“دروب المعنى” للرفاعي كتاب يعلمك التواضع أمام المعنى

د. مجتبى الحلو[1]

يمتاز كتاب “دروب المعنى في الفلسفة والدين والحب والحياة”، الصادر في جزئين، للدكتور عبد الجبار الرفاعي بأسلوب مميز. يشبه في حركته طائر الفلامنغو حين يبدأ طيرانه قريبا من الأرض، ثم يأخذ بالارتفاع شيئا فشيئا حتى يحلق بعيدًا. هكذا بدا لي أسلوب الرفاعي في هذا الكتاب: يبدأ بأفكار قد تبدو، للوهلة الأولى، بسيطة ومألوفة، أفكار يمكن لأي إنسان أن يفكر فيها أو يقول شيئًا قريبًا منها، لكنه لا يلبث أن يأخذ القارئ معه إلى مسافات أبعد، حتى يجد نفسه أمام أسئلة وأفكار لم يكن يتوقع أن تقوده إليها تلك البداية الهادئة.

يذكرني هذا الأسلوب بشعراء المدرسة الرومانسية، وعلى رأسهم ويليام ووردزورث، الذي أراد أن يجعل الإنسان العادي وحياته اليومية ولغته البسيطة مادة جديرة بالشعر والتأمل. جاءت الرومانسية في سياق ثقافي كان لا يزال متأثرًا بهيبة العقلانية ولغة التنظير الفلسفي في عصر التنوير، لذلك بدت بساطتها، في أحد وجوهها، نوعًا من التمرد على اللغة التي تجعل المعرفة حكرًا على طبقة محدودة من القراء. لم تكن المسألة أن فلاسفة التنوير جميعا تعمدوا إقصاء الناس بلغة معقدة، بقدر ما أن الخطاب الفكري السائد كان قد اكتسب لغة اصطلاحية ونخبوية يصعب على القارئ العادي الدخول إليها.

ولهذا كان ظهور الرومانسية بلغتها القريبة من التجربة اليومية تحولا لافتًا في المشهد الأدبي الأوروبي، ولا سيما في إنكلترا. وقد دافع ويليام وردزورث “1770 – 1850” الشاعر الرومانسي الإنجليزي عن هذا الاختيار في مقدمته الشهيرة لـ “القصائد الغنائية” حين تحدث عن الاقتراب من اللغة التي يستخدمها الناس في حياتهم الفعلية، وعن البحث في المشاعر الإنسانية الأساسية بعيدًا عن الزخرفة المصطنعة. لم تكن البساطة عنده فقرًا في الفكرة، وإنما كانت محاولة لجعل العمق كامنًا تحت سطح يبدو صافيًا ومألوفًا. وربما هنا تحديدًا أجد الصلة بينه وبين الرفاعي: الفكرة لا تحتاج دائمًا إلى أن تبدو معقدة كي تكون عميقة، وأحيانًا يكون بلوغ البساطة أصعب من إنتاج التعقيد.

لا أعرف إن كان الرفاعي قد تعمد في هذا الكتاب العمل بهذه المنهجية أم أنها حالة طبيعية من أسلوبه في الكتابة والتفكير، لكنني وجدت شبهًا واضحًا بين طريقته وبين ذلك التحول الذي أحدثته الرومانسية في مفهوم الكتابة. القارئ لا يشعر منذ البداية أنه يدخل إلى معركة فلسفية أو إلى شبكة ثقيلة من المصطلحات، وإنما يدخل من باب تجربة إنسانية مألوفة، ثم يكتشف، بعد صفحات، أنه أصبح في قلب سؤال فلسفي أو ديني شديد التعقيد.

كنت أنوي في البداية قراءة المقدمة فقط لأتعرف على هوية الكتاب والموضوعات التي يتناولها في جزأيه، لكنني انتبهت، وأنا أقترب من نهاية الجزء الأول، إلى أنني واصلت القراءة من دون أن أشعر. ثمة هدوء خاص في طريقة الرفاعي في طرح أفكاره. وأجد كتاباته عموما، وهذا الكتاب على وجه الخصوص، أشبه بمحطة استراحة من الضجيج الفكري والصراع النظري الذي يكاد يرافقني منذ اليقظة حتى النوم.

لا يعني هذا أن الكتاب خال من الأسئلة الصعبة، بل العكس؛ غير أنه يطرحها بطريقة لا تحول التفكير إلى خصومة، ولا تجعل الفلسفة استعراضا للمصطلحات. ثمة فرق بين كتاب يدفعك إلى التفكير وكتاب يجعلك تشعر بأنك في امتحان مستمر لإثبات قدرتك على فهمه، والرفاعي ينتمي، في هذا الكتاب، إلى النوع الأول.

أما المقطع الذي شدني أكثر من غيره، وعدت إلى قراءته عدة مرات، فهو النص الثامن، الذي ورد فيه: “الدين لا يموت، ما يموت هو الصور المتوحشة العنيفة لله التي صنعها الإنسان. ما يموت هو كل شيء يصنعه الإنسان، ويضع الدين في مواجهة الاحتياجات الأساسية للروح والقلب والعواطف والضمير الأخلاقي والعقل والجسد. الله حيّ لا يموت، ما يموت هو ما يصنعه الإنسان من صورٍ لله، يستعملها في خدمة مصالحه واحتياجاته للاستحواذ على المال والثروة والسلطه باسم الله”. لم أجد من قبل تفسيرًا بهذه الصياغة لمسألة الله وصورة الله في أذهان البشر. يرى الرفاعي أن الذي يتغير عبر التاريخ ليس الله، وإنما تصور الإنسان عن الله. وهذه الفكرة، على بساطتها الظاهرة، تفتح بابًا واسعًا لفهم تاريخ الأديان والخلافات المذهبية والثقافية حول المقدس.

وقد أثارت هذه الفكرة لدي تداعيًا لاكانيًا. لا أقول إن الرفاعي يستخدم مفهوم جاك لاكان عن “الواقع” أو الـReal  بالمعنى الاصطلاحي نفسه، فالمفهومان ينتميان إلى نظامين فكريين مختلفين، لكن ثمة تشابها يمكن أن يكون مثمرًا في القراءة. هناك دائمًا مسافة بين الشيء وبين الصورة التي يبنيها الإنسان عنه داخل اللغة والرموز. عند لاكان، لا يمكن للنظام الرمزي أن يستوعب الـReal  استيعابًا كاملًا، فهو ما يقاوم الاكتمال داخل اللغة والتمثيل. ومن هنا يمكن، على سبيل المقاربة لا المطابقة، قراءة فكرة الرفاعي على أن الله يتجاوز الصور التي تنتجها الأديان والفرق والثقافات والجماعات عنه، لان تصورات البشر تنتمي إلى عالم اللغة والتاريخ والثقافة والمتخيل، لذلك تظل متغيرة ومتعددة.

بهذا المعنى، يشير الرفاعي بصورة ضمنية إلى قدر من العبث في الصراعات الدينية التي يحاول فيها كل طرف أن يحول تصوره التاريخي والثقافي عن الله إلى صورة نهائية مطلقة، ثم يطالب الآخرين بالخضوع لها. وهو يصرح في المقطع اللاحق بأن “تصورات الإنسان عن الله لا حصر لها، تتنوع وتتعدد هذه التصورات بتعدد وتنوع المجتمعات والأديان والفرق والثقافات والعصور”. تكمن أهمية هذه الفكرة في أنها تنقل النقاش من السؤال: مَن يمتلك الصورة الصحيحة لله؟ إلى سؤال أكثر تواضعًا وأشد تعقيدًا، وهو إلى أي حد يستطيع الإنسان أصلًا أن يفصل بين الله وبين الصورة التي صنعها عنه داخل ثقافته ولغته ومتخيله وتاريخه؟ وهنا تتحول المسألة من خلاف عقائدي فقط إلى سؤال في المعرفة واللغة وحدود الإدراك الإنساني.

ويرتبط بذلك نقاشه لمسألة لاتاريخية الدين، خلافًا لتصور شائع يتعامل مع الدين وكأنه حقيقة تدخل التاريخ من خارجه وتبقى، في جميع العصور، بالصيغة نفسها؛ تؤثر في المجتمعات ولا تتأثر بها. لكن ما يحدث تاريخيا أكثر تعقيدا من ذلك. فحتى عندما يعتقد المؤمن بثبات الأصل المقدس، تبقى قراءة هذا الأصل وفهمه وتأويله وتطبيقه خاضعة لشبكة واسعة من المؤثرات الثقافية والسياسية والقومية والاقتصادية والاجتماعية. ولذلك لا يكون التاريخ مجرد مسرح يتحرك عليه الدين، بل يدخل التاريخ نفسه في تشكيل الصورة التي يفهم الناس الدين من خلالها.

في ضوء ذلك يمكن التمييز بين الدين بوصفه إيمانًا أو وحيًا في تصور المؤمن، وبين الدين بوصفه تجربة بشرية وتاريخًا ومؤسسات وتأويلات. الأول يمكن أن يعتقد المؤمن بثباته، أما الثاني فلا يمكن عزله عن التاريخ. ولعل جزءًا كبيرًا من الالتباس في النقاشات الدينية يأتي من الخلط بين المستويين، أي اعتبار التفسير البشري المتغير امتدادًا مباشرًا ومطابقًا للمقدس الثابت.

وأثناء القراءة كنت أجد ظلالًا لفلاسفة ومفكرين مختلفين أمثال كيركغورد وكانط وهايدغر وكارل يونغ وجاك لاكان ودولوز. لا أعني بذلك أن الرفاعي يكرر هؤلاء أو يستعير أنظمتهم الفلسفية بصورة مباشرة، وإنما أن بعض الأسئلة التي يطرحها تفتح لدى القارئ الذي يعرف هذه الفلسفات مسارات للمقارنة معها. لكن الاسم الذي كان حضوره بالنسبة إلي أوضح من الجميع هو سورين كيركغورد، ذلك الفيلسوف الدنماركي الذي جعل الإيمان تجربة وجودية فردية مرتبطة بالقلق واليأس والاختيار والمفارقة، ولم يتعامل معه بوصفه منظومة عقلية مغلقة يمكن البرهنة عليها كما تبرهن المسائل المنطقية. وكان الرفاعي قد خصص العدد المزدوج “55 – 56” الصادر سنة 2013، من مجلته “قضايا إسلامية معاصرة” لدراسة هذا الفيلسوف بمناسبة مرور 200 سنة على ولادته، في محور بعنوان: “الإيمان الوجودي وديانة الضمير الفردي: سورين كيركغورد 1813 – 1855″.

سبق أن قلت للرفاعي مرة إنه يمثل في بعض جوانب مشروعه امتدادًا إسلاميًا يمكن أن يذكرني بكيركغورد. ولا أعرف طبيعة تقبله لهذه القراءة، أكانت إيجابية أم سلبية. لكن المؤلف، مهما حاول أن يحدد مسارات قراءة نصه، لا يستطيع أن يتحكم تمامًا في الصورة التي تتشكل في ذهن القارئ. فالكتاب بمجرد خروجه من يد مؤلفه، يدخل في خبرات قرائه ومكتباتهم الفكرية الخاصة. وأنا لا أقرأ الرفاعي من فراغ، وإنما أقرأه من خلال ما تراكم لدي من جاك لاكان وكيركغورد وهايدغر وغيرهم. لهذا قد أجد في نصه قرابات فكرية لم يقصدها هو أصلًا.

وما يجمع كيركغورد والرفاعي في تجربتي كقارئ ليس العبث بمعناه العدمي، وإنما الاعتراف بحدود العقل أمام بعض الأسئلة الميتافيزيقية الكبرى. كلاهما، بطريقته الخاصة، يعيد الإنسان من صخب الأنظمة الكبرى إلى تجربته الفردية مثل: إيمانه وقلقه وهشاشته وحاجته إلى المعنى وعلاقته بذاته وبالآخر وبالله. وربما لهذا أجد هذه المساحة الوجودية لذيذة عند كيركغورد والرفاعي معًا. فهي لا تقدم إجابات جاهزة بقدر ما تخفف من وهم ضرورة الإجابة عن كل شيء.

في عالم مزدحم بضجيج الأفكار وبالصراعات التي يريد كل طرف فيها أن يثبت امتلاكه للحقيقة، تبدو الكتابة التي تعلم الإنسان شيئًا من التواضع أمام المعنى أكثر أهمية من الكتابة التي تضيف نظرية جديدة إلى نظريات الصراع. وهذا ما وجدته في “دروب المعنى”. لا يطلب الكتاب من قارئه أن يتوقف عن التفكير، بل يحاول الكتاب هنا أن يمنح القارئ وسط التفكير، مساحة للتنفس.

[1] باحث وأستاذ جامعي عراقي.

 

https://al-aalem.com/%D8%AF%D8%B1%D9%88%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D9%86%D9%89-%D9%84%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A-%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D9%8A%D8%B9%D9%84%D9%85%D9%83-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88/

 

من الظمأ الأنطولوجي إلى فلسفة العبور

د. عامر عبد زيد الوائلي[1]

ليس من السهل قراءة مشروع عبد الجبار الرفاعي بوصفه مجرد محاولة لتجديد الخطاب الديني أو إعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والدين، لأن المسألة التي يقف عندها مشروعه تتجاوز حدود التجديد الخطابي إلى سؤال أكثر عمقًا يتعلق بصورة الإنسان التي ينتجها الدين، وبنوع الحياة التي يستطيع أن يمنحها للإنسان حين يتحول من منظومة من الأحكام والتكاليف إلى تجربة في الوجود والمعنى. ومن هنا تأتي أهمية كتاب «الدين والظمأ الأنطولوجي»؛ فالكتاب لا يضع الدين في مواجهة الحداثة فحسب، ولا يكتفي بنقد التدين التقليدي، وإنما يحاول أن يعيد بناء السؤال الديني من نقطة تقع أعمق من العقيدة والمؤسسة والطقس، أي من نقطة الإنسان بوصفه كائنًا مأخوذًا بسؤال المعنى ومفتوحًا على ما يتجاوز وجوده المباشر.

إن مفهوم «الظمأ الأنطولوجي» هو المفتاح الذي يسمح بالدخول إلى هذا المشروع؛ فالظمأ هنا ليس حاجة عرضية يمكن إشباعها بإجابة جاهزة، وإنما هو تعبير عن نقص أصيل في الوجود الإنساني، عن ذلك القلق الذي يجعل الإنسان لا يكتفي بأن يكون موجودًا، بل يريد أن يعرف لماذا يوجد، وكيف يمكن أن يمنح وجوده معنى، وما الذي يجعل حياته جديرة بأن تُعاش. ولذلك فإن الدين، في الأفق الذي يرسمه الرفاعي، لا يبدأ من الإجابة وإنما من السؤال، ولا يبدأ من امتلاك الحقيقة وإنما من تجربة الحاجة إلى المعنى.

أولًا: من الدين بوصفه منظومة إلى الدين بوصفه تجربة وجودية

تكمن إحدى أهم تحولات الرفاعي في نقله مركز الثقل من الدين بوصفه نظامًا تشريعيًا إلى الدين بوصفه تجربة إنسانية. وهذا التحول ليس مجرد تغيير في المفردات، بل هو تغيير في نقطة النظر إلى الظاهرة الدينية نفسها. ففي التصورات التقليدية غالبًا ما يُنظر إلى الدين من الأعلى، أي من جهة النص والعقيدة والأحكام والمؤسسة، ثم يُطلب من الإنسان أن يدخل في هذا البناء وأن يعيد تشكيل حياته وفق مقتضياته. أما الرفاعي فيحاول أن ينظر من الأسفل، من الإنسان نفسه، من حاجاته الوجودية، من خوفه ورجائه وحيرته وموته وحاجته إلى الحب والمعنى.

وهنا يصبح السؤال: ماذا يفعل الدين بالإنسان؟ أكثر أهمية من سؤال: ما الذي يعتقده الإنسان؟ فالإيمان لا يُقاس فقط بمقدار ما يحفظه الإنسان من تصورات عقدية، وإنما بما إذا كان قادرًا على أن يصنع منه إنسانًا أكثر قدرة على الحياة، وأكثر رحمة، وأعمق إحساسًا بكرامة الآخر، وأكثر تصالحًا مع هشاشته وقلقه ومحدوديته. وهذا التحول يضع الرفاعي في مواجهة مباشرة مع أحد أعمق أزمات التدين المعاصر: أزمة الفصل بين المعرفة الدينية والحياة. فقد يمتلك الإنسان معرفة واسعة بالنصوص والمقولات والمذاهب، ولكنه يظل عاجزًا عن تحويل هذه المعرفة إلى تجربة إنسانية حية. وعند هذه النقطة تصبح المعرفة الدينية قابلة لأن تتحول إلى سلطة، في حين يتحول الإيمان إلى هوية مغلقة، ويتحول المقدس إلى أداة للتمييز بين المؤمن والكافر، وبين الجماعة والآخر.

إن الدين الذي يبحث عنه الرفاعي هو دين يستعيد علاقته بالإنسان قبل أن يستعيد سلطته على الإنسان، ويعيد الاعتبار للتجربة الروحية قبل أن يعيد إنتاج المؤسسة الدينية. ولذلك فإن «الظمأ» أهم من «الامتلاك»؛ لأن الظمأ يبقي الإنسان في حالة بحث، في حين يوحي الامتلاك بأن الحقيقة أصبحت شيئًا مكتملًا يمكن حيازته والدفاع عنه.

 ثانيًا: الظمأ الأنطولوجي وتحول صورة الإنسان

تنبع قوة مفهوم الظمأ الأنطولوجي من أنه يعيد تعريف الإنسان نفسه. فالإنسان ليس كائنًا مكتملًا يمتلك ماهية ثابتة ثم يعيش داخل العالم، وإنما هو كائن ناقص ومفتوح، يعيش بين ما هو كائن وما يمكن أن يكون. إنه كائن لا ينفك يتجاوز صورته الراهنة بحثًا عن صورة أخرى لوجوده.

ومن هنا يمكن قراءة الظمأ الأنطولوجي بوصفه تعبيرًا عن انفتاح الوجود الإنساني على الممكن. فالإنسان لا يعيش بما هو عليه فقط، وإنما بما يتطلع إلى أن يصير إليه. ولذلك فإن الدين حين يستجيب لهذا الظمأ لا ينبغي أن يغلق إمكان الإنسان داخل نموذج مكتمل ونهائي، بل ينبغي أن يساعده على اكتشاف إمكاناته الوجودية والأخلاقية والروحية.

وهذا الجانب من مشروع الرفاعي بالغ الأهمية؛ لأنه ينقل قضية الدين من سؤال «ماذا ينبغي أن أعتقد؟» إلى سؤال «أي إنسان أستطيع أن أصبح؟». والفرق بين السؤالين كبير؛ إذ يمكن للسؤال الأول أن ينتج منظومة من التصنيفات، بينما يفتح الثاني المجال أمام التربية والتحول والنمو.

إن الإنسان المتدين، في هذا المنظور، ليس مجرد حامل لعقيدة، وإنما هو مشروع إنساني مفتوح. والإيمان الحقيقي لا يكون في كثرة ما يمتلكه الإنسان من أجوبة، بل في قدرته على أن يجعل حياته نفسها مجالًا للبحث عن الخير والحقيقة والجمال والمعنى.

ولذلك فإن الظمأ الأنطولوجي لا ينبغي أن يُفهم باعده نقصًا سلبيًا، بل بوصفه شرطًا للإمكان. فالإنسان الذي لا يظمأ إلى معنى يتوقف عن السؤال، والذي يتوقف عن السؤال يتحول بسهولة إلى كائن مغلق داخل ما هو جاهز. أما الظمأ فإنه يحافظ على المسافة بين الإنسان وما هو عليه، ويفتح أمامه إمكان التحول.

ثالثًا: نقد التدين الذي يستبدل الإنسان بالمؤسسة

يصبح هذا التصور أكثر وضوحًا عندما يضع الرفاعي التجربة الدينية في مواجهة التدين الذي استحال إلى مؤسسة مغلقة. فالمشكلة ليست في وجود المؤسسة الدينية من حيث هي مؤسسة، وإنما في اللحظة التي تصبح فيها المؤسسة غاية بذاتها، ويصبح الإنسان تابعًا لها بدل أن تكون هي في خدمة إنسانيته.

وهنا يمكن التمييز بين الدين والتدين. فالدين يحيل إلى أفق المقدس والمطلق، في حين التدين هو الصورة التاريخية والاجتماعية والثقافية التي يتجسد بها الدين في حياة البشر. ولأن التدين فعل بشري، فإنه قابل لأن يتأثر بالسلطة والتاريخ والعادات والمصالح والهويات والصراعات.

ومن أخطر نتائج عدم التمييز بين الدين والتدين أن تتحول القراءة البشرية للدين إلى دين ذاته، وأن يتحول الاختلاف في التأويل إلى اختلاف في الإيمان، وأن تصبح الجماعة التي تمتلك تفسيرًا معينًا وكأنها تمتلك الحقيقة المطلقة نفسها.

إن الرفاعي يفتح بهذا التمييز مجالًا لإعادة تحرير الدين من كثير من التراكمات التاريخية التي التصقت به حتى أصبح من الصعب أحيانًا الفصل بين المقدس والبشري. وهذا التحرير لا يعني هدم الدين، بل يعني استعادة المسافة الضرورية بين النص وتأويله، وبين المقدس والتاريخ، وبين الإيمان والمؤسسة.

ومن هنا يمكن القول إن مشروع الرفاعي يقوم، في أحد أبعاده الأساسية، على أنسنة المجال الديني؛ أي إعادة الإنسان إلى مركز التجربة الدينية بعد أن تراجعت إنسانيته أمام مركزية المؤسسة والنص والتفسير المغلق.

رابعًا: من الخوف إلى إيمان الحب والرحمة

من أبرز التحولات التي يتيحها مفهوم الظمأ الأنطولوجي إعادة بناء العلاقة بين الإنسان والمطلق. فالدين يمكن أن يتحول، في بعض أنماط التدين، إلى منظومة من الخوف: الخوف من العقاب، الخوف من الاختلاف، الخوف من الآخر، الخوف من الخطأ، والخوف من فقدان الانتماء. وفي هذه الحالة يصبح الإنسان متدينًا لأنه خائف، لا لأنه عاش تجربة روحية عميقة.

لكن الدين الذي ينطلق من الظمأ الأنطولوجي يبحث عن علاقة مختلفة، علاقة يكون فيها الحب والرحمة مركز التجربة الروحية. فالحب لا يلغي الخوف بصورة نفسية فحسب، وإنما يعيد صياغة علاقة الإنسان بالمطلق وبالعالم، والرحمة تؤسس لعلاقة إنسانية بالآخر. الإنسان الذي يتعامل مع المطلق بوصفه رحمة وحبًا لا يستطيع أن يحول المقدس بسهولة إلى أداة لإذلال الآخرين أو إقصائهم.

وهنا يتخذ مشروع الرفاعي بعدًا أخلاقيًا واضحًا: قيمة التدين لا تكمن في مقدار حضوره في اللغة والطقوس والشعائر فقط، وإنما في مقدار ما يتحول إليه في سلوك الإنسان تجاه الآخرين. فإذا لم ينتج الإيمان رحمة وعدلًا وكرامة، فإنه يكون قد انفصل عن جوهر التجربة التي يدعي التعبير عنها.

خامسًا: الظمأ الأنطولوجي بوصفه مقاومة للانغلاق

يمكن، من زاوية أخرى، قراءة مفهوم الظمأ الأنطولوجي بوصفه مفهومًا مضادًا للانغلاق. فالظمأ يعني أن الإنسان لا يملك نفسه بصورة نهائية، وأن وجوده يظل مفتوحًا على ما لم يتحقق بعد. وهذا الانفتاح يجعل الإنسان أقل قابلية لتحويل تجربته الخاصة إلى معيار نهائي للوجود.

ومن هنا فإن مفهوم الظمأ يحمل إمكانًا مهمًا للحوار الديني. فالإنسان الذي يعترف بأنه يطلب الحقيقة لا يتصرف كما لو أنه امتلكها بصورة نهائية، والإنسان الذي يعيش تجربته بوصفها بحثًا يظل أكثر قدرة على الاعتراف بتجارب الآخرين.

لكن هذه الفكرة تحتاج إلى تطوير فلسفي أكبر؛ إذ إن مجرد الاعتراف بالظمأ لا يكفي وحده لضمان الانفتاح. فقد يعيش الإنسان حالة من القلق الوجودي ثم يبحث عن يقين مغلق يخلصه من هذا القلق. ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام مفهوم الظمأ هو أن يتحول من حاجة إلى الإشباع إلى قدرة على السكن في السؤال.

وهنا تحديدًا تظهر قيمة المشروع الرفاعي، ولكن تظهر معه أيضًا إحدى نقاطه التي يمكن تطويرها: كيف يمكن تأسيس فلسفة دينية تجعل الظمأ حالة وجودية مستمرة، لا مجرد مرحلة مؤقتة تنتهي عند العثور على إجابة؟ وكيف يمكن الحفاظ على التوتر الخلاق بين الإيمان والبحث، وبين الطمأنينة والقلق، وبين الانتماء والانفتاح؟

سادسًا: نحو فلسفة إنسانية للدين

إذا أخذنا مفهوم الظمأ الأنطولوجي إلى نتائجه القصوى، فإننا نكتشف أن مشروع الرفاعي لا يتحدث عن الدين وحده، وإنما عن إعادة بناء الإنسان. فالدين يصبح مجالًا لإعادة اكتشاف الإنسان بوصفه كائنًا محدودًا ومفتوحًا في الوقت نفسه، كائنًا يحتاج إلى المعنى لكنه لا يستطيع امتلاك المعنى بصورة نهائية.

ومن هنا تتجاوز أهمية الكتاب المجال الديني الضيق لتصل إلى المجال الفلسفي؛ لأنه يطرح سؤالًا عن علاقة الإنسان بالمطلق، وعن معنى التجربة الروحية، وعن حدود المعرفة، وعن هشاشة الإنسان، وعن إمكانية بناء أخلاق دينية لا تقوم على الإكراه والخوف، بل على الحرية والحب والرحمة.

ومع ذلك فإن المشروع يظل بحاجة إلى تعميق مفهوم «الأنطولوجي» نفسه. فالظمأ الأنطولوجي ليس مجرد عطش روحي أو حاجة نفسية إلى المعنى، بل ينبغي أن يُبنى بوصفه بنية في وجود الإنسان ذاته: الإنسان موجود في حالة عدم اكتمال، ولذلك فهو يتطلع، ويتجاوز، ويتساءل، ويبحث عن معنى يتجاوز المعطى المباشر.

وعند هذه النقطة يمكن أن يتحول مفهوم الظمأ الأنطولوجي من مفهوم وصفي إلى مفهوم فلسفي تأسيسي؛ إذ يصبح التعبير عن البنية المفتوحة للوجود الإنساني، وعن استحالة اختزال الإنسان في هوية نهائية أو تعريف مكتمل.

سابعا: من الظمأ الأنطولوجي إلى فلسفة العبور

ربما لا ينبغي أن تنتهي قراءة كتاب «الدين والظمأ الأنطولوجي» عند ما يقوله الظمأ عن الدين، بل عند ما يفتحه الظمأ من سؤال يتجاوز حدوده الأولى. فالرفاعي يضع يده على منطقة شديدة الأهمية في الوجود الإنساني: الإنسان ليس كائنًا مكتفيًا بذاته، ولا وجوده مغلقًا على ما تحقق منه، وإنما يسكنه نقص يدفعه إلى البحث عن المعنى، ويوقظ فيه توقًا إلى ما يتجاوز حضوره المباشر. بهذا المعنى يصبح «الظمأ الأنطولوجي» كشفًا عن بنية مفتوحة للإنسان؛ فالإنسان يطلب لأنه غير مكتمل، ويتطلع لأنه لا يستنفد إمكانه في حاضره.

لكن ماذا لو أخذنا هذه الفكرة إلى ما بعد الظمأ نفسه؟ إن الظمأ يكشف أن الإنسان يريد أن يتجاوز ما هو عليه، لكنه لا يفسر وحده كيف يحدث هذا التجاوز، وما الذي يقع في المسافة بين ما هو كائن وما يمكن أن يكون. هنا تبدأ إمكانات أخرى للتفكير. فالإنسان لا يعيش فقط حالة من التوق إلى معنى غائب، وإنما يتحرك داخل حدود، ويصطدم بعوائق، ويعيد بناء علاقاته، ويغير صورته عن ذاته والعالم، وينتقل من إمكان إلى إمكان. ولذلك فإن الظمأ قد يكون بداية الحركة، لكنه ليس الحركة كلها؛ إنه استشعار للبعد المفتوح في الوجود، أما العبور فهو اشتغال الإنسان داخل هذا الانفتاح. ومن هنا يمكن أن نقترح، لا بوصفه اعتراضًا على الرفاعي وإنما بوصفه توسيعًا للكرة التي فتحها، الانتقال من «الظمأ الأنطولوجي» إلى «العبور الأنطولوجي».

الظمأ يقول: لست مكتفيًا بما أنت عليه. أما العبور فيضيف: ما دمت غير مكتفٍ بما أنت عليه، فإن وجودك يدخل في حركة التحول. وبين الجملتين مسافة فلسفية واسعة. فالظمأ يكشف النقص والانفتاح، في حين يحاول العبور أن يفكر في الدين والإنسان والعالم من داخل هذه المسافة نفسها: مسافة الانتقال من هوية إلى أخرى، ومن معنى إلى معنى، ومن حدود إلى حدود، ومن صورة للذات إلى صورة لم تتشكل بعد.

هنا لا يعود «المطلق» مجرد نقطة يصل إليها الظمآن، ولا تصبح العلاقة بالدين مجرد بحث عن إشباع روحي للقلق الوجودي؛ بل تصبح التجربة الدينية نفسها مسار عبور. الإنسان لا يمتلك المطلق، ولا يحوله إلى موضوع مكتمل، وإنما يدخل معه في علاقة تغيّر طريقة وجوده في العالم. الإيمان، بهذا المعنى، ليس وصولًا نهائيًا، بل علاقة مفتوحة؛ والروحانية ليست إخمادًا للظمأ، وإنما تحويل للظمأ إلى قدرة على العيش في أفق المعنى.

وهذا التوسيع يغيّر أيضًا معنى «النقص». فالإنسان الناقص ليس إنسانًا معيبًا ينتظر أن تكتمل ماهيته، بل كائن مفتوح لأن وجوده لم يُغلق بعد. إن النقص هنا ليس عجزًا، بل إمكان؛ وليس فراغًا ينتظر الامتلاء، بل مساحة تسمح بالتحول. ومن ثم فإن الإنسان لا يصبح إنسانًا لأنه يبلغ صورته النهائية، وإنما لأنه يستطيع أن يعبر من صورته الراهنة إلى صورة أخرى دون أن يتوهم أن الصورة الجديدة هي النهاية.

وهنا تلتقي فلسفة العبور مع الظمأ الأنطولوجي وتختلف عنه في الوقت نفسه. تلتقي معه في رفض الإنسان المكتمل والمغلق، لكنها لا تتوقف عند سؤال التوق. إنها تسأل عن بنية العبور نفسها: كيف يتحول التوق إلى حركة؟ كيف تصطدم الحركة بالحد؟ وكيف يتحول الحد من جدار يمنع العبور إلى منطقة تسمح بإمكانه؟ وكيف تنتج عمليات العبور ذواتًا وهويات ومعاني جديدة؟

بهذا المعنى، لا يكون الحد نقيضًا للعبور. فالعبور لا يحدث في فضاء بلا حدود؛ إنه يحدث لأن هناك حدًا. لكن الحد، في فلسفة العبور، ليس بالضرورة جدارًا نهائيًا، بل يمكن أن يكون منطقة تماس، ومنطقة تفاوض، ومنطقة تحول. ولذلك فإن الإنسان لا يعبر العالم لأنه يعيش خارج الحدود، وإنما لأنه يعيش عند الحدود وداخلها وعبرها.

ومن هنا يمكن إعادة قراءة الدين نفسه. فإذا كان الظمأ الأنطولوجي يكشف حاجة الإنسان إلى المعنى، فإن فلسفة العبور تسأل عن الحدود التي تشكل هذه الحاجة: حدود الذات والآخر، الإنسان والمطلق، الإيمان والشك، المقدس والدنيوي، التقليد والتجديد، الهوية والاختلاف. والدين لا يكون حيًا حين يلغي هذه التوترات، بل حين يستطيع أن يحولها إلى إمكانات للعبور. وهذا يفتح أفقًا نقديًا مهمًا أمام التدين المغلق. فكلما تحولت العقيدة إلى هوية نهائية، والمؤسسة إلى سلطة لا تقبل العبور، والتفسير إلى حقيقة مغلقة، أصبح الدين مهددًا بأن يتحول من تجربة للمعنى إلى نظام لإنتاج الحدود. وفي المقابل، كلما احتفظ الدين بقدرته على إعادة فتح العلاقة بين الإنسان والمطلق، وبين الذات والآخر، وبين الإيمان والحياة، أمكن له أن يستعيد قوته بوصفه تجربة تحول.

ومن هنا يمكن أن نصوغ انتقالًا مفاهيميًا: (الظمأ، السؤال، الإمكان، الحد، العبور، التحول، معنى جديد، إمكان جديد. (اذ إن ما يبدأ عند الرفاعي كظمأ إلى المعنى يمكن أن يتسع، داخل فلسفة العبور، إلى نظرية في الوجود المفتوح. فالإنسان لا يظمأ فقط لأنه يبحث عن معنى، بل لأنه كائن في حالة صيرورة. وجوده يتحول، والتحول ينتج حركة، والحركة حين تواجه الحدود تنتج إمكان العبور. والعبور لا يقود إلى نقطة نهائية، بل يعيد الإنسان إلى حالة جديدة من السيولة، ومنها إلى عبور آخر.

وهنا تظهر أهمية مفهوم السيولة. فالعبور لا يمكن أن يكون ممكنًا إذا كان الوجود قد تصلب في هويات نهائية وحدود مغلقة. السيولة هي الشرط الأنطولوجي الذي يجعل إعادة التشكيل ممكنة. ولهذا فإن فلسفة العبور لا ترى في الإنسان كائنًا يعبر من نقطة إلى نقطة فقط، بل كائنًا موجودًا في السيولة؛ أي إن وجوده ذاته قابل لإعادة التكوين.

ومن هذه الزاوية، يمكن أن يصبح «الظمأ الأنطولوجي» عند الرفاعي إحدى العتبات المهمة في الطريق إلى «فلسفة العبور». فالظمأ يحرر الإنسان من وهم الاكتفاء، والعبور يحرره من وهم الثبات. الظمأ يقول إن الإنسان ليس مكتفيًا، والعبور يقول إنه ليس ثابتًا. الظمأ يفتح سؤال المعنى، والعبور يفتح سؤال التحول. الظمأ يجعل الإنسان متوجهًا إلى ما وراء حاضره، والعبور يجعله قادرًا على إعادة تشكيل هذا الحاضر. ولذلك فإن تجاوز الرفاعي هنا لا يعني تجاوزه بالرفض، بل توسيع دائرته الفلسفية. لقد وضع الرفاعي إصبعه على سؤال عميق حين جعل الظمأ جزءًا من بنية الإنسان؛ وما تفعله فلسفة العبور هو أن تأخذ هذا الظمأ بوصفه نقطة بداية، ثم تسأل عن العالم الذي يتحرك فيه الظمآن، وعن الحدود التي تعترضه، وعن أشكال العبور التي يصنعها، وعن التحولات التي تطرأ عليه أثناء ذلك.

إن الإنسان، في النهاية، ليس مجرد كائن يظمأ إلى المعنى، بل كائن يعبر بحثًا عنه. وليس الدين مجرد استجابة لهذا الظمأ، بل يمكن أن يكون أحد الأطر التي يتعلم الإنسان داخلها كيف يعبر من الخوف إلى الرجاء، ومن الانغلاق إلى الانفتاح، ومن العداوة إلى العلاقة، ومن امتلاك الحقيقة إلى السكن في أفقها. وهكذا يمكن أن ننتقل من سؤال الرفاعي: كيف يستجيب الدين للظمأ الأنطولوجي للإنسان؟ إلى سؤال فلسفة العبور: كيف يتحول الظمأ الأنطولوجي إلى عبور، وكيف يعيد العبور تشكيل الإنسان والدين والمعنى؟، في هذه النقطة لا تنتهي فكرة الرفاعي، بل تبدأ حياة فلسفية أخرى لها. فالظمأ يفتح الباب، لكن العبور يدخل منه؛ والعبور لا يلغي الظمأ، لأن كل عبور يخلق أفقًا جديدًا للظمأ. لذلك لا ينبغي أن نبحث عن دين يطفئ الظمأ نهائيًا، ولا عن فلسفة تنهي السؤال، وإنما عن تجربة إنسانية تستطيع أن تجعل من الظمأ قوةً للحركة، ومن الحد منطقةً للإمكان، ومن الاختلاف مجالًا للعلاقة، ومن التحول طريقةً للوجود.

ومن هنا يصبح الإنسان العابر امتدادًا طبيعيًا للإنسان الذي اكتشف الرفاعي ظمأه الأنطولوجي: إنسان لا يعيش خارج المعنى، ولا يمتلكه بصورة نهائية، وإنما يعيش في الطريق إليه؛ لا يسكن هوية مغلقة، بل يعيد تشكيلها؛ لا يرى الآخر جدارًا، بل إمكانية علاقة؛ ولا ينظر إلى الحدود بوصفها نهايات، بل بوصفها مواقع يمكن أن يبدأ عندها عبور جديد.

وهنا تحديدًا تتحول فلسفة العبور من مجرد فلسفة للانتقال إلى فلسفة للوجود في حالة السيولة: الوجود يتحول، والتحول ينتج حركة، والحركة تصطدم بالحدود، والحدود تفتح أو تغلق إمكان العبور؛ وما دام الإنسان كائنًا غير مكتمل، فإن وجوده يظل محكومًا بإمكان إعادة العبور.

بهذا المعنى، يمكن القول إن «الظمأ الأنطولوجي» يكتشف جرح الإنسان المفتوح على المعنى، بينما تحاول فلسفة العبور أن تفكر في الحركة التي تنشأ من هذا الجرح. وبين الاكتشاف والحركة تتسع الدائرة: من الظمأ إلى الإمكان، ومن الإمكان إلى العبور، ومن العبور إلى التحول، ومن التحول إلى تعدد لا يستقر في صورة نهائية.

ولعل هذه هي النقطة التي يمكن عندها أن نترك الرفاعي لا خلفنا، بل أمامنا؛ إذ يصبح كتابه عتبة لا خاتمة، وبداية سؤال لا إغلاقه. فالظمأ الذي كشفه يمكن أن يكون أحد المداخل إلى فلسفة تقول إن الإنسان لا يوجد لكي يستقر، بل لكي يتحول؛ وإن المعنى لا يوجد فقط لكي يُمتلك، بل لكي يُعاش ويُعاد إنتاجه؛ وإن الدين، حين يستعيد إنسانيته، يستطيع أن يكون فضاءً لهذا العبور. فالوجود يتحول، والتحول ينتج عبورًا، والعبور يصطدم بالحدود، والحدود إمّا أن تتحول إلى جدران أو إلى معابر؛ والفكر يبدأ حين يحاول إعادة فتح المعبر.

 خاتمة: من الظمأ إلى العبور

تكمن أهمية كتاب «الدين والظمأ الأنطولوجي» في أنه يحاول استعادة السؤال الذي سبق كثيرًا من الإجابات الدينية، وهو سؤال الإنسان عن معنى وجوده، وعن إمكان أن يتحول الدين من منظومة للامتثال إلى تجربة تمنح الوجود قابلية أوسع للمعنى. فالظمأ الأنطولوجي يجعل الإنسان كائنًا لا يستقر في صورته الراهنة، لأنه يظل مأخوذًا بما يمكن أن يكونه، وهذا ما يمنح التجربة الدينية بعدها الحيوي.

وإذا أردنا أن نذهب بمشروع الرفاعي خطوة فلسفية أخرى، أمكن القول إن الظمأ الأنطولوجي هو لحظة ما قبل العبور: فالإنسان لا يعبر لأنه يملك يقينًا نهائيًا، وإنما يعبر لأنه يشعر بأن وجوده الراهن لا يستنفد إمكان وجوده. الظمأ هو الذي يفتح الحد، والسؤال هو الذي يدفع الإنسان إلى الاقتراب منه، والإيمان هو إحدى الطرق التي يحاول بها الإنسان أن يمنح هذا العبور معنى.

بذلك نجعل الرفاعي عتبة تأسيسية، لا موضوعًا ننتهي عنده؛ وتُدخل مفاهيم مشروعنا الأساسية: التحول، الحد، السيولة، الإمكان، العلاقة، والإنسان العابر .

 

https://almothaqaf.com/readings-2/989985-%D8%B9%D8%A7%D9%85%D8%B1-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%B2%D9%8A%D8%AF-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B8%D9%85%D8%A3-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%86%D8%B7%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D9%81%D9%84%D8%B3%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A8%D9%88%D8%B1

 

[1] أستاذ الفلسفة بكلية الآداب في جامعة الكوفة.

“أكرهك”!

د. عبد الجبار الرفاعي

“أكرهك”! ليست المرة الأولى التي أتلقى فيها أمثال هذه الكلمة المؤذية في رسائل على الخاص. كثيرًا ما تصل هذه الرسائل من حسابات شبحية، يحرص صاحبها على أن يبقى متواريًا خلف اسم مستعار وصورة غامضة. يبعث كلماته الجارحة ثم يعمد إلى الحظر مباشرة، كي لا أتعرف إليه ولا أملك فرصة الرد عليه. يكشف هذا الموقف عن صورة من صور الجرأة التي يولدها التخفي، إذ يشعر الإنسان خلف القناع الرقمي بحرية قول ما لا يجرؤ على قوله بوجه مكشوف. تعلن هذه الرسائل عن شيء من التذبذب الكامن في النفوس، حين تتخذ الكلمة الجارحة وسيلة للتنفيس عن غضب أو ضيق أو مرارة، فيتحول الفضاء الافتراضي إلى مكان يفرغ فيه بعض الناس ما يثقل صدورهم من مشاعر سلبية.

في الحياة من الشر أكثر مما نتمنى من الخير، ومن الكراهية أكثر مما نشتاق أن نراه من المحبة. تكشف جروح الحياة للإنسان أن النفس البشرية لا تتحرك في أفق واحد صاف، بل في فضاء تتجاور فيه الأضداد. يتعلم الإنسان مع الزمن أن وجود الكراهية في النفس ليس طارئًا على طبيعته، النفس تحتاج أحيانًا إلى الكراهية كما تحتاج إلى المحبة، وربما تشتد حاجتها إلى الكراهية في بعض اللحظات حين تتعرض للخذلان أو الظلم أو الخيبة.

الطبيعة الإنسانية ملتقى الأضداد، تتصارع في أعماقها نوازع الرحمة والقسوة، القرب والنفور، العطاء والشح. تنبع في النفس حاجة دفينة للكراهية تقف إلى جانب حاجتها للمحبة، إذ تمنح الكراهية الإنسان قدرة على الدفاع عن ذاته حين يهدده الاعتداء أو الإهانة، في الوقت الذي تضيء له المحبة التعاطف والرفق بالإنسان الآخر، وتمنحه أفقًا للعيش المشترك والاعتراف المتبادل بين البشر. هكذا يتحرك الإنسان في تذبذب دائم بين قوتين متقابلتين، قوة تدعوه إلى القرب والانفتاح، وقوة تدفعه إلى الرفض والمقاومة، وتظل حكمة الحياة في قدرة الإنسان على احتواء هذه الأضداد، كي لا تتحول الكراهية إلى عدوان يدمر الإنسان والعالم.

مَن يريد أن يعرف شيئًا عن الحضور المخيف للكراهية والشر في الأرض لا يحتاج إلى تأملات نظرية بعيدة عن الواقع، إذ يكفي أن يعود إلى أرشيفات التاريخ البشري، ويتصفح سجلات الاضطهاد والاسترقاق والاستعباد التي طاولت الأفراد والمجتمعات في عصور مختلفة، ليرى كيف تحول الإنسان في تجارب كثيرة إلى أداة لإذلال أخيه الإنسان واحتقاره، وكيف نشأت أنماط من القسوة تغذيها نزعات الهيمنة والرغبة في التسلط. التاريخ البشري يختنق بأنماط العبودية المعلنة والمقنّعة التي حولت الإنسان إلى سلعة تُباع وتُشترى، وسلبت كرامته، وجعلت حياته رهينة إرادة سيده، كما ازدحمت صفحات التاريخ بسرديات الاستبداد التي مارسها حكّام طغاة حولوا أوطانهم إلى سجون ومقابر، وأخضعوا شعوبهم لمنطق القهر والرعب، وانتهكوا كرامة الإنسان، وأخضعوا حياته لإرادتهم الفاشية. عندما يقرأ الإنسان تاريخ الاستبداد والاستعباد يكتشف أن الكراهية لا تنشأ فجأة، وإنما تتكوّن في بنية أنظمة سياسية واجتماعية وثقافية ودينية تولد الخوف، وتنتج العنف، وتسوّغ إهدار الكرامة الإنسانية، إذ يمسي الإنسان في ظل هذه الأنظمة إلى موضوع للسلطة لا ذات حرة تملك حقها في الحياة الجيدة. لذلك تتكرر صور السجون الكئيبة والزنزانات المرعبة في تجارب شعوب كثيرة، حيث يتعرض الإنسان لأشكال مهينة من الإذلال والاحتقار والترويع، وتُسلب حريته، ويُختزل وجوده في جسد محاصر بالقهر، في محاولة لكسر إرادته وخنق صوته.

لا يقف حضور الشر عند حدود الاستبداد الداخلي، وإنما يمتد إلى مستوى آخر من العنف مارسته الإمبراطوريات والقوى الكبرى عبر الاستعمار والاحتلال، إذ خلّفت مشاريع الهيمنة الاستعمارية في قارات متعددة مآسي لا تحصى، وسلبت شعوب كثيرة أرضها وثرواتها وحقها في تقرير مصيرها، وتعرضت مجتمعات بأكملها لسياسات الإفقار والتجويع والاهانة، وتعاملت تلك القوى مع الإنسان في البلدان المستعمَرة بوصفه كائنًا أدنى لا شريكًا في الإنسانية، فاستباحت أرضه وموارده وفرضت عليه أنماطًا من الاستعباد جعلت حياته معلقة بإرادة المحتل. إن قراءة هذه الصفحات المأساوية من تاريخ البشرية تكشف أن الكراهية ليست حادثة عابرة في حياة الإنسان، وإنما قوة مدمرة حين تجد بيئة تغذيها وتبررها، فعندما يستخف الإنسان بكرامة الآخر، ويتعامل معه بوصفه وسيلة لا غاية، ينفتح الباب واسعًا أمام أشكال متعددة من العنف والاحتقار والاستعباد، لذلك تصبح مواجهة الكراهية مرتبطة بإحياء الوعي بكرامة الإنسان وحقوقه، وترسيخ القيم التي تحمي حريته وتصون حقه في الحياة الكريمة، كي لا يتكرر ذلك الحضور المخيف للكراهية والشر في حياة البشر.

شخصية الإنسان مركبة تتألف من طبقات متعددة، لا يمكن فهم دوافع سلوكه أو تفسير أفعاله بعامل واحد أو سبب بسيط. الإنسان كائن تتداخل في أعماقه نوازع متباينة، وتتجاور في داخله ميول متعارضة، يلتقي في شخصيته الخير والشر، والرحمة والقسوة، والسخاء والجفاء، كما تلتقي في سلوكه دوافع ظاهرة وأخرى خفية. لذلك تبدو أفعال الإنسان في كثير من الأحيان متناقضة أو غامضة، لأن ما يظهر من سلوكه ليس سوى الوجه الخارجي لما يختبئ في أعماقه.

الإنسان يحمل في داخله تاريخًا من الخبرات والتجارب والآلام والرغبات، وتتراكم في وعيه ولاوعيه صور متعددة للعالم ولنفسه وللآخرين، وهذه التراكمات الخفية تشارك في توجيه سلوكه بقدر ما يشارك وعيه الظاهر. من هنا لا يمكن ردّ أفعال الإنسان إلى تفسير واحد نهائي، لأن الدوافع الإنسانية تتكون في فضاء واسع من العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية والوجودية. قد يندفع الإنسان أحيانًا بدافع الرحمة والتعاطف، ثم ينقلب في موقف آخر إلى القسوة أو العنف، لا لأن طبيعته تبدلت فجأة، وإنما لأن الطبقات المختلفة في شخصيته تتبادل مواقعها في لحظات مختلفة، فتتقدم طبقة وتتراجع أخرى. هكذا تتشكل شخصية الإنسان بوصفها ساحةً تلتقي فيها الأضداد، وتتنازع فيها الرغبات المتعارضة، ويتكشف فيها التعقيد العميق للطبيعة البشرية التي لا تستقيم على صورة واحدة ثابتة، ولا يمكن اختزالها في تفسير مبسط أو حكم قاطع.

لن يختفي الشر الأخلاقي ما دام الإنسان إنسانًا، ما دام الإنسان يكذب ويراوغ وينافق ويكيد ويمكر ويسفك الدماء. تنشأ هذه الأفعال من طبقات عميقة في الطبيعة البشرية حيث تتصارع النزعات المتضادة في النفس، فيتحرك الإنسان أحيانًا بدوافع الشفقة والرحمة، وتتحرك في داخله في أحيان أخرى دوافع الغلظة والعدوان. تعمل القيم والثقافات والأديان التي تدعو للسلم على خفض وتيرة الشر إلى أدنى مستوى ممكن، عبر سعيها إلى تهذيب السلوك الإنساني وتقييد اندفاعاته العنيفة. مضافًا إلى أن الحياة المشتركة بين البشر لا يحميها السلم من دون قوانين عادلة وعقوبات رادعة تضبط العلاقات بينهم، ومن دونها قد ينزلق الإنسان إلى أشكال من العنف تفكك المجتمع وتبدد الثقة والتضامن بين أفراده.

 

 

دروب المعنى كتابٌ يُقتنى ولا يُعار

منى الصالح
يفاجئك دروب المعنى للدكتور الرفاعي بمجرد أن تلِج صفحاته، وتأخذك الدهشةُ الممتعة تمامًا كما هي حين تلتقيه شخصيًّا أوّل مرّة.
أنت الذي خبرته، وهو الذي يخوض بك في أرضٍ طالما حُذِّرت منها؛ يتوغّل معك برِفقٍ ما بين الاغتراب الميتافيزيقي والظّمأ الأنطولوجي. فكلّ كتابٍ من كتبه يفتح لك عوالم جديدة، ويرتقي بفكرك ونضجك ووعيك بدرجات متقدّمة، تتعمق الفكرة، وقد تحتاج إلى إعادة الصفحة عدّة مرّات، لتناقش وتبحث وتراجع كتبًا أخرى، وتغوص معه حيث علم الكلام والفلسفة الغربية، حديثِها وقديمِها. تتعرّف من خلال سلاسة أسلوبه على شخصيّات كان من الصعب فهم نظريّاتهم والوقوف على رؤاهم، لتجد نفسك أمام المعلّم الموسوعي.
لكنّ دروب المعنى، منذ بداياته، وجَدَتني أمام كتابٍ يُقتنى ليكون مرجعًا، لا لتقرأه مرّة واحدة؛ بل تحتاجه كلّما أرقك سؤالٌ مُحيِّرٌ في هذا العالم الظالم، تبحث فيه عن الله:
«الله حيٌّ لا يموت، ما يموت هو ما يصنعه الإنسان من صورٍ لله، يستعملها في خدمة مصالحه واحتياجاته للاستحواذ على المال والثروة والسلطة باسم الدين».
تعود إليه مُتلهّفًا لتجد ما يُسكّن قلقك الوجودي، بأنّ السؤال لا ينتهي:
«تتجلّى قوّة العقل في أنّ الأسئلة فيه لا تنتهي إلى إجابات نهائية مغلقة، بل إنّ الإجابات تتوالد منها أسئلة أعمق من الأسئلة التي وَلَدت أحيانًا».
في كلّ بحثٍ تخوض فيه، وتحاول الاستشهاد بمن يدلّك على الطريق، تشعر أنّ تجربتك ليست استثناءً عن البشر، وأنّ خطأك طبيعيّ في مجتمعٍ يعتبر الخطأ ذنبًا وأسرًا لا سقف لها، فيهرب منها أبناؤها:
«يتخفّف الإنسان بالاعتراف بالخطأ داخليًّا أوّلًا… لو اعترفنا بأخطائنا لتخلّصت عوائلنا من كثيرٍ ممّا يهدّد كيانها ويعصف بأمنها».
في عالم، التنافس فيه شعار، والمثالية وامتلاك الحقيقة تُشعرنا بالعجز والضعف:
«حاولتُ أن أدرّب نفسي على أن أنظر إلى هشاشتي وضعفي البشري قبل أن أنظر إلى ما أتوهم أنّي أتميّز به على غيري».
فتتوازن، وتشعر أنّ هذا الضعف جزءٌ من بشريّتنا، ولا يُخلّ بشخصيّاتنا.
وتتعلّم، على بساطة كلماته، أنّ:
«حكمة الحكيم تجعل حياته آمنة، وتمكّنه من إدارة علاقاته بسلام».
حين تتيه بين نزاعات الأديان وحروبها، ويؤرق الشكّ لياليك، تجد فيه ما ينساب على روحك كالماء الزلال:
«لا يولد السلام بين الأديان في فضاء الاعتقاد، بل يولد السلام بين الأديان في فضاء الإيمان».
ويعلّمك أنّ الإنسان الذي يستهدف أن يواصل تعليمه:
«ينبغي الإصغاء لحديث كلّ شيء في الطبيعة مهما كان، وينصت لصوت الوجود… كلّ شيء في الوجود يتحدّث إلينا بلغةٍ خارج اللغات البشرية المتداولة».
الكتابُ حديقةٌ غنّاء تتجوّل فيها، فتتيه بين جمال النرجس ورِقّة التوليب وعطر الياسمين. تفتّش في كلّ حرف، تريد أن ترى صورتك فيه بكلّ تجلّياتها.
تسمع فيه صوت الرحمة، وتغيب عنه صور العقاب والانتقام.
وكما تتفاجأ وأنت بحضرة المفكّر الكبير والفيلسوف، بالإنسان الهادئ؛ حيث لا بدّ لك أن تهدأ حتى تستطيع الإمساك بحديثه. المحبّ الذي يحتضن من عرفه ومن لا يعرفه، الموافق لفكره والمختلف معه.
الحبّ عنده دين، والدين حبّ. فتتعدّد تجلّيات الحبّ بثراء شخصيّته وقدرته على العطاء، كما تتعدّد بكتبه وحروفه. فهو الذي يؤمن أنّ طريق القلب يوصل إلى الله، وأنّ العقل يؤسّس إيمانًا يملأ الفكر بدهشة عظمة وجود الله.
أنت أمام إنسانٍ في كتاب.
دروب المعنى هو رفيق كلّ باحثٍ عقلُه مشاكس، وقلبه مطمئن.

https://almothaqaf.org/aqlam-2/985907

كتاب دروب المعنى[1]

د. عبد الجبار الرفاعي

لم أكتب هذا الكتاب كتابة متواصلة، ولم أخطط لإصدار كتاب بهذا العنوان.كنت، كلما ولدت في ذهني فكرة، أو ألهمتني مطالعاتي، أو حاولت تقديم تفسير لظاهرة معينة، أدوّن رأيي في دفتر خاص، وبعد شيوع الهاتف الذكي، اتخذته وسيلة لتدوين هذه الأفكار. قبل استعمالي لهذا النوع من الهواتف، كانت بعض الأفكار تولد قبيل النوم، وأنا في الفراش، فأعمل لها صياغة لغوية في الذهن، وأقرر تدوينها صباحًا، غير أن ذهني يخذلني، وأنا أبحث بلا جدوى عنها، وعن أية ومضة لكلمة ترشدني إليها، مما دعاني إلى المبادرة بتدوينها قبيل النوم، وإن كنت أحيانًا، لفرط الإرهاق، لا أجد في نفسي القدرة على النهوض من الفراش والكتابة في الهاتف. هربت من ذهني أفكار وتفسيرات لظواهر، أظن كان تسجيلها مفيدًا لي وللقراء، لو تم تدوينها لحظة انبثاقها كضوء قبل أن ينطفئ. حاولت بعد عدة سنوات تنظيم ملفات لكل مجموعة، وبعد مضي عشرين عامًا تراكم لدي ما يقرب من مئة وخمسين ملفًا، يتسع كل ملف إلى مئة فقرة أو أكثر. كنت أعود إليها أحيانًا حين أتذكر، وأنا أكتب، أنني تناولت هذه القضية وكتبت عنها بإيجاز يومًا ما، عساني أقرأ ما يمكنني من العثور على مفاتيح تهديني إلى الحديث عنها. وكلما رجعت إلى هذه النصوص، رأيت فيها ما هو جدير بالنشر.

بعد تنقيح هذه النصوص وتصفيتها وغربلتها، اخترت منها مجموعة ضمها هذا الكتاب، واستشرت في نشرها بعض القراء ممن أثق بذكائهم ومواهبهم، فاتفق كل مَن اطلع عليها على ضرورة نشرها، بل حثني بعضهم على إصدارها، لأنهم رأوا أنها ستكون مقروءة أكثر من مؤلفاتي الأخرى، لكونها تتناغم مع إيقاع القراءة في عصر يكاد كثير من القراء يغادرون فيه الكتب الكبيرة، ويبحثون عن شذرات ونصوص وفقرات صغيرة، تقدم فكرة ذات صلة مباشرة بحياة الإنسان.كان بعض القراء، ممن لا أعرفهم، يستحثني على الاختزال والتكثيف في الكتابة، وتقليل عدد كلمات المقالة، حين يطالعون مقالاتي الأسبوعية التي أنشرها منذ سنوات في الصحف والمجلات. أدركت أننا نعيش مع قراء مختلفين في العصر الرقمي، الذي يفرض علينا إيقاعه المتعجل، ويلزمنا أن نواكبه بما نمتلك من طاقة واستعداد، لئلا يسحقنا قطاره إن تباطأنا أو توانينا عنه. القراء من الجيل الجديد أشد استعدادًا منا للتناغم مع إيقاع سرعة قطار الذكاء الاصطناعي المذهلة. حفزني ذلك على مراجعة هذه النصوص، وعندما طالعتها بمجموعها، قلت: لمَ لا أعمل منها كتابًا يعكس خلاصة رؤيتي للإنسان والدين والعالَم، ويتعرف فيه القارئ على دعوتي لتجديد الفكر الديني، ويقدم أفكاري في نصوص صغيرة لا تتجاوز بضع كلمات، وتكون مقالاتي فيه بمثابة “مقالة في فقرة”، مقالة تستوفي ما أريد قوله بكلمات قليلة، تحاول التخلص من فائض الألفاظ، وتبتعد ما أمكن عن المحسنات البلاغية، والتفاصيل والجزئيات، لتعرض للقارئ رأيي ورؤيتي بصورة مكثفة. وأخيرًا، اقتنعت بضرورة نشر هذا الكتاب، لمن يبحث عن خارطة طريق واضحة، تدله على المفاهيم المحورية في تفكيري الفلسفي والديني، وفهمي للإنسان والحب والدين والحياة.

كما استحثتني أكثر الطلبات التي تصلني على الدوام من طالبات وطلاب دراسات عليا يكتبون عن أعمالي، تدعوني لإنارة مصابيح تضيء لهم طريق البحث، وهم في أول دروب اكتشاف رؤيتي، والأفكار المحورية في أعمالي. خاصة أن رؤيتي وأفكاري مبثوثة في هذه النصوص، بتعبيرات وتنويعات كثيرة. حين ينشد أحد التعرف على فهمي للفلسفة وضرورة حضورها اليوم، وكيف أن الحاجة المعرفية لها تتجدد وتتعمق وتتضاعف بازدياد الأسئلة الكبرى في عصر الذكاء الاصطناعي، تلك الأسئلة التي عجز العلم عن الجواب عنها، كما لا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يجيب عنها، هذا الذكاء لا يتوقف عند تعميقها فقط، بل يجعلها تتوالد ولادات متواصلة لإنتاج أسئلة أعقد وأعمق منها، تواجه العقل والدين والقيم، ولم يطرحها العقل والعلم والمعرفة البشرية من قبل. وحين ينشد أحد التعرف على تفسيري لحاجة الإنسان إلى الحب والدين، بوصفهما من أغزر منابع المعنى لحياة الإنسان، في زمان تبددت فيه معاني الحياة، وخسر الإنسان بفقدانها السكينة والطمأنينة والأمان، وأصبح يعيش في عالم تتكدس فيه الأشياء المادية، وتتلاشى فيه معاني الحياة.

لا يلتقي القارئ في هذا الكتاب برؤى وتفسيرات غريبة عمّا ورد في مؤلفاتي، أو رؤى تتنكر لما كتبته في سلسلة مؤلفاتي عن الإنسان والحب والدين والفلسفة، وإنما يقرأ أفكاري ذاتها، بلغتي وكلماتي ذاتها، وما أضيفه هنا هو شروح ومزيد من التوضيحات لتلك الأفكار. لا حاجة للقول إني مدين لكل كتاب أحدث انعطافة في طريقة تفكيري، ودعاني للعودة إلى المفاهيم الأساسية في ذهني، وتفحصها وغربلتها وتمحيصها من جديد، واختبار عقلانيتها، وقدرتها على الصمود عند النقد العقلاني الصارم. وهذا ما يدعوني لأن أعترف بأني تلميذ لكل معلم كبير من الكتّاب الذين قرأت لهم. فقد أنفقت حياتي في القراءة، وقرأت كل ما وقع تحت يدي من كتب. حاولت أن أقرأ الكل، وأنسى الكل، كي أنتج قراءتي الخاصة للإنسان والحب والدين والعالم.

مكثت مدة أفتش عن عنوان يتناسب ومحتوى هذا الكتاب، بوصفه يتسع لسيرة كاتب، وتطور فهمه لحياته وقراءته وكتابته، وكيفية تشكّل فهمه وتفسيره للإنسان، وطبيعته المتضادة في ذاتها، واغترابه الميتافيزيقي، وظمئه الأنطولوجي، واحتياجاته العميقة للمعنى، إثر هذا الاغتراب والظمأ، مما يفرض ضرورة حضور العقل والحب والدين في حياته، ليحدث توازن بين العقل والروح والقلب، ويظل العقل مرجعية نهائية في الحكم نفيًا وإثباتًا. لم يولد العنوان إلا بعد انتخاب مجموعة عناوين، واستبعاد أخرى، والتردد، وانتقاء أحدها لأشهر، والانصراف عنه لاحقًا، واختيار غيره، وهكذا. أخيرًا، في يوم الإخراج النهائي للكتاب لدى الناشر، وقع اختياري على عنوان: “دروب المعنى في الفلسفة والدين والحب والحياة”. عنوان “دروب المعنى” يعرّف حياتي بأنها رحلة للبحث عن المعنى، والسعي للكشف عن منابع إنتاجه في الفلسفة والدين والحب. وبما أنه العنوان الأساسي للكتاب، فهو يستوعب أكثر مضامين النصوص الواردة فيه.

في عنوان هذا الكتاب فضلت استعمال مصطلح “الدروب” وفقًا لمارتن هايدغر، بدلاً من “الطرق”. في الدروب، يسير الإنسان بلا خارطة مسبقة، تتكشف له الخارطة تدريجيًا وهو يسير، وكأنه يسير في غابة بحثًا عن معنى وجوده وحياته، بخلاف الطرق التي تكون فيها الخارطة واضحة قبل السير.

يرى القارئ أن هذه النصوص تتحدث عن أسئلتي وتأملاتي واعترافاتي، وشيء من إجاباتي المقترحة عن الأسئلة، فقد كنت وما زلت أبحث في الفلسفة والدين والحب عن المعنى لوجودي كإنسان، والمعنى لوجود العالم الذي أعيش فيه، ولوجود كل شيء فيه. ويلاحظ القارئ الذي يواكب صدور مؤلفاتي هذا الخيط الناظم لما انشغل فيه عقلي من أسئلة وتفسيرات ورؤى واقتراحات لأجوبة عن أسئلة المعنى المتنوعة والمتوالدة. عنوان “دروب المعنى” يعكس ما ورد من نصوص ترسم خارطة لطريقة تفكيري الفلسفي، وكيفية تذوقي للحب، وحضوره في قلبي بوصفه أعذب معاني الحياة، وكيف صيّرني الحب مستثمرًا أبديًا فيه، بعد أن تذوقت فيه ما لم أتذوقه في سواه. من صنائع الحب في حياتي أنه أسهم بفعالية عالية في خلاصي من ارتداد الآثار الموجعة للشر الأخلاقي على حياتي، وأسهم في تهذيب أخلاقي، وتطهير سلوكي، وجعل كل إنسان في مأمن مني، مهما كان مشاكسًا، أو مختلفًا عني في آرائه ومعتقده ومواقفه وسلوكه. ومن صنائع الحب ظهور أثره في حمايتي من شرور الإنسان، وخفض أثر النزعات العدوانية له في العبث بأمني الشخصي. وصار الحب مرآة يتجلى فيها الإيمان بالله في حياتي، بما هو منبع لسكينة الروح وطمأنينة القلب، عساني أستطيع أن أصيّر حب الله دينًا، ودين الله حبًا.

وردت نصوص هذا الكتاب متنوعة، ولم تنتظم في مجموعات تترتب موضوعيًا. أظن أن هذا النوع من الكتابة الحرة يعكس رؤية جمالية في تنوع الموضوعات، بكيفية تتيح لمن يقرأ هذا الكتاب أن يقرأ أية صفحة في نهايته، أو وسطه، أو بدايته، فيتلذذ فيها بمتعة القراءة، ولا يعاني من الرتابة والملل،كما يحدث عادة في الأعمال المنتظمة منطقيًا، والمكتوبة بلغة جافة.كنت أنشد من عدم تسلسل نصوص الكتاب وانتظامها موضوعيًا أن يشعر القارئ أيضًا بتفاعل وحيوية في التنقل من نص في الحب مثلًا، إلى نص في الفلسفة، إلى نص في الدين، إلى نص يتناول موضوعًا آخر، وكأن القارئ سائح في مدينة تتنوع الأنماط المعمارية لمبانيها، أو حديقة تتنوع أشكال وألوان وعطور أزهارها. ومن أجل تيسير البحث في الكتاب، بادر الأخ عبد العاطي طلبة، مشكورًا، بوضع كشاف للموضوعات في خاتمة الكتاب، يشير إلى الأرقام المتسلسلة الواردة فيها موضوعات النصوص، حسب موقعها في الكتاب.

[1] مقدمة كتاب: “دروب المعنى في الفلسفة والدين والحب والحياة”، لعبد الجبار الرفاعي، يصدر الكتاب في جزئين قريبا عن: دار خطوط وظلال في عمّان – الأردن.

 

https://alsabaah.iq/118623-.html

فاعلية الحُبّ تتجلى في الصفح

د. عبد الجبار الرفاعي

الحُبّ المؤطر بإطار أخلاقي معلِّم يهب الإنسان قدرةً استثنائية لمنح مَن يحبّه الحقّ في الاختلاف، والحقّ في الخطأ، والحقّ بالاعتراف بالخطأ، والحقّ بالاعتذار. الحُبّ يمكن أن يكون طاقة توليدية تزوّد الإنسان بما يغتسل به قلبه ويتطهر من الكراهية، ويتحرّر من دوافع الانتقام والثأر. عندما يملأ الحُبّ قلب الإنسان، فإنه يُعيد تشكيل نظرته للعالم، ويعيد بناء علاقاته بالآخرين، ويجعله أكثر دفئًا وعطفًا ورقة ورحمة، وتصير شخصيته منبعًا للصفح. هذا التغيير ينبع من طبيعة الحُبّ بوصفه عاطفة فعّالة تحفّز على العطاء والغفران، بدلاً من التشبث بالأحقاد والإحن والضغائن.

معادلة الحُبّ والرحمة والصفح ثلاثية العناصر، الصلة بين عناصرها جدلية تفاعلية تكاملية. تبتني هذه المعادلة على أصل هو الحُبّ تنبثق عنه الرحمة، وفي الوقت نفسه تعود الرحمة لتحتضن الحُبّ وتعيد توليده وتكريسه، ويتألف من اتحادهما الصفح، ليعود الصفح مجدّدًا وهو العنصر الثالث في المعادلة ليحتضن التوليفة المنصهر فيها الحُبّ والرحمة، ليحتضن هذا المتحد من العنصرين ويتكامل معه في مركب واحد، فتحدث توليفة واحدة من الحُبّ والرحمة والصفح، وهي تجليات متنوعة لحقيقة واحدة، وكأنها ثلاثة روافد تغذي نهرًا واحدًا، تمتزج مياهها معًا لتصير مياهًا واحدة، بذلك تتجلى فاعلية الحُبّ والرحمة بإنتاج الصفح. بهذه المناسبة أود أن أشير إلى أن الذين تشبعوا بالمنطق الأرسطي والفلسفة في تراثنا ربما يسارعون للقول بأن هذا يلزم منه الدور، إلا أن الدور لا معنى له هنا على وفق الجدل الهيغلي.

بعض الفلاسفة تناولوا الحُبّ بوصفه قادرًا على تطهير الذات من مرارات الكراهية، وإطفاء شعلة الانتقام. نظرة هؤلاء الفلاسفة للحُبّ تختلف تبعا لفلسفاتهم، غير أن ما يجمعهم هو الاتفاق على أن الحُبّ قوة متسامية تحرّر الإنسان من عنف الأحقاد والضغائن. الحُبّ يمنح الإنسان ثقة هائلة بذاته، وبقدرته على إخماد ما يؤجّج الغضب في نفسه، وبعث السلام الداخلي الذي يمكّنه من التغلب على انفعالاته الحادة. الحُبّ طاقة إيجابية فعّالة، تعمل على تفكيك دوافع الانتقام عبر تحرير الإنسان من العبء النفسي للغضب، وإطفاء نار الكراهية، ومنحه القدرة على التسامي والاستغناء عن الاقتصاص بالعفو، والابتعاد عن التشفي بما يصيب الغير من نكبات.

الحُبّ لا يجعل الإنسان ضعيفًا، بل يجعله قويًا بما يكفي، ليتحكم بما يغرقه من انفعالات متّقدة، قد تزجّه في الفتك بمَن يؤذيه. الحُبّ يجعل الإنسان يتنبه إلى ما تتركه هذه الانفعالات من آثار مريرة على سلامه الداخلي، عندما ترتدّ إليه لاحقًا فتعذّب ضميره. الحُبّ قوة تطهر قلب الإنسان من سموم الكراهية، الحُبّ يكفل تحقيق التوازن في الشخصية بين العاطفة والعقل والروح، ويعمل الحُبّ بفاعلية على إحداث الانسجام العميق بين الفرد والآخر، وبين الإنسان وعالمه. الحُبّ طاقة تغذّي الأخلاق والمعرفة والتنوع الديني والإثني والثقافي. الحُبّ يحرّر الذات من شعورها بوحشة الوجود، وبغربتها في العالم الذي يعيش فيه الإنسان. بالحُبّ يتكشف جمال الوجود في تجلياته المتنوعة، وتسود علاقات تبتني على الاحترام المتبادَل مع المختلِف في المعتقَد، بدلًا من نبذه، أو التسلط والهيمنة عليه. الحُبّ ينقذ مشاعر الإنسان من دوافع الانتقام، ويجعله قادرًا على الصفح عن كلِّ من أساء إليه، والبداية من جديد، حتى لو لم تندمل الجروح التي أحدثها المعتدي في داخله.

كثيرٌ من الاعتداءات وانتهاكات القيم والقانون تحدث بدوافع الانتقام والثأر، وأحيانًا يقود ذلك إلى سلسلة مريعة من عمليات العدوان تطال أبرياء لم يرتكبوا أيّ عدوان أو جريمة بحقّ أي إنسان،كما يحدث في مسلسل عمليات الثأر لدى القبائل أمس واليوم. حرب البسوس القديمة مثلًا تواصلت 40 سنة[1]، وعكست سلسلة مواقف ثأرية مقيتة. قتلَ فيها جساسُ بن مرة كليبًا بن ربيعة، بسبب ناقة امرأة تُدعى البسوس بنت منقذ التميمية،كانت لديها ناقة ترعى في أرض كليب بن ربيعة زعيم قبيلة تغلب، وكليب كان يرى كلّ ما يرعى في أرضه من حيوانات تجاوزًا عليه، فأمر بقتل الناقة. غضب ابن أخ البسوس جساس بن مرة، الذي رأى في قتل الناقة إهانة لأهله، فقتل كليبًا ثأرًا لقتل ناقة عمته. المهلهل بن ربيعة انبرى لأخذ ثأر قتل أخيه كليب، واستمرت الحرب بين القبيلتين 40 سنة، وكانت كما يقال من أطول الحروب بين القبائل العربية. المؤسف في بلادنا أن حروب الثأر مازالت تسفك فيها دماء بريئة في مسلسل أعمال قتل انتقامية عبثية بين القبائل. الانتقام فعل يعمل باتجاهين متعاكسين، فمثلما يفتك بالضحية أولًا، يفتك بالمُنتقِم أيضًا، وان تأخر الفتك الثاني.

لغة السلام والتراحم والمحبّة والتعايش السلمي في فضاء التنوع والاختلاف ضرورة لحماية التنوع الإثني والديني والمذهبي في المجتمع، وتحريره من ترسبات العنف الكبيرة المختزنة في اللاشعور الجمعي والفردي. بسبب الحروب المريرة في بلادنا منذ أكثر من خمسين سنة، ‏وتسخير الإعلام المرئي والمسموع والثقافة والأدب والفن والمنابر الدينية للتعبئة لهذه الحروب، تفشت شحنة عنف عالية في لغتنا وأصواتنا وحتى في تعبيرات أجسادنا، ‏بحيث صار التعبير عن الجمال أحيانا بكلمات غريبة، يقال مثلًا في توصيف ما هو جميل: “رهيب”، “كارثة”، “يقتل”، وأمثال ذلك. تحرير اللغة وهكذا أصواتها ولغة الأجساد من شحنة العنف يحرّر الفضاء العام من العنف، وذلك يتطلب إعادة بناء اللغة وطرائق التعليم في مقرّرات مدارس التعليم الأساسي، ابتداء من الروضة، وكلّ مقررات التربية والتعليم، واستبعاد الكلمات العنيفة والصور التي ترسم مشاهد دامية. وينبغي أن يواكب ذلك المزيد من توكيد مقرّرات التربية والتعليم على قيمة الحقّ في الاختلاف، والحقّ في الخطأ، والحقّ بالاعتراف بالخطأ، والحقّ بالاعتذار، وتهذيب أداء وسائل الإعلام السمعي والبصري، وتطبيقات وسائل التواصل، والثقافة، وحتى المخاطبات الإدارية والشعارات المتبناة في مكاتبات الحكومة.

الشخصيات المتعجلة في ردود الأفعال العدوانية مزعجة جدًا، غير أن الإنسان يتعلم من هذه الشخصيات أشياء لا يتعلمها من الشخصيات المهذبة. الشخصيات المهذبة تشعرك بالأمن والدفء والحنان والمحبّة. الشخصية العدوانية تستفز كلَّ شيء فيك، عندما يُستفَز الإنسان يكون قادرًا على اكتشاف ذاته وإنقاذها، وتتطور مهاراته في التعامل مع أصعب البشر. أخطر ما يقوض الحُبّ ردود الأفعال العدوانية المتعجلة، ‏وظيفة الحُبّ تحرير الإنسان وتطهير قلبه من الانفعال العدواني والانتقام والتشفي.

الصفح ممكن، لكن النسيان صعبٌ للغاية، وأحيانًا يتعذّر تمامًا، خاصةً إذا كانت الانتهاكات والجروح التي تركها المعتدي عنيفة. الصفح غير النسيان، النسيان لا إرادي، الصفح قرار يتخذه الإنسان.كلُّ جرح عميق وشم للذاكرة لن يموت أو يُنسى، الصفح يعني امتلاك القدرة على تجاوز الأثر الذي تحدثه الإساءة، والتحرّر من دائرة ردّ الفعل التي يلبث الإنسان في الغالب أسيرها وعيًا وسلوكًا. إلا أن خلاصًا كهذا لا يمحو ذاكرة الانسان، ولا يقوم على محو الأثر الذي لا يمحى. إن ذاكرة كهذه تحمي الإنسان من الشر الأخلاقي، فحين تنعدم تُفقِد الإنسان القدرة على التمييز، وتُعجِزه عن بناء الوعي اللازم للعيش في المجتمع. أن أعرف الناس شيء، وأن أصفح عنهم شيء آخر. الصفح ليس سهلًا، وإن كان ضرورة للعيش المشترَك، لأنه صوت غفران. الصفح أصعب من الثأر، لأن ما ليس من نوع الفعل أصعب مما هو من نوعه. الصفح فعل أخلاقي يتحرر من سطوة الغضب وتغلبه على إرادة الإنسان. الثأر ردّ فعل من نوع الفعل، لكن الثأر بالقدر الذي يفرغ غضب الإنسان يمثل تحديًا لقدرته على التسامي الأخلاقي والنجاح في تجاوز الأحقاد والضغائن.

لا يظفر الإنسان بالسلام الداخلي والقدرة على الصفح ما لم تتحقّق ذاته بالمحبّة والرحمة، لو تسامى الإنسان يستطيع أن يعفو عن الإنسان الذي يؤذيه ويطعنه من الخلف، بل يمكنه أن يُحسن إليه ويكرمه، إلى الحدّ الذي يخجله في خاتمة المطاف، وربما يُقبِل على مَن يصفح عنه بمحبّة. الصفح عن الصديق الذي مارس الغدر معك أشقّ على النفس من الصفح عن العدو. يتفوق الإنسان بقدرته على التعامل الأخلاقي النبيل، وقدرته على العفو والغفران. الإنسان الذي يستطيع أن يغفر ما أمكنه ذلك، يحمي سلامه الداخلي، ويحمي الإنسان الذي يؤذيه من ردود أفعاله الانتقامية. الغفران تجربة للعيش تطهر روح مَن يدرب نفسه على ممارستها، في كلّ مرة يمارسها يتذوق ثمرتها المطهرة للروح من الضغينة والانتقام. ممارسة الغفران ضرورة لحماية أواصر العلاقات الإنسانية داخل العائلة والمجتمع، وتنمية روافد المحبة والتراحم. حتى لو تعلم على الغفران والصفح، يظلّ يتألم الإنسان ممن يؤذيه، غير أن هذا الأذى يكون مؤقتًا، لأنه يستطيع أن يعفو عنه بعد مدة ليست طويلة، لئلا يتصدع سلامه الداخلي، ولئلا يمسّ غيره سوء من غضبه.

[1] يرى مؤرخون أن هذه الحرب حدثت قبل ظهور الإسلام، في النصف الأول من القرن الخامس الميلادي، بين سنوات 494م و534م تقريبًا.

 

https://alsabaah.iq/109609-.html

يعرف قيمة الحُبّ مَن يعرف مشقة الكراهية

د. عبد الجبار الرفاعي

الحياة صراع أبدي، صراع مع أقدارك المفروضة عليك بالولادة والجينات، صراع مع التضادّ داخل ذاتك، صراع مع أولئك الأشرار في هذا العالم، صراع مع الطبيعة وقوانينها القسرية وما تباغت به الإنسان من كوارث وأوبئة، وصراع مع الشركاء في الأرض من مختلف الكائنات المتوحشة والحشرات وغيرها. الإنسان يتعلم الصراع منذ بداية حياته، ويظل يصارع الطبيعة والكائنات الأخرى وأخاه الإنسان ما دام حيًّا. الصراع قدر الإنسان في الأرض، وهو بالقدر الذي ينهك الإنسان ويستنزف طاقاته، يظل أحد أعمق الدوافع للإبداع وانبعاث المواهب وبناء الحضارة، بوصف الصراع تحديًا للفرد والمجتمع، ولا تتفجر قدرات الإنسان المختلفة ويبدع بلا تحدٍ.

مادامت الحياة تقوم على الصراع وهو ليس طارئًا في الحياة، فمن الخطأ تربية الأبناء في عوائلنا ومدارسنا على أن العالمَ خيرٌ محض، وأن الشرّ طارئٌ والخير فقط هو الأصيل. ذلك ما يتسبّب بصدمات وانهيارات نفسية وعصبية وقيمية حادة للإنسان، بعد أن يكبر الأبناء ويصطدمون بالواقع المرير. الواقع يفرض على الإنسان أن يعيدَ النظر بفهم ذاته وفهم غيره، وتفسير تناقضات الحياة المختلفة، والسعي للخلاص من ضراوة تحدياتها الموجعة. ‏لا يمكن أن تكون الحياة كلها سعادة وفرح ومرح وابتهاج وسلام ومحبّة ورحمة صافية. لو فرضنا وجود هذا النوع من الحياة يسود في الأرض تتعطل حياة الإنسان، ويتسلط عليها التكرار والملل، ولن يحدث أي تغيير في الحياة، ويتوقف كلُّ شيء عن التطور والتكامل، لأن التطور والتكامل نتيجة طبيعية للتضاد. ‏لا يعرف قيمة السعادة مَن لا يعرف عذاب الألم، ولا يعرف قيمة الفرح مَن لا يعرف نكد الحزن، ولا يعرف قيمة الحُبّ مَن لا يعرف مشقة الكراهية، تٌعرَف الأشياء بأضدادها.

أخصب دروس الحياة تتلخص في معرفة الأشياء بأضدادها، من حروب الأديان وآثارها الكارثية أمس واليوم يتعلم الإنسان أن الله ليس عدو الإنسان، وأن الدينَ يمكن أن يكون صوت صفح ورحمة وإحسان، وأن الإيمان صوت غفران. ومن تفشي الكراهية يتعلم الإنسان أن الكراهية لا تنتج في العلاقة بالإنسان المختلِف إلا كراهية مضاعفة، تُمرِض القلب، وتُسَمِّم الروح، وأن الحُبّ لا ينتج في العلاقة بالآخر إلا حبًّا مضاعفًا، يبثّ السلام في الروح، ويبهج القلب. وبتكريس الحياة الروحية، وإيقاظ الضمير الأخلاقي، وامتلاء القلب بالمحبّة، يتعلم الإنسان كيفية التحرّر من أغلال الكراهية، والاحتماء من الشرّ الأخلاقي.

الإنسان كائن شديد التعقيد، من الصعب جدًا تفسير دوافع سلوكه، وتفسير بواعث مواقفه، وطبيعة شخصيته. بقدر ما يمتلك الإنسان من قدرة على البوح والتصريح والكشف يمتلك قدرة مضاعفة على الاختباء خلف أقنعة تحجب ما يكمن في ذاته العميقة. الإنسان بطبيعته مستعد للشر كما هو مستعد للخير أيضًا، لكن قوة محرضات الشر وتفشيها في الواقع تستفز الاستعداد للشر في داخل الانسان ليتفجر الشر بالفعل.

يصعب على البشر صناعة الحُبّ، لكن يسهل عليهم صناعة الكراهية، البشر يميلون للشر أكثر من الخير، وللكراهية أكثر من المحبّة، لن يختفي الشر الأخلاقي ما دام الإنسان إنسانًا. مادام الإنسان إنسانًا فهو يكذب ويراوغ وينافق ويكيد ويمكر ويسفك الدماء. القوانين والعقوبات والقيم الأخلاقية والأديان‏ والثقافات تهدف إلى خفض وتيرة الشرّ إلى أدنى مستوى ممكن، ولولاها لتحوّل الناس إلى أكلة لحوم البشر.

الإنسان كائنٌ لا تسعده نجاحات غيرِه، أكثر الناس يحزن في أعماقه من أيّ منجزٍ ثمين يقدمه قرينه، وإن كان كثير منهم يُظهِر خلاف ما يبطن. وربما يتفاقم حزنه فيتحول إلى موقف عدائي يضج بالحقد والضغينة أحيانًا، وقد يورطه الموقف العدائي بالغدر بأقرب الناس من الأقرباء والأصدقاء؛ لا لشيء إلا لتفوقهم عليه.

قلما نشهد محبّة ليست مشوبة بالكراهية، إلا محبّة الله تنفرد بأنها محبّة صافية، وقلما نرى الإنسان الأخلاقي الذي يعيش الحياة بوصفها سلسلة مواقف تسعده إن أسعد غيره. افتراض علاقات بين الناس تخلو تمامًا من الكراهية افتراض طوباوي غير واقعي. حضور الكراهية في الحياة بموازاة حضور المحبّة أبدي، وهو تعبير عن الصراع المستمر في الأرض، والأضداد في الطبيعة الإنسانية. القوانين والكوابح العقابية والأخلاق والدين والثقافة والعلم والمعرفة والتربية السليمة والتعليم،كلها تخفض كثيرًا من الآثار الفتاكة للكراهية في حياة الأفراد والمجتمات، وتكرّس السلم المجتمعي، وتجعل حياة الإنسان أسهل.

على الرغم من أن الحُبّ يغذي النرجسية، إلا أنه أحيانًا يضخمها إلى درجة تفسد الحُبّ، حين ‏ يسرف بعض المحبين بالثناء على ذاته، والإفراط باستعمال كلمة “أنا” بشكل مبتذل، وتكرار الإعلان المثير عن مزاياه وما يتفوق به على غيره، بأسلوب تسوده كثير من المبالغات وحتى الأكاذيب، ويظل يلح وهو يدعو حبيبه للإصغاء إليه كلّ مرة لإعادة هذه الكلمات المملة، ولا يسمح له بالتحدّث عن ذاته، وكأنه يبلغه رسالةً بالتفوق عليه ‏وعلى غيره، حتى يشعر مَن ينصت إليه بالاشمئزاز من الحديث والتواصل معه.

يحُبّك الآخرون بقدر براعتك في بناء صورتك المضيئة في أذهانهم، وقدرتك على إشعارهم بالمعنى الجميل الذي تمنحه لحياتهم، ‏وصناعتك لسردية ٍكلماتها الحُبّ الصادق، تكتب فيها روايتك المضيئة لصورتك؛ عبر لغتك العذبة ومواقفك الأخلاقية وسلوكك النبيل، وتعيد بنائها بألوان بهيجة، بنحوٍ ترتسم وتترسخ في مشاعرهم بالتدريج.

ليس بالضرورة أن يظل الحُبّ حيًّا يقظًا في محطات حياة الإنسان وتقلباتها ومنعطفاتها المختلفة، إلا إن كان تجربة تعيد خلق الذات بطور وجودي أسمى. الحُبّ بوصفه ذكرى مقيمة في القلب غير الحُبّ بوصفه طورًا وجوديًا يعيشه الإنسان في محطة من محطات حياته المتنوعة. لا يدوم الحُبّ إلا بالتواضع، والتكافؤ في المحبّة، والاعتراف بالحق في الخطأ، والحق في الاختلاف، والحقّ بالاعتراف بالخطأ، والحقّ بالاعتذار.

الحُبّ الذي لا يثري حياة الإنسان، ولا يُشبِع روحه بالمعنى، ليس حُبًّا أصيلًا، مثل هذا الحُبّ ينبغي أن يتخلص الإنسان منه، لأنه ربما يتحول إلى سمّ قاتل. بعضهم يستغلّ مَن يعلن حُبّه، وإن كان لا يحبّه بالعمق، فيستخدمه للفرار من نفسه، وكسر عزلته، وعجزه عن حلّ مشكلاته، وعدم قدرته على التصالح مع ذاته والثقة بها. وهذا حُبّ زائف، إذ سرعان ما يستغني عنه الإنسان لحظة توكيد ذاته واستعادة شيء من ثقته بنفسه، وعبور مشكلاته، والتخلص من عزلته.

أحيانًا يتحول الحُبّ إلى قناع لإنسان طفيلي بارع بالابتزاز والخديعة العاطفية، يختبئ خلف قناع الحُبّ. يمكن أن أصف هذا الإنسان بـالمتسول للعطف والشفقة، العاشق لتمثيل دور الضحية في الحياة، وهو لا يحبّ أحدًا حُبًّا حقيقيًا. مثل هذا الإنسان يترقب من الآخرين احترامه وإكرامه ومحبّته، وكأن تلك وظيفة الناس حياله، من دون أن يبادر هو بموقف عملي يدلل على العطاء العاطفي أو المادي لمن يكرمه ويحيطه بالمحبّة. ينبغي ألا نترقب من الإنسان الآخر أن يحُبّنا ويحترمنا ويكرمنا من دون أن نبادر نحن بالمحبّة والاحترام والإكرام. مَن يبادر بالإحسان والتراحم والمحبّة ينبغي إكرامه ولو بكلمة محبّة صادقة. الإحسان المبادرة بالإحسان، التراحم المبادرة برحمة خلق الله، الاحترام المبادرة باحترام الانسان، المحبّة المبادرة بالمحبّة. يتجذّر الإحسان بالمبادرة بالإحسان، يتجذّر التراحم بالمبادرة برحمة خلق الله، يتجذّر الاحترام بالمبادرة باحترام الإنسان، تتجذّر المحبّة بالمبادرة بالمحبّة.

كلُّ شيء ينشد فيه الإنسان التكامل يمكن أن يستعبده في خاتمة المطاف، العبادة والصلاة وسيلة للتطهر، فلو انقلبت الوسيلة إلى غاية تفسد العبادة. العبادة والصلاة تهدف لطهارة الإنسان، فإذا صارت الصلاة والعبادة غاية بذاتها ونسي الإنسانُ اللهَ استعبدت الإنسان. الحُبّ يتكامل فيها الإنسان حين يستثمره بما يثري حياته، لكن حين تتحوّل صورة المحبوب إلى صنم يفسد الحُبّ. لو تحول الحُبّ إلى مسعىً لامتلاك كلِّ شيء في شخصية المحبوب وحياته، يصير ضربًا من الاستعباد الممقوت. الصنمية تهشم الذات، إذ يتحوّل معها الإنسان شبحًا، تُمحى في شخصيته ملامحه الخاصة.

الصنمية عبودية مهما كان نمط الصنم، حتى في الحبّ؛ حين يصبح المحبوب صنمًا يغدو المحبّ عبدًا. طالما تشكلت صورة صنمية للمعشوق في خيال العاشق، تحجب ما هو مزعج في شخصيته، وتخفي صورته الحقيقية. لا يصحّ الوثوق دائمًا بخيال العشاق، العاشق غالبًا ما ينسج صورة للمعشوق غارقة بالأوهام، صورة تتشكل في إطار احتياجاته النفسية الملحة، لمشاهدة جمال موهوم لصورة يحتاجها بشدة، ولا يريد أن يرى الشخصية الواقعية. حين يستفيق أكثر العشاق بعد مدة، يكتشفون أن هذه الصورة افتعلها خيالهم لتلبية احتياجاتهم النفسية، وهي لا تشبه هذا الإنسان الذي تعرفوا عليه عن قرب. العاشق يريد ألا يرى في تلك الصورة إلا الضوء والجمال والنبل، ومن النادر أن نرى إنسانًا كلَّه ضوء وجمال ونبل خالص، الإنسان الذي يكون كذلك يخرج كليًا عن طبيعته الإنسانية.

 

https://alsabaah.iq/109211-.html

 الحُبّ يهزم قلقَ الموت

د. عبد الجبار الرفاعي

أثرُ العاطفة والمحبّة والأخلاق في التربية والتعليم أكبرُ من أثر العقل، إذا أراد أحد الأبوين وهكذا المعلّم التأثيرَ الاستثنائي في أبنائه وتلامذته عليه أن يبدأ بالحديث إلى قلوبهم. داخل كلّ إنسان طفلٌ صغير يتوق بشغف إلى الاعتراف والثناء والحُبّ، ولو كان ذلك مجرد تحية أو كلمة امتنان صادقة من أيّ شخص صادق. عندما تصلني رسائل من أشخاص لا أعرفهم، أحرص دائمًا على الرد عليها، تكريمًا لمبادرة المرسِل وامتنانًا لتواصله وتحيته. أنا أُدرك جيدًا قيمة العطاء المعنوي وتأثيره العميق في بناء العلاقات الإنسانية وترسيخها، العطاء يخلق جسورًا من الاحترام والمودة بين القلوب.

أي إنسان مهما كان قويًا، وإن تنكر لحاجته، ‏لا يستطيع أن يستغنى عن الصلة الوجودية بالله ليحتمي من الاغتراب الميتافيزيقي، ومَن يتيه في طريقه إلى الله يتوكأ على مطلقٍ متخيَّل بديلًا عن الله. كذلك لا يستطيع الإنسان الاستغناء عن صلة معنوية تمنح حياته معنىً بالإنسان الآخر. الحُبّ أعذب تعبير عن الصلة المعنوية بالإنسان الآخر، المهم نوع الإنسان الآخر الذي نتواصل معه، أكثر الناس غير قادرين على العطاء العاطفي والإلهام الروحي، لذلك ينبغي أن ينتقي الإنسان أولئك الأخلاقيين القادرين على منح حياته أعذب معانيها. الحُبّ الأخلاقي الأصيل لا ترتقي إليه إلا القلوب السليمة من الأمراض.

تتجلّى قوّةُ الحُبّ في البناء لا في الهدم، وفي قدرتِه الفريدةِ على تنمية العلاقات الإنسانية السليمة وترسيخها. الحُبّ يمتلك طاقةً خلّاقةً تُعزّز أسس الحياة الأصيلة، وتكرّسُ استمرارها بنبضٍ متدفِق، ينجذب الإنسان لمَنْ يُسمِعه نداء قلبه. الحُبّ هو الكيمياء المشتركة التي تجعل القلوب تتحقّق بطورٍ وجوديّ أشبه بضوءٍ لا يشوبه ظلام. إنه أساسُ الحياة الأصيلة وجذرها الأعمق.كما تهزم إرادة الحياة والإنجاز والعطاء قلقَ الموت، الحُبّ يهزم قلقَ الموت أيضًا.

يموت كلُّ معنىً جميل في حياة الإنسان لحظة يموت الحُبّ في الأرض. عبر الاستثمار بالحُبّ في التربية والتعليم والثقافة والإعلام وخطب الجمعة والوعظ الديني، وتكريس الحُبّ بوصفه قيمة ملهِمة للعيش المشترك، يتمكن الإنسان من خفض الآثار الفتاكة لغريزة العدوان، وما يتوالد عنها من كراهيات وحروب. قلّما يحضر الحُبّ في سياساتنا وإعلامنا وثقافتنا وكتاباتنا وفنوننا وآدابنا وتديننا ومنابرنا وأحاديثا ونقاشاتنا، على الرغم من أن الحُبّ أسمى معاني الحياة وأعذب ما تهبه للإنسان.

إنتاج الحُبّ أصعب أنماط إنتاج المعنى العذب في حياة الإنسان، مَن يمنحك الحُبّ يمنحك أجمل شيء لأنه يمنحك معنى الحياة، من يسلبك الحُبّ يسلبك معنى الحياة. الحُبّ شحيح في مجتمعاتنا،كثير من وسائل الإعلام وتطبيقات وسائل التواصل تثير الضغائن والأحقاد، وتفجّر المكبوتات التاريخية، وتنبش ما هو مودع في الذاكرة العتيقة، وتثير ما هو مكبوت في اللاشعور الجمعي من صراعات وحروب الطوائف، وتسمّم الفضاء العام بروائحه المميتة. مَن يتحدّث عن الحُبّ والعيش المشترك والسلام المجتمعي ويكتب في هذه الموضوعات يعيش غريبًا، بل إن بعضهم يرى كتابته وحديثه مستهجنًا.

الاستثمار في الحُبّ يجعل الحياة تتسع لقبول المختلِف والعيش معه بسلام، تعزيز الحُبّ وإثراؤه بالتربية والتعليم والإعلام والثقافة والمنابر والوعظ الديني تعزيزٌ وإثراء للسلام المجتمعي والعالمي. تضيق الحياة كلّما ضاقت مساحة الحُبّ في قلب الإنسان، مثلما تكتئب الحياة كلّما ضاق فضاء الأمل والحلم والمتخيَّل في ذهن الإنسان. الحنان هو المرآة التي تعكس شعورَ الإنسان العميق باحتياجات الآخرين العاطفية، وهو تعبير نبيل عن تحسّس آلامهم ومعاناتهم. الحنان يمثل أسمى تجليات سخاء الروح وإنفاقها للمعنى، هذا النوع من الإنفاق يحتاجه كلُّ إنسان، وهو أثمن بكثير من إنفاق المال، لأنه يؤسّس البنية الضرورية للمودة والتعاطف والتراحم في حياة أي مجتمع. إنفاق المعنى يفيض بأصدق أنماط السخاء الأخلاقي الذي يحتاجه كلُّ إنسان، خاصةً في لحظات المرضِ والحرمان والأسى. أسخى الأرواح وأكرمها هي الأرواح التي تحتفل بنجاحات الآخرين، تفرح لفرحهم، وتحزن لحزنهم. القلب الذي يبتهج بسعادة الإنسان، وإن كان بعيدًا عنه، هو قلب يعيش بالحُبّ وللحُبّ، هذا القلب يحتفل دائمًا لحظة يسكب حُبّه بأوعية الكلمات الصادقة ويسر بها أيّ إنسان.

بعض الناس لا يكترث بفاجعة الآخرين، فلو حدثت كارثة طبيعية ونكبة لمجتمع آخر يبتهج، وربما يشعر بأنه ومجتمعه لا يتقدّم إلا بانحطاط المجتمعات المتقدّمة في العالم. وكأنه لا يعلم أن تقدّم أي مجتمع يتوقف على بناء قدراته باستثمار مكامن القوة لدية على وفق المناهج العلمية للتنمية الحديثة، فضلا عن أن حاضر الإنسانية ومصيرها مشترَك، ما يعني أن نكبة أيّ مجتمع هي نكبة للإنسانية بأسرها، وأن تطور أيّ مجتمع هو تطور تنعكس مكاسبه على الإنسانية بأسرها. يتقدم المجتمع إن كان يفكّر تفكيرًا علميًا يواكب ما تنجزه العلوم والمعارف والتكنولوجيات المتقدمة في بناء وتعزيز مختلف مؤسساته وبناء دولته الحديثة، ويوظِّف مكاسب الحقوق والحريات في الميثاق العالمي لحقوق الإنسان، بوصفها رأسمالًا كونيًا مشتركًا لا يختصّ بمن أنجزه، بل يمكن أن تستثمره أيّة دولة تتخلص من الاستبداد والحكم الشمولي، وكان إنسانها قادرًا على الانفتاح على المختلِف، وتجاوز العناصر المعطلة في تراثه، والتحرّر من انغلاق هويته وتصلبها وعجزها عن استيعاب الجديد وتوظيفه في البناء والتنمية.

مَن لا يشعر بآلام الإنسانِ، مات في داخله اللهُ والإنسان. شعور الإنسان بالمسؤولية الأخلاقية تجاه الإنسان الآخر يفرضها الضمير الأخلاقي السليم، يؤنب الإنسانَ الأخلاقي ضميرُه عند ارتكابه خطأ أو تجاوزا أو خطيئة بحقّ أيّ إنسان. حقوق الإنسان وحمايةُ كرامته وحرياته هي حقوقُ الله. الطريق لا يصل إلى الله إلا عبر ‏احترام الإنسان وتكريمه، وحماية حقوقه وحرياته. يتراءى التقصيرُ بحقّ الله عندما يرتكب الإنسان خطأ أو تجاوزا أو خطيئة تنتهك حقوقَ الإنسان وحرياته. بعض الناسِ يتهرب من أية مسؤولية أخلاقية تجاه الغير، يترقب تضحيةَ الكلّ من أجله، من دون مكافأة أحدٍ حتى بكلمة شكر. التهربُ من المسؤولية ضربٌ من خيانة الضمير الأخلاقي، تحمّلُ المسؤولية ضربٌ من التضحية،كلُّ تضحيةٍ تمنحُ الإنسانَ معنى جديدًا لحياته لا يتذوقه خارجَها. التضحية بكلِّ مستوياتها وأنواعها وتعبيراتها تُسعِد مَنْ يضحّي، سواء أكانت التضحيةُ بإنفاق المال أو الجهدِ أو الراحة أو الوقت، أو الشفقة على أنين الضحايا والبؤساء والصبرِ الطويل على إغاثتهم ماديًا وعاطفيًا، أو غير ذلك من المبادرات الإنسانية لإسعاد الغير. تحمّلُ المسؤولية ينتقل بالإنسانِ إلى طورٍ أخلاقي أنبل، لأنه يتقاسمُ حياتَه مع إنسان آخر، ويسهم بجعل العالَم الذي يلتقي فيه الجميع أجمل. تحمّلُ المسؤولية تجاه العائلة والمجتمع والوطن والطبيعة وغيرها من أسمى ما تتجلى فيه إنسانيةُ الإنسان. ما يواجه الإنسانَ الأخلاقي من متاعبَ وآلام من أجل إسعاد الغير لا يرهقُه بل يشعرُه بالرضا والغبطة.

قدرات الإنسان أضعف من تحمل آلام الحياة الموجعة ومراراتها. التضامن الروحي والأخلاقي في العائلة والمجتمع يعزّز قدرات الفرد والمجتمع على تحمل الآلام، ويثري الأمن العائلي والمجتمعي، بما يمكّنهم من عبور تلك الآلام والمرارات بلا جروح أبدية نازفة، لكن مثل هذا التضامن أضحى قليلاً في مجتمعنا. أتذوق روحيا وأخلاقيا نكهة التضامن مع كلّ مَن يتألم في هذا العالم. أن تزور مريضا أو تهاتفه، أو تفرّج عن مكروب، تثري حياتك قبل أن تثري حياته، تمتلك حياتك معنى لم تمتلكه من قبل. لحظة زيارتك يشعر المريض أنه مازال هناك ما يستحقّ العيش من أجله في هذا العالم، يفيض عليك هذا المريض طاقة إيجابية، تؤثر في الشفاء من آلامك قبل شفائه من آلامه. لكلمة المحبّة الرحيمة الدافئة مفعول سحري يداوي جروح الروح. الكلمة الآسرة تأسر الروح، الكلمة العنيفة تجرح الروح.

https://alsabaah.iq/108543-.html

 

 

 

يتسع القلب للرحمة كلما اتسع بالمحبّة

د. عبد الجبار الرفاعي

لا تستقل المحبّة غير المشروطة عن الرحمة، الأكثر محبّة أكثر رحمةً وحنانًا، يتسع القلب للرحمة بقدر ما تضيؤه المحبّة.كلما اتسع القلب بالحُبّ اتسع فيه فضاء الرحمة، وصار القلب منبعا غزيرًا للحنان والعطف والرفق والشفقة. أنا شخصيًا، مع كل هذا العمر وكلّ الثقة التي أستمدها من المحبين، ما زلت أحتاج إلى الرفق والرأفة والعطف والشفقة والرحمة، بمعانيها الأخلاقية العميقة. أدرك جيدًا شيئًا من عجزي وأعي مواطن هشاشتي وفقري واغترابي الوجودي. أرفض الشفقة لحظة تأتي بمعنى العطف الاستعلائي، الشفقة عندما تصدر من موقع علوّ تصير غطرسة بلهاء، تمحق أثرها المنشود لعزاء الروح ومداواة جروحها، ويتعطل أثرها كبلسم، ولا يتذوق الإنسان فيها العطفَ والرأفةَ والحنانَ الذي ينشده. الإنسان في لحظات الأسى يحتاج إلى المواساة والعطف والشفقة أكثر من أيّ شيء آخر، لتكون سندًا يعيد إليه شيئًا من التحمل والأمل والسكينة.

الرحمةُ حالةٌ، الشفقةُ حالةٌ، المحبّة حالةٌ،كلُّ حالةٍ أمر وجودي يتجسّد في موقفٍ وفعلٍ يعبّر عنه. مكافأة الرحمة غير المشروطة التحقّق بالرحمة، مكافأةُ الشفقة غير المشروطة التحقّق بالشفقة، ومكافأة المحبّة غير المشروطة التحقّق بالمحبّة، ذلك ما يسمو بالإنسان ويرتقي به إلى مقام أخلاقي نبيل.

عندما تموتُ الرحمةُ في القلب، تموت إنسانية الإنسان. الرحمةُ هي الأصل لكلِّ حالات تسامي الروح وإشراقها، فهي ما يمنح الحياة بُعدها الأخلاقي السامي. للحُبّ صلة عضوية بالرحمة، الحُبّ يؤثر ويتأثر بالرحمة، والرحمة تؤثر وتتأثر بالحُبّ. الحُبّ يتجذر بالرحمة، والرحمة تتجذر بالحُبّ،كلاهما يعزّز الآخر ويثريه في سياق التكامل الإنساني. ومع ذلك، لا الحُبّ ‏ولا الرحمة بديلان للعدالة والعقوبات والقوانين والأنظمة والخطط والبرامج الضرورية لبناء الدولة وإدارة شؤون الناس، وحماية الحياة الشخصية والمجتمعية من الشرّ الكامن داخل الإنسان.

المحبّة والرحمة ليستا بديلًا عن القانون العادل في بناء أية جماعة بشرية أو تأسيس أي دولة. الظلمُ مقيمٌ في الأرض، وعيش الإنسان وتأمين متطلباته الحياتية يفرض عليه الكدح والتنافس والصراع. القانون العادل وتطبيقه على الكلِّ بلا تمييز يمنع من أن ينتهي تأمينُ الإنسان لمصالحه ومتطلباته إلى نزاعات دموية وحروب عدوانية مزمنة. القانون العادل هو الإطار الذي يُحكم به التنافس والنزاع واحتواء الصراعات المختلفة والخلاص من آثارها الموجعة في تصدع الأمن والسلام. تضيف المحبّة والرحمة بعدًا إنسانيًا يعمّق الروابط ويحدّ من القسوة والعنف، فتتكامل صورة الحياة الجيدة.

الحُبّ كيمياءٌ تصهرُ عناصرَ متنوعة في حياة الإنسان فتنتج توليفةً كأنها إكسيرٌ يحوّل كلَّ شيء داخل الإنسان إلى نفيس، وكذلك تفعل الرحمةُ عندما تنطقها لغةُ القلب المشفِقة، الرحمةُ تعيدُ ترميمَ كلِّ شيء تتفاعل معه في حياة الإنسان؛ تشفي جروح الروح، وتبعث طاقة حيوية تعيد بعث الأمل في الأرواح اليائسة. الحنانُ والرحمة والشفقة والحُبّ شجرة واحدة، على الرغم من أن جذر هذه الشجرة المحبّة غير المشروطة، إلا أن كلَّ واحدة منها تعيد إنتاج الأخرى على شاكلتها وتسقيها وتغذّيها.

الحنان شحيحٌ في مجتمعنا، نادرًا ما تجد إنسانا يفيض الحنانَ على من حوله، للحنان سلطة خفيّة تأسر القلوب، وتعيد خلق العلاقات الإنسانية بأجمل صورها، وتحميها من التصدّع والانهيار. الحنان ترياق مدهش تخضع له القلوب طوعا، وإن كانت قاسية. لغة الحنان صوت الله في روح الإنسان. بصمة كلمات الحنان ضوءٌ لا يموتُ لو تشبع فيه قلب إنسان، وهذا ما يخلّد كلمات الأبوين والأم خاصة في قلوب الأبناء، مهما كانت عفوية، كلُّ كلمة معطرة بالحنان لن تموت. ما يمكثُ في القلبِ، مهما امتدَّ عمرُ الإنسانِ، وأعذبُ ما يرثُهُ الأبناءُ من الأمهاتِ والآباءِ، هو كلماتُ ومواقفُ ومبادراتُ الحَنانِ الدافئةِ. تظهرُ طاقةُ الحَنانِ في عبورِهِ من جيلٍ إلى آخرَ داخلَ العائلةِ الواحدةِ، إذا كانَ حاضراً بكثافةٍ في حياةِ هذه العائلةِ، ويتربى عليهِ الإنسانُ منذ طفولتِه. قوة أثر كلمات الأنبياء وذوي الحياة الروحية الطاهرة تكمن في أن كلماتهم تذهب للقلب قبل العقل، ما يمنحها قدرة استثنائية على تغيير الإنسان وإيقاظ ضميره وعواطفه. ذوي الحياة الروحية الطاهرة يدركون جيدًا ديناميكية التغيير بلا كراهية وإكراه، فيتلقى تلامذتُهم ومَن يتعلمون على أيديهم الكلمات بمحبّة كقناعات راسخة، خلافًا لما يفعله غيرهم كالأيديولوجيين والزعماء السياسيين الذين يفرضون أوامرهم على غيرهم.

الحياة شبكة من المصالح المتبادلة، وهذه المصالح أوسع من أن تُختزل في الجانب المادي فقط، فهي تشمل الجوانب المعنوية أيضًا. عاصرتُ أناسًا متغطرسين لا يطيقون التعامل إلا مع من يدور في فلكهم، ولا يتوقف عن التصفيق لهم. هؤلاء يحترفون الذم والهجاء والشتيمة، حتى أنهم لو لم يجدوا شخصًا يستهدفونه، لجأوا إلى شتم أنفسهم. تفوّق هذه الشخصيات الشوهاء الوحيد يكمن في تضييع الأصدقاء وصناعة الأعداء. يعيشون وكأن الله خلق البشر عبيدًا لهم، يسعون للحصول على كلِّ شيء من الناس، دون أن يكونوا مستعدين لتقديم أي شيء في المقابل.

هناك فرق كبير بين التعامل الاجتماعي مع الإنسان وفهم سلوكه وتناقضاته بعمق. فهم الإنسان يتطلب النظر إليه من خلال عدسة علم النفس، والتربية، وعلم الاجتماع، ومعطيات العلوم والمعارف الحديثة المختلفة. هذا الفهم يُمكّننا من تفسير دوافعه وسلوكياته بعيدًا عن السطحية. أما التعامل الاجتماعي مع الإنسان، فيجب أن ينضبط بالمعايير الأخلاقية، حتى لو كان الشخص الذي نتعامل معه لا يلتزم بهذه المعايير. إذا كان كاذبًا، فكن أنت الصادق. إذا كان خائنًا، فكن أنت الأمين. إذا كان مراوغًا، فكن أنت المستقيم. وإذا كان مدلسًا، فكن أنت الواضح. صحيح أن التعامل بالحسنى مع بعض الأشخاص الذين يعانون من أمراض نفسية أو أخلاقية حادة قد يبدو أمرًا شاقًا، وأحيانًا لا يُطاق، وقد جربت ذلك مرارًا، مع ذلك، يفرض علينا الضمير الأخلاقي أن نعاملهم بالحسنى، ما دامت العلاقة ممكنة. ولكن عندما نصل إلى مرحلة لا نستطيع فيها تحمل هذه العلاقة، يكون من الضروري الابتعاد عن هذه الشخصيات المريضة والسامة حفاظًا على سلامتنا النفسية والأخلاقية.

لا أقبل ما يقال عن ضرورة محبّة الأعداء، ولا إعلان كراهيتهم والانشغال بهم. لا أدعو لما هو غير واقعي في كتاباتي، أتحدث على وفق ما تطيقه الطبيعة الإنسانية. محبّة الأعداء أوهام غير واقعية، المحبّة حالة وجودية لا يمكن إكراه القلب عليها، يمكن ترويض القلب على التحرّر من كابوس الكراهية. الممكن هو كراهية أفعالهم ومواقفهم، والتعامل برفق ولطف ومداراة معهم ما أمكن ذلك. ما هو غير واقعي في المحبّة ربما هو متعذّر في غيرها، يمكن أن يكون غير الواقعي في غير المحبّة ممكنًا في بعض حالاتها النادرة، أحيانًا يحدث ذلك لشخصيات استثنائية نادرة من ذوي التجارب الروحية من عشّاق الحقّ تعالى ومخلوقاته ومحبّتهم مهما كانوا. متاعب الحياة أكبر من طاقتنا على تحملها، المحبّة والإيمان تجعلنا أقدر على تحمل هذه المتاعب مهما كانت. الاستثمار في المحبّة ضرورة لحماية الصحة النفسية للفرد والمجتمع، يمكننا التحلي بالمحبّة إن وجدنا مَن يتقبلها ويتفاعل معها بصدق. نبّهت إلى ضرورة تجفيف منابع العلاقات الاجتماعية السامّة مع الناس الذين نكرّر التعامل بالحسني معهم مرات عديدة، لكنهم يلبثون يكرّرون مواقفَهم الشريرة، كلما أحسنا إليهم أساءوا إلينا.

 

إيمان الحُبّ يُطهِّر الأرضَ من الكراهية

د. عبد الجبار الرفاعي

‏ بإيمان الحُبّ والرحمة والجمال يسترد الدين شيئًا من الضوء الذي أطفأه التشدّد والتطرف والعنف، وينقذ الإيمانُ الإنسانَ من القبح الذي ‏يتفشى في تديّن متوحش يثير الاكتئاب في الحياة. الحُبُّ بوصلةُ القلوب المتلهفة للارتواء من كلِّ معنى جميل ‏في الوجود، الحُبُّ أعذب لغة يتحدثها الإنسانُ مع الله، وأجمل معنى لتكريس علاقات ثمينة داخل العائلة والجماعة والمجتمع، لكن الحُبَّ عصيّ على أكثر الناس، ومتعذّر على بعضهم الآخر. ‏عندما يتحدثُ الإنسان بحُبّ، ويقرأ بحُبّ، ويكتبُ بحُبّ، ويبني صلاتِه بكلّ شيء حوله بحُبّ؛ تشرقُ أنوارُ الأبد على قلبه. لا يضيء ‏القلبَ إلا إيمانُ الحُبّ، إيمان الحُبّ يبعث سكينة الروح وطمأنينة القلب، ويُطهِّر الأرض من الكراهية والعنف. لا ينتج الإيمانُ السكينةَ مالم يكن تجربةً وجودية يضيؤها الحُبّ الإلهي. الحُبّ الإلهي مقامٌ لا يتكاملُ فيه الإنسانُ إلا بارتياضٍ روحي وتسامٍ أخلاقي لا يطيقه إلا الأفذاذ.

مَن يريد أن يعيش في أفق المعنى، ويحقّق لقلبه الطمأنينةَ ولروحه السكينة، عليه أن يبدأ باكتشاف ذاته، يبدأ بهذا الاكتشاف أولًا ويواصل رحلة اكتشافه بلا نهاية، ويتعرّف بمختبر الذات على نفسه. من خلال التعرّف على ذاته يعمل على اكتشاف الكينونة الوجودية للإنسان بما هو إنسان، ويتعرّف أكثر على الطبيعة الإنسانية المشتركة، ويروّض نفسَه على احترام معتقدات الإنسان المختلِف وتكريمه، وذلك يتطلب كدحًا شاقًا، وممارساتٍ تربوية روحية وأخلاقية متواصلة. ويعمل باستمرار على تدريب نفسه على التراحم والشفقة على الخلق، ويسعى لمحبّتهم إن أمكنه ذلك، ‏بغضّ النظر عن أديانهم أو معتقداتهم ومذاهبهم وأعراقهم وثقافاتهم، وتلك بدايةٌ ثانية ليس لها نهايةٌ أيضًا. هذا هو الطريقُ الذي يبدأ فيه الإنسانُ أسفاره إلى الله، وهو طريق تتواصل فيه الرحلةُ الأبدية. كلّما واصل الإنسانُ هذه الأسفارَ تكرّست صلتُه بالله وتكامل وجودُه، إذ ينتقل من طورٍ وجودي أدنى إلى طورٍ وجودي أسمى، في رحلةِ تكاملٍ وجودي لا تنتهي ولا تقف عند حدّ. هذا هو الطريق، طريق أسفار الإنسان إلى الله عبر اكتشافِ الذات، واكتشافِ الإنسان المختلِف واحترامِه وتكريمِه ومحبّته. هكذا تبدأ وتتواصل أسفار الذات في رحلة إيمان المحبّة والتراحم.

يبدأ ‏كلُّ ما هو جميل في هذا العالم بالإنسان، ‏يبدأ حُبّ الله بحُبّ الإنسان، ويبدأ حُبّ الإنسان بحُبّ الذات. ‏الإنسان هو جسر العبور إلى الله، مَن لا يحُبّ الإنسان لا يحُبّ الله. ‏لا حُبّ لله يتحقّق خارجَ حُبّ الإنسان. نمط الحضور  الحقيقي للإنسان في الوجود يتحقّق بنمط صِلاته بالآخر، ويستمدّ قوة حضوره أو هشاشتها تبعًا لكيفية صِلاته الأخلاقية بالآخر. محبّة الإنسان الجدير بالمحبة هي الطريق إلى حُبّ الله، وحُبّ الله هو النور الذي لا ينطفئ أبدًا. مَن يدعو إلى حُبّ الله بدون حُبّ الإنسان، أو قبل حُبّ الإنسان، لا يدلنا على الطريق إلى الله. حُبّ الله طريقه الوحيد هو حُبّ الإنسان الجدير بالمحبّة والإكرام. فضاء إيمان الحُبّ ضيق في التديّن الكلامي والسياسي، وأوضح وأوسع حضورًا في التديّن الشعبي تديّن الأمهات والآباء. القلب مرآة الأنوار الإلهية، ‏إن كان صاحُبّ القلب تسعده سعادة الآخرين، ويروّض ذاتَه على رحمة الخلق ومحبّتهم. النداء الإلهي يصغي إليه كلّ قلب يسكنه الحُبّ والرحمة والشفقة في الأرض.‏ عندما يتوطن حُبّ الله قلبَ إنسانٍ يجعله مرآةً تعكس الأنوارَ الإلهية البهيجة.

لا تنبض الحياة بالإيمان إلا أن يكون صلةً متدفقة تغذّيها محبّة الله. الإيمان والحُبّ كلاهما يتكلمان لغة واحدة. الحُبّ بلا إيمان فقير، الإيمان بلا حُبّ عنيف. وحده الإيمان يثري ‏وجودنا ويكرّسه، إن كان الإيمان يتكلم لغة المحبّة والرحمة والسلام. المعنى الكامن في الحُبّ لا يوازيه إلا المعنى الكامن في الإيمان العميق بالله. حُبُّ الله والإيمانُ كلاهما تجليان لحقيقةٍ واحدة. أجمل ما تتجلى فيه روحُ الإنسان أن يكون إيمانها بالله حُبًّا، وحُبّها لله إيمانًا. الإيمان والحُبّ كلاهما يتكلمان لغة واحدة. الإيمان حالة وجودية تُلهمنا سكينةَ الروح، الحُبّ طاقة تُلهمنا تذوقَ أجمل ما في الحياة وتحسّس جماليات الوجود. وحده الإيمان يثري ‏وجود الإنسان ويكرّسه، إن كان الإيمان يتكلم لغة المحبّة والرحمة والسلام. حُبّ الإنسان الجدير بالمحبّة هو الطريق إلى حُبّ الله والإيمانُ به. حُبّ الله والإيمانُ به نورٌ لا ينطفئ، يطهِّر القلبَ من الأغلال والإحَن، ويجعل حياةَ الإنسان الشخصية مشبعة بالسكينة والسلام. مَن يدعو إلى حُبّ الله بدون حُبّ الإنسان، أو قبل حُبّ الإنسان، لا يدلنا على الطريق إلى الله. قلب الإنسان الذي يفيض الحُبّ على غيره أجمل مرآة تتجلي فيها صورةُ الله في الأرض. الحُبّ ضرب من انكشاف الوجود، وتجلي النور الإلهي في الإنسان. تذوق المحبّة الأصيلة يوقظه الإيمان، ويثريه شهود الأنوار الإلهية. أسمى حُبّ أن يرى الإنسان مَن يُحبّه بوصفه مظهرًا يتجلى فيه جمال الله في الوجود. لا يتجلى الله في قلب إنسان كما يتجلى في حالة الفزع، في هذه الحالة وأمثالها تُسعِف المحبّة والإيمان والرحمة النفوسَ الفزعة وتسهم في تضميد جراحها. يتجلّى اللهُ كأجملِ ما يتجلّى في الإنسانِ الذي ينبضُ قلبُه بالمحبةِ والرحمةِ، ويتمسّك بالحقِّ والعدلِ، ويهتمُّ بإكرامِ الإنسانِ واحترامِه، بغضِّ النّظرِ عن دِينِه ومعتقدِه. المحبة بلا شروطٍ ولا حدودٍ نعمةٌ إلهيةٌ، لا يظفرُ بها إلا الأخلاقيون النبلاءُ.

حُبّ الله لا ينتهي ولا يقف عند حد، لا ينطفئ، لا يموت، ولفرط عذوبته يجد مَن يتذوقه الحاجةَ إليه لا تُشبَع ولا تنتهي. أفق التكامل في ‏الحُبّ الإلهي مفتوح، إذ يتسامى هذا الحُبّ ويصفو ويشتدّ إشراقُه إن كرّس الإنسانُ حياتَه لمن يحتاج إسعافًا ورعاية وعطفًا من خلق الله، الحُبّ الإلهي هو الغاية النبيلة لكل حُبّ أصيل. حُبّ الإنسان مالم تكن ضمانتُه حُبَّ الله ‏لا يحمي الإنسانَ في مراحل حياته المختلفة من القلق الوجودي، وأحيانًا تكون مآلاتُ هذا الحُبّ جرحًا نازفًا أو رمادًا تذروه الرياح.

الخطأ بحق الإنسان غير الذنب والمعصية بحق الله. الاعتراف بخطأ الإنسان تجاه نفسه أو الناس، غير الاعتراف بالذنب والمعصية أمام الله. الاعتراف بالذنب والاعتذار لله، سواء كان تعديا على حق الله أو حق الناس أو النفس، غير الاعتراف والاعتذار وطلب العفو من الناس، وتربية النفس على شجاعة الاعتراف. لا حقوقَ لله بلا حقوق للإنسان، لا تتحقّقُ الأولى إلا أن تتحقّقَ الثانية، مَن لا يكترث بحقوق الإنسان لا يكترث بحقوقِ الله، ومن يخطئ بالتعدي على حق الله غير من يخطئ بالتعدي على حق الإنسان. علمُ الكلام التقليدي ينطلق من رؤية تتقدم فيها حقوقُ الله على حقوقِ الإنسان، خلافًا لعلم الكلام الجديد الذي يرى حقوق الإنسان هي الطريق لأداء حقوق الله. الدينُ في ضوء التعريف الذي وضعته له ينشد إيقاظ القيم الروحية والأخلاقية والجمالية وتكريسها، وينطلقُ من رؤية تكون فيها حقوقُ الإنسان سُلّمًا يرتقى فيه الإنسان لحقوق الله. الكرامةُ والمساواةُ والحرية والعدالة وغيرها من حقوق الإنسان، هي ما يُعبَد بها الله، وهي ما ينشدُ دينُه في ضوء هذا الفهم للدين حمايتَها. كلُّ إنسانٍ يريدُ أن يصلَ إلى الله ويؤدِّي حقوقَه عليه أن يبدأ بتأدية حقوق الإنسان أولًا. حقوقُ الإنسان هي حقوقُ اللهِ في الأرض، مَنْ لا يكترثُ بحقِّ الإنسان ولا يهتم به يفشل في الوفاء بحقِّ الله. يتنازل الله عن حقوقه بالتوبة والمغفرة والعفو، لكن سلب حقّ الغير يتطلب تنازل الإنسان المُستلَب حقه عنها.

https://alsabaah.iq/107022-.html