عن ندوة د. عبد الجبار الرفاعي في معرض القاهرة للكتاب

د. أحمد سالم، مدير الندوة أستاذ الفلسفة في جامعة طنطا بمصر

بعد فترة انقطاع طويلة عن المشاركة فى أنشطة معرض القاهرة الدولى للكتاب، أعود لإدارة جلسة المفكر العراقى الكبير عبد الجبار الرفاعي، بعنوان: “الدنيوي والديني في ضوء #علم_الكلام_الجديد“… وهو أحد أبرز الأسماء فى العالم العربى. وهو المفكر الذى إرتقي فى رؤيته للدين من الحدود المذهبية الضيقة إلى الأفق الإنسانى الرحب. وهو المفكر الذى رأى المقدس فى الأفق الإنسانى المتعدد الفهم. وهو يؤمن بأن الدين هو معين القيم الأخلاقية الكبرى كالحرية والرحمة والمحبة. عبر العين العرفانية كانت اجتهادات عبدالجبار الرفاعى فى فلسفة الدين. وأهمية الدين فى حياة الإنسان. قبل الندوة التقيت بالمستشار عبد الجواد ياسين وبعض الأصدقاء على كافيه “مقهى” أبو عوف فى معرض الكتاب .. فى الساعة السادسة أدرت حوارا جميلا مع القامة الكبيرة الدكتور عبد الجبار الرفاعى عن رؤيته الإنسانية لتجديد الفكر الدينى. وكان حضور الجمهور ممتازا بالقاعة ..كما شرفت  سفيرة العراق بمصر بحضور الندوة … وسفير اندونسيا بتونس مع مجموعة من التلامذة الأندونيسيين بجامعة الأزهر. وكان أجمل ماسمعت بالأمس هو كلام سفير اندونسيا للدكتور عبد الجبار الرفاعي عن سعي السفير الدؤوب لنقل كل ما يكتبه باللغة العربية إلى اللغة الاندونسيه، لأنه يدرك بعمق قيم التسامح التى يدعو لها فى مؤلفاته، وأهمية دور القيم الأخلاقية فى مشروعه الفكرى. ولقد حضر جمع من التلامذة الاندونسيين الذين يدرسون بالأزهر بصحبة السفير. وكم تشعر بجمال الدين مع مسلمى جنوب شرق آسيا. أدركت كيف أن المفكر ينكفي على عمله سنوات لكى يخرجه مكتوبا بين دفتى كتاب، ولكنه لايدرك حجم تأثير مايكتبه، الا حينما يرى أفكاره قد طارت عبر المكان والزمان لتصل إلى قراءه…حقيقى كنت فخور جدا برؤيتى لمدى تأثير ما يكتبه عبد الجبار الرفاعى فى أناس يختلفون عنه فى العرق واللغة، ويتوافقون معه  فى الدين بروحه المتسامحة … كم هى رسالة الكاتب مؤثرة، حين يكتب بصدق يصل صدق ما يكتبه إلى قلوب الآخرين …نورت مصر دكتور #عبدالجبار_الرفاعي.

https://www.almothaqaf.com/e2/973633-%D8%B9%D9%86-%D9%86%D8%AF%D9%88%D8%A9-%D8%AF-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%B9%D8%B1%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D9%87%D8%B1%D8%A9-%D9%84%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8

 

الترجمة بوصفها ضربًا من الكتابة

  د. عبد الجبار الرفاعي

  كثيرًا ما نقرأ ترجماتٍ ملتبسةً مشوشة، تُغرِق القارئ بفائضٍ لفظي من دون أن تفيد معنى واضحًا. الترجمات الحرفية أسوأ الترجمات، أحيانًا نقرأ نصًا منقولًا من لغة أخرى من دون أن يلوح لنا أيُّ ضوء في كلماته، لا نرى إلا كلمات مظلمة لا نتحسّس فيها معنى مفيدًا. أن تتملك معاني الكلمات شيء، وأن تنقلها للغتك كودائع مغترِبة عنها وعن فضائها الدلالي ورؤيتها للعالم شيء آخر. تملّك المعنى يعني توطينَه في فضاء لا يغترب فيه، وتحويلَه إلى عنصرٍ حيّ في نسيج ثقافة موازية، بعد اكتشافِ ما تنطق فيه اللغتان، والإصغاءِ للصوت العميق فيهما معًا. التملّك غير تلقي الكلمات كما هي بمعناها الحرفي، عدم تملّكها يعني استنباتها حرفيًا في فضاءٍ دلالي لا يمدّها بشيء من نهر الحياة. تملّك معاني الكلمات يعني أن تتكلم كلُّ واحدة من اللغتين إلى الأخرى بما هو خارج دلالة كلماتهما الحرفية، ويتحقّق ذلك باكتشاف منطق الفهم المشترّك للغتين معًا. المترجم المحترف حين يعمل على تملّك معاني الكلمات يتعاطى مع اللغة وكأنها مادةٌ خام يغرسها في فضاءٍ دلالي لا تجد ذاتَها مغترِبة فيه، ولا تتنكر له اللغةُ المنقولة إليها. تصير اللغة المترجَم منها عنصرًا فاعلًا في اللغة المُترجَم إليها، تغذّي فضاءها الدلالي وتتغذى منه. عندما تهاجر الكلمة من لغتها الأم إلى لغة أخرى تلتقي بمعناها العميق، الذي تظلّ تبحث عنه في الطبقات القصية للغة الراحلة إليها، وتظلّ تسعى لذلك في أية لغة تقيم فيها مجدّدًا. الترجمة كما تعمل على تجديدِ حياة اللغة وإثراءِ معجمها بتوالد ونحت كلمات ومصطلحات جديدة، وإثراءِ لغة المترجم واغناء رصيد معجمه، واتساعِ فضاء وعيه اللغوي، تعمل أيضًا على تجديدِ حياة اللغة والأدب والثقافة وتغذيتِها بما يتيح لها أن تنفتح على آفاق رحبة للمعنى. المترجم الحاذق راءٍ تمكّنه استبصاراتُه من أن ينصت لصوتٍ لا يسمعه القارئُ المتعجّل للنصوص، يقظة الرائي تدلّه على الصوت الواحد في لغات متعدّدة. فرادة الرائي بقدرته على التذوق كمتصوف حالة شهود.

الترجمةُ عمليةُ أخذٍ وعطاء متبادَل، اللغةُ كائنٌ حيّ يتجدّدُ بالأخذ كما يتجدّدُ بالعطاء. أن تترجمَ من لغةٍ يعني ألا يقتصر فعلُ الترجمة على توطين المعاني في لغتك بل يتجاوزُ ذلك إلى إثراءِ المعجم الاصطلاحي للغة. المترجمُ المتمرّس ينحتُ مصطلحاتٍ مشتقة من رصيد معجم لغته، يعزّز رصيدَها ويجدّده، على ألا يتنكر له مجالُها التداولي. اللغةُ المترجَم منها تباشر فعلَ إيقاظ اللغة المترجَم إليها وبعثَ الحياة فيها من جديد.

تنبه الجاحظ في وقت مبكر إلى عدّة المترجم وما ينبغي أن يتسلح به من أدوات، وهو يعيد إنتاجَ المعاني بلغته، وكيف يجعل المترجم لغةً تتحدث إلى لغةٍ أخرى وتتفاعل معها بالأخذ والعطاء، بقوله: “ولابد للترجمان من أن يكون بيانه في نفس الترجمة، في وزن علمه في نفس المعرفة، وينبغي أن يكون أعلم الناس باللغة المنقولة والمنقول إليها، حتى يكون فيهما سواء وغاية، ومتى وجدناه أيضا قد تكلم بلسانين، علمنا أنه قد أدخل الضيم عليهما؛ لأن كل واحدة من اللغتين تجذب الأخرى وتأخذ منها، وتعترض عليها، وكيف يكون تمكن اللسان منهما مجتمعين فيه، كتمكنه إذا انفرد بالواحدة، وإنما له قوة واحدة، فإن تكلم بلغة واحدة استفرغت تلك القوة عليهما، وكذلك إن تكلم بأكثر من لغتين، على حساب ذلك تكون الترجمة لجميع اللغات. وكلما كان الباب من العلم أعسر وأضيق، والعلماء به أقل، كان أشد على المترجم، وأجدر أن يخطئ فيه”[1].

‏ الترجمة مرآةُ ذات المترجم وثقافتُه، ليست هناك ترجمةٌ مبرأة من بصمة الذات.كلُّ ترجمة محترفة قراءة للنصّ، ترجمات النصّ هي محصلة قراءات المترجمين له، في كلّ ترجمة صوتٌ مميز لا يكرّر غيرَه، مثلما ننصت لصوتٍ موحد يبوح بما تستبطنه الكلماتُ، وما هو أقصى مما تكشّف للوهلة الأولى من دلالاتها. الترجمة ضربٌ من التأليف يتطلب استعداداتٍ تناظر ما تتطلبه عمليةُ كتابة النصوص الجادة، الترجمة المحترفة تغوص لتكتشف القاعَ التي تقف عليها مداليلُ الكلمات. الترجمة نهر حيوي لتغذية الثقافات وتلاقحها وتوالدها واتساع آفاق رؤيتها للعالم، وإثراء منابع العيش المشترَك فيها، وانفتاح مفاهيمها وقيمها الكلية بعضها على بعض، وتواصلها من أجل بناء فضاءٍ يستوعبها في إطار اختلافها وتنوعها. ‏الترجمة أعمق روافد إيقاظ المشتركات الكونية بين الأفراد والمجتمعات، وأجمل مرآة تتجلى فيها القيمُ الكلية في الثقافات والحضارات والأديان.

الترجمةُ أشدُّ وطأةً من التأليف. أنا مؤلفٌ ومترِجم، على الرغم من أن الكتابةَ تتعبني، لكن الترجمةَ تنهكني بل كانت تعذّبني أحيانًا، لذلك هجرتها منذ سنين طويلة. الترجمةُ ضربٌ من امتحان الضمير الأخلاقي للمترجم، إن كان كلامُ المؤلف ليس منطقيًا، أو لا يتفق مع معتقد المترجم وثقافته، يضع المترجمَ في مواجهة الكاتب، وأمام امتحان ضميره الأخلاقي.كنت أتحيّر مما أراه خطأ لدى الكاتب، وأتردّد في ترجمةِ مفاهيمَ لا أرى صوابَها، وعباراتٍ لا اقتنع بمضمونها، أنزعج وأتردّد في نقلها للقارئ العربي، وأخيرًا أترجمها مهما كانت، لشعوري بأن استبعادَها خيانةٌ لمؤلف أنا مُستأمَن على نصوصه عندما تطوعت بنقلها إلى العربية، وهي خيانةٌ لقارئٍ يتطلع لقراءة هذه الترجمة بلا تصرف بحذف واضافة أي شيء من أصلها. يكتب أمبرتو إيكو: “وبالمناسبة أذكر أن رواية اسم الوردة عندما تُرْجمت في بعض بلدان أوروبا الشرقية (قبل ترجمة هيلينا بكثير) اتصل بي أكثر من مترجم قائلًا: إنه من الصعب جدًا أن نذكر في بداية الرواية الغزوَ الروسي لتشكسلوفاكيا، فهذه الإحالة قد تجلب لنا بعض المتاعب. وقلت لهم إنني لا أوافق أبدًا على أي تغيير يلحق النص، وإذا كانت هناك رقابة فالمسؤولية تعود للناشر”[2].

 

 

[1] الجاحظ، كتاب الحيوان، تحقيق: محمد عبد السلام هارون، ج1: ص 75-79، 1955، دار الجيل.

[2] أمبرتو إيكو، اعترافات روائي شاب، ص67.

 

رابط النشر:

مرافعة عن “جوهر الدين”

ألقاها محام بارع فـي محكمة الضمير

أحمد عبدالحسين*

  الآن أكملت قراءة كتاب أستاذي وصديقي المفكر د. عبد الجبار الرفاعي (الدين والظمأ الانطولوجي)، وأردت أن أشارككم هذا التأمل فيه..
منذ عنوان الكتاب (الدين والظمأ الأنطولوجي) يربط المفكر عبد الجبار الرفاعي بين ما يراه احتياجاً لاستكناه الغيب وتشوفاً للمجهول وعطشاً إلى ينبوع الوجود من جهة، وبين الدين من جهة أخرى، باسطاً على صفحات الكتاب رؤى ناصّة على أن هذا الظمأ الراكز في جبلّة الإنسان ليس له رواء إلا بالدين.
لكن الالتباس واقع في الاثنين معاً، في عبارة (الظمأ الوجوديّ) ذات التركيب الشعريّ والموحية بجذرٍ عرفانيّ، كما في لفظ الدين، بل أزعم ان الأخير أشدّ التباساً وابعد عن أن يكون له معنى واحد في الأفهام يناظر واحديته في الأسماع.
فما الدين؟ أهو الجملة المكونة من الشرائع عبادات ومعاملات ومن العقائد والأعراف ونمط العيش، أهو النصوص الأولى فقط أم يمكن أن يستوعب النصوص الدائرة في فلكهما، هل الدين هو الاسم الآخر للتديّن من عبادات وطقوس، أم هو محض الإيمان قبل ترجمته على هيئة مخصوصة، هل تدخل المؤسسة الدينية في ملاك ما يمكن أن يسمى ديناً؟
معلوم عند كلّ متأمل ذي بصيرة أن تأريخ فكرة ما هو عينه تأريخ مَن تعاقبوا على الاستيلاء على هذه الفكرة، تبنياً وإشهاراً أو صرفاً واستثماراً. وبحديثنا عن الدين فنحن لا يمكننا إغفال الآثار العميقة التي خلفتها فيه باطناً وظاهراً صنوف الحركات السياسية والمدارس الكلامية والفقهية والفلسفية، حدّ ان الدين ـ في بعده التأريخي ـ ليس شيئاً آخر سوى هذه الآثار التي وسّعتْ رقعة انتشار الدين أفقياً في الوقت الذي عمقتْ مواطن التناحر فيما بين معتنقيه على ما نرى من شيوع للطائفية والمذهبية وتناحر يبدأ من الدرس الدينيّ الصرف وينتهي إلى مقابر ومستشفيات.
لكنّ هذه الآثار هي ما يتوجّه إليه الباحث الدكتور الرفاعي، مزيلاً طبقاتها شيئاً فشيئاً، كأنما يعمد في قرارة نفسه إلى ترسّم هذه العبارة المضيئة (ان ترددي في الآثار يوجب بعد المزار) المنسوبة طوراً إلى الحسين بن علي (ع)، وطوراً إلى ابن عطاء الله السكندري. وقد اتضح جلياً ان عمل الباحث محض قبول كنائيّ لعمل العارف الذي لا بدّ أن يبدأ أولاً بالتخلّي (أي بإزالة العوالق والشوائب) وصولاً إلى التحلّي فالتجلّي، فهو يقرّ بعطش الإنسان إلى ينبوع الغيب لكنه يرى بأن هذا الينبوع مردوم اليوم بأحجار وأقذار تعيق الوصول إليه، ومهمته تتحدد بإزالة كل ذلك وصولاً إلى ما يسمية تارة بالجوهر وتارة بالمعنى وأخرى بالدين الانطولوجي تفريقاً له عن الدين الايديولوجي.
لا يغالط الباحث نفسه ولا يخدع أحداً، فهو يقرر منذ البدء انه منشغل بالدين انشغالاً عميقاً استغرق حياته بأكملها (سيرته التي رواها في الكتاب بأسلوب أخاذ شاهد على ذلك)، ليس لحياته معنى من دون هذا الانشغال الدينيّ الذي باشره منذ طفولته وجداً وشغفاً ثم عبادة وانخراطاً في الإسلام السياسيّ ثم بحثاً ودرساً معمقاً وصولاً إلى ما هو عليه الآن من مهمة عسيرة تتمثل في الدلالة على جوهر دينيّ يراه منسياً ومعنى لا يكاد يلتفت إليه أحد. أكثر من أيّ وقت مضى، فإن الباحث الديني المستنير اليوم، ينخرط بوضعٍ هو أقرب إلى حالة الطوارئ منه إلى استرخاء البحث الأكاديميّ، ذلك ان ما يستجره الدين الآن من كوارث وحروب أهلية وإشاعة للبغضاء والتفرقة لم يعدْ خافياً على أحد فنحن جميعاً شهوده وشهداؤه، وان تجنّب بقاء الدين مولّداً للكارثة غير ممكن إلا بالالتفات إلى الدين نفسه ومساءلته ومحاولة التعرّف إلى الغريب فيه، إلى جرثومة الخلل التي جعلته موطن البغضاء والتناحر ومحرضاً على كراهية الإنسان للإنسان.
البحث حالة طوارئ يراد منها إنقاذ الدين، جوهره أو معناه، وليس صدفة ان الكتاب هذا يأتي بعد كتاب آخر للباحث عنوانه (إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين). وكما ان عنوان (الدين والظمأ الانطولوجي) يتستر على مصادرة مؤداها ان هناك ظمأ وجودياً لا يرويه إلا الدين، فإن في عنوان الكتاب الآخر مصادرة بيّنة ذات ثلاث شُعب:
أولها أن هناك نزعة إنسانية في الدين.
والثانية: إن هذه النزعة في خطر.
والأخيرة: ان هذه النزعة الإنسانية يمكن إنقاذها. وأحسب ان هذه المصادرة الثلاثية   تهيمن  على كتاب (الدين والظمأ الانطولوجي) برمته. لكنْ هل يمكن لنا مؤاخذة الباحث على ارتكابه مصادرة كهذه؟
المسألة باعتقادي أعمق وأعقد من أن نباشرها بتخطئة أو تصويب منطقيّ، فكلما كان مدار الحديث عن الغيب وتجلياته في النفس كان الأمر متعلقاً بتجربة روحية ذوقيةٍ لا سبيل إلى البرهنة عليها أو التثبت منها بحثياً، وتتأكد الحيرة إذا ما عرفنا ان هذه التجربة استغرقت عمراً بأكمله بحيث باتت هي الإنسان ذاته.
وأنا أمام حيرة أستاذنا الرفاعي أتذكر حيرة الفيلسوف المعاصر آلان باديو في حديثه عن الحبّ وإقراره أكثر من مرة ان في حديث الفيلسوف عن الحبّ لا مفرّ له من أن يجرّ وراءه سلسلة مُصادرات. مشروع الرفاعي يبلغ مع هذا الكتاب مدى بعيداً في تنزيه الجوهر الإنسانيّ الذي تنطوي عليه الصناعة الإلهية (الدين)، فمع ان مشروعاً كهذا يجد له في العرفاء والمتصوفة آباء مؤسسين، إلا انه في الوقت عينه ينأى بنفسه عن تصوّف الانعزال والتطيّر من الناس.
نبهني الكتاب إلى إفادةٍ قلما فكرت بها ملياً قبل قراءته، تتعلق ببراءة المؤسسات الدينية كالحوزة والأزهر مثلاً من الحركات المسماة إسلامية، فالمؤلف يستقصي أسماء قادة هذه الحركات العنفية وأبرز ممثليها لنجد معه أنْ لا أحد منهم قد تخرّج من هذه المؤسسات، وهي نقطة غاية في الأهمية لم أكنْ ملتفتاً إليها.
الكتاب ـ باختصار ـ مرافعة عن جوهر الدين. ألقاها محام بارع في محكمة الضمير

* شاعر وناقد عراقي

 

رابط النشر

لاهوتيّ يتكلم لغة الإيمان والحب والرجاء[1]

قراءة كتاب الدين والظمأ الانطولوجي

 

 الكاردينال الدكتور لويس ساكو[2]

لقد قرأتُ بتمعُّن وشغف كتاب د. عبد الجبار الرفاعي: «الدين والظمأ الانطولوجي» ط2، والذي صدر عن مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد ودار التنوير ببيروت 2017. بدأت بقراءة مقدمته، لكني لم أتمكن من التوقف، فانجذبتُ الى قراءةِ الكتاب بالكامل. إنه سفرٌ مشوّق يحمل بين طياتِه قلبًا وجدانيًّا مفعمًا بالحب والإيمان، وفكرًا ناضجًا عميقًا، نيِّرًا صادقًا. كلماته تعبر عن ذاته لذاته وللآخرين. إنها خبرة حياة وإيمان بكلِّ معنىً الكلمة، وليست اجترارًا للسلف، ولا ترديدًا لطقوسٍ جامدة، ولا تديُّنًا زائفًا.

كتاب أتمنى أن يقرأه كل رجل دين مسلم ومسيحي، وكل إنسان مؤمن، لأنه في النهاية باعتقادي، سيقوده إلى أن يعبد الله «بالروح والحق»، كما يقول السيد المسيح «إنجيل يوحنا 4/13». لأن من يقرؤه سيزداد معرفة وتنويرًا وحقًّا وحبًّا لله… أقول ومن دون مجاملة وجدتُ الكتاب سفرًا غير معتاد من مسلم، يتحدَّى الجمود «الإكليروساني- الإسلامي» عن معرفة وخبر، فجاء مبدعًا ومحرِّكًا. عبد الجبار الرفاعي «ابن الحوزة العلمية»، يتكلم عن خبرة ذاتية، وعن علاقة شخصية بالله، ويتكلم عنه بمنطق الإيمان وليس بأسلوب فلسفي – ميتافيزيقي، أو بكلام الصالونات، أو باجترار للسلف، بلا تاريخ، «عود أبدي»، كما يسميه عندما يروي سيرته الشخصية في الفصل المخصَّص عن سيرته والمعنون «نسيان الإنسان». استمتعتُ بسيرته الذاتية جدًّا، والتي أتمنى أن تتحوَّل إلى فيلم أو مسلسل؛ يُعَلِّم الجيلَ الجديدَ كيف يكون عصاميًّا بجهد شخصي “بعرق الجبين”، وليس بطريقة أخرى سهلة!

الكاتب لا يريد أن يعيش على الحدود، ويرفض البكاء على الأطلال، أو التغني بالأمجاد كما يفعل العرب عمومًا، بل يريد الإبحار إلى العمق إلى الجوهر؛ ليكشف ما فيه من جديدِ اللهِ في جديدِ الإنسانِ، وجديدِ الزمن، كما يروي في الفصل المخصَّص عن سيرته.

ما يشدّ في الكتاب أنه يحكي ببساطة عن خبرة حياة إيمانية عن إنسان يقيم علاقة شخصية معمقة مع الله، فيتكلم بشجاعة الأنبياء عن أن الإيمان ثورة حب، ووجدان، وغفران، وروح يقظة، وليس ممارسات جوفاء. يتكلم عن إنسانية الدين ويعطي الطمأنينة والأمان. يتكلم عن خبرات الإنسان، وتساؤلاته، وأوجاعه، وقلقه، وأحزانه، وأفراحه الصغيرة، وآماله الكبيرة، وخيباته، وإمكاناته، وطاقاته التي من خلالها يظهر الانسانُ بكلِّ جماله.

القيامة في الحياة والحياة في القيامة، الحياة مشوار إلى القيامة. مَنْ ليس قائما منذ اليوم، لا يقوم إلى الأبد! القيامة هي الحياة الحقة التي لا تولد، بل تبدع كما سطرت. الإيمان «وليس التدين»، الفكر، الحب، خدمة الإنسان هي الخلود.

إنه يتواصل مع البدايات الممتازة، مع الينابيع الأصيلة من أجل «الأصالة والمعاصرة»، وألا تتخشب المعطيات فلا تقول شيئاً ذا معنى لإنسان اليوم، كما فعل المسيح مع الفريسيين، علماء الشريعة والذين سماهم: “القبور المكلسة” «متى، 23/27».

يشدد الرفاعي على أهمية الدراسة المقارنة للأديان، التي يتجلى فيها الجوهر الروحاني العميق لها، فيكتب: «الدراسة المقارنة للأديان والفرق والمذاهب ضرورة تفرضها النزاعاتُ الدينية في مجتمعاتنا. المنهج العلمي في دراسة أية ديانة لا يصح إلا بالعودة إلى نصوصها المقدسة، ومدوناتها الحافلة بهذه النصوص. مالم يتسع حقل مقارنة الأديان والفرق والمذاهب بين الدارسين والباحثين في المعارف الدينية، لا يمكن تصويب سوء الفهم والأحكام المسبقة، وحذف الكثير من الأخطاء المتراكمة في فهم أتباع ديانة أو مذهب لمقولات أتباع ديانة أو مذهب أخر. سوء الفهم والأحكام المسبقة تتوالد منها أحكام أحادية إقصائية حيال الآخر، وتتحول إلى منبع تستقى منه حالات التعالي، وازدراء الآخر، واحتقار ديانته وتراثه. وسيجد الباحث عبر المقارنة الموضوعية للأديان أنها تنشد تكريس وإثراء الجوهر الروحاني للانسان».

استفهم بشأن: «احتكار الأيديولوجيا لنظام إنتاج المعنى الديني»، وأوضح الرفاعي أن الأسئلة العُظمى للدين تتلخص في: «معنى الوجود والخلود والأخلاق والطقوس…».  ويسعى بشجاعة لتجديد الفكر الديني في الإسلام وخطابه، ولربما هنا جواب غير مباشر على من يفكر بلا منطقية الدين، أو يخطف للتحريض على الإكراه والقتل والدمار.

الدين خلق وإبداع وليس جمود وتحنيط، سفر دائم إلى الآفاق البعيدة، لاكتشاف معنى الأحداث والأشياء، وإيجاد أبجدية جديدة تنطق وتشحن وتحرك وتغير. الدين يدعو إلى تخطِّي عالَم الكلمات إلى عالَم المعاني.

كتاب عبد الجبار الرفاعي يتكلَّم عن عبور متواصل، قادر على الحضور في زماننا، من خلال تجدد يومي في الحياة، واحتفاء دائم بسر الوجود، وصلة حية بالله، كي نولد في قلب الله… أليس هذا هو الإيمان؟

لا يدعو الرفاعي للحب بأسلوب مبسط، وإنما يحاول أن يتعمق في تفسيره، ليشرح جذوة الحب الملهمة، بوصفه حالة تحققها الذات وتتحقّق بها، ويكشف عن شيء من طبائع الشخصية البشرية. يكتب الرفاعي: «الإنسان كائن مسكون بطلب الحب. الحب من أصعب اختبارات المرء في الأرض، وأغناها عطاء. حب الناس من أشق المهمات في حياة الإنسان؛ ذلك أن الكائن البشري كثيرًا ما يتعذر عليه أن يحب غيرَه. الحب لا يُتخذ كقرار، وإنما هو حالة تتحقق وتوجد في الذات، وتتحقق وتوجد بها الذات في طور أجمل. الحب لا يُمتلَك إلا بعد تربية طويلة، وتزود بخبرات الشفاء من الكراهيات الغاطسة في الذات، ومقدرة الإنسان على مراجعة سلوكه مع غيره وكيفية تعامله مع الناس، وشجاعة نقد وتقويم الذات، وبصيرة تمكِّنه من اختبار سلوكه مع الناس بمقارنته بما ينفره من مواقفهم معه، فكل ما يزعجه منهم يزعجهم أيضًا لو صدر منه. الإنسان أعمى عن أخطائه، لأنها مألوفة لديه، ولفرط تكرارها أضحى مدمنًا عليها بشكل يمنعه من رؤيتها أخطاء، وعادة فإن ما يصبح مألوفًا في حياته يتعذر عليه أن يراه قبيحًا. الإنسان ليس كائنًا آليًّا، بل هو بطبيعته أسيرُ ضعفه البشريّ، لذلك لا تجفّ منابعُ الغيرة في أحاسيسه، ولا تموت نزعاتُ الشر في أعماقه، ولا يكفّ عن الصراع مع غيره، ولا يتوانى عن اللجوء للعنف مع خصومه. تلتقي في نفس الإنسان الكثير من الدوافع والرغبات المتضادة، المنبعثة من مكبوتات متنوعة مترسبة في ذاته».

أتمنى أن يقرأ هذا الكتاب كلُّ رجل دين مسلم ومسيحي، حتى تكون له شجاعة الأنبياء في تبليغ الناس رسالة الإيمان. هذا الكتاب صرخة موجعة أمام الواقع المرير، إنه نداء يتوجه إلى ضمير كل مؤمن مسلم ومسيحي. ويتمنى هو، وأتمنى أنا أيضًا: أن يجد صدىً ما في حياتنا.

أتمنى ألا يستمر صوت د. الرفاعي وحده حتى النهاية، بل أترقب أن يكوّن حوله مدرسةً من طلاب فكر وإيمان ونور ومحبة وخير، فيعيد إلى الدين جوهره وصفاءه ممن خطفوه وشوهوه!

 

[1] نشر المقال في صحيفة العالم الجديد «بغداد»، الصادرة في 21 كانون الثاني 2017.

 

[2] مار لويس روفائيل الأول ساكو، بطريرك الكلدان الكاثوليك منذ شباط 2013. حصل على شهادة الدكتوراه من الجامعة البابوية في روما عام 1983، وماجستير في الفقه الإسلامي سنة 1984، كما حاز لاحقًا على شهادة دكتوراه من جامعة السوربورن سنة 1986. ألف ونشر ما يزيد عن 200 مقالًا، و20 كتابًا في مجالات اللاهوت والدين.

رابط المقال