التفسير الثالث للدين: خارطة طريق عبد الجبار الرفاعي للجيل الجديد

مشتاق الحلو[1]

أتهيب الكتابة عن عبد الجبار الرفاعي؛ لأني أؤمن بأن التأريخ له تأريخ لمرحلة وحقبة وتجربة ومسيرة، مرحلة طالما تمنيت أن اكتب عنها بإسهاب، وأبين كل تفاصيلها التي شهدتها وعشتها، فأخشى أن اظلمها، أو أجانب الحقيقة في تقييم مستعجل لها. والآن، بمناسبة تسجيل شهادتي عن الرفاعي لا أرى مفرا من الانطلاق منها، والتحدث قليلا عنها، على أمل أن أعود لها ثانية بشكل أكثر تفصيلا وتحليلا.كما أؤمن بأن الاحتفاء بالرفاعي، والاهتمام به، هو اهتمام بمشروع وفكر وتفسير للدين، وعمل على تحرير مجتمعاتنا من “ثقافة هجاء الحياة وتمجيد الموت”، وهو واجب بالنسبة لي يحتّمه الضمير.

قد يلاحظ القارئ ان الحديث في البداية يتمحور حولي / الشاهد، لا حوله/ المشهود له. فللأمر اسباب قد يكون من اهمها: اني حينما أكون عند الرفاعي أحسّ بأني كبير ومحترم، لهذا حينما أتكلم عنه أيضا ينشط عندي الإحساس نفسه.

محطات في اكتشاف الرفاعي

 

المحطة الأولى: 1984 – 1991

في نهاية العقد الأول من عمري جرت أحداث مؤسفة في الكويت، وعلى أثرها هجّر أو هاجر اغلب العراقيين الذين اتخذوا من الكويت مأوى لهم. وكنا في قم في استقبال حصتنا من الشتات العراقي الذي كان يتقاذفه القدر في البراري.

كان الرفاعي أحد العراقيين الذين هاجروا من الكويت إلى إيران، اثر هذه الأحداث. في الأيام الأولى لدخول الرفاعي مدينة قم تعرفت عليه، بوصفه صديقا لبعض الأقرباء، ثم صديقا لوالدي، فكنت أراه في بعض الولائم والاجتماعات العامة.

كنت اسمع والدي يتكلم عنه فيقول: انه أستاذ حوزوي مثقف، لكنهم يضطهدونه، لأنه عراقي، ومن أصول عربية.كان هذا الكلام غريبا بالنسبة لي؛ إن كان أستاذا حوزويا، فلماذا هو حليق اللحية “مقارنة بمن أراهم حولي”، ويرتدي البدلة الغربية، التي لم تكن مرحبا بها في تلك الحقبة بالذات؟!

أما ثقافته فكنت امتلك شاهدا عليها، وهو أني كنت اسمعه يتكلم في الاجتماعات العامة بلهجة مختلفة عن الآخرين، بعربية قريبة من الفصحى، لكن تشوبها لهجة عراقية، لا يمكن تمييز – على الأقل بالنسبة لي آنذاك – المدينة التي ينتسب إليها. غير أن ما هو واضح تماما انه عراقي بامتياز.

كنت أتساءل حين أراه: ماذا يريد أن يقول بحلق لحيته؟ لماذا يتجاهر بخرق الشريعة؟ ولكن في الوقت نفسه كنت اكبر فيه هذه الشجاعة، وهذا الصدق، كونه لا يتظاهر بمظهر لا يحبه، في بيئة ما كان أي إنسان من وسطنا العراقي آنذاك يجرؤ على حلق لحيته فيها.

هذه الشخصية للرفاعي امتزجت في ذهني بشخصية ثانية؛ وهي انه من الكوادر المتقدمة في حزب الدعوة. وان كان لأهلي ووالدي انتماءات سابقة لهذا الحزب، إذ أعدم عمي على يد النظام الصدامي بجريمة انتمائه للدعوة، إلا أني كنت أمتلئ كراهية للمعارضة مع الوقت والنضج… معارضة صدام بكل فصائلها. المعارضة التي كنت أرى رموزها أناسا متكبرين علينا، مستبدين معنا، مستأثرين بخيراتنا، متاجرين بدموعنا ودمائنا، جهلاء بالعلم والمعرفة إلى درجة يصعب تصورها…

وبمرور الأيام حاولت جاهدا أن افصل نفسي، مهما استطعت، عن كل من ينتمي للمعارضة، حتى أصبحت أتمنى أن لا يعرف أحد منهم أني عراقي؛ لأني لا أحب الانتساب لهم. وكبديل عن هذا الفضاء ارمي بنفسي في الفضاءات الإيرانية، وابدأ حربا مستميتة لإثبات ذاتي وفرض نفسي عليهم. كان أكثر ما يستفزني من قبل الإيرانيين سؤالهم عن الجماعة التي أنتمي إليها من المعارضة. فأجيب بانفعال لا يفهم الإيراني سببه: أنا عراقي، لكني لا أنتمي إلى المعارضة.

 

المحطة الثانية: 1991 – 2002

انتهت الحرب العراقية الإيرانية، وبالنسبة لي بدأت مرحلة فقدان الأمل بالخلاص من دكتاتور العراق. وإذا به يقتحم الكويت، فبعث أمل فينا بأن أميركا سوف تخلصنا منه. وجاءت الانتفاضة الشعبانية نذر خير بأن الشعب العراقي بنفسه سوف يطهّر العراق من دنس الدكتاتورية. فهرعت للمشاركة في الانتفاضة، وتركت امتحانات الثلث الثاني من العام الدراسي “حسب النظام الدراسي الإيراني”، وما كانت إلا أيام وانجلت الغبرة وبانت الخيبة.

فعدت أدراجي مثقلا بالحزن، فاقدا للأمل، وبدأت كراهية _ ما تسمى _ معارضة صدام تتصاعد عندي، حتى وصلت إلى الحقد والازدراء الذي لا يمكن وصفه. لأني توصلت إلى قناعة بأن سبب فشل الانتفاضة، ودمار البلد، وإبادة الشعب هو أداء المعارضة. وبشكل تدريجي صرت أؤمن بأن جميع فصائل المعارضة لا يريدون سقوط دكتاتور بغداد قبل تصفية فرقائهم، أي يجب أن يبقى هو البديل الوحيد لصدام، ثم ينتقل لمرحلة التفكير بالتخلص منه.

عدت لإكمال الإعدادية، لكنني حزين على بلدي وشعبي وقد يكون حزني في الحقيقة على نفسي ومستقبلي وكرامتي المهدورة في المنفى الاختياري الذي اختارته الأسرة لي. والنفق المظلم الذي أسرنا فيه.

عشت طفولة من دون طفولة، ومراهقة من دون مراهقة، في بلد وبين أناس لا انتمي لهم ولا ينتمون لي، بلا ذكريات ولا حلم ولا أمل. ثم قررت أن ادخل الحوزة. ولا اعلم لم اتخذت هذا القرار. قد يكون السبب أن نموذج القائد المنقذ الذي كان يحضر في ذهني آنذاك، تجسد في السيد الخميني والسيد محمد باقر الصدر، وهما رجلا دين.

كنت ادرس ثانوية في الفرع العلمي، وأهتم بدروس الحوزة مساء، مستعينا بالأشرطة. فسمعت عددا من الأساتذة، واستقرّ رأيي في نهاية المطاف على اختيار دروس الرفاعي. أشرطة ضبط الصوت التي سجّل بعضها والدي، حين تتلمذ على الرفاعي، فطلب منه وحفّزه على تسجيلها، وما زلت اذكر عبارة الرفاعي الوجلة – في حينها -: “كيف توضع أشرطتي إلى جانب أشرطة أساتذتي؟” انسجمت مع اللغة والأسلوب، ومستوى الشرح المعتدل، لا المسهب، ولا المطنب.

وان كان الرفاعي جزءا من “معارضة صدام”، لكن التربية التي تلقيتها من بيئتي الإيرانية، علمتني أن أتجاوز هذا الحب والكره، واجعل الهدف نصب عيني. فاستمعت لأشرطة كتاب “المنطق” لمحمد رضا المظفر، ثم الحلقة الأولى من “دروس في علم الأصول” لمحمد باقر الصدر، وكتبت كل شاردة وواردة ذكرها الرفاعي، وما زلت احتفظ بها إلى يومي هذا.

في المرحلة التالية، دخلت الحوزة للدراسة المباشرة. لكن رفضي لـ”معارضة صدام” حال دون دخولي الحوزة العراقية، لأن الحوزة العراقية مجموعة مدارس، كل واحدة منها تابعة، أما لشيخ فلان أو سيد فلان، وجميعهم من أقطاب “معارضة صدام”. سألني في حينها أحدهم: كأنك تكره المعارضة أكثر من صدام؟ قلت: نعم! صدام أهانك، لكن معارضته أهانتني.

وان كنت ازدري رؤوس المعارضة، لكني كنت أتابع جميع خلجاتهم لسببين: كنت أفكر أن أثبّته للتاريخ، وأحاول أن أستفيد من كل ما يصدر عنهم، للتعرف على بلدي، واكتشاف ثقافتي العربية، كي أتسلح بها مقابل الآخر الذي يحتقرني، ولم أر أمامي نافذة مطلّة على العراق سوى هؤلاء؛ لأنه لم يتوفر بديل. لم أكن اسمع يومها بكائن اسمه النت أو الفضائيات، وكنا نعاني شحّة المصادر العربية، والمعاصرة منها خاصة. لهذا كنت أحاول رصد كل ما يصدر عن الجالية العراقية،كي اقوي لغتي العربية بها. أنا الذي أمضيت كل حياتي في البيئة الفارسية. لكن الرفاعي كان غائبا بالنسبة لي في هذه السنوات، فهو لا يرتاد الحسينيات العراقية، ولا يلقي الخطب الرنانة فيها.

حتى دخلت كلية العلوم السياسية عام 1995. وحين بدأت بكتابة البحوث، عثرت على كتاب “مصادر الدراسة عن الدولة والسياسة في الإسلام”، 1986. ثم “معجم ما كُتب عن الرسول وأهل البيت”، وهو موسوعة تقع في اثني عشر مجلدا، 1991-1995. ومجلة “قضايا إسلامية”، التي أصدرها عام 1994، وموسوعة “مصادر النظام الإسلامي”، تقع في عشرة مجلدات، 1996. هنا أحسست بأني أمام معجمي عراقي مختلف. موسوعي ببليوغرافي، بينما في الغالب ـ في حدود اطلاعي ـ الإيرانيون هم الببليوغرافيون والموسوعيون.

سرعان ما فوجئت بتوقف مجلة “قضايا إسلامية” سنة 1997، وصدور مجلة “قضايا إسلامية معاصرة” في السنة ذاتها. أثار استغرابي هذا الأمر، فسألت عنه. عرفت أشياء عن علاقته بحزبه السابق. فاكتشفت أن الرجل قطع ارتباطه التنظيمي بحزب الدعوة سنة 1984، أي خرج من “معارضة صدام”. واعتزل السياسة وتفرغ لتجديد الفكر الديني. في الحقيقة كان هذا الخبر بشرى بالنسبة لي. لكنني في حينها كنت أصنّف الخارجين من حزب الدعوة على أصناف ثلاثة:

صنف لم يحصل على الموقع الذي يطمع فيه، لهذا يكتب ويتخذ مواقف مناقضة لما كتبه بالأمس. والشواهد على ذلك ليست قليلة.

والصنف الثاني من يُصدم من الدكتاتورية والاستبداد والاستحواذ والاستفراد والاستئثار لدى قادة المعارضة، ويقرف من سلوكياتهم فيخرج من الحزب.

والصنف الثالث من تتوالد أسئلة في ذهنه، من يتمكن أن لا يبقى في مثل هذه الحركات الدوغمائية، حسب تقديري آنذاك. وهؤلاء أيضا لا يستطيعون التحرر من الدوغمائية الفكرية والبنية الصلبة الداخلية والحنين للماضي. ويبقون يقدسون وثن الحزب. فحسبت الرفاعي من الصنف الثالث وهو أشرفها وأوعاها عندي.

ثم كانت اللحظة “الخاتمية” في إيران، وجيلنا خاتمي الفكر والتوجه… مسلماتي انهارت أمام أسئلة أساتذتي في العلوم السياسية، وأهمهم الدكتور حسين سيف زاده.كنت كالغريق أتشبث بكل قشة، والتفّت نحو كل حدب وصوب، ابحث عن ناصر ومعين يعينني على الوصول إلى إجابة عن الأسئلة الجديدة، ومنجّ يخلّصني من قلق المعرفة. في هذا الوقت، نهاية عام 1997 صدرت مجلة “قضايا إسلامية معاصرة”، واكتشفتها منذ عددها الأول، لأنها كانت ضالتي…المجلة عرّفت نفسها بأنها: “مجلة فصلية فكرية تعنى بالهموم الثقافية للمسلم المعاصر”.

أحسست بأنها هي التي اطلبها، وإنها صدرت بالضبط في الوقت الذي احتاجها فيه، وفي الموضوع الذي اطلبه. حملة خاتمي كانت تحت عنوان “المجتمع المدني الديني” حفّزتني كطالب حوزة يدرس العلوم السياسية، أن اكتب في الفكر السياسي الإسلامي، ووفّرت لي هذه المجلة المادة العربية الكافية، لأنها خصّصت عددها الأول والثاني للفكر السياسي الإسلامي. لغة المجلة عربية معاصرة سليمة، التعاطي معها يقوّي عربيتي. كنت أحسّ بأني أقرأ شيئا مميزا، ما كان أقراني من طلبة الحوزة العراقيين في الغالب يقرؤون مثله.

محور العدد الثالث هو “إشكاليات الفكر العربي المعاصر”، كانت المرة الأولى التي أتعرف فيها على أسماء من قبيل: محمد عابد الجابري، برهان غليون، محمد أركون، هشام شرابي، علي حرب، طه جابر العلواني، حسن حنفي، رضوان السيد، عبد المجيد الشرفي… وغيرهم، من خلال هذه المجلة. القراء العرب اكتشفوا الساحة الثقافية الإيرانية التجديدية، من خلال النافذة التي فتحتها هذه المجلة، لكنني اكتشفت المشهد الثقافي العربي من خلالها.كان المصدر الوحيد للمنشورات العربية بالنسبة لنا هو معرض طهران الدولي للكتاب. وعادة ما اكتشف أسماء المفكرين من خلال هذه المجلة، وأقتني الكتب من المعرض.

توالت محاور المجلة: “اتجاهات جديدة في التفسير: التفسير الاجتماعي والتوحيدي والبنائي والسُنني 1998” و”إشكاليات الفكر الإسلامي المعاصر: قضايا إسلامية المعرفة والمرأة 1999″…وغيرها. في العام نفسه سجلت رسالة ماجستير في العلوم السياسية عن الحركة النسوية والفمنزم، وشكّل لي ملف المرأة مادة مرجعية غنية للمطالعة حول التوجهات الجديدة للمثقفين الدينيين في خصوص قضية المرأة.كنت انتظر صدور المجلة بفارغ الصبر، لتفتح علي آفاقا وعوالم جديدة من المعرفة. وان كانت أصبحت لا تطبع ولا توزع ولا تباع في قم، لكنني احصل عليها بالوسائط.

كنت أتفاعل مع كل محور يصدر فيها: “منهج التعامل مع القرآن،  1999″، “فلسفة الفقه 1999″، “مقاصد الشريعة 1999 -2000″، و”قراءات في فكر الشهيد الصدر 2000″… كلها تشكّل لي مادة للمطالعة والتدبّر، وبعض الأحيان الكتابة باللغة الفارسية.

في العام نفسه (2000) صدر كتاب الرفاعي: “محاضرات في أصول الفقه”، وهو شرح للحلقة الثانية لأصول الشهيد الصدر في مجلدين، وعلى الرغم من أني أنهيت دراسة الحلقة الثالثة، لكنني اقتنيته وقرأته بدقة، واستفدت منه كثيرا، وعرفت أن صاحبي فقيه كلاسيكي أيضا. في العام التالي (2001) صدر له: “مبادئ الفلسفة الإسلامية”، وهو شرح “بداية الحكمة” للعلاّمة الطباطبائي في مجلدين، وكنت في حينها قد فرغت من دراسة “نهاية الحكمة”، اقتنيته وقرأته بدقة، أما مقدمة الكتاب فصرت أعيد مطالعتها، حتى حاولت حفظ معلوماتها ومعطياتها. في العام نفسه، فتحت المجلة محورا جديدا وتوقفت عنده كثيرا، إذ صدرت الأعداد من الرابع عشر إلى الثامن عشر، جميعا تحت عنوان: “الاتجاهات الجديدة في علم الكلام” 2001 – 2002.

حتى ذلك الحين كنت مهتمّا بالفقه والأصول والسياسة والفكر النسوي. ومقتنعا بأن إصلاح المجتمع يتم من خلال إصلاح وضع المرأة، وهو يتم من خلال الفكر النسوي. لكن أستاذتي حميراء مشير زاده، التي كانت تشرف على أطروحتي في الفمنزم، ومن خلال حوارات طويلة أقنعتني أن وضع المرأة ليس منفكّا عن وضع الرجل والمجتمع. ولا يصلح وضعها إلا من خلال تنمية المجتمع. وإذا صلح المجتمع يصلح وضعها تلقائيا. فصارت أولويتي الأولى الاهتمام بفكر التنمية ونظرياتها.

كنت مستغرقا في دراسة الفقه وأصوله والعلوم السياسية، إلا أن معرفتي بأبحاث فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد متواضعة، ولأول مرة ومن خلال هذه المجلة، اكتشفت فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد. وفي مرحلة لاحقة توصلت إلى انه لا تقوم لمجتمعاتنا قائمة إلا من خلال إصلاح الفكر اللاهوتي. ما دام لاهوتنا باقٍ على ما قرّره لنا الأسلاف، الأشعري بالذات، نبقى ندور في الدوامة نفسها، ولا ينفعنا فكر التنمية، ولا الفكر النسوي. حتى المفكرين الإيرانيين الذين كنت احضر في حينها محاضراتهم بشكل مباشر، صرت استرشد آراءهم من خلال مجلة قضايا إسلامية معاصرة.

لم يكن بوسعي قراءة كل ما يكتبون. فكنت أتابع المجلة، وأقرأ الأصل الفارسي لأي من مواضيعهم التي ترجمت إلى العربية، لأني اكتشفت أن انتخاب الرفاعي للموضوعات انتخاب حكيم متفحّص. وأنا حتى هذه اللحظة أتابع المشهد الثقافي الإيراني من خلال مجلة قضايا إسلامية معاصرة. وما زلت إلى الآن اكتشف كتّابا إيرانيين هامين من خلالها، مثل: “أبو القاسم فنائي”. حين تابعت ملف “الاتجاهات الجديدة في علم الكلام” أحسست بشكل تدريجي بانبثاق فكر جديد، وتفسير جديد للدين، على الأقل في قم وفي ساحتنا العراقية.

قبل ذلك كان هناك تياران ومدرستان يتجاذبان ساحة الفكر الديني آنذاك في قم:

التيار الأول: هو تيار الحوزة والمرجعية التقليدية، التي تتبنى التفسير الكلاسيكي للدين، ويمكن اعتباره ممثلا للتوجه “السلفي” في المذهب الشيعي.

التيار الآخر: الأحزاب الإسلامية وأصحاب مشروع الدولة الدينية، وهم أشبه ما يكون بـ”الأصولية الشيعية”، وهو يستلهم أفكاره من تراث سيد قطب، التيار الذي تربع على عرش السلطة منذ 2005 في العراق، وقدّم أتعس نموذج للحكم.

التيار الأول كان يعدّ الثاني مارقا وابنا عاقا له. لكن الثاني ما تعلّم درسا من قمع الأول له، بل هو بدوره مارس قمعا أبشع بحق كل من يفهم الدين بصورة مختلفة عنه.

ومنذ هذا العام بدأت ارصد بزوغ تفسير ثالث وقراءة ثالثة وفهم ثالث للدين – في وسطنا العراقي في حوزة قم – لا هو كلاسيكي أو تسامحا “سلفي”، ولا هو “أصولي”، بل “تيار التنوير الديني”، وهي ظاهرة كنت ارصدها عند الإيرانيين فقط. فظاهرة المثقف الديني التي نمت نواتها الأولى عند الإيرانيين منذ عقود من الزمن، ويمكننا عدّ: نصر حامد أبو زيد ومحمد أركون وعبد المجيد الشرفي…وغيرهم من أعلامها على ساحتنا العربية. لكني لم اكتشف عراقيا في هذا الوادي.

لا أريد أن اظلم الآخرين فكان لأساتذة آخرين دور محترم وجهود مشكورة وكتابات مفيدة في هذا الخصوص، لكن لم أر أحداً يرفع راية التنوير الديني ويتبنى مشروعها غير الرفاعي ومجلته.

تناغم هذا التفسير مع روحي وفطرتي وعقلي أكثر من التفسيرين الآخرين، ذلك أني وجدته أكثر احتراما للإنسان وإنسانيته، وهو أكثر إجلالا وإعظاما وإكبارا لله. لهذا رفعت الحجاب بيني وبينه وقصدته، وكانت بداية علاقتي المباشرة معه، بعد ما استمرت علاقتي الغير مباشرة به ثمانية عشر حولا.

 

المحطة الثالثة: 2002 فما بعد

سجّلت في عام 2002 رسالة ماجستير في أصول الفقه، واخترت الرفاعي مشرفا عليها، وبدأت علاقتي المباشرة به…كان يتحفني بكل غال وثمين من مكتبته، ويجمعني منزله بنخبة المثقفين الإيرانيين والعراقيين…بيته، مكتبته، صدره…كان مفتوحا لي، ولكل طالب علم ومعرفة.

بعد أن انتهيت من الرسالة وناقشتها، توقعت أني سأخفّف عن الأستاذ ولا أتجاوز على وقته، لأن السبب الحقيقي للتواصل المستمر قد انتهى. فوجئت باتصاله بي ودعوتي، وظل يحثني على استمرار الصداقة والتواصل. وهذا الأمر لم أعهده من أي استاذ آخر. لأنه لم يكن بحاجة لي أبدا، بل العكس تماما، أنا كنت محتاجا لأخلاقه وروحه وعقله وعلمه وعلاقاته.

وبالفعل نشطت علاقتنا أكثر، وأصبحنا مقربين أكثر، حتى دخل هو الوظيفة ببغداد عام 2005، وتصدى للعمل الوظيفي “مستشارا ثقافيا في رئاسة الجمهورية”. مرة أخرى انسحبت قليلا إلى الوراء، كي اترك للرجل حريته في اختيار علاقاته الجديدة، كما هو المعهود من اغلب من عرفتهم ودخلوا السلطة. لكن هذه المرة أيضا فاجأني بأنه هو هو. لم يتغير فيه شيء…فشخصيته التي صاغها عبر عمر من التجربة وكسب المعرفة، وتهذيب النفس، ما كانت تتأثر بهذه المتغيرات العابرة.

ومنذ ذلك الحين غير الأمسيات التي كنا نقضيها في منزله بصحبة ثلّة من أهل العلم والمعرفة،كان كثيرا ما يدعونا لتناول العشاء في أفضل مطاعم قم، وتتحول مآدب العشاء إلى حواريات ثقافية، تستمر أربع أو خمس ساعات. وكانت لنا أنا وإياه جولات رياضية. نخرج في مشي سريع نجوب شوارع قم،كنشاط ضروري لحفظ توازن الصحة، وخلالها نتحاور بما هو مسموح وممنوع، وكانت أفضل حواراتي العلمية وأكثرها حرية، أمضينا مئات الساعات معا خلال العقد الماضي، نناقش مختلف القضايا الفكرية والحياتية مشيا. ربما شكّلنا معا نواة المشّائين الجدد من حيث لا نعلم.

مثّل لنا الرفاعي البديل الديني عن الحوزة والإسلام السياسي في قم، وهو ما كان مفقودا عراقيا، لكن فوجئت حينما سافرت إلى العراق بعد تغيير النظام، أن المهتمين بالفكر الديني الحديث كانوا يعرفونه منذ عهد الحكم السابق، وكانوا يتعاطون المجلة ومؤلفاته، من خلال استنساخها في سوق “المتنبي” للكتب، وتداولها بينهم… رأيت أن مشروعه حمل راية التنوير الديني في العراق، حتى قبل عودته للعراق. الرفاعي لم يبق مثقفا دينيا وحسب، بل رفع راية للمثقف الديني، نتفيأ ظلها.

في هذه المرحلة لم تكن علاقتي بالرفاعي من خلال المجلة أو الكتب، بل التعايش والتعامل المباشر. اما المجلة التي واكبتها منذ عددها الأول، فواكبتني وساهمت في صناعة لغتي وثقافتي، حتى تمكنت أن أكون مساهما فيها من خلال الترجمة منذ مطلع عامها التاسع في العدد الواحد والثلاثين (2007) حتى اليوم.

في الحقيقة كنت انهل من علمه في العقد الثاني من تعرّفي عليه، ولكن في هذه المرحلة إضافة للعلم والمعرفة صرت أنهل من شخصه، واكتسب نهج الحياة أكثر من اكتساب المعلومات. أحاول هنا أن أسجّل أهم ملامح الرفاعي الذي اكتشفته خلال هذا العقد الأخير من التعامل المباشر معه.

الرفاعي الإنسان والمشروع

کنت اريد التحدث عن الرفاعي كإنسان، ثم عن مشروعه. لكن كلما فكرت وجدت أن كل صفة فيه منعكسة في مشروعه، وكل ميزة لمشروعه فيه، هو مشروعه ومشروعه هو… يبدو انه حمل هذا المشروع في أحشائه، وغذّاه من روحه، وأنجبه نسخة منه، واستمرارا لوجوده. بحيث يبدو لي كأن الاثنين واحد. لهذا لا أرى التفكيك بينهما سهل، وليس بوسعي إلا أن أتكلم عن الاثنين في آن واحد. فسماتهما واحدة، وخير دليل لفهم مشروعه قراءته هو.

هدف الرفاعي الإنسان والمشروع

هدف الرفاعي ـ الإنسان والمشروع ـ كما يبينه هو في كتاباته: “فتح باب الاجتهاد في علم الكلام، وتحديث التفكير اللاهوتي، ومحاولة بناء لاهوت عقلاني مستنير. ومن الواضح أن تحديث التفكير اللاهوتي يتطلب تساؤلات واستفهامات جديدة، ومراجعات نقدية للتراث الكلامي، تفضي إلى التحرر من الصورة النمطية للإله، التي تشكلت في سياق الصراعات الدامية، والفتن والحروب العديدة بين الفرق والمذاهب. والسعي لترسيخ صورة للإله، تستوحي صفات الرحمة والمحبة والسلام، ونحوها من صفات الرحمن، وتستلهم ما يتحلى به الله تعالى من صفاته الجمالية، وأسمائه الحسنى، مثل: الرحمن، الرحيم، القدوس، السلام، المؤمن، العزيز، البارئ، المصور، الغفار، الوهاب، الرزاق، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الحليم، الشكور، الحفيظ، الكريم، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، الحق، المحيي، البر، التواب، العفو، الغفور، الرؤوف، مالك الملك، الغني، النور، الهادي، الرشيد، الصبور،…الخ”.

البنية الصلبة

قد يتصور البعض أن الرفاعي الذي يتحمل الآخر، ويتيح الفرصة له لطرح آرائه، تحلّلت البنية الصلبة داخله وتحرر منها. إذا كانت البنية الصلبة هي الإيديولوجية فهذا الكلام صحيح، ولكنه ما زال مسكونا ببنية صلبة، وهي القيم الأخلاقية والمعايير القيمية… محبة الآخر، الصدق، الأمانة، الوفاء للصداقة، الكرم، مساعدة الناس، احترام الناس… قيم وأخلاقيات محكوم بها الرفاعي، نتيجة البنية الصلبة التي تسكنه.كذلك هو مشروعه، يتوافر على بنية صلبة، هي التي ساعدته على أن يسلك خطاً واضحا وثابتا منذ العدد الأول والى آخر عدد صدر من مجلته.

فقيه غير معمم

اعتقد بأن دراستي مدة عقدين للعلوم الدينية، العقد الثاني منها (2001 -2011) عند ابرز أساتذة البحث الخارج، وأشهر الفقهاء في حوزة قم، تؤهلني لأن أميز بين المجتهد وغيره. وعليه يحقّ لي أن اشهد لأستاذي بالاجتهاد، حسب التعريف الكلاسيكي للاجتهاد في الحوزة العلمية. فإحدى ميزات الرفاعي التي ساندت مشروعه هو بلوغه درجة الاجتهاد فقهيا، وهذا من النوادر جدا بين الذين ارتادوا هذه الساحة، واهتموا بهذا النهج الفكري. هو فقيه حوزوي، وان لم يعتمر عمامة، فمما يميزه عن المثقفين المهتمين بالبحث والكتابة في الدين في العراق والبلاد العربية انه فقيه محترف.

لقد تكوّن، بشكل تدريجي، تيار من تلامذة وأساتذة الحوزة غير معممين في وسطنا العراقي. بحيث أصبح اليوم وجودا معترفا به داخل الحوزة. رائد هؤلاء وأبرزهم وأشهرهم هو الرفاعي. يمكنني وصف هذا التيار “تسامحا” بـ”الرهبنة الجديدة الشيعية”، بمعنى انه نمط جديد من رجال الدين الشيعة، بزيّ جديد ووظائف مختلفة. انه غير مستعد للتنازل عن هويته الدينية، ولا التخلي عن بيان فهمه المعاصر للدين. حتى لو اختلف اجتهاده وفهمه مع الفقهاء الكلاسيكيين. هذا التيار، الذي اعدّ نفسي احد أفراده، غير موجود على الساحة العربية. فالمثقف المهتم بالبحث والكتابة الدينية في بلادنا في الغالب لم يتخرج من الحوزة أو العلوم الدينية الكلاسيكية بشكل محترف، وحتى الحوزويون منهم وهم قلائل،لم يبلغوا في دراستهم درجة الرفاعي. امتاز مشروع الرفاعي أيضا بالخبرة التراثية، فلا ترى فيه الشطحات التي غالبا ما تسقط فيها سائر مشاريع الحداثة الدينية، نتيجة قلة خبرتها بالعلوم الدينية الكلاسيكية والتراث.

إحدى وجوه أهمية مشروعه أنه تكلم وهو في قلب الحوزة، وطرح فهمه وتفسيره ومشروعه من داخلها، ولم يخرج منها أو يبتعد عنها أو يصطف مع مناهضيها ودعاة القضاء عليها وتقويضها.

العطاء

لطالما شاهدته وهو ينشد المحتاج، ويطلب الصداقة ممن هو أحوج لصداقته منه… إن اكبر رصيد يملكه الرفاعي هو شبكة علاقاته الفريدة. الشبكة التي بذل في سبيلها الغالي والنفيس من روحه وعقله وعلمه ووقته وماله… حتى بناها، يقدّمها بكل كرم وسخاء لأصدقائه. يعرّف هذا على ذاك، ويُقرّب ذاك من هذا. يتوسط لأحدهم عند الآخر، ويحصل على دعم من شخص لثانٍ، ويشغّل بعضهم عند البعض الآخر. ينجز هذه المهمة بحنكة وحكمة واتزان…لا يبسط يده كل البسط، فيندم بعدها، ولا يقبضها.

وطبيعي إن من يعطي أعز ما يملك لأصدقائه، لا يبخل على مشروعه الذي هو ابنه الروحي ووليد نفسه، لذلك أعطى كل وجوده وسخّر ما لديه، حتى تضافرت جهود الأسرة بمجموعها، خاصة زوجته الكريمة الأستاذة انتزال الجبوري لانبثاق هذا المشروع واستمراره.

والمشروع بدوره معطاء أيضا، معطاء للقارئ الذي ينهل منه المعرفة وللمشارك. فكانت تجربة المشاركة فيه معطاءة لكثير ممن شاركوا فيه، إذ ساهم في صناعة اسمهم، وواضح كم هذا الأمر مهم بالنسبة للكاتب غير المعروف.

النظرة الايجابية والأمل

تمتع الرفاعي بنظرة ايجابية للحياة ولأصدقائه، وما يحيط به. ومديحه السريع لأصدقائه بمجرد أن يأتي ذكر أحدهم، نتيجة هذه النظرة الايجابية. تنعكس هذه النظرة على مشروعه بشكل أمل بالإصلاح. ما كان للمشروع أن يصمد لعقد ونصف من الزمن ضمن هذا الواقع الذي نراه، لولا هذه النظرة الايجابية والأمل بالمستقبل.

أسّس الرفاعي مركز “دراسات فلسفة الدين” في بغداد سنة 2003، في ظل ظروف يصعب التفكير بمشروع كهذا فيها، وأعلن أن أهداف المركز هي:

1ـ الدعوة للتسامح، وإرساء قيم الاختلاف وقبول الآخر.

2- إشاعة ثقافة التعايش والحوار بين الأديان والثقافات.

3- ترسيخ العقلية النقدية الحوارية، وتجاوز العقلية السكونية المغلقة.

4- الاستيعاب النقدي للتراث والمعارف الحديثة.

5- تعميم الاجتهاد ليشمل حقول الموروث كافة، واستبعاد العناصر القاتلة والميتة، واستدعاء العناصر الحية منه ودمجها بالواقع.

6- تمثل روح العصر، والانفتاح على المكاسب الراهنة للعلوم، انطلاقا من: الحكمة ضالة المؤمن حيثما وجدها التقطها.

7-  تدريس وتعليم ودراسة الدين والتراث في ضوء المناهج الحديثة للعلوم الإنسانية.

8- تطهير التدين من الكراهية والإكراه.

9- تحــريـر فهم الــدين من المقــولات والأفكار والمــواقــف التعصبيــة والعدوانية.

10- الكشف عن الأثر الايجابي للفهم العقلاني الإنساني للدين في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية.

11- تبني الرؤى والمفاهيم التي تهدف إلى مواكبة العصر، وتعزز المصالحة بين المتدين والمحيط الذي يعيش فيه.

12- بناء مجتمع مدني تعددي تسود حياته قيم التسامح والعيش المشترك.

13- التثقيف على الحريات وحقوق الإنسان، وتجفيف المنابع التي ترسّخ مفاهيم الاستبداد، وتعمل على صياغة نفسية العبيد في المجتمع.

14- تجلية الأبعاد العقلانية والأخلاقية والإنسانية والجمالية والمعنوية المضيئة في الدين والتراث.

15- تنمية التفكير والتدريس والتعليم والبحث والاجتهاد في فلسفة الدين وعلم الكلام.

وأدى المركز من خلال نشاطاته ومنشوراته دورا هاما في هذا الحقل، وما زال يسعى  لتأسيس كلية (فلسفة الدين) بعد تأمين المتطلبات والإمكانات المادية والعلمية.

الدعوة للنقد وتقبله

نظريا يقول الرفاعي: “النقد مصدر التطور الفكري والاجتماعي، والنقد أساس التقدم، وشريان تحديث كل شئ وتجديده، ولا حياة للتفكير الديني في الإسلام إلا بتواصل المراجعة النقدية واستمرارها، للثقافة والتجربة والتاريخ والتراث والاجتماع الإسلامي. ولا سبيل للخلاص والإفلات من نفق الانحطاط والتخلف إلا بتجذير ملكة النقد وتكريسها”. وعمليا نراه على صعيد مشروعه سنّ سنة “نقد العدد الماضي” في مجلته والتزم به. وكذلك حاول من خلال مشروعه وما نشر، “الاستيعاب النقدي للتراث والمعارف الحديثة” في آن واحد.

هذا الرفاعي المشروع، أما الرفاعي الإنسان، فهو أيضا يتقبل النقد بكل رحابة صدر، وإن كان من اصغر تلامذته.

التدين

يعتقد الرفاعي أن: “الإنسان كائن متدين، والحياة لا تطاق من دون خبرات وتجارب دينية، ذلك أن نزعة التدين تمثل ظمأً انطولوجيا لا يُروى، إلا من خلال التواصل مع المطلق. ويمكن أن تظل تلك الخبرات والتجارب على الدوام منبع الهام للتراحم والمحبة والجمال في العالم، … وليس بوسعنا بناء بلادنا إلا بإشاعة فهم عقلاني متسامح للدين، يبعث الأبعاد التنزيهية العميقة في جوهره، ويعمم صورته الإنسانية”.

لا يسمح المقام هنا للدخول في الحديث عن معنى الدين والتدين. ولكن أرى من المناسب أن أقدم شهادتي من خلال مواكبتي للرفاعي، أنّ الرجل يعيش جوهر الدين في باطنه، وله تجاربه الروحية الفريدة. روى إحداها للقارئ فيما كتبه عن زيارته لمولانا جلال الدين الرومي، أو ما كتبه عن بعض سفراته للحج. وملتزم عمليا بحذافير الشريعة في سلوكه، لا يفارق دينه في مختلف حالاته وسلوكه، وهذه حالة نادرة عند التنويريين.

ومشروعه أيضا لم نره يوماً يهاجم الفكر الديني الكلاسيكي، أو يقدح به ويجرح أتباعه، ويحتفظ بعلاقات طيّبة مع المؤسسة الدينية التقليدية، بل يحاول أن يطرح ما يراه ، من دون هجوم على الآخر وعلى التدين التقليدي.

نبذ التعصب والعدوانية والاستغلال

يعتقد الرفاعي، مثلما ورد في بيانه: “إن السلام هو سبيل الأمن الاجتماعي والعيش سويا، ولا نجاة للعالم إلا بالتشبث بالوسائل السلمية لحل المنازعات، والتخلص من بواعث العنف والحروب. تشدد رسالة الدين ومقاصده الكلية على إشاعة السلم والتراحم والمحبة بين الناس، والسعي لتجفيف منابع العنف والعدوانية والتعصب.”

وفي مشروعه لا يدّعي احتكار تمثيل الفكر الديني. لكن يحاول إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين، بالإعلان عن أبعاده المعنوية والعقلانية والجمالية والرمزية.

فلا نرى في مشروعه ما يمسّ الآخرين أو يجرحهم أو يتجاوز عليهم. ولا يمارس سياسة التهكم على مقدس للناس، ويحذّر من “جرح الضمير الديني للغير”.

كذلك هو كشخص في حياته، لم يشهد له موقف عدائي من سائر التوجهات الفكرية أو أتباعها. ولهذا يجمع بين أصدقائه بين المتدين التقليدي، والمتنور، وغير المتدين، واللاّديني.

لم يدّع التنزه والفوقية

يقول الرفاعي: “لا يعني التدين الذي ننشده اختزال الإنسان في مجموعة مفاهيم وقيم مثالية، تتعالى على بشريته، وتصيّره كائنا سماويا مجردا منسلخا عن عالمه الأرضي، مثلما تريد بعض الاتجاهات الصوفية والدعوات الرهبانية، بل يعني هذا التدين إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين، وإيجاد حالة من التوازن والانسجام بين متطلبات جسده من حيث هو كائن بشري، وإمكانية غرس وتنمية روح التصالح مع العالم، والتناغم مع إيقاع الكون، وتكريس حالة الانتماء للوجود، والتعاطف مع الكائنات الحية والشفقة عليها، وتعزيز أخلاقية المحبة، وتدريب المشاعر والأحاسيس والعواطف على القيم النبيلة، والسعي لاكتشاف روافد ومنابع الهام الطاقة الحيوية الايجابية في هذا العالم، والتواصل العضوي معها.”

وعلى الصعيد العملي لم نرَه يوما ادّعى تنزيه ذاته، وإعلان تفوقه على سواه، أو ادّعى التجرد والمثالية، بل يؤكد دائما على ضعفه، وعمق احتياجاته البشرية، كذلك مشروعه الفكري،لم يعدّه سوى محاولة على سبيل الرشاد. ولم يتصور أو يدّعي يوما أنّ مشروعه سوف يغيّر العالم.

ولم نسمعه يوما يتكلم بلغة التكليف الشرعي، والمتاجرة بالدين، والمزايدة بالوطنية، وإدّعاء التضحية في سبيل الناس، والتنكّر للطبيعة البشرية.

التسامح

يدعو الرفاعي: “للتعددية والتسامح، وإرساء قيم الاختلاف واحترام الآخر. وإشاعة ثقافة التعايش والحوار بين الأديان والثقافات. تحرير فهم الدين من المقولات والأفكار والمواقف التعصبية والعدوانية. تطهير التدين من الكراهية والإكراهات”.

أي شخص يعرف الرفاعي يشهد له أن التسامح من سماته الأخلاقية، وشهدنا مواقف كثيرة من تسامحه وسعة صدره، حتى مع من تجاوز عليه أو حتى خانه، خلال مواكبتنا له، لكنّ المقام لا يسمح بسرد القصص، أو ذكر الأسماء بسوء، فهذا خلاف نهجه التسامحي.

كما إن مشروعه منذ عشرين عاما تقريبا، لم يصطدم بأي مشروع آخر، بل نأى بنفسه عن الصراع والتنافس الذي لا يليق بالعمل العلمي الرصين.

مثلا في بعض الأحيان، يعدّ ملفا للنشر، وينفق عليه العمر والمال، لكن قد يسمع بمؤسسة أخرى تعدّ عملا مشابها، أو قريبا منه، فيتخلى عنه على الرغم من أنه بدأ به قبلهم.

يعلن الرفاعي تبرّمه وأسفه وانزعاجه من أن شطحات بعض طلابه يحسبها بعضهم عليه، على الرغم من رفضه لها، لكنه لم يفرض رأيه يوما عليهم، أو يكرههم على تغيير قناعاتهم، أو سلوكياتهم، أو تصريحاتهم، أو كتاباتهم.

المعاصرة

يعبّر الرفاعي كفرد من خلال سلوكه، وحتى ملبسه، وكمشروع، يعبّر عن: “روح العصر، والانفتاح على المكاسب الراهنة للعلوم، انطلاقا من: (الحكمة ضالة المؤمن حيثما وجدها التقطها). وتبنّي الرؤى والمفاهيم التي تهدف إلى مواكبة العصر، وتعزّز المصالحة بين المتديّن والمحيط الذي يعيش فيه”.

 

الدعوة للمحبة

يدعو دائما للمحبة، والى العفو والمغفرة، والى التجاوز عن الناس، والتسامح معهم… ومن خلال مشروعه حاول: “التثقيف على نفي الإكراه في الدين، وتعميم مبدأ (لا إكراه في الدين)، والاستناد إليه كمرجعية ومعيار قيمي في التعاطي مع الآخر، وإشاعة العفو، والسلام، والعدل، والإحسان، والتراحم، والحوار، والحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، والمحبة، والصبر، والمداراة، والصفح الجميل، والهجر الجميل، وغير ذلك من مقولات ومعاني اللين، واحترام الآخر، والعيش المشترك…وتجذير المفاهيم والشعارات التي تمجد الحياة، وتعمل على تحرير الناس من المقولات الداعية إلى عدّ (الموت أسمى الأماني)”.

يسير مع الجميع لكن لم يتبع أحداً

يعلن على الدوام المبدأ الذي يلخص رؤاه ومواقفه وسلوكه بمقولته: “أسير مع الجميع وخطوتي وحدي .. أتفق مع الجميع وأختلف عن الجميع” . فهو (يتفق مع الجميع)، من دون أن يقلّد، أو يتماهى، أو يحاكي أحدا… و(يختلف عن الجمع)، ذلك أن خطواته مستقلة، ويحاول باستمرار أن  يجترح نموذجه الخاص به.

صادَقَ الرفاعي الجميع، واحتفظ بعلاقات صادقة جادة مع الجميع، وسار مع الجميع، لا لأنه لا لون له، بل لأن له لونه وطعمه وبصمته المتميزة، فالكل يعرفه على أنه الرفاعي ويصادقه. فإذا سار مع أحد لا يصبح تابعا له، بل تبقى خطواته مستقلة.

كذلك هو مشروعه، لا يخاف أن يحمل أفكار المدارس المختلفة، ويبقى على خطه ونهجه.

المشروع من وحي حاجتنا

قد لا يدرك الكثيرون _ وأنا منهم _ أهمية مشروع الرفاعي، وضرورة تأكيده على التسامح والتساهل والتراحم وتحمل الآخر في بادئ الأمر. لأن الاستبداد والدكتاتوريات في بلداننا كانت تمثل قشرة متصلبة غطّت ما تحتها في مجتمعاتنا، لكن اليوم وبعد ما تمزّقت هذه القشرة نتيجة “الفوضى الخلاقة”، وتكشّفت حقيقة ما تحتوي عليه مجتمعاتنا من تناقضات، نرى فائدة التفسير الإنساني للدين الذي دعا له الرفاعي. ففي الزمن الذي كان فيه الذبح علی الهوية أمر غير مستقبح من أية جماعة، حينما لا يتطابق مع الآخر، أصدر في هذا الزمن سلسلة كتاب “ثقافة التسامح” ببغداد عام 2004، صدر منها حتى الآن 20 كتابا، وعرّفها بأنها: “سلسلة كتاب ثقافية شهرية تصدر في بغداد. وتهتم بالتثقيف على: التسامح، ونفي الإكراه والكراهية في الدين، وإشاعة العفو، والسلام، والعدل، والإحسان، والتراحم، والحوار، والحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، والمحبة، والصبر، والمداراة، والصفح الجميل، والهجر الجميل، وغير ذلك من مقولات ومعاني اللين، والسماح، والاعتراف بالآخر، واحترام الآخر، والعيش المشترك. ونقد منابع التعصب، ونفي الآخر، والعنف، والتحجر، والقراءة الفاشستية للدين، واكتشاف الأبعاد العقلانية والأخلاقية والإنسانية والمعنوية السامية في الدين”.

ولطالما شدّد على أن: “الحاجة ملحة إلى دراسة وتحليل منابع اللاتسامح، وبواعث العنف والكراهية في مجتمعاتنا، والاعتراف بأن الكثير منها يكمن في الفهم الخاطئ للدين، والجهود الحثيثة للأصولية السلفية في تعميم هذا الفهم وتعزيزه”.

ولكن من الطبيعي أن لا يسمع صوته، لأن الكلمة أصبحت للمحرّض طائفيا، سواء كان رجل دين، أو سياسة. بينما لو كانت القوى الفاعلة في المجتمع تتبنى هذا الفهم والتفسير للدين لما وصلنا لهذا النفق المظلم الذي سقطنا فيه اليوم ولا يعلم آخره إلا الله.

المجهولية

صحيح أن علاقات الرفاعي النوعية بالنخبة الثقافية في العالم العربي وإيران مميزة جدا، ربما لا يمتلك غيره من أقرانه مثل هذا الرصيد، لكن هذه العلاقات والمكانة مجهولة في بلده، لذلك لم يتبوأ موقعه الفكري الذي يستحقه…ولم يزل يواصل مراكمة جهوده الفكرية ومشروعه التحديثي الرائد وحده. فضلا على أن مشروعه والمجلة بشكل خاص لم تنل حقها من الاهتمام في الدراسات الإسلامية، ولا نجد توظيفا لمحاورها، يتناسب مع عمق وتجديد مضمونها، وكثافة وأهمية موضوعاتها.

لعل ذلك يعود إلى عدم توافر المناخات المطلوبة في بلدنا والعالم العربي لهذا النمط من التفكير الديني. وان كانت هناك آثار غير معلنة، تشي بانطلاقة واعدة في هذا الحقل، وتؤشر إلى تأثير غير منظور لمشروع الرفاعي وكتاباته ومجلته في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد، فمثلا قررت وزارة التعليم العالي العراقية فرض مادة “فلسفة الدين” كمقرر دراسي في أقسام الفلسفة في الجامعات العراقية كافة، كما سُجلت ونوقشت أطروحات عديدة تناولت هذا الموضوع. بينما لم يعرف من قبل حقل في الدراسات الدينية عنوانه “فلسفة الدين” في العراق. كان الجميع يسأل عندما يطلع على المجلة ويقرأ “يصدرها مركز دراسات فلسفة الدين” ما المقصود بفلسفة الدين؟ وكل منهم كان يحسبها ما يسمى بـ”الفلسفة الإسلامية”.

يبدو أن المركز ومطبوعاته ومجلته أدى دوراً هاماً في توجيه الدراسات الدينية في العراق وغيره.

لكن الرفاعي ومشروعه تنبهت له مؤسسات ومنتديات ونخب هامة خارج بلده…فقد وقع الاختيار على مجلة قضايا إسلامية معاصرة دون سواها، بوصفها دورية فكرية جادة ومتميزة ورائدة في تحديث التفكير الديني في الإسلام، في العقدين الأخيرين. حين خصّص “المعهد البابوي للدراسات العربية والإسلامية” في روما كتابه السنوي للعام 2012 لإصدار ترجمات ايطالية وانجليزية وفرنسية لنصوص منتخبة مما نشر في المجلة في مختلف محاورها، وعنون الكتاب بـ”الإشكاليات الراهنة للتفكير الديني وفق مجلة قضايا إسلامية معاصرة”.

ثم تلته مبادرة “حركة أنطلياس الثقافية” بلبنان في تكريم عبد الجبار الرفاعي، وقد كانت محفزاً لمؤسسات إعلامية عراقية للانضمام إلى المبادرة، فأصدرت صحيفة المدى ملحق “عراقيون” حول الرفاعي، وخصّصت احتفالية في المتنبي للمناسبة نفسها. تلاها ملحق صحيفة العالم، ثم احتفالية في النجف وأماكن أخرى داخل العراق. والذي شجّع بعض أصدقائه وتلامذته على القيام بمشروع الكتاب التذكاري.

كان لهذه الجهود دور هام في التعريف بالمشروع، لكنها ما زالت تحتاج للمواصلة كي ترسّخ دعائم هذا الفكر التحديثي في مجتمعاتنا.

“ماركة” الرفاعي

قال لي صديق مثقف خبير: “لو كانت حكومة من حكوماتنا تريد إخراج مجلة بمستوى قضايا إسلامية معاصرة، لاحتاجوا إلى عمارة من ستة عشر طابقا… وفي النهاية ربما لا تخرج بهذا المستوى”. بعد عدة عقود من العمل المضني نحت الرفاعي من اسمه “ماركة” دليل على جودة المنتج الفكري. لهذا اختاره العشرات من طلاب الدراسات العليا كي يكون مشرفا على أطاريحهم.

متصوف خارج التصوف الطرقي لم يكتشف بعد

الكثير من أصدقائه لم يكتشف بعد النزعة الصوفية في شخصيته وجنوحه للفكر العرفاني. صورة ضريح مولانا الرومي، التي وضعها غلافاً للطبعة الأخيرة من كتابه “إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين”، تشير لهذا التوجه. فهو متصوف في رؤيته النورانية للوجود وروحه وأخلاقه، لكنه لا ينكّل الجسد، ولا يحرم نفسه من مباهج الحياة، ولا يتظاهر بالقداسة، ولا يمارس الدروشة، ولا يقدّس شيخ طريقة…انه يغرق في تجربة روحية باطنية، تشي بتصوف فلسفي أخلاقي، لا تصوف طُرُقي.

ما زلت اكتشفه

بعد هذه المسيرة الطويلة لي بمعايشة الرفاعي، والتي شارفت على دخول عقدها الرابع، ما زلت اكتشف الرجل. صفات تبدو للوهلة الأولى متناقضة، لكنه يضع كلا منها في موقعها…شغفه واطلاعه بالأحجار الكريمة، اهتمامه باقتناء المحابس والسبح، ضحكته الصاخبة، عفويته، براءته، عراقيته، بكاؤه، إهتمامه بهندامه وملبسه ومظهره، ذوقه الفني، شغفه بالجمال، هوايته بجمع اللوحات الفنية، زيارته للمتاحف الأثرية والفنية في كل مدينة يزورها، ولعه بالكتب والمكتبات، مشاعره وعواطفه الجيّاشة حيال من يرتبط به بعلاقة، إلحاحه في قضاء الحاجات، الصديق الوفي، فحين يحتاجه احد أصدقائه أو تلامذته يجده بجواره… ربما متحمسا أكثر منه…منضبط بالوقت والمواعيد، مستشار أمين، يذكر أصدقاءه دائما بخير…على الرغم من خبرته الدقيقة بأمزجة البشر وسجاياهم، ومواطن قوتهم وضعفهم، من خلال خبرة واسعة متراكمة عشرات السنين بعلاقات متنوعة مع الناس، وتكوين علمي جيد في العلوم الإنسانية وعلم النفس. وان كان هو يميز بين مراحل مرّت بها مسيرته الفكرية، لكنني في الحقيقة لا اعدها مراحل، بل تدرج وتطور وتكامل، كتلميذ الطب الذي يصبح جراحا حاذقا… الطريق نفسه لكنه تقدم فيه أكثر وتعمق أكثر.

الرفاعي الذي كان صاحب التفسير الثالث والبديل الديني بالنسبة لي، المختلف (عن تفسير الحوزة، وتفسير الجماعات الإسلامية للدين)، في الحقيقة علّمني نهج الحياة أكثر من ما علمني دروسا في الفلسفة أو اللاهوت.

كلمة الختام: كانت بجواره وليست خلفه

لا أطيل أكثر، وأنهي انطباعاتي ببيان حقيقة وهي: أن الرفاعي لم يكن وحيدا في هذه المسيرة وما حققه…أصبح تقليدا أن يقال عن كل رجل ناجح “وراء كل رجل عظيم  امرأة”، ولكن ليس مجاملة كانت السيدة انتزال الجبوري بجواره والى جنبه في هذه المسيرة الطويلة وليست وراءه… وذلك:

حينما تنازلت عن دراستها الجامعية، لرفد مسيرته الحياتية، في الحركة الإسلامية، والحوزة، في المرحلة الأولى من حياته…

حينما تنازلت عن عيشها الرغيد، لتواكب مسيرة شاب مغامر، متهور، حالم، مشرد…

حينما تركت الأهل، واختارت الغربة والمنفى…

حينما تحملت تقشف العيش وقساوة المنفى، واستضافت وخدمت وطبخت للـ”الشباب العراقيين المشردين في المنفى”…

حينما تحملت أعباء المنزل، وحينما أنجبت وربّت وعلّمت أبناءً تفوّقوا في مسيرتهم الأكاديمية والثقافية…ومنهم مدير تحرير المجلة اليوم، الحبيب “محمد حسين الرفاعي”…

حينما قامت بالتصحيح والطباعة والتنقيح اللغوي والتحرير لمجلة فصلية تصدر بحدود 400 صفحة، فضلا على أكثر من 200 كتاب، أصدرها مركز دراسات فلسفة الدين…كانت حوله وبجواره وعضده طوال الطريق، ولم تكن خلفه.

[1] ماجستير شريعة، وماجستير علوم سياسية.

https://al-aalem.com/%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d8%a8%d8%b9%d9%8a%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%81%d9%83%d9%91%d8%b1-%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%a8%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%81%d8%a7%d8%b9%d9%8a/

أنا مدين لكلِّ مَن يقرأ كتاباتي

د. عبد الجبار الرفاعي

بعض الكتّاب يريد من الكلِّ التصفيق له، بلا أن يعترف أو يحترم أو يحتفي بمنجز أحد. أعرف كتّابًا يغارون غيرةً عنيفة من الشباب الموهوبين. عندما يطلب كاتبٌ ناشئ منهم رأيًا بنصوصه، يتعاملون معه بغطرسة وازدراء، وأحيانًا يسمعونه كلماتٍ مميتة، ربما تقتل موهبتَه في مهدها. لا أتحدث عن النقد بمعناه الأدبي والثقافي والعلمي، ولا أتحدث عن خداع مَن لا يعرف الكتابة، ويصرّ على إقحام نفسه في هذه المهمة الوعرة، بلا موهبة، ولا صبر طويل، ولا تمارين مرهقة، ولا تكوين في الحقل الذي يكتب فيه، ولا ثقافة غنية. أتحدث عن الغيرة المرضية، والاستهزاء والازدراء والعنف اللفظي الذي يصدر من كتّاب يراهم مَن يطلب رأيَهم خبراء. قلّما تعرفت على كتّاب في مجتمعنا يمتلكون روحًا أبوية حانية، يبادرون بالعطاء والرعاية لذوي المواهب من الجيل الجديد. الإنسانُ بطبيعته يطلبُ الاعترافَ والدعمَ الذي يحفّزه على العمل والإنجاز. الشبابُ خاصة بحاجة شديدة للدعم العاطفي والرعاية والتحفيز. الاستثمارُ في إيقاظ عقول الشباب ورعايتهم عاطفيًا استثمارٌ في إيقاد طاقة الإبداع والتجديد الخلّاقة، وهو أثمنُ استثمارٍ للحاضر والمستقبل.

مِن دون قارئ يفتقر النصُ لانبعاث الحياة فيه، القراءة بقدر ما تحيي النصَ تجدده عبر الحوار النقدي للقارئ مع النص. القارئ مرآة توقظ معاني الكلمات، وتضيء ما هو مستتر من دلالاتها. الكاتب الحقيقي يستمدّ طاقتَه في الإبداع والمثابرة والاستمرار من القراء الأذكياء ذوي البصيرة المضيئة، ‏أجمل مكافأة للكاتب أن يرى صورتَه في هؤلاء القراء. طاقتي تتجدّد لحظة يتحدث لي قراء يتذوقون طعمَ الكلمات. القارئ يكرم الكاتبَ ويحفّزه ويوقد طاقتَه عندما يعلن ما يعيشه بتذوق ما تقوله وما تلمح إليه وما تضمره كلماتُه. الكاتب المخلص لصنعته يحاول أن يتعلّمَ من الكلّ، وفي الوقت ذاته يسعى أن يكون مختلفًا يمتلك صوتَه الخاص، لا أن يكون صدىً لغيره. يتعلّمُ من القراء المتسائلين وحتى المشاكسين أكثر مما يتعلّمُ من القراء المنحازين مسبقًا لكتابته. أقرأ تعليقات متنوعة بعد نشر ما أكتب، مَن يمتدح كتابتي يفرحني ويعزّز ثقتي بجهدي، خاصة وأنا قبل غيري لا أثق دائمًا فيها، إلا أنه لا يضيف لي ولا أتعلّم منه شيئًا، ولا يدعوني للتريّث وتمحيص ما أكتب. أحيانًا تكون تلك التعليقات نقدًا لاذعًا، وربما تضمن شيءٌ منها كلماتِ احتجاج منفعلة قاسية تخرج على النقد العلمي، ولا تخلو من تجريح أو تحريض ضدي. أعترف أني تعلّمت من هؤلاء النقّاد القساة ما لم أتعلمه ممن مدحوا كتاباتي. وإن كانت تعليقاتُهم تزعجني، إلا أنها كانت ومازالت حوافزَ تستفزني وتوقظني لأن أكون أشدَّ حرصًا ومثابرة على غربلة نصوصي وتدقيقها والتأمل فيها أكثر من مرة قبل نشرها. هذا الصنف من القراء يسهمون بإنضاجِ كتاباتك عبر تحديها، وحتى التحريض عليها. التحدي يرسخ كفاءةَ دفاعات الإنسان، ويستحثّه على مراكمةِ جهوده وتكثيفِها، والعملِ على ابتكار أدواته وتعزيزها.

أشعر بمسؤولية أخلاقية حيال القراء الكرام، أنا مدين لكلِّ مَن يقرأ كتاباتي، لا أستطيع وفاءَ هذه المديونية الكبيرة إلا بإنفاقِ كلِّ طاقتي، والإخلاصِ لهؤلاء القراء وأمثالهم في كلِّ كلمة أكتبها. لستُ مستعدّا للتنازل عن ضميري الأخلاقي، يقظةُ ضمير الكاتب تحميه من خيانةِ نفسه والقراء، والجنايةِ على عقله وعقولهم. تنازل الكاتب عن أخلاقه على مراتب، الحدُّ الأدنى يتمثل في إدمان المراوغة والتمويه في اللغة لتضليل القراء. الإخلاص للقارئ يعني إثارةَ عقله النقدي، ومحاولةَ استنطاق ما هو صامت في تفكيره، وتدريبَه على طرح أسئلة كبرى، والابتعادَ عن ‏تلقينه كلَّ شيء كالببغاء. يراسلني ‏بعضُ طلاب الماجستير والدكتوراه يطلبون أن أقترحَ عليهم عنوانًا، وبعد اقتراح العنوان يطلب بعضُهم أن أدّله على كلِّ شيء، وأفعل َكلَّ شيء نيابةً عنه، أكثرُهم يريد وضعَ الخطة نيابة عنه، وإعدادَ لائحة المراجع، وتحريرَ ما يكتب، وتتمادى طلبات جماعة منهم فيريد الكتابة نيابة عنه. أرفض حتى وضع الخطة لطلابي فضلًا عن غيرهم. بعضُ الناس يريدُك أن تقودَه كالأعمى، وأنا أرفض التقليد الأعمى، تتلخص مهمتي بالعملِ على تقويض الأغلال الراسخة في الذهن، وتحريرِ العقل من أصنامه ما أمكنني ذلك.

الإخلاص للقراء في الكتابة يعني طرحَ ما يستحثُّ العقلَ على التفكيرِ بموازاة الكتابة وضدّها، والانتقالَ بالتفكير خارج الأسوار المغلقة. لا تتجلى قيمةُ الكتابة فقط بمقدار ما تنتجُه من إجاباتٍ جديدة، ولا بما تكرّره من كلمات جاهزة. قيمةُ الكتابة في براعتِها بوضعِ عقل القارئ أمامَ مشكلاتٍ عميقة يتطلب الخوضُ فيها الكثيرَ من التأمل والنظر غير المتعجِّل. لا يجد القارئ الذكي عقلَه في بعضِ إجابات المؤلِّفين وآرائهم، يجده غالبًا فيما يحرضه على التفكيرِ المختلف، ويستحثّه على توليدِ أسئلةٍ موازية لأسئلةٍ كانت تشغله زمنًا طويلًا.

الكتابة لا تنتهي وتبلغ مدياتِها القصوى في أيِّ حقل يفكر فيه الإنسانُ ويتأمل بدقة وعمق، الكتابة يغذّيها القراء الأذكياء مثلما تغذّيهم. لا أظن الفهمَ المبسط للقول الشائع: بعض العلوم “نضج واحترق” دقيقًا. يمكن أن يكون القصدُ استنفادَ البحث على وفق منهجٍ معين وطريقةٍ محدّدة ونوعٍ خاص من الفهم في أحد العلوم، وإلا فكلّ علم ينفتح على إمكانات بحٍث متجدّد تبعا لتجدّدِ نوعِ المناهج وطرائقِ التفكير في قضاياه، وانبثاقِ أسئلة لم تكن حاضرةً في الذهن، واستثمارِ ما هو مسكوت عنه ومنسيّ أو ممنوع في عقل المشتغِل بهذا العلم. لا يتطور العلمُ ولا تحدث فيه منعطفاتٌ إن كان المشتغِل بالعلم يظن أن من سبقه أدرك الحقيقة، وتعرّف على كل وجوهها، واكتشف كلَّ الطرق المؤدية إليها، لا جديد يقوله هو أو غيره في أية مسألة. العلم تراكمي يتطور بتصويبِ أخطائه على الدوام، واختبارِ معطياته الموروثة، وتجديدِ أسئلته، وانفتاحِه وتفاعله مع العلوم الأخرى، وتوظيفِ ما يمكن توظيفه من أدواتها ومناهجها ومفاهيمها في إطار مباحثه.

رأيت أحدَ المتحدثين على التلفزيون يطلق أحكامًا نهائية فيقول: “إن كلَّ النظريات في علم اللغة الحديث قالها ابنُ جني، وهي معروفة في آثاره”. يتكرّر مثلُ هذا الكلام في الحديث عن الفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة وغيرها، ويُعبّر عن هذه القناعات بأساليب متنوعة كلُّ أولئك الذين لا يستطيعون التفكيرَ خارج فضاء الهوية وأحلامها وأمانيها ورغباتها. لا يمكن إنكارُ كون ‏ابن جني رائدًا سبق عصرَه في هذا الحقل، إلا أن هذا الرجل الفذّ وأمثاله حلقةٌ في رحلة اكتشاف أبدية تضيف وتحذف، لا تتوقف عند نهايات مغلقة، ولا تمتلك القولَ الأخير في هذا العلم أو غيره.كلُّ علم بشري غير مكتمل، العلمُ مهما كان مرآةٌ لنقص الإنسان. لم تكتمل الفيزياء الحديثة عند نيوتن، ولا علم النفس عند فرويد أو يونغ أو ادلر أو لاكان، ولا الفلسفة عند بيكون أو ديكارت أو كانط أو هيغل. لم يبدأ علم اللغة مع ابن جني، ولم يتعطل عند زمن ابن جني أو غيره مهما كان عبقريًا. ليس هناك فيلسوف أو مفكر أو كاتب، مهما كان مقامه يبدأ وينتهي معه أيُّ علم أو معرفة بشرية. علم اللغة من العلوم الحيّة،كلُّ علم حيّ باب البحث فيه مفتوح لا ينغلق. في العصر الحديث انفتحت اللغة على مداخل متنوعة، وتفاعلت مع مختلف معطيات العلوم والمعارف. بحوث علم اللغة اليوم تتفاعل وتؤثر وتتأثر بـالفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع والأنثربولوجيا وعلم الأعصاب وعلم الجينات، والذكاء الاصطناعي، وغير ذلك.

القراءة النقدية للقارئ الذكي رافد أساسي يثري الكاتبَ، ويفرض عليه الإخلاصَ للقراء، ويضيء للكاتب ما هو معتم من تفكيره، ويكشف له الواهنَ من آرائه، ويمدّ الكاتبَ وتفكيرَه بشيء من إكسير الحياة، بعد أن يكرّس حضورَ كتابته وفاعليتها.كلُّ كتاب خارج القراءة والمراجعة والنقد تحذفه ذاكرةُ الكتابة بالتدريج. لا قيمةَ لكتابٍ يكرّر ما هو مكرّر في لغته وأفكاره، ولا ينتج أسئلةً وجدلًا. لا قيمةَ لأفكار تنسخ الموروثَ والمتداولَ والمألوف وتمجده. كما لا أثر لكلمةٍ ولدت بعد فوات أوانها، لا فاعلية لكلمةٍ تولد قبل وقتها. الكاتبُ الحاذق يعرف أن لكلِّ كتابة أجلًا لحضورها وفاعليتها.كلُّ كلمة تولد قبل وقتها تختنق بما يحيط صاحبَها بضجيج مَن يستهجنها، وربما لا تجد من ينصت إليها. إلا أن ذلك لا يعفي الكاتبَ من إعلانها بلغة عقلانية غير مستفزّة، لعله يرى وهو حيّ لحظةَ فاعليتها، وتسابقَ الناس للإعلان عنها، وادعاء السبق بقولها.

الحجر الذي يكسر صمتَ البركة يحدث ضجيجاً، الكتابُ الحقيقي يكتبُ تاريخَه الخاص، امتلاكُ المؤلف للكتاب ينتهي لحظةَ انتقاله للقراء، ولا يعود باستطاعته التحكمُ بمصائره التي تفرضها سياقاتُ تلقي القراء، ومواقفُهم المضادّة أو المتفقة معه. يحكي لنا تاريخُ الكتابة أن المواقفَ المضادّة لأيّ كتاب تكرّس حضورَه وتمنحه عمراً طويلاً، وربما تخلّده، في حين ليس للمواقف المتفقة مع الكتاب مثلُ هذا الأثر. ثمة كتب محظوظة يتلقاها الناشرون والقراء باحتفاء أكبر من قيمتها الحقيقية، وثمة كتب على الرغم من أهميتها الفائقة تظل مجهولة، فتلبث سنوات خارج التداول.كلُّ كتابٍ يكتبُ تاريخَه الخاص بعد نشره، يبدأ تاريخُه منذ قراءة القارئ الأول له. أكثرُ الكتاباتِ تحتمي بهالة اسم كاتبها وضجيج القراء غير الخبراء من حوله، لحظة يموت الكاتبُ تنكشفُ أعماله للقراء، فيختبر القراء قدرتها لتدافع عن نفسها في حلبة الصراع، وطالما فضح الناقدُ الخبير مواطنَ وهنها وقوتها، وثغراتِها ورصانتِها، وقدرةَ كلماتها وأفكارها على البقاء برغم ما تتلقاه من نقد، وأحيانًا مواقف انتقام لئيمة من كاتبها وهو في قبره. للكتب الجادّة حياةٌ يتحكمُ في مآلاتها القرّاءُ والنقّادُ، وتحدّد أعمارَها ومصيرَها مواقفُهم وانطباعاتُهم، ونوعُ تلقيهم لمضمونها، وكيفيةُ قراءتهم لنصوصها. القارئ المحترف تقوده متعة الدهشة للظفر بالكتب الثمينة، هو مَنْ ينبغي أن يكتشفَ لا أن يقوده غيرُهُ كأعمى. يمتلك القرّاءُ مصائر الكتب بعد قراءتها، ربما تدخلُ بعضُ الكتب كهوفَ النسيان بعد صدورها مباشرةً على الرغم من أهميتها، ثم يأتي مَنْ يُخرِجها من الظلام ويسلّط الضوءَ عليها بعدَ مدة، وربما يتلقى القراءُ كتبًا أخرى لحظةَ صدورها بثقةٍ واهتمام، مع أنها ليست ذاتَ قيمة علمية. لا يمكث من الكلمات إلا ما يتواصل تأثيرُه في القراء، ويمتلك إمكانات مقاومة وتحدٍ في غياب كاتبه.

 

 

تعلمت من الكتابة أعمق مما تعلمت من القراءة

د. عبد الجبار الرفاعي

بدأت تمارينُ الكتابة في المرحلة الثانوية، لم تنضج لغتي وتصطبغ ببصمتها المميزة إلا بعد سنوات من تلك التمارين المتواصلة. أخيرًا أضحت لغةُ كتابتي بمعجمُها تفرض عليّ نوعَ الكلمات وأسلوبَ التعبير، وتؤثر وتتأثر بطريقة التفكير، كأني وقعتُ في أسر هذه اللغة، ولم أعد قادرًا على انتزاع نفسي منها. عندما يكرّر بعضُ القراء الطلبَ بأن أكتب بلغةٍ بديلة أعجز عن تلبية رغبتهم، بعد أن وقعتُ في شباك هذه اللغة. لم أدعِ يومًا أن الأفكارَ الواردة في كتاباتي كلها مبتكرة، لم يكتبها أحدٌ من قبلي.كتاباتي خلاصةُ مطالعات بدأت في مرحلة مبكرة من حياتي ولم ولن تتوقف، وعصارةُ أسئلة ذهنية وتأملات فرضها عليّ عقلي الذي لا يكّف عن التفكير، وأوقدتها مشاعري وانفعالاتي، وما ترسّب من جراح بأعماقي في محطات الحياة المتنوعة، مما لا أراه ولا أدرك طريقةَ تأثيره في فهمي.

الكتابة داء ودواء، قبل الكتابة أقلق، حين أفرغ منها أهدأ، بعد النشر أسكن، وأخيرًا أنسى ما كتبتُ لحظة أنشغل بما هو جديد، وإن كنتُ أكرّر العودةَ إليها لو استجدت رؤيةٌ موازية أو مضادّة. لا أستطيع مغادرةَ النصّ الذي أكتبه مادام تحت يدي، أخضع على الدوام لضغطٍ نفسي يكرهني على العودة للنظر فيه بين حين وآخر، لا ينقذني منه أحيانًا إلا النشر. في الكتابة ‏اللغةُ ترهقني أكثر من الفكرة، أحيانا أكرّر تحريرَ النصّ الذي أكتبه عدة مرات. ‏حين أكتب أمارس وظيفةً تشبه وظيفةَ المهندس المعماري، الذي يهمّه الوجهُ الجمالي للبناء. ‏أغلب الأحيان لحظةَ أكتب أجد المعاني حاضرة، ‏ما يرهقني هو العثورُ على الكلمات المناسبة للسياق ‏في القاموس اللغوي المخزن في ذاكرتي، وأحيانًا تتعسر ولادةُ الكلمة في ذهني فالجأ إلى قواميس اللغة ومعاجمها. ليست هناك لغةٌ مكتفية بذاتها، ‏إذا اتسع أفقُ المعاني اختنقت الكلمات. أعرف أن كتابتي تلبث ناقصةً لا تخلو من وهنٍ في شيء من أفكارها وكلماتها وعباراتها، مهما حاولتُ إعادةَ تحريرها وتنقيتها، ذلك ما يحثّني على إعادةِ النظر فيها وتكرارِ تحريرها على الدوام. اللايقين يستولي عليّ حين أكتب، أعود إلى كتاباتي أتأمل ما تتضمنه من مفاهيم وآراء ومواقف، أحاول غربلتَها وتمحيصَها مجدّدًا، واستبعادَ ما ينكشف من هشاشتها واعوجاجها، أحيانا أعيد كتابةَ الفقرة مرات عديدة. أمعن النظرَ في لغتها، أحذف الكلمات الواهنة، أحرّرها من الفائض اللفظي الذي يستنزفُ طاقةَ المعنى وينهكها. أعرف أن الجملَ القصيرة أشدّ إيقاعًا من الطويلة، الكاتب المتمرّس يقتصد في الكلمات، ويكثّف النصَّ ما أمكنه ذلك. رأيتُ بعضَ الكتاب يربك إيقاعَ النصّ بالإفراط في حروف العطف وأدوات الوصل والربط والاستئناف، وربما تلبث لديه الكتابةُ سائبةً لا تصنع حدودَها. براعة الكاتب تعلن حضورَها في الإيجاز، في الكتب الخالدة كلُّ صفحة تختزل ألفَ صفحة، كلُّ عبارة تختزل ألفَ عبارة، كلُّ كلمة تختزل ألفَ كلمة. الكتابةُ فنُّ الحذف والاختزال.

كلُّ كتابة أنشرها مسودةٌ لكتابةٍ لاحقة، وهكذا تتوالى كتابةُ المسودات. الكتاب الذي أكتبه لا أراه نهائيا، أكتبه كتابةً أولية، وبعد تحريرٍ وتنقيح ومراجعات متعدّدة أبعثه لدار النشر، وعند نشره تتحوّل هذه الطبعةُ إلى مسودة لطبعة لاحقة، وهكذا تلبث كتاباتي مسوداتٍ مفتوحةً أعجز عن النظر إليها بوصفها نهائية، وكأني أحلم بكمال شيء يعاند الكمال. لا أصل للشعورِ باكتمال النصّ، ونقائه من الوهن والثغرات، وصفاء صوته، وقوة طاقة المعنى الذي يريد إبلاغَه للقارئ،كثيرًا ما أعود إليه لتقويمه وترميمه وإثرائه. الكتاب الذي أفرغ منه أتردّد في نشره، وأقلق لحظةَ صدوره، مثلما يقلقني إهمالُه ونسيانُه، ينتابي شعورٌ أحيانًا كأنِّي خنتُ ذلك النصَّ المؤجل، أو خنتُ القرّاءَ ممن يتطلعون أن يجدوا في كتابتي ما يبحثون عنه.

القارئ يبهجه الضوءُ بغضِّ النظر عن المصباح الذي يصدر منه. يهمني القارئُ المحترِف حين أكتب، أعرف أن القارئ المحترف ذوّاق، لا يطيق الكلمات المقعرة والعبارات المكرّرة والشعارات ‏المبتذلة لغةً ومضمونًا، ‏لا أريد أن أخون القارئَ الذي لولا دعمه واعترافه لنضبت لدي طاقةُ الكتابة. القارئ يتطلع أن تتكشّف له صورةُ الكاتب الحقيقية، وما يريد أن يقرأه في كتاباته، القارئ مولعٌ بكلِّ ما حجبناه عنه، فلو بادرنا للاعتراف بضعفنا البشري بشجاعة لا نحتاج إلى دعاية أو ترويج لما نكتب. أكثر الكتابات المنشورة تخفي أكثرَ مما تعلن، وتبرّر أكثر مما تعترف، وتتكتم أكثر مما تبوح، وتموّه أكثر مما تصرّح، وتخادع أكثر مما تصدق، أجد بعضَ الكتاب يبرع في صناعة الأقنعة، وهو يحاول حجبَ تضخم ذاته وراء تلك الأقنعة.

مضافًا إلى خوفي من ممارسة الكتابة كنتُ أخاف في البداية من عرض ما أكتب على أيّ إنسان، امتلكتُ شيئًا من الجرأة بعد مدة فقدّمتُ ما أكتب لبعض الخبراء. كنتُ أحذر بشدّة من أيِّ نقد، أدركتُ لاحقًا أن استمرارَ هذا النوع من الحذر يعيقني من الإقدام على النشر، وربما يعجزني من خوض مغامرة الكتابة. جربتُ أنه يمكنني التخفيفُ من ذلك وخفضِه بعد ترويض نفسي على الاعترافِ بأخطائي وضعفي، والإعلانِ عن استعدادي للتعلّم والإصغاء لحكمة وخبرة أيّ إنسان، والإصرارِ على المضيّ في تمارين الكتابة وإعادة الكتابة. الاعتراف بالخطأ في مجتمعاتنا ينظر إليه أكثرُ الناس بوصفه فضيحة، استطعتُ بمشقة أن أمتلك الاستعدادَ للاعتراف بالخطأ الذي كان مُحرِجًا جدًا أول الأمر، عبر المران صار أقل إحراجًا، كلما أعلنتُ عن أخطائي قبل أن يعلنها غيري تخفّفتُ أكثر، واستطعتُ أن أجعل منجزي أكمل. جربتُ أن ليس هناك ما ينقذ الإنسانَ من عبء الشعور بالعجز وخوف الفشل إلا سبقه للبوح بفشله وإعلانه بأنه فشل في محاولاته الأولى والثانية والثالثة وهكذا. أسعى أن تتضمن كتاباتي بوحًا بأخطائي ووهني وهشاشتي ما أمكنني ذلك في مجتمعٍ يسيء تفسيرَ ذلك.

الكتابة ليست عملاً فردياً بحتاً،كلُّ كتابة حقيقية تختزل سلسلةً طويلة من قراءة كتب متنوعة، وكلَّ ما تشبّع به وتمثّله وعيُ الكاتب، وترسّب في لاوعيه. لا يتكون الكاتبُ إلا بعد أن يقرأ كلَّ شيءٍ وينسى معظمَ ما قرأ، الكتابة منجز مشترك، تنصهر فيها عناصرُ مختلفة لنصوص طالعها الكاتبُ لتولِّد مركبًا مادتُه منها إلا أنه يتكلم لغتَه، وينصت فيه القارئُ لأنغام صوته. في كلّ نصّ ترقد عدة ُطبقات من النصوص، في كلّ نصٍّ تتجلى نصوصٌ متنوعة تحيل إلى معجمِ الكاتب اللغوي ومرجعياتِه ورؤيتِه للعالم، وتتكشّف فيها ثقافتُه وما أنتجته قراءاتُه وتفكيرُه وتأملاتُه. في كلّ نصّ ثري نستمع لصوتٍ تتناغم فيه ألحان عدّة أجناس من الكتابة، تتوحد ألحانُها وكأنها نغمٌ واحد. الكاتب الجادّ يلتقي الجميع، ويتعلّم من الجميع، يلتقي بما هو مشتَرك إنساني، ويتعلّم من المتفرّد فرادتَه.

كتاباتُ كلّ ِكاتب تغترف من نهرٍ واحد، بعضُها يغذّي بعضَها الآخر.كلُّ كاتبٍ يكتبُ كتابًا أساسيًا واحدًا، ما قبله تمارين ما بعده تنويعات. الكاتب الحقيقي تصنعه الكتابةُ بقدر ما يصنعها، وتعيد بناءَ ذاته من جنس ما يبنيها، البناء بمواد هشّة يبني كاتبًا وكتابةً هشة، البناء بمواد متينة يبني كاتبًا وكتابةً متينة. يتعلم الكاتبُ الصبور من الكتابة أكثر مما يتعلم من القراءة، بعد الفراغ من كلِّ كتابة جادّة يخرج بوعي أعمق لذاته ولغيره، وبرؤيةٍ أشدّ وضوحًا للعالَم من حوله، يجد ذاتَه في صيرورة وجودية تتغذّى بالكتابة وتغذّيها.‏‏

الكتابة لدي تمارينٌ على وعي الحياة، عبر اكتشاف أسرار الذات، وما يخفيه الإنسان، وكيف أستطيع أن أنجو بنفسي من هول هوس الناس وصخب الحياة من حولي، وأربح سلامي الباطني.‏‏ التحدي الذي يستفزني في الكتابة يؤلمني بقدر ما يعلمني، علمتني الكتابة أعمق وأدقّ وأثمن مما علمتني القراءة، مثلما علمني التعليم ما هو أثمن مما علمتني التلمذة. بعد الفراغ من كلِّ كتاب أخرج بوعي أعمق لذاتي ولغيري، وبرؤيةٍ أوضح للعالَم من حولي. لم أجد نفسي خارجَ الكتابة منذ أكثر من 45 عًاما تقريبًا، على الرغم من أني أحبّ القراءةَ أكثر من الكتابة، وإن كنتُ أكتشف المزيدَ من الطبقات العميقة لذاتي، وأشعر كأني أعيد تشكيلَها من جديد بالكتابة.

أكتب رحلتي الأبدية لاكتشافِ الذات واكتشافِ الناس من حولي، واكتشافِ أجمل تجليات الله في الوجود. أحاول تأملَ أسئلتي وإعادةَ النظر في إجاباتي، وتعميقَ البحث فيها والتعرّفَ على ثغراتها، والسعيَ للظفر بإجابات أعمق وأدقّ.

 

 

 

 

لا قيمة لكتابة تتنكر للاعتراف

د. عبد الجبار الرفاعي

القارئُ يبحثُ عن ذاته فيما يقرأ، أعذبُ كتابةٍ هي ما يرى فيها القارئُ محطاتِ حياته، وتتكشف فيها ملامحُ صورته، ‏ويتجلى فيها شيءٌ من الأعماق المختبئة في نفسه، وتفضح العقدَ الكامنة بداخله، ‏وتعلن أسئلتَه ومعتقداته المخيف ‏إعلانها. القارئُ يفتش في الكتابة عن شخصيةِ الكاتب، وأحوالِه وانفعالاته وحساسياته وهشاشته وضعفه البشري، ويدقّق في كلِّ ما يسعى الكاتبُ لإخفائه. يريد القارئُ تمزيقَ ما يحجبُ شخصيةَ الكاتب من أقنعة، وما يتوارى خلفه وجهُه. لا يبحث القارئُ عن المكشوف الذي يعرفه الكلُّ عن الكاتب. أصدقُ سيرة ذاتية قرأتُها وتعلّمت منها ما كانت مرآةً لذات كاتبها، وما اعترفَ كاتبُها فيها بطبيعته بوصفه بشرًا لا ملاكًا، وتحدث عن شيء من ثغرات شخصيته، وأعلن عن شيء من وهنه وعجزه، وندمه على بعض أفعاله وآرائه الخطأ، بموازاةِ حديثه عن مزاياه ومنجزاته ومكاسبه ومواهبه.

لا نسمع من البشر إلا كلماتهم، ولا نرى إلا وجوهَهم، ولا نتحسّس إلا ما هو مُعلَن من مواقفهم وسلوكهم. يستعمل كثيرٌ من الناس مختلفَ الأقنعة لتغطية وجوههم، وتمويه كلماتهم، والمراوغة في مواقفهم. ‏نقع في الذهول أحيانًا حين ينكشف لنا شيءٌ مختزَنٌ في أعماق مَن نعرفه منذ سنوات وتربطنا به صداقةٌ قديمة، مما تفضحه المواقفُ الصادمة عند الغضب والانفعال الشديد، ومواقفُ الكيد والغدر والخيانة. مَن أراد تطهيرَ ذاته من أكثر العقد المترسبة في باطنها ينبغي أن يكون شجاعًا في الإعلان عن أخطائه وعثراته وإخفاقات مسيرة حياته، كما يقول علمُ النفس الحديث.

لا تكون الكتابةُ صادقةً إلا بالتحرّر من الوصايات، ومن أشدِّها وصايةً جماعةٌ أيديولوجية تُلزِم أفرادَها بالرضوخ لمعتقداتها وقناعاتها وشعاراتها، وتقحم أقلامَهم في صراعاتها ومعاركها. بعضُ الكتّاب يتنقل في محطات أيديولوجية واعتقادية وسياسية متنوعة، ويواصل الكتابةَ كلَّ حياته، من دون أن نعثرَ على جملةٍ واحدة تشير إلى أنه أخطأ يومًا ما في اعتناق واحدةٍ من أيديولوجياته، أو أخطأ في عناده وتشبّثه بآراء ومواقف قادته وغيرَه لعواقب مريرة، أو أنه كان لا يعلم شيئًا من قرارته، أو كان جاهلًا ببعض أفعاله وسلوكه. بعضُهم تراه في كلِّ محطةٍ يقع تحت وصاية جماعة أيديولوجية، لتصبح وجهتُها هي البوصلة المتحكّمة بمواقفه وغايات كتاباته.‏ أتحدث عن أولئك الذين يهرولون دائمًا نحو مَن يضمن لهم المزيدَ من المكاسب العاجلة، ومَن يعمل على تسويق كتاباتهم جماهيريًا، ويوفر لهم غطاءً وسلطةً تحميهم من أية ضريبة للكتابة. لا أتحدث عن أولئك الأحرار الذين تنشأ تحولاتُهم عن ذكاء، وضمير أخلاقي يقظ، ورؤية واعية، واستبصارات عميقة، وقدرة على تمحيص تجارب الحياة المتنوعة وغربلتها، والخلاص مما يتكشّف فيها من أكاذيب وأوهام زائفة. ‏

لا يمكن الوثوقُ بكتابةٍ يعجز فيها الإنسانُ عن الاعتراف بأخطائه، ومراجعة قناعاته، ونقد أفكاره. بعض الأشخاص تراه يقفز من أيديولوجيا إلى أخرى مضادة لها، من دون أن تقرأ له عبارةً واحدة يعترف فيها بخطأ في أفكاره أو مواقفه أو سلوكه،كأنه لا يدري أن كلَّ مَن يفكر يخطئ. الخطأ ضرورةٌ تفرضها طبيعةُ الإنسان بوصفه إنسانًا، لا يتحرّرُ الإنسانُ من الخطأ غالبًا إلا بعد أن يقعَ فيه، ويعترفَ بكونه خطأ، ويمتلك إرادةً جريئة تعمل بإصرار على الخلاص منه. مَن يمتلك شجاعةَ الاعتراف بالخطأ يمتلك القدرةَ على تغيير ذاته. الخوفُ من الاعتراف بالخطأ خوفٌ من التغيير.

تحدثُ تحولاتٌ في القناعات الفكرية والأيديولوجية والسياسية لمَنْ يمتلك عقلًا نقديًا، غير أن الإعلان عنها يتطلب ضميرًا أخلاقيًا حيًّا، ‏وإرادةً جريئة. يخاف أكثرُ الكتّاب الذين يعيشون في مجتمعات تقليدية مغلقة من البوح والاعتراف، عندما يكتبون يكرّرون ما يقوله غيرُهم بألفاظ أخرى. يعمد بعضُهم إلى عبارات زئبقية مموّهة، يريد أن تتنوع المواقفُ منها، تبعا لتعدّد تأويلات القراء وخلفياتهم.

طالما كانت الكتابةُ حجابا يخفي عاهات بعض الكتّاب الأخلاقية وعقدَهم النفسية. التجربةُ وحدها كفيلةٌ بتمحيصِ البشر، وفضحِ ما يحجبونه من عاهات بمهارتهم الحاذقة. الكاتبُ الأمين لغتُه صافية، بصمتُه واضحة في تعبيره وتفكيره. الكاتبُ الذي يعاند لغتَه، ويتمرّد على طريقة تفكيره وتعبيره ليس أمينًا.كلُّ كاتب يستنسخ توقيعَ غيره ويتلبّس قناعات تكذِّب قناعاتِه ليس وفيًا لمهنته. الكتابةُ هي الهويةُ المعرفية والأخلاقية للكاتب،كل ُّكتابةٍ تعاند لغةَ كاتبها وتغرق بلغةٍ مستأجرة كتابةٌ تخون قارئها وكاتبها. الكاتب الصادق مَن ترتسم سيرتُه الفكرية والأخلاقية في كتاباته، مَنْ تستمع بوضوح لإيقاع صوته، وترى بصمتَه الخاصة في الكتابة.

لا يحمي الكتابةَ والكاتبَ والقراء إلا يقظةُ الضمير الأخلاقي، الكاتبُ تحت الطلب لن يكون كاتبًا حقيقيًا. تسليعُ الكتابة يفتك بالقارئ، يخونُ الكاتبُ ضميرَه الأخلاقي عندما يزوّر قناعاته، ويظلّ قلمُه معروضًا للبيع يكتب لمن يدفع أكثر. أسوأ كاتبٍ ‏مَن يعمل كما يعمل البائعُ المتجول، البائع هدفُه بيعُ بضاعته والظفرُ بربحٍ عاجل من أيّ مصدرٍ كان. الكتابةُ الحقيقية هي تلك التي تثير نقاشًا جديًا (مع/ضد). يُكلّفُ الكاتبَ الإصرارُ على هذا اللون من الكتابة الكثيرَ من الإزعاجات، وهو موقفٌ يتكرّر مع كلِّ تفكيرٍ حر. باهضةٌ في مجتمعنا ضريبةُ كلّ تفكيرٍ ينشد الحرية، ويشتغل خارج إطار الأيديولوجيات والمفاهيم والقوالب المتداولة الجاهزة. لا جديدَ في كتابة لا تخرج على إجاباتٍ مكررّة وقناعاتٍ جاهزة. لا يشترط في الكتابة أن تنال إعجابَ الكلِّ وإجماعَهم، ‏الكتابةُ الذكية كتابةٌ خلافية، تثيرُ من الأسئلة أكثر مما تقدّم من الأجوبة، وتتمردُ على الكلمات والاجابات المملة. قوة الكتابة في اختلافِها، وفاعليتِها في إيقاظ الوعي، وتكريسِ الروح، وإيقاظِ الضمير الأخلاقي، وتهذيبِ الذائقة الفنية.

ليس هناك كتابةً جيدة لا تصطبغ بشيء من ذات الكاتب. الكتابةُ الجيدةُ يتكشفُ فيها شيءٌ من أعماق الكاتب، وتنهلُ من تجاربه الشخصية.كلُّ كتابة تعبر عن تجربة معاشة للكاتب ثريةٌ ومؤثرةٌ جدًا. الكتابةُ مفتاحُ قراءة شخصية الكاتب، كان أرسطو يقول: “تكلم لأراك”، ويمكننا أن نضيف لهذا الكلام: “اكتب لأراك”. هناك صلةٌ وجودية بين الأثر وصاحب الأثر، الإبداع أعمق أثر تتجلّى فيه كينونةُ الإنسان الوجودية، الكتابة الجادة من أوضح أشكال الإبداع، وهكذا الشعرُ والرسمُ والنحتُ والموسيقى وأنواعُ الفنون السمعية والبصرية، يمكننا قراءةُ شخصية الكاتب واكتشافُ ما يرمي إليه عبر نصوصه، مثلما يمكننا قراءةُ شخصية المبدع عبر إبداعه.

 

الكتابة بوصفها تجربة وجود

د. عبد الجبار الرفاعي

‏   كتاباتي مرآة سيرتي الفكرية والروحية والأخلاقية، أكتب تجربتي في الكتابة كما تذوقتُها بوصفها تجربةَ وجود. تجربة الوجود فردية، كلّ ما هو فردي ليس ملزِمًا لأي إنسان. أعيشُ الكتابةَ بوصفها أُفقًا أتحَقَّقُ فيه بطورٍ وجودي جديد. فشلتُ في أن أكونَ شخصيةً نمطية، أعرفُ أنِّي لا أنفردُ بذلك، كلُّ مَنْ تكونُ الكتابةُ تجربةَ وجود في حياته لا يمكن أن يكونَ نمطيًّا.

يفرض كونُ الكتابة تجربةَ وجود على الكاتب الذي يعيشها ألا يصغي إلّا إلى ندائها، ماخلا حضورَه فيها يغيبُ الكاتبُ عن كلِّ شيء ويغيبُ عنه كلُّ شيء. لحظةَ يبدأ الكاتبُ الكتابةَ تأخذه إليها، لا تدعه يفكّر إلّا في فضائها،كلّما حاول الهربَ قبضتْ عليه من جديد كيف كان، لا تتركه مالم يمنحها كلَّ ما يمكن من ذكائه وقدراته الكامنة وصبره الطويل. الكاتبُ الذي يعيشُ الكتابةَ بوصفها تجربةَ وجودٍ تمكث حياتُه الخاصة مؤجلةً على الدوام.

عندما أكتبُ أقعُ في أسرِ ما أكتبُ، كأني أسافرُ بسيارة تتيه في صحراء ليلًا، ‏أحيانا أتخبطُ وأحيانا أهتدي، يكشفُ لي التخبطُ دروبًا لم أعرفها من قبل. ‏ليست لدي قواعدُ مُلزِمة للكتابة، ولا طقوس مفروض عليّ أن أخضع لها، ولا برنامج أُكره نفسي على الانصياع له، ولا خارطة رسمتُها أنا أو رسمها غيري. لا طقوس أتباهى بها في الكتابة، لا طريقة خاصة أو عادة مستحكِمة، لا أوقات صارمة دقيقة منضبطة. أعيش الكتابةَ بوصفها تجربةَ وجود أحقّقها وأتحقّق بها، أتذوقها كما يتذوق كلُّ إنسان تجربةَ وجود للذات. تجربةُ الوجود هذه شائقةٌ وشاقة، طالما وقع الكاتب المفتون بصنعته في أسرها، ولفرط اندكاكه بها ليس بوسعه الفكاكُ منها والذهابُ إلى غيرها، مهما كان اغواءُ الصنعة الأخرى ومهما كانت مكاسبُها.

‏ أكتب قناعاتي لحظة الكتابة، ‏أحاول عندما أكتب أن أكون موضوعيًا، أعبر عن ذاتي كما هي بحياد ‏ما أمكنني ذلك. أعرف أن ‏الإنسانَ عندما يتحدث عن الذات حيادُه صعبٌ جدًا. ‏الإنسان كائنٌ بارع في إخفاء عيوبه وثغراته، والتكتم على مواطن هشاشته ووهنه.   أعجز عن أن أكونَ كاتبًا تحت الطلب أو تكونَ كتابتي سلعةً معروضة للبيع، فشلت أن أكونَ شخصيةً آلية، أعرفُ أني لا أنفردُ بذلك،كلُّ مَنْ تكونُ الكتابةُ تجربةَ وجود في حياته لا يمكن أن يكونَ كائنًا آليًا، تتسم كلُّ تجربة وجودٍ بفرادتها. في ممارسة الكاتب للكتابة يرى ذاتَه كلّ مرة بطورٍ وجودي آخر، لا تستنسخ أطوارُ وجوده الآتية أطوارَه الماضية. أحيانًا يكتب الجرح، كتابةُ الجرح أعمقُ تجارب الكتابة وأوجعُها وأغزرُها معنىً، عندما يكتب الجرحُ يشفى الإنسان.

يسعى الكاتبُ المبدع على الدوام أن يعثر على صوتِه الخاص، ولغتهِ الصافية، وطريقهِ الذي لا يمرّ عبر طريق غيره، طريقه الذي لا يوصله إلى نهايات مغلقة. لا يمكن للإنسان اكتشافُ الطريق حين يقاد كأعمى. هدفُ الكتابة أن يتلمس الإنسانُ الضوءَ الذي يدله على الطريق، وفي هذا الضوء يرسم خارطةَ الوصول إلى ما ينشده بأقرب الطرق. مَن يعجز عن اكتشاف طريقه بنفسه يعجز عن الإبداع. عندما يقودك دليلٌ يعرفُ الطريقَ من دون أن تكتشفَ أنت الطريق، تضيّع أثمنَ تجربة اكتشاف في حياتك، وتصبح كأنك معاقٌ يسير بغير أرجله.

لا ‏أتقيّد بخطة في الكتابة، ولا أقيّد طلابي الذين أشرف عليهم في الدكتوراه والماجستير بخطة صارمة، أقول لكلٍّ منهم ‏مارس اجتهادَك في كلِّ شيء، ‏في الكتابة، وفي رسم الخطة. في أثناء الكتابة ربما تستجدّ لديك أفكارٌ ثمينة وتظفر بمعطيات إضافية، حاول أن تضيفَ أو تحذف، حاول تبتكر، تعلّم التفكيرَ الحرّ، تمرّن على أن تناقش ما تقرأ مهما كانت مكانةُ مَن تقرأ له. ليس المهم أن تكون خطتُك كسكة قطار لا تحيد عنها. ‏الخطةُ الجيدة خارطةُ طريقٍ أولية تتوسع أو تتقلص أو تُستبدَل، حاول البحثَ عن الاختلاف أكثر مما تعمل على الاستنساخ، حاول أن تفكر بعمق أثناء الكتابة، وراجع أكثر من مرة ما كتبتَ بهدوء وتأمل فيه بدقة. اكتب وأنت تستحضر آراءَ القراء النابهين ومواقفَهم من كتابتك.

عندما أكتب أفكر كثيرًا بالقارئ، وإن كنتُ أكتب لنفسي قبل الكتابة للقراء، أخاطب نفسي قبل مخاطبة القراء، وأعلّم نفسي قبل أن أكون معلّمًا لأحد. أحاول البحثَ عن إجابات لأسئلتي الوجودية، واكتشافَ حلول لمشكلاتي الفكرية، عسى أن ينكشف لي النورُ الذي يضيء خارطةَ النجاة. يهمني أن أكتشف نفسي قبل أن أكتشف العالم، وأغيِّر نفسي قبل أن أغيّر العالم. أحاول أن أعبّر عن ذاتي كما هي عندما أكتب، أسعى بحماسٍ لأن يكون ما أكتبه وأتحدث به خلاصةَ تأملاتٍ عقلية، وتعبيرًا عن خبرةٍ روحية وحياةٍ أخلاقية. أحاول كتابةَ اكتشافاتي لذاتي، والاعترافَ بثغراتي، ومواطنِ هشاشتي، والتمرينَ على شجاعة الإعلان عن أخطائي، لعل الإعلانَ عنها يشفيني من مواجع الندم ويحرّرني من تكرارها، يهمني البوحُ بشيءٍ من جروحي الغاطسة عساني أطفئ جمرتَها بداخلي. مشغولٌ على الدوام برحلتي في أعماق نفسي، واستكشافِ ما هو غاطسٌ في ذاتي. هذه الرحلةُ لا تتوقف، ولا تصل نهاياتِها المغلقة، ولن تبلغ قاعًا أخيرة.كلُّ يوم يتكشفُ في هذه الرحلة الأبدية ما كنت أجهله عن ذاتي، وعن الناس من حولي، وما لا أعرفه من غموض الشخصية الإنسانية وتناقضاتها.

مَن يقرأ كتاباتي بوسعه أن يرحل معي ويطلع على شيءٍ من محطات حياتي. تدور كتاباتي في آفاق سيرتي الذاتية، أحاول كتابتها بلغة صافية، وأبوح فيها بما يمكنني الإعلانُ عنه، وكأنها لوحةٌ نسجتْها أقداري وآلامي ومواجعُ حياتي. ‏أحاول التحدثَ فيها عن شيءٍ من ضعفي قبل قوتي، وهشاشتي قبل صلابتي، وجهلي قبل علمي، وعواطفي قبل عقلي، ‏وأسئلتي قبل أجوبتي. أحاول الإعلانَ فيها عن شيءٍ من إخفاقاتي قبل نجاحاتي، وضعفي قبل قوتي، وقلقي قبل سكينتي. أكتب لنفسي قبل غيري، أحاول أن أكونَ منقِّبًا ‏أكتب لأغوص في عوالم الذات. ‏الكتابة الجيدة تتكشف فيها سيرةُ الذات وأطوارُها الوجودية، كلُّ كتابة تعبّر عن تجربةٍ معيشةٍ للكاتب تكون شائقةً بمقدار ما هي شقيّة، مريرةً بمقدار ما هي عذبة.كتاباتي سيرةٌ ذاتية لما تراكم من تجارب وجروح مريرة وخبرات مختلفة عشتُها عبر محطات حياتي المتعدّدة والمتنوعة.

يخطئ من يتوهم أن كاتبَ هذا النصّ يدلي بتوصيات جاهزة لتدريب الكتّاب وتوجيه القرّاء. لا أقدّم أية توصيات، لستُ وصيًا على عقل أحد، يهمني تحريرُ العقل من الوصايات مهما كان القناعُ الذي تتلبس به، ومهما اتخذت لها من تسميات. الكتابةُ الجادة تتطلب ذاتًا صبورة، وعقلًا يقظًا، وإرادة شجاعة، وضميرًا أخلاقيًا حيًّا، وتراكمًا لقراءات نوعية، ومِرَانًا متواصلا.

 

رابط النشر: