تطور الذكاء الاصطناعي الفائق يُهمِّش الإنسان

د. عبد الجبار الرفاعي

الحرية لا تبلغ نهاياتها، فهي مشروع لا ينتهي، ومسعى متواصل لا يعرف الاكتمال. كلما بلغ الإنسان محطة في سعيه نحو التحرر، قادته تلك المحطة إلى أفق أوسع، ونقطة أبعد، لتحطيم قيود أخرى لم يكن يراها من قبل.كلما انعتق من قيد، تكشفت له قيود جديدة تحاصره من حيث لا يدري، تتوالد في كهوف السلطة، وتتغذى من الاستبداد، وتنبعث من تسلط الشركات الرأسمالية العملاقة للذكاء الاصطناعي، وتسلط المؤسسات السياسية والدينية والاجتماعية. حتى ما يبدو تطورًا تكنولوجيًا، لا يخلو من وجه آخر يقيد الإنسان ويحد من حريته.

يتبدل مفهوم السلطة كلما تطور واتسع حضور الذكاء الاصطناعي، فلم تعد السلطة يحتكرها السلاح، وإنما تتجسد في رؤوس أموال شركات هذا الذكاء العملاقة، بما هي قوة شاملة تعيد تنظيم العالم وتوجيه مساراته المتنوعة. المال لم يعد أداة تبادل، وإنما صار بنية حاكمة توجه إنتاج المعرفة، وتحدد حدودها واتجاهاتها وغاياتها، وتقرر مَن يملك حق الوصول إليها ومَن يحرم منها. مَن يمتلك المال يمتلك اقتصاد المعرفة، ومَن يمتلك اقتصاد المعرفة يمسك بالمفاتيح الخفية للسلطة والهيمنة، حيث تصاغ الخوارزميات، وتدار البيانات، ويعاد تعريف الإنسان بوصفه معطى رقميًا قابلًا للاستثمار والتوظيف. في هذا الواقع تفقد المعرفة حيادها، وتخضع لمنطق السوق، وتنقطع عن وظيفتها الإنسانية، فتتحول من أفق للتحرر إلى أداة سيطرة شاملة، تعيد إنتاج اللامساواة بين البشر، على أساس القرب من منابع المعرفة والتحكم بها.

التربية والتعليم تتحكم بمخرجاتها سلطة رؤوس الأموال ومتطلبات أسواق العمل، ذلك ما نراه في انصراف الطلاب عن دراسة الفلسفة والعلوم الإنسانية والآداب والفنون وتضخم التخصصات التي تستجيب لطلبات أسواق العمل. تخضع التربية والتعليم اليوم لسلطة السوق في توجيه مخرجاتهما، فتغدو المعرفة محكومة بمنطق الربح المالي والطلب، لا بحاجات تكوين الإنسان وبناء عقله وتنوير وعيه، وايقاظ القيم وترسيخها في ضميره، ولا بإنتاج وتنمية المعاني الأخلاقية والروحية والجمالية لديه. يظهر ذلك بوضوح في انصراف أعداد متزايدة من الطلاب عن دراسة الفلسفة والعلوم الإنسانية والآداب والفنون، بوصفها معارف لا تحقق عائدًا ماليًا سريعًا، ويواكب هذا الانصراف تضخم التخصصات التي تستجيب لمتطلبات أسواق العمل. في هذا الواقع تخسر التربية والتعليم وظيفتهما بوصفهما أفقًا لبناء العقل وتنمية القدرة على التساؤل والنقد وتنوير الوعي، وتنمية الحس الأخلاقي، وبناء المعنى، وتصيران مسارًا تقنيًا يجري اعداد الطالب فيه لمهنة تلبي متطلبات أسواق العمل، وتقاس قيمة هذه المهنة بما تقدمه من عوائد مادية سريعة، لا بما تسهم به في اثراء وعي الإنسان وحماية كرامته وتوسيع أفق إنسانيته. هكذا تنشأ سلطة وتتغول لتحدد وجهة التفكير بما تنشده أسواق العمل، وتوجه الرغبات، وتحدد ما يظهر وما يغيب، وفي عالم تحكمه هذه السلطة تغدو معركة الإنسان معركة على المعنى، وعلى تحرير المعرفة من قبضة المال، وردها إلى موقعها بوصفها شرطا لكرامة الإنسان لا وسيلة للهيمنة عليه.

الذكاء الاصطناعي، بكل ما يعد به من تسهيلات، ينطوي على تهديد متصاعد لحرية الفرد واستقلال إرادته، ما لم تضبط مساراته بقيم إنسانية، وتشريعات عادلة، ورقابة أخلاقية حقيقية. وسائل التواصل والذكاء الاصطناعي يمارسان شكلًا جديدًا من الإكراه، لا يستند إلى العنف الظاهر، بل يتسلل إلى وعي الإنسان بالإغراء والتكرار، وضيق مساحة الاختيار. ما يتاح له أن يراه أو يتلقاه أو يثق به، ليس ما ينشر وحده ما يصوغ هذا الإكراه، بل الخوارزميات نفسها، التي تتحكم في آلية التوزيع، لا تعمل بوصفها أدوات محايدة، بل تمارس تحيزاتها الخفية، وتعيد توجيه الرغبات، وتعيد هندسة الذائقة، كما لو أن هناك أيديولوجيا خوارزمية تشتغل في الخفاء.

في التطور الفائق للذكاء الاصطناعي تعاد صياغة الوعي، ويضيق أفق الأسئلة، وتخفت إمكانيات التأمل الحر،كلما طال مكوث الإنسان وغرق في نسيج الخوارزميات. حين يألف نمطًا واحدًا من التفكير والتلقي، يتبلد عقله النقدي، وتتراجع حاجته إلى الآخر المختلف، ويبدأ في الانغلاق على هويته الصلبة بوصفها كل العالم في نظره. عندئذ، تتقوض التربية بوصفها مشروعًا لتحرير الإنسان، وتفقد المعرفة قدرتها على الكشف، وتغدو مجرد تكرار لما تنتجه الآلة، لا لما تتطلبه حرية الفكر وطرق اكتشاف الحقيقة. بدلا من أن تكون التكنولوجيا أداة لتوسيع الأفق، تتحول إلى قيد جديد، ينقض ما تبقى من حرية الإنسان في التفكير والتعبير والاختيار.

الذكاء الاصطناعي قدر عصرنا، لا مهرب من التعايش معه، ولا سبيل لعزل الحياة عنه. المشكلة لا تكمن في وجوده، بل في أثره المتزايد على حرية الإنسان واختياراته وإرادته. تطور الذكاء الاصطناعي الفائق يُهمِّش سلطة الإنسان، فكلما تقدم الذكاء الاصطناعي خطوة، تقلص معها هامش الحرية، واتسع مجال تسلطه، وضاق مجال سلطة وقرار البشر، حتى يغدو الإنسان تدريجيًا كما لو أنه آلة تنفذ ما تمليه عليها خوارزميات خفية.

من أخطر الآثار السلبية لتطور الذكاء الاصطناعي تخدير الذهن وكسله وشعوره بالعجز حيال الأسئلة العويصة، حين يتكفل بالإجابة السريعة عن كل شيء، فيغري العقل بالاكتفاء، ويصرفه عن عناء التفكير العميق. عندئذ تخبو ملكة التأمل، ويضعف الشغف بالتعلم الذي يوقد طاقة الابداع وإنتاج المعرفة، ويوقظ الأسئلة الخاملة، ويحرك القلق الخلّاق في الوعي. في هذا الواقع يدمن العقل على الاتكاء على غيره، ويفقد ثقته تدريجيًا بقدرته على الإجابة عن الأسئلة الحائرة والبحث والتمحيص، مع أن نموه الحقيقي لا يتحقق إلا حين يعتمد على نفسه، ويخوض تجربة السؤال والجواب، ويتدرب على بناء المعرفة داخله، لا استهلاكه لها جاهزة.

في ظل هذا الواقع يتراجع الاجتهاد، وتضمحل الحاجة إلى امتحان العقل بالتفكير الصبور العميق، ويستبدل الوعي الإنساني بوعي مستعار يمليه الذكاء الاصطناعي. لا يقتصر أثره على المعرفة فقط، بل يمتد إلى تشكيل نمط وجود الإنسان وإعادة تعريفه لذاته وهويته، وتهديد بنية الثقافة، وتفكيك الذاكرة الجمعية. يتسلل تأثير الذكاء الاصطناعي إلى عمق الذات، ويعيد ترتيب صلاتها بالعالم، على نحو يزعزع الأسس التي يتكون فيها المعنى، وتتجذر فيها المرجعيات الشخصية والاجتماعية.

في هذا العصر نواجه ضربًا جديدًا من التشييء، لا يفرضه عنف مباشر، بل يتسرب ببطء حتى تتآكل الحرية، وتذوب الذات في صيغ برمجية لا تتيح لها أن تكون حرة فاعلة مختلفة. الذكاء الاصطناعي يهدد بتحولات بنيوية للحياة الإنسانية، ما لم يضبط بمبادئ قيمية وضمائر أخلاقية يقظة، ويحصن بضوابط قانونية صارمة بتطبيقها، تراعي كرامة الإنسان، وتحمي حرياته من الذوبان في نسيج الخوارزميات. لا يمكن الوثوق بما يعد به التطور الفائق للذكاء الاصطناعي من تسهيلات، إن لم تخضع لرقابة الأخلاق، ومساءلة القيم، واستحضار الإنسان بوصفه غاية لا وسيلة.

أخطر ما يهدد مصير الإنسان وحضارته أن ينفلت الذكاء الاصطناعي من قبضته، ويدير ذاته بمعزل عن إرادة الإنسان، فتغدو كيانًا مستقلًا لا يسهم الإنسان في توجيه مساره، ولا يملك زمام قراراته. ذلك ما تلوح بوادره في تنبؤات بعض خبراء الخوارزميات، وما يتكشف في الأفق من سيناريوهات تنذر بانقلاب العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، حتى يغدو الإنسان ملحقًا به، لا صانعًا له. حين تقصى القيم الإنسانية من هندسة هذا الذكاء، وتختزل الغايات في الكفاءة والربح المادي فقط، يتحول التطور الفائق للذكاء الاصطناعي إلى تهديد وجودي، ويغدو ما ينتج باسم التقدم سببًا في غربة الإنسان عن كينونته الوجودية، وضمور جوهره الأخلاقي والروحي والعاطفي، وتشويه ذائقته الفنية، وإضعاف حسه الجمالي، وتجفيف منابع وعيه وعقله النقدي.

الإنسان ليس أداة، ولا ينبغي أن يتحول إلى وظيفة في نظام آلي، يجرده من إرادته، ويصادر حريته في أن يكون ذاته. مستقبل الإنسانية مرهون بإعادة بناء العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي على أساس إنساني عميق، يستعيد فيه الإنسان مركزيته، ويعيد توجيه الذكاء الاصطناعي ليكون خادمًا لحاجاته، لا سيدًا لمصيره. التقدم الحقيقي لا يقاس بما تتيحه الآلة من قدرات، بل بما تحتفظ به الروح من إمكان للسمو، وبما تصان به كرامة الإنسان من الضياع في مدارات الوظائف والسرعة والعائد المادي. الذكاء الاصطناعي الفائق الذي لا يحرسه القانون العادل، ولا توجهه الأخلاق، يتحول إلى قوة عمياء، تهدم ما يبدو أنه يبنيه، وتفرغ الحياة من معناها، وتقصي الإنسان عن موقعه بوصفه سيدًا للأرض.

https://alsabaah.iq/128253-.html

 

الخوارزميات تجهل صرخة الإنسان الوجودية

د. عبد الجبار الرفاعي

في الزمن الذي تتحكم فيه الخوارزميات سيتسارع إيقاع التغيير بشكل مثير، وتضمحل المعاني الروحية والأخلاقية والجمالية، في هذا الزمن يغدو الإنسان ضائعًا في متاهة لا تمنحه أمانًا. يعيش في تقلب دائم، لا يمكث طويلًا في علاقة، ولا يصبر على صداقة، ولا يتورط في صلة تستدعي الانتظار. ملول حد الضجر، حتى في علاقاته العاطفية سريع الانسحاب من كل ما لا يشبع رغباته المتقلبة، وما لا يحقق له لذة آنية. ينكفئ على ذاته، ويعيش فردانية مغلقة لا يرى فيها إلا نفسه، فيشتد اغترابه، ويتضاءل شعوره بالمسؤولية حيال مَن حوله حتى يكاد يتلاشى.

إثر ذلك تتآكل مشاعر الأُلفة في العائلة، ويتبلد الشعور الحميمي داخلها، ويتصدع الانتماء بمحتواه العاطفي، فيغدو البيت مأوى لأجساد لا قلوب، وسقفًا يظلل جماعة كأنهم غرباء لا يربطهم ود، ولا تنعيش قلوبهم المحبة، ولا يجمعهم حوار. في كثير من البيوت ترى الأبناء غارقين في هواتفهم وأجهزتهم اللوحية، منصرفين إلى تطبيقات وسائل التواصل والذكاء الاصطناعي، لا يكادون يصغون إلى آهات مَن يعيشون معهم، ولا يتواصلون بحميمية مع آبائهم وأمهاتهم وعوائلهم. حتى في الأوقات القليلة التي يلتقون فيها أحيانًا على مائدة الطعام، لا يكادون ينطقون بكلمات تعرب عن حنانهم وامتنانهم للأمهات والآباء والعائلة، ولا يتكشف ما يدل على ذلك في وجوههم أو لغة أجسادهم. كل واحد منهم يعيش عالمه الخاص منغلقًا عليه، يحيط أسراره بأسوار من الصمت، كأن حياته لا تخص أحدًا، وكأن مَن في البيت لا صلة عاطفية لهم به. في هذا الواقع يتفكك النسيج العضوي للعائلة بالتدريج، حين يفقد البيت نبضه العاطفي، وتمسي الحياة المشتركة عاجزة عن إنتاج معنى للحياة، ويتوارى الحنان خلف شاشات باردة لا دفء فيها ولا بوح. تختبئ في هذا الواقع المرير صرخة الإنسان الوجودية، المنطلقة من هشاشته وخوفه، ومن وعيه باغترابه، ومن ظمأه الأنطولوجي إلى معنى يمنحه طمأنينة الحضور في العالم. تتوالد هذه الصرخة في عمق التجربة الوجودية للذات، في موضع سابق على السلوك الظاهر، وأبعد من أن تدركه المؤشرات القابلة للقياس. تلتقط الخوارزميات الأفعال كما تظهر على السطح، وتتعامل مع الإنسان بوصفه مجموعة أنماط قابلة للتوقع، بينما تعجز عن النفاذ إلى الألم الداخلي، وعن الإصغاء إلى الأنين الصامت الذي يتولد في أعماق الكائن البشري حين يفتقد المعنى. تقرأ الآلة ما يختاره الإنسان، وتستبق قراراته، غير أنها لا تلامس القلق الذي يفزعه، ولا تعرف مشاعره، ولا ترى أنين قلبه، ولا تدرك الاغتراب الذي يدفعه إلى البحث عن صلة تتجاوز العالم المحسوس.

في هذا العجز التقني عن ملامسة باطن الإنسان يتفاقم الاغتراب الميتافيزيقي، إذ يشعر الإنسان أن العالم الذي تديره الخوارزميات لا يعترف بحاجته للمعنى، ولا يرى وحشته، ولا يمنحه أفقًا يتسع لأسئلته الوجودية. تتسع هذه الغربة كلما جرى التعامل مع الإنسان بوصفه معطى رقميًا، لا ككائن يشعر، ويتألم، ويحنّ، ويخاف، ويبحث عن خلاص، ويتوق إلى حضور إلهي يروي ظمأه. في هذا الانكسار الوجودي تلوح الإنسانية الإيمانية بوصفها استعادة للإنسان من اغترابه، إذ تعيد وصل الإنسان بذاته، وتفتح أفقًا لمعنى يتجاوز جسده، وتؤسس لصلة حية بالله تتجلى في الرحمة، والرفق، واحترام الكرامة الإنسانية، بوصفها ثمرة لإيمان يشبع الحاجة الوجودية، لا من الإكراه أو البرمجة.

كل مشروع تنموي يتجاهل صرخة الإنسان الوجودية، ولا يعي حاجته العميقة إلى المعنى والمحبة والرحمة، ينقلب إلى مشروع لا إنساني، مهما تضخمت أرقامه، وتكاثرت منتجاته، وانخفضت كلفته المادية، وارتفعت أرباحه، ومهما تحدث عن الرفاه. تفقد التنمية معناها الإنساني حين لا تنبع من مركزية الإنسان وسلطته الأخلاقية على الأرض، وحين تنفصل عن حاجته العميقة إلى المعنى والحرية والكرامة. عندئذ تسير التنمية في مسار آلي، وتعمل بوصفها حالة صمّاء لتراكم الأشياء وتكثير الإنتاج، والتسويق، والاستهلاك، من غير اكتراث بما تخلّفه في قلب الإنسان من وجع. تستهلك هذه التنمية طاقة الروح، وتُنهك القلب، وتبلد المشاعر، وتدفع الإنسان إلى حياة مزدحمة بالأشياء وفقيرة بالمعاني. في هذا السياق يتراجع الإنسان من كائن يبحث عن معنى وجوده إلى عنصر داخل منظومة اقتصادية لا ترى فيه سوى مهنة وظيفية ورقم. هكذا يتسع الاغتراب، ويغدو الإنسان غريبًا عن ذاته، لأن التنمية التي لا تصون إنسانيته ولا تحرس كرامته وحريته وحقوقه لا تؤسس لحياة جيدة، وإنما تعمّق القطيعة بين الإنسان ومعنى وجوده، وتدفعه إلى اغتراب موجع يفقد فيه الشعور بالحضور والجدوى.

الاستثمار الحقيقي لا يقف عند توسيع الإنتاج وتعظيم الأرباح، وإنما يتحقق حين ينقذ الإنسان من التحول إلى شيء، ويعيد الاعتبار إلى قلبه وروحه ومشاعره، ويحرره من اختزاله رقمًا في خوارزمية، ومعطى إحصائيًا في تقرير. هناك فقط تستعيد التنمية معناها، حين تصير فعل رعاية، ومسؤولية أخلاقية، وطريقًا لصون كرامة الإنسان وحرياته وحقوقه، لا وسيلة لتكريس اغترابه وتجفيف منابع المعنى في حياته.

التنمية التي تنفصل عن مركزية الإنسان تفرغ وجوده من قيمته، وتحيل حياته إلى فراغ لا يشبع حاجته العميقة إلى المعنى، مهما تضاعف الإنتاج المادي. التكنولوجيا حين تخلو من القيم، ولا تحضر فيها الأخلاق، تنقلب سريعًا من أداة رفاه إلى آلة قهر، ويغدو العالم مصنعًا واسعًا يبتلع معنى إنسانية الإنسان، ويعيد تشكيله كشيء لا يختلف عن الأشياء التي يصنعها ويستهلكها. أمّا التنمية التي تستحق اسمها فتنبع من وعي باحتياجات الإنسان الوجودية والمعنوية، وتستمد معناها من صون الكرامة الإنسانية وترسيخها، ولا تختزل الإنسان في أداة إنتاج أو رقم استهلاك، وتحتضنه بوصفه كائنًا يعيش عطشًا أبديًا إلى المعنى، ويبحث عن حياة تنصت لظمأ روحه وأشواق قلبه، كما تلبي حاجاته المادية.

تعمل الرأسمالية على احتكار الذكاء الاصطناعي، وإذا نجحت في ذلك تتسيد على الأرض وتهيمن حتى على الإنسان، وتنكشف همجيتها كوحش كاسر يمتلك قدرات تتفوق على القدرات المتنوعة للإنسان في حقول الحياة كلها، من غير أن تمنع توحشها قوانين عادلة صارمة، أو تكبحها قيم راسخة. حينئذ تصبح خوارزميات الذكاء الاصطناعي إلى أداة استلاب واستعباد وقمع، ووسيلة فتاكة في الحروب، إذا افتقرت البيئة التشريعية والأخلاقية إلى ما يضبط انفلاتها ويكبح استغلالها ضد الإنسان وحقوقه وحرياته بوصفه سيد الأرض.

ليس كل ما يعد به التقدم التكنولوجي يعد نعمة خالصة، ما لم يكن مصحوبًا بتنمية الوعي الإنساني، وتجذير قيم الكرامة والحرية والمساواة والعدالة، والحد من جشع السوق الرأسمالية، ومقاومة تحول الإنسان إلى مادة خام لصناعة الأرباح. وفرة السلع والخدمات لا تعني بالضرورة وفرة في المعنى، ولا تكفل سعادة الإنسان أو أمنه الوجودي وسلامه الروحي. إنسان العصر الرقمي يعيش اغترابًا وجوديًا واجتماعيًا عميقًا، لأن ذاته تتآكل تحت وطأة تسارع الأحداث وتحولات الواقع التي لا هوادة فيها. هذا الاغتراب لا يقتصر على تشييء الهوية، بل يمتد إلى ذوبان العلاقات الاجتماعية، حيث تذوي العلاقات الإنسانية العاطفية وسط صخب الانشغال بتطبيقات العالم الرقمي، وما يفرضه من واقع لم يألفه الإنسان من قبل. نرى الإنسان منفصلًا عن ذاته ومن حوله، فاقدًا للألفة الاجتماعية التي تمنحه الاعتراف والثقة والمودة، لا ذاته منكشفة له بجلاء، ولا تواصله مع الآخرين يتسم بالثقة والدفء.

https://alsabaah.iq/127858-.html

اغتراب الهوية في زمن الخوارزميات

د. عبد الجبار الرفاعي

يعيد الذكاء الاصطناعي التوليدي اليوم تشكيل نمط حياة الإنسان، ويغيّر كيفية وجوده في العالم، فيغدو هذا الوجود مختلفًا عما كان عليه قبل تغلغل الذكاء الاصطناعي في تفاصيل الحياة كلها. يتقدم هذا الذكاء بوتيرة متعجلة ليتصدر المشهد في العصر الرقمي، ويعيد صوغ أنماط العيش، والعمل، والتفكير، والعلاقة بالعالم. يتمدد مسرعًا من محطة إلى أخرى، فيزاحم الإنسان في إدارة شؤونه، ويقاسمه صناعة القرار، ويحد من قدرته على التحكم بمحيطه، ثم يمتد أثره إلى الذات البشرية، حيث يضعف سيادة الإنسان على ذاته وخياراته. في فضاء هذا التمدد تنتقل مفاتيح السلطة تدريجيًا إلى أيدي أقلية تحتكر المعرفة والخوارزميات والبنية التحتية لهذا الذكاء من عمالقة التكنولوجيا، فتتركز القوة خارج الإنسان، ويغدو مصيره معلقًا بإرادة مَن يمتلك أدوات التسلط الرقمي. في أفق الذكاء الاصطناعي التوليدي يلوح احتمال أشد خطورة، حين يتراجع الحضور الإنساني لصالح خوارزميات قادرة على إدارة العالم، فيتحول السؤال من ماذا يصنع الإنسان بالتكنولوجيا إلى ماذا يتبقى من الإنسان حين تفلت السلطة من يده وتستحوذ عليها الخوارزميات.

تتمدد الخوارزميات والروبوتات اليوم بأشكالها المتنوعة، لتغدو شريكًا في إدارة كل شيء تقريبًا، وفي إنجاز أعمال كانت حكرًا على الإنسان. يذهب خبراء هذا الحقل إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يفتح الطريق أمام استئثار هذه الأنظمة بمعظم مهمات الإنسان في الحياة، فتفرض حضورها وسلطتها على مجالات وجوده المختلفة. في هذا المسار يواجه الإنسان خطر فقدان تفوقه في ميادين طالما عدها امتدادًا طبيعيًا لقدراته، ويتعرض لتهديد أعمق يمس مكانته ومعناه وحقوقه وحرياته، حين ينزاح من مركز الفعل والقرار، ويغدو كائنًا هامشيًا في عالم تتسيّد فيه الخوارزميات، وتعيد تعريف الوجود والعمل والقيمة بمعايير لا تنبع من الخبرة الإنسانية ولا تصون حقوق الإنسان وحرياته، وتصادر وظيفته في التفكير والابداع والبناء.

تغترب الهوية في عصر الخوارزميات حين تنتقل من كونها خبرة وجودية تتشكل في الوعي والذاكرة والتجربة واللغة والثقافة والمسؤولية، إلى معطى رقمي يدار من خارج الإنسان، ويعاد إنتاجه عبر البيانات والتنبؤات وأنماط السلوك الجاهزة. في هذا السياق لا يصوغ الإنسان هويته عبر اللغة والسرد والاختيار الحر، وإنما تصاغ له هوية محسوبة سلفًا، تغذي الأذواق والرغبات وتعيد ترتيب الانتماءات داخل فقاعات تتشابه كأنها نسخ مكررة تتطابق، لتعزل الفرد عن الاختلاف الذي يوقظ وعيه ويحفز مواهبه وطاقاته المختبئة. مع هذا التحول تفقد الهوية عمقها الوجودي والزمني والروحي، وتنقطع عن الذاكرة واللغة والثقافة والعلاقة الحية بالآخر، فيتكرّس اغتراب يجعل الإنسان حاضرًا رقميًا وغائبًا وجوديًا، ممتلئًا بالصور والبيانات، مفرغًا من المعنى. هكذا تختزل الهوية إلى وظيفة أو استهلاك، ويصادر السؤال الوجودي عن الذات، ولا يكون الخلاص برفض التكنولوجيا، وإنما يكون في استعادة مركزية الإنسان بوصفه كائنًا حرًا وأخلاقيًا وروحيًا وجماليًا، وبإحياء الهوية كخبرة حيّة تبنى في الذاكرة واللغة الوعي والمعنى والمسؤولية، لا كمنتج خوارزمي يدار من خارج ذات الإنسان.

يعمل الذكاء الاصطناعي التوليدي على تآكل الدولة ويزعزع الأسس داخل بنيتها، حين يسهم في تفتيت سلطاتها وتجريدها من مركزية القرار، عبر إحلال أنظمة ذكية وخوارزميات محل وظائفها التقليدية، أنظمة لا تنتمي إلى كيان وطني، ولا تحتكم إلى إطار قانوني أو أخلاقي أو اجتماعي ينتمي للإنسان بمعناه القيمي والحقوقي. مع هذا التحول تضمحل السيادة، وتتبدد المسؤولية، وتتراجع قدرة الدولة على حماية المجال العام، وصون العدالة وتنظيم المصالح. في الوقت نفسه يقوض هذا الذكاء أواصر التماسك الاجتماعي، إذ يضغط على العائلة ويدفعها نحو الهشاشة، ويفكك وشائجها، ويضعف سلطتها التربوية والعاطفية ودورها في بناء الإنسان. هكذا تتراجع العلاقات الإنسانية العميقة، وتخفت قيم الرعاية والعواطف والمحبة، ويغيب الحضور الحي الذي يمنح الإنسان دفء الانتماء وسكينة الروح، في عالم يتسارع فيه الإيقاع التقني على حساب المعنى، وتتسع فيه الفجوة بين التقدم الأداتي وحاجات الإنسان الوجودية.

تنتزع الشركات الكبرى العاملة في الذكاء الاصطناعي، على نحو متدرج، السلطة بأشكالها المختلفة من الإنسان، ولا يقتصر هذا الانتزاع على البيئات التي تنشأ فيها هذه الشركات، وإنما يمتد إلى العالم كله. هذه السلطة الجديدة، المنبثقة من الذكاء الاصطناعي التوليدي، لا تقف عند حدود الأدوات، وإنما تعيد تشكيل صورة الإنسان عن ذاته ورؤيته للعالم، فتزيحه عن مركز وجوده، وتضعف قدرته على إدارة حياته والتحكم بعلاقته بالطبيعة وأخيه الإنسان. نشهد اليوم نمطًا مموهًا من نزع الكرامة والحرية والمساواة، يتخفى وراء خطاب التقدم التكنولوجي، ويعيد إنتاج الإنسان بوصفه كائنًا قابلًا للاستبدال، تتحول إنسانيته إلى بيانات، وتُختزل فرادته في خوارزميات. كل تحول تكنولوجي لا ينبثق من مركزية الإنسان يفضي إلى هدر الكرامة، بوصفها المبدأ الأعلى في بناء القيم، كما تحدثت عنها في كتاب: “الدين والكرامة الإنسانية”، حيث يغدو التقدم منفصلًا عن المعنى، وتتحول التقنية من أفق لخدمة الإنسان إلى قوة تفرغه من إنسانيته.

إن تغوّل الذكاء الاصطناعي التوليدي، واستحواذه المتسارع على سلطة الإنسان، لا يفتح أفقًا للرفاه وحده، وإنما يولّد شكلًا جديدًا من الاغتراب، يعمق الظمأ للمعنى المتفشي في حياة الإنسان اليوم. يجد الإنسان نفسه اليوم مهددًا بفقدان صلته العميقة بالمعنى، ويتحول إلى كائن غريب داخل منظومة خوارزميات لا تنصت لروحه، ولا تستجيب لحنينه إلى الامتلاء الروحي. يتجلى هذا الاغتراب في تفكك صلة الإنسان بذاته، وفي انقطاعه عن منابع المعنى التي تمنحه السلام، كما يظهر في خفوت حضوره الداخلي وضمور إحساسه بالقيمة. حين يغدو الإنسان أسير عالم لا يلبّي شوقه إلى المعنى، ولا يداوي اغترابه الوجودي، تتكرّس حالة فراغ وجودي تزداد معها هشاشته، وتتوارى ذاته في عالم يضمحل فيه المعنى، وتنحسر فيه القيم التي تصون إنسانيته وتمنحه سببًا لجودة الحياة.

من نتائج الحضور المتعجل للذكاء الاصطناعي في التربية والتعليم، والبحث العلمي، والإنتاج الاقتصادي، والعلاقات الاجتماعية والدولية، أن يتعرض العقل البشري لسبات بطيء يضعف قدرته على التفكير العميق. في هذا الواقع تخفت ملكات التأمل والخيال والابتكار، ويضمر الحس النقدي، وتتراجع قدرة الإنسان على توليد المعنى من رحم التجربة والمعاناة. بالاعتماد المتزايد على الآلة يضعف حضور العقل، ويغدو التفكير أقرب إلى استهلاك جاهز للمعطيات، لا مغامرة وجودية تبحث عن المعنى. هكذا يتهدد الإنسان بفقدان صلته الحيّة بسؤاله الوجودي، حين تستبدل معاناة التفكير بيسر الإجابة، ويختزل العقل إلى وظيفة أداتية لا تعرف قلقه، ولا تحتمل مشقة السؤال والتفكير التأملي العميق.

حين يناط التفكير بالآلة، ويستبدل اشتغال العقل الحي باستجابات خوارزمية جاهزة، تتعطل الوظيفة الوجودية للإنسان في صياغة ذاته وفهم عالمه، ويتوارى وعيه أمام سيل من الإجابات المصنّعة التي لا تمر بتجربة السؤال، ولا تمحصها مشقة البحث. العقل لا يحيا إلا في بيئة تستفزه بالتحديات، وتوقظه بالأسئلة، وتربكه بالمفارقات، وتغذيه بقلق معرفي يدفعه إلى التأمل والابداع. أمّا حين يبتعد الإنسان من عناء التفكير، بسبب غواية سهولة الإجابة، يخبو حضوره الداخلي، ويتراجع حسه النقدي، ويتحول الوعي إلى صدى لما تنتجه الآلة، لا إلى صوت يصنع المعنى من التجربة والاختبار والمعاناة.

حتى التفكير بالأفعال والمواقف المؤذية، كالمكر والخداع والشر والحروب، فهي على ما تخلّفه من مآسٍ وخراب، تغدو محفزًا لإيقاظ التفكير العميق، وامتحانًا لوعي الإنسان، وتنشيطًا لقدراته المعرفية الكامنة. الحياة التي تفلت من الألم والامتحان تفقد جانبًا واسعًا من طاقتها على توليد الأفكار، وتغدو أقرب إلى حركة آلية صمّاء لا تنتج شيئًا ثمينًا. حين يختزل تفكير الإنسان في خوارزميات مبرمجة، ويقاس وعيه بمدى تكيفه معها، يتلاشى حضور عقله، ويغدو عيشه آليًا، خاليًا من المعنى الذي يولد من المعاناة والأسئلة والمكابدة. العقل طاقة وجودية تتجاوز الحساب والتشغيل، ولا تزدهر إلا في مناخ الحرية والخيال والقلق الخلّاق، وفي بحث لا يكتفي بمعطيات الآلة، ولا ينغلق في منطق الربح والسرعة والكفاءة والجدوى الاقتصادية، وإنما ينفتح على أفق أوسع للمعنى والكرامة والإنسانية.

لا أعرف على وجه الدقة إلى أين تمضي بوصلة الذكاء الاصطناعي، غير أننا نعيش وكأننا في قلب زلازل متلاحقة، يتغير فيها كل شيء من غير تمهيد وبلا استئذان. بعصفه المتسارع يطيح الذكاء الاصطناعي بما كان عصيًا على التحول، ويقوض ما بدا راسخًا لا تهزه العواصف، فيحول الثابت إلى متغير، والمألوف إلى غريب، والمستقر إلى مهدد. هكذا يعاد تشكيل العالم على نحو لم تألفه البشرية من قبل، ويدفع الإنسان إلى مراجعة تصوراته للوجود والعقل والمعرفة والمعنى والمستقبل، في لحظة تاريخية يتقدم فيها السؤال أسرع من الجواب، ويتعاظم فيها القلق الوجودي بقدر ما تتسارع القدرة التقنية.

لم يعد الإنسان مركز العالم ولا المعيار الأعلى للحقيقة، بعدما اقتحمت الآلة أعمق وظائف التفكير، ونازعت العقل في ميادين طالما ظنها امتدادًا طبيعيًا لخصوصيته. نعيش اليوم عصر اللايقين والمفاجآت، عصرًا انقلب فيه المستحيل ممكنًا، وتراجع فيه يقين قديم، وانكسر النسق الواحد للمعنى. في هذا الواقع يغدو الإنسان مطالبًا بأن يعيد اكتشاف ذاته كل يوم، وإلا توارى خلف آلة تتقدم عليه، وتعيد تعريف ما يسمى عقلًا وإدراكًا وحقيقة. الذكاء الاصطناعي، بما ينطوي عليه من قفزات تقنية غير مسبوقة، لا يقتصر أثره على إعادة تشكيل أنماط العيش والعمل والتواصل، وإنما ينفذ عميقًا إلى بنية الوعي الإنساني، ويهزّ التصورات المستقرة عن الذات، والعقل، والمعنى. إنه يوقظ أسئلة وجودية ظلت زمنًا طويلًا في سبات، ويدفع الإنسان إلى مساءلة موقعه في الكون، ومعنى أن يكون إنسانًا في عالم تتراجع فيه الحدود الفاصلة بين الطبيعي والمصنوع، والبيولوجي والاصطناعي.

في هذا الواقع تلوح إرهاصات ما يسمى بعصر “ما بعد الإنسان”، حيث لا يعود الإنسان مركز العالم ولا معيار القيمة، وحيث تختزل الكينونة في الكفاءة التقنية، ويقاس الوجود بالوظيفة، ويعاد تعريف العقل بوصفه قدرة حسابية قابلة للاستبدال. في هذا السياق يصبح المعنى ذاته موضع امتحان قاس، وتغدو الإنسانية مهددة بالذوبان في منظومات تقنية صمّاء، لا تعرف الرحمة ولا تختبر القلق ولا تحسّ بظمأ الإنسان لمعنى وجوده وحياته الذي يشكّل جوهر التجربة البشرية. لذلك تبرز الحاجة الملحّة إلى استعادة الدفاع عن الإنسان لا بوصفه أداة إنتاج أو كمية بيانات، وإنما بوصفه قيمة أخلاقية وروحية وجمالية، بوصفه كائنًا هشًّا، قلقًا، مفتقرًا إلى المعنى، لا تكتمل إنسانيته إلا بالحب، والحرية، والمسؤولية، وبصلة حيّة تتجاوز المنفعة إلى الكرامة والحقوق والحريات، وتتجاوز الذكاء إلى الحكمة. في زمن ما بعد الإنسان، لا يكون الرهان الحقيقي على ما تستطيع الآلة أن تفعله، وإنما على ما ينبغي للإنسان أن يحافظ عليه كي لا يفقد ذاته وإنسانيته.

https://alsabaah.iq/126046-.html

 

 

 

 

 

 

 

 

 

التربية والتعليم في العصر الرقمي

د. عبد الجبار الرفاعي

التفاعل القائم بين الذكاء الاصطناعي التوليدي وهندسة الجينات وتكنولوجيا النانو، وسواها من تقنيات التقدم العلمي، سينعكس على كافة مراحل التربية والتعليم، ويعيد إنتاج هذه المراحل بكيفيات لا تتطابق بالضرورة مع ما هو متعارف عليه وموروث، سواء في نظام التعليم ومقرراته وأساليبه، أو أدوات تلقي المعرفة، أو وسائلها، أو أدوار المعلم والمتعلم. الحياة الجامعية والتخصصات العلمية في التعليم العالي المعروفة، كما ألفناها، لا أظنها تلبث طويلًا في العصر الرقمي، إذ يعاد بناؤها على نحو يتناغم مع إيقاع هذا العصر المتعجل، ويتجاوب مع متطلبات أسواق العمل، وتنوع مصادر المعرفة وأساليبها، وتحول أدوار المعلم من ناقل للمعرفة إلى مرشد وميسر لها. لا نستطيع أن نتنبأ بما سيحدث غدًا في هذا العصر، الذي تختلف فيه مؤسسات التعليم الأساسي والتعليم العالي، وتتنوع وتتعدد طرائقها ورؤاها، ووفقًا لهذا التنوع تختلف أيضًا الحياة التعليمية للأبناء، في نظامها ومقرراتها وأساليبها، وبنائها المعرفي، وطموحاتها المستقبلية.

التعليم العالي والتخصصات العلمية كما ألفناها في الجامعات يفرض عليها الذكاء الاصطناعي أن تتغير، فلم يعد اليوم التكوين الأكاديمي التقليدي والتأهيل التخصصي المتوارث مواكبًا لمتطلبات العصر الرقمي، وصار عاجزًا عن تلبية حاجات أسواق العمل الجديدة. في العصر الرقمي، يتهاوى الشكل الموروث للتعليم العالي، لأن العالم يعتمد على معطيات الذكاء الاصطناعي، والمعرفة المتجددة، والخبرة القادرة على التكيف مع سرعة التحولات. التكوين الأكاديمي القديم لا يفي بحاجات هذا الزمن، ولا يستجيب لنداءات الأسواق التي تبحث عن عقل مبدع لا حافظ، وعن خبرة تتجدد كل يوم، لا شهادة معلقة على الجدار. في هذا الواقع يصير التعلم رحلة مستمرة، لا تنتهي بنيل شهادة، ويغدو العلم يتجدد بمكاسب الذكاء الاصطناعي المتواصلة الولادات.

ستشهد السنوات القادمة تحولات مباغتة في النظام التربوي والتعليمي، تفرضها على العالم التحولات العلمية المتنوعة، والتكنولوجيات الجديدة. الذكاء الاصطناعي التوليدي في الأيام القادمة، يفرض حضوره على كل شيء في حياة الإنسان، ويغدو قريبًا بمثابة الكهرباء التي تحرك كل ما نتداوله ويتزود بالطاقة منها.كما تحولت الكهرباء إلى شرط أساسي لحياة العصر الصناعي، فإن الذكاء الاصطناعي سيكون شرطًا أساسيًا لحياة الإنسان في العصر الرقمي. وسينعكس ذلك غدًا على مراحل التربية والتعليم التقليدية كافة، ويعيد إنتاج هذه المراحل بكيفيات لا تتطابق بالضرورة مع ما هو متعارف عليه وموروث، سواء في نظام التعليم ومقرراته وأساليبه، أو أدوات تلقي المعرفة، أو وسائلها، أو أدوار المعلم والمتعلم.

لم يعد التعليم مجرد تكديس للمعلومات في ذاكرة التلميذ، بل أصبح عملية تتوالد وتنمو بالتجربة، وتتغذى من الحوار، وتتكامل مع المهارات المتجددة، وتنفتح على آفاق الإبداع. التعليم الرقمي لا يكتفي بإعداد الطالب لمهنة، بل يسعى إلى أن يوقظ فيه ملكة النقد، ويمنحه طاقة على إعادة اكتشاف ذاته والعالم. ما لا نستطيع أن نتنبأ به هو حجم التحولات المقبلة في التعليم الأساسي والعالي، في المناهج والمقررات ووسائل وأساليب التعليم والمؤسسات والرؤى، غير أن المؤكد أن هذا التنوع الجديد سيعيد صياغة حياة الأبناء التعليمية، في بنائها المعرفي، وآفاقها المستقبلية.

يفرض الذكاء الاصطناعي أن ينصب الاهتمام على التعليم المستمر، لأن جوهر البقاء في هذا العصر لم يعد في المهنة، بل في المهارة. في زمن الذكاء الاصطناعي التوليدي، تتبدل المهن بسرعة غير مسبوقة، حتى إن الإنسان لن يمكث في مهنة واحدة طوال حياته؛ فقد تتغير مهنته عدة مرات تبعًا لتحوّل الأدوات والبيئات الرقمية واحتياجات أسواق العمل المتغيرة. في هذا العالم المتغير، لا تكفي الشهادة ولا اللقب، بل يصبح تحديث المهارات شرطًا للحضور الفاعل في العصر الرقمي. المهارات هي رأس المال الجديد، وهي ما يُبقي الإنسان متفاعلًا مع تحولات المعرفة والتقنية. من هذه المهارات: إتقان أدوات الذكاء الاصطناعي، والقدرة على التواصل الفعال، ومهارة التفكير التحليلي والرياضي، لأنها تمثل اللغات التي يفهم بها الإنسان العصر ويشارك في صنع مستقبله. التعليم المستمر لم يعد ترفًا معرفيًا، بل صار طريقة للحياة؛ فكل مَن يتوقف عن التعلم يفقد قدرته على البقاء في سباق العقول والمهارات والآلات.

كل مشروع تنموي تكنولوجي انتاجي لا ينصت لصرخة الإنسان الباطنية، ولا يدرك حاجته إلى المعنى والمحبة والرحمة والكرامة، يظل مشروعا لا إنسانيًا، مهما بدت أرقامه باهرة ومبشرة. الاستثمار الحقيقي ليس في توسيع الإنتاج وغزارته، بل في إنقاذ الإنسان لئلا يتحول إلى شيء، واسترداد الاعتبار إلى قلبه وروحه وعقله بعد استلابها، وتحريره من كونه مجرد معطى إحصائي أو رقم في موازنة مالية. التكنولوجيا التي لا تسكنها القيم، ولا تلهمها الأخلاق، سرعان ما تنقلب من وسيلة رفاه إلى آلة قهر واستعباد، وتحول العالم إلى مصنع كبير ينتج كل شيء مادي، ويعمل على أن يصيّر الإنسان شيئًا كهذه الأشياء.

أخشى أن يفتقر التعليم في هذا العصر إلى القيم، ولا يظلله الوعي بالكرامة الإنسانية، فيغدو آلة لإنتاج خبرات منفصلة عن احتياجات الإنسان المعنوية اليوم، ووعي أجوف، ومعرفة صماء. يحتاج التعليم الإنساني في هذا العصر إلى القيم بموازاة حاجته للمهارات، ليكون قادرًا على أن يمنح الأجيال القادمة هوية إنسانية قيمية حية، تصون كرامتهم، وتفتح لهم أفقًا رحبًا للمستقبل، وتمنح حياة الإنسان المعنى في عصر يشح فيه المعنى. الذكاء الاصطناعي بما أنه يعيد تشكيل كل شيء في حياة الإنسان، فهو يعيد إنتاج كيفية وجوده في العالم، الذي يختلف اختلافًا عميقًا عن كيفية وجوده قبل أن يتغلغل الذكاء الاصطناعي في الغد القريب بكل مجال من مجالات حياته.

قرأت يوم 6.10.2025 خبرًا مثيرًا في موقع إخباري أمريكي رقمي AXIOS، ينقل عن: “تقرير صادر عن الديمقراطيين في مجلس الشيوخ الأمريكي يوضح أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يمحو 100 مليون وظيفة في الولايات المتحدة خلال العقد القادم”، فإذا كان عدد مَن هم خارج العمل من الأطفال وكبار السن يبلغ 135.2 مليونًا، وعدد مَن هم في سن العمل 206.8 ملايين، من مجموع سكان يبلغ نحو 342 مليون نسمة، فإن نصف العاملين تقريبًا في مختلف المهن قد يفقدون أعمالهم. وتشير تقارير البنك الدولي إلى أن العقد القادم سيشهد أزمة عالمية في فرص العمل، إذ سيدخل نحو 1.2 مليار شاب إلى سوق العمل في الدول النامية، بينما لن يتوفر سوى 420 مليون وظيفة جديدة، أي أن ثلث الداخلين فقط سيجدون عملًا، مع فجوة تقدر بـ 800 مليون فرصة مفقودة. كما يتوقع البنك أن تصل نسبة الوظائف المهددة بالأتمتة إلى 40٪ بين العمال الأقل مهارة، مقابل 5٪ فقط بين من يحملون شهادات جامعية، ما يعني أن المهن الروتينية تتجه إلى الزوال. في المقابل، تتصاعد الحاجة إلى مهارات التفكير التحليلي، والتواصل، والتعلم المستمر، وإتقان أدوات الذكاء الاصطناعي، بوصفها اللغات الجديدة لعصر تتغير مهنه بسرعة غير مسبوقة. إنها ظاهرة غير مسبوقة في الاقتصاد وأسواق العمل من قبل، الذي كان فيه صاحب المهنة يمكث فيها في مختلف مراحل حياته، فيراكم خبراته ويطورها باستمرار من دون أن يغادرها إلى مهنة بديلة.

وتشير تقارير البنك الدولي والمنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن الاقتصادات المتقدمة تعيش تحولًا بنيويًا في طبيعة العمل، إذ يتوقع أن تستبدل نحو 14٪ من الوظائف التقليدية بالأنظمة الذكية والأتمتة خلال العقد القادم، بينما ستنشأ وظائف جديدة تعادل نحو 30٪ من إجمالي المهن الحالية، أي ضعف ما أُنشئ في العقد الماضي. فقد ارتفع الطلب على المهارات الرقمية والإبداعية بنسبة 50٪ منذ عام 2016، فيما تراجعت الوظائف القائمة على المهام الروتينية بنسبة تقارب 40٪ في القطاعات الصناعية والإدارية. وتشير بيانات البنك الدولي إلى أن الاقتصادات المتقدمة قد تحقق مكاسب إنتاجية تتراوح بين 25 و30٪ بفضل الذكاء الاصطناعي، خصوصًا في التعليم، والصحة، والخدمات المالية. في المقابل، تتصدر المهن الجديدة مجالات هندسة الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، وتصميم تفاعل الإنسان والآلة، وأخلاقيات التكنولوجيا، ويغدو الاستثمار في التعلم المستمر وتنمية المهارات المهنية والتحليلية شرطًا أساسيًا للبقاء في أسواق العمل، التي تتغير بوتيرة أسرع مما شهده أي جيل سابق.

https://alsabaah.iq/123752-.html

 

 

 

الذكاء الاصطناعي تحدٍّ وفرصة

د. عبد الجبار الرفاعي

ينحاز بعض الكتّاب إلى موقف يصور التكنولوجيا بوصفها آلات وأدوات مادية صماء، يمكن استعارتها من الآخر من دون أن تمس معتقداتنا وقيمنا وثقافتنا والمعاني التي تنشدها حياتنا، ومن دون أن تحدث تحولًا في رؤيتنا للعالم، أو في منظومتنا القيمية والمجتمعية، لذلك تراهم يوصون باستيراد التقنية، مع التشبث والإصرار على حماية البنية التقليدية الموروثة في إدارة الحياة. هذا التصور يجافي الفهم العميق لأثر التكنولوجيا، ويكشف تبسيطًا شديدًا للواقع. التكنولوجيا ليست مجرد أدوات، إنها رؤية للعالم، ونمط من التفكير، ومنظومة قيم، وطور وجودي جديد يتحقق فيه الإنسان، يعيد تشكيل الإدراك الإنساني، ويفرض نمطًا مغايرًا للعيش والمعنى والقيم والعلاقة بالعالم. إنها تعمل على تصدع البنى التقليدية، وتنخر الأسس القديمة للمعرفة والتنظيم، ثم تهشمها لاحقًا. هذا ما أدركه الفيلسوف مارتن هايدغر حين نبّه إلى أن جوهر التقنية ليس تقنيًا بل ميتافيزيقيًا، فهي لا تكتفي باستخدام الموجودات، بل تحول الكائن إلى مجرد مورد قابل للتوظيف، وتخضع الطبيعة والإنسان لمنطق الاستهلاك والسيطرة، وتسلب الوجود معناه العميق، إذ تختزل العالم إلى مخزون طاقة جاهز للاستغلال.

في هذا السياق لا يمكن التعامل مع التكنولوجيا من خارج شروطها الوجودية، ولا يمكن إدارة الحياة الحديثة بمعايير رؤية ولغة تراثية. العصر الرقمي، بكل ما أفرزته ميتافيزيقا الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات، لا يغير أدوات الإنسان فحسب، بل يعيد تشكيل وجوده نفسه، وينتج نمطًا جديدًا من الوعي، والعلاقة بالذات، والآخر، والعالم. إعادة بناء العقل شرط لا بد منه لفهم رؤية التكنولوجيا والتكيف معها من دون تضحيات أخلاقية أو خسائر حضارية، وهذا لا يتحقق بخطابات التحذير وحدها، ولا بالأساليب الوعظية، بل بالاستيعاب النقدي للفلسفة، والانفتاح على العلوم والمعارف الإنسانية، التي تمكننا من إعادة تعريف الإنسان في زمن تتضاعف فيه قدرات الآلة، ويتهدد فيه جوهر الإنسان بالتشييء وتبدد مفهوم الإنسان. لقد بات لزاما علينا ألا نكتفي بتفسير الظواهر التقنية، بل نخوض غمار مساءلة كبرى للوجود، ترى الإنسان بما هو كائن في عطش أبدي إلى المعنى، لا إلى مزيد من الأدوات. ليس التقدم ما نراه في وفرة السلع وتضخم الأسواق، بل ما نلمسه في استعادة سلام الروح، وصيانة الكرامة، وتحرير الإنسان من عبوديته للآلة.

نحن الآن نعيش عصرًا جديدًا هو العصر الرقمي، الذي يتسيد فيه الذكاء الاصطناعي، وهذا الذكاء يحدث تغيرات هائلة في نظم التربية والتعليم، والثقافة، والاقتصاد، والسياسة، والقيم، والمعتقدات، والدين، والعلاقات الاجتماعية، وبنية العائلة، والمجتمع، والدولة، العلاقات الدولية، والحرب، والسلام. الذكاء الاصطناعي التوليدي يمثل منعطفًا حاسمًا يعيد إنتاج كل شيء في حياة الإنسان على وفق رهاناته، إنه منعطف لم تشهد البشرية ما يحدث آثاره كيفًا وكمًا في مراحل تاريخها المختلفة حتى اليوم. وتيرة التغيير في هذا العصر، الذي صار قدرًا للعالم، سريعة جدًا، فما كان يستغرق سنوات طويلة، بات يتحقق في أيام معدودة، وربما ساعات. هذا التغيير المتعجل يحدث تحولات كبرى في الاقتصاد، والسياسة، والمعتقدات، والقيم، والثقافات، والعلاقات، والتربية والتعليم، والسياسات المحلية والعلاقات الدولية.

الذكاء الاصطناعي، كما إنه تحد للإنسان، هو أيضًا فرصة عظيمة تعد بأن تجعل حياة الإنسان في المستقبل أيسر، إذا أحسن الإنسان استثماره في حل مشكلاته. التقدم العلمي يخدم الإنسان، غير أنه في الوقت ذاته ينتج مشكلاته الخاصة، إذ كثيرًا ما يفضي الانتقال من نمط ألفه الإنسان إلى نمط جديد لم يألفه إلى عواصف نفسية وعاطفية وروحية وقيمية وعرفية واقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية مزلزلة، تقذف بالإنسان في متاهة اغتراب موحش، خاصة إذا كانت النقلة نوعية هائلة.

مكاسب الذكاء الاصطناعي هائلة، تحدث منعطفًا نوعيًا كبيرًا في كل حقول حياة الإنسان، فالذكاء الاصطناعي التوليدي يمثل منعطفا تكنولوجيًا وحضاريًا ربما أعظم، من حيث آثاره بعيدة المدى، من اختراع جيمس واط للآلة البخارية، الذي دشن تحولًا جذريًا شمل مختلف مناحي الحياة في عصره وما تلاه. وهذه المكاسب التي تحدث تحولًا عميقًا، تجعل كل تكنولوجيا جديدة من هذا الطراز، تحدث آثارًا متنوعة، عميقة وواسعة النطاق، في بنى الاقتصاد، ومؤسسات المجتمع، وثقافة الأفراد، والقيم والمعتقدات، ونمط الحياة.

بينما تدخل معظم دول العالم اليوم في طور انتقال متسارع إلى عصر الذكاء الاصطناعي، لا نزال نمارس دور المتفرج، نرقب ما يجري من دون أن نكون عضوًا فاعلًا فيه، وهذا الانكفاء ليس مجرد تخلف عن ركب التطور، بل هو تسليم ضمني بمصير تقرره عقول أخرى لنا، تبدع هذا الذكاء وتنتج بنيته العلمية وتطبيقاته. إن لم نوظف الذكاء الاصطناعي التوليدي بمهارة في التنمية الشاملة لوطننا، ولم نتحكم بتوجيه بوصلته، فسوف يتحكم هو بمصيرنا. أما أن نعيد النظر في رؤيتنا للعالم وموقعنا فيه، وندرك أن إدارة الحاضر تستلزم فهم أدوات المستقبل، أو نظل أسرى موقف تاريخي يكرس هشاشتنا، ويعمق اغترابنا عن العصر.

ما دام العلم يواصل عمله على معالجة مشكلات تقدمه، فإنه كلما حقق تقدمًا عبر طفرات نوعية، تعاظمت قدرته على استحداث حلول للأزمات والمشكلات الناجمة عن هذا التقدم نفسه. العلم كما يقدم حلولًا لمشكلات الحياة، فإنه يقدم حلولًا للمشكلات الناتجة عنه. ليس هناك مَن يمتلك قدرة على حل هذه المشكلات مثل العلم الذي أحدثها، والفلسفة التي تجيب عن أسئلة العلم التي لا جواب لها في حقله.

مَن يمتلك الذكاء الاصطناعي التوليدي يمتلك التحكم بمستقبله ومستقبل العالم، الذكاء الاصطناعي قوة مهولة، بقدرات استثنائية لم تعرفها البشرية في تاريخها كله. يمكن أن يستثمر هذا الذكاء في البناء والتنمية الشاملة، وتأمين الاحتياجات المتنوعة للإنسان وإسعاده، كما يمكن أن يوظف في إنتاج أنواع الاسلحة الآلية والكيميائية والبيولوجية الفتاكة في الحروب، وتخريب الطبيعة، وكل ما يتسبب ببؤس الإنسان وشقائه. لا يقي الإنسان من الأخطار المتوقعة من الذكاء الاصطناعي إلا سن القوانين العادلة التي يصوغها علماء الحقوق والقانون، والقيم والأخلاق، ومخترعون وخبراء في هذا الذكاء، والصرامة في تطبيقها على الجميع بعدالة لا تستثني أحدًا، ويقظة القيم وترسيخها.

https://alsabaah.iq/123492-.html

 

الذكاء الاصطناعي تحدٍّ وفرصة

د. عبد الجبار الرفاعي

ينحاز بعض الكتّاب إلى موقف يصور التكنولوجيا بوصفها آلات وأدوات مادية صماء، يمكن استعارتها من الآخر من دون أن تمس معتقداتنا وقيمنا وثقافتنا والمعاني التي تنشدها حياتنا، ومن دون أن تحدث تحولًا في رؤيتنا للعالم، أو في منظومتنا القيمية والمجتمعية، لذلك تراهم يوصون باستيراد التقنية، مع التشبث والإصرار على حماية البنية التقليدية الموروثة في إدارة الحياة. هذا التصور يجافي الفهم العميق لأثر التكنولوجيا، ويكشف تبسيطًا شديدًا للواقع. التكنولوجيا ليست مجرد أدوات، إنها رؤية للعالم، ونمط من التفكير، ومنظومة قيم، وطور وجودي جديد يتحقق فيه الإنسان، يعيد تشكيل الإدراك الإنساني، ويفرض نمطًا مغايرًا للعيش والمعنى والقيم والعلاقة بالعالم. إنها تعمل على تصدع البنى التقليدية، وتنخر الأسس القديمة للمعرفة والتنظيم، ثم تهشمها لاحقًا. هذا ما أدركه الفيلسوف مارتن هايدغر حين نبّه إلى أن جوهر التقنية ليس تقنيًا بل ميتافيزيقيًا، فهي لا تكتفي باستخدام الموجودات، بل تحول الكائن إلى مجرد مورد قابل للتوظيف، وتخضع الطبيعة والإنسان لمنطق الاستهلاك والسيطرة، وتسلب الوجود معناه العميق، إذ تختزل العالم إلى مخزون طاقة جاهز للاستغلال.

في هذا السياق لا يمكن التعامل مع التكنولوجيا من خارج شروطها الوجودية، ولا يمكن إدارة الحياة الحديثة بمعايير رؤية ولغة تراثية. العصر الرقمي، بكل ما أفرزته ميتافيزيقا الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات، لا يغير أدوات الإنسان فحسب، بل يعيد تشكيل وجوده نفسه، وينتج نمطًا جديدًا من الوعي، والعلاقة بالذات، والآخر، والعالم. إعادة بناء العقل شرط لا بد منه لفهم رؤية التكنولوجيا والتكيف معها من دون تضحيات أخلاقية أو خسائر حضارية، وهذا لا يتحقق بخطابات التحذير وحدها، ولا بالأساليب الوعظية، بل بالاستيعاب النقدي للفلسفة، والانفتاح على العلوم والمعارف الإنسانية، التي تمكننا من إعادة تعريف الإنسان في زمن تتضاعف فيه قدرات الآلة، ويتهدد فيه جوهر الإنسان بالتشييء وتبدد مفهوم الإنسان. لقد بات لزاما علينا ألا نكتفي بتفسير الظواهر التقنية، بل نخوض غمار مساءلة كبرى للوجود، ترى الإنسان بما هو كائن في عطش أبدي إلى المعنى، لا إلى مزيد من الأدوات. ليس التقدم ما نراه في وفرة السلع وتضخم الأسواق، بل ما نلمسه في استعادة سلام الروح، وصيانة الكرامة، وتحرير الإنسان من عبوديته للآلة.

نحن الآن نعيش عصرًا جديدًا هو العصر الرقمي، الذي يتسيد فيه الذكاء الاصطناعي، وهذا الذكاء يحدث تغيرات هائلة في نظم التربية والتعليم، والثقافة، والاقتصاد، والسياسة، والقيم، والمعتقدات، والدين، والعلاقات الاجتماعية، وبنية العائلة، والمجتمع، والدولة، العلاقات الدولية، والحرب، والسلام. الذكاء الاصطناعي التوليدي يمثل منعطفًا حاسمًا يعيد إنتاج كل شيء في حياة الإنسان على وفق رهاناته، إنه منعطف لم تشهد البشرية ما يحدث آثاره كيفًا وكمًا في مراحل تاريخها المختلفة حتى اليوم. وتيرة التغيير في هذا العصر، الذي صار قدرًا للعالم، سريعة جدًا، فما كان يستغرق سنوات طويلة، بات يتحقق في أيام معدودة، وربما ساعات. هذا التغيير المتعجل يحدث تحولات كبرى في الاقتصاد، والسياسة، والمعتقدات، والقيم، والثقافات، والعلاقات، والتربية والتعليم، والسياسات المحلية والعلاقات الدولية.

الذكاء الاصطناعي، كما إنه تحد للإنسان، هو أيضًا فرصة عظيمة تعد بأن تجعل حياة الإنسان في المستقبل أيسر، إذا أحسن الإنسان استثماره في حل مشكلاته. التقدم العلمي يخدم الإنسان، غير أنه في الوقت ذاته ينتج مشكلاته الخاصة، إذ كثيرًا ما يفضي الانتقال من نمط ألفه الإنسان إلى نمط جديد لم يألفه إلى عواصف نفسية وعاطفية وروحية وقيمية وعرفية واقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية مزلزلة، تقذف بالإنسان في متاهة اغتراب موحش، خاصة إذا كانت النقلة نوعية هائلة.

مكاسب الذكاء الاصطناعي هائلة، تحدث منعطفًا نوعيًا كبيرًا في كل حقول حياة الإنسان، فالذكاء الاصطناعي التوليدي يمثل منعطفا تكنولوجيًا وحضاريًا ربما أعظم، من حيث آثاره بعيدة المدى، من اختراع جيمس واط للآلة البخارية، الذي دشن تحولًا جذريًا شمل مختلف مناحي الحياة في عصره وما تلاه. وهذه المكاسب التي تحدث تحولًا عميقًا، تجعل كل تكنولوجيا جديدة من هذا الطراز، تحدث آثارًا متنوعة، عميقة وواسعة النطاق، في بنى الاقتصاد، ومؤسسات المجتمع، وثقافة الأفراد، والقيم والمعتقدات، ونمط الحياة.

بينما تدخل معظم دول العالم اليوم في طور انتقال متسارع إلى عصر الذكاء الاصطناعي، لا نزال نمارس دور المتفرج، نرقب ما يجري من دون أن نكون عضوًا فاعلًا فيه، وهذا الانكفاء ليس مجرد تخلف عن ركب التطور، بل هو تسليم ضمني بمصير تقرره عقول أخرى لنا، تبدع هذا الذكاء وتنتج بنيته العلمية وتطبيقاته. إن لم نوظف الذكاء الاصطناعي التوليدي بمهارة في التنمية الشاملة لوطننا، ولم نتحكم بتوجيه بوصلته، فسوف يتحكم هو بمصيرنا. أما أن نعيد النظر في رؤيتنا للعالم وموقعنا فيه، وندرك أن إدارة الحاضر تستلزم فهم أدوات المستقبل، أو نظل أسرى موقف تاريخي يكرس هشاشتنا، ويعمق اغترابنا عن العصر.

ما دام العلم يواصل عمله على معالجة مشكلات تقدمه، فإنه كلما حقق تقدمًا عبر طفرات نوعية، تعاظمت قدرته على استحداث حلول للأزمات والمشكلات الناجمة عن هذا التقدم نفسه. العلم كما يقدم حلولًا لمشكلات الحياة، فإنه يقدم حلولًا للمشكلات الناتجة عنه. ليس هناك مَن يمتلك قدرة على حل هذه المشكلات مثل العلم الذي أحدثها، والفلسفة التي تجيب عن أسئلة العلم التي لا جواب لها في حقله.

مَن يمتلك الذكاء الاصطناعي التوليدي يمتلك التحكم بمستقبله ومستقبل العالم، الذكاء الاصطناعي قوة مهولة، بقدرات استثنائية لم تعرفها البشرية في تاريخها كله. يمكن أن يستثمر هذا الذكاء في البناء والتنمية الشاملة، وتأمين الاحتياجات المتنوعة للإنسان وإسعاده، كما يمكن أن يوظف في إنتاج أنواع الاسلحة الآلية والكيميائية والبيولوجية الفتاكة في الحروب، وتخريب الطبيعة، وكل ما يتسبب ببؤس الإنسان وشقائه. لا يقي الإنسان من الأخطار المتوقعة من الذكاء الاصطناعي إلا سن القوانين العادلة التي يصوغها علماء الحقوق والقانون، والقيم والأخلاق، ومخترعون وخبراء في هذا الذكاء، والصرامة في تطبيقها على الجميع بعدالة لا تستثني أحدًا، ويقظة القيم وترسيخها.

https://alsabaah.iq/123492-.html

تحديات اللغة في العصر الرقمي

                                                                                د. عبد الجبار الرفاعي

اللغة مفتاح دراسة أديان المجتمعات وقيمها ورؤيتها للعالم وثقافاتها، وهي المرآة التي تتجلى فيها هوياتها وطرائقها في تمثل ذاتها وتمثل الآخر المختلف عنها. تختزن اللغة ثقافات المجتمعات وأساطيرها وأحلامها وصورها المتخيلة عن العالم، ومنها يتشكل وعيها بذاتها وبما يحيط بها. من هنا يتبدد الوهم القائل بحياد اللغة، إذ لا تقتصر وظيفتها على نقل المعاني فحسب، وإنما تنطوي على رؤية الناطقين بها للعالم، وتفصح عن خلفياتهم الثقافية وأحكامهم المسبقة التي تسقطها الكلمات على الواقع.

تعيش اللغات في العالم اليوم ومنها العربية تحديًا غير مسبوق، يتمثل في قدرتها على التكيّف مع ما يفرضه الذكاء الاصطناعي عليها. الذكاء الاصطناعي يتغلغل في كل مجال، ويغزو مختلف الفضاءات، فارضًا إيقاعه السريع على العلم والمعرفة والتقنية، والسياسة والاقتصاد، والتربية والتعليم، والثقافة والإعلام، والفنون والآداب، وفهم الدين وأنماط التدين، والعلاقات الاجتماعية والدولية، وكل حقول حياة الإنسان. لم يعد ممكنًا لأي من هذه الحقول أن تظل بمنأى عن هذا الزحف العاصف، بعدما بات الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل الواقع، وينتج عوالم غير مألوفة للإنسان من قبل، ويبدل ظروف عيشه، وطرائق تفكيره، وأساليب تعبيره، وكيفيات تواصله.

في ضوء الرؤية التي تتعامل مع اللغة بوصفها أفقًا لرؤية العالم، وموطنًا للذات، وتجليًا للتجربة الروحية، والحالة العاطفية والشعورية، ووعي الإنسان بما حوله، لا مجرد أداة للتخاطب، يبتكر الذكاء الاصطناعي نمطًا من التعبير يختزل المعنى في الأداء والوظيفة، ويهمّش الأبعاد الوجودية والعاطفية والشعورية والجمالية والرؤيوية للغة، إذ تنزع لغة هذا الذكاء نحو الرقمنة والتكميم والتنميط، وتخضع دلالات الكلمات لمقتضيات الخوارزميات، فتغيب الإيحاءات التي تنبعث من التأمل، والأحاسيس الباطنية، والتجارب الروحية، ويخفت وهج الرمز والإشارة والعلامة.

يعيد (تشات جي بي تي) وسائر نماذج الذكاء الاصطناعي تشكيل اللغة خارج حدود المعجم المألوف، مستجيبًا لحاجات الاستعمال المتجددة، بما يحدثه من ألفاظ ورموز تعبيرية تنسجم مع السياق، فارضًا أشكالًا جديدة لتوليد المعاني، وصياغة مفردات لا تقيدها دائمًا طرائق الاشتقاق أو القواعد والأدوات المعهودة في اللغة. ويبرز أثره في انتاج أساليب غير مألوفة للبيان، وطرائق بديلة للتعبير، يعكسها تدفق إجاباته الغزيرة التي تنهال كالشلال، لتغطي مساحات واسعة من الأسئلة الممتدة إلى مختلف ميادين الحياة، فتفتح للغة آفاقًا لم تختبرها من قبل، وتمنحها قدرة على تشكيل صيغ جديدة من الدلالة والتأويل.

تتراكم كل ساعة كميات هائلة من المفردات للغات العالم المختلفة، فتثري قاعدة بيانات الذكاء الاصطناعي (Database). هذه الإضافات لا تقتصر على كلمات النصوص المدونة في معاجم تلك اللغات، بل تضخ في قاعدة البيانات مادة غزيرة من الكلام الشفاهي للندوات والمحاضرات وأحاديث البودكاست، باللهجات المتنوعة في كل لغة. فتمتص اللغة كلمات جديدة، ويولِّد الذكاء الاصطناعي من المفردات الأكثر تداولًا ألفاظًا خارج معاجم اللغات المعروفة، ثم يرسخها بكثرة الاستعمال، ويقلل حضور كلمات أخرى قليلة التداول، ويهمل مفردات نادرة في الاستعمال. وتظهر بصمة الذكاء الاصطناعي التوليدي بسرعة في اللغة الشفاهية والمدونة، “وبحسب دراسة للأوراق الأكاديمية المنشورة عام 2024 عبر العالم فإن 13.5 في المائة من ملخصاتها تحمل بصمات معالجة أو صياغة بأدوات ذكاء اصطناعي، لتصل النسبة في بعض التخصصات والمؤسسات إلى 40 في المائة… ويحيلنا القائمون على الدراسة حول التساؤل المستحق عن تأثير هذه البصمة اللغوية للآلة إلى منطق (الدائرة الثقافية المغلقة)؛ حيث النماذج اللغوية للذكاء الاصطناعي تتغذى على اللغة البشرية، ثم تعيد إنتاجها وفق تفضيلاتها، فيتبناها البشر، فتعود هذه اللغة المعدّلة لتغذية النماذج اللاحقة. ومع كل دورة، تضيق فسحة التنوع الأسلوبي، وتتراجع اللهجات والأنماط الهامشية أمام مركز لغوي واحد، فائق النعومة، شديد الانضباط، كثير الشبه بنفسه. وهذه بالطبع ليست فروضًا قسرية، بل هيمنة ناعمة. فالنماذج مثل (تشات جي بي تي) لا تفرض على المستخدم أن يتبنى أسلوبها للتواصل، لكنها تمنحه – من خلال الإيحاء الاجتماعي والمكافآت النفسية غير الملحوظة – شعورًا بالرضا عن الذات للظهور بشكل أكثر احترافية، وأكثر وضوحًا، وربما أكثر ذكاء حين يتحدث بلغتها. وهكذا، يصبح أسلوب الآلة معيارًا غير معلن، يقاس عليه (جمال) النص و(قيمة) الخطاب، بينما يدفع من يكون مغايرًا بشكل تدريجي إلى الهامش نحو مساحات تصنف ضمنيًا على أنها أقل رصانة، أو أقل مهنية”. (حطيط، ندى، “كيف يُعيد «تشات جي بي تي» تشكيل اللغة؟”، جريدة الشرق الأوسط، الصادرة يوم 25 أغسطس 2025).

تغدو فرادة الإبداع الأدبي مهددة بالاحتجاب خلف بصمة الذكاء الاصطناعي التوليدي، إذ يتلاشى تميز لغة الكاتب المبدع وسط ركام المفردات والأساليب المتشابهة، فيفقد الأدب خصوصيته التي تنبع من حساسية الكلمة، وتشرق بجمال العبارة، وتضيء بصور مبتكرة تتفجر من أعماق التجربة الروحية والعاطفية والجمالية. تفاقم عملية التنميط بنحو تتحول الكتابة إلى صوت يكرر لحنه بنغم واحد، وتذوب ملامح التعدد والتفرد في سيل من نصوص متماثلة.كلما تقدمت الأجيال المتطورة للنماذج الذكية، ترسخت حالة التنميط أشد، حتى تبدو الكتابة كأنها بقلم كاتب واحد، تحاكي نصوصه نصوص غيره، وتنسكب رؤاه في قوالب صماء، ينطفئ فيها بريق التميز، ولا يستمع القارئ إلى إيقاع كلمات الكاتب وهمس لحنه، وتنكمش رحابة الخيال المبدع.

هكذا تضمحل في اللغة قدرتها على الكشف عن فرادة الإنسان، وتغترب عن ذاتها، حين تتحول إلى أداة تعيد خلق أساليب بيانية مكررة، لا يُسمع منها صوت الشعور، ولا تتجلى فيها بصمة القلب، ولا تنبض بإيقاع الحياة الباطنية. فيمسي الأدب هيكلًا بلا روح، ويخفت صوت المعنى العميق الذي لا يضيئه سوى الإنسان في لحظة حضوره الوجودي. احتجاب فرادة الكتابة خلف التنميط الآلي ليس خطرًا على الأدب وحده، بل هو نذير بانطفاء شعلة الإبداع، حيث تتحول اللغة من فضاء للمعنى إلى مرآة باهتة، تنعكس فيها كلمات خالية من وهج القلب وأشواق الروح.

تخوض اللغة العربية كغيرها من اللغات اليوم هذا التحدي، وتكشف مظاهر التحول عن تبدل تدريجي في بنيتها التعبيرية، وتحول في معجمها، واندفاع نحو السرعة والرمزية الرقمية. تحل التعابير الموجزة محل الجمل البلاغية المتعارفة، ويتقدم الرمز التعبيري، أو الوسم الرقمي، أو العبارة الهجينة التي تصوغها تطبيقات التواصل على التعبير المكثف. فمثلًا تذوب مشاعر الحزن العميق في رمز تعبيري لوجه دامع، وتتقلص مشاعر الحب في صورة قلب أحمر، وتضمحل الأشواق في التداول العاطفي الرقمي، فتتقدم عليها كلمات برمجية مكررة تستعير الإشارة للمشاعر، كأنها تحاكي حضورها، من دون أن تعبّر عن إشراق الأشواق، وكنايات الايحاء بها. وتنطفئ الصور البلاغية المضيئة، وتفقد الاستعارات الأدبية توهجها، حين يستعاض مثلًا عن بيت شعر المتنبي: “إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ، فلا تقنع بما دونَ النجومِ” في رمز لصاروخ أو سهم متجه للأعلى. وبيت الجواهري: “أتعلَمُ أم أنتَ لا تعلَمُ، بأن جِراحَ الضحايا فمُ” بكلمة خاطفة مثل “صامد”، وتبهت الصورة الناطقة بالحرية وكرامة المقهورين، ويتقلص أثر الكلمة التي توقظ وعيًا، ويستفيق بها الضمير، وتلتهب بها مشاعر الشعب وشهامته. في مثل هذا الانكماش، تتوارى اللغة عن وظيفتها، وتتخلى عن أثرها الشعوري، وتتحول إلى رموز وصور باردة لا تمس القلب، ولا تستفز العقل، فتفقد العبارة ما يحمله الشعر من شعور جارف، وما تشعه الصورة من أفق للعزة والشموخ.

تختفي المفردات التي كانت تضيء الوجدان، وتضيق مساحة المجاز والتأمل، حين تذوب المعاني الكثيفة في رموز مفرغة من دلالتها، إثر استنزاف معناها بتكرار استعمال الكل لها، وتتبخر حرارة الكلمة التي ظلت قرونًا تصوغ وعيًا، وتوقد شعلةً في القلب. وتغيب صور تحفيز الخيال، وتختصر في أيقونة جامدة لا تتسرب إلى وجدان القارئ، ولا توقظ تأملًا أو انفعالًا. كذلك تنطفئ لغة التدفق العاطفي المؤثرة، وموسيقى كلمات العشاق، بعد أن تزيحها عبارات نمطية منطفئة، مثل: “وحشتني” أو “وينك”، بلا دفء الحنين أو صورة ترسم الاشتياق بكلمات ساحرة. حتى مفردات المدح والهجاء في التراث الأدبي، الزاخرة بالتوريات والمجازات والكنايات، تُختزل في كلمة واحدة، مثل: “يجنن”، أو “مزيف”، حين تطلق دون سياق، وتستهلك بلا تذوق.

كما يغيب وهج التعبير القرآني الذي يتدفق بلغة القلب وأشواق الروح، فتختفي عبارات، مثل: “ربِّ لا تذرني فردًا وأنت خير الوارثين”، ويحل محله قول مستعجل مثل: “يارب عوضني”، أو تتوارى كلمات الرجاء، مثل: “وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ”، ليأخذ مكانها نداء مقتضب مثل: “يا الله كفاية”. كذلك تستنفد الكلمة طاقتها الدلالية، ويخفت صوت المناجاة، عندما تغيب لغة التضرع عن فضائها الروحي، ويفقد البوح صدقه وقدرته على ملامسة أعماق القلب، ويتوارى صوت النبي أيوب الذي انبعث من أعماق الألم، وصدى أنين النبي يونس وهو ينادي في الظلمات: “لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين”، ويتقدم بدلًا من هذه الاستغاثات نداء مستعجل، مثل: “يا الله فرّجها” أو “طفح الكيل”، يُكتب على عجل، ويرمى بمستودع رقمي مكتظ، من غير خشوع، ومن دون أثر لتجربة الانكسار، ولا صدى لنداء يخرج من أعماق الروح.

وتضمحل في الوقت نفسه شحنة أدعية تنسكب من القلب، مثل: “إلهي، ما عبدتك خوفًا من نارك، ولا طمعًا في جنتك، لكن وجدتك أهلًا للعبادة فعبدتك”، ويحل محلها نداء متعجل، مثل: “يارب سهلها”، نداء لا يتجاوز الشفتين، ولا يمس الشعور، ولا يعكس تجربة وجودية مشبعة بالوجد، بل يعكس حالة استعجال، تغيب فيها الأبعاد الجمالية والعاطفية والروحية، التي تتوهج بمناجاة العارفين. وتتقلص مساحة الدعاء، ويضيق أفق التضرع، وتخفت حرارة البوح، عندما تنكمش الكلمة في عبارة قصيرة تخلو من خشوع القلب، وبوح  المشاعر، وتدفق التجربة الروحية.

فرق بين كلمات يستقي بها القلب وترتوي بها الروح، وكلمات يتأمل دلالتها الذهن. ينحسر النوع الأول من الكلمات في عصر الذكاء الاصطناعي، إذ يتبدل نمط الدعاء، وتخسر لغة القلب طاقتها الروحية والعاطفية، عندما تقيدها وهي تخاطب الله القوالب الجاهزة، وتحبسها الأنساق الجامدة، فيتلاشى أثر التجربة الوجودية التي تضيء الحياة بكلمات مشبعة بوهج الروح وابتهالاتها. وتغيب صور التضرع والتبتل التي كانت تنبع من أدعية الأمهات والآباء، وتتراجع أمام نسق جاف يستمد لغته من محرك بحث آلي أو تطبيق أدعية على الإنترنت، من غير حرارة داخلية، ولا نبض شعوري.

في فضاء هذا التحول العاصف، يظهر جليًا أن اللغة التي تواصل الحياة، وتنتشر في العالم، هي اللغة التي تواكب صيرورة الواقع، وتتناغم مع معطيات الذكاء الاصطناعي، من دون أن تتنازل عن جوهرها الإنساني، وثرائها الدلالي، وطاقتها الرمزية. هكذا تفرض علينا هذه التحولات المتعجلة أن نعيد تأمل اللغة، ونحررها من أسر الأداء التقني، ونصون تنوعها، ونحمي عمقها الوجودي، حتى تواصل أداء وظيفتها، بوصفها كيانًا حيًا تتجلى فيه الرؤية للعالم، وطرائق التفكير، وأشواق الروح، وتعلن فيها الذات عن حضورها.

https://alsabaah.iq/120020-.html

ثناء على ثناء الرفاعي على الجيل الجديد

د. زياد حمد الصميدعي[1]

وقع بيدي كتاب “ثناء على الجيل الجديد”، فقرأته قراءة المتأمل الناقد، فأخذني من عالمي المحدود إلى آفاق رحبة في الفكر التربوي والمعنى الأخلاقي، حتى وجدتني أعود إليه ثلاث مرات، وما زلت أنوي قراءته الرابعة، لما وجدت فيه من غذاء للعقل والروح والقلب، وبوصلة للهداية. طلبت ثلاث نسخ منه لأولادي: إبراهيم ويوسف ومحمد، وهم في مقتبل العمر، ليكون منهاجًا لحياتهم وخارطة طريق لمستقبلهم، ثم عممته على طلابي في الجامعة، ومريدي في مسالك السلوك العرفاني. وإذا كانت رسالة “أيها الولد” لحجة الإسلام الغزالي قد طارت شهرتها في الآفاق، فإن الرسالة التي جددها أستاذي عبد الجبار الرفاعي تحت عنوان “ثناء على الجيل الجديد” جديرة بأن تنال أوسع الانتشار في عصرنا الرقمي الذي تعصف به تحولات الذكاء الاصطناعي، لما تنطوي عليه من قيم ومفاهيم تشبع عطش هذا الجيل إلى المعاني الضرورية لحياته، في زمن يزداد فيه نضوب المعنى، ويصدح بفراغ الروح، وتضيء لهذا الجيل مسالك الوعي والبصيرة، وتؤسس لتربية تستند إلى الرحمة والمحبة والعقل، وتبشر بإنسانية أرحب، وأفق روحي أعمق.

وجدت في “ثناء على الجيل الجديد” رؤية عميقة تستبطن وعي هذا الجيل، وتكشف عن تطلعاته وأحلامه في عالم كوني متعدد ومفتوح، ورأيت فيه إدراكًا نافذًا للمخاطر المستقبلية وللتحولات الكبرى الفكرية والعملية التي لم تعد المناهج التقليدية في بيئاتنا المغلقة، ولا الوعي الموروث، قادرين على استيعابها أو الإحاطة بها، بعدما اتسع الفرق بين عالم الأمس وعالم اليوم، حتى غدا شاسعًا مترامي الأطراف. بدا كتاب عبد الجبار الرفاعي محاولة جريئة للتوفيق بين ماضينا الذي يشدنا بجذوره، ومستقبلنا الذي يلح علينا بنداءاته، وإن كان ذلك عسيرًا، غير أنها محاولة تربوية ناضجة، تحمل بذور الأمل، وتبشر بالتجديد في طرائق التربية والتعليم، وتغرس في عقول الناشئة ووجدانهم عناصر الثقة والقوة، وتوقظ فيهم الرغبة الصادقة في غدٍ أجمل، غدٍ يتكامل فيه التسلح بالقيم الروحية والأخلاقية والجمالية، مع مواكبة التقدم التكنولوجي المتسارع إلى جدًا، ليولد إنسان جديد أكثر وعيًا بذاته، وأقدر على العيش في هذا الكون الرحب.

في الأيام القادمة سنجتمع في ورشة عمل لمطالعة كتاب “ثناء على الجيل الجديد”، وسأدعوا طلابي في الجامعة إلى قراءته، لا كأي كتاب عابر، بل كما لو كان امتدادًا وتجديدًا لرسالة “أيها الولد” للغزالي، وقد أعيدت صياغتها بروح جديدة، ورؤية تتناسب وزمانكم الرقمي، مدونة بلغة إيمانية وأخلاقية وإنسانية تعجز عنها ألسنة كثير ممن يتحدثون عن الدين، أو يحاولون مخاطبة الجيل الجديد بلغة تراثية لا تشبهه. عبدالجبار الرفاعي أبدع في كتابة رسالته التربوية، حتى غدت نداءً صادقًا تنصت إليه القلوب، ويوقظ العقول، ويعيد وصل الروح بندائها الأخلاقي والإنساني.

إن “ثناء على الجيل الجديد” ليس مجرد كلمات على الورق، بل هو مشروع تربوي حيّ، يمكن أن نجعله منهجًا عمليًا نهتدي به في بيوتنا وجامعاتنا ومؤسساتنا، ونحوّله إلى واقع نعيشه في إعداد الأبناء وتربية الأجيال. إنه خلاصة حياة فكرية تربوية امتدت لنصف قرن في دراسة الفلسفة وعلوم الدين وتدريسها، وإنتاج علمي تجاوز أربعة وخمسين كتابًا، وتجربة ثرية تنقلت بين الحوزة والجامعة، ومجالس البحث والتعليم والتربية، وهو قبل ذلك كتاب أبٍ ومربٍّ، يعترف بتواضع نادر أنه “تعلم من أبنائه أكثر مما تعلم من آبائه، وتعلم من تلامذته أكثر مما تعلم من أساتذته”، كما دوّن ذلك في صفحة الإهداء. من هنا فإن كتاب: “ثناء على الجيل الجديد” يقدَّم إليكم أبنائي لا ليُقرأ فحسب، بل ليكون دليلًا يرشدكم، ومنارةً تنير لكم الطريق في زمن يموج بالتحولات، ويحتاج إلى بوصلة أخلاقية وروحية وجمالية، تحفظ إنسانيتكم وأنتم تعبرون نحو المستقبل.

يكشف الرفاعي في مقدمة “ثناء على الجيل الجديد” عن مقصده من تأليف الكتاب، فيقول: “أحاول في هذه الأوراق تقديم رؤيتي الشخصية، وإن كنت أعرف سلفًا أنها لا تعكس رؤية جيلي، ولم أمنح نفسي الحق في الكلام نيابة عن أي إنسان في الأرض. إنها رؤية شخصية لأب لديه عائلة تشكلت قبل نصف قرن تقريبًا، تتكون من: (أم وأب، وابنتين، وأربعة أبناء)، أصغرهم تجاوز الثلاثين من عمره، وقد أكملوا تعليمهم العالي، فتحصل بعضهم على الدكتوراه، وآخرون على الماجستير. لا أفتقر لمعرفة الجيل الجديد، فأغلب علاقاتي وأحاديثي وحواراتي معهم، وهم الأقرب إليّ، يعرفون جيدًا قربي منهم ومحبتهم، وفهمي لنمط حضورهم في العالم الجديد. عملت في التعليم أكثر من أربعين سنة، وما زلت أقرب إلى رؤية جيل الأبناء من رؤية جيلي، وذلك ما يدعوني للكتابة عن هذا الجيل، وتثمين منجزه اليوم وما يعد به غدًا”.

“ثناء على الجيل الجديد” يعكس مسيرة فكرية وتعليمية وتربوية وأخلاقية وروحية ممتدة، تتجلى فيها خبرة التعليم، وتجربة الحياة، ورؤية تسعى إلى تحويل الفكر إلى ممارسة، والمعرفة إلى تربية، والكلمة إلى قدوة. إنه ليس كتابًا يُقرأ فحسب، بل دليل عملي يستضيء به الأبناء والآباء، والطلاب والمعلمون، وكل من ينشد المعنى في عالم سريع التحولات. اللافت أن الرفاعي أفرد الفصل الرابع من كتابه لموضوع: “الصمت الحكيم”، ليكشف فيه عن الصمت بوصفه رافدًا من روافد البصيرة يغذي الروح بالمعنى، في وقت يعيش فيه الجيل الجديد وسط عالم صاخب بتطبيقات وسائل التواصل ونماذج الذكاء الاصطناعي، عالم تتشظى وتذوب فيه المعاني، وتغرق حياة الإنسان موجات اللامعنى التي تعصف بوجوده وتضاعف غربته.

[1] أستاذ فلسفة القانون في الجامعة العراقية ببغداد.

 

https://al-aalem.com/%d8%ab%d9%86%d8%a7%d8%a1-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%ab%d9%86%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%81%d8%a7%d8%b9%d9%8a-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%8a%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af/

التعليم في عصر الهوية الرقمية

د. عبد الجبار الرفاعي

أميّة الأساتذة الثقافية والرقمية ليست خاصةً بكثيرٍ من التدريسيين في الجامعات العربية، بل إنها تغطي أكثرَ الجامعات التي أعرفها في المحيط الإقليمي خارج فضاء التعليم العالي العربي، كما تشير بعضُ البيانات والتقييمات في جامعات شرقية وغربية إلى أنها تعاني الأزمةَ نفسَها. ويعود ذلك إلى فقدان الرؤية الاستراتيجية لبناء التربية والتعليم والثقافة والإعلام في عصر الهوية الرقمية والذكاء الاصطناعي، والافتقار للإرادة الحازمة لتنفيذها، حتى إن كانت موجودةً في بعض البلدان فإنها غيرُ صبورةٍ وهشة، وعدم الحماس للانخراط في العصر الرقمي لدى القيادات، والافتقار للخبراء المؤهلين تأهيلًا جادًّا لإنجازها، وضعف البنية التحتية المادية والتكنولوجية والمعرفية اللازمة لولادتها وتنميتها.

هوية جيل الألفية الجديدة رقمية، هذه الهوية وُلدت في فضاء وسائل الاتصال والذكاء الاصطناعي، تواصل الهويةُ الرقمية ولاداتِها باستمرار في فضاء الذكاء الاصطناعي المتدفق كشلالٍ هادر. الهوية الرقمية لا تشبه أيّةَ هوية من الهويات الدينية والعقائدية والأيديولوجية والإثنية الموروثة، ‏الهوية الرقمية سيالة في صيرورة متعجّلة سريعة التحول، لا تستقرّ على حال أبدًا، ولا تلبث في حالةٍ واحدة لسنوات، أو حتى سنة واحدة. هذا يعني أن الجيل الجديد يتفاعل بنحو مختلِف مع الهويات الرقمية وينتمي إليها بطريقته، لا كما كان يجري في الانتماء ‏لهويات العصر ما قبل الرقمي، ما يحدث تناشزًا حادًا تزداد وتيرته وتتسع فجوته بسرعة، بين نظامِ التربية والتعليم التقليدي، والهويةِ الرقمية المتغيّرة والمتواصلةِ الولادات وإعادةِ التشكل. في عصر الهوية الرقمية يتفاقم اغترابُ الأستاذ عن التلميذ، واغترابُ التلميذ عن الأستاذ، ويُحدث ذلك تناشزًا يتضخم كلَّ يوم بينهما، وينتهي إلى المزيد من الأمية المعرفية والثقافية والرقمية، التي تنعكس في الآتي:

  1. إن زمانَ التلميذ يختلف عن زمانِ الأستاذ، وأعنى الزمانَ بمعناه التربوي والتعليمي والرقمي، وليس الزمان بمعناه الفيزيائي.كلُّ زمانٍ مشتقٌّ من نمطِ وجودٍ يختلف عن زمانٍ مشتقٍّ من نمطِ وجودٍ آخر. نمطُ وجودِ التلميذ في العالَم هو واقع العالَم اليوم، ونمطُ وجودِ كثيرٍ من الأساتذة في العالَم هو ماضي العالَم. أغلبُ الأساتذةِ يعيشون اغترابًا عن حاضرهم، فينحازون بثقةٍ مفرطة للماضي، وكأن كلَّ شيء في ذلك الماضي صوابٌ أبدي. القليلُ من الأساتذة من جيل الآباء استطاعَ حضورَ واقع العالَم، ومواكبةَ الذكاء الاصطناعي والعيش في الواقع، ووعي نمط وجوده في عصر الهوية الرقمية المتغيرة، واستثمار ما تقدّمه له منصاتُ الاتصال وتطبيقاتُها المتنوعة والذكاء الاصطناعي من جديد العلوم والمعارف والثقافات يوميًا.

2.كلُّ نمطِ وجودٍ يفرض نظامَه التربوي والتعليمي المشتقَّ منه والمتناغمَ مع إيقاع صيرورته، وذلك النظامُ يفكّر بمنطقِ عقلانيةِ نمطِ ذلك الوجود، ويتعاطى تقاليدَه الثقافية، ويعتمد نظامَ قيمه، ويتحدّث لغتَه المتفرّدة. نمطُ الوجود في عصر الهوية الرقمية يفرض عقلانيتَه ورؤيتَه للعالم وقيمه وثقافته، لا يستطيع الإنسانُ التغلبَ عليه مهما عاند الانخراطَ في هذا العصر، أو الاحتماءَ من آثاره، والتحكمَ الكامل بحضوره الهائل. ذلك ما يدعو الإنسانَ في بلادنا لمواكبته، في سياق رؤية تتسع لاستيعاب مكاسبه، وبناء أخلاقيات تقي الإنسانَ من ارتدادته المربكة والعاصفة.

  1. النظامُ التعليمي الذي يعبّر عن المتطلبات التعليمية للتلميذ في عصر الهوية الرقمية، غيرُ النظام التعليمي التقليدي الذي يعرفه الأستاذُ ويتعلّمه التلميذ،كلٌّ منهما يفكّر بمنطق عقلانية العالَم الذي ينتمي إليه، ويتعاطى تقاليدَه الثقافية، ويعتمد نظامَ قيمه، ويتحدّث لغتَه الخاصة. اللغةُ ليست أداةً محايدة، اللغةُ تنتمي إلى منطقِ عقلانية العصر وثقافته، وذلك يعني أن الأستاذَ يفتقر لمعرفة لغة التلميذ عصر الهوية الرقمية، والتلميذ يفتقر لمعرفة لغة الأستاذ، فيكون الحوارُ بينهما بمثابة حوار الطرشان.
  2. العمليةُ التعليمية عمليةٌ ديناميكية وليست ميكانيكية، التلميذُ فيها يُعلِّم الأستاذَ، مثلما يُعلِّم الأستاذُ التلميذَ،كلٌّ منهما مُلهِم للآخر، ومكوِّنٌ لعقله، ومولِّدٌ لوعيه، ومحفزٌ لذهنه بطرح الأسئلة وابتكار الأجوبة.
  3. عندما تكون العمليةُ التعليمية ميكانيكيةً تكفُّ عن أن تكون تعليمية، وتفشل في أن تظل مُلهِمةً للتلميذ والأستاذ، وتضمحل فاعليةُ الأثر والتأثير المتبادَل فيها، وغالبًا ما يصاب ذهنُ كلٍّ من المعلم والتلميذ بالوهن، ويشعران بالملل والإحباط، الذي ربما ينتهي لدى البعض لشعور بالقرف وحتى الغثيان.
  4. تكرارُ الأستاذ المملُّ لكلامٍ لا يفقه أسرارَ اللغة التي ينجذب إليها التلميذُ، ولا يدرك طبيعةَ انفعالاته ومشاعره، لا يمكن أن يمنح التلميذَ علمًا ومعرفة ووعيًا بعصر الهوية الرقمية الذي يعيش فيه، ولن يؤثر في تكوين أسئلته ومتخيّله وأحلامه وهمومه المعرفية، ولا صلةَ له ببناءِ منظومةِ قيمه، وتقاليدِه الثقافية. وينتهي ذلك إلى أن يتعاطى كلٌّ من التلميذ والأستاذ مع العملية التعلمية بوصفها فرضًا، كلٌّ منهما ملزَمٌ بتأديته على شاكلته، الأستاذُ تلزمه ضروراتٌ معيشية، والتلميذُ تلزمه ضروراتٌ يفرضها تقليدٌ مكرَّسٌ لتعليمه، بغضّ النظر عن ثمراته ومآلاته.
  5. الجيلُ الجديدُ يتلقى المعرفةَ والثقافةَ والقيمَ من وسائلِ الاتصال وتطبيقاتِها الكثيرة، وما تقدّمه مجانًا من موضوعاتٍ متجدّدة فاتنة جذابة، متنوعةٍ بتنوّع مراحل العمر، ومتناغمةٍ مع مختلف مستويات الإدراك والفهم والاستيعاب. تتنوع الموادُ التي تنتجها وتسوقها وسائلُ الاتصال لكلِّ مرحلةٍ عمرية حسب مستوى إدراكها وتذوقها. سميراميس بنت ابنتي د. تُقى، عندما كانت بعمر سنتين، تمضي ساعاتٍ طويلةً كلَّ يوم تشاهد أفلامّا مخصّصةً لمرحلتها العمرية، يبثها اليوتيوب، ولفرط تذوقها لها وتفاعلها معها، تصرخ فزعةً لحظةَ يمنعها أحدٌ طالبًا منها الكفَّ عن إدمان ذلك.
  6. لا يهتم النظامُ التعليمي بالاختلاف بين استعدادت الأطفال ومواهبهم، وما يفرضه موقعهم الطبقي من تفاوت في تكوينهم المبكر. تكوين الأطفال يختلف تبعًا للإمكانات المتاحة لهم، كما كشفت عن ذلك دراسة في أمريكا عن الأثر الذي يحدثه تلقي الأطفال للغة في مرحلة مبكرة من حياتهم في بناء وعيهم ورؤيتهم للعالَم، وكيف يتناسب وعيهم مع ما يتلقونه من اللغة، فتبين وجود تفاوت فاحش في تلقي اللغة تبعًا للتفاوت الطبقي، إذ ان أبناء العوائل الغنية إذا بلغوا 4 سنوات من عمرهم يكونون قد استمعوا إلى 43 مليون كلمة، لكن أبناء العوائل الفقيرة إذا بلغوا 4 سنوات من عمرهم لم يستمعوا إلا إلى 13 مليون كلمة. والمعروف أن نضج الذهن ونموه يتناسب وامتلاك اللغة وحضورها وتفاعل الذهن معها في الصغر، فكلما كانت الحصيلة اللغوية أثرى نضج الذهن أسرع واتسعت آفاق الوعي أكثر.
  7. مأزقُ أعضاء هيئة التدريس أنهم يعيشون في عصر الهوية الرقمية وهو لا يشبه عصرَهم أمس، عصرٌ يمضي بسرعةٍ فائقةٍ إلى الأمام، لذلك ينسى هذا العصرُ مَن لم يتكيَّف معه، بل سرعان ما يمسي حضورُه عبئًا عليه فيحذفه. أكثرُ الأساتذة عجزوا عن التكيّف مع هذا العصر، لأنهم يفتقرون للوعي العميق به، فيعجزون عن الاستجابةِ لمتطلباته ووسائله ورموزه ولغته. وأغلبُهم لا يمتلك إرادةَ التمرّد على ماضٍ شديدِ الحضورِ في وجدانهم، والسطوةِ على مشاعرهم. الماضي مكوّنٌ عميقٌ للاوعي الأساتذة من جيل الآباء، مازال عالقًا فيهم ومازالوا عالقين فيه.
  8. إيقاعَ التحولات أسرعُ من استجابة النظام التعليمي لاحتياجات الأبناء، ذلك أن وتيرةَ التبدّل في كيفية عمل الذهن أسرعُ من القدرة على مواكبتِه والانتقالِ بما يستجيب له ويتناغم معه في أنظمة التربية والتعليم، من هنا ستتسع الفجوةُ بالتدريج بين هذه الأنظمة وطبيعةِ احتياجات الجيل الجديد، التي قد يعجز عن تلبيتها حتى النظامُ التعليمي في البلدان المتقدمة.كما تتطلب كلُّ الأجهزة التي تعمل على وفق أنظمة الذكاء الاصطناعي تحديثًا مستمرًّا يرتقي بكفاءة أدائها،كذلك هو النظام التعليمي في عصر الهوية الرقمية ، فما لم يتم تحديثُه تنتهي صلاحيتُه ويخرج من التداول.
  9. لا غرابةَ ألا يحرص أعضاءُ هيئة التدريس على التكوين الأكاديمي والثقافي والرقمي في عصر لا يشبههم، وأكثرُهم فشلوا في التكيّف معه. ذلك أن طرائقَ ووسائلَ وأداواتِ التكوين المعرفي والثقافي في عصر الهوية الرقمية تختلف عن تلك التي عرفوها وتمرّسوا بها وأدمنوا عليها أمس حتى صارت مكوّنًا لهويتهم المعرفية، لذلك نجد أكثرَهم يفتقدون أيَّ حافزٍ لامتلاك ما هو جديد.
  10. يُصاب الأستاذُ بالملل عندما تنضب منابعُ الإلهام لديه، ويفتقر للطاقة المُلهِمة للاستجابة الفاعلة من التلميذ، فيفتقد الحوافزَ العميقةَ للتعليم المستمر، وتنمية التكوين الأكاديمي، والحرص على الحضور في الفضاء الرقمي ومواكبة وتيرة تطوره الفائقة. وربما يُصاب الأستاذ بالقرف وهو يكرّر كلامًا لا ينتج علمًا لدى المتلقي ولا يكوّن معرفةً، ولا يؤثّر في بناء وعي التلميذ، ولا يوسّع متخيّله وأحلامه العلمية.

 

 https://alsabaah.iq/99240-.html

 

أميّة الأساتذة الثقافية والرقمية

د. عبد الجبار الرفاعي

التربيةُ والتعليم وبناءُ القيم وترسيخها هي حجرُ الزاوية في كل عملية تنمية خلّاقة، النجاحُ فيها علامةُ كلِّ نجاح، والإخفاقُ فيها علامةُ كلِّ إخفاق. تتشكلُ معادلةُ التربيةِ والتعليم من ثلاثة عناصر، هي: المعلّم، التلميذ، المقرر الدراسي. لا تنجز هذه المعادلةُ وعودَها ولا يمكن قطف ثمارها من دون إعادة بناء متوازية لكل عناصرها، وإن أيَّ اختلال في أحد عناصر هذا المثلث يفضي إلى اختلال كلّ المعادلة. التربيةُ والتعليم وبناءُ القيم هي مأزق التنمية في أوطاننا، ذلك هو السببُ العميق لكلِّ فشل وإخفاق في أية عملية للتنمية الشاملة.

عمليةُ بناءِ الإنسان هي البدايةُ الحقيقيةُ لكلِّ عمليةِ بناءٍ خلّاقة، وما تنشدُه أيةُ تنميةٍ شاملة. رأسُ المالِ البشري المتعلم هو ما يتكفلُ بناءَ دولة مواطنة دستورية حديثة. رأسُ المالِ البشري أثمنُ من كلِّ رأسمال، فمهما امتلكنا من بترولٍ وغيره من مصادر الثروة المادية لن نتفوقَ على مَن يمتلكُ رأسَ المالِ البشري المكوَّن من الخبراء وذوي المهارات المتنوعة. الإنسانُ المتعلم أثمن من كلِّ شيءٍ، لا شيءَ يفوقُ الإنسانَ المتعلم بقيمته في عالَمنا الذي نعيشُ فيه. الاستثمارُ في الإنسان أثمن من كلِّ استثمار، تخلُّفُ البلدان ينشأُ من الفشل في بناء الإنسان، وإدمانِ الكسل. اليابانُ مثلًا تفتقرُ للموارد الطبيعية، لكنها بارعةٌ في بناء الإنسان، تقدّمت اليابانُ بسبب تفوق إنسانها بتكوينه التربوي والقيمي والتعليمي، وتراكم خبراته المهنية، ومثابرتِه على العمل، وارتفاعِ معدل إِنْتاجيَّته كمًّا وكيفًا. سنغافوة أيضًا تفتقر للثروات المادية، لكنها تفوقت على غيرها من البلدان، وقفزت لمعدلات باهرة في التنمية، بسبب أنها وضعت تكوين رأس المال البشري أولويةً في برامجها للتنمية، واعتمدت في ذلك على مكاسب العلوم والمعارف الحديثة، وما أنجزه العقلُ والخبرة البشرية من مكاسبَ مهمة في التربية والتعليم.

تتفشى الأميَّةُ الثقافيةُ والرقمية بين أعضاء هيئات التدريس في الجامعات العربية بشكل مخيف، فقلّما ترى مَن يلاحق ما هو جديدٌ في تخصّصه الأكاديمي، وأقل منه مَن يهتم بمواكبة الإنتاج الفكري بالعربية فضلًا عن غيرِها من اللغات، أو يتعرّف على الأعمال الجادّة في مختلف مجالات العلوم والمعارف والفنون والآداب، وقليل جدًا مَن يبرع في استعمال التقنيات الرقمية في البحث العلمي وتطوير مهارات التلامذة من جيل الآباء.

منصَّاتُ التواصل الرقمية وتطبيقاتُها المتعدّدةُ والمتنوعةُ تجاوزت دورَ الكتاب التقليدي في التربية والتعليم والتكوين المعرفي، وتغلّبت على مركزيته في البناء الفكري والثقافي. غير أن كثيرًا من التدريسيين من الجيل القديم لا يحضر على منصات التواصل الرقمية، ولا يعرف شيئًا عن معظم تطبيقاتها، وإن حضرَ لا يتخطّى حضورُه الإسهامَ في العلاقات العامة والمناسبات الاجتماعية، ونادرًا ما نعثر على مشاركات نوعية لتدريسيين تعكس ثقافتَهم وتكوينَهم الأكاديمي.

يجهل أغلبُ التدريسيين من جيلي الابتكاراتِ المدهشة للذكاء الاصطناعي، وما يعدُ به من مكاسب عظمى، تتغيرُ بتأثيرها أنماطُ العمل والإنتاج والتسويق، وتختفي مهنٌ مختلفة وتحل محلها مهنٌ بديلة، ويحدث تحول نوعي في وسائل تلقي العلوم والمعارف والفنون والآداب، وتتبدل طرائقُ التدريس ووسائلُ وأساليبُ التعليم، ويطال التغييرُ مختلف مجالات الحياة، فـ “عندما نتحدث عن حضور الذكاء الاصطناعي في حياتنا اليوميّة، فنحن عمليًّا نتحدث عن كلِّ شيء. يشمل ذلك ظهور كومبيوتر قادر على قراءة وثائق مكتوبة بخط اليد، وروبوت يُجري بنفسه عمليات جراحيّة معقدّة وبصورة مستقلة عن التدخّل البشري، وصُنع قاعدة بيانات مكثّفة تتضمن الصفات والسلوكيّات والسجايا الشخصيّة لكل فرد منا، استنادًا إلى كل ما نقرأه أو نكتبه على الإنترنت… ومع التعمّق في تحسين أداء الذكاء الاصطناعي، ينكشف أمام أعيننا أنه لن يكتفي بمجرد الحلول بدلًا من البشر، بل يستطيع التفكيرَ بطرق يعجز الإنسان عنها. ثمة خوارزميات متطوّرة تستطيع التعامل مع كميّات هائلة من المعلومات، وتتوصّل إلى استنتاج الأنماط الموجودة فيها، ما يجعلها (= الخوارزميات) على أهبة الاستعداد لتغيير المجتمع”[1].

الذكاءُ الاصطناعي معنى جديد لرأسِ المالِ يختلفُ عن المعنى الكلاسيكي له، إنه أثمنُ ثروةٍ يمتلكها الإنسانُ في عالَمنا اليوم، مَنْ يمتلكها يمتلك حاضرَ العالَم، ويتمكن من التحكم بمصائره ومصائر مَن لا يمتلك هذا الذكاء، ومَنْ يفتقدها يفتقد القدرةَ على الحضور في العالَم، مثلما يفتقد القدرةَ على التحكم بمصائره. مهما كانت قيمةُ الثرواتِ المادية فإنها لا تساوي القيمةَ الحقيقيةَ للذكاءِ الاصطناعي، وما يمكن أن ينتجَه من سلعٍ وخدماتٍ ومعطياتٍ معرفيةٍ وماديةٍ متنوعةٍ في مجالاتِ الحياة المختلفة. بلغت القيمة السوقية في 18 – 6 – 2024، لشركة “إنفيديا” المصنعة للرقائق  3.33 تريليون و 333 مليون دولار، بسبب الطلب المتزايد لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي على الرقائق. وبلغت القيمة السوقية لشركة “مايكروسوفت” 3 تريليونات و 332 مليون دولار، وشركة “أبل” 3 تريليونات و 269 مليون دولار، وشركة “غوغل” 2 تريليون و 186 مليون دولار[2]. وحسب تقديرات خبراء الاقتصاد يُقدَّر أن يصل الإنفاق العالمي على الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030 إلى 1.8 تريليون دولار، في حين سيبلغ الناتج الاقتصادي للذكاء الاصطناعي 15 تريليون دولار.

تتجلى أميّةُ أساتذة الجامعات بأجلى تمظهراتها بالجهلِ بالذكاء الاصطناعي، وما ينجزه اليوم ويعد به غدًا، والجهلَ بتوظيفِ منصات التواصل وتطبيقاتها المتنوعة، والعجز عن الإفادةِ من ذلك في التكوين المعرفي والثقافي، وعدم استثماره في التنمية العلمية والثقافية والرقمية، والغفلة عن أن مصادرَ المعرفة وطرائقَ تلقِّيها لم تعد كما كانت أمس، ولا أساليب التعليم هي ذاتها. منصاتُ التواصل وتطبيقاتها المتنوعة كسرت احتكارَ الكتاب الورقي، وكلَّ الطرق التقليدية للتكوين المعرفي والثقافي، وتغلبت على وسائل تداولها ونشرها المتعارفة، بل أضحت موازيةً لعملية التكوين الأكاديمي في الجامعات المتوارثة منذ ما يزيد على تسعة قرون، وأراها ستتفوق عليها بعد مدة ليست بعيدة.

ابتكر الذكاءُ الاصطناعي ومنصاتُ التواصل وتطبيقاتُها المتنوعة طرائقَ تدريس بديلةً تعبّر عن هوية عالَمها الوجودية، فصارت من خلالها أدقُّ المباحث وأشدُّها تعقيدًا واضحةً تُفهَم بيسر وسهولة، بأساليب بصرية وسمعية ليست رتيبة أو مملة. أزاحت الأساليبُ الجديدةُ طرائقَ تدريس ميكانيكية توارثتها عدةُ أجيال، وأقعدت معلمين متمرسين فيها عن مهنتهم، لأنها لم تعد مستساغةً للجيل الجديد.

مَن يحرص على التكوين المعرفي والثقافي واللغوي المستمر في أيّ مجال يرغب، يمكنه الظفرُ بمعلمين محترفين متطوعين في مختلف العلوم والمعارف واللغات، ولمختلف المستويات. فمثلًا لا يحتاج مَن يريد تعلّمَ لغة أخرى إلى حضور منتظم في المعاهد المعروفة لتعليم اللغات، لأن بإمكانه العودةَ إلى مواقع متخصّصة في اليوتيوب وغيرِه، تقدّم له تعليمًا ممتازًا مجانيًّا، وهو في بيته، ومن دون أن يتحمّل عناءَ الذهاب إلى مكان آخر، ودون أن ينفق شيئًا من ماله، ويبدّد وقتَه.

بلغ حجمُ الكمية المتدفّقة من البيانات، في مختلف العلوم والمعارف والفنون والآداب، حدًّا يفوق قدرةَ الإنسان على مواكبته فضلًا عن استيعابه، لذلك لا يستطيع المتخصِّصون أو الهواة الاطلاعَ إلا على مساحةٍ محدودةٍ جدًّا منه. إذ “ستتجاوز كمية البيانات الرقمية المنتجة خلال السنوات الثماني المقبلة 40 زيتا بايت، وهو ما يعادل 5200 جيجا بايت من البيانات لكلّ رجل وامرأة وطفل على وجه الأرض. ولوضع الأمور في نصابها 40 زيتا بايت هو 40 تريليون جيجابايت. وتشير التقديرات إلى أن هذه الكمية تبلغ 57 ضعفَ عدد كل حبات الرمال على جميع الشواطئ على وجه الأرض. ومن المتوقّع أن تتضاعف جميع البيانات كلّ عامين حتى عام 2020م”[3].

تستثمر اليوم ChatGPT وأمثالُها من تطبيقات الذكاءُ الاصطناعي البياناتِ Data بوصفها منجمًا ثمينًا يجيب عن أسئلة الإنسان ويثري معارفه في مجالات العلوم المتنوعة، والسياسات، والاقتصاد وإدارة الأموال واستثمارها، والحقوق والحريات، والقيم، والأديان، والثقافات والفنون والآداب، وكلِّ شيء. صارت البياناتُ مصدرًا أساسيًا للمعرفة، ولكلِّ شيء في حياة الإنسان ومعاشه، مَن يمتلك كميةً مذهلة من هذه البيانات ويراكمها كلَّ يوم يتفوق غدًا على مَن يفتقر إليها.

النمطُ الجديدُ للحياة أضحى فيه الإنسانُ في صيرورة أبدية، لا تكفّ عن التحوّل، ولا تتوانى عن العبور، ولا تتوقف في محطة إلا لتلتقط أنفاسَها فتواصل الرحيل. لم يعد الإنسانُ كما عرفته أكثرُ الفلسفات القديمة؛ كائنًا عاقلًا يلبث حيث هو، لا يكون جزءًا من شيء أو يكون جزءًا لشيء، بل صار الإنسانُ اليوم كأنه جزءٌ من كلّ، هو محصّلةٌ لما حوله، أي إنه في “حالة المابين”، كأن الإنسانَ مسافرٌ أبدي، لا ينفكّ عن الترحال، لا يمكث بمحلٍّ إلّا ليغادرَه إلى محلٍّ غيره، تبعًا لنمطِ صيرورة الوجود السيّار المتحرّك لكلِّ ما هو حوله، فكلّ ما حوله يسير به، ويسير معه. إنسانُ اليوم كائنٌ سندبادي، يتلقّي مختلفَ الثقافات في الآنِ نفسِه، من دون أن يغادرَ موطنَه. إنه يعيش جغرافيا جديدة، تضاريسُها هلاميةٌ، حدودُها واهيةٌ، أمكنتُها متداخلةٌ، ثقافتُها ملوّنةٌ، هويتُها تركيبيةٌ. نمطُ حياته هو الأشدُّ غرابة منذ فجر التاريخ[4].

 المطيري، غادة، “الذكاء الاصطناعي”، اندبندت عربية 11 يونيو 2019.[1]

 [2]19 جريدة الشرق الأوسط، 19 – 6 – 2024.

أحمد، أبو بكر سلطان، البيانات الضخمة: خصائصها وفرصها وقوتها، الفيصل العلمية، الصادرة بتاريخ 28-11-2017.  [3]

  الرفاعي، د. عبدالجبار، “الدين والاغتراب الميتافيزيقي”، بيروت، مركز دراسات فلسفة الدين ببغداد، ودار التنوير، الطبعة الثانية، 2019، ص 65.[4]

https://alsabaah.iq/98875-.html