علي الوردي ومركزية الشعر في الثقافة العراقية

د. عبد الجبار الرفاعي

لم أقرأ لعالم اجتماع باللغة المتداوَلة في كلام الناس ومحادثاتهم اليومية في مختلف القضايا كعلي الوردي، يكتب بهذه اللغة وهو لا يكفّ عن الإثارة والتحرّش بتابوات الدين والأيديولوجيا والعشيرة والسلطة ومؤسساتها المتنوعة. ويتحرش حتى في انتخاب عناوين كتبه، التي يختارها وكأنها لافتاتٌ تحريضية، مثل: “وعّاظ السلاطين”، “أسطورة الأدب الرفيع”، و”مهزلة العقل البشري”.

علي الوردي يتقن مهارةً إنشائية ينفرد بها، فهو يكتب في السوسيولوجيا والأنثربولوجيا والسيكولوجيا، يصف ويحلّل وينقد مختلفَ الظواهر في المجتمع العراقي بأسلوبٍ مباشر، يفهمه كلُّ الناس، بما يسوقه من أمثال وحكايات وفلكلور، بلغةٍ لا تخلو من تهكّم وسخرية لاذعة أحيانًا،كأنه يتحدث في مقهى قديم يدمن روادُه الإصغاءَ له بوصفه قصاصًا. يختتم الوردي مقدمتَه لكتابه “أسطورة الأدب الرفيع” متهكمًا بقوله: “وصف أحد الأدباء كتبي السابقة كجبة الدرويش ليس فيها سوى الرقع. وأظن أنه سيصف كتابي هذا بمثل ذلك. ولست أرى في ذلك بأسًا، فخير لي أن أكون رقّاعًا أخدم الناس بالملابس المهلهلة، من أن أكون خياطًا ممتازًا أصنع الملابس المزركشة، التي لا تلائم الأجساد ولا ينتفع بها أحد”[1].

لبث الوردي غريبًا، يرفضه المجتمعُ، ولم تتفاعل أيديولوجيات اليسار الأممي والقومي والأصولي مع أفكاره في وطنه. تجلّت غربةُ علي الوردي الأقسى بحضوره في هذا اللون من الثقافة العراقية، ثقافةٌ يتمركز كلُّ شيء فيها حول الشعر، ثقافةٌ متيمةٌ بالشعر إلى الحدِّ الذي قلّما تحتفي فيه بمعرفةٍ أو فكرٍ أو ثقافةٍ لم يمسسها الشعر، ولا يندرج في اهتماماتها أيُّ صاحب منجز فكري إن لم يكن أديبًا وشاعرًا، وغالبًا ما لا تصنّفه على الثقافة، وربما تبخل عليه حتى بعنوان “مثقف”، ولا يدخل في اهتمامها وندواتها ومنتدياتها ومهرجاناتها من لم يكن شاعرًا، أو عاشقًا أو صديقًا أو متذوقًا للشعر والأدب، حتى صار احتكارُ عنوان المثقف في العراق بالشاعر كاحتكار الخلاص في الفرقة الناجية.

لم يكن علي الوردي شاعرًا، ولم يُعرف عنه ارتيادُ منتديات الشعراء، ولم يكتب مديحًا لشعر أو شاعر، حتى تعاطي الشواهد الشعرية شحيحٌ جدًا في كتاباته،كان على الضدِّ من توثين الشعر والأدب وتسيده في الثقافة العراقية. الوردي سبق من قبله، ولم أقرأ لأحد جاء بعده في الثقافة العراقية، مَن يتجرأ على نقد الشعر بأسلوبٍ تهكمي في: “أسطورة الأدب الرفيع”، إذ يكتب تصديرًا لكتابه هذا بقوله: “أهدي كتابي هذا إلى أولئك الأدباء الذين يخاطبون بأدبهم أهل العصور الذهبية الماضية، عسى أن يحفزهم الكتاب على أن يهتموا قليلًا بأهل هذا العصر الذي يعيشون فيه، ويخاطبونهم بما يفهمون، فلقد ذهب عهد الذهب، واستعاض عنه الناس بالحديد!”[2]. لا يكفّ الوردي عن نقدِ الشعر القديم والدعوةِ لتجاوزه، بوصفه مرآةَ العصر الذي أنتجه بكلِّ ما يحفل فيه. بلغت الجرأةُ به أن يزدري “طريقة الاستجداء لكسب العيش”، وطريقة تكسّب بعض الشعراء، ويعلن بصراحة: “إنهم شحاذون، ويدّعون بأنهم ينطقون بالحق الذي لا مراء فيه، والويل لمن يجرأ على مصارحتهم بالحقيقة المرة أو تكذيبهم فيما يقولون”[3].

لم ينشغل الوردي بنقاشاتِ وردودِ التهم المُثارة ضدّه، وثرثراتِ الوعّاظ الذين أغاظهم كتابُه “وعّاظ السلاطين” وكتاباتُه الأخرى، ولم يكترث بهذر بعض الأدباء والشعراء الذين امتعضوا من كتاباتِه المثيرة عن الشعر، وسخريتِه بـ “الأدب الرفيع”. في حالات استثنائية كان يصغي لبعض الباحثين الجادّين، كما فعل مع عبد الرزاق محيي الدين، الذي كتب نقدًا لآراء الوردي في الأدب، فأجابه بسلسلة مقالات نشرها في كتابه: “أسطورة الأدب الرفيع”. يشير الوردي إلى قصة تأليفه كتابه “أسطورة الأدب الرفيع” فيقول: “بدأت القصة منذ بضعة أشهر، حيث كنت قد نشرت في جريدة الحرية بعض المقالات، نعيت فيها على الأدباء تمسكهم بالتقاليد الأدبية القديمة، وقلة اهتمامهم بما يحدث في هذا العصر من انقلاب اجتماعي وفكري عظيم. فهب الأدباء من جراء ذلك هبة واحدة، وأخذوا ينتقدونني ويتهجمون، ويصولون ويجولون. فلم أجد بدًا من الرد عليهم بمناقشة الآراء التي جاءوا بها… ولسوف أقتصر في هذا الكتاب على إعادة نشر مقالات الدكتور محيي الدين وحدها، تلك التي نشرتها في جريدة البلاد، وكان لها صدى بين القراء لا يستهان به. ومقالات الدكتور هذه، والحق يقال، من خير ما كتب في الموضوع. فهي تمثل وجهة نظر جديرة بالدرس والعناية. وأحسبها لا تخلو من أصالة”[4].

كلُّ شيء في الثقافة العراقية متمركزٌ حول الشعر. سرق اغواءُ الشعر أثمن المواهب في جيلنا، ومازال مقبرة للأذكياء، فجيل الأبناء لم يتحرر كليًا من غوايته. لا نحتاج إلى المزيد من هذا اللون الزائف والكتابة الغزيرة فيه وعنه، الذي يسمى خطأ بـ “الشعر”، وهو ضربٌ من الهذيان اللفظي. أغلبُ ما يُكتب ويُنشر عن الشعر تكديسُ كلامٍ على كلام، وليس شعرًا بالمعنى الذي تتكشّف فيه رؤيا مبدِعة، ومعرفةٌ مكتنزة، وبصيرةٌ مُلهمة. نادرًا ما نقرأ اليوم شعرًا يلوح لنا فيه أنه يختصر معرفةً في جملة، وصورةً في عبارة، وجمالًا في لوحة.

بلغ اغواءُ الشعر أن تتمركزَ الثقافة العراقية حوله، وأن تستندَ إليه كمرجعية ومعيار في خلع لقب “مثقف” على كلِّ مَن ينشر شعرًا، بنحو استنزف عقولَ ومواهب شباب مؤهلين للعطاء الثمين في مجالات أخرى. أوقع إغواءُ الشعر هؤلاء الشباب، ممن يفتقرون لموهبة الشاعر، في محاولات للتجريب المتواصل للقصيدة بلا جدوى، من أجل أن تسجل اسماؤهم في لائحة الشعراء. حتى اليوم لم يسجل الشعرُ العربي، فضلًا عن الشعر العالمي اسما لأحد من هؤلاء، على الرغم من ضياع أعمارهم في اللهاث وراء صنعة “شاعر”.كان يمكن لهؤلاء أن يبدعوا في الرياضيات أو العلوم الطبيعية أو الفلسفة والعلوم الإنسانية أو الآداب والفنون الأخرى.

“مركزية الشعر في الثقافة العراقية” الحديثة رسخها الدورُ الطليعي للعراق في تدشين الحداثة الشعرية، بولادة الشعر الحر في أربعينيات القرن الماضي في قصائد بدر شاكر السياب ونازك الملائكة، وغيرهما؛ ما عزّز اختزالَ الثقافة بالأدب خاصة، والمثقف بالشاعر.كلُّ مَن يحلم أن يكون مثقفًا ينبغي أن يكون شاعرًا أولًا وقبل كلِّ شيء. اتسع فضاءُ الكتابة الشعرية لمن لا يمتلكون موهبةً، وأغوى الأذكياء الذين يمتلكون مواهبَ في غير الشعر، ممن تعِدُ مواهبُهم بولادة مثقف كبير، لو شاؤوا أن يتكونوا تكوينًا علميًّا صبورًا. طغيان الشعر في ثقافتنا انتهى إلى تسيّد الكلام وضمور الأفكار، واختباء العقل والغرق في الإنشاء وتكديس الألفاظ. الكلام سلطة، غالبًا ما يوظّف بديلًا لبراهين العقل وحججه في الاقناع والوثوق. الشاعر يمتلك مهارة استثمار هذه السلطة لتسويق وترسيخ أية عقيدة أو أيديولوجيا أو مقولة أو اسطورة، وإن كانت مناهضة لأحكام وأدلة العقل، وحتى بداهاته أحيانًا.

انشغلت الثقافةُ العراقيةُ ببعضِ شعراء القصيدة العمودية إلى الحدّ الذي صارَ فيه كلُّ من يطمح أن يكتسبَ عنوانَ مثقف عليه أن يحفظَ بعضَ قصائدهم المحاكية لشعر العصر العباسي، ويكتبَ عنهم. لم يحضر بدر شاكر السياب كحضور هؤلاء الشعراء، وكأن السيابَ عوقب لأنه تجرّأ على التمرّد على ميكانيكية القصيدة العمودية فكسر تصلبها، ولأنه انتقل بالشعر العربي إلى أفقِ العصر، وذوقِه الفني، ولغتِه الرمزية، وكثافةِ معانيه، واتساعِ رؤيته. الإصرار على القصيدة العمودية يعكس ميكانيكيةَ العقل وتصلبه، وعجزَه عن الإصغاء لديناميكيةِ شعر السياب وأنسي الحاج، وأمثالهما، والعجز عن تذوق تناغم إيقاع هذا الشعر مع لغة ورؤية العصر. تسيّدُ الرؤية التراثية وتسلطُها على اللاشعور الفردي والجمعي هو الذي يجعلنا لا نتذوق إلا قصيدةَ الأزمنة القديمة الغريبة على زماننا.

لا أتبنى كلَّ ما يراه الوردي في الشعر، وليست لدي مخاصمةٌ مع ما هو حقيقي منه، ولا تصفيةُ حسابٍ مع شاعر، وأنا المولع بذلك اللون من الشعر، الذي وصفه هايدغر بقوله: “إن الشعرَ تسميةٌ مؤسِّسة للوجود ولجوهر كلِّ شيء، وليس مجردَ قول يقال كيفما اتفق”[5].

أخيرًا بدأت الثقافةُ العراقيةُ تنفتحُ على الرواية بجدّية وغزارة، وهو تحوّل في الاتجاه الصحيح. ‏الروايةُ الحقيقية تتسع لكلِّ الأجناس الكتابية، وتتغذّى من مختلف المعارف البشرية، الروايةُ الخالدة هي ما تكشف للقارئ أعماقَ الإنسان، وتفضح تناقضاتِه الداخلية. الروايةُ تُفتضح فيها تابواتُ المجتمع، وما تخفيه الأعرافُ والتقاليد والثقافة المحلية، وتفسّر فاعليةَ الهويات المغلقة وتسلطَها، وأثرَها في الثقافة والسياسة والعلاقات الاجتماعية، وأثرَ المخيال في الثقافةِ الجمعية، وأنماطِ التدين وتمثلاتِ الدين المتنوعة في حياة الفرد والجماعة، وينقِّب الروائي الحقيقي في أرشيف اللاشعور الجمعي، والمستور الذي يتكتم عليه ظاهرُ العلاقات في العائلة والمجتمع والدولة، والأهداف المضمَرة للسلطات السياسية والدينية والحزبية والعشائرية.

[1] الوردي، علي، أسطورة الأدب الرفيع، دار كوفان، ط 2، ص 13.

 

[2] الوردي، علي، أسطورة الأدب الرفيع، ص 5.

[3] الوردي، علي، أسطورة الأدب الرفيع، ص 9 – 11.

[4] الوردي، علي، أسطورة الأدب الرفيع، ص 7، ط 2، 1994، دار كوفان، لندن.

[5] هيدغر، مارتن، إنشاد المنادي: قراءة في شعر هولدرلن وتراكل، تلخيص وترجمة: بسام حجار، ص 62، ط1، 1994، المركز الثقافي العربي، بيروت.

 

https://alsabaah.iq/86449-.html?fbclid=IwAR1YhP3aXhxPeLhkJr-lxwhLHUM_z4AcF2mr9kJHipMAbfi6eJK5uIo3nuk

الكتابة بوصفها امتحانًا للضمير الأخلاقي

د. عبد الجبار الرفاعي

‏   نشر شاعرٌ ستيني شهير في بغداد سيرةً بعنوان “شاعر في حياة: ذكريات وأطياف” سنة 2017[1] سبقتْ وفاتَه بخمس سنوات. انتمى هذا الشاعرُ لحزب البعث في فترةٍ مبكرة من حياته، ومنذ انقلاب 1968 عمل في مواقع مهمة بمؤسسات إعلامية وثقافية متنوعة، كان يتنقل من مؤسسة لأخرى، أصبح المديرَ العام لدائرة الشؤون الثقافية في وزارة الثقافة والإعلام، والمديرَ العام للإذاعة والتلفزيون، ورئيسَ تحرير جريدة الجمهورية، وجريدة الثورة، ومجلة ألف باء، ومجلة الأقلام، ومجلة المثقف العربي، وغير ذلك من مناصب. فضلا عن توظيفِ أدبه لمعارك صدام العبثية، مثل روايته الوحيدة: “الصعود إلى سيحان” سنة 1987، والاحتفاءِ بالحرب وتمجيدها. اشتهرت جريدتا الثورة والجمهورية ومجلة ألف باء بافتتاحياتها الغارقةِ في مديح البعث الصدامي، وصناعةِ أسطورة كائنٍ متوحش اسمه صدام حسين.

أتحدّث عن سامي مهدي السياسي، لا أتحدّث عنه كشاعرٍ مبدع وكاتب موهوب. حين أقرأ بعضَ شعره أرى فرادةَ صوته الشعري، وأتحسّس أصداءَ غربة الشاعر وصرخةَ لوعته، وشهيقَ ألم الروح المختنقة بوجودها وزفراتها، والشعورَ العميق بمنفى الذات التائهة في العالم.كأن الكلمات في شيءٍ من شعره لا يمكن أن تتسع لكلِّ ما تستبطنه الذات، وتعيشه كتجربة وجودية. التجربة من هذا النوع عصيةٌ على أن تتكشف كيفيتُها بأيّ جنسٍ من الكلمات. مواقفُه السياسية لا تشبه بعضَ قصائده، لم تكن مواقفُ كاتب “شاعر في حياة” السياسية استثناءً أو شاذة في العراق وغيره. فلاسفة كبار وكتّاب وشعراء من أمثاله تورطوا في الدفاع عن أنظمةٍ قمعية وحكام يضطهدون الأحرار. نذكر مثالًا واحدًا لهؤلاء أورده عبد الرحمن بدوي، وهو الفيلسوف الشهير فرانسيس بيكون “1561-1626” الذي كان (صديقًا حميمًا لايرل اسكس، وسعى هذا بقوة ومثابرة لتوفير منصب رفيع لبيكون، وكان ايرل اسكس مقربا الى الملكة، لكن الملكة رفضت تعيينه في المنصب… وعوّضه ايرل اسكس بأن منحه احدى ضياعه، لكن حدث بعد ذلك بسنوات قليلة أن فقد ايرل اسكس حظوته لدى الملكة اليصابت، واتُهم أسكس بالخيانة. أتدري بمن استعانت الملكة لتبرير الاتهام؟ ببيكون نفسه، ضد ولي نعمته وصديقه الحميم ايرل اسكس! لقد استدعت الملكة بيكون وطلبت منه اعداد صحيفة الاتهام ضد اسكس، فحاول بيكون في أول الأمر أن يعقد مصالحة بين الملكة واسكس لكن لم تفلح محاولته، وأطاع الملكة فيما أمرته به، بل اجتهد في تلمس الحجج وكيل الاتهامات لصديقه وولي نعمته، ولما قدم اسكس للمحاكمة تولى بيكون نفسه مهمة المدعي العام، وكان أعرف الناس بخبايا صديقه، فحكم على ايرل اسكس بالاعدام ونفذ الحكم)[2].

قرأتُ سيرة سامي مهدي من الغلاف إلى الغلاف بشغفٍ كعادتي في قراءة كتب المذكرات والسير الذاتية.كتب هذا الشاعرُ سيرتَه بصيغةٍ خارجة عن السياق الزمني الرتيب للأحداث، لم يتقَّيد بأزمنةٍ ولا أمكنةٍ ولا مراحل عمرية. جذبتني لغتُه في الكتابة البعيدة عن التكلّف والاعوجاج، كان نثرُه طريا كأنه حكواتي ينسج حكاياتِه بسردٍ سهل ممتنع، يتقن الإنشاءَ بشكلٍ يخلو من الصناعة والافتعال، يكتب بلغة الحياة اليومية، كما يكتب الشاعرُ الشهير تي. إس. إليوت. من منظورٍ شعري محض، كان سامي مهدي متفرّدًا في شيءٍ من قصائده، لغتُه المنسابة كموسيقى؛ صورُه الأخّاذة، وشحنةُ الشجن المرهف أيضًا، ولو استقام مع حياة المعاني الزاخرة لترك إرثًا، لا قيمةَ بعده لافتتاحيات صحف المجد الزائف، ولا لخطابات مديح الهباء. أغلبُ نماذج النوم على سرير السلطة، لم تقترب من الشعر. سماءُ الشعر زرقاء وأرضُه بلون الماء، وبين السماء والماء امتدت تجاربُ الشعراء من دون أن ترتكب مجزرةَ التدنيس بالدم. هذه وقائع الشعريين والشعوريين التي كانت ردمًا لا يخلطهم بذوي المواهب، ولكنّ شعريي وشعوريي السلطة الغاشمة المتأخرين أسقطوا حصانةَ الروح المرهفة بلا ندم. تحت تأثير المواقع المتقدّمة، تراجع سامي مهدي مُبكراً عن ضفة الحياد الشعري. لم يكن لموهبته الشعريّة حضورٌ يقلّل من تمادي سلطة صدام بالقتل والفتك، وفقدَ مع غبار الحروب آخرَ مَلَكات الحريّة تجاه صداقات الأدب والثقافة.

لا أنكر حماسي لقراءة كتاب “شاعر في حياة”، غير أن هذا الحماسَ بدأ يخبو كلّما توغلتُ في قراءة صفحات الكتاب إلى أن شعرتُ بخيبةٍ مريرة بعد الفراغ من مطالعته. أكملتُ قراءةَ الكتاب سريعًا، وشعرتُ أن الكاتبَ يستغفل القارئَ بعد أن أسقط من تاريخه الشخصي كلَّ شيءٍ يتصل بالانتماء لحزب حكم العراق سنوات مريرة، وتشبّثه بأيديولوجيا البعث الصدامي حتى آخر يومٍ في حياته، إذ كان حاضرًا بفاعليةٍ في مؤسسات السلطة الإعلامية والثقافية. اندهشتُ من عجزِ هذا الشاعر الذي ينتمي للحداثة الشعرية عن الاعترافِ بأيِّ خطأ في حياته الحزبية في صفوف البعث، وتجاهلِه أية جريمةٍ ارتكبها حزبُه في حكم العراق. حجب سامي مهدي من كتابه كلَّ شيءٍ له صلةٌ بذلك من قريب أو بعيد. “شاعر في حياة” نموذجٌ لشيزوفرينيا مارسها كتابٌ مشاهير التقتْ في نصوصهم الأضداد.كتابٌ يتلمس القارئُ الذكي فيه كيف تختفي النزعةُ الفاشية خلفَ قناع الحداثة الأدبية. استبدَّ بضمير هذا الشاعر الانتماءُ لأيديولوجيا البعث، وأفقده القدرةَ على ذكر أيّ شيءٍ ولو عابر من خطايا نظام البعث الصدامي بحقِّ الشعب العراقي. حاول الكاتبُ ممارسةَ خدعة تمويهٍ تخفي تاريخَه الحزبي عن أولئك الذين لا يعرفونه من قراء الجيل الجديد في العراق.كأنه لم يكن يعرفُ ولائمَ الذبح الصدامية لرفاقه، كمجزرة قاعة الخلد في 22 تموز 1979 بعد 6 أيام من رئاسته، ومجازرِ المواطنين الأحرار في العراق، ولم يكن شاهدًا ومسؤولًا ثقافيًا وإعلاميًا في محطاتٍ متنوعة من مسيرة حزب البعث ونظامه، ولا يرى شيئًا من مذابح صدام وفاشيته المتوحشة. لم يُصدر الشاعرُ كتابَه في زمن صدام كي نلتمس له العذر، أصدر الكتابَ بعد 15 سنة من سقوط نظامه، وبعد 12 سنة تقريبًا من إعدامه.

بعد احتلال صدام للكويت عقد اجتماعًا لكبار المسؤولين في الدولة، وكان (يدعو القوات المسلحة إلى عدم الانسحاب من الكويت بأي صورة: “حتى لو أتاكم كتابٌ موقعٌ من قبل صدام حسين يأمركم فيه بالانسحاب فلا تفعلوا”… رفع الشاعر سامي مهدي ذراعه طالبًا الإذن بالكلام، وأذن له الكائن الأدري الأعلى، صدام حسين. قال: “وماذا يا سيادة الرئيس لو أن الأعداء قاموا بترتيب تصويري كاذب لسيادتكم وأنتم تأمرون الجيش بالانسحاب!”)[3]. يتغنى سامي مهدي بصدام في قصيدة له بعنوان “ولصدام المحبة”، يقول فيها:

“حبنا هو هذا الكثير الكثير القليلُ

حينا السهلُ والصعب، والممكن المستحيل

هو أجمل ما عندنا

وهو أثمن ما عندنا

وهو ما أدخرته القلوبُ لصدام

منذ بدأنا الطريق الطويل”[4].

أيامُ الحصار المرير المفروض على الشعب العراقي يواصلُ سامي صناعةَ الاسطورة فيكتب افتتاحياتٍ لجريدة الثورة بعناوين، مثل: “القائد صدام حسين جدد شباب البعث”، للعدد 9233 بتاريخ 28-4-1997. أورد مؤلفُ “معجم كتاب وأدباء ومؤلفي أم المعارك الخالدة 1990-1998”[5] لسامي مهدي 258 مقالة في هذه السنوات[6]، أكثرُها افتتاحيات لجريدة الثورة يمجِّد فيها صدامَ ونظامَه وأم المعارك وحروبه الطائشة. يتجاهل سامي كلَّ جرائم صدام ومذابحه، ويغضّ النظرَ عن حماقتِه الشنيعة باحتلال الكويت، ومأساةِ الجيش العراقي الذي فرض عليه صدامُ البقاءَ في الكويت مهما كلَّفه ذلك، ثم دعاه لانسحابٍ مذلّ انتهى إلى مذابح مريعة بطائرات وصواريخ ومدرعات التحالف الدولي، بعد أن رفض كلَّ مبادرات الدول العربية وغيرها بالانسحاب السلمي، ويدفع الشعب العراقي اثنين وخمسين مليارًا وأربعمائة مليون دولار كتعويضات لحماقة احتلال صدام للكويت. وكان “آخر منصب شغله هو رئاسة مؤسسة الثورة للإعلام، وعندما أسقط الجنود الأمريكيون تمثاَل صدام حسين يومَ الأربعاء الموافق 9 نيسان/ إبريل، كانت افتتاحيةُ الجريدة الناطقة باسم حزب البعث الحاكم، التي صدرتْ فجر يوم الثلاثاء 8 إبريل، تحمل توقيعَ سامي مهدي”[7].

في شهادته حول شعراء الستينات و”نقد البيان الشعري” يصوّر الشاعر عبد الكريم كاصد موقفًا مثيرًا لسامي مهدي، حين كان ومجموعة من أصدقائه في جلسة مرح وابتهاج، استفزه ذلك وهو يجلس قربهم، يكتب كاصد: (سامي مهدي أغاظه ما رآه من فسحة فرح منحتها لنا سلطته الجادة الدموية المتجهمة، لأنّ مكاننا الحقيقي هو السجن، أو المنفى، “وهذا ما تحقق فيما بعد بأسوأ مما قبل”، وليس موائد الفرح: فجأةً بحركة همجية شرسة مباغتة قطع ضحكنا بعرض ساعته ليرينا أياها معلنًا: إنها ساعة سكرتير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي سلام عادل الذي عُذِّب تعذيبًا وحشيًا لا سابقة له. قال له الصديق الراحل جعفر موسى هذا يعني أنك كنت تمارس دور الجلاد معه. أجابه: كنت حاضرًا التعذيب ولم أمارسه. رد عليه جعفر بل مارسته. ليلة ليلاء لا تُنسى، وجلسة عرس ارتدت حدادها منذ اللحظة الأولى… الجلاد الذي مرّ ذكره، والذي قدم عذرًا أسوأ من فعلته، وهو حضوره ليشهد الصلب أو التصليب أو المذبحة، أو سمّها ما شئت: إنسان معلّق بمروحة سملوا حتى عينيه، فلم يقو حتى على الأنين. كيف لشاعر أن يستمرئ رؤية مثل هذا المشهد المريع! ولم يكتف بما فعله أو رآه باعتباره فرجة دموية نادرة، وإن تكررت في أقبيتهم، بل وفي المنازل والشوارع والساحات. لا لم يكتف حتى بتذكره. إنه يستدعيه ويستعيده ملتذًا، علنًا أمام الجميع، في أي مناسبة تسنح له ملوحًا بساعته، مفتخرًا رغم مرور السنوات التي تبدو أنها مرت بالنسبة إليه سراعًا، وكأنها ساعاتٌ تلوّنتْ بالنصر، واستعادة النصر ثانيةً، وثالثةً، وهكذا هم بالفعل)[8].

التماهي مع آلة الفتك والتدمير، أسكر سامي، الشاعر، فلم يتخفّف من أردية الدم الحمراء حتى الرمق الأخير من حياته، ولو من أجل الشعر نفسه. لا أظن سامي، الإنسانَ الشعريّ، سيخلف سامي السياسي، مهما كان تأريخ الفرادات نديًّا. هذه هي الخسارةُ المرئية والثابتة، خسارةُ الأدب والثقافة والإلهامات. حسناتُ سامي مهدي الشعريّة، سيئاتُ سامي مهدي الشعوريّة؛ حسناتُ وسيئاتُ كلِّ أحدٍ وكلِّ نظامٍ سياسي، لن تنفي، لاحقًا، أن سامي عاش سنوات عديدة ومديدة حرًّا وطليقًا لدرجة لا تُصدق بعد سقوط صدام، تحت ظلال التغيير السياسي الذي جرف نظامَه الديكتاتوري. لكنه، مرّة أخرى، لم يكن يرى حتى هذا الفارقَ المبسّط.

عندما فرغتُ من مطالعة كتاب “شاعر في حياة” فكرت بكتابة مقالٍ عن كيف يموت الضمير الأخلاقي للأديب والمثقف، وكيف يعجز عن الاعتراف والاعتذار لشعبه، وكيف يتجاهل هو وشعراءُ ومثقفون، ممن انخرطوا طوعيًا في جوقة المهرّجين لصدام ونظامه، مأساةَ المقابر الجماعية ومسالخَ البعث الصدامي. منعتني من الكتابة شيخوخةُ الرجل، ووهنُ جسده، ومرضُه، رأيتُ الإجهازَ على جريحٍ عاجز ليس من شيم الكرام. لم يعد هناك ما يمنعني اليوم من التحدّث عنه، بوصفه نموذجًا لموت الضمير الأخلاقي لعددٍ من شعراء وأدباء مازالوا يحضرون بقوةٍ في حياتنا الثقافية، ولم نقرأ اعتذارًا شجاعًا ولو بكلمةٍ واحدة من أحدٍ منهم للشعب العراقي. هذا النموذج معروضٌ للبيع في كلِّ العهود، هناك دائمًا من يقوم بمثل هذا الدور في خدمة كلِّ نظامٍ مستبدٍّ في بلادنا وغيرها، لا يصحو ضميرُ هؤلاء إلى آخر يومٍ في حياتهم. سألتُ عددًا من شعراء وأدباء وكتّاب معروفين، ممن مكثوا في العراق أيام الحروب والحصار ولم يغادروا الوطن، عن نشرِ الشعر في مديحِ صدام وتمجيدِ حروبه، والتزلفِ له ولحزبه في الكتابة، فشدّد الكلُّ على أن هؤلاء كانوا متطوعين، يطمعون بما يعطيه صدام لهم، ويتملقون له ولزبانيته. شعراء وأدباء وكتّاب كبار صمتوا، ولم يكتبوا جملةً واحدة تملقًا أو طمعًا بمال كلِّ تلك الأيام.

سجالات جيل الستينات، أو سلوكياتُ التناحر الجدليّ بين اليسار الشيوعي واليمين القومي، تركتْ آثارًا عميقة على الروح الشعريّة العراقيّة. هذه الآثارُ ستظهر بأوجه عديدة ومتناقضة جدًا. لكن يغلب على جيلها كلّه نزعةُ تمرّد، غالبًا ما أخرجتْ عددًا مذهلًا إلى فضاء المراجعة والتغيير، الذين وُلدوا بلا هذه النزعة انتزعوا، من جانبهم، آخرَ ورقة توت من مواهبهم المبكرة.

الكتابةُ ضربٌ من امتحان الضمير الأخلاقي للكاتب، أسوأ خياناتِ الكاتب خيانةُ دماء شعبه، والتبَجَح بـ “ما ادخرته القلوبُ” من محبة لزعيم متوحش سفّاح كصدام.كما تتطلب الكتابةُ عقلًا يقظًا تتطلب أيضًا ضميرًا أخلاقيًا يقظًا، بعض الكتاب يحاولون خداعَ القراء عندما يكتبون مغالطاتٍ ومراوغاتٍ وتمويهات مفضوحة. ‏ليس المهم أن تكون موهوبًا وحاذقًا ومتعلمًا تعليمًا جيدًا فقط، المهم أيضًا أن تمتلك وعيًا بالعالم من حولك، وتكون حكيمًا، وتمتلك ضميرًا أخلاقيًا يقظًا يحضر بفاعليةٍ حين تكتب.

[1] يكتب سامي مهدي: “وهذا الكتاب ليس سيرة ذاتية، ولا سيرة أدبية، بل ذكريات على هامش السيرتين، وقبسات منهما، طغى فيهما الأدبي على غيره. ويتألف الكتاب من قسمين: الأول يتعلق بذكرياتي الأدبية المتعلقة بشخصي، والثاني يتعلق بأدباء وفنانين كانت لي ذكريات ومواقف معهم، ويكمل القسمان أحدهما الآخر ويضيئه، في ما أظن”.

[2] موسوعة الفلسفة ج1: ص 393.

[3] حيدر المحسن، جنازة سرية لشاعر، جريدة القدس العربي، الصادرة في 11 سبتمبر 2022.

 

[4] سامي مهدي، بريد القارات، ص 129، 1989، دار الشؤون الثقافية، بغداد.

[5] هذا المعجم يتضمن استقراءً واسعًا لمن كتب بتمجيدِ صدام وجرائمِه وحروبِه العبثية.

[6] عدنان رشيد الجبوري، معجم كتاب وأدباء ومؤلفي أم المعارك الخالدة 1990-1998، ج3: ص 719-740، 2000، دار الكتب والوثائق، وزارة الثقافة والاعلام، بغداد.

[7] حيدر المحسن، جنازة سرية لشاعر، جريدة القدس العربي، الصادرة في 11 سبتمبر 2022.

[8]  عبد الكريم كاصد، رهان الستينات: نقد البيان الشعري، ص 40-42، 2022، الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، بغداد.

 

 

رابط النشر:

الكتابة بوصفها مِرَانًا متواصلًا

د. عبد الجبار الرفاعي

‏  فجأةً وجدت ذاتي مولعةً بالمطالعة منذ بداية العقد الثاني من عمري، ووجدتُها بعد سنوات قليلة تحلم بالكتابة وإن كنت أراها أمنيةً شبه مستحيلة، أحسبها صنعةً خاصة ببشرٍ لم يُخلقوا إلا لها، وبعد سنواتٍ من المطالعة تجرأتُ وأقتحمتُها. بدأتُ أكتب حكاياتِ أمي وزميلاتها بلغةٍ تخرجها من العامي إلى الفصيح، وأكتب ما ينسجه خيالي من حكاياتٍ عابرة وقصص قصيرة، لا أتذكر وقتها أني عرضتُ ما كتبتُ على أيّ أحد، أكتفي بكتابتها وأشعر ببهجةٍ لبرهة، وأعود في اليوم الثاني لقرائتها بهدوءٍ فأشعر بالضجر، أحيانًا أدخل حالةَ اكتئاب مؤقت يحرّضني على التعجيل بتمزيقها. تضاعفت المحاولاتُ بمرور الزمان، وتخبّطتُ بفوضى التجريب والتكرار الممل، ممزوجةٌ تلك المحاولات بشغفٍ غريب، يلابسه خوفٌ يبلغ حدَّ الذعرِ أحيانًا، ويأسٍ من النجاح في التجارب التالية.كنتُ دائمَ التفكير بما عليّ فعلُه كي أظفر بخطوة النجاح الأول في هذه الصنعة، قادني تفكيري إلى ممارسة أشكالٍ متنوعة من الكتابة، انتقلتُ فجأةً للشعر، وان كنتُ أنفر من أكثر الشعر الشعبي، ولا أتذوق أحيانًا ما أقرأه في دواوين شعراء كبار. عثرتُ صدفةً على قصائد نثر منشورة في بعض المجلات والصحف، أيضًا لم أتفاعل معها ولم أفهم أكثرَها، غير أنها ورطتني بوهم أن كلَّ إنسانٍ يمكنه كتابةُ الشعر، خاصة إن كان من هذا النوع.كنتُ مستعجلاً فبدأتُ بكتابة ديوانٍ فرغتُ منه أظن بعشرة أيام، اتسع له دفترٌ لا أتذكر عددَ صفحاته، ربما تضمن ما لا يقلّ عن عشرين قصيدة، بعضُها يحتّل عدةَ صفحات من ذلك الدفتر.كلُّ وقتي كان مكرّسًا للشعر تلك الأيام، أكتب القصيدةَ وأعود أشطب وأضيف وأحذف، أقرأ ما أكتب وأعود إليه مرةً بعد أخرى،كلُّ ذلك من دون أن أُخبر أحدًا. أكتب لنفسي، وأقرأ لنفسي، وأحتفظ بدفتري بمكانٍ خاصّ لئلا يراه غيري، وأخدع نفسي بأن ما أكتبه ضربٌ من الشعر ليس بالضرورة أن يمتثل لمعايير الشعر المتداولة. بعد الفراغ من كتابة الديوان تركتُه عدة أيام، رجعتُ لقرائته بتأملٍ وهدوء، لا أكتفي بقراءة واحدة، كنت أعود لأقرأ ما فرغت منه عدة مرات، إلى أن اقتنعتُ أنه هراءُ مراهقٍ غير مخلوق للشعر، استفقتُ من هذا الوهم الذي مكثتُ في أسره عدةَ أشهر، في واحدةٍ من محطات ضياع اكتشاف دروب الكتابة الوعرة، لحظةَ الاستفاقة مزّقتُ الديوان، واثر انزعاجي وحنقي على هوسي بالشعر أحرقتُ ما مزّقتُه، لئلا أعود لمثل هذه المحاولة العقيمة. أشعرني هذا الموقف بشجاعةٍ أمام نفسي، وقدرةٍ على محاكمتها مبكرًا، وفضحِ أحلامها وأوهامها الزائفة.كلُّ ذلك كان يجري من دون أن يعرف به أيُّ إنسان من الأهل والأصدقاء. أبتعد عن الكلّ عندما أكتب، وأخفي عن الكلّ ما أكتب، أمزّق ما أكتبه بعد أيام، خشيةَ أن يُفتضح ضعفي وهشاشتي أمامي أولًا حين أعود لقراءته، وربما أمامهم إن عثروا عليه، وهذه واحدةٌ من أوهام الكمال الزائف الذي كنتُ وأمثالي ضحيتَه من تربيةٍ خاطئة للآباء والأمهات في القرية. العائلةُ ومجتمعُ القرية يعاملاني وأمثالي بأنّا أكبرُ من مرحلتنا العمرية، وذلك ما حرمنا من أبسط احتياجات مرحلة الطفولة، حرمني من اللعبِ والعبث الخلاق الذي يوقظ طاقةَ الإبداع ويرسخها لدى الطفل، وممارسةِ حريتي في التعبير عن احتياجات الطفل البريئة المتنوعة. غطس هذا الحرمانُ عميقًا، أجد حاجةً كامنة في داخلي أحيانًا لشيءٍ مما يلعب به أطفالي، إلا أني لا أجد قدرةً نفسية على ممارستها في عمرٍ متقدّم.

في حوزة النجف قبل 45 سنة طلب منا أحدُ مدرسي أصول الفقه كتابةَ بحث في سياق دراستنا للفقه وأصوله، وأمهل تلامذتَه أسبوعين، كثّفتُ جهودي للمطالعة والكتابة في هذا الموضوع، كتبتُ مقالةً بنحو ثلاثين صفحة، أعدتُ كتابتَها أكثر من مرة، وبعد أيامٍ من تسليمها للأستاذ أعرب عن إعجابه، ونبّهني إلى بعض الثغرات والأخطاء.كانت المرةَ الأولى لوضعِ كتابتي في مباراةٍ مكشوفة، والاحتفاءِ بها بين مجموعةٍ من أقراني.كرّر الأستاذ الطلب من تلامذته الكتابةَ للمرة الثانية والثالثة، حفّزني موقفُه على الاستغراقِ في المراجعة، والتريّثِ بالكتابة، وإعادةِ تحرير المسودات عدة مرات. في المرتين اللاحقتين أعرب الأستاذُ عن اهتمامه وحثّني على الاستمرار بالكتابة. الطريفُ أن هذا المدرس لم يكن يتقن الكتابة، قرأتُ له بعضَ الكتابات بعد ربع قرن فرأيتُها بمثابة الخطب المنبرية، لا تنطبق عليها معاييرُ الكتابة بوصفها “صناعة الإنشاء” كما يعرفها أهل البيان.

في سنة 1978حضرتُ حلقةً لتدريس العقيدة تضمّ نحوَ 25 تلميذًا، كان الأستاذُ فيها الشيخَ أحمد البهادلي، وهو علامةٌ متمكن بعلمه وبيانه، عذبٌ في التعليم، شخصيته جذابة، قرأتُ قبل حضور درسه كتابًا أصدره حول العقيدة يستوعب محاضراتِه في كلية الفقه في النجف، ومنذ ذلك الوقت وأنا أتمنى التعرّفَ عليه والتلمذةَ في حلقات درسه. سمعتُ من أستاذنا في كتاب “معالم الأصول” الشيخ صالح الصالحي ثناءً على البهادلي، وصفه بأنه من أساتذة “كفاية الأصول” الجيدين، الأستاذُ الذي يتقن تدريسَ هذا الكتاب بجدارة مجتهدٌ استنادا للتقليد التعليمي المتعارَف في الحوزة.كنتُ أتطلع لأن يكون شيخُنا البهادلي أحدَ المراجع في النجف، لا أعرف هل منعه زهدُه من التصدي، أو أنه لم يكتشف طريقَ الوصول لمقام المرجعية. في خاتمة تدريسه أخبرنا بأنه يريد امتحانَنا تحريريًا، لم يكن الامتحانُ التحريري متعارفًا وقتئذٍ في حلقات الدرس الحّرة في الحوزة. في اليوم التالي بعد أن امتحن تلامذتَه جاء الأستاذُ بالأوراق غاضبًا،كانت الأوراقُ بيدي غير أنّه لم يوزعها، لعل علاماتِ التلامذة الضعيفة منعته من ذلك. تحدّث لمدة ساعة موبخًا ومنذرًا بالتيه في هذا الطريق لو واصل التلامذةُ التكاسلَ والإهمال والافتقار للجلد والمثابرة، ذكر حكاياتٍ مؤلمةً عن بعضِ رجال الدين الذين لا يكترثون بالتعليم الرصين في الحوزة، ولجوءِ بعضهم لممارسة الشعوذة وخداع العامة. وأردف القولَ بحكايةٍ ملهمة عن مثابرة أخوين كانا في غرفةٍ واحدة بأحد المدارس الدينية بالنجف، في الليل كانا يطالعان تحت ضوء مصباحٍ مُضاء بالنفط، عندما يغفو أحدُهما يضع علامةً على قنينة المصباح الشفافة، ليسعى في الليلة التالية أن يعوّض ما فاته في ليلةٍ ماضية، إن لبث أخوه وتفوّق في ساعات السهر يواصل المطالعة. تألمتُ من توبيخ مدرسنا، ذهبتُ إليه بعد انصراف بعض الزملاء لأعرف نتيجتي، كنت متردّدًا مضطربًا، عندما تكلمتُ ماتت الكلماتُ في شفاهي، غرقتُ بين حياءٍ ووجل من توبيخٍ إضافي، أجابني الشيخُ البهادلي بحماس: لا تقلق، أنت الوحيد الذي حصلت على 100. ظلّ موقفُ أستاذي هذا يمدّني بطاقةٍ مضاعفة كلّما خارتْ عزيمتي، وعشتُ حالةَ وهن، وأدركتني الهشاشة، والشعورُ بالعجز عن الكتابة.

هذه تجربتي الشخصية،كلُّ تجربة من هذا النوع تعكسُ ذاتَ الكاتب، وتنكشف فيها مواهبُ الذات وقدراتُها وأقدارُها وأحوالُها وظروفُها وثقافتُها ونمطُ رؤيتها للعالم ومحطاتُ حياتها.

 

رابط النشر: