا النهج الفكري. هو فقيه حوزوي، وان لم يعتمر عمامة، فمما يميزه عن المثقفين المهتمين بالبحث والكتابة في الدين في العراق والبلاد العربية انه فقيه محترف.

لقد تكوّن، بشكل تدريجي، تيار من تلامذة وأساتذة الحوزة غير معممين في وسطنا العراقي. بحيث أصبح اليوم وجودا معترفا به داخل الحوزة. رائد هؤلاء وأبرزهم وأشهرهم هو الرفاعي. يمكنني وصف هذا التيار “تسامحا” بـ”الرهبنة الجديدة الشيعية”، بمعنى انه نمط جديد من رجال الدين الشيعة، بزيّ جديد ووظائف مختلفة. انه غير مستعد للتنازل عن هويته الدينية، ولا التخلي عن بيان فهمه المعاصر للدين. حتى لو اختلف اجتهاده وفهمه مع الفقهاء الكلاسيكيين. هذا التيار، الذي اعدّ نفسي احد أفراده، غير موجود على الساحة العربية. فالمثقف المهتم بالبحث والكتابة الدينية في بلادنا في الغالب لم يتخرج من الحوزة أو العلوم الدينية الكلاسيكية بشكل محترف، وحتى الحوزويون منهم وهم قلائل،لم يبلغوا في دراستهم درجة الرفاعي. امتاز مشروع الرفاعي أيضا بالخبرة التراثية، فلا ترى فيه الشطحات التي غالبا ما تسقط فيها سائر مشاريع الحداثة الدينية، نتيجة قلة خبرتها بالعلوم الدينية الكلاسيكية والتراث.

إحدى وجوه أهمية مشروعه أنه تكلم وهو في قلب الحوزة، وطرح فهمه وتفسيره ومشروعه من داخلها، ولم يخرج منها أو يبتعد عنها أو يصطف مع مناهضيها ودعاة القضاء عليها وتقويضها.

العطاء

لطالما شاهدته وهو ينشد المحتاج، ويطلب الصداقة ممن هو أحوج لصداقته منه… إن اكبر رصيد يملكه الرفاعي هو شبكة علاقاته الفريدة. الشبكة التي بذل في سبيلها الغالي والنفيس من روحه وعقله وعلمه ووقته وماله… حتى بناها، يقدّمها بكل كرم وسخاء لأصدقائه. يعرّف هذا على ذاك، ويُقرّب ذاك من هذا. يتوسط لأحدهم عند الآخر، ويحصل على دعم من شخص لثانٍ، ويشغّل بعضهم عند البعض الآخر. ينجز هذه المهمة بحنكة وحكمة واتزان…لا يبسط يده كل البسط، فيندم بعدها، ولا يقبضها.

وطبيعي إن من يعطي أعز ما يملك لأصدقائه، لا يبخل على مشروعه الذي هو ابنه الروحي ووليد نفسه، لذلك أعطى كل وجوده وسخّر ما لديه، حتى تضافرت جهود الأسرة بمجموعها، خاصة زوجته الكريمة الأستاذة انتزال الجبوري لانبثاق هذا المشروع واستمراره.

والمشروع بدوره معطاء أيضا، معطاء للقارئ الذي ينهل منه المعرفة وللمشارك. فكانت تجربة المشاركة فيه معطاءة لكثير ممن شاركوا فيه، إذ ساهم في صناعة اسمهم، وواضح كم هذا الأمر مهم بالنسبة للكاتب غير المعروف.

النظرة الايجابية والأمل

تمتع الرفاعي بنظرة ايجابية للحياة ولأصدقائه، وما يحيط به. ومديحه السريع لأصدقائه بمجرد أن يأتي ذكر أحدهم، نتيجة هذه النظرة الايجابية. تنعكس هذه النظرة على مشروعه بشكل أمل بالإصلاح. ما كان للمشروع أن يصمد لعقد ونصف من الزمن ضمن هذا الواقع الذي نراه، لولا هذه النظرة الايجابية والأمل بالمستقبل.

أسّس الرفاعي مركز “دراسات فلسفة الدين” في بغداد سنة 2003، في ظل ظروف يصعب التفكير بمشروع كهذا فيها، وأعلن أن أهداف المركز هي:

1ـ الدعوة للتسامح، وإرساء قيم الاختلاف وقبول الآخر.

2- إشاعة ثقافة التعايش والحوار بين الأديان والثقافات.

3- ترسيخ العقلية النقدية الحوارية، وتجاوز العقلية السكونية المغلقة.

4- الاستيعاب النقدي للتراث والمعارف الحديثة.

5- تعميم الاجتهاد ليشمل حقول الموروث كافة، واستبعاد العناصر القاتلة والميتة، واستدعاء العناصر الحية منه ودمجها بالواقع.

6- تمثل روح العصر، والانفتاح على المكاسب الراهنة للعلوم، انطلاقا من: الحكمة ضالة المؤمن حيثما وجدها التقطها.

7-  تدريس وتعليم ودراسة الدين والتراث في ضوء المناهج الحديثة للعلوم الإنسانية.

8- تطهير التدين من الكراهية والإكراه.

9- تحــريـر فهم الــدين من المقــولات والأفكار والمــواقــف التعصبيــة والعدوانية.

10- الكشف عن الأثر الايجابي للفهم العقلاني الإنساني للدين في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية.

11- تبني الرؤى والمفاهيم التي تهدف إلى مواكبة العصر، وتعزز المصالحة بين المتدين والمحيط الذي يعيش فيه.

12- بناء مجتمع مدني تعددي تسود حياته قيم التسامح والعيش المشترك.

13- التثقيف على الحريات وحقوق الإنسان، وتجفيف المنابع التي ترسّخ مفاهيم الاستبداد، وتعمل على صياغة نفسية العبيد في المجتمع.

14- تجلية الأبعاد العقلانية والأخلاقية والإنسانية والجمالية والمعنوية المضيئة في الدين والتراث.

15- تنمية التفكير والتدريس والتعليم والبحث والاجتهاد في فلسفة الدين وعلم الكلام.

وأدى المركز من خلال نشاطاته ومنشوراته دورا هاما في هذا الحقل، وما زال يسعى  لتأسيس كلية (فلسفة الدين) بعد تأمين المتطلبات والإمكانات المادية والعلمية.

الدعوة للنقد وتقبله

نظريا يقول الرفاعي: “النقد مصدر التطور الفكري والاجتماعي، والنقد أساس التقدم، وشريان تحديث كل شئ وتجديده، ولا حياة للتفكير الديني في الإسلام إلا بتواصل المراجعة النقدية واستمرارها، للثقافة والتجربة والتاريخ والتراث والاجتماع الإسلامي. ولا سبيل للخلاص والإفلات من نفق الانحطاط والتخلف إلا بتجذير ملكة النقد وتكريسها”. وعمليا نراه على صعيد مشروعه سنّ سنة “نقد العدد الماضي” في مجلته والتزم به. وكذلك حاول من خلال مشروعه وما نشر، “الاستيعاب النقدي للتراث والمعارف الحديثة” في آن واحد.

هذا الرفاعي المشروع، أما الرفاعي الإنسان، فهو أيضا يتقبل النقد بكل رحابة صدر، وإن كان من اصغر تلامذته.

التدين

يعتقد الرفاعي أن: “الإنسان كائن متدين، والحياة لا تطاق من دون خبرات وتجارب دينية، ذلك أن نزعة التدين تمثل ظمأً انطولوجيا لا يُروى، إلا من خلال التواصل مع المطلق. ويمكن أن تظل تلك الخبرات والتجارب على الدوام منبع الهام للتراحم والمحبة والجمال في العالم، … وليس بوسعنا بناء بلادنا إلا بإشاعة فهم عقلاني متسامح للدين، يبعث الأبعاد التنزيهية العميقة في جوهره، ويعمم صورته الإنسانية”.

لا يسمح المقام هنا للدخول في الحديث عن معنى الدين والتدين. ولكن أرى من المناسب أن أقدم شهادتي من خلال مواكبتي للرفاعي، أنّ الرجل يعيش جوهر الدين في باطنه، وله تجاربه الروحية الفريدة. روى إحداها للقارئ فيما كتبه عن زيارته لمولانا جلال الدين الرومي، أو ما كتبه عن بعض سفراته للحج. وملتزم عمليا بحذافير الشريعة في سلوكه، لا يفارق دينه في مختلف حالاته وسلوكه، وهذه حالة نادرة عند التنويريين.

ومشروعه أيضا لم نره يوماً يهاجم الفكر الديني الكلاسيكي، أو يقدح به ويجرح أتباعه، ويحتفظ بعلاقات طيّبة مع المؤسسة الدينية التقليدية، بل يحاول أن يطرح ما يراه ، من دون هجوم على الآخر وعلى التدين التقليدي.

نبذ التعصب والعدوانية والاستغلال

يعتقد الرفاعي، مثلما ورد في بيانه: “إن السلام هو سبيل الأمن الاجتماعي والعيش سويا، ولا نجاة للعالم إلا بالتشبث بالوسائل السلمية لحل المنازعات، والتخلص من بواعث العنف والحروب. تشدد رسالة الدين ومقاصده الكلية على إشاعة السلم والتراحم والمحبة بين الناس، والسعي لتجفيف منابع العنف والعدوانية والتعصب.”

وفي مشروعه لا يدّعي احتكار تمثيل الفكر الديني. لكن يحاول إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين، بالإعلان عن أبعاده المعنوية والعقلانية والجمالية والرمزية.

فلا نرى في مشروعه ما يمسّ الآخرين أو يجرحهم أو يتجاوز عليهم. ولا يمارس سياسة التهكم على مقدس للناس، ويحذّر من “جرح الضمير الديني للغير”.

كذلك هو كشخص في حياته، لم يشهد له موقف عدائي من سائر التوجهات الفكرية أو أتباعها. ولهذا يجمع بين أصدقائه بين المتدين التقليدي، والمتنور، وغير المتدين، واللاّديني.

لم يدّع التنزه والفوقية

يقول الرفاعي: “لا يعني التدين الذي ننشده اختزال الإنسان في مجموعة مفاهيم وقيم مثالية، تتعالى على بشريته، وتصيّره كائنا سماويا مجردا منسلخا عن عالمه الأرضي، مثلما تريد بعض الاتجاهات الصوفية والدعوات الرهبانية، بل يعني هذا التدين إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين، وإيجاد حالة من التوازن والانسجام بين متطلبات جسده من حيث هو كائن بشري، وإمكانية غرس وتنمية روح التصالح مع العالم، والتناغم مع إيقاع الكون، وتكريس حالة الانتماء للوجود، والتعاطف مع الكائنات الحية والشفقة عليها، وتعزيز أخلاقية المحبة، وتدريب المشاعر والأحاسيس والعواطف على القيم النبيلة، والسعي لاكتشاف روافد ومنابع الهام الطاقة الحيوية الايجابية في هذا العالم، والتواصل العضوي معها.”

وعلى الصعيد العملي لم نرَه يوما ادّعى تنزيه ذاته، وإعلان تفوقه على سواه، أو ادّعى التجرد والمثالية، بل يؤكد دائما على ضعفه، وعمق احتياجاته البشرية، كذلك مشروعه الفكري،لم يعدّه سوى محاولة على سبيل الرشاد. ولم يتصور أو يدّعي يوما أنّ مشروعه سوف يغيّر العالم.

ولم نسمعه يوما يتكلم بلغة التكليف الشرعي، والمتاجرة بالدين، والمزايدة بالوطنية، وإدّعاء التضحية في سبيل الناس، والتنكّر للطبيعة البشرية.

التسامح

يدعو الرفاعي: “للتعددية والتسامح، وإرساء قيم الاختلاف واحترام الآخر. وإشاعة ثقافة التعايش والحوار بين الأديان والثقافات. تحرير فهم الدين من المقولات والأفكار والمواقف التعصبية والعدوانية. تطهير التدين من الكراهية والإكراهات”.

أي شخص يعرف الرفاعي يشهد له أن التسامح من سماته الأخلاقية، وشهدنا مواقف كثيرة من تسامحه وسعة صدره، حتى مع من تجاوز عليه أو حتى خانه، خلال مواكبتنا له، لكنّ المقام لا يسمح بسرد القصص، أو ذكر الأسماء بسوء، فهذا خلاف نهجه التسامحي.

كما إن مشروعه منذ عشرين عاما تقريبا، لم يصطدم بأي مشروع آخر، بل نأى بنفسه عن الصراع والتنافس الذي لا يليق بالعمل العلمي الرصين.

مثلا في بعض الأحيان، يعدّ ملفا للنشر، وينفق عليه العمر والمال، لكن قد يسمع بمؤسسة أخرى تعدّ عملا مشابها، أو قريبا منه، فيتخلى عنه على الرغم من أنه بدأ به قبلهم.

يعلن الرفاعي تبرّمه وأسفه وانزعاجه من أن شطحات بعض طلابه يحسبها بعضهم عليه، على الرغم من رفضه لها، لكنه لم يفرض رأيه يوما عليهم، أو يكرههم على تغيير قناعاتهم، أو سلوكياتهم، أو تصريحاتهم، أو كتاباتهم.

المعاصرة

يعبّر الرفاعي كفرد من خلال سلوكه، وحتى ملبسه، وكمشروع، يعبّر عن: “روح العصر، والانفتاح على المكاسب الراهنة للعلوم، انطلاقا من: (الحكمة ضالة المؤمن حيثما وجدها التقطها). وتبنّي الرؤى والمفاهيم التي تهدف إلى مواكبة العصر، وتعزّز المصالحة بين المتديّن والمحيط الذي يعيش فيه”.

 

الدعوة للمحبة

يدعو دائما للمحبة، والى العفو والمغفرة، والى التجاوز عن الناس، والتسامح معهم… ومن خلال مشروعه حاول: “التثقيف على نفي الإكراه في الدين، وتعميم مبدأ (لا إكراه في الدين)، والاستناد إليه كمرجعية ومعيار قيمي في التعاطي مع الآخر، وإشاعة العفو، والسلام، والعدل، والإحسان، والتراحم، والحوار، والحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، والمحبة، والصبر، والمداراة، والصفح الجميل، والهجر الجميل، وغير ذلك من مقولات ومعاني اللين، واحترام الآخر، والعيش المشترك…وتجذير المفاهيم والشعارات التي تمجد الحياة، وتعمل على تحرير الناس من المقولات الداعية إلى عدّ (الموت أسمى الأماني)”.

يسير مع الجميع لكن لم يتبع أحداً

يعلن على الدوام المبدأ الذي يلخص رؤاه ومواقفه وسلوكه بمقولته: “أسير مع الجميع وخطوتي وحدي .. أتفق مع الجميع وأختلف عن الجميع” . فهو (يتفق مع الجميع)، من دون أن يقلّد، أو يتماهى، أو يحاكي أحدا… و(يختلف عن الجمع)، ذلك أن خطواته مستقلة، ويحاول باستمرار أن  يجترح نموذجه الخاص به.

صادَقَ الرفاعي الجميع، واحتفظ بعلاقات صادقة جادة مع الجميع، وسار مع الجميع، لا لأنه لا لون له، بل لأن له لونه وطعمه وبصمته المتميزة، فالكل يعرفه على أنه الرفاعي ويصادقه. فإذا سار مع أحد لا يصبح تابعا له، بل تبقى خطواته مستقلة.

كذلك هو مشروعه، لا يخاف أن يحمل أفكار المدارس المختلفة، ويبقى على خطه ونهجه.

المشروع من وحي حاجتنا

قد لا يدرك الكثيرون _ وأنا منهم _ أهمية مشروع الرفاعي، وضرورة تأكيده على التسامح والتساهل والتراحم وتحمل الآخر في بادئ الأمر. لأن الاستبداد والدكتاتوريات في بلداننا كانت تمثل قشرة متصلبة غطّت ما تحتها في مجتمعاتنا، لكن اليوم وبعد ما تمزّقت هذه القشرة نتيجة “الفوضى الخلاقة”، وتكشّفت حقيقة ما تحتوي عليه مجتمعاتنا من تناقضات، نرى فائدة التفسير الإنساني للدين الذي دعا له الرفاعي. ففي الزمن الذي كان فيه الذبح علی الهوية أمر غير مستقبح من أية جماعة، حينما لا يتطابق مع الآخر، أصدر في هذا الزمن سلسلة كتاب “ثقافة التسامح” ببغداد عام 2004، صدر منها حتى الآن 20 كتابا، وعرّفها بأنها: “سلسلة كتاب ثقافية شهرية تصدر في بغداد. وتهتم بالتثقيف على: التسامح، ونفي الإكراه والكراهية في الدين، وإشاعة العفو، والسلام، والعدل، والإحسان، والتراحم، والحوار، والحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، والمحبة، والصبر، والمداراة، والصفح الجميل، والهجر الجميل، وغير ذلك من مقولات ومعاني اللين، والسماح، والاعتراف بالآخر، واحترام الآخر، والعيش المشترك. ونقد منابع التعصب، ونفي الآخر، والعنف، والتحجر، والقراءة الفاشستية للدين، واكتشاف الأبعاد العقلانية والأخلاقية والإنسانية والمعنوية السامية في الدين”.

ولطالما شدّد على أن: “الحاجة ملحة إلى دراسة وتحليل منابع اللاتسامح، وبواعث العنف والكراهية في مجتمعاتنا، والاعتراف بأن الكثير منها يكمن في الفهم الخاطئ للدين، والجهود الحثيثة للأصولية السلفية في تعميم هذا الفهم وتعزيزه”.

ولكن من الطبيعي أن لا يسمع صوته، لأن الكلمة أصبحت للمحرّض طائفيا، سواء كان رجل دين، أو سياسة. بينما لو كانت القوى الفاعلة في المجتمع تتبنى هذا الفهم والتفسير للدين لما وصلنا لهذا النفق المظلم الذي سقطنا فيه اليوم ولا يعلم آخره إلا الله.

المجهولية

صحيح أن علاقات الرفاعي النوعية بالنخبة الثقافية في العالم العربي وإيران مميزة جدا، ربما لا يمتلك غيره من أقرانه مثل هذا الرصيد، لكن هذه العلاقات والمكانة مجهولة في بلده، لذلك لم يتبوأ موقعه الفكري الذي يستحقه…ولم يزل يواصل مراكمة جهوده الفكرية ومشروعه التحديثي الرائد وحده. فضلا على أن مشروعه والمجلة بشكل خاص لم تنل حقها من الاهتمام في الدراسات الإسلامية، ولا نجد توظيفا لمحاورها، يتناسب مع عمق وتجديد مضمونها، وكثافة وأهمية موضوعاتها.

لعل ذلك يعود إلى عدم توافر المناخات المطلوبة في بلدنا والعالم العربي لهذا النمط من التفكير الديني. وان كانت هناك آثار غير معلنة، تشي بانطلاقة واعدة في هذا الحقل، وتؤشر إلى تأثير غير منظور لمشروع الرفاعي وكتاباته ومجلته في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد، فمثلا قررت وزارة التعليم العالي العراقية فرض مادة “فلسفة الدين” كمقرر دراسي في أقسام الفلسفة في الجامعات العراقية كافة، كما سُجلت ونوقشت أطروحات عديدة تناولت هذا الموضوع. بينما لم يعرف من قبل حقل في الدراسات الدينية عنوانه “فلسفة الدين” في العراق. كان الجميع يسأل عندما يطلع على المجلة ويقرأ “يصدرها مركز دراسات فلسفة الدين” ما المقصود بفلسفة الدين؟ وكل منهم كان يحسبها ما يسمى بـ”الفلسفة الإسلامية”.

يبدو أن المركز ومطبوعاته ومجلته أدى دوراً هاماً في توجيه الدراسات الدينية في العراق وغيره.

لكن الرفاعي ومشروعه تنبهت له مؤسسات ومنتديات ونخب هامة خارج بلده…فقد وقع الاختيار على مجلة قضايا إسلامية معاصرة دون سواها، بوصفها دورية فكرية جادة ومتميزة ورائدة في تحديث التفكير الديني في الإسلام، في العقدين الأخيرين. حين خصّص “المعهد البابوي للدراسات العربية والإسلامية” في روما كتابه السنوي للعام 2012 لإصدار ترجمات ايطالية وانجليزية وفرنسية لنصوص منتخبة مما نشر في المجلة في مختلف محاورها، وعنون الكتاب بـ”الإشكاليات الراهنة للتفكير الديني وفق مجلة قضايا إسلامية معاصرة”.

ثم تلته مبادرة “حركة أنطلياس الثقافية” بلبنان في تكريم عبد الجبار الرفاعي، وقد كانت محفزاً لمؤسسات إعلامية عراقية للانضمام إلى المبادرة، فأصدرت صحيفة المدى ملحق “عراقيون” حول الرفاعي، وخصّصت احتفالية في المتنبي للمناسبة نفسها. تلاها ملحق صحيفة العالم، ثم احتفالية في النجف وأماكن أخرى داخل العراق. والذي شجّع بعض أصدقائه وتلامذته على القيام بمشروع الكتاب التذكاري.

كان لهذه الجهود دور هام في التعريف بالمشروع، لكنها ما زالت تحتاج للمواصلة كي ترسّخ دعائم هذا الفكر التحديثي في مجتمعاتنا.

“ماركة” الرفاعي

قال لي صديق مثقف خبير: “لو كانت حكومة من حكوماتنا تريد إخراج مجلة بمستوى قضايا إسلامية معاصرة، لاحتاجوا إلى عمارة من ستة عشر طابقا… وفي النهاية ربما لا تخرج بهذا المستوى”. بعد عدة عقود من العمل المضني نحت الرفاعي من اسمه “ماركة” دليل على جودة المنتج الفكري. لهذا اختاره العشرات من طلاب الدراسات العليا كي يكون مشرفا على أطاريحهم.

متصوف خارج التصوف الطرقي لم يكتشف بعد

الكثير من أصدقائه لم يكتشف بعد النزعة الصوفية في شخصيته وجنوحه للفكر العرفاني. صورة ضريح مولانا الرومي، التي وضعها غلافاً للطبعة الأخيرة من كتابه “إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين”، تشير لهذا التوجه. فهو متصوف في رؤيته النورانية للوجود وروحه وأخلاقه، لكنه لا ينكّل الجسد، ولا يحرم نفسه من مباهج الحياة، ولا يتظاهر بالقداسة، ولا يمارس الدروشة، ولا يقدّس شيخ طريقة…انه يغرق في تجربة روحية باطنية، تشي بتصوف فلسفي أخلاقي، لا تصوف طُرُقي.

ما زلت اكتشفه

بعد هذه المسيرة الطويلة لي بمعايشة الرفاعي، والتي شارفت على دخول عقدها الرابع، ما زلت اكتشف الرجل. صفات تبدو للوهلة الأولى متناقضة، لكنه يضع كلا منها في موقعها…شغفه واطلاعه بالأحجار الكريمة، اهتمامه باقتناء المحابس والسبح، ضحكته الصاخبة، عفويته، براءته، عراقيته، بكاؤه، إهتمامه بهندامه وملبسه ومظهره، ذوقه الفني، شغفه بالجمال، هوايته بجمع اللوحات الفنية، زيارته للمتاحف الأثرية والفنية في كل مدينة يزورها، ولعه بالكتب والمكتبات، مشاعره وعواطفه الجيّاشة حيال من يرتبط به بعلاقة، إلحاحه في قضاء الحاجات، الصديق الوفي، فحين يحتاجه احد أصدقائه أو تلامذته يجده بجواره… ربما متحمسا أكثر منه…منضبط بالوقت والمواعيد، مستشار أمين، يذكر أصدقاءه دائما بخير…على الرغم من خبرته الدقيقة بأمزجة البشر وسجاياهم، ومواطن قوتهم وضعفهم، من خلال خبرة واسعة متراكمة عشرات السنين بعلاقات متنوعة مع الناس، وتكوين علمي جيد في العلوم الإنسانية وعلم النفس. وان كان هو يميز بين مراحل مرّت بها مسيرته الفكرية، لكنني في الحقيقة لا اعدها مراحل، بل تدرج وتطور وتكامل، كتلميذ الطب الذي يصبح جراحا حاذقا… الطريق نفسه لكنه تقدم فيه أكثر وتعمق أكثر.

الرفاعي الذي كان صاحب التفسير الثالث والبديل الديني بالنسبة لي، المختلف (عن تفسير الحوزة، وتفسير الجماعات الإسلامية للدين)، في الحقيقة علّمني نهج الحياة أكثر من ما علمني دروسا في الفلسفة أو اللاهوت.

كلمة الختام: كانت بجواره وليست خلفه

لا أطيل أكثر، وأنهي انطباعاتي ببيان حقيقة وهي: أن الرفاعي لم يكن وحيدا في هذه المسيرة وما حققه…أصبح تقليدا أن يقال عن كل رجل ناجح “وراء كل رجل عظيم  امرأة”، ولكن ليس مجاملة كانت السيدة انتزال الجبوري بجواره والى جنبه في هذه المسيرة الطويلة وليست وراءه… وذلك:

حينما تنازلت عن دراستها الجامعية، لرفد مسيرته الحياتية، في الحركة الإسلامية، والحوزة، في المرحلة الأولى من حياته…

حينما تنازلت عن عيشها الرغيد، لتواكب مسيرة شاب مغامر، متهور، حالم، مشرد…

حينما تركت الأهل، واختارت الغربة والمنفى…

حينما تحملت تقشف العيش وقساوة المنفى، واستضافت وخدمت وطبخت للـ”الشباب العراقيين المشردين في المنفى”…

حينما تحملت أعباء المنزل، وحينما أنجبت وربّت وعلّمت أبناءً تفوّقوا في مسيرتهم الأكاديمية والثقافية…ومنهم مدير تحرير المجلة اليوم، الحبيب “محمد حسين الرفاعي”…

حينما قامت بالتصحيح والطباعة والتنقيح اللغوي والتحرير لمجلة فصلية تصدر بحدود 400 صفحة، فضلا على أكثر من 200 كتاب، أصدرها مركز دراسات فلسفة الدين…كانت حوله وبجواره وعضده طوال الطريق، ولم تكن خلفه.

[1] ماجستير شريعة، وماجستير علوم سياسية.

https://al-aalem.com/%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d8%a8%d8%b9%d9%8a%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%81%d9%83%d9%91%d8%b1-%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%a8%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%81%d8%a7%d8%b9%d9%8a/

الاستثمارُ في الحُبّ صعب

د. عبد الجبار الرفاعي

حضورُ الإنسانِ الأخلاقي المبادِر بالعطاء المعنوي والمادي قليلٌ في حياتنا. الإنسانُ كائنٌ من الصعب أن نحبه لو اطلعنا على شيءٍ مما هو غاطسٌ في باطنه.‏ كثيرٌ من الناس قساةٌ قليلٌ من الناس رحماء، كثيرٌ من الناس بخلاء قليلٌ من الناس كرماء، كثيرٌ من الناس جافون قليلٌ من الناس دافئون، الكرماء بكلمات المحبة الصادقة استثناء. الحُبّ مصدر الطاقة الخلاقة للعيش، مَن يعجز عن الحُبّ يعجز عن العيش السعيد، ويعجز عن إنتاج معنى ثمين لحياته. أسعد إنسان هو مَن كانت مهنته صناعة الحُبّ والاستثمار فيه، كما يستثمر رجال الأعمال الناجحون في البورصة. المحبة الصادقة رصيد العلاقات الإنسانية، والسعي المتواصل لاكتشاف المشتركات العاطفية والأخلاقية معه، وغضّ النظر عن الاختلافات الدينية والمذهبية والثقافية وأشباهها، وعدم التدخل في الخصوصيات الشخصية، إلا أن يبادر الآخرُ بإخبارك بشيء من حياته الشخصية، ويطلب التدخل والدعم بشأن خاص به أو علاج مشكلاته.‏

صارت كلماتُ الحُبّ ‏المتداولة أغلبها مبتذلة لكثرة استعمالها مفرغة من معناها، بل تستعمل هذه الكلمة الجميلة ومرادفاتها أحيانًا قناعًا يخفي خلفه معنى مضادًا. أسوأ استعمال لكلمة الحُبّ حينما تستعمل مصائدًا للمغفلات وللمغفلين. الحُبّ الذي يضمّد جراحَ القلوب هو ما يكون نمطَ وجود يعيش فيه الإنسانُ ويتحقّق. يعيد الحُبّ بناءَ الإنسان مثلما يعيد الإنسانُ بناء الحُبّ، فيستثمر الحُبَّ في حياته وحياة غيره. الاستثمارُ في الحُبّ مهارةٌ حاذقة؛ لا تجيدها إلا القلوبُ الحيّة، بالرغم من أنها ضرورةٌ تفرضها حاجةُ الإنسان للعيشِ بأقل ما يستطيع من الآلام في هذا العالم. معرفةُ كيفيةِ استثمار الحُبّ، وطريقةِ إدارته وتوظيفه وتنميته، والاحتفاظِ فيه بوصفه كنزًا، تتطلب مهارةً مضاعفة، وعقلا حكيمًا، ووعيًا واقعيًا بطرائق العيش والحياة الجيدة.

للأسف الحديث عن المحبة شحيح، بل مَن يتحدث عن المحبة يصفه أكثر الناس بأنه غير واقعي، لأن لا محبةَ صافية في الحياة اليوم، وربما يتهمه البعض بتضليل الناس بأوهام. الاستثمارُ في الحُبّ أصعبُ أشكال الاستثمار في مجتمعنا. ما يدعو في حياتنا للعنفِ وكراهيةِ الآخر أكثرُ وأشدّ مما يدعو للمحبة. ذلك ما يفرض علينا تنمية المحبة وتكريسها. صوتُ المحبة الصادقُ في مثل هذا المجتمع نشاز، إنه كمن ينفخ في رماد، الكلامُ والكتابةُ عن الحُب ليست شائعة، وأحيانًا مستهجَنة. قلّما نعثرُ على معلّمين للحُب في مدارسنا وجامعاتنا، الدينية منها والمدنية. لدينا فائضٌ كبيرٌ من معلّمي إنتاجِ الكلام وتكديسِه، واستنزافِ العقل في مغالطات، وتعطيلِ التفكير في جدلٍ عقيم.

لا كمية للحُبّ لأنه من الكيفيات المجردة وهي لا تتحدد بكمية. الحُبّ أمر مجرد، وكل ما هو مجرد غير مقيد بزمان أو مكان أو كمية أو حجم أو كيفية مادية، الحُبّ ليس نسخة واحدة تصدق على كلِّ النسخ المتماثلة، الأمر المجرد يتسع باتساع ما يثريه ويكرسه. الحُبّ من أسرار القلب، هذه الأسرار لا تخضع للقوانين الطبيعية. لكل حُبّ كيفية يتجلى فيها تشاكل شخصية المحب وشخصية المحبوب. ثمرات الحُبّ وفاعلياته مختلفة، تختلف وتتنوع بتنوع مَن نحب، ودرجة الحساسية العاطفية للإنسان، وانفعاله بالحُبّ. الحالاتُ الوجودية كالحُبّ والإيمان والسكينة والسعادة والألم والقلق يصعبُ تعريفها، يمكن أن تنكشفَ بوضوح لحظةَ الشعور بها. تذوقُ الحُبّ غير معرفة ‏حقيقته واكتشاف كنهه والعيش فيه. لا يمكن أن نفلسفَ كلَّ شيء نريد أن نتذوقه ونتعرف على ماهيته، تذوق الحُبّ لا يتطلب التفلسف واكتشاف جوهره. ‏حقيقة الحُبّ والإيمان وكلّ شيء آسر من أمثالهما في الحياة سرٌّ. لو حاولت أن تفهم ‏الحُبّ وتفلسفه كما يفعل الفيلسوف يمكنك ذلك، لكنك لن تتذوقه مالم تعشه كطفل، وتتحقّق به كأم، مثلما تعيش الحُبّ وتتحقّق به الأم، والفلاح والعامل والراعي الأميون. الحُبّ يخفي عِلَله، وربما لا يُعلَّل، وإن كنا نكثر الحديث عن آثاره وعطاياه وأحواله وحالاته وشؤونه وشجونه ومواجعه.

‏ أن تفهم الحُبّ وكيفية ولادته وصيرورته شيء، وأن تعيش الحُبّ وتتحقّق به كطور وجودي تسمو وتتكامل فيه شيء آخر. ‏‏ما لا يمكن تفسيره في الحُبّ، نشأة وصيرورة وقوة وضعفًا، أكثر مما يمكن تفسيره. يكمن سحر الحُبّ فيما لا يمكن تفسيره. الحُبّ يمحو الشعور بوطأة الزمن ومرارات الأيام. عطايا الحُبّ في حياة الإنسان باذخة، إذ يتحقّق الإنسان بالحُبّ بطور وجودي أسمى. قوة الحُبّ توقد طاقة الحياة وتفجرها، لا تظهر قوة الحُبّ كطاقة ملهمة في الحياة إلا بكيفية استثماره وتوظيفه بذكاء.

احتكار الحُبّ كاحتكار الخلاص يوم القيامة لدى الأديان. الحُبّ حالة وجودية نسبية، إن تحقّق فيها إنسان بمرتبة عاطفية وروحية وأخلاقية عالية يتسامى إلى طور وجودي في سلَّم تكامُله. يصير مثل هذا الإنسان محبًا ومحبوبًا، مأزق هذا الإنسان أن آباءه وأولاده وزوجته وإخوانه كلهم يطالبونه أن يحبهم أكثر من غيرهم، أو يحبهم لا غير، بعضهم يتهمه بالكذب، وآخر يظل يعتب ويلوم، ولسان الجميع: أنت تدعي أنك تحبني فلماذا تحب فلانًا أكثر مني، وكل مرة يأخذ منه العهود والمواثيق أن يحبه أكثر من أي إنسان، بل يتمادى بعضهم فيطلب منه أن يحبه لا سواه. هؤلاء يتجاهلون أن مراتب الحُبّ تختلف شدة وضعفًا وتتنوع كيفياته.

إن أحسنَّا استثمار الحُبّ يطيب عيشنا، وإن أسأنا استثماره يتكدر عيشنا. الحُبّ إن ‏استطعنا أن نجعل من شعورنا فيه وعيشنا به بمثابة الرسم، سيرسم لنا أجمل صورة للحياة. ولو توهمنا فجعلنا من شعورنا بالحُبّ وعيشنا فيه أوهامًا، نتطلع فيها لحصاد كلّ شيء، ولو كان يعاند طبيعتنا ويفوق طاقتنا وواقعنا المعيش، ونظل ندين ونشكو ونتذمر ونضجر ونسأم من المحبوب، بلا امتنان ولا تثمين لمن منح حياتنا هذا المعنى الجميل، وأغناها بمعانقة روح محبة سخية تعطينا بصدق ما يرفد حياتنا بالأمل والتفاؤل والبهجة، وقتئذ يصير الحب مقبرة أحلامنا ومأساة حياتنا. بقدر ما يعمل الحُبّ على توحيد قلبي الحبيبين، ينبغي ألا ننسى تنوع وإثنينية الحبيبين، ولا نتجاهل فرادة ذات كل إنسان واستقلال كينونته الوجودية، وألا يغيب عنا أن كل ذات لا تطابق تمامًا إلا ذاتها. القاعدة الوحيدة في الحُبّ هي اللاقاعدة، كل منا يحب على شاكلته.

‏الباطنيّة والغموض وتحوّل كلّ شيء في الحياة إلى سر يبدد المحبة. المحبة بوح ووضوح وانكشاف، وإظهار المشتركات، الأعمق في تجذير المحبة هو تحويل الاختلافات إلى مزايا، يتكامل فيها ما لدى الحبيبين من نقص، والتعبير بلطف ورقة عن هذه المزايا. تلك منابع أساسية لبناء الثقة وترسيخها، وتبعًا لذلك ترسيخ المحبة وتكريس أركان المودة. انهارت علاقات وثيقة بسبب غموض أحد الشخصين وباطنيته. تشكو بعض الزوجات من غموض مواقف وسلوك وحياة الأزواج. أعرف بعض حالات الطلاق حدثت إثر ذلك.

أخطر أنماط الحُبّ عندما يصير استعبادًا، وأعذب أنماطه عندما يصير محرِّرًا. الحُبّ مرآةُ الذات، كلُّ إنسان يحب على شاكلته، إن كان الحُبّ بمعنى الحرية يكون مُلهِمًا ومحرّرًا، وإن كان الحُبّ بمعنى الامتلاك يكون استعبادًا مميتًا. الحُبّ وإن كان يمحو الصفات المذمومة، أو يخفض فاعليةَ وتأثيرَ بعضها، إلا أنه أحيانًا يمحو الذاتَ تمامًا ويستلبها ويمسخها. إن اشتدّ عشقُ القلب يعطّل العقلَ والإرادة، وحتى الذوق أحيانًا. العقل يمكن أن يتحكم بسلطةِ القلب، إن كان عقلًا نقديًّا، وأسعفته إرادةٌ صلبة شجاعة. العقل شيء، والقلب شيء آخر، والإرادة شيء ثالث. يحدث الصراعُ داخل الإنسان بين ما يعرفه العقل ويرى ضرورة الامتناع عنه، وبين فائض اشتياق قلب يشاكس المعرفة وقرار العقل، وإرادة تخذل العقل. طالما عجز العقلُ عن إكراه القلب، أو قهر الإرادة على الفعل أو الترك، مهما كانت حجج العقل منطقية.

الإنسان النكدي يحسب الحُبّ ممارسةَ استعبادٍ للمحبوب، واستئثارٍ بكلِّ شيء في حياته، والظفرِ بكلِّ شيء لديه، وانتهاكِ حرياته وحقوقه الخاصة، فيضيّع الحُبّ عندما يترقب منه ما هو خارج حدوده، ويضيع هو في متاهات الحياة بضياع هذا الكنز النفيس، الذي كان مؤنسًا لحياته وملهِمًا لأجمل معانيها، إذ أخفق في صيانته وتكريسه. الحُبّ توأم الحرية، الحُبّ تكرسه الحربة وتمسخه العبودية. الإنسان غير الواقعي يعمل بمعادلةٍ صفرية، إما أن يكون الحُبّ استحواذًا واستملاكًا لكلِّ شيء في حياة المحبوب، أو خسارةً للمحُبوب ولكلّ شيء. هذا الإنسان يعجز عن أن يجعل من الحُبّ محرِّرًا للذات ومبهِجًا للقلب.

حين يصير الحُبّ مكوِّنًا عميقًا للقلب، لن يموت أبدًا مادام المرءُ حيًّا. الحُبّ لا ينهزم، العقل مهما كان حاذقًا لا يهزم الحُبّ، حتى الإرادة يخذلها الحُبّ أحيانًا، قوة الحُبّ تعطّل العقلَ والإرادةَ وحتى الذوقَ أحيانًا. مَن يحاول قهرَ قوانين الطبيعة كقانون الجاذبية تقهره وتحطمه، ومَن يتنكر لطبيعته الإنسانية ويصرّ على قهرها تقهره وتحطمه في خاتمة المطاف. القوانين البايلوجية كالقوانين الطبيعية، تحدّيها يدفع ضريبتَه الجسدُ ويفتك به. القوانين السيكولوجية وإن كانت لا يتعذر تحدّيها، إذ تستجيب النفسُ لها ابتداء مرغمة، لكنها تعاندها في مرحلةٍ لاحقة وترفضها بعد إنهاكها، وأحيانًا تكون الضريبةُ كبتها وتمزقها.

من أعنف معاندات الإنسان لطبيعته، وتنكيله العبثي باحتياجاته العاطفية، أن يعاند نفسَه ويقهرها بإرغامها على هجران مَن يحب، إن كان محبوبُه أخلاقيًّا نبيلًا. عندما يعمل الإنسانُ على قهر الحُبّ وتناسيه يتعذَّر عليه انتزاعَه من قلبه، حتى لو غطس بعد مضيّ مدةٍ طويلة من المعاناة المريرة، فإنه يترسّب في اللاوعي جروحًا منقوعةً بسموم قاتلة، تتفجّر بصورةٍ مباغتة على شكل اكتئابٍ مظلم مجهول الأسباب.

يمكن أن يتنكر الإنسانُ للاحتياجات الأساسية في حياته، ويكبتها بعنفٍ لسنوات، إلا أن هذا التنكرَ يتحول إلى سموم بمرور الأيام تستزفه وتحطمه من الداخل. تستجيب الذاتُ لإكراه الإنسان لها ابتداء، غير أن الإكراهَ المتواصل للذات على ما لا تطيقه يستنزفها ويصيّرها رميمًا. التصوف الطرقي والرهبنة في الأديان غالبًا ما تستنزف الجسد، وتنهك القلب، وتبلّد العقل. أكثرُ تمارين الارتياض تقهر طبيعةَ الانسان، وتفتك بجسده واحتياجاته الغريزية العميقة، ولا تكرس المحبة.

 

https://altanweeri.net/12418/%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b3%d8%aa%d8%ab%d9%85%d8%a7%d8%b1%d9%8f-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%8f%d8%a8%d9%91-%d8%b5%d8%b9%d8%a8/

حُبُّ الإنسان طريقٌ لحُبّ الله

د. عبد الجبار الرفاعي

إن صار ‏الحُبّ نمطًا لوجود الإنسان يغيّره، ويمنحه قدراتٍ إضافية لتذوق أجمل ما في الوجود، وينعكس ذلك التغييرُ على مَن يحُبّه، مادام أحدُ المحبّيَن يتغيّر يتغيّر أيضًا مَن يحبّه. ‏الحُبّ الذي يحميه ضميرٌ أخلاقي حالةٌ وجودية، لها تأثيرٌ سحري متبادَل في السلامة النفسية وتكريس الأمن العاطفي. يغدو العيشُ مريرًا من دون تذوق هذا النمط للحياة.كلُّ إنسان يحتاج ‏الحُبّ، لو اكتشف الإنسانُ طريقَ ‏الحُبّ في الوصول إلى الله لتشبّعت حياتُه بالسكينة، وتوطّن السلامُ حياتَه وحياةَ مَن حوله. مَن يتذوق ‏الحُبّ بوصفه نمطَ وجود يكتشفُ أقربَ الطرق إلى الله. يكتشفُ الطريقَ إلى حُبّ الله مَن يكتشفُ الطريقَ إلى حُبّ الإنسان. حُبّ الله ليس كلمة نكرّرها، الحُبّ سلوك ومواقف وأفعال وعطاء، الحُبّ لا يتحقّق إلا برعايةِ حقوق الإنسان واحترامِ حرياته، وإسعافِ جروح قلبه، وتدريبِ النفس على العطاء المعنوي والعطاء المادي.

هناك سرٌّ يختبئ في ‏الحُبّ والرحمة والإيمان والجمال. يتحدث محيي الدين بن عربي عن الجمال فيقول: “فأوجد الله العالم في غاية الجمال والكمال خلقًا وإبداعًا، فإنه تعالى يحُبّ الجمال، وما ثم جميل إلا هو، فأحبّ نفسه، ثم أحبّ أن يرى نفسه في غيره، فخلق العالم على صورة جماله، ونظر إليه فأحبّه حُبّ من قيده النظر، فما خلق الله العالم إلا على صورته، فالعالم كله جميل، وهو سبحانه يحُبّ الجمال”[1]، ويقول أيضًا: “فمن أحبّ العالم لجماله فإنه أحبّ الله، فإنه ليس للحق منزه ولا مجلى إلا العالم، فإنه أوجده على صورته، فالعالم كله جماله ذاتي، وحسنه عين نفسه، إذ صنعه صانعه عليه”[2]. لا ينكشف من الله إلا تجلياتُ جماله وجلاله في الوجود، وإشراقاتُه في قلب المؤمن، لا يتجلى كلُّ ما هو مودَع في الجميل من أسرار الجمال، تأسر الرحمةُ القلبَ مهما كان قاسيًا، ويظلّ ‏الحُبّ عصيًا على أن يستحوذ على سرّه الإنسانُ مهما كان. يتمنّع كلٌّ من الإيمان و‏الحُبّ والجمال من البوح بكلِّ أسراره،كلٌّ منها يتلفّع بسرّ، وكلُّ ما هو متلفّع بسرّ لا حدودَ لشغف الإنسان باستكناه حقيقته، لذلك يلبث الإنسانُ في ظمأ أبدي إليه، لا يرتوي منه ما دام حيًا. في الإيمان يشعر المؤمنُ أن اللهَ يتحدثُ إليه شخصيًا، في ‏الحُبّ يشعر المحُبّ أن المحبّوبَ يتحدث إليه بلغةٍ لا يتذوقها إلا قلبُه، مثلما يشعر متذوقُ الجمال وكأن الجميلَ يبوح إليه بسرِّه.

الرؤية لله في الكلام القديم قلما تراه بوصفه نورًا. الرؤية لله في علم الكلام الجديد تتمحور حول صورة الله بوصفها نورًا، كما صوّرها الله في القرآن الكريم. تراه نورًا بذاته: “نُورٌ عَلَىٰ نُورٍ” (النور 40، وتراه نورَ السموات والأرض: “اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ” (النور 40)، وترى نورَه يتجلى بكل شيء في الأرض: “وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا” (الزمر 69). وردت كلمة النور في القرآن 49 مرة، بوصفها إشارة للهداية: “يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ” (النور 35)، أو توصيفًا للكتاب: “قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ” (المائدة 15)، “وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا” (النساء 174)، أو توصيفًا للإنجيل: “وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ (٤٦ المائدة)، أو بوصفها حالةَ لانشراح الصدر بالإسلام: “فَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ” (الزمر 22)، ووردة الكلمة دلالة على النور بوصفه ظاهرة فيزيائية، كضوء القمر: “هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا” (يونس 5). وغير ذلك من الآيات الواردة فيها كلمةُ النور.

تتحدثُ الآيةُ 54 من سورة المائدة عن بناءِ صلةٍ بالله تتأسّس على المحبّة المُتبادلَة: “يُحُبّهُمْ وَيُحُبّونَهُ”. ترسمُ الآيةُ صورةً تفاعلية للصلة بالله، ثنائيةُ الاتجاه لا أُحادية، من الله إلى الإنسان ومن الإنسان إلى الله. يبدأ اللهُ الإنسانَ بالحُبّ، فيتفاعل معه ويبادله الإنسانُ ‏الحُبّ. الصلةُ في الآية ليست عموديةً تسلُّطية استعبادية باتجاهٍ واحد. ‏الحُبّ فيها مُتبادَل، لا تتحدثُ الآيةُ عن الله بوصفه فاعلاً، وعن الإنسان بوصفه منفعلًا سلبيًّا في ‏الحُبّ. عندما يفيض اللهُ ‏الحُبّ على عباده يتَّخذ ‏الحُبّ قلوبَهم موطنًا له، يهدأ قلقُهم الوجوديُّ، ويعيشون سلامًا باطنيًّا، وتنشـرح صدورُهم بالاستنارة الروحية. الاستنارةُ الروحية أجملُ ما منحته الأديانُ لحياة الإنسان، في الإسلام كانت الاستنارةُ الروحيَّة منبعًا مُلِهمًا لتحويل الصلة بالله من علاقةٍ مسكونة بالخوف والرعب إلى صلةٍ مشبَعة بسكينة الروح وطمأنينة القلب.

الحُبّ ضد الإستعباد، حتى حُبّ الله إن تحوّلَ إلى استعبادٍ تام فإنه يمسخ شخصية الإنسان. منطق الحُبّ الحرية، ومنطق الاستعباد الاسترقاق، وهما متضادان. الاسترقاق هوانٌ وذلّ وشقاء وهتك للكرامة، الحُبّ ارتواء وحرية وتكريم. الله لا يحتاج رقيقًا، الله لا يريد إهانةَ الإنسان، بل يريد تكريمَه وإرواءَ ظمئه الأنطولوجي.

الإنسان بطبيعته كائن يصعب أن يحُبّه الإنسانُ الخبير بأعماق النفس البشرية، وحده حُبّ الله يجعلنا نرى الإنسانَ بنور الله. حُبّ الله نحتاجه لتوجيه نمط الصلة بالله ولحياتنا الإيمانية ولبناء علاقات اجتماعية راسخة. يبدأ الإنسانُ الحُبَّ لله بحُبّ الذات وقبولها، وحُبّ الإنسان الآخر، من دون حُبّ الله وتذوق بؤر الضوء في الإنسان تنضب الطاقةُ على حُبّه. ‏الحُبّ لا يطيقه قلبُ كلِّ إنسان، من أعذب تجليات الجمال الإلهي على قلب الإنسان أن يفيض عليه القدرةَ على حُبّ الإنسان. ‏الإنسان الذي يمنح ‏الحُبّ لغيره من الكائنات يصبح قلبُه كمرآةٍ ساطعة تشهد تجلياتِ الأنوار الإلهية. المحبّة من أثرى وأجمل النعم الإلهية. الله يفيض محبّتَه على خلقه بلا حدود وشروط وقيود،كالضوء يضيء كلَّ شيء بنوره. حُبّ الله لا يمكن أن يصل إليه إلا إنسان يبرع بترويض نفسه على حُبّ الإنسان، حُبّ الله لن نصل إليه إلا من خلال تدريب النفس على تحمل الإنسان المختلِف في معتقداته وأفكاره ورؤيته للعالم. وإكرم الإنسان جريح القلب، الذي يتطلع إلى أن نسعفه ولو بكلمة محبّة صادقة. لو أحبّ الإنسانُ اللهَ ينزله منازلَ خاصته المقربين، ويجعل الحُبّ حالةً وجودية يتحقّق بها الإنسان، وتصير مكوّنًا للكينونته الذاتية، بنحوٍ يغتسل فيه قلبُ الإنسان فيه بالحُبّ كلَّ يوم، متطهّرًا من الكراهيات والضغائن والأحقاد. القلوبُ المضيئة بحُبّ الله يهتدي بنورها ذوو البصائر إلى منبع النور الأبدي.

لا تنخفض وتيرةُ الألم وصراع الأقطاب المتضادّة داخل الإنسان إلا أن يتذوق الإنسانُ الحُبَّ والإيمانَ والجمال، ويعيشها بوصفها نمطًا لوجوده، وقتئذٍ يكتشف مفتاحَ الأسرار الإلهية المودَعة في الروح. الحُبّ الإلهي يفيض علينا نورًا نرى فيه مكامنَ النور الذي يمكن أن ينبثق من داخلنا وداخل كلّ إنسان.

الحُبّ ليس حاجةً ثانوية، الحُبّ إن كان صادقًا محميًا بضمير أخلاقي يقظ؛ يعني الاعتراف، والثقةَ بالذات، وتذوقَ جماليات العالم، والقدرةَ على مقاومة ما يفرضه علينا الواقعُ من قسوة وإنهاك نعجز عن تحمله. ‏الحُبّ يجدّد حياةَ الإنسان ويوقد كلَّ طاقاته الخلّاقة. الحُبّ كنز الحياة، وأثمن الممتلكات، لا يضيّع الحكيمُ كنزًا أفاضه الله على قلبه، يعيش فيه أبهجَ حالاته وأعذبها. التفريط بالحُبّ الأصيل سفاهة، مهما كانت الأسبابُ ينبغي ألا يفعل الحكيمُ ذلك. الحُبّ أنفس كنوز الحياة، العبث بالحُبّ يقود الإنسانَ إلى ضربٍ من الانتحارِ العاطفي والروحي، وتمزيقِ القلب، وتعاسةِ العيش.

ليس كلُّ شيءٍ يحدث في حياتنا يمكن تفسيره، أحيانًا تحدث للإنسان حالاتٌ غامضة يعجز عن اكتشاف أسبابها، سواء أكانت هذه الحالات مريحة أو مزعجة. الحُبّ عصيّ على التفسير، منطق ‏الحُبّ الأصيل هو اللامنطق، قانونه خارج القانون، لغته خارج اللغات. الإيمان والحُبّ والسكينة والسلام الباطني حالات وجودية يعيشها الإنسان، ويعرفها جيدًا بتذوقها، ويتعذّر عليه تعريفُها بوضوح ٍكما يعيشها ويتذوقها غيره. الحالات الوجودية لا يمكن الحديثُ عنها بلغةٍ مباشرة، إلا بالكنايات والمجازات والتشبيهات والإشارات.

عندما أكتب عن الحُبّ أو الإيمان، لا أدعي بناء رؤية علمية أو فلسفية تفسّر مضمون هذه الحالات الوجودية وتكتشف أسرارها. أحاول أكتب عن الخبرة الذاتية بتذوقها وعيشها والتحقّق لها، تذوق الحالات الوجودية غير معرفتها فلسفيًا أو علميًا. عشت مغتربُا عن وطني سنوات طويلة، بعد عودتي وجدتُ نفسي مغتربًا في وطني. أعيش مشاعرًا متضادّة في الوطن، أشعر أحيانًا كأني انتقلتُ من منفىً إلى منفى، وأشعر أحيانًا ألا سماءَ كسماء وطني في كلّ سماوات العالم. في المنفى والوطن أعيش الإيمانَ والحُبَّ بوصفهما وطنًا حيث لا يجد الإنسانُ وطنًا يأويه. بالحُبّ المؤطر بضميرٍ أخلاقي ينتصر الإنسانُ على الأنانية والقلق والخوف واليأس والضجر. الحُبّ الذي يكرّسه الإيمانُ يثري الروحَ بالسكينة والقلبَ بالطمأنينة.

[1] ابن عربي، محيي الدين بن عربي، الفتوحات المكية، ح ٢ / ٣٤٥ – ح ٤ / ٢٦٩.

[2] ابن عربي، محيي الدين بن عربي، الفتوحات المكية، ح ٣ / ٤٥٠.

 

https://alsabaah.iq/96987-.html

 

الإيمان بلا حُبّ ورحمة عنيف

د. عبد الجبار الرفاعي

‏‏‏‏نادرًا ما نشهد محبّةً ليست مشوبةً بالكراهية أو محبّةً تلبث متوهجةً على الدوام، إلا محبّة الله فتنفرد بأنها محبّةٌ صافية، تترسّخ وتتكرّس وتجلو قلبَ المحبّ على الدوام.كلما تغذّت محبّةُ الله تمدّدت وتشبّعت وأعطت ثمراتِها عاجلًا، وأصبح الإنسانُ المحبّ مضيئًا يسطع قلبُه بالأنوار الإلهية، ويستضيء بأنواره مَن يقترب منه. يتنوع الإيمان بتنوع صورة الله، فمَن يؤمن بصورة إلهٍ محارِب يتورط بإعلان الحروب على خلق الله،كما يفعل الصهاينةُ المتوحشون في غزة وفلسطين، ومَن يؤمن بصورة إلهٍ مُحِبّ ورحيم يصبح من صنّاع السلامِ والتراحم والمحبّة والجمال في العالم.

تتشكل الصلةُ بالله على شاكلةِ إيمانِ الإنسان بالله التي يفرضها معتقدُه، ونمطِ حياته الروحية والأخلاقية، وما تحدّده صورةُ الله لديه من كيفيةٍ ترسم صلتَه به، ورؤيتَه للوجود، ووعيَه لذاته، ووعيَه لنمط علاقته بالإنسان الآخر. مَن يتطوعون للانتحار في الجماعات التكفيرية لا يفتقرون للإيمان، إلا أن إيمانَهم بالله واليوم الآخر والجزاء يتشكل على وفق صورةٍ مظلِمة لله، صورةٍ تفتقر للحُبّ والرحمة، صورةٍ لا ترتوي من الدم، لذلك تزجّهم في ولائم القتل الجماعي العبثية للأبرياء، في الأسواق وبيوت العبادة والأماكن العامة. هذا النمط من الإيمان يفتقر للحُبّ والرحمة، لا يرى الانتحاريّ الإنسانَ بنور الله، بل يرى الإنسانَ في الظلام، يراه في إطار صورة الله الخاصة المنحوتة بمقولات التكفير الكلامية لفرقته. يرى صورةَ الله محتكرةً له لجماعته، يراه فيها وكأنه مولعٌ بشربِ الدماء، وإبادةِ البشر ممن يعبدونه خارج إطار تلك الصورة المظلمة.

لم يكن اللهُ في تصورِ اللاهوتِ الصراطي إلهًا للعالَمين ولا إلهًا للنَّاس أجمعين، بل صار إلهًا يختصّ بديانةِ من يعتقد بهذا اللاهوت، وكلّما ضاقت دائرةُ الاعتقادِ ضاقت حدودُ صورة الله تبعًا لها، فصاحبُ الفرقةِ يعتقدُ بأن اللهَ إلهُه فقط دون غيره من الناس، وربما تتشظّى الفرقةُ الواحدة فتصير عدةَ جماعات، كلٌّ منها يعتقدُ بأنه يحتكرُ صورةَ الله له. اللاهوتُ الصراطي يغرسُ في كلِّ الأديان شعورًا عند الإنسانِ بأن رحمةَ الله مختصّةٌ به وبأتباعِ معتقدِه، وأنهم من دون سواهم يفوزون بالنجاةِ والخلاصِ من العذابِ والهلاكِ. ويغذّي ذلك على الدوام اعتقادُه بأنه يستطيع احتكارَ رحمةِ الله، بوصفها من الممتلكاتِ الخاصةِ التي يستحوذ عليها معتقدُه. يظلّ صاحبُ المعتقد الصراطي يتوهمُ بأنه قادرٌ على حصرِ الرحمةِ الإلهية بأتباعِ ديانته، وتضييقِها لدرجة يستطيع معها أن يستبعدَ كلَّ من هو خارج هذا المعتقد من إشراقات رحمة الله.

في داخل ‏الإنسان استعداد لولادة وحش مفترس، لا يروّض هذا الوحش إلا الإيمانُ المشبع بالمحبة، ولا يقي البشرَ منه إلا الأخلاق، ونداء الرحمة في أعماقه، ولا يردعه إلا القانونُ العادل بتطبيقه الصارم على الجميع بلا تمييز. عندما تموتُ الرحمةُ في القلب تموتُ انسانية الإنسان، الرحمةُ هي المنبع لكل حالات تسامي الروح وإشراقها. الحُبّ والرحمةُ كلاهما تجربةٌ من جنس واحد لتذوق الحقيقة. للحُبّ صِلة عضوية بالرحمة، الحُبّ يؤثر ويتأثر بالرحمة، والرحمة تؤثر وتتأثر بالحُبّ. المحبّةُ والرحمة ‏من أثمن ما يلتقي فيه جوهرُ الأديان، وأنفس ما يمكّنها من النطق بلغةٍ عذبة. كلُّ دين يفتقر للمحبة والرحمة يفتقر لما يحمي الإنسانَ من العنف. الحُبّ بلا رحمةٍ لا ينجي الإنسانَ بالضرورة من التورط بالكراهية، وربما تطغى حالةُ الانتقام لديه إلى الحدّ الذي يرتكب فيه العنفَ الرمزي واللفظي وحتى القتل، مثلما قرأنا وسمعنا عن بعض العاشقين الذين كانوا ضحيةَ العنف الانتقامي. الرحمةُ صوتُ الله، ومعيارُ إنسانيَّة الدِّين، لا يؤتي الدينُ ثمارَه مالم يكن تجربةً إيمانية تنبضُ فيها روحُ المؤمن بالرحمة. الرحمةُ بوصلةٌ توجِّه أهدافَ الدين، فكلُّ دين مفرَغ من الرحمة يفتقدُ رسالتَه الإنسانية، ويفتقرُ إلى الطاقة الملهِمة لإيقاظ روح وقلب وضمير الكائن البشري. الرحمةُ حالةٌ عامةٌ لا تُخصَّص، تفيضها الروحُ الرحيمةُ على الكلّ. وكما لا يمكن بناءُ مجتمع سليم بلا محبة ورحمة لا يمكن الاستغناءُ بالرحمة عن العدالة. العدالةُ ضرورةٌ لحماية حقوقِ الإنسان وحرِّيَّاتِه، وهي شرطٌ لازمٌ لكلّ عمليةِ بناءٍ مجتمعيّ سليم، وضمانةٌ للأمنِ والسِّلمِ الأهليّ من كلِّ أشكالِ العُنْفِ والتَّعَدِّي على حقِّ الآخرِ في العيْشِ المُشْترَك، وخلقِ فرصٍ متكافئةٍ للأفراد في الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. لذلك لا يمكن أن يقوم مجتمعٌ سليمٌ من دون قوانين تُنظّم الحياةَ الاقتصادية والسياسيَّة والقضائية والادارية، وتُحَقّق الأمنَ والعدالةَ الاجتماعية، وأنظمةَ عقوبات عادلة تُنصِف المظلومَ وتردع الظالم، بنحوٍ تتَّسم فيه بالإنصاف والتَّوازن، وتحْمِي مصالحَ الفَرْدِ والجماعة، ويتساوى فيها الأفرادُ في حقوقهم وحرياتهم[1].

الحُبّ لغة الإيمان، ‏الحُبّ بلا إيمان فقير، الإيمان بلا حبّ ورحمة عنيف. الفقيرُ للمعنى هو أفقرُ إنسان في العالم، بوصفه مفتقرًا لأثمن شيءٍ في الوجود. قيمةُ الإنسان بمجموعة ما يمتلكه ويمنحه للحياة من المعاني الروحية والأخلاقية والجمالية والمعرفية، وقدرتِه على جعل الحياة على الأرض أسعدَ والعالمَ أجمل. في ضوء تعريفي للدين بوصفه: “حياةً في أُفق المعنى، تفرضُه حاجةُ الإنسان الوجودية لإنتاجِ معنىً روحي وأخلاقي وجمالي لحياتِه الفردية والمجتمعية”، ينفي هذا الفهم للدين إمكانيةَ تأسيس أيةِ صلة بالله لا تبتني على المحبة والرحمة. ذلك ما يجعلني متى ما كتبتُ شيئًا عن الدين تسبقني كلماتُ ‏الحُبّ والرحمة للتعبير عن حضورهما فيه. ‏الحُبّ والرحمة مثلما يطهّران القلبَ يطهّران الأرضَ من الدمِ المسفوح، ويحرسان كرامةَ الإنسان وحرياتِه وحقوقه، ولا يمكن أن يتورط من يتحلّى بهما بالعدوان على الإنسان بذريعة الدفاع عن الله.

الإيمانُ وحُبّ الله كلاهما كيمياءٌ للروح، كلاهما ينبثقان من جوهر واحد. يولدان معًا، ويرتضعان معًا، ويتكرّسان معًا، ويتوحّدان معًا، فحيث ينمو الإيمانُ ينمو الحُبّ، وحيث يذبل الإيمانُ يذبل الحُبّ. إنهما في صيرورة وتفاعل وفوران، يتحوّل الإيمانُ إلى حُبّ، كما يتحوّل الحُبّ إلى إيمان. الإيمانُ عصارةُ الحُبّ، والحُبّ عصارةُ الإيمان، كلا الحالتين تستقيان من الشلّال ذاته، يصبح كلٌّ منهما صورةً لحقيقة واحدة متعدّدةَ الوجوه. حين يصير الإيمانُ حُبًّا والحُبّ إيمانًا تشهد حياةُ الإنسان أنوارَ الأبد. الإيمانُ فرحُ الروح في زمنٍ قلَّما تفرح فيه الروحُ، إذ يتهدّدُ العالَمَ تديّنٌ كئيبٌ يغمر الروحَ بالأسى. ما أجمل التعبير الوارد في مناجاة المحُبّين المروية عن الإمام السَّجَّاد “ع”: “إلـهي مَنْ ذَا الَّذي ذاقَ حَلاوَةَ مَحُبّتِكَ فَرامَ مِنْكَ بَدَلاً، وَمَنْ ذَا الَّذي أنـِسَ بِقُرْبِكَ فَابْتَغى عَنْكَ حِوَلاً”[2].

العرفاء أهل القلب يتذوقون نكهةَ الإيمان والمحبة والسكينة والسلام. يتقنون لغةَ القلب، ويتحدثون عنها بكلماتٍ رقيقة دافئة مشبَعة بنكهة أرواحهم، لغةُ القلب أصفى لغات الأرض وأعذبها. القلبٌ يضيئه الإيمان، ويبهجه الحُبّ، الإيمان والحُبّ يترجمان كلَّ لغات العالم بمعنى واحد. يقول العارف الألماني ميستر إيكهارت (1260 – 1327): “يتجادل اللاهوتيون، لكن عرفاء العالم يتحدثون اللغة ذاتها”. مسارُ العقل غيرُ مسار القلب، العقل المتسائل لن تصمت أسئلتُه، كثيرًا ما يسأل أسئلةً حائرة. يتساءل العقلُ عن ماهية الحُبّ والإيمان وكلِّ شيء، ويحاول أن يعرفَ كيفيةَ إدراكه، ومدى وحدود اكتشاف ذلك الإدراك للواقع. الفلاسفة يتكلمون لغةَ العقل المتسائل، لا تهدأ عقولُهم وإن خلصوا إلى إجابات لأسئلتهم، طالما تناسلت من أسئلتهم أسئلةٌ أعمق منها. الفيلسوف الشهير نيتشه مثلًا كان شقيًا في حياته، إثر الانفجار العاصف لبركان عقله العبقري الذي لم يهدأ. سنواته الأخيرة عاشها في مستشفى المجانين، بعد أن أنهكت ذهنَه وبدنَه وأعصابَه أسئلتُه العميقة مات مبكرًا.

[1] الرفاعي، عبدالجبار، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، ص 25 – 29، ط 3، 2022، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد، دار الرافدين، بيروت.

 

[2] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والكرامة الإنسانية، ص 24، ط2، 2022، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد، دار الرافدين، بيروت.

https://alsabaah.iq/96252-.html

الدينُ والرؤيةُ الجمالية للعالَم

د. عبد الجبار الرفاعي

  الفن لغة الجمال

يحتاج الإنسانُ إلى لغةٍ مكتفية بذاتها خارجَ اللغة، يتحدثُ فيها للوجود ويتحدثُ فيها الوجودُ إليه، لغةٍ يتذوقُ فيها إيقاعَ أنغام الوجود وألحانه. الفنُّ لغةٌ يتذوقُها كلُّ إنسان مهما كانت لغتُه وثقافتُه وديانتُه. الفنُّ ‏لغةُ الروح قبلَ العقل، لغةُ القلب قبلَ الفكر، لغةٌ آسِرةٌ تُصغي إليها المشاعرُ كأجمل ما تصغي لأية لغة. لغةُ الواقع المحسوس تُنهِك القلب، الفنُّ ‏لغةٌ يستريحُ فيها القلبُ عندما يُرهقه المكوثُ طويلًا في لغةِ الواقع المحسوس.

الجمالُ تعجزُ أيةُ لغة خارج الفن عن كشفِ حدود معناه. لا يجدُ الجمالُ ناطقًا بصوته أصدقَ من لغة الفن. يتعرف الإنسانُ على ذاته بالفنون السمعية والبصرية بأبهى ما يتعرف، ويشعر بتذوق نمطٍ من الوجود لا يتذوقه خارجها. تذوقُ معنى الجمال حالةٌ يعيشها الإنسانُ كتذوق الحُبّ والإيمان والسعادة وأمثالها من معانٍ وجودية. عندما يحتاجُ الإنسانُ إلى ‏لغةٍ عذبة يشتركُ بتذوقها الجميعُ يجدُ الفنَّ ناطقًا بهذه اللغة. الفنَّ يخاطبُ الإنسانَ بمعانٍ أكبر ‏من كلماتِه، ويتحدثُ لغةً تضيق بها أيةُ كلمات. ‏لغةُ الفن يشترك بتذوقها الجميع، المباهجُ الحسية يتذوقها الفردُ خاصة ولا تكون بالضرورة مشترَكةً بين الكلّ، مباهجُ الجمال‏ يتذوقها الفردُ مثلما يتذوقها كلُّ إنسان يتمتعُ بذوقٍ سليم.كلّما تعزّز حضورُ الجمال ‏في حياة الفرد والمجتمع اتّسعَ حضورُ القيم السامية‏. اتّساعُ تذوقِ الجمال يرادفُه انحسارُ لغةِ العنف وازدهارُ لغةِ السلام.

لا يخلو أيُّ مجتمع من الدين والأسطورة والفنّ والحُبّ. الفنُّ رديفُ الدين في التاريخ، حيثما عاش إنسانٌ في أيّ مكانٍ وزمانٍ تظهرُ في حياته تعبيراتٌ للدين وتعبيراتٌ للفن. لا تضادَّ بين جوهر الدين وما ينشدُه الفنُّ الأصيل.كلاهما ينشدُ فضحَ ظلام العالم، وإنقاذَ الروح من مواجع الحياة، وتأمينَ ملاذٍ يتنفس فيه الكائنُ البشري بعد اختناقه بحرائق الشرور التي تنهشُ قلبَه، وتعبثُ بكلِّ شيء بهيج في حياته.

الحضورُ الواسع للفنون الجميلة في أيِّ مجتمع يقوّم السلوك، ويخفضُ وتيرةَ التطرف، ويؤثرُ بشكلٍ مباشر على إشاعة الأمن والسلم المجتمعي. الفن الذي أتحدث عنه هو الفن الذي يُهذِّب المشاعرَ والعواطفَ والذوق ويقوّم السلوك. ولا أعني الفن المُمْتَهَن المُبتذَل، الذي يهدر العفاف، ويغوي بالتهتُّك والمجون، ويُحرّض على الكراهية والعنف.

كلُّ مجتمع يتوطنه الحُبُّ، والفنُّ، والتدينُ العقلاني الأخلاقي، تتوطنه قيمُ احترامِ المختلِف في المعتقَد، والعيشِ المشترك في إطار التنوع والاختلاف، وإن كان مثلُ هذا المجتمع يظلُّ حلمًا أكثر من تحقّقه في الواقع. الدينُ والحُبّ والفنُّ يغذّي كلٌّ منها الآخرَ ويتغذّى منه. الرؤيةُ الجمالية لله والعالَم تتوالد في سياق التفاعل الإيجابي الخلّاق لهذه العناصر الثلاثة. أتحدثُ هنا عن التدّينِ العقلاني الأخلاقي، والفنِّ الأصيل الذي يهذّب الذوقَ والأخلاق. لا أتحدّثُ عن الواقع الذي فرضته إكراهاتٌ تاريخية مريرة مازالت تتحكمُ به حتى اليوم.

التربية البصرية                   

أدرك الإنسانُ أهميةَ التواصل البصري منذ كان يعيشُ في الكهوف، فبدأ يرسمُ لوحاتِه على جدرانها، ولم يتوطن الإنسانُ مكانًا إلا وترك بصمتَه المرئية فيه. تحضر بقايا هذه البصمة في الصورِ والمنحوتات وأشكال بناء المساكن والعمارة، وتخطيطاتِ التجمعات السكنية والمدن التاريخية وأنماط نسيجها الحضري. نشاهدُ ذلك في الآثارِ المتنوعة للحضارات الشرقية والغربية، تتحدثُ الزقورةُ مثلًا عن الحضارة السومرية، والأهراماتُ عن الحضارة المصرية، وآثارُ تخت جمشيد عن الحضارة الأخمينية، والبارثينونُ على تل الأكروبوليس عن الحضارة اليونانية.كلّ الحضارات تكلّمُ آثارُها أبصارَ مشاهديها. تحتفظُ متاحفُ العالَم بمنحوتاتٍ وصور ونقوش ولُقى أثرية عن حضارات لا نعرف عن منجزاتها شيئًا لولا هذه الكنوز المادية الثمينة.

التربيةُ البصرية ضرورةٌ يفرضها إيقاظُ الدهشة، والابتهاجُ بتذوق الجمال، وإنتاجُ المعنى عبر التواصل البصري الذي تحكيه الرسومُ والصورُ والأشكالُ التعبيرية وكلُّ ما هو خارج الكلمات المنطوقة. التربيةُ في بلادنا تجهلُ الأثرَ الخلّاق للتربية البصرية، ولا تهتمُّ ببناء رؤيةٍ بصرية للتلامذة قادرةٍ على إنتاج معنىً لما يشاهدونه من رسوم وأشكال تعبيرية وأشياء وكائنات في الطبيعة.

التربيةُ الحديثة تجعلُ البصرَ في أولوياتها، فتضع خارطةَ طريقٍ علمية لإيقاظه وتنميته منذ المراحل الأولى نظريًّا وعمليًّا. تعتمدُ التربيةُ في برامج التعليم الأساسي الزياراتِ المستمرة للمتاحف الفنية والأثرية وأطلال المدن القديمة، وحدائقِ الحيوانات والغابات والحدائق والمتنزهات وغيرها من أجل إيقاظ البصر، وتدريب العيون مبكرًا على تذوق إبداع اللوحات وابتكار الأشكال التعبيرية، والبهجة بجماليات الوجود، وما تحتفل فيه الطبيعةُ من مياه وأزهار وأشجار ونباتات وكائنات وأشياء مبهجة.

‏ لا تكترث التربيةُ في مجتمعنا بالأثر الحيوي البنّاء للذوق الفني والحاسة الجمالية في تفكير الإنسان وفهمه ورؤيته للعالَم ومشاعره ومواقفه وسلوكه، ولا تتنبّهُ لما يمكن أن تُسهم فيه من خفضِ وتيرة العنف في المجتمع بكلِّ تعبيراته. عندما لا تعبأ العائلةُ والمدرسةُ بتربية الذوق الفني وإثراءِ الحاسّة الجمالية للأبناء يدخل هذا الذوقُ والحاسةُ الجمالية حالةَ خمولٍ وسبات، وربما يُصابُ الإنسانُ ببلادة تذوقِ الفنون، والعجزِ ‏عن الشعور بجمال الألوان والصور والموسيقى والألحان والأصوات، ‏ويظهر أثرُ ذلك في نمطِ إدراك صورة الله، وكيفيةِ فهم الإنسان للدين، وطريقةِ قراءته لنصوصه، وفي ثقافة الإنسان، ورؤيته للعالَم، وعلاقاتِه الاجتماعية، وكلِّ شيء في حياته.

تنميةُ الثقافة الفنية وتكريسها، وإيقاظُ حاسة تذوق جماليات الوجود، وحضورُ الفنون السمعية والبصرية، ومشاهدةُ اللوحات الفنية وتأملُ تعبيراتها ورموزها وألوانها، تبعثُ الهدوءَ والانشراح، وتمتصّ شيئًا من التوتر العصبي والسأم والضجر من مَلَلِ وإنهاكِ الأعمال اليومية ورتابتها وإرهاقها، وتقلّل من آلام مباغتات الحياة الموجعة. تربيةُ الذوق الفني وتنميتُه تعزّزُ الصحةَ النفسية للفرد والمجتمع، وتُخَفِّض كثيرًا من الحزن والاكتئاب والغضب والحقد والضغينة والعنف والجريمة، وتكرّسُ السلمَ المجتمعي، وترسخ السلامَ العالمَي. تربيةُ الذوق الفني أخصبُ أرضيةٍ لاستنبات الحُبّ وتغذيته وتكريسه. المجتمعُ الذي يتجاهلُ تربيةَ الذوق الفني، ويفشل في تهذيبه، يفشل في بناء حضارةٍ حيّة، تتناغم وإيقاعَ العصر، وتستجيب لاحتياجات الإنسان المادية ولمتطلبات حياته المعنوية.

يقترن الشعورُ الجمالي بالحُبّ إثباتًا ونفيًا

يقترن الشعورُ الجمالي بالحُبّ إثباتًا ونفيًا، الحُبّ مرآةُ الجمال، الجمالُ مرآةُ الحُبّ. لا حُبَّ ما لم يتجلَّ المحبوبُ جميلًا. عندما يلتقي الانسانُ جمالَ المحبوب كأنه يلتقي نفسَه، لأنه يرى كلَّ ما يتمناه لصورته فيه. الحُبّ مصدر الوعي الجمالي في حياة الكائن البشري، وهو ما يصيّر كلَّ شيءٍ في الوجود جميلًا. الحُبّ يلوّن الحياةَ بأبهى معانيها، ويكشف للإنسان أجملَ صورها المكتنزة. الحُبّ يضيء الحياة، ويبدّد وحشةَ الكائن البشري فيها. حين ينبض قلبُ الإنسان بالحُبّ يرى كلَّ شيءٍ كأنه مخلوقٌ من جمال.

عندما يتغذّى الحُبّ من الجمال ويغذّيه يكون أحدَ أثرى منابع الأمل والتفاؤل والثقة بالغد، الثقةُ بالغد ضرورةٌ لتواصل إنتاج الحياة لأجمل معانيها. ما أجمل القلب الذي يغتسل بالحبّ صباح كلِّ يوم، ‏ليس هناك مطهّرٌ ساحر كالحب.كلّما اشتدَّ الحُبّ اشتدّت رغبةُ الإنسان بالحياة، الحُبّ يساعد الإنسانَ في التغلّب على قلقِ الموتِ، الحُبّ يمكن أن يكون إكسيرًا للحياة، يموت الإنسانُ داخلَ الإنسان لحظةَ يموت الحُبّ في الأرض. الحُبّ يضيء الحياةَ بمعناها الأجمل، ويبدّد وحشةَ الكائن البشري وغربتَه فيها. الظمأ البشري للمحبّة حاجةٌ لا تتوقف ولا تنتهي، لحظةَ يفتقر الكائنُ البشري الحُبّ تفتقر حياتُه معناها الآسِر، فقدان الحُبّ في حياة إنسانٍ عاطفيّ مُرهَف الحسّ يقوده للحزن والتشاؤم والاكتئاب، وأحيانًا يكون أحدَ أسباب الانتحار.

تذوقُ جمال العالَم أحدُ أثرى عناصر إلهامِ أمل وتفاؤل الإنسان، وتحريرِه من اغترابه الوجودي، وإثراءِ قدرته على التفاعل الإيجابي الخلّاق مع كلّ ما حوله. الإنسانُ الذي يرى العالَم جميلًا ينخفض شعورُه بالغربة. مَنْ يتذوقُ جمالَ العالَم يعيش سلامًا للروح، وكلُّ من يعيش سلامًا للروح يحيا الخلقُ بجواره في سلام. يتحدث ابنُ عربي عن الصلةِ العضوية بين الجمال والحُبّ بقوله: “ولا شك أن الجمالَ محبوبٌ لذاته، فإذا انضاف إليه جمالُ الزينة فهو جمالٌ على جمال، كنور على نور، فتكون محبةٌ على محبة، فمن أحب الله لجماله، وليس جماله إلا ما يشهده من جمال العالَم، فإنه أوجده على صورته، فمن أحب العالَم لجماله فإنما أحب الله، وليس للحق منزه ولا مجلى إلا العالَم… فأوجد اللهُ العالَم في غاية الجمال والكمال خلقًا وإبداعًا، فإنه تعالى يحب الجمال، وما ثم جميل إلا هو، فأحبّ نفسه، ثم أحبّ أن يرى نفسَه في غيره، فخلقَ العالَم على صورة جماله، ونظرَ إليه فأحبّه حُبَّ مَنْ قيَّدَهُ النظر، ثم جعل عزّ وجل في الجمال المطلق السّاري في العالم جمالًا عرضيًّا مقيدًا، يفضل آحاد العالَم فيه بعضه على بعض بين جميل وأجمل”[1].

حاجة الإنسان للجمال أساسية

حاجةُ الطبيعة الإنسانية لتذوق الفنون البصرية والسمعية في العالم حاجةٌ أساسية كحاجة الإنسان للحبّ. لا يمكن أن يخلقَ اللهُ في الطبيعة الإنسانية حاجةً أساسية ويُحرِّم على الإنسان إشباعَها، وذلك ما تشير إليه الآيةُ: “قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ”[2]. لا يمكن أن يستغني الإنسانُ عن الجمالِ، حاجةُ الإنسان لمتعةِ تذوق تجليات الجمال في الوجود رافدٌ يعزّز السلامةَ النفسيةَ والسكينة الروحية. تذوقُ الجمال انكشافٌ متبادَل، ففي الوقت الذي ينكشفُ للإنسان فيه جمالُ الوجود، ينكشف له جمالُ ذاته، بمعنى أنه مثلما ينكشف فيه المُشاهَد بشكل مُضِيء، يتحقّق فيه المُشاهِد بشكل مُضِيء أيضًا. حين يبتهج الإنسانُ بتذوق تجلياتِ جمال الله في الوجود يتكامل بمرتبةٍ أسمى. وقتئذٍ يكونُ الشعورُ الجمالي تعبيرًا عن الشعور الديني، والشعورُ الديني تعبيرًا عن الشعور الجمالي.

مشاهدةُ القلوب لتجلياتِ الجمال الإلهي في الوجود تصيّر كلَّ شيء مرآةً ينعكس عليها ذلك الجمال، وتتذوق في كلِّ شيء جمالًا يشاكله. يتسعُ في فضاء مشاهدة القلوب الأُفقُ الروحي للجمال ليكون أُفقًا كونيًّا مشتركًا، لا تضيقُ فيه مضائقُ المكان والزمان. الأفقُ الروحي للجمال يكفلُ حمايةَ الإنسان من الاغتراب الوجودي، وتكريسَ سكينة الروح وطمأنينة القلب.

شحةُ الجماليات في أعمالنا، وطغيانُ الفنون المبتذلة، واضمحلالُ الأبعاد الجمالية في البناء والعمارة والسينما والمسرح ووسائل الإعلام والدعاية والإعلان وكلِّ شيء، تجعل الإنسانَ ينفرُ من الحياة ويشعرُ بالغربة والاختناق. يكتئبُ الإنسانُ عندما يرى العالَمَ مشوّهًا قبيحًا مظلمًا، لا يبوحُ بأي معنىً جميل يفيضُ على قلبه الطمأنينةَ، وعلى روحه السكينةَ. تنميةُ الثقافة الفنية وتكريسها، وإيقاظُ حاسة تذوق جماليات الوجود، تخفضُ الاكتئابَ والسأم والضجر والحزن، وتعزّز الصحةَ النفسية للفرد والمجتمع.

إن كان الإنسانُ يعيشُ في ‏مجتمعٍ لا يكترث بالجمال، ويطغى فيه صوتُ الكراهية والعنف، يتبلّد ذوقُه الفني، وتتعطل حواسُّه الخاصة بتذوق الألوان والأصوات والألحان. تذوقُ الجمال يحتاج تربيةَ الذوق الفنيّ منذ الطفولة، ولابد أن تتواصلَ هذه التربيةُ كلَّ حياة الإنسان. تربيةُ الذوق الفني ذاتُ صلةٍ مباشرة بالرؤية الجمالية للعالَم، ونمطِ تمثّلها في اللاشعور الفردي والجمعي. تنعكس رؤيةُ العالَم على صلة الإنسان بما حوله من: بشر، وكائنات حيّة، وأشياء، كما تنعكس على نمطِ صلته بالله. تربيةُ الذوق الفني تدخل عنصرًا أساسيًّا في إنتاج رؤيةٍ مضيئة للعالَم. الرؤيةُ المضيئةُ للعالَم تعيد إنتاجَ الذوق الفني مثلما يعيد الذوقُ الفني إنتاجَها.

إن كانت بصيرةُ الإنسان حاذقةً، وذوقُه الفني صافيًا، وحاسّتُه الجماليةُ مضيئةً، تصبح رؤيتُه للعالَم مضيئة، يرى هذا الإنسانُ صورةَ الله مشرقةً، ويكتشف تجلياتِ جماله. يستطيع مَنْ يمتلك رؤيةً مضيئةً للعالَم أن يسهمَ في تشكيل صورٍ مضيئة للأشياء، إذ يمكنه أن يعيد بناءَ كلِّ شيء في الأرض بشكلٍ يكشف لنا عن جماله، يقول غوته: “يمكنك أن تصنعَ الجمالَ حتى من الحجارة التي توضع لك عثرةً في الطريق”.

مَنْ ورّطته الأيامُ وفرضت عليه ظروفُ حياته صلةً بكائنٍ بشري يعجز عن رؤية ما هو جميل في العالَم، ولا يرى شيئًا إلا ويحاول أن يرسمَ له صورةً قبيحة، ولا تتحسّسُ مشاعرُه الفنونَ السمعية والبصرية، ولا يتذوق تجلياتِ جمال الله في الوجود، عليه الهروبُ منه، لئلا تتسمم روحُه، ويلبث حزينًا يبكي قلبُه كلَّ يوم.

إنتاج المعنى الجمالي أحد الأهداف المحورية للدين

  لما كان الدينُ: “حياةً في أُفق المعنى تفرضُه حاجةُ الإنسان الوجودية لإنتاجِ معنىً روحي وأخلاقي وجمالي لحياتِه الفردية والمجتمعية” حسب التعريف الذي نقترحه، يكونُ إنتاجُ المعنى الجمالي أحدَ الأهداف المحورية للدين. وفي ضوء هذا الفهم يفرض الدينُ على أتباعه الإسهامَ في رسمِ صورةٍ أجمل للعالَم، والكفُّ عن الإسهام في رسم هذه الصورة لا يعدّ موقفًا إيمانيًّا أصيلًا. التعبيرُ الجمالي عن الدين ضرورةٌ، بوصفه ضمانةً لإحياءِ رسالة الدين الحيَة المُلهمة لمعاني الخير والمحبة والسلام والتراحم في كلِّ عصر، ويكون هذا التعبيرُ أشدَّ ضرورة عندما يتفشّى قبحُ التعبير المتوحش عن الدين.

القرآنُ الكريم كتابٌ واقعي، لا يختزل الجمالَ بجمالِ الروح فقط، ولا يتجاهلُ حاجةَ الإنسان للاستمتاعِ بالجمال الحسّي. الجمالُ ماثلٌ في خلقِ الإنسان والطبيعة والكائنات المتنوعة فيها، إذ تشيرُ آياتٌ عديدة إلى كيفيةِ خلق الله للإنسان بأجمل صورة، مثل: “لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ”[3]، “الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ”[4]، وتأمر آيةٌ أخرى بأخذِ الزينة: “يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ”[5]، وتتحدث آياتٌ عن جمالِ السماء وما فيها والأرض وما عليها: “إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ”[6]، “إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً”[7]، وتشير آياتٌ إلى جمال الحيوانات: “وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً”[8]. وتكشف الآيةُ: “الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا”[9]، عن سعادةِ الإنسان بوجودِ الأموال والبنون. ومثلما يتحدثُ القرآنُ عن الجمالِ الحسّي يتحدثُ أيضًا عن نوعٍ فريد يلامسُ الروحَ من تجليات الجمال: “أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا”[10]، تتحدث الآيةُ عن جمالٍ يضيء روحَ الإنسان، جمالٍ يجعل الإنسانَ الذي كان معتمًا ميتًا تنبعث فيه حياةٌ من النوعِ الذي يجعله مضيئًا، فبعد أن تشرقَ الأنوارُ الإلهية على روحِ هذا الإنسان يمشي بين الناس وكأنه شلّالٌ من نور. ومن أجملِ ما يرسمه القرآنُ من المشاهد المبهِرة للجمالِ ما جاء في آيةِ النور: “اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ”[11].

الموقفُ الديني الذي يصرّ على إدانة الفن والجمال، ويزدري كلَّ أشكال الحُبّ والفرح والمسرات، يعملُ من حيث لا يدري على تضييق أفق المعنى الذي يلهمه الدين للحياة، وتجفيفِ منابع إيقاظ المشاعر والعواطف الإنسانية الدافئة. لا ينقذنا من التديّن المتشدّد إلا حضورٌ فاعلٌ للفنون بتعبيراتها البصرية والسمعية، وتديّنٌ يتكلمُ لغةَ المحبة، وحياةٌ روحية تسهم في إثرائها الفنونُ، وتضيؤها الرؤيةُ الجمالية للعالَم. ينبّهُ أبو حامد الغزالي إلى أن الأطفالَ لحظةَ يبكون وتُنشِدُ أمهاتُهم كلماتٍ ملحّنةً بنغمة صوت عذب، سرعان ما تجدهم ينشرحون ويبتهجون. ذلك مؤشرٌ على احتياج الإنسان الأساسي للفنون البصرية والسمعية، خاصةً وأن شخصيةَ الأطفال مبرأةٌ من الترويض على التقاليد والأعراف والعادات المتشددة، وبوصفهم مازالوا لم يخضعوا لتدجين قيم المجتمع وتقاليده ومعتقداته وثقافته، وهم الأكثرُ تعبيرًا عن الطبيعة الإنسانية واحتياجاتها الأساسية العميقة. يكتب أبو حامد الغزالي: “لله تعالى سر في مناسبة النغمات الموزونة للأرواح، حتى إنها لتؤثر فيها تأثيرًا عجيبًا، فمن الأصوات ما يفرح ومنها ما يحزن، ومنها ما ينوّم، ومنها ما يضحك ويطرب، ومنها ما يستخرج من الأعضاء حركات على وزنها باليد والرجل والرأس. ولا ينبغي أن يظن أن ذلك لفهم معاني الشعر بل جار في الأوتار، حتى قيل: من لم يحركه الربيع وأزهاره والعود وأوتاره فهو فاسد المزاج ليس له علاج. وكيف يكون ذلك لفهم المعنى وتأثيره مشاهد في الصبي في مهده، فإنه يسكنه الصوت الطيب عن بكائه، وتنصرف نفسه عما يبكيه إلى الإصغاء إليه. والجمل مع بلادة طبعه يتأثر بالحداء تأثراً يستخف معه الأحمال الثقيلة”[12].

‏ مادامت الحاجةُ للفنون السمعية والبصرية وتذوق الجمال من الحاجات الأساسية لحياة الإنسان، فإن عدمَ إشباع أية حاجة أساسية يؤدي إلى تراكم الكبت والحرمان الذي يغذّي مخزونَ العنف، ويمكن أن يتفجّرَ في أي انفعالٍ ‏بعنفٍ لفظي، وأحيانًا جسدي، مضافًا إلى تراكم مخزون العنف الرمزي، وتفشي عنف لغة الجسد في المجتمع. تحريمُ كلِّ أشكال الفنون السمعية والبصرية يؤسّس، من حيث لا يدري، أرضيةَ التشدّد الديني والتطرّف والعنف.

لا تعني الدعوةُ لبناء الرؤية الجمالية والتربية على تذوق الفنون السمعية والبصرية اختزال كل ذلك بالفضاء الحسي للجسد، ونفي جمال كلِّ شيء خارج حدوده.‏‏ الجسدُ مكونٌ أساسي في كيان الإنسان، غير أن وجودَ الإنسانِ أوسعُ وأكثفُ وأغنى وأعمق من حدود الجسد الضيقة. عندما يختزل الفنُ والجمال والبهجة بالجسد، فهذا موقفٌ ‏ينتهي إلى عبادةِ الجسد، وإلغاءِ كلّ شيء غيره، والعجزِ عن تذوق تجليات الجمال خارج الفضاء الحسي للجسد. عبادةُ الجسد تفضي إلى تدميرِ القيم، وانهيارِ العائلة وتمزّقِ نسيج المجتمع. انهيارُ العائلة يورثُ غيابَ الشعور بالحماية والأمان في الحياة.

الرؤيةُ الجمالية تعكسُ الوجهَ المضيء للحضارة

‏ الرؤيةُ الجمالية تعكسُ وجهَ الحضارة المضيء، وهي أحدُ أهم مفاتيح دراسة الحضارة والتعرّف على مستوى تطورها، وتجلي ‏النزعةِ الإنسانية فيها. الرؤيةُ الجمالية من الروافدِ المُلهمةِ لبناء الحضارة، ومن عواملِ ترسيخِ وجودِها وتراكم ثرواتها. تفتقدُ الحضارةُ هويتَها الإنسانية المبدعة الخلّاقة حين تفتقدُ الرؤيةَ الجماليةَ للعالَم، ويتبلّدُ لدى إنسانِها الذوقُ الفني. تنمو الحضاراتُ وتُراكم منجزَها وتتسع بنموِّ وغزارةِ وتطور الفنون واتساعِ الرؤية الجمالية للعالَم، تفتقرُ الحضاراتُ وتضمحلّ بنضوب منابع إلهام الفنون وضيق الرؤية الجمالية للعالَم.

أكثرُ مَنْ يتحدثون ويكتبون عن التربية والتعليم لا يهتمون بالصلة العضوية بين التربية والتعليم والجمال، أكثرُ مَنْ يتحدثون ويكتبون في الفلسفة لا يتنبهون لأثر الجمال في بناء العقل الفلسفي، أكثرُ مَنْ يتحدثون ويكتبون في الفكر لا يتنبهون لأثر الجمال في بناء التفكير المبدع الخلّاق. أصحاب المشاريع الفكرية الذين انشغلوا بالكشف عن عواملِ الانحطاط وبواعثِ النهوض عند العرب، منذ القرن التاسع عشر إلى اليوم، لا يتنبهون للأثر الأساسي لتربيةِ الذوق الفني وإيقاظِ الحاسة الجمالية في النهضة والبناء والتنمية.كلّما زاد الوعيُ الفني ونضجت الحاسةُ الجمالية كلّما ازدادت قدرةُ الإنسان على بناءِ رؤيةٍ مضيئة للعالَم، وازدادت قدرتُه على جعل محيط عيشه على الأرض أرحب.

أكثرُ مَنْ يتحدثون ويكتبون عن الدين لا يهتمون بالصلة العضوية بين الدين والجمال. لم يهتم أكثرُ المصلحين والمجدّدين في عالَم الاسلام الحديثِ ببناءِ رؤيةٍ جمالية للعالَم تتكشف فيها الأبعادُ الجمالية للنصوص الدينية وما يكتنزه تراثُ العرفاء من رؤىً لتجليات الجمال الإلهي، ولم يهتموا بإيقاظ الأبعاد الجمالية في الدين. مَنْ ينشدُ إعادةَ فهم الدين في ضوء متطلبات العصر، عليه إعادةُ الاعتبار للجمال بوصفه قيمةً محوريةً لرسالة الدين، والبحثُ عن كلِّ ما من شأنه الكشفُ عنه في النصوص الدينية، وتفسيرُ هذه النصوص في سياق الحاجة الراهنة لبناءِ وترسيخِ الرؤية الجمالية للمسلم وتربيةِ ذوقه الفني.كلُّ إنسانٍ يفتقدُ الرؤيةَ الجماليةَ للعالَم ويفتقرُ للذوقِ الفنيّ تشتدُّ عزلتُه عن العالَم، لأنه لا يرى في العالَم ما يألفه ويبهج قلبَه، وأحيانًا يراه قبيحًا ولا يجد وشيجةً تربطه بما حوله.

 

 

[1] محيي الدين بن عربي. الفتوحات المكية (4 مجلد). مج4: ص269.

[2] الأعراف، 32.

[3] التين، 4.

[4] الانفطار، 6 – 8.

[5] الأعراف، 31.

[6] الصافات، 6.

[7] الكهف، 7.

[8] النحل، 8.

[9] الكهف، 46.

[10] الأنعام، 122.

[11] النور، 35.

[12] أبو حامد محمد الغزالي، إحياء علوم الدين، كتاب آداب السماع والوجد، ج2: ص75. المكتبة الشاملة الحديثة على الإنترنت.

 

رابط النشر:

لاهوتيّ يتكلم لغة الإيمان والحب والرجاء[1]

 الكاردينال الدكتور لويس ساكو[2]

لقد قرأتُ بتمعُّن وشغف كتاب د. عبد الجبار الرفاعي: «الدين والظمأ الانطولوجي» ط2، والذي صدر عن مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد ودار التنوير ببيروت 2017. بدأت بقراءة مقدمته، لكني لم أتمكن من التوقف، فانجذبتُ الى قراءةِ الكتاب بالكامل. إنه سفرٌ مشوّق يحمل بين طياتِه قلبًا وجدانيًّا مفعمًا بالحب والإيمان، وفكرًا ناضجًا عميقًا، نيِّرًا صادقًا. كلماته تعبر عن ذاته لذاته وللآخرين. إنها خبرة حياة وإيمان بكلِّ معنىً الكلمة، وليست اجترارًا للسلف، ولا ترديدًا لطقوسٍ جامدة، ولا تديُّنًا زائفًا.

كتاب أتمنى أن يقرأه كل رجل دين مسلم ومسيحي، وكل إنسان مؤمن، لأنه في النهاية باعتقادي، سيقوده إلى أن يعبد الله «بالروح والحق»، كما يقول السيد المسيح «إنجيل يوحنا 4/13». لأن من يقرؤه سيزداد معرفة وتنويرًا وحقًّا وحبًّا لله… أقول ومن دون مجاملة وجدتُ الكتاب سفرًا غير معتاد من مسلم، يتحدَّى الجمود «الإكليروساني- الإسلامي» عن معرفة وخبر، فجاء مبدعًا ومحرِّكًا. عبد الجبار الرفاعي «ابن الحوزة العلمية»، يتكلم عن خبرة ذاتية، وعن علاقة شخصية بالله، ويتكلم عنه بمنطق الإيمان وليس بأسلوب فلسفي – ميتافيزيقي، أو بكلام الصالونات، أو باجترار للسلف، بلا تاريخ، «عود أبدي»، كما يسميه عندما يروي سيرته الشخصية في الفصل المخصَّص عن سيرته والمعنون «نسيان الإنسان». استمتعتُ بسيرته الذاتية جدًّا، والتي أتمنى أن تتحوَّل إلى فيلم أو مسلسل؛ يُعَلِّم الجيلَ الجديدَ كيف يكون عصاميًّا بجهد شخصي “بعرق الجبين”، وليس بطريقة أخرى سهلة!

الكاتب لا يريد أن يعيش على الحدود، ويرفض البكاء على الأطلال، أو التغني بالأمجاد كما يفعل العرب عمومًا، بل يريد الإبحار إلى العمق إلى الجوهر؛ ليكشف ما فيه من جديدِ اللهِ في جديدِ الإنسانِ، وجديدِ الزمن، كما يروي في الفصل المخصَّص عن سيرته.

ما يشدّ في الكتاب أنه يحكي ببساطة عن خبرة حياة إيمانية عن إنسان يقيم علاقة شخصية معمقة مع الله، فيتكلم بشجاعة الأنبياء عن أن الإيمان ثورة حب، ووجدان، وغفران، وروح يقظة، وليس ممارسات جوفاء. يتكلم عن إنسانية الدين ويعطي الطمأنينة والأمان. يتكلم عن خبرات الإنسان، وتساؤلاته، وأوجاعه، وقلقه، وأحزانه، وأفراحه الصغيرة، وآماله الكبيرة، وخيباته، وإمكاناته، وطاقاته التي من خلالها يظهر الانسانُ بكلِّ جماله.

القيامة في الحياة والحياة في القيامة، الحياة مشوار إلى القيامة. مَنْ ليس قائما منذ اليوم، لا يقوم إلى الأبد! القيامة هي الحياة الحقة التي لا تولد، بل تبدع كما سطرت. الإيمان «وليس التدين»، الفكر، الحب، خدمة الإنسان هي الخلود.

إنه يتواصل مع البدايات الممتازة، مع الينابيع الأصيلة من أجل «الأصالة والمعاصرة»، وألا تتخشب المعطيات فلا تقول شيئاً ذا معنى لإنسان اليوم، كما فعل المسيح مع الفريسيين، علماء الشريعة والذين سماهم: “القبور المكلسة” «متى، 23/27».

يشدد الرفاعي على أهمية الدراسة المقارنة للأديان، التي يتجلى فيها الجوهر الروحاني العميق لها، فيكتب: «الدراسة المقارنة للأديان والفرق والمذاهب ضرورة تفرضها النزاعاتُ الدينية في مجتمعاتنا. المنهج العلمي في دراسة أية ديانة لا يصح إلا بالعودة إلى نصوصها المقدسة، ومدوناتها الحافلة بهذه النصوص. مالم يتسع حقل مقارنة الأديان والفرق والمذاهب بين الدارسين والباحثين في المعارف الدينية، لا يمكن تصويب سوء الفهم والأحكام المسبقة، وحذف الكثير من الأخطاء المتراكمة في فهم أتباع ديانة أو مذهب لمقولات أتباع ديانة أو مذهب أخر. سوء الفهم والأحكام المسبقة تتوالد منها أحكام أحادية إقصائية حيال الآخر، وتتحول إلى منبع تستقى منه حالات التعالي، وازدراء الآخر، واحتقار ديانته وتراثه. وسيجد الباحث عبر المقارنة الموضوعية للأديان أنها تنشد تكريس وإثراء الجوهر الروحاني للانسان».

استفهم بشأن: «احتكار الأيديولوجيا لنظام إنتاج المعنى الديني»، وأوضح الرفاعي أن الأسئلة العُظمى للدين تتلخص في: «معنى الوجود والخلود والأخلاق والطقوس…».  ويسعى بشجاعة لتجديد الفكر الديني في الإسلام وخطابه، ولربما هنا جواب غير مباشر على من يفكر بلا منطقية الدين، أو يخطف للتحريض على الإكراه والقتل والدمار.

الدين خلق وإبداع وليس جمود وتحنيط، سفر دائم إلى الآفاق البعيدة، لاكتشاف معنى الأحداث والأشياء، وإيجاد أبجدية جديدة تنطق وتشحن وتحرك وتغير. الدين يدعو إلى تخطِّي عالَم الكلمات إلى عالَم المعاني.

كتاب عبد الجبار الرفاعي يتكلَّم عن عبور متواصل، قادر على الحضور في زماننا، من خلال تجدد يومي في الحياة، واحتفاء دائم بسر الوجود، وصلة حية بالله، كي نولد في قلب الله… أليس هذا هو الإيمان؟

لا يدعو الرفاعي للحب بأسلوب مبسط، وإنما يحاول أن يتعمق في تفسيره، ليشرح جذوة الحب الملهمة، بوصفه حالة تحققها الذات وتتحقّق بها، ويكشف عن شيء من طبائع الشخصية البشرية. يكتب الرفاعي: «الإنسان كائن مسكون بطلب الحب. الحب من أصعب اختبارات المرء في الأرض، وأغناها عطاء. حب الناس من أشق المهمات في حياة الإنسان؛ ذلك أن الكائن البشري كثيرًا ما يتعذر عليه أن يحب غيرَه. الحب لا يُتخذ كقرار، وإنما هو حالة تتحقق وتوجد في الذات، وتتحقق وتوجد بها الذات في طور أجمل. الحب لا يُمتلَك إلا بعد تربية طويلة، وتزود بخبرات الشفاء من الكراهيات الغاطسة في الذات، ومقدرة الإنسان على مراجعة سلوكه مع غيره وكيفية تعامله مع الناس، وشجاعة نقد وتقويم الذات، وبصيرة تمكِّنه من اختبار سلوكه مع الناس بمقارنته بما ينفره من مواقفهم معه، فكل ما يزعجه منهم يزعجهم أيضًا لو صدر منه. الإنسان أعمى عن أخطائه، لأنها مألوفة لديه، ولفرط تكرارها أضحى مدمنًا عليها بشكل يمنعه من رؤيتها أخطاء، وعادة فإن ما يصبح مألوفًا في حياته يتعذر عليه أن يراه قبيحًا. الإنسان ليس كائنًا آليًّا، بل هو بطبيعته أسيرُ ضعفه البشريّ، لذلك لا تجفّ منابعُ الغيرة في أحاسيسه، ولا تموت نزعاتُ الشر في أعماقه، ولا يكفّ عن الصراع مع غيره، ولا يتوانى عن اللجوء للعنف مع خصومه. تلتقي في نفس الإنسان الكثير من الدوافع والرغبات المتضادة، المنبعثة من مكبوتات متنوعة مترسبة في ذاته».

أتمنى أن يقرأ هذا الكتاب كلُّ رجل دين مسلم ومسيحي، حتى تكون له شجاعة الأنبياء في تبليغ الناس رسالة الإيمان. هذا الكتاب صرخة موجعة أمام الواقع المرير، إنه نداء يتوجه إلى ضمير كل مؤمن مسلم ومسيحي. ويتمنى هو، وأتمنى أنا أيضًا: أن يجد صدىً ما في حياتنا.

أتمنى ألا يستمر صوت د. الرفاعي وحده حتى النهاية، بل أترقب أن يكوّن حوله مدرسةً من طلاب فكر وإيمان ونور ومحبة وخير، فيعيد إلى الدين جوهره وصفاءه ممن خطفوه وشوهوه!

هوامش:

[1] نشر المقال في صحيفة العالم الجديد «بغداد»، الصادرة في 21 كانون الثاني 2017.

[2] مار لويس روفائيل الأول ساكو، بطريرك الكلدان الكاثوليك منذ شباط 2013. حصل على شهادة الدكتوراه من الجامعة البابوية في روما عام 1983، وماجستير في الفقه الإسلامي سنة 1984، كما حاز لاحقًا على شهادة دكتوراه من جامعة السوربورن سنة 1986. ألف ونشر ما يزيد عن 200 مقالًا، و20 كتابًا في مجالات اللاهوت والدين.

 

رابط النشر:

               التاريخُ صنعته العواطفُ مثلما صنعه العقل

 

د. عبد الجبار الرفاعي

أعرفُ تلميذَ ماجستير ذكيًا مهذّبًا، فنّانًا صاحبَ ذوق رفيع، شكا لي بمرارةٍ عن معاناته وزملائه من أحد الأساتذة، يصفُ التلميذُ هذا الأستاذَ ‏بقوله: إنه يغار من تلامذته، ويقلقه تفوّقُ الأذكياء، فيوبّخهم باستمرار بلا سبب، ويسخرُ من إجاباتهم، وأحيانًا يتعسّفُ في معاملتهم، ويزدري ما ينجزونه بشكل موجع، ما يضطرُ بعضَهم لترك الدراسة والتضحية بمستقبله.

يشكو تلامذةٌ من أستاذ تورطوا بالحضور لديه مدة من الزمن، قبل أن يتعرفوا على أخلاقه والبنية السيكولوجية المعقدة لشخصيته. قالوا بأنه كان يذمُ بقسوة مَنْ تربطنا بهم علاقات، ويتظلّمُ بمرارة من إهمالِ الناس له، وعدمِ الانشغال بموهبته وذكائه وعلمه ومنجزه. هذا الأستاذ شخصيتُه سامّة، مصابٌ بعاهات نفسية وأخلاقية مزمنة، كان لا يطيقُ أن يتعاملَ معه الناسُ إلا بالتبجيل والتعظيم. إذا لمح نظرةً أو موقفًا من أيّ شخص وظنّ أنه لم يُظهر الاحتفاءَ به يشكوه بتوجع. يذمُّ الناسَ ويهجوهم لا لشيء إلا لنفورٍ عنيف لديه منهم، يتلذّذ بهجاء غيره، لا تسمع منه تبجيلًا ولا ترى منه احتفاءً بإنسان، ولا ثناء على منجزه، خاصة مَنْ كانوا من ذوي المنجز اللافت، يشعر كأن اللهَ خلق الناسَ ليكونوا خدمًا له. بعد تقدّم عمرُه وجد نفسَه غريبًا بين الكلّ، تواصل فرارُ تلامذته واحدًا بعد الآخر، أكثرُهم لم يمكث معه إلا سنةً أو أقل، كذلك تفرّق كلُّ أصدقائه عندما أدركوا عجزَه عن مداوة نفسه، وعجزَهم عن تخليص أنفسهم من هجائه لهم، ويأسَهم من تخليص الناس من شتيمته. بعضُ الناس عندما يفعلون أيَّ شيء يترقبون من الكلِّ أن يبدي إعجابَه واحتفاءَه بفعلهم، لكن لا تسمع أو ترى منهم تثمينًا لمنجز أي إنسانٍ آخر، مهما كانت قيمةُ منجزه وأثره. يظنون أنّ مهمةَ الناس التصفيقُ لهم، من دون أن يبادروا بتقديم أيّ شيء لغيرهم.

الأخلاقُ والعواطفُ الصادقة إكسيرُ العملية التربوية والتعليمية. تخفق التربيةُ والتعليم عندما يفتقرُ الأستاذُ للذكاء العاطفي، ويعجزُ عن التعامل مع تلامذته بأبوة أخلاقية مشفِقة. أحيانًا تكون الكلمةُ سرَّ الحياة، وأحيانًا تكون الكلمةُ رصاصةً قاتلة.‏ تشجيعُ التلميذ ‏والاعترافُ بمنجزه مهما كان ضئيلًا، يمدُّه بطاقة خلّاقة توقدُ مواهبَه الكامنة. ‏إهمالُ التلميذ وعدمُ تشجيعه، يعطّل مواهبَه وربما يميتُها. ‏الأخطرُ من ذلك الازدراءُ بما ينجزُه التلميذ، فإنه يشعرُه بالعجز التام، ‏وربما ينتهي إلى إعاقة ذهنية لدى التلامذة العاطفيين جدًّا.

بعضُ الناسِ يتهرب من أية مسؤولية أخلاقية تجاه الغير، يترقب تضحيةَ الكلّ من أجله، من دون مكافأة أحدٍ حتى بكلمة شكر. التهربُ من المسؤولية ضربٌ من خيانة الضمير الأخلاقي. تحمّلُ المسؤولية تضحية،كلُّ تضحيةٍ تمنحُ الإنسانَ معنى جديدًا لحياته لا يتذوقه خارجَها. التضحيةُ بكلِّ مستوياتها وأنواعها وتعبيراتها تُسعِد مَنْ يضحّي، سواء أكانت بإنفاق المال أو الجهدِ أو الراحةِ أو الوقتِ أو الشفقةِ على أنين الضحايا والبؤساء والصبرِ الطويل على إغاثتهم ماديًا وعاطفيًا، أو غير ذلك من المبادرات الإنسانية لإسعاد الغير. تحمّلُ المسؤولية ينتقل بالإنسانِ إلى طورٍ أخلاقي أنبل، لأنه يتقاسمُ حياتَه مع إنسان آخر، ويسهم بجعل العالَم الذي يلتقي فيه الجميع أجمل. تحمّلُ المسؤولية تجاه العائلة والمجتمع والوطن والطبيعة وغيرها من أسمى ما تتجلى فيه إنسانيةُ الإنسان. ما يواجه الإنسانَ الأصيل من متاعبَ وآلام من أجل إسعاد الغير لا يرهقُه بل يشعرُه بالرضا والغبطة.

يتسامى الإنسانُ بمستوى تحمّله المسؤولية. تحمّل المسؤولية مرآةٌ ينعكسُ فيها سموُ الإنسان وعلوُ مقامه ويقظةُ ضميره الأخلاقي. يرتفع مقامُ الإنسان بارتفاع شعوره بالمسؤولية وسعيه لتحمّلها. يتناسبُ تحمّل المسؤولية ‏مع المكانة الوجودية ‏للإنسان في العالَم. الكبارُ يتحمّلون المسؤوليات الكبيرة تجاه الإنسان والكائنات الأخرى والطبيعة والعالَم. ‏الإنسانُ غير المسؤول ينتهكُ حقَّ مَنْ حوله، ويتحوّل إلى عبءٍ على ذاتِه.

 

الذكاءُ العاطفي  

الذكاءُ العاطفي مهارةُ الاعتراف بالآخر وتثمين منجزه مهما كان صغيرًا، الذكاءُ العاطفي وعيٌ بكيفية التحكم إيجابيًّا بلطف لا بتسلط وقهر لمشاعر الآخرين. الذكاءُ العاطفي براعةٌ في اكتشافِ بواعث التفاعل والرغبة الكامنة لدى الإنسان، وإتقانِ وسائل التأثير العاطفي عليه وما يدعوه للانجذاب للآخر، ومعرفةِ مواطن انفعاله وتحسّسه وغضبه، وتجنّبِ ما يتسبّب في امتعاضه ونفوره.

الذكاءُ العاطفي مضافًا إلى أنه موهبة، ‏هو خبرةٌ عملية تتراكم وتتكرّس بالممارسة، وتسقيها المراجعةُ النقدية لأسلوب التحدّث والسلوك والمواقف المتنوعة عند معاشرة الإنسان، والندمُ على ما يرتكبه الإنسانُ من أخطاء في العلاقات الاجتماعية، وتدريبُ الذات على الخلاص منها، عبر الأساليب التربوية والنفسية والأخلاقية.

معاملةُ الإنسان برفق ولطف ودبلوماسية قدر الإمكان، وغضُّ النظر عن مواطن القصور والهشاشة في شخصيته، لا تعني الخداعَ أو النفاقَ في معاملته، ولا تعني الكذبَ عليه، بل تعني الصمتَ في مقام يتطلبُ الصمت، وعدمَ إعلان كلّ ما نعرفه عن شخصيته، وما تتكشّف من هِنات أقواله ووهن أفعاله. الإنسانُ بطبيعته ينفرُ بشدّة من فضح أخطائه، لأن ذلك يشي بتوبيخه، وشعوره المرير بأنه تشهيرٌ بنقصه. الإنسان ينزعج من كشف ضعفه ونقصه، كلُّ إنسان يطلب الكمالَ ويبحثُ عمن يتحدثُ له عن مواطن الجمال والقوة والتفوق في شخصيته.

لا يعني الذكاءُ العاطفي التواطؤَ مع الظلم والجريمة وخيانةَ الضمير الأخلاقي، بل يعني الخلاصَ من الشعور بالوصاية على الغير، والشفاءَ من مراقبة خصوصيات الناس واقتحام حياتهم الخاصة، والكفَّ عن العبث بسلامهم الداخلي، وإثارة مشاعرهم، وعدمَ التفتيش عن ثغرات شخصياتهم وأخطائهم، واستفزازهم بفضحها أمامهم أو إشاعتها في غيابهم. الذكاءُ العاطفي يتطلب الوعيَ بأن الإنسانَ كائنٌ انفعاليّ حسَّاس جدًا، شخصيته مركبة من طبقات عميقة مهما كانت تظهر لنا مسطحةً وساذجة. في شخصية كلِّ إنسان ثوابت تشكّلت في مرحلة طفولته، هذه الثوابت تظل تعيش معه إلى آخر يوم في حياته، وإن كان أكثرُها خفيًّا لا يعلن عن حضوره إلا في بعض الهفوات والمواقف الحرجة. لا يتغير الإنسانُ بموعظة أو مقترح أو توصية، ما يمكن أن يغيّر الإنسانَ تغيّرُ نمطِ وعيه، وظروفِ عيشه، وتبدّلُ قناعاتِه، وكيفيةِ تعريفه لذاته، ورؤيتِه للعالَم. ما يغيّره هو الصدماتُ الموجِعة التي تزلزلُ أمنَه وتهدّد عيشَه، إن كان قادرًا على وعيِها والإفادةِ من دروسها القاسية. المحبةُ والإيمانُ والعواطفُ الصادقة والتضامنُ الإنساني يمكن أن تغيّر الإنسان.

الذكاءُ العاطفي ليس كلمات مجاملة بلا مضمون عملي، لا ينجح الذكي عاطفيًا إلا أن يرى الناسُ سلوكَه صدىً لأقواله. الذكاءُ العاطفي مواقفُ صادقة في الرخاء والشدّة. أعرف أشخاصًا يمتلكون ذكاء عاطفيًا، ويجيدون تسويقَ أنفسهم في العلاقات العامة، إلا أنهم يعجزون عن تجسيد كلماتهم في سلوكهم، أحيانًا ينهشون غيرَهم في غيابهم بشراسة، فيفرّ الناسُ من بين أيديهم، وإن ظفروا بعلاقة مميزة بهم. الكذّابُ والمحتال والمراوغ والماكر، حتى لو كان يمتلك ذكاءً عاطفيًا، يفشلُ في بناء علاقات راسخة بالناس لافتقاره للمصداقية. أعرفُ بعضَ الناس يُظهرون اهتمامًا بغيرهم في تواصلهم وعباراتهم المنتقاة بعناية، غير أن مواقفَهم تكذّب كلماتِهم.

الحُبّ غيرُ الذكاء العاطفي. الذكاءُ العاطفي يتطلب عقلًا ذكيًا في إدارة العلاقات بما لا يزعج الآخر، وإرادةً حازمة في الخلاص من العاهات والمواقف المنفّرة له، وإتقانَ الكلمات الدافئة، والمواقفَ الأخلاقية في التعامل مع الناس. ‏ليس بالضرورة أن يكون الذكيُّ غزيرَ العاطفة، وإن كان من الضروري أن يكون صادقًا. الذكي عاطفيًّا محترِفٌ لإظهار الاعتراف بالناس والاهتمام بهم ورعايتهم وتشجيعهم، وحريصٌ على عدم إزعاجهم بأية كلمة قاسية أو موقف جارح.

لا تضادَ في الجمع بينَ الذكاءِ الذي يشيرُ إلى العقل، والعاطفةِ وما ينبعثُ من دوافع لدى الإنسانِ خارجَ العقل. عمليةُ الجمع تعني التفكيرَ الواقعي الحكيم بتوجيهِ العواطفِ والسعيَ لتوظيفها في بناء علاقاتٍ إنسانية صادقة. الذكي عاطفيًا يُفكّر بكيفية إدارةِ عواطف الناس؛ ويتقن التعاملَ معهم بلغةٍ مهذبة، والتأثيرِ عليهم بأساليب محبّبة للأنفس.

ليس بالضرورة أن يكون الإنسانُ العاطفي ‏ذكيًّا عاطفيًّا، ربما يفتقر الإنسانُ العاطفيُّ ‏للذكاء العاطفي، ‏وقد يكون سلوكُه منفّرًا، لا يتعطّش الناسُ للتواصلِ معه والارتباطِ به، ولا يتلمّسون لديه ما يشجّعهم على صداقته. ربما يكون الإنسانُ عاطفيًّا لكنه متمركزٌ حولَ ذاته، بنحو لا يتنبهُ لما ينجزُه غيرُه وإن كان ثمينًا ولافتًا للنظر، أو يتعمدُ تجاهلَه ولا يهتمُ به. وكأنه لا يعلمُ بأن التجاهلَ والإهمالَ وعدمَ الاكتراث بما يراه جميلًا في أقوال من يتعامل معه وأفعاله صورةٌ للبلادة العاطفية. التجاهلُ ‏أحيانًا والإهمال أسوأ أشكال عدم الاحترام، وقد يصلُ الشعورُ بالتجاهل عند الأشخاص الحسّاسين حدَّ الإهانة.

أعذبُ شخصيةٍ يلتقي فيها الذكاءُ العاطفي بالمشاعر الصادقة المتدفّقة. ربما يكون الإنسانُ عاطفيًّا حميميًّا، غزيرَ المشاعر، يحتاجُ المحبّةَ أكثر من غيره من ذوي المشاعر الباردة، لكنه يعجزُ عن محبّة الناس، لشعوره الدائم بالتفوق على غيره، ولغيرته المرضية تجاه كلّ ناجح، وللعقد التربوية المترسبة في أعماقه، فيحبس نفسَه في محيط عدائي يصنعُه هو، ويظلُّ يكابدُ كلَّ حياته للخلاص منه دون أن يتخلص.

الحُبُّ أثمنُ رأسمال للمعنى

الإنسانُ كائنٌ مسكون بطلب الاعتراف، شغفُ الإنسانِ بالاعتراف يدعوه للتطلع للثناء على كلِّ شيء يقوله ويفعله، ‏الحُبّ أسمى معاني الاعتراف. ‏لغةُ الحُبّ والجمال توقظُ الحماسَ للحياة في أعماق الإنسان. تُفسِد المعتقداتُ الإقصائية الحُبَّ وتُسمّمه، يعجزُ مَنْ يعتنق هذه المعتقدات عن حُبّ المختلِف في المعتقَد. عندما يصدرُ الحُبّ بقرار من سلطة سياسية أو دينية أو أيديولوجية، وتصدرُ الكراهيةُ بقرار، ويصدرُ التضامنُ مع جراح الضحايا بقرار، فلا دليلَ أوضحُ من ذلك على أن الإنسانَ ماتَ في داخل الإنسان.

الحُبُّ الأصيل أثمنُ رأسمال للمعنى تمنحه الحياةُ للإنسان، حيثما يكونُ الحُبُّ يكونُ معنى الحياة. الحُبُّ يُعلِّمُ الناسَ كيف يستمعون لنداء قلوبهم، الحُبُّ أعذبُ معاني الفرح. الحُبُّ مُلهِمٌ لمعادلة تغيير الذات بلا إكراه أو قهر، معادلة التغيير في الحُبّ ديناميكية لا ميكانيكية. الحُبُّ مُلهِمٌ لكلِّ ما أنجزته الإنسانية من إبداعات واختراعات واكتشافات في مختلف العلوم والفنون والآداب، كان ومازال الحُبُّ والشغفُ يمدُّ الإنسانَ بالصبرِ الطويل والطاقةِ الضرورية لإنجاز الأحلام الكبيرة.

مهما كان الانسانُ ‏صغيرًا أو كبيرًا يحتاج الحُبَّ والدعمَ العاطفي. دورُ العاطفة في التربية والتعليم أكبرُ من دور العقل، إذا أراد المعلّمُ التأثيرَ الفَعَّال في أذهان تلامذته عليه أن يبدأ بعواطفهم. الخلطةُ السحرية لمعادلة التربية والتعليم تغذّيها العواطفُ قبل العقل. متى ازدادت العواطفُ ازدادَ تحفيزُ المواهب وايقاظُ الوعي وإثراءُ المهارات، الاعترافُ بمنجز التلميذ والاعجابُ بجهوده وتشجيعُه إكسيرُ التربية والتعليم. ‏التاريخُ البشري صنعته العواطفُ مثلما صنعه العقل. العلومُ والفلسفة والفكر صنعها العقلُ أكثر مما صنعتها العواطفُ والانفعالات والمعتقدات والهويات. تتجاذب التفكيرَ العواطفُ والمشاعر والمعتقدات والهويات من جهة، والعقلُ والتفكيرُ النقدي من جهة أخرى. ‏الفلسفةُ والعلوم والتفكير النقدي يتغلبُ فيها العقلُ على العواطف والمشاعر والمعتقدات والهويات.

القلبُ مرآةٌ يضيؤها الحُبّ، القلبُ الذي يعيشُ الحُبَّ لا تدركه الشيخوخة، الحُبُّ يغيّر مادام متوهجًا، في الحُبّ يتجلى أجملُ ما في الإنسان، وتنبعثُ منابعُ الخير المودَعةُ في أعماقه. في التربية والتعليم الحُبُّ يغيّر؛ يوقظُ العقلَ، ويروي المواهبَ، ويطوّر المهاراتِ، ويفجّر الطاقاتِ الكامنة. في العلاقاتِ الإنسانية الحُبُّ يغيّر؛ الحُبُّ يتكفل حمايةَ الإنسان من الشرّ الأخلاقي. عندما تتحدثُ لغةُ الحُبّ تصمتُ لغةُ الشر.

أجملُ ما يتجلى في الإنسان الحُبّ، وأسمى ما يتجلى فيه الإنسانُ الحُبّ، وأنفسُ طور وجودي للإنسان الحُبّ، وأثمن وجود للإنسان الحُبّ، وأزكى وجود للإنسان الحُبّ، وأعذب صلة وجودية بين إنسان وإنسان لا ينتجها إلا الحُبّ. في بعض الحالات يتسامى الحُبُّ ليكون نمطًا لوجود الإنسان في العالَم، وذلك ما يجعلُ وجودَ هذا الإنسان ضروريًا لتغذية الحياة بأبهج معانيها. ليس هناك ما يُشعِر الإنسانَ بمتعة وجوده في العالَم كالحُبّ. الحُبُّ يتكفلُ حمايةَ الإنسانِ من الشر الأخلاقي؛ عندما تتحدثُ لغةُ الحُبّ تصمتُ لغةُ الشر.

تظلّ المحبّةُ الرصيدَ الأسمى للعلاقات الإنسانية، مَنْ يوقفُ حياتَه للاستثمار في المحبّة يراها دواءً للقلوب، ولكلِّ داء ‏في حياته الشخصية وعلاقاته الاجتماعية. المحبّةُ رافدٌ غزير يغذّي الصلةَ بالله ويكرّسها. العرفانُ في الأديان يوقظُ في الأرواح لغةَ الحُبّ والجمال.

لا الحُبّ ‏ولا الرحمة بديلان للعدالة

الحُبُّ كيمياءٌ تصهرُ عناصرَ متنوعة في حياة الإنسان فتنتج توليفةً كأنها إكسيرٌ يحوّل كلَّ شيء إلى نفيس، وكذلك تفعل الرحمةُ عندما تنطقها لغةُ القلب المشفِقة، الرحمةُ تعيدُ ترميمَ كلِّ شيء تتفاعل معه في حياة الإنسان؛ تشفي جروح الروح، وتبعث طاقة حيوية تعيد بعث الأمل في الأرواح اليائسة، لكن لا الحُبّ ‏ولا الرحمة بديلان للعدالة والعقوبات والقوانين والأنظمة والخطط والبرامج الضرورية لبناء الدولة وإدارة شؤون الناس، وحماية الحياة الشخصية والمجتمعية من الشرّ الكامن داخل الإنسان.

‏ العقلُ والعلم والمعرفة لا تكفي وحدها لتطهير الإنسان من الشرّ الكامن في باطنه. الإيمانُ والمحبة والأخلاق هي ما يخفضُ وطأةَ الشرّ الأخلاقي في الأرض. الإنسان الأخلاقيُ الخالص والإنسانُ الكامل ‏يتنكرُ له الواقع لأنه لا يُشبِه طبيعةَ الإنسان، وعلى فرض وجوده فهو استثناءٌ نادر. ‏

لا مجتمعَ في الأرض يخلو من الشرّ الأخلاقي والظلم والجريمة والعنف، لا مجتمعَ في الأرض يعيش بلا قضاء وأنظمة وقوانين لإدارة حياته وتنظيم علاقاته. لا تتأسّس المجتمعاتُ والدول على الحُبّ وحده أو الرحمة وحدها أو الشفقة وحدها أو العطاء وحده. لا تعني الدعوةُ للحبّ إلغاءَ النظم التربوية والتعليمية والإدارية والقضائية والسياسية، ولا النظم والقوانين الأساسية لبناء الدول القائمة على تداول سلمي للسلطة وأُسس علمية حديثة. لا تعني الدعوةُ للرحمة إلغاءَ القوانين الجنائية والجزائية العادلة، ولا تعني الدعوةُ للإنفاق والعطاء إلغاءَ الملكية الشخصية، ولا تعني الدعوةُ للذكاء العاطفي في الإدارة إلغاءَ النظام الإداري الحديث. الدعوةُ لشيء لا تعني إلغاءَ ما سواه.

لا يمكن الاستغناءُ عن العدالة بالرحمة، الرحمةُ ليست بديلًا عن العدالة في بناء أيّة جماعة بشرية أو بناء أيّة دولة. الظلمُ مقيمٌ في الأرض، وعيشُ الإنسان وتأمينُ متطلباته الحياتية يفرض عليه الكدحَ والتنافسَ والصراع، العدالةُ تمنع من أن ينتهي تأمينُ الإنسان لمصالحه ومتطلباته إلى نزاعات دموية وحروب عدوانية.

لا مجتمعَ في الأرض يخلو من الشرّ الأخلاقي والظلم والجريمة والعنف، لا مجتمعَ في الأرض يعيش بلا قضاء وأنظمة وقوانين لإدارة حياته وتنظيم علاقاته. لا تتأسّس المجتمعاتُ والدول على الحُبّ وحده أو الرحمة وحدها أو الشفقة وحدها أو العطاء وحده. لا تعني الدعوةُ للحُبّ والرحمة إلغاءَ النظم التربوية والتعليمية والإدارية والقضائية والسياسية، ولا النظم والقوانين الأساسية لبناء الدول القائمة على تداول سلمي للسلطة وأُسس علمية حديثة.

لا تعني الدعوةُ للحُبّ والرحمة إلغاءَ القوانين الجنائية والجزائية العادلة، ولا تعني الدعوةُ للإنفاق والعطاء إلغاءَ الملكية الشخصية، ولا تعني الدعوةُ للذكاء العاطفي في الادارة إلغاءَ النظام الإداري الحديث. الدعوةُ لشيء لا تعني إلغاءَ ما سواه. الرحمةُ تنتج ما لا تنتجه العدالةُ، من الرحمةِ يتوالدُ الغفرانُ والعفوُ والعطفُ والرفقُ واللينُ والشفقةُ، لذلك يستطيعُ مَنْ يعيش الرحمةَ بوصفها حالةً أن يتحمّلَ الأقوال والأفعال المؤذية الصادرة عن الآخر، كما يستطيعُ العفوَ عنها. الرحيمُ يتحملُ ما لا يتحمله غيرُهُ، ويعفو عمَّا لا يعفو عنه سواهُ من البشر[1].

[1] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، ص 23، ط 2، 2018، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد، دار التنوير، بيروت.

 

رابط النشر