غواية الكتابة

د. عبد الجبار الرفاعي

غوايةُ الكتابة واحدةٌ من غوايات عصر تكنولوجيا المعلومات. صار الهوسُ بالكتابة والنشر، بلا موهبة ولا قراءة مكثفة ولا تفكير صبور،كهوس تكديس الشهادات العليا بلا تكوينٍ علمي. يورث الحضورُ في تطبيقات وسائل التواصل إدمانَ الشهرة، يصبح هذا الإدمانُ أحيانًا على غرار الإدمان على الهيروئين،كذلك يورث الحضورُ فجأةً في السلطة إدمانًا من نوعٍ آخر، مَن يعمل سنوات طويلة من حياته مسؤولًا في سلطة، أو مسؤولًا في تنظيمٍ سياسي بدولة أو مدينة صغيرة أو كبيرة، فينتقل فجأةً للأدب والثقافة والفن في منتصف عمره أو في خريف العمر بغية المزيد من الحضور والشهرة. يجهل أو يتجاهل هؤلاء أن البدايةَ بالإنتاج الفكري والأدبي والفني متعذرةٌ بلا تكوينٍ مستمر وتفكيرٍ متأمل وتراكمٍ طويل لقراءات تتواصل العمرَ كلِّه. يمكن أن يجد الإنسان نفسه في السلطة في أي مرحلة من عمره، بلا تأهيلٍ سياسي واجتماعي وثقافي، ويصل إلى مواقع متقدّمة بسرعة خاطفة، إن كان يتقن الانخراطَ بجماعات ترفعه لهذا الموقع. ‏سياقاتُ التكوين الفكري فردية، وهي تحتاج إلى قراءاتٍ تتسع لعمر الإنسان كلِّه وتفكيرٍ مزمن وممارسةٍ يومية للكتابة، وسياحةٍ في الثقافات والآداب والفنون والمعارف والعلوم، وشغفٍ بالكتاب وولعٍ لا ينطفئ بالمطالعة. لا تتراكم الثقافاتُ والآداب والفنون والمعارف والعلوم وتتفاعل إلا في رحلة العمر الممتدة ومحطاته المتنوعة، ولا تتخصب وتنضج إلا ببطءٍ وزمن مديد.

سألني شخصٌ ممن تقدم بهم العمرُ، لم يمتهن المطالعةَ في حياته، ولا علاقة له بالكتاب والمكتبات، أنه يريد أن يبدأ بكتابة رواية فماذا يفعل؟

قلت له: الكتابة الإبداعية لا تولد بقرار، لست روائيًا ولا ناقدًا، لم أجرؤ حتى اليوم على كتابة رواية. الرواية من أثمن أجناس الكتابة وأغناها وأصعبها احترافًا. ليست الروايةُ تكديسَ ألفاظ أو حكايات مبعثرة، الرواية تتطلب موهبةً ومهارة وكاتبًا لا يمتلكها إلا بعد تراكمٍ معرفي وجمالي واسع وعميق، ومطالعاتٍ غزيرة لأعظم الروائيين العالمين والعرب، وتمارين شاقة على الكتابة تصل حدَّ الضجر. تتناغم في فضاء الرواية أجناسٌ كتابية وفنون ومعارف متنوعة، يحتاج الروائي مضافًا إلى الموهبة ثقافةً موسوعية تلتقي فيها مختلفُ أنواع الثقافات والآداب والفنون والمعارف، وشغفًا مبكرًا بالمطالعات المتنوعة. ليس هناك نصٌّ يبدأ من لا شيء، النصُّ المكثّفُ نسيجٌ يحيلُ إلى ما يختزنه الكاتبُ من نصوص قرأها في مراحل متوالية من حياته. تتجلى براعةُ الكاتب في استلهام ما يمده به الخزّانُ المترسب من قراءاته في أعماقه.

كاتب الرواية المحترف يحتاج مدةً طويلة للقراءة والتحضير لعمله، بعض الكتّاب يحتاج مدة طويلة للتحضير لعمله الروائي أحيانًا، وربما يتطلب التحضيرُ للرواية عدة سنوات. قرأت لأمبرتو إيكو أنه أمضى (ثمان سنوات من أجل كتابة “بندول فوكو”… وفي الفترة التي كنت أحضّر فيها لكتابة روايتي بندول فوكو، قضيت ليالي بأكملها أتجول في ردهات معهد الفنون والحرف في باريس، حيث تدور بعض أحداث القصة، إلى أن يغلق أبوابه. ومن أجل وصف تجوال كاسوبون ليلاً في باريس من المعهد إلى ساحة ليفوج، ثم إلى برج إيفل، قضيت ليالي كثيرة أتجول في المدينة بين الثانية والثالثة صباحاً، أهمس في مسجل مدوناً ملاحظاتي حول ما أرى، ولكي لا أخطئ في أسماء الأزقة والمدارات)[1].

الروائي الحاذق لا يقف عند القراءة والتخيّل، بل يجد نفسَه يتقمّص أدوارَ أبطال روايته ومواقفهم، ويتموضع في أماكنها وأزمنة حوادثها، وينصهر بوقائعها، يعيش الأحداثَ ويتماهى مع الشخصيات ويسكن الأماكنَ وتسكنه. لفرط شغف الروائي يقع في فضاء الحدث ويتلبّس به كأنه هو من عاشه، ويلبث فيه مادام يفكر ويتخيل ويكتب عمله، لا يستطيع أن ينفكّ عنه في اليقظة، وعادة ما يلاحقه في نومه وأحلامه وكوابيسه. الروائي الحاذق لا يمكنه نسيانُ حضور شخصيات روايته، يتوحّد معهم إلى حدٍّ تتغلّب على مشاعره مشاعرُهم وينعكس صدى انفعالاتِهم ومواقفهم في انفعالاته ومواقفه. لفرط اندكاكه بكلِّ شيء في روايته ربما يأخذ شيئًا من كلِّ شيءٍ فيها إلى المستقبل، ولعمق تقمّصه لكلِّ التفاصيل وما يقع فيها تكون شخصيتُه حالةَ الكتابة كأنها صورةُ رواياته ورواياتِه صورةُ شخصيته. يتحدث نجيب محفوظ عن كمال عبد الجواد بطل ثلاثيته فيقول: “الأزمة الفكرية الخاصة بكمال هي أزمتي… التطور العقلي لكمال أذكر انني مررت به خطوة خطوة”[2].

تفرض الكتابةُ على الذهن أن يفكر بعمق في كلّ كلمة، اللغة ليست أداةَ تواصل فقط،كلّ كلمة تستبطن، منذ نشأتها وعبر رحلتها الطويلة، معاني مستترة. تطويعُ لغة الكتابة أشدُّ امتحانات كلِّ كاتب، تظهرُ حذاقةُ الكاتب في القدرة على الاستمرار بتغذّية الذهن بكلماتٍ يسطعُ ألقُها ويرتسمُ معناها بذهن القارئ، وبراعته في حرصه على عدم استنفاد ما تختزنه ذاكرتُه من هذا النوع من الكلمات. الكتابة الجيدة لغتها صافية، أفكارها واضحة، أسلوبها يتقن اقتصادَ الألفاظ، لا تغرقه كلماتٌ لا تقول شيئًا. تكتب الروائية إيزابيل الليندي: “أنا أصحح إلى حد الإنهاك، وفي النهاية أستسلم. الرواية دائمًا غير منتهية تمامًا، ودائمًا ما أفترض بأنها يمكن أن تكون أفضل، ولكنني أبذل قصارى جهدي… أن تستعبدك حكاية فهذا مرض. إنني أحملُ القصة في داخلي طوال اليوم، طوال الليل، في أحلامي، في جميع الأوقات. كلُّ شيء أراه، كل شيء يحدث، يشعرني بأن الكون يتحدث معي لأنني أوصِّل القصة… لا أزال خائفة من امتناع قدرتي عن الكتابة. الأمر أشبه بابتلاع الرمل، إنه مروّع”[3].

‏ يرى الروائي المبدعُ صورةَ العالم في أصغر الأشياء في عينه وأقصاها عنه، يرى كهلًا في طفل، يرى غابةً في شجرة، يرى جبلًا في صخرة، يرى شلالًا في قطرة، يمكن أن يرى في أصغر شيء كلَّ الشيء. المبدعُ يتحسّس ما لا يتحسّسه غيرُه، وينفعل بما لا ينفعل به غيرُه، ويتألم بما لا يؤلم غيرَه، ويكتئب بما لا يكتئب به غيرُه، ويبتهج بما لا يبهج غيرُه.كأنه يرى جزئيات كلّ شيء وذراته بمجهرٍ يضيء التفاصيلَ الهامشية بما يعجز عن رؤيته غيرُه.كلُّ قصة مادة ثرية لتأليف رواية ترسم لنا شيئًا من تجليات أعماق النفس الإنسانية، وتكشف ملامحَ صورة الإنسان ومختلف أحواله وهواجسه وقلقه وتناقضاته، والعالَم الذي يعيش فيه. حياةُ كلّ إنسان قصةٌ بل سلسلةُ قصص لا تكرّرها حياةُ إنسان آخر.‏كلُّ شيء في هذا العالم قصة، الكتابُ قصة، القصيدةُ قصة، الكلمةُ قصة، البذرةُ قصة، النبتةُ قصة، الوردةُ قصة، الشجرةُ قصة.كلُّ علاقة لإنسان بإنسان، كلُّ حدث، كلُّ نجاح، كلُّ فشل،كلُّ حزن، كلُّ فرح، كلُّ شيء مهما كان قصة تتسم بفرادة. تحكي كلُّ قصةٍ تميّز هذا الكائن واختلاف أحواله ومواقفه وانفعالاته وأفعاله. يقول يونغ: “في بعض الأحيان تستطيع شجرةٌ إخبارك أكثر مما تستطيع الكتبُ إخبارك به”[4].

لا يجد المبدعُ نفسَه على حالة واحدة حين يكتب، ربما يكتب نصًا لحظة توهجٍ لن يعود قادرًا على كتابة ما يشبهه في لحظة آتية. الكاتبُ الحقيقي مبدع، الإبداع اختراقٌ للقوانين المتعارَفة للكتابة وخروجٌ على الطرق المرسومة من قبل، ومغادرةٌ للأساليب المملة. أحيانًا يعجب الكاتبَ نصٌّ، يجد قلمَه يضيع عندما يحاول تقليده، لا هو ارتقى إلى لغته، ولا استطاع أن ينتج نصَّه الخاص. أحيانًا يحاول أن يستأنف محاكاةَ نصِّه الذي أنتجه كما هو مرةً أخرى، فيجد قلمَه يعاند تكرارَ التجربة مهما حاول أن يكرهه على ذلك.

كلٌّ يكتبُ على شاكلته، النصُّ كائن حيّ ‏يختلف باختلاف مثابرة وموهبة ولغة وعصر وحالة مَنْ يكتبه. لو كان الكاتبُ يكرّرُ ما يكتبُه غيرُه ويطابقُه، لأصبحت الكتابةُ نسخةً واحدة، ‏ولما تمايز كاتبٌ عن كاتبٍ وإبداعٌ عن إبداع، ‏ولصار كلُّ الروائيين دوستويفسكي، وكلُّ الفلاسفة إيمانويل كانط، وكلُّ العرفاء النفّري ومحيي الدين بن عربي وجلال الدين الرومي، وكلُّ الأدباء العرب الجاحظ وطه حسين ونجيب محفوظ وعبدالرحمن منيف.‏‏‏

[1] أمبرتو إيكو، اعترافات روائي ناشئ، ترجمة: سعيد بنغراد، ص 26-27، 2014، المركز الثقافي العربي، بيروت.

[2] نجيب محفوظ، أتحدث إليكم، ص 33-34، ط1، 1977، دار العودة، بيروت.

[3] ميريدث ماران، لماذا نكتب: عشرون من الكتّاب الناجحين يجيبون على أسئلة الكتابة، ترجمة: مجموعة من المترجمين، مراجعة وتحقيق: بثينة العيسى، ص 32-35، ط3، 2013، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت.

[4] هكذا تكلم كارل غوستاف يونغ، ترجمها وعلق على نصوصها: أحمد الزناتي، 165، 2022، الكويت. عن: (كارل غ. يونغ، الرسائل، الجزء الأول، صفحة 179).

 

رابط النشر: