“دروب المعنى” للرفاعي كتاب يعلمك التواضع أمام المعنى

د. مجتبى الحلو[1]

يمتاز كتاب “دروب المعنى في الفلسفة والدين والحب والحياة”، الصادر في جزئين، للدكتور عبد الجبار الرفاعي بأسلوب مميز. يشبه في حركته طائر الفلامنغو حين يبدأ طيرانه قريبا من الأرض، ثم يأخذ بالارتفاع شيئا فشيئا حتى يحلق بعيدًا. هكذا بدا لي أسلوب الرفاعي في هذا الكتاب: يبدأ بأفكار قد تبدو، للوهلة الأولى، بسيطة ومألوفة، أفكار يمكن لأي إنسان أن يفكر فيها أو يقول شيئًا قريبًا منها، لكنه لا يلبث أن يأخذ القارئ معه إلى مسافات أبعد، حتى يجد نفسه أمام أسئلة وأفكار لم يكن يتوقع أن تقوده إليها تلك البداية الهادئة.

يذكرني هذا الأسلوب بشعراء المدرسة الرومانسية، وعلى رأسهم ويليام ووردزورث، الذي أراد أن يجعل الإنسان العادي وحياته اليومية ولغته البسيطة مادة جديرة بالشعر والتأمل. جاءت الرومانسية في سياق ثقافي كان لا يزال متأثرًا بهيبة العقلانية ولغة التنظير الفلسفي في عصر التنوير، لذلك بدت بساطتها، في أحد وجوهها، نوعًا من التمرد على اللغة التي تجعل المعرفة حكرًا على طبقة محدودة من القراء. لم تكن المسألة أن فلاسفة التنوير جميعا تعمدوا إقصاء الناس بلغة معقدة، بقدر ما أن الخطاب الفكري السائد كان قد اكتسب لغة اصطلاحية ونخبوية يصعب على القارئ العادي الدخول إليها.

ولهذا كان ظهور الرومانسية بلغتها القريبة من التجربة اليومية تحولا لافتًا في المشهد الأدبي الأوروبي، ولا سيما في إنكلترا. وقد دافع ويليام وردزورث “1770 – 1850” الشاعر الرومانسي الإنجليزي عن هذا الاختيار في مقدمته الشهيرة لـ “القصائد الغنائية” حين تحدث عن الاقتراب من اللغة التي يستخدمها الناس في حياتهم الفعلية، وعن البحث في المشاعر الإنسانية الأساسية بعيدًا عن الزخرفة المصطنعة. لم تكن البساطة عنده فقرًا في الفكرة، وإنما كانت محاولة لجعل العمق كامنًا تحت سطح يبدو صافيًا ومألوفًا. وربما هنا تحديدًا أجد الصلة بينه وبين الرفاعي: الفكرة لا تحتاج دائمًا إلى أن تبدو معقدة كي تكون عميقة، وأحيانًا يكون بلوغ البساطة أصعب من إنتاج التعقيد.

لا أعرف إن كان الرفاعي قد تعمد في هذا الكتاب العمل بهذه المنهجية أم أنها حالة طبيعية من أسلوبه في الكتابة والتفكير، لكنني وجدت شبهًا واضحًا بين طريقته وبين ذلك التحول الذي أحدثته الرومانسية في مفهوم الكتابة. القارئ لا يشعر منذ البداية أنه يدخل إلى معركة فلسفية أو إلى شبكة ثقيلة من المصطلحات، وإنما يدخل من باب تجربة إنسانية مألوفة، ثم يكتشف، بعد صفحات، أنه أصبح في قلب سؤال فلسفي أو ديني شديد التعقيد.

كنت أنوي في البداية قراءة المقدمة فقط لأتعرف على هوية الكتاب والموضوعات التي يتناولها في جزأيه، لكنني انتبهت، وأنا أقترب من نهاية الجزء الأول، إلى أنني واصلت القراءة من دون أن أشعر. ثمة هدوء خاص في طريقة الرفاعي في طرح أفكاره. وأجد كتاباته عموما، وهذا الكتاب على وجه الخصوص، أشبه بمحطة استراحة من الضجيج الفكري والصراع النظري الذي يكاد يرافقني منذ اليقظة حتى النوم.

لا يعني هذا أن الكتاب خال من الأسئلة الصعبة، بل العكس؛ غير أنه يطرحها بطريقة لا تحول التفكير إلى خصومة، ولا تجعل الفلسفة استعراضا للمصطلحات. ثمة فرق بين كتاب يدفعك إلى التفكير وكتاب يجعلك تشعر بأنك في امتحان مستمر لإثبات قدرتك على فهمه، والرفاعي ينتمي، في هذا الكتاب، إلى النوع الأول.

أما المقطع الذي شدني أكثر من غيره، وعدت إلى قراءته عدة مرات، فهو النص الثامن، الذي ورد فيه: “الدين لا يموت، ما يموت هو الصور المتوحشة العنيفة لله التي صنعها الإنسان. ما يموت هو كل شيء يصنعه الإنسان، ويضع الدين في مواجهة الاحتياجات الأساسية للروح والقلب والعواطف والضمير الأخلاقي والعقل والجسد. الله حيّ لا يموت، ما يموت هو ما يصنعه الإنسان من صورٍ لله، يستعملها في خدمة مصالحه واحتياجاته للاستحواذ على المال والثروة والسلطه باسم الله”. لم أجد من قبل تفسيرًا بهذه الصياغة لمسألة الله وصورة الله في أذهان البشر. يرى الرفاعي أن الذي يتغير عبر التاريخ ليس الله، وإنما تصور الإنسان عن الله. وهذه الفكرة، على بساطتها الظاهرة، تفتح بابًا واسعًا لفهم تاريخ الأديان والخلافات المذهبية والثقافية حول المقدس.

وقد أثارت هذه الفكرة لدي تداعيًا لاكانيًا. لا أقول إن الرفاعي يستخدم مفهوم جاك لاكان عن “الواقع” أو الـReal  بالمعنى الاصطلاحي نفسه، فالمفهومان ينتميان إلى نظامين فكريين مختلفين، لكن ثمة تشابها يمكن أن يكون مثمرًا في القراءة. هناك دائمًا مسافة بين الشيء وبين الصورة التي يبنيها الإنسان عنه داخل اللغة والرموز. عند لاكان، لا يمكن للنظام الرمزي أن يستوعب الـReal  استيعابًا كاملًا، فهو ما يقاوم الاكتمال داخل اللغة والتمثيل. ومن هنا يمكن، على سبيل المقاربة لا المطابقة، قراءة فكرة الرفاعي على أن الله يتجاوز الصور التي تنتجها الأديان والفرق والثقافات والجماعات عنه، لان تصورات البشر تنتمي إلى عالم اللغة والتاريخ والثقافة والمتخيل، لذلك تظل متغيرة ومتعددة.

بهذا المعنى، يشير الرفاعي بصورة ضمنية إلى قدر من العبث في الصراعات الدينية التي يحاول فيها كل طرف أن يحول تصوره التاريخي والثقافي عن الله إلى صورة نهائية مطلقة، ثم يطالب الآخرين بالخضوع لها. وهو يصرح في المقطع اللاحق بأن “تصورات الإنسان عن الله لا حصر لها، تتنوع وتتعدد هذه التصورات بتعدد وتنوع المجتمعات والأديان والفرق والثقافات والعصور”. تكمن أهمية هذه الفكرة في أنها تنقل النقاش من السؤال: مَن يمتلك الصورة الصحيحة لله؟ إلى سؤال أكثر تواضعًا وأشد تعقيدًا، وهو إلى أي حد يستطيع الإنسان أصلًا أن يفصل بين الله وبين الصورة التي صنعها عنه داخل ثقافته ولغته ومتخيله وتاريخه؟ وهنا تتحول المسألة من خلاف عقائدي فقط إلى سؤال في المعرفة واللغة وحدود الإدراك الإنساني.

ويرتبط بذلك نقاشه لمسألة لاتاريخية الدين، خلافًا لتصور شائع يتعامل مع الدين وكأنه حقيقة تدخل التاريخ من خارجه وتبقى، في جميع العصور، بالصيغة نفسها؛ تؤثر في المجتمعات ولا تتأثر بها. لكن ما يحدث تاريخيا أكثر تعقيدا من ذلك. فحتى عندما يعتقد المؤمن بثبات الأصل المقدس، تبقى قراءة هذا الأصل وفهمه وتأويله وتطبيقه خاضعة لشبكة واسعة من المؤثرات الثقافية والسياسية والقومية والاقتصادية والاجتماعية. ولذلك لا يكون التاريخ مجرد مسرح يتحرك عليه الدين، بل يدخل التاريخ نفسه في تشكيل الصورة التي يفهم الناس الدين من خلالها.

في ضوء ذلك يمكن التمييز بين الدين بوصفه إيمانًا أو وحيًا في تصور المؤمن، وبين الدين بوصفه تجربة بشرية وتاريخًا ومؤسسات وتأويلات. الأول يمكن أن يعتقد المؤمن بثباته، أما الثاني فلا يمكن عزله عن التاريخ. ولعل جزءًا كبيرًا من الالتباس في النقاشات الدينية يأتي من الخلط بين المستويين، أي اعتبار التفسير البشري المتغير امتدادًا مباشرًا ومطابقًا للمقدس الثابت.

وأثناء القراءة كنت أجد ظلالًا لفلاسفة ومفكرين مختلفين أمثال كيركغورد وكانط وهايدغر وكارل يونغ وجاك لاكان ودولوز. لا أعني بذلك أن الرفاعي يكرر هؤلاء أو يستعير أنظمتهم الفلسفية بصورة مباشرة، وإنما أن بعض الأسئلة التي يطرحها تفتح لدى القارئ الذي يعرف هذه الفلسفات مسارات للمقارنة معها. لكن الاسم الذي كان حضوره بالنسبة إلي أوضح من الجميع هو سورين كيركغورد، ذلك الفيلسوف الدنماركي الذي جعل الإيمان تجربة وجودية فردية مرتبطة بالقلق واليأس والاختيار والمفارقة، ولم يتعامل معه بوصفه منظومة عقلية مغلقة يمكن البرهنة عليها كما تبرهن المسائل المنطقية. وكان الرفاعي قد خصص العدد المزدوج “55 – 56” الصادر سنة 2013، من مجلته “قضايا إسلامية معاصرة” لدراسة هذا الفيلسوف بمناسبة مرور 200 سنة على ولادته، في محور بعنوان: “الإيمان الوجودي وديانة الضمير الفردي: سورين كيركغورد 1813 – 1855″.

سبق أن قلت للرفاعي مرة إنه يمثل في بعض جوانب مشروعه امتدادًا إسلاميًا يمكن أن يذكرني بكيركغورد. ولا أعرف طبيعة تقبله لهذه القراءة، أكانت إيجابية أم سلبية. لكن المؤلف، مهما حاول أن يحدد مسارات قراءة نصه، لا يستطيع أن يتحكم تمامًا في الصورة التي تتشكل في ذهن القارئ. فالكتاب بمجرد خروجه من يد مؤلفه، يدخل في خبرات قرائه ومكتباتهم الفكرية الخاصة. وأنا لا أقرأ الرفاعي من فراغ، وإنما أقرأه من خلال ما تراكم لدي من جاك لاكان وكيركغورد وهايدغر وغيرهم. لهذا قد أجد في نصه قرابات فكرية لم يقصدها هو أصلًا.

وما يجمع كيركغورد والرفاعي في تجربتي كقارئ ليس العبث بمعناه العدمي، وإنما الاعتراف بحدود العقل أمام بعض الأسئلة الميتافيزيقية الكبرى. كلاهما، بطريقته الخاصة، يعيد الإنسان من صخب الأنظمة الكبرى إلى تجربته الفردية مثل: إيمانه وقلقه وهشاشته وحاجته إلى المعنى وعلاقته بذاته وبالآخر وبالله. وربما لهذا أجد هذه المساحة الوجودية لذيذة عند كيركغورد والرفاعي معًا. فهي لا تقدم إجابات جاهزة بقدر ما تخفف من وهم ضرورة الإجابة عن كل شيء.

في عالم مزدحم بضجيج الأفكار وبالصراعات التي يريد كل طرف فيها أن يثبت امتلاكه للحقيقة، تبدو الكتابة التي تعلم الإنسان شيئًا من التواضع أمام المعنى أكثر أهمية من الكتابة التي تضيف نظرية جديدة إلى نظريات الصراع. وهذا ما وجدته في “دروب المعنى”. لا يطلب الكتاب من قارئه أن يتوقف عن التفكير، بل يحاول الكتاب هنا أن يمنح القارئ وسط التفكير، مساحة للتنفس.

[1] باحث وأستاذ جامعي عراقي.

 

https://al-aalem.com/%D8%AF%D8%B1%D9%88%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D9%86%D9%89-%D9%84%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A-%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D9%8A%D8%B9%D9%84%D9%85%D9%83-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88/

 

مدخل إلى مشروع عبد الجبار الرفاعي

في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد

إبراهيم العروي[1]

يمثل عبد الجبار الرفاعي، المولود في محافظة ذي قار جنوب العراق سنة 1954، واحدًا من أصحاب المشاريع الفلسفية العربية المعاصرة الأكثر اتساقًا ومثابرة واستمرارًا. كرس أكثر من ثلاثة عقود لتأسيس أرضية معرفية لحقلين متداخلين لم يترسخ حضورهما بعد في الفضاء العربي: فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد. بلغ إنتاجه الفكري نحو ستين كتابًا، فضلًا عن رئاسته تحرير مجلة “قضايا إسلامية معاصرة” منذ تأسيسها سنة 1997 حتى اليوم، وإدارته مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد، وإشرافه على سلاسل مرجعية صدر فيها أكثر من ثلاثمئة كتاب في بيروت.  لم يقتصر مشروعه على التعريف بفلسفة الدين ونقل مباحثها إلى العربية، إذ عمل على بناء رؤية خاصة تنطلق من مركزية الإنسان وكرامته، وتفسر الدين استجابة لحاجة وجودية عميقة إلى إنتاج معنى روحي وأخلاقي وجمالي للحياة. أعاد في ضوء هذه الرؤية قراءة الوحي والنبوة والإيمان والتجربة الدينية ولغة الدين، وسعى إلى تحرير علم الكلام من أسئلته الموروثة ومقولاته المغلقة، ونقله من الدفاع عن العقائد إلى فهم الإنسان وحاجاته الوجودية في العالم الحديث. لا يدعي هذا المدخل الإحاطة بمختلف أبعاد المشروع وامتداداته، ويسعى إلى رسم خريطته العامة، وتتبع منطلقاته وتحولاته، والكشف عن أدواته في التفكير، وتحليل مفاهيمه المحورية، وبيان ما يميزه من المشاريع الفكرية العربية المعاصرة، ومناقشة أبرز الأسئلة والاعتراضات التي أثارها خصومه ومحاوروه.

تلقى عبد الجبار الرفاعي علوم الدين في حوزة النجف الأشرف ابتداء من سنة 1978، واضطر إلى مغادرة العراق سنة 1980، فواصل دراسته في حوزة قم حتى بلغ مرتبة الاجتهاد، وصار لاحقًا أحد أساتذتها. حصل على البكالوريوس في الشريعة الإسلامية سنة 1988، والماجستير في علم الكلام سنة 1990، والدكتوراه في الفلسفة الإسلامية سنة 2005 بتقدير امتياز، ونال درجة الأستاذية سنة 2012. أشرف على أكثر من ثمانين رسالة وأطروحة لدرجتي الماجستير والدكتوراه وشارك في مناقشتها، ونوقشت حتى اليوم اثنتان وثلاثون رسالة ماجستير وأطروحة دكتوره تناولت مشروعه التجديدي، في جامعات عراقية وعربية وأجنبية. نال الرفاعي عددًا من الجوائز، من أبرزها: “الجائزة الأولى للبطريركية الكلدانية لأفضل الأعمال الفكرية” سنة 2020، و”الجائزة الأولى للإنجاز الثقافي والتفاهم الدولي” في الدوحة سنة 2017، و”الدرع الذهبية للحركة الثقافية” في أنطلياس بلبنان سنة 2013، إلى جانب جوائز أخرى.

من التكوين التقليدي إلى تجديد الفكر الديني

تمثل التحول الحاسم في مسيرة عبد الجبار الرفاعي في انتقاله التدريجي من الاشتغال بعلم الكلام القديم، الذي انصرف إلى الدفاع عن العقائد وإثباتها ودحض عقائد الخصوم، إلى بناء “علم الكلام الجديد”. بدأ الرفاعي هذا المشروع قبل أربعة عقود تقريبًا، وأصدر في سياقه، مجلة “قضايا إسلامية” سنة 1994-1997، صدرت هذه المجلة بدعم مالي من صديقه المرحوم الشيخ مهدي العطار. وأسس مجلة “قضايا إسلامية معاصرة” سنة 1997، فاحتضنت مباحث فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد، وعرفت القارئ العربي بأبرز أعلامهما ومفاهيمهما وأسئلتهما واتجاهاتهما، وترجمت دراسات ونصوصًا أساسية فيهما، ومازالت تصدر حتى اليوم. أسس الرفاعي أيضًا مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد، ليكون فضاء للبحث والترجمة والنشر والحوار في هذين الحقلين. وما زال يراجع مشروعه ويعمقه ويطور مفاهيمه في مؤلفاته المتعاقبة.

لم يكن هذا التحول قطيعة مفاجئة مع التراث الكلامي، فقد جاء ثمرة مراجعة نقدية طويلة لمناهج ومقولات ووظائف وحدود الكلام القديم، في ضوء مكاسب الفلسفة الحديثة والعلوم الإنسانية وفلسفة الدين. تجلى هذا المشروع في عدد من مؤلفاته، من أبرزها: “مقدمة في السؤال اللاهوتي الجديد”، و”مقدمة في علم الكلام الجديد”، و”الدين والظمأ الأنطولوجي”، و”الدين والاغتراب الميتافيزيقي”، و”الدين والكرامة الإنسانية”، و”الدين والنزعة الإنسانية”، و”مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث”، و”مبادئ الفلسفة الإسلامية”، وصولًا إلى عمله الأخير “موسوعة فلسفة الدين” في ثمانية أجزاء، التي وصفها بعض الدارسين بأنها أول موسوعة عربية في فلسفة الدين، وجاءت ثمرة أكثر من ربع قرن من البحث والعمل المتواصل.

منح هذا المسار مشروعه سمة مميزة؛ فقد انتقل من التكوين الحوزوي التقليدي إلى المراجعة النقدية لمناهج هذا التكوين ومقولاته وأدواته في إنتاج المعرفة الدينية. يصدر نقده من خبرة عميقة بالتراث الديني وعلومه ومناهج تدريسه، لا من موقع الغريب عنه. إنه نقد من داخل علوم الدين التراثية، يعيد فحص الموروث، ويتجاوز تكراره واجتراره، ويفتحه على أسئلة الإنسان وتحديات العالم الحديث.

يتفرد مشروع الرفاعي في تجديد الفكر الديني بانتقاله من النقد إلى البناء، ومن التفكيك إلى التركيب. لا يقف عند تفكيك علم الكلام القديم والكشف عن محدودية أسئلته ومناهجه ووظائفه، وتشديده على احتكار الخلاص بفرقة واحدة، ولا يكتفي بنقد الصورة التي رسمها هذا العلم لله والإنسان والعالم، فقد عمل الرفاعي على تركيب رؤية بديلة تستند إلى مركزية الإنسان وكرامته، وتعيد تعريف وظيفة الدين في حياته. يبدأ التفكيك عنده بفحص البنية العميقة للمعرفة الدينية، والتمييز بين الدين ومعرفة البشر للدين، وبين المقدس وما ينتجه المتخيل الديني، والكشف عن تاريخية الفهم البشري للنصوص، ونقد توظيف الدين في الاستبداد والعنف وإهدار الكرامة.

يفضي هذا التفكيك لدى الرفاعي إلى مرحلة التركيب، إذ يبني منظومة مترابطة من المفاهيم، في مقدمتها: الظمأ الأنطولوجي، والاغتراب الميتافيزيقي، والكرامة الإنسانية، والإنسانية الإيمانية، والنزعة الإنسانية في الدين، ولغة الدين، وعلم الكلام الجديد. لا تعمل هذه المفاهيم منفصلة، إذ ينتظمها سؤال مركزي واحد: كيف يستطيع الدين أن ينتج معنى روحيًا وأخلاقيًا وجماليًا لحياة الإنسان في العالم الحديث؟ ينطلق الرفاعي من حاجة الإنسان الوجودية إلى المعنى، ويرى أن الدين يستجيب لهذه الحاجة عندما يوقظ الحياة الروحية، ويحمي الكرامة، ويغذي الضمير الأخلاقي، ويثري الحس الجمالي. في سياق هذا البناء، صاغ الرفاعي تعريفاته الخاصة للدين والوحي والنبوة والشريعة والتكليف، وأعاد تحديد وظائفها وحدودها وصلتها بالإنسان وحاجاته الوجودية. هكذا لا يترك القارئ الباحث عن المعنى في الدين عند حدود الشك والنقض وتفكيك الموروث، ويرسم له خريطة فكرية تنتقل من تشخيص أزمة المعرفة الدينية إلى بناء فهم جديد للدين يتمحور حول الإنسان، ويصل الإيمان بالحرية، والتدين بالأخلاق، ومعرفة الله بصيانة كرامة الإنسان.

مرجعيات مشروع الرفاعي

يصعب فهم مشروع الرفاعي بمعزل عن تعدد مرجعياته وتفاعل رافدين أساسيين في تكوينه. ينتمي الرافد الأول إلى التراث الإسلامي؛ فالرفاعي متخرج في المدرسة الحوزوية في علم الكلام والفقه وأصوله، ودارس لتراث الفلسفة الإسلامية لدى الفارابي وابن سينا، والحكمة المتعالية لدى ملا صدرا، والعرفان النظري والعملي لدى ابن عربي ومدرسته. لا يمثل هذا التراث لديه زخرفًا معرفيًا، فهو رافد روحي حاضر في رؤيته للروح والقلب والضمير، وفي تأكيده أن العقل النظري المجرد لا يستقل بإنتاج الإيمان، وأن الأدلة الكلامية القديمة استنفدت طاقتها في إيقاظ التجربة الروحية وإرواء حاجة الإنسان إلى المعنى. ينتمي الرافد الثاني إلى الفلسفة الغربية والعلوم الإنسانية الحديثة، التي ينفتح عليها الرفاعي انفتاحًا نقديًا وانتقائيًا لا مذهبيًا. يظهر ذلك في استثماره نقد كانط لحدود العقل النظري وتمييزه بين الشيء في ذاته والشيء كما يظهر لنا، وإفادته من شلايرماخر في تفسير الدين في أفق الشعور بالاعتماد المطلق، لا في حدود الأنساق العقائدية، ومن بول ريكور في التأويل وفلسفة الرمز، ومن غادامير في تاريخية الفهم. ويمكن استكشاف صدى أسئلة هيدغر عن الوجود والقلق والعدم في بعض أبعاد مفهوم “الظمأ الأنطولوجي”، من دون اختزال هذا المفهوم في مرجعية هيدغر، لما ينطوي عليه من روافد دينية وعرفانية ووجودية متعددة. لا يستنسخ الرفاعي منظومات هؤلاء الفلاسفة، ولا ينتسب إلى فلسفة أحد منهم، ويعيد توظيف ما يلائم أسئلته داخل أفقه الخاص في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد. يظل تحديد طبيعة هذا التأثر ومقداره، وما إذا كان استعارة اصطلاحية أو استثمارًا لمفهوم أو تبنيًا لبعض عناصر المنهج، من أكثر المسائل إثارة للنقاش بين دارسي مشروعه. لا تكفي لحسمه قراءة عابرة، إذ يستدعي دراسة مقارنة دقيقة بين كتابات الرفاعي ونصوص هؤلاء الفلاسفة، تتتبع المفاهيم في سياقاتها وتكشف ما أدخله عليها من إعادة تفسير وتركيب.

يقوم مشروع الرفاعي على مجموعة من المفاهيم المتشابكة، يستمد كل مفهوم منها دلالته من موقعه داخل المشروع وصلته بسائر مفاهيمه. يأتي “الظمأ الأنطولوجي” في مقدمة هذه المفاهيم وأكثرها تداولًا، ويعني به الحاجة الوجودية العميقة في كيان الإنسان إلى الاتصال بالوجود المطلق، والبحث الدائم عما يروي ظمأه إلى المعنى. لا يكتمل الإنسان بذاته، ولا تستطيع الأشياء المادية وحدها إشباع حاجاته الوجودية، إذ يظل محتاجًا إلى أفق يتجاوز وجوده المحدود، ويمنح حياته معنى روحيًا وأخلاقيًا وجماليًا. على أساس هذا المفهوم ينقد الرفاعي الصياغة الأيديولوجية للدين، لأنها تفرغه من طاقته الروحية، وتختزله في أداة للسلطة والتعبئة والصراع والعنف، أو تحوله إلى هوية مغلقة تفصل الإنسان عن سواه. عندما يخضع الدين للأيديولوجيا، يحتجب حضوره الروحي خلف الشعارات، ويعجز عن إرواء الظمأ الأنطولوجي الذي يمثل وظيفته الوجودية الأساسية. يرتبط بمفهوم “الظمأ الأنطولوجي” مفهومُ “الاغتراب الميتافيزيقي”، الذي يفسر شعور الإنسان بالوحشة والضياع والغربة الوجودية عندما تنقطع صلته بالمطلق، ويفتقر وجوده إلى المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي. لا ينشأ هذا الاغتراب من غياب الدين دائمًا، فقد ينشأ داخل أنماط من التدين تستنزف روح الإنسان، وتزرع الخوف في داخله، وتقدم له صورة قاسية لله، وتغرقه في الشعور بالإثم والاحتقار. من هنا يعمل الرفاعي على اكتشاف الصور المضيئة لله، وإعادة بناء صلة الإنسان به على أساس الرحمة والحب والرجاء، لتصبح التجربة الدينية مصدرًا للسكينة وإثراء الوجود، لا منبعًا للرعب واستلاب الذات.

ويمثل “علم الكلام الجديد” الإطار النظري الذي تنتظم فيه هذه الرؤية. لا يختزل الرفاعي هذا العلم في تحديث لغة الكلام القديم أو إضافة مسائل حديثة إلى موضوعاته، إذ يعيد بناء موضوعه ومنهجه ويضع له معيارًا واضحًا هو الفهم الجديد للوحي ووظيفته. ينقل مركز اهتمام علم الكلام من الدفاع عن العقائد ودحض الخصوم، إلى تفسير الإيمان، وفهم معنى الدين ووظيفته وحدوده، وقراءة مفهوم الوحي والنبوة والشريعة والتكليف، وتحليل حاجة الإنسان إلى المعنى.

يستفيد الرفاعي من الفلسفة الحديثة والعلوم الإنسانية في فحص المعرفة الدينية والكشف عن تاريخيتها وحدودها، ويميز بين الحقيقة الدينية في ذاتها وما يفهمه الإنسان منها. يفتح هذا التمييز أفقًا لتعدد التأويلات والحوار، ويحرر المتكلم من وهم امتلاك الحقيقة النهائية والاستئثار بتمثيلها. ويحتل التمييز بين الدين والتدين والمعرفة الدينية موقعًا محوريًا في المشروع. يعرف الرفاعي الدين بأنه: “حياة في أفق المعنى، تفرضها حاجة وجودية لإنتاج معنى روحي وأخلاقي وجمالي لحياة الإنسان الفردية والاجتماعية”. أما التدين فهو تمثل الإنسان للدين وطريقة عيشه والتعبير عنه في الواقع، في حين تمثل المعرفة الدينية الفهم البشري للنصوص والمعتقدات والرموز. يخضع التدين والمعرفة الدينية لانتاجها في المتخيل الفردي والجمعي، وللتاريخ واللغة والثقافة والبيئة والمصالح البشرية. يتيح هذا التمييز نقد أنماط التدين العنيف والمغلق، ونقد المعرفة الدينية الموروثة، من دون اختزال الدين في أحد أشكال حضوره التاريخي.

وتأتي الهرمنيوطيقا لتكشف أن الإنسان لا يتلقى النص خارج لغته وتاريخه وآفاق انتظاره. يستفيد الرفاعي من مناهج التأويل الحديثة، ويحاور ما قدمه غادامير وغيره في فهم النص والرمز وتاريخية الوعي. لا يعني ذلك إخضاع النص لإرادة القارئ أو نفي دلالته، وإنما يعني أن الوصول إلى النص لا يحدث من دون فهم بشري، وأن كل فهم يتشكل داخل أفق لغوي وتاريخي معين. تتجدد قراءة النص بتجدد أسئلة الإنسان ومعارفه وتحولات حياته، وتظل دلالاته أوسع من أن يستنفدها تفسير واحد أو يحتكرها مذهب بعينه.

 الجدل العربي حول مشروع الرفاعي

أثار مشروع الرفاعي اعتراضات صدرت من اتجاهات متباينة. يتحفظ بعض ممثلي الاتجاه الديني التقليدي على تأكيده تاريخية المعرفة الدينية وتعدد الفهم، ويرون في ذلك تقليصًا لسلطة التفسير الموروث وفتحًا للدلالة على قراءات غير منضبطة. وينظر بعض السلفيين إلى أدواته الفلسفية والهرمنيوطيقية على أنها وافدة من بيئة معرفية غربية لا تنسجم مع منهجهم في فهم النص. في المقابل، يرى بعض العلمانيين أن مشروعه يحتفظ للدين بموقع مركزي في تفسير الإنسان وحاجته إلى المعنى، ولا يذهب إلى القطيعة التي يدعون إليها بين الدين والمعرفة الحديثة. ويسائل بعض الباحثين في الفلسفة دقة استعماله لبعض المصطلحات الغربية، وحدود استفادته من كانط وهيدغر وغادامير، ومقدار التحول الذي تخضع له مفاهيمهم عندما يدمجها في مشروعه. تكشف هذه الاعتراضات، على اختلاف منطلقاتها، عن الموقع الذي يشغله المشروع بين مسارات متعارضة. فهو لا يكرر علم الكلام الموروث، ولا يتبنى القطيعة مع الدين، ولا يستنسخ فلسفة غربية بعينها. يحاول أن يشق طريقًا ثالثًا يستبقي الحاجة الوجودية إلى الدين، ويخضع المعرفة الدينية للنقد، ويجعل كرامة الإنسان معيارًا في تقويم أنماط التدين وتأويل النصوص. يمنحه هذا الموقع قدرته على إثارة الأسئلة، ويعرضه في الوقت نفسه لنقد التقليديين ودعاة القطيعة مع الدين وبعض المتخصصين في الفلسفة.

لا تتجاوز الصفحات السابقة رسم خريطة أولية لمشروع واسع ومتعدد المسارات. يتطلب تقويم هذا المشروع فلسفيًا دراسة تطور مفاهيمه عبر مراحل كتاباته، وتحليل الروابط التي تصل الظمأ الأنطولوجي بالاغتراب الميتافيزيقي والكرامة الإنسانية والإنسانية الإيمانية وعلم الكلام الجديد، وفحص اتساق هذه المفاهيم وقدرتها التفسيرية. كما يستدعي مقارنة نصية دقيقة بين كتابات الرفاعي والمرجعيات الإسلامية والغربية التي يحاورها، للتمييز بين استثمار المفهوم، وإعادة تفسيره، وإدماجه في تركيب جديد. لا تكفي في ذلك الملخصات ولا التشابهات اللفظية، فالحكم على أصالة المشروع يقتضي الرجوع إلى النصوص الأصلية، وتتبع المفاهيم في سياقاتها، والكشف عما أحدثه الرفاعي فيها من تحويل وإعادة بناء. يؤسس هذا المدخل لتلك الدراسة الموسعة، ويمهد لقراءة المشروع من داخله، في ضوء أسئلته وغاياته ومساره الخاص.

[1] كاتب سعودي متخصص بالفلسفة.

https://almothaqaf.com/aqlam-3/989107-%D8%A5%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D9%87%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D9%88%D9%8A-%D9%85%D8%AF%D8%AE%D9%84-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D9%81%D9%84%D8%B3%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D9%88%D8%B9%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF

مشروع عبد الجبار الرفاعي

قراءة تفكيكية في الدين والإنسان والمعنى

 د. تحسين الشيخلي *

أبتعد اليوم عما دأبت عليه في السنوات الأخيرة من الانشغال بالأنظمة الذكية والتحولات الرقمية، وما تفتحه التقنية من أسئلة حول الإنسان والعقل والمستقبل، لأعود إلى حقل لا يقل تعقيدًا وخطورة، هو حقل الدين والمعنى وتأويل المقدس. والعودة هنا ليست انتقالًا من سؤال إلى آخر، بقدر ما هي عودة إلى الجذر الذي تتفرع منه أسئلة الإنسان كلها: كيف نفهم وجودنا؟ وكيف يتشكل معنى العالم في وعينا؟ وكيف تتحول النصوص من كلمات مقروءة إلى سلطات ورؤى ومؤسسات وأنماط عيش؟

وقبل أن أدخل في هذه القراءة، أود الإشارة إلى ملاحظة أراها ضرورية. قد يتساءل بعض الأصدقاء: ما الذي يدفع رجلًا جاء من عالم علوم الحاسوب والهندسة إلى قراءة مشروع في علم الكلام الجديد؟ وهو سؤال مشروع، غير أنه يفترض أن الأفكار الكبرى لا يجوز الاقتراب منها إلا من داخل حدود التخصص الضيقة، وأنا لا أشارك في هذا الافتراض.

لا أكتب هذه القراءة بوصفي متكلمًا أو فقيهًا أو متخصصًا في الدراسات الدينية، ولا أناقش مسائل العقيدة من داخل علم الكلام التقليدي، وإنما أقرأ مشروعًا فكريًا من منظور الفلسفة ونقد الخطاب والتفكيك، وهي أدوات لا تقل شرعية في مقاربة المشاريع الفكرية الكبرى. وحين يتحول علم الكلام الجديد إلى مشروع فلسفي يستعين بالهرمنيوطيقا وفلسفة الدين والأنثروبولوجيا وعلم النفس والعلوم الإنسانية، فإنه يغادر بطبيعته حدود التخصص المغلق، ويدعو إلى حوار متعدد الحقول.

لعل خلفيتي العلمية نفسها منحتني حساسية خاصة في قراءة البنى المعرفية، وكيف تتشكل المفاهيم، وكيف تعمل الأنظمة الفكرية، وما الذي تفترضه مقدماتها قبل أن تعلن نتائجها. لا أبحث هنا عن صحة قضية كلامية أو خطئها، وإنما أحاول تفكيك منطق الخطاب نفسه، والكشف عن افتراضاته وحدوده وإمكاناته، وهذا هو مجال الفلسفة بامتياز. لقد تعلمت خلال سنوات دراستي في فرنسا أن الفكر لا يعترف بالحدود الصارمة بين التخصصات، وأن الفلسفة كانت، ولا تزال، مساحة يلتقي فيها الفيزيائي بعالم الاجتماع، والمهندس باللاهوتي، والمؤرخ بعالم اللغة. فالأفكار الكبرى لا تنتمي إلى أصحاب الاختصاص وحدهم، وإنما إلى كل من يمتلك أدوات قراءتها قراءة رصينة ومسؤولة.

من هنا، ليست هذه المقالة محاولة للحديث باسم علم الكلام، وإنما هي محاولة للحوار مع أحد أبرز مشاريعه المعاصرة، بالاستفادة من أدوات التفكيك الفلسفي التي أجدها قادرة على الكشف عما تقوله النصوص، وما تؤجله، وما تفترضه، وما تتركه مفتوحًا أمام القارئ. أفعل ذلك وأنا أقرأ مشروع صديقي، المفكر العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي، من دون أن أتعامل معه مشروعًا مكتملًا ينبغي الاحتفاء به من خارجه، أو خصمًا فكريًا ينبغي نقضه، وإنما نصًا حيًا يستحق أن ندخل معه في حوار عميق، وأن نفكك منطقه الداخلي، ونستخرج توتراته، وننصت إلى ما يقوله وما يتعذر عليه قوله في الوقت نفسه. إن تكريم مشروع فكري كبير لا يكون بتحويله إلى موضوع للمديح، وإنما بجعله قادرًا على تحمل الأسئلة التي يثيرها، وربما الأسئلة التي يحاول تأجيلها أيضًا.

ينطلق الرفاعي في مشروعه من تشخيص واضح لمأزق علم الكلام القديم. لا يكتفي بالدعوة إلى إدخال مسائل جديدة في منظومته، وإنما يطالب بتجديد موضوعاته وأهدافه ومناهجه ولغته ومبانيه وهندسته المعرفية. كما يميز بوضوح بين الإحياء والإصلاح والتجديد؛ فالإحياء عنده يعيد القديم كما كان، والإصلاح يرمم البناء من دون أن يمس أسسه العميقة، أما التجديد فهو تفكيك البنية التحتية التي أنتجت معارف الدين، ثم إعادة بنائها في ضوء الفلسفات والعلوم الإنسانية والمعارف الحديثة.

يجعل الرفاعي “الفهم الجديد للوحي” معيارًا للتمييز بين علم الكلام القديم وعلم الكلام الجديد. ليست هذه النقلة بسيطة في بيئة اعتادت أن تنظر إلى علوم الدين الموروثة وكأنها امتداد مباشر للمقدس ذاته. تكمن أهمية مشروع الرفاعي في فصله بين نص الكتاب المقدس والأدوات البشرية التي أنتجت فهمه التاريخي، وتأكيده أن مناهج التفكير ونظريات المعرفة وأدوات النظر التي صاغت معارف الدين ليست نصوصًا مقدسة، وإنما اجتهادات بشرية مشروطة بزمانها وثقافتها. من هنا يفتح نافذة واسعة لإعادة التفكير في التراث، لا باعتباره كتلة واحدة ينبغي قبولها أو رفضها، وإنما مجالًا للصراع بين ما هو حي ومحيي، وما هو ميت ومميت.

القراءة التفكيكية لا تتوقف عند الإقرار بهذه الجرأة، وإنما تبدأ منها. إنها تسأل: هل ينجح المشروع بالفعل في مغادرة البنية التي ينتقدها، أم أنه يعيد إنتاج بعض افتراضاتها بلغة جديدة؟ هل يكفي أن نستبدل أدوات علم الكلام القديم بأدوات الهرمنيوطيقا والأنثروبولوجيا وعلم النفس وفلسفة الدين لنكون قد غادرنا منطقه؟ أم أن المركز القديم قد يتراجع اسمه ويعود في صورة مركز آخر، أكثر مرونة وجمالًا وإنسانية، لكنه يظل مركزًا يتحكم في إنتاج المعنى؟ التفكيك، كما تعلمناه من دريدا، لا يعني هدم النص من خارجه، ولا البحث عن ثغرات لغوية لإسقاطه، وإنما يعني تتبع الحركة التي يعمل بها النص ضد استقراره المعلن. كل نص يؤسس نظامه على تمييزات: أصل وفرع، حضور وغياب، حقيقة وتأويل، دين وتدين، مقدس وبشري، حي وميت، جوهر وعرض. لكنه لا يستطيع المحافظة على نقاء هذه الحدود إلى النهاية؛ فكل طرف يحتاج إلى الآخر ليتحدد، ثم يتسرب الآخر إليه ويزعزع استقلاله. النص يقول شيئًا، لكن طريقة قوله تفتح إمكانًا يتجاوز ما يريد تثبيته.

 

يمكن أن نبدأ بالسؤال عن التمييز المركزي في مشروع الرفاعي بين الدين ومعارف الدين، أو بين المقدس وفهم البشر للمقدس. هذا التمييز ضروري للتحرر من هيمنة التراث؛ إذ ينزع القداسة عن الفقه والكلام والتفسير والتصوف، ويعيدها إلى مصدرها. لكنه يفترض، في الوقت نفسه، إمكان وجود دين خلف تراكمات الفهم التاريخي، دين يمكن إعادة اكتشاف وظيفته الأصلية في إمداد الحياة بالمعنى الروحي والأخلاقي والجمالي. هنا تتقدم القراءة التفكيكية لتسأل: أين يوجد هذا الدين قبل أن يتحول إلى فهم ولغة وتأويل؟ كيف يمكن الوصول إليه خارج الوسائط البشرية التي يظهر من خلالها؟ وهل نستطيع التمييز بالفعل بين الدين في ذاته وأشكال حضوره في التاريخ؟

لا نعرف الدين إلا عندما يدخل اللغة، ولا يصل النص إلينا إلا عبر قراءة، ولا تتحول التجربة الروحية إلى معنى إلا عندما تسكن رمزًا، أو حكاية، أو مفهومًا، أو طقسًا. التأويل ليس مجرد غطاء بشري يضاف لاحقًا إلى حقيقة دينية مكتملة، وإنما هو أحد شروط ظهورها لنا. لا يعني هذا إنكار وجود الوحي أو اختزاله إلى اللغة، وإنما يعني أن حضور الوحي في العالم البشري لا يحدث خارج التاريخ واللسان والذاكرة والتلقي. وبذلك تصبح الحدود بين المقدس وتأويله أقل صلابة مما تبدو عليه. حين يقول الرفاعي إن كل عصر ينطق بفهمه الخاص للنصوص المقدسة، فإنه يضع بيده المبدأ الذي يمكن أن يزعزع فكرة المعنى الأصيل القابل للاستعادة. فإذا كان كل عصر ينتج فهمه، فإن المعنى لا يكون وديعة ساكنة داخل النص تنتظر قارئًا أكثر كفاءة ليستخرجها، وإنما يكون حدثًا يتشكل في العلاقة المتغيرة بين النص والقارئ والتاريخ. وعندئذ يتحول السؤال من: ما المعنى الحقيقي الذي ينبغي استرداده؟ إلى: كيف ينتج المعنى في كل مرة؟ ومن يملك شروط إنتاجه؟ وما السلطات والمؤسسات واللغات التي تسمح لبعض المعاني بالظهور، وتدفع معاني أخرى إلى الهامش أو الصمت؟

الرفاعي واع بسلطة إنتاج المعنى، ومن هنا يمنح المتخيل الديني مكانة أساسية في مشروعه. ويرى أن من يمتلك وسائل إنتاج هذا المتخيل يمتلك السلطة والتحكم في حاضر الناس ومستقبلهم، وأن المقدس نفسه يتسع تاريخيًا تحت تأثيره. وهذه واحدة من أخصب أفكار المشروع؛ إذ تنقل النقاش من مضمون المعتقد إلى الشروط الثقافية والنفسية والسياسية التي تصنع حضوره. غير أن التفكيك يدفع بهذه الفكرة إلى مداها الأبعد: إذا كان المتخيل يسهم في تكوين المقدس واتساعه، فهل يبقى بالإمكان رسم حد نهائي بين ما هو مقدس في ذاته وما أنتجته المخيلة الدينية؟ وهل المتخيل مجرد غشاوة ينبغي للعقل النقدي أن يضعها في حدودها، أم أنه عنصر لا غنى عنه في كل علاقة بالمقدس؟

ليس الإنسان كائنًا يعيش بالمفاهيم العقلية وحدها، فهو يسكن الاستعارات والرموز والصور والطقوس والذكريات المؤسسة. حتى أكثر الخطابات عقلانية لا تعمل من دون متخيل خاص بها. العقلانية نفسها قد تبني صورة خلاصية عن العقل، والحداثة قد تنتج أساطيرها، والتجديد قد يتخيل أصلًا نقيًا أو مستقبلًا متصالحًا لم يوجد قط. ومن ثم، ليس المطلوب وضع المتخيل في مقابل العقل، كأن الأول مصدر التضليل والثاني مصدر الخلاص، وإنما تفكيك الطريقة التي يسكن بها المتخيل كل ممارسة عقلية، بما فيها ممارسة التجديد نفسها.

يعلن الرفاعي أن بوصلة التجديد هي إعادة تعريف الإنسان والدين ووظيفة الدين، وأن ما يمكن للدين أن يقدمه يتمثل في إشباع الاحتياجات الروحية والأخلاقية والجمالية، ومنح الروح السكينة، والقلب الطمأنينة، والحياة الرحمة والرفق. ويذهب إلى أن ما يقع خارج ذلك ينبغي أن يستمده الإنسان من العقل والعلوم والمعارف والخبرات البشرية. تمثل هذه الرؤية انقلابًا إنسانيًا على لاهوت الهيمنة الذي جعل الإنسان تابعًا للمؤسسة والعقيدة والسلطة. إنها تنقل مركز الاهتمام من الدفاع عن المعتقدات إلى حماية الحياة الداخلية للإنسان، ومن تضخم الدين في المجالين السياسي والاجتماعي إلى استعادته أفقًا للمعنى.

لكن السؤال التفكيكي هنا هو: من الإنسان الذي يصبح بوصلة للتجديد؟ وهل “الإنسان” مفهوم محايد ومستقر، أم أنه بدوره نتاج تاريخي وفلسفي؟ حين نعيد تعريف الدين انطلاقًا من احتياجات الإنسان، فإننا نفترض تصورًا سابقًا لماهية الإنسان واحتياجاته الأصيلة. لكن الإنسان ليس جوهرًا واحدًا يظل ثابتًا عبر الثقافات والعصور. حتى مفاهيم الروح والسكينة والجمال والكرامة والحرية ليست خارج التاريخ، فدلالاتها تتغير وخبراتها تتعدد.

ربما يكون مشروع الرفاعي قد انتقل من مركزية العقيدة إلى مركزية الإنسان، لكنه لم يتخل تماما عن الحاجة إلى المركز، والمركز الجديد، وإن كان أكثر إنسانية من المركز القديم، يظل معرضًا لأن ينتج استبعاده الخاص. فمن يحدد حاجات الإنسان الروحية؟ وما الذي يجعل تجربة دينية ما أصيلة وأخرى زائفة؟ وما معيار التمييز بين “تصوف الحرية” و”تصوف الاستعباد”؟ لا شك في أن التمييز بينهما يمتلك قيمة أخلاقية وتحررية واضحة، خاصة حين يتحول التصوف إلى طاعة عمياء لشيخ الطريقة واستسلام يفتك باستقلال الفرد. لكن كل ثنائية من هذا النوع تحتاج بدورها إلى تفكيك؛ فالحرية قد تنشأ، في أغلب الأحيان، داخل تقاليد الطاعة، كما قد تتحول خطابات التحرر نفسها إلى سلطات رمزية جديدة.

لا يقلل هذا من أهمية الانحياز الأخلاقي في مشروع الرفاعي، ويكشف الرهان العميق الكامن فيه. فهو لا يقدم نظرية وصفية محايدة في الدين، إذ ينحاز إلى صورة محددة له: دين الرحمة والحب والسلام والكرامة والمعنى والجمال. هذا الانحياز مصدر قوة المشروع، ويمثل في الوقت نفسه افتراضه الذي ينبغي التصريح به. المشروع لا يستخرج هذه القيم من النصوص وحدها؛ إذ يدخل إليها حاملًا حساسية أخلاقية حديثة، تشكلت تحت تأثير فلسفات الإنسان والحرية والحقوق والكرامة. إنه يعيد قراءة الدين من داخل أفق إنساني معاصر، لا من خارج كل أفق. هنا لا ينبغي التعامل مع هذا الأمر على أنه نقص ينبغي إخفاؤه، على العكس، تصبح قوة المشروع أكبر عندما يعترف بأن التجديد ليس اكتشافًا لمعنى صاف كان موجودًا منذ البداية، وإنما هو إنتاج مسؤول لمعنى ديني يحتاجه الإنسان اليوم. والفرق مهم بين من يزعم أنه يستعيد الجوهر الأبدي للدين، ومن يقر بأنه يدخل في عملية تأويل تاريخية وأخلاقية لا تستطيع الادعاء بأنها الكلمة الأخيرة.

إن رؤية “الفهم الجديد للوحي”، التي يجعلها الرفاعي معيارًا لعلم الكلام الجديد، تحمل في داخلها هذا التوتر. فالجديد لا يكون جديدًا إلا إذا اختلف عن القديم، لكنه يريد في الوقت نفسه أن يظل فهمًا للوحي ذاته. وهذا يعني أن المشروع يتحرك بين الوفاء والاختلاف، بين المحافظة على هوية المرجع وتغيير نظام دلالاته. لا يمكنه الانفصال تماما عن القديم، وإلا فقد اسمه كلامًا دينيًا، ولا يمكنه البقاء داخله، وإلا تحول إلى تكرار. إنه يقيم في منطقة برزخية، لا تنتمي بكلياتها إلى التراث ولا تنفصل عنه، ولا تذوب في فلسفة الدين الحديثة ولا تبقى أسيرة لعلم الكلام الموروث. هذه المنطقة الوسطى ليست عيبًا، فهي موضع الخصوبة الحقيقي في المشروع.

غير أن الخطابات التجديدية تميل عادة إلى إخفاء هذا التردد، إذ تحتاج إلى رسم حدود واضحة بين القديم والجديد. يعيد التفكيك الاعتبار إلى التردد، لا باعتباره ضعفًا، فهو اعتراف باستحالة القطع النهائي مع ما ننتقده. نحن لا نغادر التراث كما يغادر المرء بيتًا قديمًا؛ فاللغة التي ننتقده بها مشبعة بآثاره، والأسئلة التي نوجهها إليه ولدت في داخله أو في الصراع معه. كما أننا لا نستورد الحداثة أداة محايدة؛ فالهرمنيوطيقا والأنثروبولوجيا وعلم النفس والفلسفة الغربية تحمل هي الأخرى تاريخها وتحولاتها ومركزياتها وأزماتها.

عندما يدعو الرفاعي إلى توظيف الفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة في قراءة النص الديني، فإنه يقوم بخطوة ضرورية، لكنه يترك سؤالًا مفتوحًا: هل هذه العلوم أدوات خارجية نستخدم منها ما يصلح ثم نعيدها إلى مكانها، أم أنها خطابات تعيد تشكيل موضوعها بمجرد دخولها إليه؟ لا يمكن للأنثروبولوجيا أن تدرس الدين من دون أن تغير مفهومنا عنه، ولا يمكن للتحليل النفسي أن يقترب من التجربة الروحية من دون أن يعيد توزيع العلاقة بين الوعي واللاشعور والرغبة والرمز. كذلك لا تدخل الهرمنيوطيقا إلى التفسير أداة كالمطرقة أو المجهر، فهي تمثل تحولًا في مفهوم الحقيقة والفهم واللغة. من هنا يبدو مشروع الرفاعي أكثر ثورية مما يصرح به في الغالب. فالقبول الحقيقي بهذه المناهج لا يقتصر على تغيير أجوبة علم الكلام، وإنما يغير طبيعة أسئلته وحدود موضوعه، وربما يزعزع اسمه نفسه. وقد لا تنتهي العملية إلى “علم كلام جديد” بالمعنى الدقيق، وإنما إلى حقل يقع بين فلسفة الدين والهرمنيوطيقا والأنثروبولوجيا واللاهوت والنقد الثقافي. يلاحظ الرفاعي نفسه غياب الحدود الدقيقة بين علم الكلام الجديد وفلسفة الدين، لكنه يبقي على اسم علم الكلام، ربما حفاظًا على الصلة بالذاكرة الإسلامية، واستمرارًا للحوار مع المؤسسة الدينية.

غير أن الاسم ليس تفصيلًا بريئًا، فالاحتفاظ باسم “علم الكلام” يمنح المشروع شرعية داخل التراث، لكنه يحمل معه أيضًا آثار تاريخ طويل ارتبط بالدفاع عن العقيدة، وترسيم حدود الإيمان، والفرقة الناجية، والخصم المخالف. فهل يستطيع الاسم القديم احتواء تحول معرفي جذري من دون أن يعيد إخضاعه لذاكرته؟ أم أن الجديد يظل معرضًا لخطر التحول إلى هامش داخل بنية القديم؟ هنا يظهر الاختلاف بين التجديد والتفكيك. التجديد يفترض إمكان إعادة بناء المنظومة على أسس أصلب وأكثر ملاءمة للعصر. أما التفكيك فيتردد أمام فكرة البناء النهائي؛ إذ يرى أن كل بنية جديدة تحمل في داخلها شقوقها، وأن كل مركز يؤسس هامشه، وكل تعريف ينتج ما يستبعده. التجديد يريد نظامًا بديلًا لإنتاج المعنى الديني، بينما يسأل التفكيك: هل يمكن امتلاك نظام يحكم المعنى من دون أن يتحول إلى سلطة جديدة عليه؟

لكن التفكيك الذي أدافع عنه هنا لا يدعو إلى ترك المعنى في فوضى مطلقة، ولا إلى مساواة التأويلات بعضها ببعض. إنه يطالب فقط بأن تظل عملية إنتاج المعنى واعية بحدودها، ومتواضعة أمام ما تستبعده، وقادرة على مراجعة نفسها. لا نحتاج إلى معنى بلا قرار؛ نحتاج إلى قرار يعرف أنه ليس أبديًا. ولا نحتاج إلى تأويل بلا معيار؛ نحتاج إلى معيار أخلاقي لا يدعي أنه خارج التاريخ أو فوق السؤال. في هذا الجانب يلتقي مشروع الرفاعي مع الروح الأعمق للتفكيك، حتى حين يختلف معها فلسفيًا. فالدعوة إلى دين يحمي الكرامة، ويمنح الإنسان الحب والرحمة والسكينة والجمال والسلام، ليست مجرد إعادة تعريف لعلم الكلام؛ إنها مقاومة لأنظمة دلالية استعملت المقدس في إنتاج الخوف والطاعة والإذلال. والتفكيك، في جوهره الأخلاقي، هو أيضًا انحياز إلى من تستبعدهم البنى المغلقة، وإلى الأصوات التي لا يسمح المركز بسماعها.

من هنا لا أقرأ عبد الجبار الرفاعي مجددًا يبحث عن طلاء حديث لبناء قديم؛ أقرأه مفكرًا يحاول نقل الفكر الديني من سؤال: كيف نحمي العقيدة؟ إلى سؤال: كيف نحمي الإنسان من التأويلات التي تحطم روحه وكرامته؟ وهذه النقلة هي الإنجاز الأهم في مشروعه. غير أنه، مثل كل مشروع كبير، يفتح أسئلة تتجاوز الأجوبة التي يقدمها: هل يمكن تحرير الدين من التاريخ من دون أن نفقد تاريخية ظهوره؟ هل نستطيع فصل الوحي عن سلسلة تأويلاته؟ هل الدين أفق للمعنى نعثر عليه، أم أفق نسهم في بنائه باستمرار؟ وهل الانتقال من مركزية العقيدة إلى مركزية الإنسان يلغي المركز، أم يمنحه اسمًا جديدًا؟

ربما لا تتمثل قيمة مشروع الرفاعي في تقديم أجوبة نهائية عن هذه الأسئلة؛ إذ تكمن قيمته في جعل طرحها ممكنًا من داخل الثقافة الدينية نفسها. لقد فتح الباب من داخل البيت، لا ليحرقه، ولا ليعيد ترتيب أثاثه فقط، وإنما ليسمح بدخول هواء لم تعتده غرفه المغلقة. أما مهمة القراءة النقدية فهي أن تبقي الباب مفتوحًا، وألا تسمح للغة التجديد بأن تتحول بدورها إلى يقين جديد أو مؤسسة جديدة تحتكر تعريف الدين والإنسان والمعنى.

أكتب هذه القراءة تكريمًا لمشروع صديقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي، وأفهم التكريم هنا اعترافًا بحق المشروع في أن نقرأه بجدية، ونفككه بحب، ونضعه في مواجهة أصعب الأسئلة التي يوقظها. المشاريع الصغيرة وحدها تحتاج إلى المديح كي تبقى، أما المشاريع الحية فتزداد حيوية كلما دخلت في حوار واختلاف.

لعل أفضل ما يمكن قوله عن مشروع الرفاعي أنه لم يعد يسمح لنا بأن نتحدث عن الدين بعده بالطريقة نفسها التي كنا نتحدث بها قبله. غير أن الوفاء الحقيقي لروحه التجديدية يقتضي ألا نتعامل حتى مع مفاهيمه كنهايات. الدين، مثل اللغة، لا يمنح معناه دفعة واحدة، والإنسان لا يستقر في تعريف، والنص لا يغلق أبوابه بعد قراءة واحدة. وما نسميه تجديدًا لا يعني الوصول إلى المعنى الأخير؛ إنه إبقاء المعنى قادرًا على الولادة، وإبقاء السؤال حيًا في وجه كل سلطة تريد أن تعلن أن الكلام قد اكتمل.

 

د. تحسين الشيخلي: أكاديمي عراقي، حاصل على شهادة دكتوراه الدولة في هندسة المعلوماتية من فرنسا، وأستاذ مشارك في جامعة كينغستون في لندن، ومدير مركز دراسات وبحوث المستقبل في لندن.

 

https://www.almothaqaf.com/aqlam-3/988702-%D8%AA%D8%AD%D8%B3%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%8A%D8%AE%D9%84%D9%8A-%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A-%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A9-%D8%AA%D9%81%D9%83%D9%8A%D9%83%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D9%86%D9%89

 

عبد الجبار الرفاعي وإعادة تعريف المفاهيم الدينية

بهاء سوادي[1]

عندما نقرأ عن تجديد علم الكلام، نعيش لحظات استثنائية تتخللها الدهشة والإعجاب بهذا الجهد النقدي والفلسفي العميق الذي يقدّمه الدكتور عبد الجبار الرفاعي. فهو يمارس التجديد عقل الناقد، ورؤية الفيلسوف، وشخصية المفكر الذي يغوص في أعماق الفكر الديني، محللًا ومفككًا بنياته ومفاهيمه. لا يكتفي الرفاعي بالنظر إلى الجوانب السطحية للموضوع، بل يتجاوزها إلى ما هو أبعد وأعمق؛ إذ تتجه رؤيته النقدية إلى البنية التحتية الكامنة في أعماق الفكر الديني، فيعيد النظر في المسلّمات والبديهيات التي اعتاد كثيرون التعامل معها على أنها مفاهيم ثابتة لا تقبل التغيير. في سياق ذلك، يعمد إلى نقد تعريفاتها، باحثًا في عوامل نشأة هذه التعريفات، والأحوال السياسية والاقتصادية والاحتماعية، ومختلف الإكراهات التاريخية التي أسهمت في تشكيل دلالاتها وبناء معانيها. ويعيد تعريفها في ضوء فلسفة الدين الحديثة.

بدأ الرفاعي مشروعه في تجديد الفكر الديني بإعادة تعريف الدين تعريفًا يحرّره من الاختزال العقدي والفقهي والأيديولوجي، حين عرّفه بأنه: “الدين حياة في أفق المعنى، تفرضها حاجة الإنسان الوجودية لإنتاج معنى روحي وأخلاقي وجمالي لحياته الفردية والاجتماعية”. وانطلاقًا من هذا التفسير للدين، أعاد بناء منظومته الفكرية على أساس أن الدين يستجيب أولًا لحاجة الإنسان الوجودية إلى المعنى، قبل أن يكون منظومة أحكام أو مؤسسة سلطة أو هوية مغلقة. لذلك انشغل بإعادة تعريف المفاهيم المحورية في الدين، المتمثلة بـ : الإيمان، والوحي، والنبوة، والشريعة، والتكليف، سعيًا إلى اكتشاف دلالاتها الحيّة القادرة على إشباع حاجة وجود الإنسان إلى المعنى في عالم متغير.

لم يتعامل الرفاعي مع هذه المفاهيم باعتبارها معاني نهائية مكتملة أُنجز فهمها في الماضي، وإنما نظر إليها بوصفها مفاهيم مفتوحة تتجدد قراءتها بتجدد علوم ومعارف وخبرة الإنسان وتحول شروط حياته وأسئلته. لذلك عمل على توسيع آفاقها الدلالية، وكشف ما تختزنه من إمكانات روحية وأخلاقية وجمالية، بما يجعلها أكثر قدرة على التفاعل مع تحولات العصر والاستجابة لتحديات الإنسان المعاصر. هكذا انتقل بهذه المفاهيم من فضاء التكرار والاستنساخ إلى فضاء الاجتهاد المواكب للواقع، حيث يغدو الدين مصدرًا لإثراء المعنى، وتحرير الإنسان، وحماية كرامته، وإيقاظ وعيه، بدل أن يتحول إلى أداة للوصاية أو الإقصاء أو إعادة إنتاج الماضي. في سياق هذه القراءة سعى الرفاعي إلى بناء فهم للدين يظل وفيًّا لجوهره الروحي، وفي الوقت نفسه منفتحًا على متطلبات الحياة الحديثة وأسئلة الإنسان المتجددة.

إن تجديد الفكر الديني يعني إعادة إحياء فاعليته الفكرية والاجتماعية والثقافية في حياة المسلم. وهذا التجديد مرهون بتجديد علم الكلام، كما أن تجديد علم الكلام مرهون ببذل جهد استثنائي وفريد، يستمد فرادته من الجرأة والقدرة على مقاربة المفاهيم الدينية الأساسية والحساسة، ونقدها، وإعادة النظر فيها، وصياغة تعريفاتها من جديد. يقتضي ذلك عدم الخضوع للرؤى الكلامية التقليدية المهيمنة على الفكر الديني الإسلامي، التي غدت رؤاها وتعريفاتها بمنزلة خطوط حمراء لا يجرؤ كثيرون على المساس بها أو الاقتراب منها.

عندما نتحدث عن علم الكلام، فهذا يعني أننا نتحدث عن “نظرية المعرفة في الإسلام” حسب رأي الرفاعي، لذلك يشدد على: “أن أية محاولة لتجديد الفكر الديني الإسلامي تتجاوز علم الكلام، فإنها تقفز إلى النتائج دون المرور بالمقدمات”. علم الكلام، الذي يبحث في أصول العقيدة الإسلامية والدفاع عنها، يشكّل أساسًا للبنية التي تصوغ الرؤية للعالم في الدين الإسلامي. علم الكلام هو من يبحث عن: الله ووجوده، والقضاء والقدر، والثواب والعقاب، واليوم الآخر، والبعث والحساب. ويعرّف: النبوة والوحي، ويتجاوز ذلك إلى الشريعة والتكليف، مؤسسًا الأساس الذي تستنبط منه الأحكام الشرعية المتصلة بمختلف شؤون حياة الإنسان الدينية.

علم الكلام التقليدي، الذي تطوّر مع الأشاعرة والمعتزلة والماتريدية والإمامية وغيرهم من مؤسسي الفرق، انبثق في سياقات دينية وسياسية وثقافية خاصة، تعكس الأسئلة العقائدية في عصره، والتي فرضتها مرحلة تاريخية محددة على مجتمع بعينه، مما يعني أن جميع المفاهيم الدينية، مثل: الوحي، والنبوة، ومصير الإنسان، والقضاء والقدر، والبعث، وغيرها، يتلقاها الإنسان ويفهمها ضمن أفقه المعرفي وقدراته الذهنية والثقافية. من هنا فإن طرائق فهم هذه المفاهيم والتعبير عنها ليست ثابتة، وإنما تتأثر بتطور العلم والمعرفة وتبدّل السياقات التاريخية والثقافية. وفي ضوء هذا الفهم، يرى الرفاعي أن هناك حاجة ضرورية تدفعنا باستمرار إلى تجديد علم الكلام، وإعادة النظر فيه، ونقده، وإعادة بنائه.

يشرح الرفاعي الفرق بين ثلاثة مفاهيم، هي: الإحياء والإصلاح والتجديد. فالتجديد في نظره عملية ابتكار وتطوير، تتضمن تجديدًا في اللغة والمنهج والهدف والموضوع، وتسعى إلى إعادة بناء فهم الدين بما يستجيب لروح العصر ولتحولات الإنسان والعالم. أما الإصلاح فينشغل بمراجعة ما اعتراه من خلل أو انحراف في الفكر أو الممارسة الدينية، والعمل على تقويمه وتصحيحه داخل البنية القائمة، من دون أن يفضي بالضرورة إلى إعادة تأسيس المفاهيم أو إنتاج رؤى جديدة. في حين أن الإحياء هو “استئناف ما كان في الماضي كما هو”. أي إن الإحياء يتحول، وفق هذا الفهم، إلى توسيع لحضور الدين في مختلف مجالات الحياة وعلومها ومعارفها، وتدخله في شتى نشاطات الإنسان، على نحو يفضي إلى إهدار المعنى الديني الروحي والأخلاقي والجمالي في حياة الإنسان. وفي ضوء ذلك يميز الرفاعي بين الإصلاح الذي يستهدف تصحيح القائم، والتجديد الذي يبتكر آفاقًا جديدة للفهم، والإحياء الذي يسعى إلى استعادة ما كان في الماضي وإعادة حضوره.

في ضوء ذلك لا يمكن تصنيف الرفاعي في إطار الإحياء أو الإصلاح بالمعنى الشائع لهذين المفهومين، وإنما يتموضع في أفق التجديد بوصفه مشروعًا فلسفيًا ومعرفيًا يسعى إلى إعادة بناء التفكير الديني في إطار الفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة. الرفاعي مجدد يمارس التجديد بوصفه فعلًا نقديًا، لا يكتفي بمراجعة الأجوبة الموروثة، وإنما يذهب إلى الأسئلة المؤسسة التي أنتجتها، ويعيد فحص منطلقاتها ومقدماتها في ضوء التحولات الكبرى التي شهدها وعي الإنسان الحديث ومعارفه. وينشغل الرفاعي بمشروع متكامل للتجديد الديني، يهدف إلى إعادة اكتشاف المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي للدين، بعد أن حجبتْه في كثير من الأحيان قراءات مغلقة ومقولات تراثية استُهلكت تاريخيًا. لذلك يدعو إلى إعادة التفكير في المفاهيم الدينية الأساسية، وإعادة صياغتها بلغة جديدة تستوعب تحولات الإنسان والعلوم والمعارف، وتفتح أفقًا أرحب لفهم الدين بوصفه مصدرًا للمعنى والحرية والكرامة والحب والرحمة. في سياق هذا المسعى يعمل على بناء وعي ديني أكثر قدرة على الحوار مع العصر، وأكثر استعدادًا للاستجابة للأسئلة الوجودية والروحية التي يواجهها الإنسان اليوم.

[1] كاتب عراقي، طالب في المرحلة السادسة بكلية الطب في جامعة البصرة.

https://al-aalem.com/%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%a8%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%81%d8%a7%d8%b9%d9%8a-%d9%88%d8%a5%d8%b9%d8%a7%d8%af%d8%a9-%d8%aa%d8%b9%d8%b1%d9%8a%d9%81-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%81%d8%a7/

تمت يوم الخميس 11-6-2026، مناقشة الرسالة التي قدّمها الطالب مخلوف شمس الدين في كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة عبد الحميد مهري – قسنطينة 2 في الجزائر، بعنوان: “علم الكلام الجديد في فكر عبد الجبار الرفاعي: من العقدية التقليدية إلى الروحانية المعاصرة”. وقد مُنحت الرسالة تقدير “جيد جدًا”.

هذه الرسالة هي الحادية والثلاثون في تسلسل الرسائل المنجزة لدراسة مشروع عبد الجبار الرفاعي في تجديد الفكر الديني في جامعات عراقية وعربية وأجنبية.

 وفيما يأتي قائمة بما تمت مناقشته حتى اليوم:

 أولا. الدكتوراه:

  1. الفكر الإسلامي المعاصر والتجديد في علم الكلام: عبدالجبار الرفاعي أنموذجا، اطروحة دكتوراه، صافية مناد،كلية العلوم الاجتماعية في جامعة وهران بالجزائر، 2020.
  2. النزعة الإنسانية في الفكر العربي المعاصر عند حسن حنفي وعبد الجبار الرفاعي، اطروحة دكتوراه، حسين علي منصور، كلية الآداب بجامعة بغداد، 2024.
  3. في تأويلية علم الكلام: قراءة زمانية مركبة في أعمال يمنى طريف الخولي وباسل الطائي، وعبد الجبار الرفاعي ومحمد إقبال، إيمان مخينيني، أطروحة ما بعد الدكتوراه، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة سوسة في تونس، 2023.
  4. الموقف من التصوف الإسلامي في الفكر العربي المعاصر: من العراق هادي العلوي، وعبد الجبار الرفاعي، ومن مصر زكي نجيب محمود، وعبد الرحمن بدوي، ومن سوريا طيب تيزيني، وأدونيس، ومن المغرب محمد عابد الجابري وطه عبدالرحمن، اطروحة دكتوراه، رغد سليم داود، كلية الآداب في الجامعة المستنصرية ببغداد، 2024.
  5. نقد العقل التراثي، جيل ما بعد محمد باقر الصدر في العراق: “عمار أبو رغيف، كمال الحيدري، يحيى محمد، عبد الجبار الرفاعي”، اطروحة دكتوراه، علي المدَن، جامعة الأديان والمذاهب بقم، 2016.

ثانيا. الماجستير:

  1. التجديد في الفكر الإسلامي المعاصر: الدكتور عبد الجبار الرفاعي أنموذجا، مروة حسن فرحان الأعرجي،كلية الآداب بجامعة الكوفة، 2017.
  2. تفكيك بنية التعصب في الفكر الإسلامي: الدكتور عبد الجبار الرفاعي أنموذجا، علي قاسم محمد، كلية العلو الإسلامية بجامعة بغداد، 2018.
  3. النزعة الإنسانية في علم الكلام الجديد عند عبد الجبار الرفاعي، أحمد لقمان فهمي، المعهد العالي للحضارة الإسلامية، جامعة الزيتونة، 2019.
  4. علم الكلام الجديد عند عبد الجبار الرفاعي: عرض ومناقشة، راضية نوري، وفاء بن قطران، معهد العلوم الإسلامية بجامعة الشهيد حمه لخضر في الوادي بالجزائر، 2020.
  5. الانهمام بالإنسان في علم الكلام الجديد: عبد الجبار الرفاعي نموذجا، بن شليخ مريم،كلية العلوم الاجتماعية في جامعة عبد الحميد بن باديس في مستغانم بالجزائر، 2021.
  6. التجديد الديني في الفكر الشيعي المعاصر: عبد الجبار الرفاعي أنموذجا، طارق أمين، كلية الآداب والفنون والإنسانيات بجامعة منوبة في تونس، 2022.
  7. التجديد في علم الكلام الأسلامي: عبد الجبار الرفاعي أنموذجا، أسعد صباح شنان،کلیة الفلسفة بجامعة الأدیان والمذاهب في قم، 2022.
  8. مسألة الكرامة الإنسانية في علم الكلام المعاصر بين مشروعي عبد المجيد النجار وعبد الجبار الرفاعي، مسعودة الأعور، مروة عـــــزوز، معهد العلوم الإسلامية بجامعة الشهيد حمه لخضر الوادي، 2022.
  9. فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد عند عبد الجبار الرفاعي، سهيلة شريكي، كلية العلوم الإنســـانية والاجتمــــاعية بجامـــــعة محمد بوضيـــــاف – مسيـــلة في الجزائر، 2022.
  10. الإنسان بين علم الكلام القديم وعلم الكلام الجديد: الراغب الأصفهاني وعبد الجبار الرفاعي نموذجا، هاجر فرزولي، كلية العلوم الإسلامية، جامعة باتنة -1 الحاج لخضر، الجزائر، 2023.
  11. تجديد علم الكلام الجديد عند عبد الجبار الرفاعي، حراث أنغام، مشري روفيدة، كلية العلوم الإنســـانية والاجتمــــاعية بجامعة الشهيد الشيخ العربي التسي بتبسة، الجزائر، 2023.
  12. الكرامة الإنسانية في فكر الدكتور عبد الجبار الرفاعي من خلال كتابه الدين والكرامة الإنسانية، زينب بشار أحمد الخفاف، كلية العلوم الإسلامية بجامعة الموصل، 2023.
  13. مبادئ تفسير القرآن عند الدكتور عبد الجبار الرفاعي: دراسة نقدية،كلية العلوم والمعارف القرآنية في جامعة الاديان والمذاهب بقم، 2023.
  14. النزعة الإنسانية في علم الكلام الجديد: دراسة مقارنة بين محمد أركون وعبد الجبار الرفاعي، داود سالم عيسى حسن،کلیة الفلسفة بجامعة الأدیان والمذاهب في قم، 2023.
  15. مفهوم الوحي عند عبد الجبار الرفاعي وحيدر حب الله، سرى مقداد شاكر،كلية الآداب بجامعة بغداد، 2024.
  16. فلسفة الدّين في فكر عبد الجبّار الرّفاعي: أنسنة الإسلاميّات أم أسلمة الإنسانيّات؟، روي روبير عيد، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجامعة اللبنانية، 2024.
  17. التحربة الدينية في علم الكلام المعاصر: عبد الجبّار الرّفاعي أنموذجا، مريم عزيز عبد، كلية الآداب، جامعة واسط بالعراق، 2024.
  18. موقف عبد الجبار الرفاعي من التراث الكلامي الإسلامي: عرض ومناقشة، شروق محمد محمد هاشم بصرة، كلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر، 2024.
  19. الإنسان ومشكلة المعرفة في فكر الدكتور عبد الجبار الرفاعي، منال عوني عبد الخالق غنيم،كلية الآداب بجامعة طنطا، مصر، 2025.
  20. آفاق فلسفة الدين عربيا: عبد الجبار الرفاعي انموذجا، بلبية فريحة، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، بجامعة ابن خلدون، في مدينة تيارت، غربي الجزائر، 2025.
  21. التجربة الدينية دراسة مقارنة بين محمد إقبال وعبد الجبار الرفاعي، فاطمة صالح عزيز، كلية الامام الكاظم ببغداد، 2025.
  22. 27. سؤال التجديد في علم الكلام الجديد: عبد الجبار الرفاعي انموذجا، اعداد: شيماء قدح، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية في جامعة محمد بوضياف المسيلة في الجزائر، 2025.
  23. أثر الهرمنيوطيقا في فهم النص الديني عند عبد الجبار الرفاعي، ميس السراي، كلية التربية للعلوم الإنسانية، جامعة واسط بالعراق، 2025.
  24. تجديد الفكر الفلسفي والديني لدى عبد الجبار الرفاعي”، بلال الحمداني، كلية الإلهيات في جامعة دكوز ايلول في مدينة ازمير، تركيا، 2026.
  25. منهج الدكتور عبد الجبار الرفاعي في كتابه مقدمة في علم الكلام الجديد، محمود الطائي، كلية العلوم الإسلامية، جامعة الموصل، 2026.
  26. علم الكلام الجديد في فكر عبد الجبار الرفاعي: من العقدية التقليدية إلى الروحانية المعاصرة، مخلوف شمس الدين، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة عبد الحميد مهري، قسنطينة 02، الجزائر، 2026.

 

 

 

الرؤية اللاتاريخية للدين غير علمية

 د. عبد الجبار الرفاعي

الدين كائن حي، يتشكل ويتحول تبعًا لتحول أنماط الفهم والعيش. يتطور حين تنبض فيه الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية، ويذبل حين تنغلق آفاقه ويغدو تفسير نصوصه أسير التكرار والاجترار. ما من ديانة بقيت على صورة واحدة في التاريخ؛ فكم من ديانة انفتحت على الإنسان والعالم ثم انكمشت في قوالب مغلقة، وكم من ديانة ضاقت آفاقها في مرحلة من تاريخها ثم استعادت حيويتها وانفتاحها في مرحلة أخرى. ذلك أن مفسري النصوص الدينية لا يقرؤونها خارج شروطهم الإنسانية، وإنما تتدخل في فهمهم رؤيتهم للعالم، وثقافتهم، ونمط عيشهم، ونشأتهم، وتربيتهم، وتكوينهم المعرفي، وأحكامهم المسبقة، وآفاق انتظارهم من الدين. من هنا يتجدد فهم النصوص بتجدد الإنسان، وتتغير طرائق تفسيرها بتغير الأسئلة التي يفرضها العصر، والحاجات التي يستيقظ عليها الوعي البشري في كل زمان. من هنا تنشأ الحاجة إلى تتابع النبوات في تاريخ الأديان، وإلى ظهور المصلحين والمجددين، وتنبثق الضرورة الدائمة لإصلاح التدين، وتجديد فهم الدين، وإعادة تفسير نصوصه بما يوقظ ما تختزنه من طاقات روحية وأخلاقية وجمالية قادرة على إرواء الظمأ الأنطولوجي للإنسان، وصون كرامته، وإثراء حياته، وتجديد صلته بالمعنى الروحي والأخلاقي الذي تتطلبه حياته في كل عصر.

دراسة أثر كل دين وأنماط التدين التي تتشكل في فضائه تتطلب أن يعتمد الدارس معادلة مثلثة للفهم، إذ لا بد أن يعاين الدارس ذلك الدين بوصفه نصًا أولًا، ويتعرف ثانيًا على شخصية الإنسان المعتقد بهذا النص فردًا ومجتمعًا، ويكتشف طبيعة الواقع الذي يعيش فيه هذا الإنسان وكل ما يحفل به عصره ثالثًا. هذه العناصر الثلاثة تشكل توليفة متفاعلة يؤثر كل منها بالآخر ويتفاعل معه. لذلك تختلف أنماط التدين تبعًا لاختلاف الناس أفرادًا ومجتمعات، واختلاف واقعهم وعصرهم وثقافتهم، وطريقة عيش الإنسان ونمط العمران، واختلاف كيفية تلقي النصوص الدينية. ربما يكون التدين دافئًا، لينًا، رقيقًا، رحيمًا، كما لدى القليل من الأشخاص الذين يولدون في واقع يستمعون فيه إلى صوت المحبة والعطف والشفقة والتراحم، ويحظون بتربية وتعليم سليمين. وربما يكون التدين شديدًا، قاسيًا، عنيفًا بلا رحمة، كما نجد لدى معظم الأشخاص الذين يتعرضون إلى اضطهاد وعنف في العائلة والمجتمع والسلطة السياسية، ولا يحظون بتربية وتعليم سليمين.

تنشأ الثغرات في دراسة الأديان من إهمال إحدى أضلاع المعادلة المثلثة للفهم، لذلك تتطلب دراسة الأديان أن يتعاطى الدارس مع نصوصها وتراثها الديني بمنطق الباحث الذي يعتمد مناهج البحث العلمي، وينشد فهم المغزى العميق لهذه النصوص، ويهمه التعرف على دلالات التراث في فضاء السياقات الخاصة التي تشكل فيها، والسعي لاكتشاف الآثار الروحية والأخلاقية والجمالية التي أنتجتها نصوص هذه الأديان، وكيفيات تمثلها في الحياة البشرية. ولا أظن أن هناك جدوى من دراسة الأديان ومقارنتها وحوارها، لو كان الدارس مولعًا بالتبشير بمعتقده ولا يريد إلا ترويجه، والحرص على إدخال الآخر فيه، على وفق اعتقاده بأن معتقده هو الحق، وكل ما سواه باطل.

الواقع الذي نعيشه اليوم يفرض علينا الاهتمام بدراسة الدين في سياق مكاسب العقل والعلم والمعرفة والخبرة البشرية المتراكمة، ودراسة كيفية نشأته وأنماط حضوره وصيرورته عبر التاريخ، والانتقال في الدراسات الدينية من الرؤية التقليدية، التي كانت ترى الدين ونصوصه مرجعية نهائية في تفسير وفهم كل شيء، إلى رؤية تخضع تعبيرات الدين وتجلياته في الحياة للفهم والتفسير، بوصفها تمثلات بشرية، وكل ما هو بشري يقع في مدارات عقل الإنسان وعلومه ومعارفه وخبراته. وإن كانت نصوص الدين مقدسة، غير أن تفسيرها وتأويلها وفهمها يتجلى فيها الأفق التاريخي الذي يتموضع فيه الإنسان، ولا يمكن أن يكون ذلك الفهم عابرًا للإطار المعرفي لذلك الإنسان.

ليست هناك ديانة أو نص ديني خارج طرائق عيش الإنسان وأحوال العمران. الإنسان لا يعيش في فراغ، وإنما يخضع لمشروطيات تسهم في تشكيل وعيه، وتؤثر في نظرته إلى العالم، وتنعكس على فهمه للدين وتمثله لمعانيه. وتتجلى هذه المشروطيات في: العقل، واللغة، والمشاعر، والغرائز، والجسد، والتربية، والتعليم، والثقافة، والاقتصاد، والسلطة، والتاريخ، والمكان، والزمان، ولا يتجسد الدين في حياة الإنسان إلا من خلال هذه المشروطيات، إذ يتلقى الإنسان النص الديني ويفهمه ويؤول دلالاته في ضوئها. لذلك يتنوع فهم الدين وتفسير نصوصه بتنوع أنماط حياة الناس وطرائق عيشهم، واختلاف بيئاتهم وثقافاتهم وتجاربهم في الحياة. النص الديني واحد، غير أن معناه يتكشف في آفاق متعددة، تبعًا لتنوع طرائق التلقي، وتعدد الخبرات الإنسانية، وتنوع الشروط التي يتكون في سياقها وعي الإنسان ورؤيته للعالم.

الرؤية اللاتاريخية للدين ترى الأديان قارة ساكنة، وكأن الأديان تؤثر في المجتمعات وتعمل على تغييرها من دون أن تتغير هي أو تتأثر. أما الرؤية التاريخية العلمية فتذهب إلى أن الأديان تتأثر بطبيعة المجتمعات الإنسانية المتنوعة، تبعًا لتنوع الزمان والمحيط والإثنية والجغرافيا والثقافة واللغة والاقتصاد والسلطة، وتشرح كيف أن هناك تأثيرًا وتأثرًا متبادلًا بين الدين والمجتمع. مثلما يؤثر الدين في المجتمع، ويسهم في إنتاج رؤيته للعالم، ويعمل على صوغ نمط حياته، يعمل المجتمع أيضًا على إنتاج صورته الخاصة للدين، وصياغة نمط التدين الذي يشبهه. لو ظهرت البوذية في الجزيرة العربية لأضحت مشابهة للمجتمع العربي، ولو ظهرت الهندوسية في اليونان لأضحت مشابهة للمجتمع اليوناني، ولو ظهرت المسيحية في الصين لأضحت مشابهة للمجتمع الصيني، وهكذا الحال في الأديان الأخرى. وكما تؤثر المجتمعات في الأديان، تؤثر الأديان في المجتمعات، فما فعلته البوذية في المجتمع الهندي ومجتمعات آسيا المعتنقة لها لا يقل عن فعل المجتمع الهندي ومجتمعات آسيا المعتنقة للبوذية فيها، وما فعله الإسلام بالأندلس لا يقل عن فعل الأندلس بالإسلام.

لا يكفي الحكم على أخلاقية وإنسانية الديانة بما تشتمل عليه مدونتها، أو بشهادات أتباعها عنها، مهما ادعوا من انحصار الأخلاق والإنسانية فيها، إنما يتم ذلك بمقارنتها بالديانات الأخرى، مضافًا إلى اكتشاف مقدار تجلي القيم الإنسانية لهذه الديانة وأخلاقياتها في سلوك معتنقيها أفرادًا وجماعات، في الماضي والحاضر.

ليس هناك دين يحتكر المحبة والحريات والحقوق واحترام كرامة الكائن البشري، وليس هناك تاريخ دين منزه عن التعصب والعنف وانتهاك كرامة الإنسان.ففي ميراث الأديان السماوية مثلًا لا يصح نسيان مظالم الفتوحات الإسلامية، مثلما لا يصح نسيان مآسي الحروب الصليبية، والجرائم الشنيعة للصهيونية في فلسطين ولبنان وغيرهما.

المعروف عن البوذية أنها ديانة غير تبشيرية، وأنها من أكثر الديانات في الأرض سلمًا، فلم يتحدث لنا التاريخ عن حروب تم خوضها أو دماء أبرياء سفكت باسمها، كما هو معروف عن ديانات أخرى، لكن مع كل ذلك تناقلت وسائل الإعلام صورًا ومشاهد مريعة لأعمال عنف مأساوية ضد مسلمي الروهينغا في ميانمار عام 2017، قامت بها مجموعات بوذية بتحريض رهبان بوذيين متطرفين.

‏الموقف الأخلاقي يفرض على أتباع كل دين الكشف عن أرشيفات الماضي، وإعلان كل ما يختبئ فيها، وفضح منابع التعصب والكراهية في تراثهم مثلما يفضحونها لدى غيرهم، والاعتراف بأخطائهم كما يتحدثون عن أخطاء غيرهم.

 

دروب المعنى كتابٌ يُقتنى ولا يُعار

منى الصالح
يفاجئك دروب المعنى للدكتور الرفاعي بمجرد أن تلِج صفحاته، وتأخذك الدهشةُ الممتعة تمامًا كما هي حين تلتقيه شخصيًّا أوّل مرّة.
أنت الذي خبرته، وهو الذي يخوض بك في أرضٍ طالما حُذِّرت منها؛ يتوغّل معك برِفقٍ ما بين الاغتراب الميتافيزيقي والظّمأ الأنطولوجي. فكلّ كتابٍ من كتبه يفتح لك عوالم جديدة، ويرتقي بفكرك ونضجك ووعيك بدرجات متقدّمة، تتعمق الفكرة، وقد تحتاج إلى إعادة الصفحة عدّة مرّات، لتناقش وتبحث وتراجع كتبًا أخرى، وتغوص معه حيث علم الكلام والفلسفة الغربية، حديثِها وقديمِها. تتعرّف من خلال سلاسة أسلوبه على شخصيّات كان من الصعب فهم نظريّاتهم والوقوف على رؤاهم، لتجد نفسك أمام المعلّم الموسوعي.
لكنّ دروب المعنى، منذ بداياته، وجَدَتني أمام كتابٍ يُقتنى ليكون مرجعًا، لا لتقرأه مرّة واحدة؛ بل تحتاجه كلّما أرقك سؤالٌ مُحيِّرٌ في هذا العالم الظالم، تبحث فيه عن الله:
«الله حيٌّ لا يموت، ما يموت هو ما يصنعه الإنسان من صورٍ لله، يستعملها في خدمة مصالحه واحتياجاته للاستحواذ على المال والثروة والسلطة باسم الدين».
تعود إليه مُتلهّفًا لتجد ما يُسكّن قلقك الوجودي، بأنّ السؤال لا ينتهي:
«تتجلّى قوّة العقل في أنّ الأسئلة فيه لا تنتهي إلى إجابات نهائية مغلقة، بل إنّ الإجابات تتوالد منها أسئلة أعمق من الأسئلة التي وَلَدت أحيانًا».
في كلّ بحثٍ تخوض فيه، وتحاول الاستشهاد بمن يدلّك على الطريق، تشعر أنّ تجربتك ليست استثناءً عن البشر، وأنّ خطأك طبيعيّ في مجتمعٍ يعتبر الخطأ ذنبًا وأسرًا لا سقف لها، فيهرب منها أبناؤها:
«يتخفّف الإنسان بالاعتراف بالخطأ داخليًّا أوّلًا… لو اعترفنا بأخطائنا لتخلّصت عوائلنا من كثيرٍ ممّا يهدّد كيانها ويعصف بأمنها».
في عالم، التنافس فيه شعار، والمثالية وامتلاك الحقيقة تُشعرنا بالعجز والضعف:
«حاولتُ أن أدرّب نفسي على أن أنظر إلى هشاشتي وضعفي البشري قبل أن أنظر إلى ما أتوهم أنّي أتميّز به على غيري».
فتتوازن، وتشعر أنّ هذا الضعف جزءٌ من بشريّتنا، ولا يُخلّ بشخصيّاتنا.
وتتعلّم، على بساطة كلماته، أنّ:
«حكمة الحكيم تجعل حياته آمنة، وتمكّنه من إدارة علاقاته بسلام».
حين تتيه بين نزاعات الأديان وحروبها، ويؤرق الشكّ لياليك، تجد فيه ما ينساب على روحك كالماء الزلال:
«لا يولد السلام بين الأديان في فضاء الاعتقاد، بل يولد السلام بين الأديان في فضاء الإيمان».
ويعلّمك أنّ الإنسان الذي يستهدف أن يواصل تعليمه:
«ينبغي الإصغاء لحديث كلّ شيء في الطبيعة مهما كان، وينصت لصوت الوجود… كلّ شيء في الوجود يتحدّث إلينا بلغةٍ خارج اللغات البشرية المتداولة».
الكتابُ حديقةٌ غنّاء تتجوّل فيها، فتتيه بين جمال النرجس ورِقّة التوليب وعطر الياسمين. تفتّش في كلّ حرف، تريد أن ترى صورتك فيه بكلّ تجلّياتها.
تسمع فيه صوت الرحمة، وتغيب عنه صور العقاب والانتقام.
وكما تتفاجأ وأنت بحضرة المفكّر الكبير والفيلسوف، بالإنسان الهادئ؛ حيث لا بدّ لك أن تهدأ حتى تستطيع الإمساك بحديثه. المحبّ الذي يحتضن من عرفه ومن لا يعرفه، الموافق لفكره والمختلف معه.
الحبّ عنده دين، والدين حبّ. فتتعدّد تجلّيات الحبّ بثراء شخصيّته وقدرته على العطاء، كما تتعدّد بكتبه وحروفه. فهو الذي يؤمن أنّ طريق القلب يوصل إلى الله، وأنّ العقل يؤسّس إيمانًا يملأ الفكر بدهشة عظمة وجود الله.
أنت أمام إنسانٍ في كتاب.
دروب المعنى هو رفيق كلّ باحثٍ عقلُه مشاكس، وقلبه مطمئن.

https://almothaqaf.org/aqlam-2/985907

دعوة لقراءة عبد الجبار الرفاعي

طالب عبد العزيز
بحكم تربيتي وثقافتي البسيطة فانا لست معنياً بأفكار وعقائد الاسلاميين اليوم، لقد تجاوزتُ مع كثيرين سواي فكرة الدولة الدينية، ووجوب قيامتها لتحقيق العدل والحياة الحرة الكريمة وإشاعة روح المواطنة. فالمنقلب العربي الأخير ينفي الفكرة هذه تماما. وتفيدنا الوقائع العربية بعد احداث الربيع العربي باستحالة قيامة الدولة هذه، وبموجب معطيات كثيرة. حتى بات الإيمان بالدولة المدنية مطلباً وبغية لبعض رجال الدين ومن كلا الفريقين، وأحسب أن الحوزة في النجف كانت قد بينت موقفها من هذه، في أكثر من مفصل. وتأتي ممارسات الحكومات والاحزاب الدينية، التي حكمت والتي تحاول وتسعى للحكم، في العراق ومصر وليبيا وسوريا لتؤكد بشكل قطعي على استحالة قيام الدولة هذه، إن لم تكن قد عملت وتعمل هي بنفسها على تقويض الفكرة، ذلك لأن الحياة الجديدة لا تحتمل هذا النوع من الأنظمة.
هل بات الدين ممارسة داخلية، حدودها الجسد والروح، وهل ينصح المفكرون بذلك، وهل نقول بوجوب تقليص فكرة التدين الى أدنى حد، بحيث لا تتجاوز المناجاة الصادقة بين الانسان وربه، بل، ألم تكن فكرة الأديان الأولى هكذا؟ ما الذي يريده الله منا بشكل عام ومجمل؟ ألم تأت التعاليم الدينية لتؤكد للإنسان وجوب أن يكون عاملا على الخير، محباً لأخيه، نافعا في مجتمعه، صادقا، منسجما مع نفسه ومحيطه. أترى أفعالا كهذه بحاجة لنظام وحكومة وجيش وتسليح ومن ثم قتل وتهجير واغتصاب ووو . الحصول على مجتمع كهذا بحاجة الى مفكرين أوفياء لبني جنسهم، تخلصوا من سطوة وقهر النص الى ما هو أبعد من حدود النص نفسه، أما حين يتعارض النص مع فكرة ووجود الانسان فلا وجوب للعمل به.
ثمة تأسيس مهم وواع في الثقافة العراقية، راح يتشكل خارج حيز الأدب والفنون يعمل عليه الدكتور عبد الجبار الرفاعي، من خلال كتبه التي أصبحت بمتناول كثيرين اليوم، وممن يتعاطون المعرفة والفكر والحياة الجديدة، واتخاذ الدين لا بوصفه عبادات وممارسات تقليدية، بعد انقشاع غيمة التشدد والطائفية والفهم القاصر والضيق للدين ومبادئه، أظنه سيزحف (التأسيس) بمنافعه على القراء الثانويين، من خارج طبقة المثقفين، وسيكون تأثيره المجتمعي شاملاً، في القريب من السنوات لا محالة، ذلك لأن الرفاعي لا يعمل على الإطاحة بالدين مثلما يدعو البعض من المفكرين العرب إنما يسعى في مشروعه إلى ما سماه( انقاذ النزعة الانسانية في الدين) وهو عنوان لأحد كتبه. أي أنه يعمل على انقاذ الإنسان من مقصلة النص.
وكأيّ من المتعجلين، الذي أخذوا فهمهم للدين عن الممارسات الشائنة لعناصر القاعدة وداعش والمليشيات أيضاً، ممن يستلون ويتعكزون في تمرير ممارساتهم وتعاليمهم على الكتب والروايات المقدسة(القرآن والحديث وكتب السير) سألته (الرفاعي) ما إذا كانت هناك نزعة انسانية في الدين؟ لم يجبْني، إنما هداني لقراءة كتابه( انقاذ النزعة الانسانية في الدين) ثم أنه تكرم وأهداني نسخة من كتابه (الظمأ الأنطولوجي) وهكذا رحت، مأخوذاً بنوع جديد من الفهم، العابر لحدود النصوص إلى ما هو انساني وحياتي، يمس روح وجسد المخلوق، من غير تشدد وعنت، ومنذ السطور الأولى وجدتني مع رجل مفكر، فيلسوف يخرق الفهم التقليدي للدين بروح صافية، ملقياً بمئات النصوص المتشددة وراء ظهره، غير عابئ بها. وحين سألته ما إذا كان قد قرأ رواية (قواعد العشق الأربعون) لأليف شافاق ؟ قال : طالعتها وقت صدورها، وروجّتها لتلامذتي وزملائي.
واضح أن الدكتور عبد الجبار الرفاعي يسعى بشكل غير مباشر الى تقويض أفكار ابن تيمية وسيد قطب، الأفكار التي تعد المرجعية الرئيسة لداعش والقاعدة والاخوان، ومثل ذلك يمكننا القول بان أفكار الرفاعي الجديدة ومشروعه في التنوير يتجاوز حدود ذلك إلى فك شيفرات تقاليد وتعاليم الحوزات الشيعية، فهو يشير الى ذلك بقوله: ربما لا تتطابق أسفار روحي وقلبي وعقلي من بعض الأحبّة، لكن ما يشفع لي هو أنني أمضيت أربعين عاماً، تلميذا ومعلما في الحوزة.

طالب عبد العزيز، شاعر من الصرة في العراق.

موسوعة فلسفة الدين تعيد بناء الرؤية الدينية للعالم

الدكتور محمد بشاري[1]

في لحظةٍ فكريةٍ يندر أن تتكرر في فضائنا العربي، تطلّ علينا «موسوعة فلسفة الدين» التي أعدها وحرّرها الدكتور عبد الجبار الرفاعي، بوصفها ثمرةَ ربع قرنٍ من العمل الدؤوب والبحث المعمّق. ليست هذه الموسوعة مجرّد مشروعٍ أكاديميٍّ ضخم، بل هي حدثٌ معرفيٌّ يعيد فتح الأسئلة الأولى التي تأسّس حولها العقل الإسلامي، من قبيل: معنى الإيمان، وحدود العقل، ووظيفة الدين، وعلم الكلام القديم، وموقع الإنسان في شبكة الوجود. إنّها إعلانٌ عن عودة العقل العربي المفكِّر بعد طول غياب، لا في شكل تكرارٍ للماضي، بل في هيئة استئنافٍ فلسفيٍّ جديدٍ لإمكان التفكير في الدين بوصفه سؤالاً مفتوحًا، لا يقينًا مغلقًا.

تأتي «موسوعة فلسفة الدين» للدكتور عبد الجبار الرفاعي كفعل تأسيسيٍّ يوقظ في الفكر العربي وعيَه الغائب بذاته، ويعيد للعقل الإسلامي وظيفتَه الأولى: أن يفكّر لا أن يكرّر، وأن يؤمن على بصيرة لا على استسلام. ليست هذه الموسوعة تراكماً معرفياً بقدر ما هي انقلاب في وجهة النظر إلى الدين، من كونه منظومة مغلقة إلى كونه تجربةً وجوديةً مفتوحةً على المعنى.

إنّ «موسوعة فلسفة الدين» ليست مجرد حدث معرفي، بل لحظة كينونة يستعيد فيها العقل العربيُّ قدرتَه على النظر إلى نفسه في المرآة دون خوف. إنها ميلاد عقلٍ متكلّمٍ جديد، لا يتكلم بلسان الماضي ولا بلهجة الغرب، بل ببيانٍ إنسانيٍّ جديدٍ يزاوج بين نور الوحي وصفاء الفكر. وبهذا المعنى يغدو الرفاعي واحداً من القلائل الذين لم يضيفوا كتاباً إلى المكتبة العربية، بل أضافوا للعقل العربي قدرةً على أن يكون ذاتَه من جديد.

لقد أراد الرفاعي أن يعيد لعلم الكلام روحَه التي ذوت حين انقلب من علم للتفكير في الإيمان إلى علمٍ للدفاع عن العقائد، فجاء مشروعُه ليكسر هذا الطوقَ ويحرّر المتكلمَ من محكمة الموروث، جاعلاً الفلسفة شريكاً في إنتاج المعنى لا خصماً في جدله. بهذا المعنى، يواصل مشروعه الكبير الذي بدأه في كتبه السابقة حول «علم الكلام الجديد»، حيث دعا إلى أن يتحول المتكلم من محامٍ عن الموروث إلى صانعٍ للأسئلة والأجوبة الجديدة. الموسوعة التي صدرت اليوم ليست استكمالًا تقنيًا لذلك المشروع، بل هي تحوّلٌ نوعيٌّ فيه؛ إذ تجعل من الفلسفة شريكًا أصيلاً في حوارٍ مع الكلام، وتدعو إلى تأسيس أنطولوجيا جديدة للإنسان العربيّ داخل أفقٍ كونيٍّ رحب.

في هذا العمل يلتقي العقلُ بالكشف، والبرهانُ بالشهود، إذ يضع الرفاعي الفيلسوفَ والمتكلمَ على مائدة واحدة بعد أن فرّق بينهما تاريخ طويل من الشكوك. فحيث كان المتكلم القديم يبحث عن دليل الوجود، صار الفيلسوف الحديث يسائل معنى الوجود ذاته، وبين السؤالين تمتدّ جسورُ الرفاعي، فتعيد بناءَ العلاقة بين الله والإنسان والكون في أفقٍ من الحوار لا الخصومة. هكذا تصبح «فلسفة الدين» عنده فضاءً ثالثاً يتجاوز الثنائيات: بين النقل والعقل، بين الإيمان والحرية، بين الموروث والكوني، ليصوغ من هذا التداخل «عقلاً تأويلياً» قادراً على إعادة ترتيب العلاقة بين المعرفة والقداسة.

ليس غريبًا أن يختار الرفاعي فلسفة الدين ميدانًا لإعادة بناء العقل، لأنّها تمثّل المنطقة الحدّية بين ما هو إيمانيٌّ وما هو عقليّ، بين ما هو ذاتيٌّ وما هو كونيّ. في هذا الميدان تتجسّد أزمة الفكر العربي: كيف يمكن للمؤمن أن يظلّ وفيًّا لمقدّسه، دون أن يغلق باب التفكير؟ وكيف يمكن للفيلسوف أن يتأمل في الوجود دون أن يستبعد البعد الروحي من معادلة المعنى؟ هذه هي معضلة العقل المسلم الحديث، التي حاولت مدارس الإصلاح والتنوير أن تجيب عنها جزئيًا، فجاء مشروع الرفاعي ليقدّم إجابةً أكثر تركيبًا، تستند إلى التداخل بين العقل الفلسفي والعقل الكلامي والعقل الوجودي، لا إلى فصلها كما فعلت النهضات السابقة.

ولعلّ ما يجعل هذه الموسوعة حدثًا تأسيسيًا هو أنها لا تترجم النصوص وحسب، بل تُعيد توطينها داخل أفقٍ عربيٍّ جديد. فترجمةُ الفكر ليست نقلًا لغويًا، بل تحويلًا في الوعي. الترجمة هنا فعلُ ولادة جديدة للفكر، تُنقل فيه المفاهيم من كونها واردات أجنبية إلى أدوات لبناء رؤية عربية للعالم. وبذلك تتحوّل الموسوعة من مرجع أكاديمي إلى «مختبر للعقل» العربي، يعيد تعريف الدين لا بوصفه سلطةً بل بوصفه سؤالاً عن المعنى، ويستعيد الإنسانَ في قلب التجربة الدينية بعد أن استُبعد دهراً باسم النص.

والرفاعي يدرك أن تأسيس «عقل عربي جديد» لا يمكن أن يتحقق ما لم يتحرّر من ثنائية النقل والتكرار، فينتقل إلى فضاء التأويل المنتج الذي يعيد صياغة المفاهيم من داخل حاجاتنا المعاصرة. ولذلك، فإن موسوعته ليست مجرد مرجعٍ علمي، بل هي أداة لإعادة تشكيل رؤية المسلم إلى العالم والإنسان والدين؛ رؤيةٍ تستعيد القيم الروحية التي تاهت في خضمّ صراعات الأيديولوجيا، وتستوعب المناهج الفلسفية الغربية دون الارتهان لها. إنّ ما يميّز هذا المشروع أنه لا يترجم النصوصَ بقدر ما يترجم الوعيَ نفسَه.

ما فعله الرفاعي في جوهره هو ردّ الروح إلى الكلام والفكر معاً. لقد أعاد تعريفَ المتكلم لا كحارس للعقيدة بل كصائغ للأسئلة الكبرى، والفيلسوف لا كعدو للوحي بل كشاهد على اتساعه. وبذلك يعيد المشروعُ ترتيبَ المقامات بين الله والإنسان: فليس المطلوب الدفاع عن الله، بل البحث عن الإنسان في حضرة الله. وهذا هو التحوّل من «لاهوت الدفاع» إلى «لاهوت المعنى»، من تكرار النص إلى ابتكار الفهم، ومن وهم امتلاك الحقيقة إلى شجاعة السعي إليها.

في هذا العمل، يلتقي المتكلم القديم بالفيلسوف الحديث في حوارٍ غير مسبوق: فحيث كان المتكلم يطلبُ البرهان على وجود الله، أصبح الفيلسوف المعاصر يسأل عن معنى هذا الوجود في تجربة الإنسان. وبين السؤالين تمتدّ جسور الرفاعي؛ جسورٌ من الترجمة والتأويل والمراجعة، تحاول أن تُعيد للعقل العربي ثقته بذاته، وتمنحه شجاعة التفكير من الداخل، لا عبر استنساخ الآخر. بهذا المعنى، لا تمثّل موسوعة فلسفة الدين حدثًا معرفيًا فحسب، بل حدثًا أنطولوجيًا، لأنّها تمسّ جوهر كينونتنا الفكرية، وتذكّرنا بأنّنا لا نوجد إلا بقدر ما نفكّر في وجودنا. إنّ الرفاعي لا يقدّم مشروعًا نخبويًا، بل يضع لبنةً في صرحٍ حضاريٍّ يعيد تعريف علاقة المسلم بالعالم. فبينما انغلق بعض الفكر الديني في أسوار النصّ، وانقطعت الفلسفة عن الروح، جاءت موسوعته لتقول: إنّ طريق النهضة لا يمرّ إلا عبر تصالح العقل والإيمان.

ولعلّ هذا هو ما يجعلها لحظةً فاصلة في مسار الفكر الإسلامي الحديث، تذكّرنا بمشروعات كبار المفكرين من أمثال محمد إقبال وعبد الرحمن بدوي ومحمد عابد الجابري وغيرهم ، لكنها تتميّز عنها بكونها عملًا جماعيًا معرفيًا متعدّد اللغات والثقافات. إننا إذ نقرأ هذه الموسوعة، لا نقرأ كتابًا في فلسفة الدين فحسب، بل نقرأ مستقبل الفكر العربي حين يتصالح مع ذاته، فكلّ جزءٍ منها هو إعلانٌ عن ولادة عقلٍ لا يخاف من السؤال، ولا يهرب من التعدد، عقل يعيد الإنسان إلى مركز الرؤية بعد أن غاب طويلاً في ظلال السلطة والطقوس. ومن هنا، فإنّ ما أنجزه عبد الجبار الرفاعي ليس مجرّد إضافةٍ إلى المكتبة العربية، بل هو إحياءٌ لملكة التفكير الفلسفي في الدين التي تعطّلت قرونًا، وإشارةٌ إلى أن مشروع النهضة لا يمكن أن يكون بلا تأسيسٍ معرفيٍّ عميق. ولعلّ هذه الموسوعة ستغدو «نقطةَ انعطافٍ في تاريخ العقل المسلم»، لأنها تربط ما انقطع بين المتكلم والفيلسوف، وتفتح بابًا لتجديد علم الكلام بما يجعله علمًا للإنسان لا جدلًا حول العقيدة فقط. بهذا يتحقق ما يمكن أن نسمّيه تحولًا من لاهوت الدفاع إلى لاهوت المعنى، أي من الدفاع عن الله إلى البحث عن الإنسان في حضرة الله.

إنّ ما فعله الدكتور عبد الجبار الرفاعي هو ما يفعله الكبار في لحظات التحوّل التاريخي: يزرعون السؤال حيث عمّ الصمت، ويوقظون الفكر في زمن الركود. وموسوعته هذه ليست خاتمة مشروعه، بل بدايته الفعلية، لأنّها ستفتح الباب أمام أجيال جديدة من الباحثين لتعيد اكتشاف الدين بوصفه تجربةً وجودية، لا منظومة مغلقة. وهكذا، فإنّنا أمام حدثٍ ثقافيٍّ يشبه النهضة الصغيرة في قلب العتمة، مشروعٍ يعيد الثقة للعقل العربي بأنّ الفلسفة ليست ترفًا بل ضرورة، وأنّ الكلام لا يزال حيًّا ما دام الإنسان يسأل عن نفسه وربّه. فهنيئًا للعقل العربي بهذا الميلاد الجديد، وهنيئًا لعبد الجبار الرفاعي بهذا الخلود الفكري الذي سيزدهر طويلًا في ذاكرة الأمة الباحثة عن المعنى. 

[1] محمد البشاري دكتوراة في الفقه وأصوله، أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة وأمين عام المؤتمر الإسلامي الأوروبي، وقد اختير من ضمن 50 شخصية إسلامية الأكثر تأثيرًا في العالم، كاتب في جريدة الاتحاد الإماراتية. الجنسية فرنسية، من مواليد سنة 1967 بمدينة وجدة بالمغرب.

https://al-aalem.com/%D9%85%D9%88%D8%B3%D9%88%D8%B9%D8%A9-%D9%81%D9%84%D8%B3%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D8%AA%D8%B9%D9%8A%D8%AF-%D8%A8%D9%86%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A4%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84/

اللغة مرآة للدين والهوية والثقافة

د. عبد الجبار الرفاعي

للدين أثر عظيم في حماية اللغة من الاضمحلال والانقراض وضمان استمرارية حياتها، لأنه يربط النصوص والطقوس بلسانها الأصلي، فيتحول الكتاب المؤسس للديانة إلى خزّان لغوي يحرس المفردات والتراكيب والأساليب، وتتحول الطقوس إلى طاقة متجددة تبعث اللغة في الذاكرة الجمعية وتبقيها حيّة. في المقابل تحمي اللغة الدين، إذ تغدو الوعاء الذي يحفظ نصوصه وطقوسه من التبدد ويمنحها القدرة على الاستمرار في التاريخ. في سياق التفاعل الخلاق بين اللغة والدين والثقافة تتكون الهوية وتترسخ، إذ لا تكون اللغة مجرد وسيلة للتخاطب، بل تتحول إلى نسق رمزي يؤمن استمرارية الذاكرة ويعيد إنتاج روابط الانتماء. ويؤدي الدين، بما يحمله من طقوس وأسماء وشعائر، دورًا شبيهًا بما رصده علم الأنثروبولوجيا في المجتمعات الأولى من أثر للأسطورة، بتحويل الوقائع إلى بنية من التضادات، يتميز فيها الداخل من الخارج، والمقدس من المدنس، ويصاغ التاريخ بوصفه سردية كونية تعطي معنى للوجود الفردي والجمعي معًا، فتتحقق الهوية في هذا الفضاء من التمايزات، التي تعمل على تغذيتها.

اللغة والديانة تتناوبان على حفظ بعضهما؛ فالعبرية ظلت حيّة بفضل نصوص التوراة والتلمود وصلوات اليهود وطقوسهم، إذ شكلت تلك النصوص جسرًا بين الماضي والحاضر، حتى استعادت العبرية حضورها الحديث بوصفها لغة يومية وهوية قومية بعد قرون من الانقطاع، حين تم اغتصاب فلسطين 1948. السريانية ما زالت حاضرة في طقوس الكنائس الشرقية كلغة للقداس، فحافظت الكنيسة على استمرارها وحافظت اللغة على هويتها الروحية. أما العربية فارتبطت بالقرآن الكريم ارتباطًا وثيقًا، جعل النص القرآني مرجعًا لغويًا أعلى، يحمي اللغة من التآكل ويمنحها قداسة وقدرة على الاستمرار، مادام القرآن حاضرًا في حياة المسلم. اللاتينية اقترنت بالقداس الكاثوليكي قرونًا طويلة، وظلت لغة الطقوس واللاهوت؛ حتى مع فقدان أكثر الكاثوليك القدرة على فهمها، إلى أن ولد الإصلاح المسيحي ففتح الباب أمام اللغات الحيّة لتتبوأ مكانها في الكنيسة. في المندائية حفظت الآرامية المندائية بفضل كتابهم المقدس “كنزا ربا” وطقوس التعميد والترانيم، فظلت اللغة والديانة تتبادلان حماية استمرار حياتهما، على الرغم من قلة الأتباع وتشتتهم. الزرادشتية صانت لغة “الأڤستا” القديمة، فجعلتها باقية في “الغاثات” (Gathas)[1] الطقسية، على الرغم من انقراضها من الحياة اليومية. الهندوسية أبقت السنسكريتية حيّة في نصوص “الڤيدا” وممارسات الطقوس، فتحولت اللغة إلى وعاء دائم للفكر الديني والفلسفي. البوذية حفظت لغة البالي في “تيبيتاكا” (Tipiṭaka)[2] ، وتراث جنوب شرق آسيا، في لغة الرهبان والتعاليم الحية. الكونفوشيوسية بدورها أبقت الصينية القديمة حاضرة عبر الكلاسيكيات الأخلاقية التي شكلت مرجعًا معرفيًا وذاكرة جمعية للأمة. والطاوية حفظت لغة الحكمة في “تاو تي تشينغ” (Tao Te Ching / Dao De Jing) [3]، فجعلت من النص الطقسي والفلسفي سبيلًا لاستمرارها. أما السيخية فحفظت اللغة الپنجابية عبر نصوص “الغورو غرانث صاحب” (Guru Granth Sahib)[4]، التي منحتها قداسةً ومكانةً في الهوية الدينية والثقافية لجماعتها. هكذا يتضح أن الأديان الكبرى لم تكن فقط أنظمة اعتقاد، بل قوى حافظة للغات، وأن اللغات بدورها لم تكن أدوات للتواصل فحسب، بل أوعية للقداسة والذاكرة، وبفضل هذا التضامن بين الدين واللغة استطاع كل منهما أن يضمن للآخر البقاء والتواصل عبر التاريخ والجغرافيا.

كتاب الديانة المؤسس والطقس لم يكونا يومًا حارسين للديانة فحسب، بل كانا أيضًا حارسين للسان، وذاكرة الأمة، وهويتها، وثقافتها. وأن اللغة لم تكن مجرد وسيلة للتعبير بل ركنًا وجوديًا في بقاء الديانات والذاكرات الجمعية والهويات والثقافات والحضارات، فحيثما كان الكتاب المقدس متداولًا بلسانه الأصلي ظل اللسان حيًا متجددًا، وحيثما استمرت الطقوس بلغتها الأصلية مكثت الهوية متماسكة، إذ تتغذى اللغة من الدين والثقافة كما يتغذى الدين من اللغة والثقافة. وتنهض الهوية من تآزر الكل معًا، فتغدو اللغة وعاءً للمعنى الروحي والعاطفي، يغذي الوعي والذاكرة، ويغدو الدين قوة تصون اللغة من الانقراض، وتمنحها طاقة تتجدد في النصوص والطقوس، وتصير الثقافة مرآة للدين واللغة، والدين واللغة مرآة للثقافة. من هذا التفاعل الثلاثي الخلاق تنبثق الهوية وتستمد حضورها، فتتجدد إمكاناتها في الواقع، وتستعيد قدرتها على الاستمرار في عالم متغير، إذ لا تبقى أسيرة الماضي وحده ولا منقطعة عن جذورها، بل تنفتح على الحاضر وتتطلع للمستقبل، وهي مشدودة إلى لسانها وكتابها المؤسس وطقوسها، التي تروي عطش الروح وتغذي وعي الجماعة بذاتها.

كما تكون اللغة مرآة للدين والهوية والثقافة، فإن الدين والهوية والثقافة مرآة للغة. إذا تحجرت اللغة تعطلت قدرتها على التعبير عن أسئلة الإنسان، فيخبو المعنى الذي ينشده الإنسان في الدين خلف خطاب لا ينتمي لواقع الإنسان ومتطلباته الروحية والأخلاقية والجمالية الراهنة، وتنغلق الهوية على ماضٍ غريب عن حاضر الإنسان، وتفقد الثقافة طاقتها الخلاقة. أما حين تتحرر اللغة وتواكب متغيرات الحياة ومستجداتها، فإنها تبقي الدين حيًا قادرًا على الإلهام، وتمنح الهوية مرونة للانفتاح على المستقبل، وتنفتح الثقافة على فضاءات الابتكار والإبداع، لتغدو جميعها قوى متجددة تمنح للإنسان معنى وجوده في العالم.

العلاقة بين الدين واللغة لا تقف عند حدود حفظ النصوص والطقوس، بل تمتد لتشكل الأساس العميق للهويات الدينية والثقافية للأمم، إذ تتحول اللغة حين تتشرب دلالات النصوص الدينية إلى علامة فارقة يتميز بها أتباع الدين عن غيرهم، وتغدو خيطًا ناظمًا يوحدهم عبر الأزمنة والأمكنة، ويحمي ذاكرتهم، ويغذي شعورهم بالانتماء لهوية وثقافة واحدة. في سياق هذه الرؤية صارت العبرية وعاءً لهوية اليهود في الشتات، والسريانية ركنًا من أركان هوية الجماعات المسيحية المشرقية، والعربية هي اللسان الذي جمع شعوبًا شتى في فضاء واحد، ورسخ صلتهم بكتابهم المؤسس وعباداتهم وشعائرهم، وشعورهم بوحدة الرسالة والمصير. بهذا الفهم تتجاوز اللغة كونها أداة للتواصل، لتغدو منبعًا للذاكرة، ومسرحًا للخيال الديني، وأفقًا يتجلى فيه الانتماء الروحي والهوياتي والثقافي، الذي يحفظ ذاكرة الأمة ويربط حاضرها بماضيها، ويفتح أمامها سبل الاستمرار في عالم بالغ التنوع.

غير أن هذه الحماية ما فتئت تنقلب عبئًا على اللغة، إذ تتمدد قدسية كتاب الديانة إلى اللغة التي دُوّن بها، فتنحبس في قوالب القداسة، وتستعمل مؤسسات الأديان سلطة التحريم لحمايتها من أي محاولة لتيسير أساليب النطق بها أو تحديث معجمها، فتفقد قدرتها على التعبير عن أسئلة الحاضر ومتطلبات الواقع اللغوي الراهن للناطقين بها. هكذا تتسع الفجوة بين اللغة التي يقدسها التراث واللغة التي يحتاجها الإنسان في حياته اليومية. في ظل هذا التباعد، ينشأ صراع داخلي لدى الناطقين بها، بين ولاءٍ للموروث ورغبةٍ في الانخراط في الواقع الذي يعيشونه. وإذا لم تجد هذه اللغة طريقًا إلى المصالحة بين قدسيتها التاريخية ووظيفتها الحيّة، فإنها تظل محكومة بالانحسار التدريجي، تاركة فراغًا تملؤه لغات أخرى أكثر مرونة وقدرة على التكيّف مع التحولات العلمية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية.

أما كيف تتقدس لغة الكتاب المؤسس؟ فإن كل شيء قابل للتقديس، وكل ما يتقدس يمكن أن يتفشى تقديسه وعبادته، فينتشر كالفيروس؛ إنسانًا كان أو حيوانًا أو جمادًا، حتى اللغة والأسماء والكتابة يمكن أن تتقدس. اللغة كائن حي، يتخلق من وعي الإنسان وتجربته التاريخية والمعيشية، ويعكس أنماط معيشته وصلاته السياسية والاجتماعية والثقافية، ويتجسد في آدابه وفنونه. حين ترحل اللغة إلى حقل المقدس تحتجب، فتعاند المراجعة والنقد والتجديد، وتتحول أي محاولة لتسير قواعدها والنطق بها وتجديث معجمها إلى مغامرة عقيمة. تقديس اللغة يزجها في حقل التحريم، فيغلق عليها منافذ الانفتاح، ويشل قدرتها على استيعاب تحولات الواقع، ويمنعها من التفاعل مع مكتشفات العلم وتكنولوجيات العصر.

عندما يصنع الإنسان مخترعاته، يبتكر معها أسماءها التي تتجسد فيها رؤيته العلمية الجديدة للعالم، وهي تختلف كليًا عن الرؤية غير العلمية التي أنجبت اللغة في فضائها التراثي. لذلك تتعذر محاكاة هذه الأسماء أو نقلها إلى لغة أخرى من دون خسارة في معناها، لأنها وليدة أفق معرفي جديد، وتجسيد لتحول عميق في الوعي، ورؤية للعالم لا تلتقي مع أفق اللغة المنقولة إليها التسميات. في هذا المأزق يفقد الإنسان لغته بوصفها أفقًا رحبًا لرؤيته للعالم، فتغدو عبئًا يقيده، بدلًا من أن تكون سبيله إلى بناء ثقافته وهويته. مع انغلاق اللغة في قوالب التحريم، تتحول من وعاء للمعنى إلى جدار يحجب عن الإنسان آفاق الإبداع، ويعطل قابليتها على مواكبة تحولات الواقع، ويمنعها من تجديد ذاتها في فضاء إنساني متنوع.

اللغة خارج سطوة التقديس وسلطة التحريم هي وحدها التي تستجيب لتحولات الواقع، وتظل قادرة على أن تكون جسرًا بين النص الديني والإنسان، ورافدًا لتجديد الهوية الدينية والثقافية وإثرائهما. الهويات التي تتغذى من لغة حيّة تظل مرنة قادرة على التكيّف والتعايش، في حين تلبث الهويات التي تحاصرها القداسة ويستبد بها التحريم متصلبة، تنغلق على ماضيها، وتتحول إلى عائق أمام حركة تيسير قواعدها وأساليب النطق فيها وتوليد معجمها. الهوية ليست جوهرًا متحجرًا يكرر ذاته كما هو، بل صيرورة علائقية تتشكل في تفاعل حواري مع لغة الآخر المختلف وثقافته ورؤيته للعالم، ويعاد تكوينها في فضاء التعدد. إذا انفتحت اللغة على التأويل تشكلت في سياقها هوية وثقافة حيّة واثقة من ذاتها، قادرة على العيش مع المختلف من دون خوف من الذوبان، أما إذا انغلقت فتتحول إلى سجن يكبلها ويستهلك طاقتها في صراع لا ينتهي. لذلك تصبح اللغة الحيّة شرطًا لازمًا لدوام الهوية وانفتاحها واستمرارها، فيما اللغة الجامدة تسوقها إلى الانكماش والتآكل.

أنتج الفكر الغربي رؤى عميقة كشف فيها عن الصلة بين اللغة والهوية والثقافة؛ فقد رأى هردر “1744-1803” أن اللغة روح الأمة ولسانها الذي يمنحها خصوصيتها، في حين أكد هومبولت “1767-1835” أن اللغة لا تصف العالم بل تصنع رؤيتنا له، ثم ارتقى هايدغر “1889-1976” بالمسألة إلى مقام أنطولوجي، حين عد اللغة بيت الوجود الذي يحدد إمكان الوجود الإنساني، وجاء تايلور “1931-” ليبين أن الهوية لا تتشكل إلا في فضاء حواري تمنحه اللغة معناه، وكشف ريكور “1913-2005” عن أن الهوية سردية تتجدد بالقصص التي تروى بلغة تحتضن تعقيد التجربة الإنسانية، وأوضح أمارتيا سن “1933-” أن الهوية متعددة الأبعاد لا تفهم إلا بلغة حيّة تعترف بالاختلاف وتتيح التعايش.

يتضح أن اللغة شرط وجودي للهوية، فإذا تجمدت في قوالب مغلقة تحولت الهوية إلى سجن يستهلك طاقتها في مقاومة موهومة، وإذا انفتحت على التجديد غدت هوية رحبة واثقة من ذاتها، قادرة على العبور إلى المستقبل، في فضاء التنوع اللغوي والديني والهوياتي والثقافي. في ضوء هذه الرؤى يتضح أن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل إطار أنطولوجي يحدد إمكان الوجود الإنساني، ويمنح الهوية القدرة على الانفتاح والتجدد، أو يحاصرها بالجمود والانغلاق، إذا تحولت إلى قيد على الخيال والحوار. وهو ما يجعل واقعنا العربي اليوم في أمس الحاجة إلى وعي لغوي يستلهم هذه الرؤى، ليوازن بين حفظ أصالة اللغة والانفتاح على العصر. المستقبل لا يصان إلا بلغة حيّة قادرة على التفاعل والإبداع، تحمي الهوية من الذوبان كما تحميها من الانغلاق، وتبقيها أفقًا رحبًا يتسع للتعدد والتعايش، ويمنح الإنسان معنى حضوره في عالم متغير.

اللغة لا تحرس الهوية وحدها، بل تحفظ التجربة الروحية من أن تذوب في صخب العالم أو تنطفئ في قوالب الطقس الجامد. إذا انغلقت اللغة وغدت أسيرة الماضي تحولت إلى ظل باهت لا يوقظ ولا يلهم، أما إذا كانت منفتحة، لا تتنكر لتيسير أساليب التحدث والكتابة بها، فإنها تجعل الهوية في صيرورة دائمة، توقظ الوعي، وتعيد وصل الإنسان بالمعنى. هنا يغدو تجديد الهوية الثقافية والدينية رهينًا بتجديد اللغة، كي تظل قادرة على مخاطبة الروح والقلب والعقل معًا، وعلى تذوق صور الحضور الإلهي في الوجود، بنحو يخفض من مواجع الإنسان وآلامه، في غمرة حياة صاخبة قلقة اليوم. بذلك يتحول الدين من جدار يحرس الماضي إلى أفق ينفتح على المستقبل، وتتحول اللغة من كيان صامت إلى كائن حي يتدفق في مجرى التاريخ. هكذا يصبح التجديد اللغوي شرطًا لتجديد فهم الدين، ويغدو تجديد فهم الدين بدوره شرطًا لتجديد هوية الإنسان، إذ لا يمكن للدين أن يستعيد معناه الروحاني والأخلاقي العميق من دون لغة قادرة على إحياء التجربة الروحية وتجديد صلة الإنسان بالله، ولا يمكن للهوية أن تبقى منفتحة، في عالم يتغير فيه كل شيء، من دون دين يتكلم بلغة تشبع حاجات الأرواح والقلوب والعقول معًا للعيش سويًا في فضاء التنوع والاختلاف، ولا يمكن للثقافة أن تتفاعل مع الثقافات العالمية الحيّة في عالم متعدد، لا يتحقق فيه العيش المشترك إلا بقدر ما تتسع اللغة للحوار وتحتضن الاختلاف. اللغة التي تتحسس مواجع الإنسان العاطفية وحاجته لمعنى وجوده وحياته ضرورة قصوى، لأنها تفتح القلوب والعقول على التنوع، وتمنح الوجود البشري أفقًا يتسع للجميع، وتعيد للدين وظيفته الكبرى في إلهام المعنى، وللهوية دورها في بناء فضاء أخلاقي لإنسان أكثر رحمة وتسامحًا وإبداعًا، وتجعل الثقافة تتفاعل بلا خوف مع الثقافات العالمية.

العلاقة بين اللغة والدين والهوية لا تنحصر في بعدها الثقافي والاجتماعي والسياسي، بل تمتد إلى بعد روحي وجمالي يجعل اللغة وعاءً يحمي الهوية، ويعكس تجربة الإنسان مع الله في آن واحد. اللغة الحيّة تجعل الهوية في حالة مرنة، تمنحها القدرة على الإصغاء لأسئلة الواقع، والتفاعل مع تحولات العصر، في حين تحوّل اللغة المغلقة الهوية إلى كيان منغلق على ذاته يعجز عن مواكبة متغيرات الواقع. وبذلك يتضح أن تجديد الهوية الدينية مرهونًا بتجديد اللغة الدينية، كي تظل قادرة على مخاطبة القلب والعقل معًا، وحماية الحياة الروحية من الذبول، وفتح أفق رحب للتعدد والعيش المشترك في عالم متنوع الأديان والمذاهب. تكمن فاعلية اللغة التي يخاطب بها الدين الإنسان في قدرتها على تغذية المشاعر والعاطفة، وربط الإنسان بالمعنى الذي يمكن أن يمنحه الدين لحياته. أما إذا تحجرت اللغة وانغلقت، فإنها تسجن الهوية الدينية في ماض عقيم لا يلهم، وتفرغ الدين من طاقته الروحية والعاطفية والأخلاقية، ليغدو عبئًا على الحياة بدلًا من أن يكون أفقًا يلهم المعنى لوجود الإنسان وحياته.

[1] الغاثات (Gathas) في الزرادشتية هي ترانيم مقدسة تعتبر جزءًا من الكتاب المقدس للزرادشتية: “الأڤستا” (Avesta)، وتنسب لمؤسس الديانة زرادشت.

[2] الكتاب المقدس الخاص بـمذهب “تيرافادا” في البوذية.

[3] تاو تي تشينغ (Tao Te Ching / Dao De Jing) هو النص المؤسس للفلسفة الطاوية في الصين القديمة، وينسب إلى لاو تسي (Laozi) الذي يُعتقد أنه عاش في القرن السادس قبل الميلاد، وإن كان بعض الباحثين يرجعونه إلى القرن الرابع ق.م تقريبًا.

[4] الغورو غرانث صاحب (Guru Granth Sahib) هو الكتاب المقدس في الديانة السيخية، ويُعرف أيضًا باسم آدي غرانث (Ādi Granth).