الصمت في المدرسة الفيثاغورية

 د. عبد الجبار الرفاعي

فيثاغورس (نحو 570–495 قبل الميلاد) فيلسوف يوناني سابق لسقراط، يعد من أكثر شخصيات الفلسفة القديمة تأثيرًا وإثارة للجدل، إذ امتزجت سيرته التاريخية بالأسطورة، وتداخلت فلسفته مع نمط عيش جماعي وروحي خاص. ولد في جزيرة ساموس في بحر إيجة وعاش في القرن السادس قبل الميلاد، وهو قرن تأسيسي في تاريخ الفلسفة اليونانية، حين كانت الفلسفة أسلوب عيش قبل أن تكون خطابًا نظريًا مجردًا. غادر فيثاغورس ساموس احتجاجًا على حكم الطغيان، وانتقل إلى مدينة كروتونا في جنوب إيطاليا، حيث أسس جماعة فلسفية روحية عرفت بالمدرسة الفيثاغورية، قامت على حياة جماعية منضبطة بشدة، وزهد وتربية أخلاقية صارمة.كان الصمت فيها ممارسة تربوية أساسية يُلزَم بها المبتدئون سنوات طويلة لتأديب النفس وتهذيبها قبل السماح لهم بالكلام والمشاركة.

تقوم فلسفة فيثاغورس على تصور يرى أن العدد هو جوهر الوجود وأساس انتظامه، وأن الكون بأسره يتأسس على نسب رياضية دقيقة وتناغم عددي يشبه ما عرف بالموسيقى السماوية، حيث لا تفهم النغمات الموسيقية بوصفها أصواتًا عابرة، بل بوصفها تجليات حسية لنظام كوني يقوم على التوازن والانسجام، في ضوء هذا الرؤية يغدو العدد لغة الوجود الخفية التي تتكلم بها الطبيعة. وانطلاقًا من هذه الرؤية، اعتقد فيثاغورس أن النفس البشرية قادرة على الارتقاء والتحرر من اضطرابها عبر حياة منضبطة، تتأسس على ممارسة الرياضات التربوية والصمت والتأمل، وضبط الإيقاع الداخلي للإنسان بما ينسجم مع إيقاع الكون، مقرونًا بإيمان بتناسخ الأرواح يربط السلوك الأخلاقي بمصير النفس، ويجعل تهذيب الحياة اليومية شرطًا ضروريًا للانسجام مع النظام الكوني، بحيث لا تنفصل المعرفة عن الأخلاق، ولا ينفصل التفكير عن نمط العيش.

يُنسب إلى فيثاغورس قيامه برحلات إلى بابل، ويُقال إنه اطّلع خلالها على معارف دينية ورياضية وفلكية شرقية، غير أن هذه الروايات تبقى موضع شك ونقاش تاريخي واسع، لأن تفاصيل تلك الرحلات لم ترد في مصادر معاصرة له، وإنما نُقلت في كتابات متأخرة اختلط فيها التاريخ بالسرد الأسطوري، فتداخلت الوقائع الممكنة مع نزعة تعظيمية سعت إلى تقديم فيثاغورس بوصفه جامعًا لحِكَم الأمم، الأمر الذي يجعل التمييز بين ما هو تاريخي وما هو اسطوري في سيرته قضية إشكالية لا يمكن حسمها بيقين. ولا دليل تاريخي يؤكد موثوقية رحلاته إلى بابل، لأن فيثاغورس لم يخلف أي وثيقة مدونة تدل على ذلك، وكل ما نعرفه عنه ورد في مصادر متأخرة تعود إلى القرنين الثالث والرابع الميلاديين، مثل روايات بورفيريوس ويامبليخوس، وهي نصوص تمزج بين السيرة والرمز والأسطورة، لذلك لا يمكن التعامل معها بوصفها وثائق تاريخية مباشرة. هذه المصادر تزعم أن فيثاغورس سافر إلى بابل، وتعلم هناك الحساب والفلك من الكهنة الكلدانيين، غير أن هذا الادعاء لا تدعمه أي وثيقة معاصرة لزمانه، لا بابلية ولا يونانية، ولا يظهر اسم فيثاغورس في أي لوح طيني أو سجل شرقي مكتشف ومعروف حتى اليوم. ما يجعل الرحلة ممكنة من حيث السياق الجغرافي، لكنها غير مؤكدة تاريخيًا.

في المقابل، من الثابت علميًا أن الرياضيات البابلية سبقت فيثاغورس بقرون طويلة، وأن البابليين عرفوا علاقات عددية مكافئة لما يُسمى اليوم “نظرية فيثاغورس”، كما تشهد على ذلك الألواح الطينية العائدة إلى الألف الثاني قبل الميلاد، غير أن هذه المعرفة كانت معرفة تطبيقية عملية تستخدم في القياس والبناء والفلك، ولم تصَغ في صورة برهان تجريدي. من هنا يميل أغلب مؤرخي الرياضيات إلى القول إن إسهام فيثاغورس، سواء اطّلع مباشرة على معارف بابلية أم وصلته عبر قنوات غير مباشرة، لا يكمن في اكتشاف العلاقة العددية ذاتها، بل في نقلها إلى أفق نظري برهاني، وربط العدد ببنية الكون والتناغم والوجود، وهو تحول نوعي ميّز الفكر اليوناني عن تقاليد الشرق القديم، وجعل من “نظرية فيثاغورس” تعبيرًا عن نقلة في طريقة التفكير، لا عن مجرد استعارة من الرياضيات البابلية.

الصمت في المدرسة الفيثاغورية لم يكن امتناعا عن الكلام بوصفه سلوكًا شكليًا، وإنما كان ممارسة تربوية عميقة تهدف إلى إعادة تشكيل ذات الإنسان من الداخل. فيثاغورس فهم الحكمة بوصفها ثمرة نضج داخلي طويل، لا نتيجة غزارة الكلام ولا التعجل بإبداء الرأي، لذلك جعل الصمت عتبة أولى للسير في طريق الفلسفة.

في مدرسته التي تأسست في كروتونا بجنوب إيطاليا، خضع المبتدئون لصمت صارم امتد لسنوات، تذكر مصادر متأخرة مثل بورفيريوس ويامبليخوس أن مدته قد تبلغ خمس سنوات، لا لأن الكلام شر، وإنما لأن النفس لا تتهيأ للإنصات ما دامت أسيرة اندفاعها ورغبتها في الظهور. الصمت هنا يتجلى بوصفه أداة لترويض الذات، وكبح نزعة الاستعراض، وتدريب النفس على الانضباط، وحماية الداخل من الفوضى، كي يتشكل الوعي في أفق السكينة. بهذا المعنى كان الصمت شرطًا لتعلم الإنصات، والإنصات شرطًا لتلقي الحكمة، إذ لا تنكشف المعاني العميقة في ضجيج الأصوات ولا في استعجال الأحكام. كما ارتبط الصمت عند الفيثاغوريين بفكرة السرية، ليس بدافع الغموض، وإنما انطلاقًا من وعي بأن بعض المعارف، خاصة ما يتصل بالعدد وانسجام الكون ونظامه الخفي، تتطلب استعدادًا تربويًا وأخلاقيًا وروحيًا، وأن كشفها لمن لم ينضج داخليًا يفرغها من معناها ويحولها إلى معلومات جوفاء. هكذا غدا الصمت في المدرسة الفيثاغورية فعلًا تربويًا يسهم في بناء الإنسان، ويهيئه للدخول في نظام وجودي متناغم، حيث يتعلم أن الحكمة لا تقال قبل أوانها، وأن الصمت أحيانًا أبلغ من الكلام، لأنه يفتح للإنسان بابًا نحو معرفة تنبع من الداخل، وتترسخ فيه بوصفها أسلوب حياة لا مجرد معرفة عابرة.

كان هذا الصمت تدريبًا مقصودًا لتهذيب الروح قبل تعليم العقل، الفيثاغوريين أدركوا أن العقل لا يثمر حكمة ما لم يستند إلى ذات مصفّاة ومنضبطة. بالصمت اختبر المبتدئ صبره، وتعلم كبح اندفاع الأنا، وتحرير نفسه من الثرثرة والانفعال وردود الفعل السريعة، حتى يغدو قادرًا على الإصغاء العميق لا إلى المعلم وحده، وإنما إلى ذاته والعالم من حوله. لم يكن الصمت عزلة سلبية، وإنما فعل تربية متواصل، يعاد فيه تشكيل العلاقة مع الكلام، فيتحول من أداة استعراض إلى ثمرة نضج.كما شكّل الصمت وسيلة لحفظ سرية المعرفة في زمن لم تعرف فيه الفلسفة التدوين العام ولا النشر المفتوح، إذ جرى تداول الحكمة شفويًا داخل جماعات مغلقة تقوم على الثقة والاختبار الطويل. اعتقد الفيثاغوريون أن بعض الحقائق، خاصة ما يتصل بالعدد وانسجام الكون، إذا انكشفت لمن لم يتهيأ لها، أُسيء فهمها، وتحولت من معرفة محرِّرة إلى أداة اضطراب أو هيمنة. لذلك ارتبط الصمت لديهم برؤيتهم للنظام العددي بوصفه لغة خفية للكون، وبفكرتهم عن موسيقى الأفلاك التي لا تسمع بالأذن، وإنما تنكشف للبصيرة. هذا الإدراك لا يتحقق في ضجيج الجدل ولا في كثرة الكلام، وإنما في صمت اللسان والباطن، حيث يتعلم الإنسان أن الكون يتكلم بلغة التناسق، وأن الإنصات إليه يستلزم صمتًا يوقظ الحس، ويمنح الروح فرصة لمعاينة النظام الكامن خلف الظواهر، فيغدو الصمت شرطا لمعرفة تتجاوز المعلومات، وتتحول إلى نمط عيش وتناغم مع الوجود.

بعد انقضاء سنوات الصمت الخمس كان يُؤذن للمبتدئ بالكلام والمشاركة، لا بوصفه من اكتسب حق النطق فحسب، وإنما بوصفه إنسانًا أعاد الصمت تشكيل ذاته من الداخل، فصار كلامه أشد إيقاعًا، أدق دلالة، أثقل معنى، وغدا امتدادًا للصمت الذي سبقه، لا قطيعة معه ولا نقيضًا له. في هذا الأفق لم يكن الصمت غاية نهائية، وإنما مرحلة تأسيسية تتهذب فيها الذات ليولد منها قول مسؤول، موزون، ومقتصد. مع أن الصمت شكّل أحد أبرز تقاليد المدرسة الفيثاغورية، فإن هذه المدرسة لم تكن جماعة تهمل الكلام أو تقصيه، إذ كان للكلام فيها وظيفة تربوية ومعرفية دقيقة، لا يمارَس اعتباطًا، بل يضبَط بزمانه ومقامه واستعداد المتلقي له، فالكلام لم يكن نقيض الصمت، بل امتدادًا له وثمرة من ثماره بعد نضج الذات وتكاملها. كانت المدرسة الفيثاغورية مجتمعًا مغلقًا ذا نظام صارم، تتكامل فيه التربية الروحية الزهدية مع التأمل الفلسفي العقلي، وتفهم الفلسفة فيه بوصفها نمط عيش متكامل، لا مجرد خطاب نظري، حيث يسبق تهذيب الذات وانضباطها الكلامَ والتعليم، ويغدو الصمت تهيئة لولادة المعنى، والكلام كشفًا محسوبًا عنه، في لقاء يتجاور فيه البعد الديني مع البعد العقلي ضمن رؤية واحدة للإنسان والعالم.

يميز الفيثاغوريون بين فئتين من أعضائهم: الأكوسماتيكوين، الذين يلتزمون بالتعاليم الشفوية والطقوسية ويجعلون الإصغاء محور تكوينهم، والماثيماتيكوين، الذين ينصرفون إلى دراسة الرياضيات والعلوم انطلاقًا من قناعتهم بأن العدد جوهر الوجود ومفتاح انسجامه. الانضمام إلى هذه المدرسة لم يكن متاحًا لكل راغب، وإنما يخضع لاختبارات قاسية تقوم على الجدارة والانضباط والاستعداد الذاتي، تلتزم بحياة يومية زهدية منظمة، يعيش فيها الأعضاء في جماعات مشتركة خارج أسوار المدن، ويلتزمون بقواعد دقيقة في السلوك والملبس والعلاقات. يندرج النظام الغذائي النباتي لهذه المدرسة ضمن هذا الأفق التربوي بوصفه سعيًا إلى تطهير النفس وتهذيب الرغبات، لا رفضًا للجسد ولا عداء للطبيعة، كما أدت الطقوس الموسيقية دورًا في إعادة التوازن الداخلي، عبر إيقاع ينسجم مع تصورهم لموسيقى الأفلاك. اللافت في هذا السياق أن التعليم لم يقتصر على الرجال، إذ أتيح للنساء أيضًا، كما تشهد على ذلك أسماء مثل ثيانو، بما يكشف أن المدرسة الفيثاغورية سعت إلى بناء إنسان متكامل، يتوازن فيه الصمت والكلام، الزهد والمعرفة، الداخل والعالم، في إطار رؤية ترى الفلسفة تربية للنفس قبل أن تكون علمًا للعقل.

انحسرت المدرسة الفيثاغورية نتيجة تضافر عوامل سياسية واجتماعية وثقافية متشابكة، تجاوزت حدود الاختلاف الفكري لتلامس بنية المدينة اليونانية نفسها. فقد نشأت هذه المدرسة داخل جماعة مغلقة ذات نظام أخلاقي صارم وطرق تعليمية وروحية حذرة، منكفأة على نفسها.كل جماعة شديدة الانغلاق، مثل المدرسة الفيثاغورية، تحمل في بنيتها الأساسية بذور فنائها، إذ يتحول الانضباط الصارم مع الزمن إلى جمود، وتغدو السرية التي وضعت لحماية المعنى حجابًا يحجبه، فينقلب ما كان شرطًا للبقاء إلى عامل استنزاف داخلي، ويغدو الانغلاق الذي حفظ كيانها في البدايات سببًا في عجز الجماعة عن التجدد والتكيف مع تحولات الواقع، فتبدأ عوامل الموت تتوالد داخلها قبل أن تأتيها الضربات من الخارج.

انغلاق المدرسة الفيثاغورية الشديد أثار ريبة القوى السياسية في مدن جنوبي إيطاليا، ولا سيما في كروتونا، كما أن انخراط بعض الفيثاغوريين في الشأن العام، وتأثيرهم في التشريع وتوجيه القرار، ولّد شعورًا متزايدًا بالخوف من تحولهم إلى نخبة حاكمة تعمل داخل مجتمع مغلق لا يخضع للرقابة العامة. في مناخ سياسي مضطرب، شهد صعود الصراعات بين الأرستقراطيات والديمقراطيات الناشئة، تحول هذا الخوف إلى عداء صريح، فاستهدفت الجماعة بوصفها خطرًا سياسيًا وأخلاقيًا في آن واحد. إلى جانب العامل السياسي، أسهم الطابع السري للمدرسة في تعميق سوء الفهم حولها.

رأى كثيرون في التزام الصمت، وحفظ التعاليم داخل الدائرة المغلقة، وتقديس النظام العددي، ممارسات غامضة توحي بالتآمر أو السحر، لا بمشروع فلسفي تربوي. هذا الغموض غذى الشائعات، وسهل تعبئة العامة ضد الفيثاغوريين، خاصة في مجتمعات اعتادت الجدل العلني والخطابة في الساحات العامة في المدن. كما أن نمط العيش الزهدي المنظم، والانضباط الصارم في السلوك والغذاء والعلاقات، جعل الجماعة تبدو منفصلة عن الحياة اليومية للمدينة، كأنها كيان قائم خارج النسيج الاجتماعي، لا جزءًا منه.

تزامن ذلك مع تحولات أعمق في الفلسفة اليونانية نفسها، إذ بدأت الفلسفة تنتقل تدريجيًا من كونها نمط عيش جماعي إلى كونها نشاطًا تعليميًا وخطابيًا أكثر انفتاحًا، كما يظهر لاحقًا في الأكاديمية الأفلاطونية والمدرسة الأرسطية. في هذا السياق، فقد النموذج الفيثاغوري القائم على التربية الطويلة والصمت والسرية جاذبيته أمام نماذج فلسفية تتيح النقاش العام والتعليم المنهجي دون اشتراط الانتماء إلى جماعة مغلقة. ومع غياب فيثاغورس نفسه، ثم تشتت تلامذته، ضعفت القدرة على الحفاظ على وحدة المدرسة وتماسكها الداخلي.

لم يؤد هذا الانحسار إلى اختفاء الفيثاغورية من التاريخ، وإنما دفعها إلى التحول من جماعة حية إلى تراث فلسفي وروحي مبثوث في مدارس لاحقة. لذلك أعيد إحياء عناصرها الأساسية في حركة النيوفيثاغورية في القرن الأول قبل الميلاد. النيوفيثاغورية أو الفيثاغورية الجديدة، هي تيار فلسفي روحي ظهر في القرن الأول قبل الميلاد وازدهر في القرنين الأول والثاني الميلاديين، في سياق ثقافي امتزجت فيه الفلسفة اليونانية بالنزعات الروحية الشرقية، ولم يكن حركة مدرسية منظمة بقدر ما كان محاولة لإحياء تراث فيثاغورس وتأويله تأويلًا أخلاقيًا وميتافيزيقيًا يركّز على خلاص الذات وتناغم الكون، إذ نظرت إلى العالم بوصفه نظامًا متناسقًا تحكمه علاقات عددية لا بمعناها الرياضي المحض، بل بوصف العدد مبدأ وجوديًا وروحيًا يكشف عن عقل كوني أعلى، ورأت أن اختلال الأخلاق هو اختلال في النسبة والانسجام، وأن الفضيلة عودة إلى التوازن الداخلي، لذلك جعلت من الزهد والانضباط وتطهير الذات شروطًا للمعرفة لا نتائج لاحقة لها، واحتل الصمت فيها موقعًا مركزيًا بوصفه تربية تكوينية لا امتناعًا سلبيًا عن الكلام، صمتًا يدرّب الإنسان على كبح الأنا وتعليق العجلة وتفريغ الداخل من الضجيج، كي يغدو العقل قادرًا على الإصغاء للنظام الكوني. الصمت يسبق القول ويؤسس له، والمعرفة التي لا تمر عبره تظل سطحية، ولهذا تبدأ التربية بالصمت وتنتهي بالكلام الموزون، حيث يصبح القول امتدادًا للصمت لا نقيضًا له، ويغدو الصمت شرطًا للعودة إلى العالم بوعي أعمق لا انسحابًا منه. عاد الاهتمام بتطهير النفس، والعدد، والانسجام الكوني، ضمن سياق فلسفي جديد يربط الفلسفة بالبحث الروحي الفردي أكثر من ارتباطها بجماعة مؤثرة. في هذا الواقع ظل الصمت حاضرًا بوصفه رمزًا لتقدم الحكمة على الكلام، غير أن وظيفته تغيرت من ممارسة جماعية صارمة إلى دلالة روحية وأخلاقية.

على الرغم من ذلك، لبث الدرس الفيثاغوري حيًا في عمق التراث الفلسفي، إذ تجاوز مصير المدرسة الفيثاغورية بوصفها جماعة تاريخية، ليغدو رؤية ترى أن الحكمة لا تبدأ من الخارج ولا تختزل في براعة الجدل، بل تنبع من الذات، من تهذيب النفس وضبط الرغبات وتكوين الإنسان قبل صناعة الأفكار، وأن أي فكر لا يتأسس على هذا العمل الباطني يظل هشًا، سريع الانكسار، مهما بدا متماسكًا في صيغته النظرية، إذ ينهار عند أول عاصفة خارجية تكشف فراغه الأخلاقي وافتقاره إلى الجذر الذي يمنحه الصمود والمعنى.

تكشف تجربة انحسار المدرسة الفيثاغورية عن توتر دائم بين الفلسفة بوصفها تربية للوعي تراهن على تهذيب الذات وبناء المعنى في العمق، وبين المدينة بوصفها فضاء للصراع والتنازع وتدافع المصالح، حيث لا يحتمل الغموض طويلًا ولا يستساغ المختلف بسهولة. عندما يشتد هذا التوتر وتختار الفلسفة الانكفاء حماية لنفسها، تدفع ثمن عزلتها وتفقد قدرتها على التأثير في المجال العام، بينما تمضي السياسة في تضخيم خوفها من كل ما لا يخضع لمنطقها وقراراتها، فتتحول الحكمة إلى تهمة، ويغدو الصمت تهديدًا، ويقصى التفكير العميق لأنه لا يتكلم بلغة ما تفرضه السياسة الحاكمة، في مشهد تتكسر فيه إمكانية اللقاء بين الفلسفة والمدينة.

 

https://alsabaah.iq/125591-.html

 

صمت الفيلسوف اليوناني سيكوندوس

د. عبدالجبار الرفاعي

أغرب ما قرأت سيرة شخصية يونانية تدعى سيكوندوس الصامت Secundus the Silent، ويصفه بعضهم بالفيلسوف الصامت. تختلط المعلومات القليلة المتاحة في المراجع حول حياة سيكوندس بما صنعه المتخيل. يقال إنه عاش في أثينا أوائل القرن الثاني الميلادي، ويرجح كونه معاصرًا للإمبراطور الروماني هادريان الذي حكم بين 117 و138 م، وقد اقترن اسمه بالصمت حتى غدا الصمت هويته الفلسفية ونمط وجوده في العالم. لا تقدم المصادر القديمة سيرة تفصيلية لحياته، إذ تحيط به طبقة كثيفة من الغموض والابهام، وما ورد عنه يرسم صورة اسطورية أو شبه اسطورية تبلورت في التراث الرهباني المسيحي المبكر، واستقرت في الذاكرة الروحية تجسيدًا للزهد المدهش ونذر الصمت. يرد ذكره في نصوص متأخرة من العصور القديمة والوسطى، خاصة في سرديات رهبان الصحراء وفلاسفة رأوا في الصمت طريقًا للحكمة، ويظهر فيها فيلسوفًا أو راهبًا اختار الصمت طريقًا للمعرفة، ورمزًا لمعنى يرى الحقيقة أعمق من أن تحاط بالكلام، ونموذجًا أخلاقيًا لا شخصية تاريخية محددة. لا تقدم المصادر أدلة موثوقة على وجوده بوصفه شخصًا بعينه، لذلك يرجح أغلب الباحثين كونه رمزًا روحيًا وأخلاقيًا، أو شخصية مركبة استلهمت من خبرات رهبان زاهدين عاشوا فعلًا، وتندرج حكايته مع أمه في الأفق الرمزي ذاته.

لم يكن سيكوندوس هو الوحيد الصامت، بل يتحدث التراث الغربي عن غيره، مثل يوحنا الصامت الذي كان راهبًا من القرن الخامس/السادس الميلادي، وولد في أرمينيا نحو سنة 454م وتوفي قرابة 558م، وكان في بداياته أسقفًا على مدينة كولونيا في أرمينيا الصغرى، ثم ترك الأسقفية سرًا هربًا من الصراعات الكنسية، واتجه إلى الحياة الرهبانية متخفيًا، متنقلًا بين فلسطين وصحراء سيناء، قبل أن يستقر في دير مار سابا قرب القدس. وتذكر سيرته كما نقلها كيرلس السكيثوبولي أنه التزم صمتًا صارمًا امتد سنوات طويلة، وتورد بعض السرديات الرهبانية أن هذا الصمت بلغ نحو خمس وعشرين سنة، بوصفه ممارسة روحية عميقة لا مجرد امتناع عن الكلام، هدفها تهذيب النفس، وبناء الذات، وانارة الوعي، والإقامة في حضور الله. وينبغي التمييز بينه وبين يوحنا الصوّام أو الصائم (John the Faster)، بطريرك القسطنطينية في القرن السادس، الذي اشتهر بالنسك والصيام ولا صلة له بنذر الصمت الطويل، إذ إن الخلط بين الشخصيتين يوقع في أخطاء تاريخية وجغرافية لا يسندها التراث الرهباني الموثوق.

تصور بعض الروايات سيكوندوس بأنه كان غارقًا في صمت أبدي، بعد إقدامه على موقف لاأخلاقي مؤلم ورط فيه أمه وتورط هو فيه، وانتهى بانتحارها، فعاقب نفسه بالصمت عن أية كلمة مهما بلغت أهميتها. تنقل هذه الروايات سبب صمته في سياق رمزي مرير، إذ كانت أمه أرملة في زمن تنظر فيه الثقافة الأثينية إلى الأرامل بوصفهن متشوقات جنسيًا، وكان اقتران ذلك بممارسة الجنس مقابل المال صادمًا للوعي الاجتماعي. ينبغي ألا يُقرأ بوصفه حكمًا أخلاقيًا عن سلوك نساء أثينا، ولا حكمًا معياريًا على الرغبة أو الجسد، بل بوصفه تحليلًا ثقافيًا لبنية مدينة صاغت علاقتها بالجسد واللذة والاقتصاد ضمن أفق رمزي خاص؛ فالإشارة إلى التوق الجنسي واقترانه بالمقابل المادي لا تهدف إلى الصدمة لذاتها، وإنما تكشف عن انتقال الرغبة من مجالها الإنساني الحميم إلى مجال التداول الاجتماعي، حيث يغدو الجسد لغةً ضمن شبكة من العلاقات والقيم والمعاني. الصدمة هنا لا تصدر من الفعل، بل من تعرية المسكوت عنه في الوعي الاجتماعي، ذلك أن المدينة التي تنتج فلسفة العقل والجمال والرموز لا تنفصل عن اقتصاد الرغبة، وإنما تنظّمه وتؤطره وتمنحه رؤية ثقافية مخصوصة. بهذا المعنى، لا يتحدث النص عن انحراف أخلاقي، وإنما عن نظام رمزي يلتقي فيه الجسد بالمدينة، والرغبة بالسوق، واللذة بالمعنى، كاشفًا أن ما يبدو صادمًا للوعي اللاحق كان جزءًا من بنية حضارية لم تفصل بين التفكير والعيش، ولا بين الفلسفة والجسد. القراءة التحليلية هنا لا تدين ولا تبرر إنما تفسر، وتُظهر كيفية تشكل الأخلاق داخل سياق ثقافي تاريخي، وكيفية انتاج المجتمع معاييره من داخل بنيته لا من خارجها، فتتحول الصدمة من حكم أخلاقي إلى أداة لفهم أعمق لعلاقة الإنسان بجسده، ولعلاقة المدينة برغباتها المكبوتة والمعلنة معًا.

مضى سيكوندوس في اختبار أخلاقي مثير مع أمه الأرملة، فتنكر في هيئة فيلسوف ساخر بشعر منسدل ولحية كثيفة، وعرض على أمه من دون أن تتعرف عليه ممارسة الجنس مقابل خمسين قطعة ذهبية، فجاءته الصدمة حين وافقت. تزينت له وأعدت العشاء وتناولاه معًا، وحين دخلا المضجع وسلمته جسدها، لم يقدم على شيء، وأحاطها بذراعه كما يفعل طفل بأمه، وحدق في الثديين اللذين تغذى منهما عندما كان رضيعًا، ثم استلقى حتى الصباح. عند بزوغ ضوء الفجر نهض سيكوندوس وتهيأ للخروج، غير أن أمه أمسكت به واستوقفته قائلة: لماذا امتنعت، وهل فعلت ذلك فقط من أجل إدانتي؟ فأجابها: لا يا أمي، امتنعت صونًا للمكان الذي خرجت منه إلى الحياة. فصاحت في فزع: من أنت؟ فقال: أنا سيكوندوس، ابنك. عندها عجزت الأم عن احتمال وقع الصدمة، ومع أنها لم تبلغ بفعلها حد الفاحشة في منظور ذلك المجتمع، فإن عذابها النفسي وشعورها العميق بالخجل والعار دفعاها إلى إنهاء حياتها، إذ شنقت نفسها. أما الابن فقد وعي أن ما اقترفه مع أمه لم يكن خطأ عابرًا، وإنما خطيئة لا تغتفر، فاستبد به الشعور بالذنب إزاء موتها، وقرر أن يلازم الصمت بقية حياته، طلبًا للتكفير أو استلهامًا للشرط الصارم الذي فرضته المدرسة الفيثاغورية على المبتدئين بالانخراط فيها، وهو الصمت التام خمس سنوات، غير أن سيكوندوس اختار الصمت مدى الحياة، وتحول هذا القرار إلى قدر وجودي صاغ هويته الفلسفية وأودع صمته معنى يتجاوز الكلام[1].

قصة سيكوندوس مع أمه لا تُقرأ بوصفها حكاية فضائحية عن كسر محرَّم، بل بوصفها تمثيلًا رمزيًا مكثفًا للذنب حين يبلغ أقصاه، وللضمير الأخلاقي حين يُنتهك في مستواه المؤسس للمعنى؛ فالأم هنا ليست مجرد شخصية سردية، بل رمز للمنبع الأول للحياة، ولأصل القيم، وللنظام الرمزي الذي تنتظم فيه القرابة والهوية والاستمرارية، لذلك لا يغدو الفعل خطيئة عابرة قابلة للاعتراف أو الترميم، بل هتكًا لبنية العائلة والمجتمع القيمية. لا تأتي استجابة سيكوندوس بالصراخ أو التبرير أو الهروب، بل بالصمت الأبدي بوصفه تحمّلًا صارمًا للمسؤولية. إذ يتحول الصمت من عقوبة اجتماعية مفترضة إلى قرار يفرضه الضمير الأخلاقي؛ وصمت سيكوندوس هنا ليس توبة دينية خالصة، ولا عقوبة جسدية، بل قرار وجودي بتحويل الذنب إلى وعي دائم، يعي فيه الفاعل أن اللغة ذاتها تواطأت مع الخديعة وانتهاك الحرمة حين استُعملت أداة للإغواء، وأن الكلام بعد هذا الحد سيكون انتهاكًا آخر، فيختار سيكوندوس تعليق حضوره اللغوي في العالم، لا إنكارًا للفعل، بل اعترافًا باستحالة قوله، ورفضًا لتحويل الذنب إلى مادة سردية للاستهلاك أو إلى فضيحة قابلة للتداول. هكذا تنقلب القصة من حكاية صادمة إلى أيقونة فلسفية، تكشف أن الصمت، في لحظات قصوى، قد يكون أصدق أشكال الأخلاق حين تعجز اللغة عن استيعاب سعة المعنى.

ما وصلنا عن سيكوندوس يكشف عن اختيار واع للصمت بوصفه موقفًا أخلاقيًا وروحيًا، لا عجزًا جسديًا ولا انسحابًا مرضيًا. يروى أنه امتنع عن الكلام حتى حين استدعاه الإمبراطور وسأله عن سبب صمته، فكان الامتناع ذاته جوابًا، في إشارة إلى أن المعنى يتجلى بالفعل أعمق مما يتجلى بالقول. ينسب إلى سيكوندوس نص قصير تداولته الثقافة اللاتينية والبيزنطية لاحقًا، يعرف بتعريفات سيكوندوس، ويضم أقوالًا مكثفة تعرف الإنسان والحياة والكلام والموت والصمت تعريفًا موجزًا. المفارقة في أن هذا النص المنسوب إلى فيلسوف صامت يقوم على اقتصاد شديد في اللغة،كأن الكلمة ولدت من رحم صمت طويل. الصمت عند سيكوندوس لا ينفي العقل ولا يحتقر الكلام، وإنما يحرس المعنى من الابتذال، ويحتج على عالم يسرف في الكلام حتى يبدد الحكمة. هكذا يغدو الصمت طريقة للعيش، وموقفًا من الوجود، وفعلًا فلسفيًا قائمًا على التأمل، يمنح الفلسفة بعدًا أخلاقيًا وروحيًا عميقًا، يرى أن بعض الحقائق تفسد حين تقال، وأن الحكمة أحيانًا تسكن فيما لا يقال أكثر مما تسكن فيما يقال.

أكره هادريان Hadrian، إمبراطور روما الذي حكم بين 117 و138م، الفيلسوف الصامت على أن يكتب له إجابات عن مجموعة من الأسئلة، بعد أن أضرب سيكوندوس عن الكلام في حضرته. يئس الإمبراطور من نطقه، لم يكترث سيكوندوس حين أمر هادريان بذبحه، فاستلّ الجلاد السيف، وكان على وشك قتله، ومع ذلك ظل صامتًا لا ينطق. عندئذ تعجب هادريان من صلابة عزيمته وقوة إرادته، ونهض قائلًا: سيكوندوس، في التزامك بالصمت فرضت على نفسك نوعًا من القانون، ولم أتمكن من خرق قانونك هذا، الآن خذ هذا اللوح واكتب عليه وتحدث معي بيديك. أخذ سيكوندس اللوح وكتب قائلًا: من جهتي يا هادريان، لم أخف منك ولن أخاف بسبب الموت، لديك القدرة على قتلي، لأنك اليوم حاكم، لكن ليس لديك أية سلطة على كلامي، ولا على الكلمات التي اخترت أن أتحدث بها. قرأ هادريان هذا وقال: موقفك في الدفاع عن النفس جيد، لكن تعال وأجبني في عدد من الأمور الأخرى، لدي عشرون سؤالًا أطرحها عليك، وتوالت إجابات سيكوندوس [2].

هذا هو النص الوحيد المنسوب إلى هذا الفيلسوف الغرائبي، ويقال إن ثمة دليلًا على وجود بردية تعود إلى القرن الثالث الميلادي. لا يوجد النص كاملًا إلا في مخطوطة واحدة من القرن الحادي عشر، فيما تقتصر المخطوطات اليونانية الأخرى على شيء من الأسئلة والأجوبة فقط. أحضر ويلياموس ميديكوس، الذي صار لاحقًا راهبًا في دير سان دوني، المخطوطة الكاملة من القسطنطينية إلى فرنسا عام 1167م، وترجمها إلى اللاتينية بعنوان Vita Secundi Philosophi، فانتشرت انتشارًا واسعًا، كما تكشف عنه كثرة النسخ المتداولة.

وقد أدرج فنسنت دي بوفيه نسخة مختصرة من هذه الترجمة في موسوعته الشهيرةSpeculum Historiale. بغض النظر عن الجدل حول هذه الشخصية، وكونها شخصية أسطورية، أو شبه أسطورية صاغها المتخيل عبر تركيبها من عدة شخصيات واقعية ومتخيلة، فقد أوردناها بوصفها مثالًا مدهشًا للصمت والتربية الروحية والأخلاقية الصارمة. أورد صياغة عربية لإجابات سيكوندوس على أسئلة الإمبراطور هادريان، وإن كنت أظن أن هذه الأسئلة والأحوبة مركبة من حكم معروفة في التراث الديني والثقافي الغربي والعالمي. أنقلها كما وردت في التراث المتأخر المنسوب إليه، بصيغة حكم وتأملات قصيرة، على نمط السؤال والجواب:

سأله هادريان: ما الإنسان؟ أجاب سيكوندوس: كائن يولد بلا اختيار، ويعيش بالوهم، ويموت بالضرورة. سأله هادريان: ما الحياة؟ أجاب سيكوندوس: حلم قصير، بين صرختين.

سأله هادريان: ما الموت؟ أجاب سيكوندوس: راحة لمن تعب، وخوف لمن أفرط في التعلّق.

سأله هادريان: ما الزمن؟ أجاب سيكوندوس: نهر يحمل كل شيء، ولا يحمل نفسه.

سأله هادريان: ما الصديق؟ أجاب سيكوندوس: نفس أخرى تسكن جسدًا غير جسدك.

سأله هادريان: ما العدو؟ أجاب سيكوندوس: صديق لم يعرف نفسه بعد.

سأله هادريان: ما الحكمة؟ أجاب سيكوندوس: أن تعرف مقدار جهلك، وتتصالح معه.

سأله هادريان: ما الجهل؟ أجاب سيكوندوس: أن تظن أنك وصلت.

سأله هادريان: ما الغنى؟ أجاب سيكوندوس: قلة الحاجات.

سأله هادريان: ما الفقر؟ أجاب سيكوندوس: شراهة لا تشبع.

سأله هادريان: ما الأمل؟ أجاب سيكوندوس: مرض جميل يطيل الحياة.

سأله هادريان: ما الخوف؟ أجاب سيكوندوس: ابن الجهل بالمصير.

سأله هادريان: ما السعادة؟ أجاب سيكوندوس: لحظة نسيان للذات.

سأله هادريان: ما الحزن؟ أجاب سيكوندوس: تذكّر زائد لما لا يمكن إصلاحه.

سأله هادريان: ما الصمت؟  أجاب سيكوندوس: لغة الحكماء حين تعجز الكلمات.

سأله هادريان: ما الكلام؟ أجاب سيكوندوس: ستار يخفي أكثر مما يُظهر.

سأله هادريان: ما الفيلسوف؟ أجاب سيكوندوس: من يسأل ليبقى حيًا، لا ليصل إلى جواب.

سأله هادريان: ولماذا اخترت الصمت؟ أجاب سيكوندوس: لأن أكثر الأسئلة لا تحتمل أجوبة، وأكثر الأجوبة تفسد الأسئلة.

اجابات سيكوندوس عن هذه الأسئلة الحائرة درس تربوي ثمين للاقتصاد في الكلمات. إذ يغرق الإنسان اليوم في فائض أسئلة وإجابات المنصات الرقمية، ويتعجل كثيرون للتعليق وإبداء الرأي في كل شيء، وإن كان لا يخصهم بوصفه علامة حضور. في هذا الواقع يصبح الامتناع عن الكلام فعلًا مقاومًا للهوس بالكلام، لا عجزًا عن التعبير، ويغدو الصمت اختيارًا واعيًا.مثلما علّق سيكوندوس حضوره اللغوي بعد إدراكه تواطؤ الكلام مع الانتهاك، يختار الإنسان الحكيم أحيانًا الصمت، إدراكًا لتواطؤ اللغة الرقمية مع التضليل والتسطيح والتعبئة الانفعالية، فيتحول الامتناع عن التعليق إلى احتجاج معرفي يرفض تحويل القضايا الأخلاقية والروحية والمعرفية إلى محتوى سريع الاستهلاك، ويقاوم اختزال التجربة الإنسانية في ردود أفعال آنية. بهذا المعنى لا يكون الصمت انسحابًا من المسؤولية، بل شكلًا متقدمًا منها، إذ يقدم مثالًا تربويًا للاقتصاد في الكلام، ويحمي الحقيقة من الابتذال، ويصون سعة المعنى من الانهيار. صمت سيكوندوس يجد صداه اليوم في كل وعي يفضّل التأمل على الضجيج، والامتناع الذكي عن الانغمار في الثرثرة المستفزة.

[1] عثمان، صلاح، “سيكوندوس: الفيلسوف الصامت! 1-2″، موقع أكاديمية بالعقل نبدأ، 2024.

[2] المرجع السابق.

الصمت مرآة لقوة الإرادة

د. عبد الجبار الرفاعي

إرادة الصمت تتطلب من الإنسان أن يروض ذاته، ويعيد تفريغ انفعالاته في مسارات لا تؤذيه ولا تؤذي غيره. كلما امتلك الإنسان قدرة أوسع على التحكم بانفعالاته، امتلك قدرة أعمق على التحكم بكلامه، وعلى إيقاظ الصمت الذي يكرس الحضور الواعي والامتناع المدروس. التحكم بالانفعالات يدل على ترويض متواصل للشخصية، وعلى ذكاء في تصريف الطاقات المكبوتة نحو منافذ آمنة، لا تترك جروحًا في النفس للإنسان أو لغيره. الصمت الذي ينبع من هذا الترويض لا يولد من ضعف، بل ينبع من قوة داخلية تنمو وتتجذر في لحظات التأمل، وتتحكم باللسان في لحظات التوتر، وتتجلى في المواقف التي تتطلب وعيًا لا ينفعل، وحكمة تحمي الإنسان من الطيش والنزق، وقرارًا لا يُملى من الخارج. مَن يجيد الصمت لا ينسحب من الحياة، بل يعيد بناء كيفية حضوره فيها، ويعيد تشكيل نمط وجوده في العالم، ويمنح ذاته فرصة لوعي أعمق، وتفاعل أنضج، واتخاذ مواقف لا يندم عليها.

الصمت غالبًا أصدق من الكلام، وأقرب إلى جوهر الإنسان الذي ينشد سلام الباطن. الإنصات موقف ذكي، يعكس حضورًا كاملًا، ويقظة لا تشتتها الرغبة في الرد أو الاستعراض أو الانتصار. حين ينصت الإنسان بهدوء يمنح للآخر فرصة في أن يكون، ويعطيه فرصة ليكشف عن ذاته، ويتيح للمعنى أن يتوالد في فضاء مشترك لا يهيمن عليه أحد. الإنصات فضيلة وجودية تعيد ترتيب صلة الذات بالعالم، وتعلّم الإنسان كيف ينصت إلى ذاته وصوته الداخلي، وما يعتمل في أعماقه من أسئلة مؤجلة، وأشواق لا تجد لغتها. في الإنصات يتعلّم الإنسان أن المعنى لا يُصاغ دائمًا بالكلمات، وأن الحقائق لا تدرك إلا حين يتوقف الضجيج، ويستطيع الإنسان أن يصغى إلى ما يتردد في صمت الكائنات، وفي ارتجاف القلب حين يتذوق المعاني التي لا تتسع لها الكلمات.

الصمت استراحة الذهن من الغرق بضوضاء الخارج، وعودة الإنسان إلى سبر أغوار ذاته، حيث تستيقظ منابع الإلهام والفاعلية التي طالما غمرها الضجيج. لا يقتصر الصمت على التوقف عن الكلام، بل يتجلى في فعل إرادي يتطلب عزيمة لا تقهر. إرادة الصمت أصعب من إرادة الكلام، وأعمق من مجرد ضبط اللسان، الإنسان حين يتكلم ينفعل وحين يصمت يتأمل ويشعر بالتواصل الوجودي مع ما حوله. الصمت يعكس قدرة الإنسان على التحكم بانفعالاته، وتحكيم العقل في لحظات التوتر. الصمت لا يعني انسحابًا وهروبًا، بل يعني انتصارًا داخليًا على الضجيج. الصمت ليس ضعفًا ولا انكفاء، وإنما هو تعبير عن يقظة تضيء الوعي. إنه عبور إلى ما وراء الظاهر، إلى حيث تتكلم الأشياء من دون صوت، وتضيء المعاني من غير ألفاظ. لا يتوقف الصمت عند حدود الامتناع عن النطق، إنما يتجسد في فعل إرادي يعكس عزيمة لا تنكسر، وإرادة لا تقهر. يستند الصمت إلى وعي يتجاوز الحاجة للكلام، وحاجة للتوغل في أعماق الذات. إرادة الصمت تنبع من يقظة العقل، وتغلب الإرادة لحظة الغضب، وقدرة على تحكم الإنسان بذاته حين يكون في مواجهتها، لا في مواجهة غيره.

بالصمت يتذوق الإنسان سكينة الروح، التي تجعله يرى الوجود بعيون مضيئة، ويشعر أن المعنى لا يُقتنص من كثرة الكلام، وإنما يولد من لحظة إنصات يلتقي فيها الفكر بالشعور، فيصير الصمت مرآة تعكس ما غاب عن البصر من أنوار البصيرة. هكذا يتحول الصمت إلى فعل إنساني يحرر الوعي من أسر العادة والتكرار، ويعيد للإنسان قدرته على رؤية ما وراء المألوف. بالصمت يكتشف الإنسان أن ضجيج الخارج صدى لاضطراب الداخل، وأن سلام العالم يبدأ من سلامة القلب، فيغدو الصمت طريقًا للسلام، وشجاعة تمكّن الإنسان من مواجهة ذاته.

حين يختار الإنسان الصمت، لا يهرب من العالم، بل يتهيأ للإنصات لما لا يسمع في صخب الكلام، ويمنح نفسه فرصة للعودة إلى ذاته، وايقاظ ما أهمله في أعماقه. الصمت لا يعني الخواء بل الامتلاء، إنه امتلاء بالمعنى، واستعداد لاستقبال ما لا يُدرك إلا في هدوء السكينة. في الصمت تتسع المسافة بين الفكرة ورد الفعل، إذ يجد الإنسان فسحة للتأمل، ومجالًا لإعادة النظر، وفرصة لتصفية الداخل من ردود أفعال التسرع والانفعال. الصمت الحكيم يولد في فضاء الصلة العميقة بالوجود، ويترسخ حين يتعلم الإنسان ألا يقول كل ما يعرف، ولا يرد على كل ما يسمع، ولا ينفعل بكل ما يثير انفعاله. في هذه الحالة يغدو الصمت موقفًا يعكس الحكمة، ومظهرًا من مظاهر السلام، وتجليًا لوعي لا يحتاج إلى الصخب كي يثبت حضوره، ولا إلى الجدل كي يبرر وجوده. الصمت الذي ينبع من وعي الإنسان بذاته، ومن إدراكه لحدود الكلام، هو صمت يحرره من الحاجة إلى الانتصار في كل حوار، ويمنحه طمأنينة لا يتلقاها من كثير من الكلمات.

مَن ينتصر حتى في المعارك، ليس من يصرخ أعلى أو يضرب أسرع، بل مَن يملك القدرة على تهدئة عواصفه الداخلية، وقراءة اللحظة الحرجة بوعي، سواء كانت لحظة حرب أو لحظة سلام. ومَن يدرك ما يتطلبه الواقع الذي يعيش فيه، ويبرع في حسابات الأرباح والخسائر، ويحسن إدارة التسويات حين لا يكون الانتصار ممكنًا، لئلا يخسر كل شيء. الانتصار الحقيقي يتحقق بالقدرة على التماسك في لحظة الانفلات، واتخاذ القرار الذي يحفظ الكرامة ويقلل الخسائر، ويمنح الإنسان فرصة جديدة للبدء من دون أن ينهار كل شيء. مَن يملك وعي اللحظة، ويقرأ ما وراء ظاهرها، يستطيع أن يختار متى يتقدم ومتى يتراجع، ومتى يصمت ومتى يتكلم، ومتى يربح بالصبر ما لا يربحه بالعنف. في هذا المقام، لا يكون الانتصار مجرد غلبة، بل يكون حكمة في إدارة انفعالات الذات، وبصيرة في التعامل مع الواقع، وحنكة في صون ما تبقى، حين لا يعود النصر ممكنًا.

الصمت يدل على موقف حيال الواقع، يمكّن الإنسان من أن يكون فاعلًا لا منفعلًا، حكيمًا لا متهورًا، حاضرًا بكامل طاقته الذهنية والنفسية، لا غارقًا في ردود الأفعال والغضب. حين يختار الإنسان الصمت فإنه لا ينسحب من الواقع، بل يعيد تنظيم حضوره فيه، ويتهيّأ لرؤية العالم في العمق لا في السطح، ويتعامل مع ذاته كما يتعامل مع خصم نبيل: بذكاء، ويقظة. في هذا المقام، يغدو الصمت فعلًا من أفعال الوعي، ومظهرًا من مظاهر النضج، وتجليًا لقدرة الإنسان على أن يوازن بين ما يشعر به وما يعبّر عنه، وبين ما يراه وما يقوله، وبين ما يختلج في داخله وما يختار أن يظهره.

الصمت لا يعني الغياب عن الحياة، بل يدل على حضور مختلف فيها، حضور لا يحتاج الإنسان إلى ضجيج ليؤكد ذاته، ولا إلى ردود حادةكي يبرر موقفه، بل يكفيه أن يصغي إلى المعاني التي لا تنطق بها الألسنة، ويتأمل الإشارات التي لا تبثها الكلمات، ويتلقّى ما لا يصل عبر قنوات التواصل المألوفة. في لحظات التوتر ينتصر مَن يصمت ليدرك الموقف المطلوب، ويصوغ الموقف في ضوء ما يفرضه الوعي والواقع. الصمت بهذا المعنى لا يعكس ضعفًا، بل يكشف عن قوة داخلية لا يمتلكها إلا مَن تمرّن على الإنصات، وتدرب على التجلي بلا صخب، وتعلّم كيف يحضر من دون أن يطغى، ويؤثّر في غيره من دون أن يكرهه على فعل معين.

https://alzawraapaper.com/content.php?id=381349

 

التربية على الصمت

د. عبد الجبار الرفاعي

‏الصمتُ موقفٌ حِيال الصَّخب الذي يملأ العالمَ اليوم. ضجيجُ السيارات والمكائن والمصانع الحديثة، والحروب، وإحراق الغابات واستنزاف الطبيعة، يُجهِدُ السمعَ، ويرهق الذهنَ، ويُشعِر المتلقي بضراوةِ الواقع وشراسته. مضافًا إلى استعمال كلماتٍ ذات دلالاتٍ عنيفة في اللغة المتداولة في الإعلام والثقافة وتطبيقات وسائل التواصل والتخاطب بين البشر، حتى نبرة الأصوات المرتفعة في الحديث بين الناس لا تخلو من الغلظة والشدة.

نمطان للصمت: صمت اللسان، وصمت الباطن.كفُّ اللسان عن الكلام موقفٌ ينشد سكينةَ الباطن، لا يمكن أن يسكنَ الباطنُ مالم يكفّ اللسانُ عن فائض الكلام. لا قيمة لصمت اللسان لو لبث القلبُ يحترق بسموم الكراهيات والضغائن والأحقاد. تدريب الباطن على الصمت يتطلب أن يروّض الإنسانُ نفسَه على الهدوء، ويتخلَّص من الانغمار في المجالس الصاخبة، ويطهّر لسانَه من الكلمات البلهاء، ويقتصد في استعمال الكلمة، ويبتعد ما أمكنه عن الكلام في كلِّ شيء، ويكتفي بما هو نافعٌ وضروري من الكلام، عندما يفرض عليه الموقفُ ولادةَ الكلمة. وقبل تهذيب لسانه وبعده عليه أن يُطهِّر قلبَه من الكراهية، ولا يُطهِّر القلبَ إلا اغتسالُه بالحُبّ.

لا يمكن أن نضع تعريفًا مانعًا جامعًا للصَّمت، مادام صمتُ الباطن حالةً وجودية، والحالات من هذا النوع عصيَّةٌ على استكناه ماهيتِها، وإن كان يمكن توصيفُها، والحديثُ عن نتائجها وآثارها. ذلك ما يجعل الكلامَ حول الصمت أشبه بتوصيف ما يتذوقه العرفاءُ وذوو التجارب الدينية لحظةَ إشراق وتجلي الروح وصفائها، اللغةُ تضيق عن التصور الواضح لكيفياتِ التجلي والتعبيرِ عنها كما هي.

من أثمن ثمرات صمت الباطن قوةُ الإرادة وشحذُ فاعليتها، وقدرتها على جعل الإنسان يتسامي ليحمي ذاتَه من الأنماط المتعدّدة للاستعباد، وإنتاجُ طاقةٍ خلّاقة تمكّن إرادةَ الإنسان من التحرّر من كلّ حاجةٍ ورغبة تمتلكه، وتجعله قادرًا على التحكُّم بكلِّ شيءٍ، من دون أن يتحكم به أيُّ شيء، مهما كان بريقُه وإغواؤه. العرفان في الأديان، خاصة الآسيوية منها، ‏يهتم اهتمامًا ملحوظًا بالصَّمت، ويبتكر رياضاتٍ متنوعة تستقي من الصمت وتستلهم منه طاقتَها. الإرادة تتجذّر وتتصلّب حيثما يكون الصمتُ تمرينًا متواصلًا يفرضه ارتياضٌ روحي، ولا سيّما لو التزم المرتاضُ بالصمت يوميًّا بشكلٍ منتظم.

‏ أن تعيش الحالةَ غير أن تفكر فيها، الصمتُ يمكّن الإنسانَ من أن يعيشَ حالةَ الإيمان والحُبّ والسلام الداخلي ويتذوقها. لا ينشغل مَن يتذوق الحالاتِ بالنظر والتفكير والكلام عنها، كثرة الكلام تفسد التذوق. صمت الباطن حالةٌ يعيشها الإنسانُ في أعماقِه، وهو لا يتحقّق بلا ارتياضٍ متواصل، وتدريبٍ لتحرير النفس وخفض حساسياتها وانفعالاتها وغضبها وأغلالها إلى أدنى مستوىً ممكن، وتطهيرِ القلب من الضغائن والأحقاد. ‏أما صمت اللسان فهو فعلٌ إراديّ تستطيع اتخاذَه الشخصياتُ الصارمة.

‏ صمتُ الباطن يمكن ‏أن يخلِّصَ الإنسانَ من عبوديتِه للمادة، واللهاثِ وراء المتع الرخيصة، والتهافتِ على سرابٍ سرعان ما يتلاشى. عندما يصير الصَّمتُ نافذةً للتأمل الصّبور، يمكن أن يعمل على انبثاق النور في روح الإنسان، ويجعله قادرًا على الإنصاتِ لصوت اللهِ في الوُجود.

الصمتُ الباطنيُّ حالةٌ تكرّس كينونةَ الإنسان وتثريها بالمعنى. هذا النوعُ من الصمت كان الرصيدَ الذي لن ينضب لشخصياتٍ ملهِمة مؤثرة جدًّا في الحياة. من يكتسي هذا الصمتَ يخلع على ذاته هالةً، خاصة إن كان ذا مقامٍ ديني أو علمي أو اجتماعي، فيشعر مَن يتعامل معه بسحرٍ خاص في شخصيته، ويطغى حضورُه حيثما يحضر، وتؤثر شخصيتُه الوقورة فيمن حوله، وإن كان لا يتحدث.

وحده صمتُ الباطن ‏يمكّن الإنسانَ من التوغلِ في الذات واكتشافِ طبقاتها العميقة، والتخفيفِ مما يثقل كاهلَها من أعباء تفوق طاقتَها. إنه صمتٌ تأملي يقظ، يحاور الذاتَ ويستبطنها في مونولغ داخلي تتحدث فيه الذاتُ لذاتِها. ‏وينبعث فيه الذهنُ، ويصفو الباطنُ، وتجد فيه الحياةُ حضورَها الحيويَّ وتتجدّد قدراتُها. ويصيّر شخصيةَ الإنسان عصيَّةً على الإغواء، والتهافتِ على الغرق في المتع الحسية الآنية، والتهافتِ على العلاقات الاجتماعية العشوائية. بالصمت التأملي اليقظ أنجز الإنسانُ كثيرًا من الاختراعات والاكتشافات والإبداعات الأدبية والفنية الثمينة.

من مكاسب صمت الباطن صناعةُ الشخصيات الاستثنائية المتفرّدة الفذّة، القادرة على تحمل الوحدة والتكيّف معها، من دون شعورٍ بحاجةٍ للجري وراء شخص أو أشخاص يحتمي بهم الإنسانُ من الشعور المخيف بوحشة الوجود. يمنح هذا الصمتُ الإنسانَ قدرةً خلّاقةً، ففي الوقت الذي يكون فيه وحدَه، ‏يشعر بصلةٍ حيّة بما حوله، وكأنه واحدٌ من حيث أنه متعدّد، ومتعدّد من حيث أنه واحد.

صمتُ الباطن منبعُ النّور والحِكمة والسلام، إنه جذوةٌ تنتج طاقةً متّقدة تتيح للإنسان السفرَ في رحلة يتوغل فيها للتعرّف على الطبقات الغاطسة لنفسه وما هو مختبئٌ فيها، ومنها ينطلق لاكتشاف الإنسانَ والعالمَ من حوله. مَن يعجز عَن التوغُّل في أعماق نفسه، ومعرفة ما يغوص بداخله، يعجز عن اكتشافِ العالَم، والتعّرفِ على الإنسان المختلِف من حوله. الصمت نافذةُ ضوءٍ للتأمُّلِ والنظرِ بعيد الغور والتدبرِ في الذات، وانبثاقِ الأسئلة الوجودية الكبرى، وكما تنبثق هذه الأسئلةُ في فضاء الصمت يتوالد شيءٌ من إجاباتها في فضائه. هكذا يصير الصمتُ ملهِمًا للمعنى، ولبعض الإجابات المتناغمة مع الواقع لهذه الأسئلة.

‏‏‏‏ تكسر وسائلُ الاتصال الحديثة والتطبيقاتُ المختلفةُ الصَّمتَ. أينما تذهب اليوم تلاحقُك الفضائياتُ، وتطبيقاتُ وسائل التواصل المختلف، وهي تقصفك، بسيلٍ هادر ليلَ نهار، بكلامٍ مكرَّر، مشوبٍ بدعاية مبتذلة. أكثر الأخبار السياسية مريرة، وكثيرٌ ممن يقدمون التحليلات مهنتُهم تكديسُ الكلام على الكلام. بعضهم يتكلَّم بكلماتٍ بلهاء، وكأنَّ مهنتَه أن يحكي، بغضّ النظر عن مضمون ما يقول وقيمته ومصداقيته. ‏تطبيقات وسائل التواصل أتاحت للجميع التحدثَ للجميع، ‏فعندما يحضر إنسانٌ جاهل ثرثار على منصة تطبيقات تضمّ مليارات البشر، يظل يهذي بطريقةٍ تتسبّب بصداع رأس المتلقي. إن كنتَ تقرأ كلماته، أو تستمع إلى أحاديثه، أو ترى ما ينشره من صور وأشكال تعبيرية، تشعر بالقرف.كان مثلُ هذا الإنسان يتحدَّث لعدد محدود ممن حوله في مقهى أو مجلس أو مناسبة اجتماعية، أما اليوم فهو يؤذي مَن يتابعه على منصة هذه التطبيقات. ‏الصمت كان أكثرَ من الكلام في حياة الإنسان، تضخّمُ الديموغرافيا اليوم وازدحامُ الأرض بالبشر، وتراكمُ فضلات المنشئات الصناعية المتنوعة، وهستيريا الحروب، والتغييرُ المناخي، مزّقتْ صمتَ الطبيعة، وقدّمت الكائنات الحيَّة المتوطِّنة في الأرض منذ مليارات السنين قربانًا لعبثِ الإنسان واستهلاكِه الفاحش للموارد الطبيعية، واستئثارِه بكلِّ شيء، وإبادتِه المتوحشة للأنواع الحيّة، بمختلف الوسائل الفتَّاكة. بقايا هذه الأنواع تستغيث فلا تُغاث، فَزَعًا من قهر الإنسان وإبادتِه لما تبقى منها في الأرض. أمست آهاتُ الأرض تستغيث من فَتْكِ الإنسان، وصار إنسانُ اليوم كثيرَ الهذر، وغارقًا في استعمال مختلف الآلات، ومعظمها تصدر أصواتًا، وأغلب تلك الأصوات غريبةٌ على ما يألفه سمعُه. قلّما يجد إنسانٌ اليومَ محطةَ استراحةٍ يحتمي فيها بصمتٍ مُتَأمّل من الضجيج والضوضاء والكلمات الخرقاء.كلُّ ذلك لا يسرق العمرَ فقط، بل يسرق أثمنَ شيء في حياة الإنسان وهو سلامُه الداخلي.

واحدة من خطايا الأيديولوجيات المتفشِّية في بلادنا تجاهلُ التربية على الصمت والتأمل والتفكير والتساؤل، بل تعمل بالعكس على تحريض مَن ينخرط فيها وحثُّه على التحدث في كلِّ شيء وعن كلِّ شيء، بلغةٍ مشبَعة بالوثوقيات والجزميات النهائية. يحفّز الحثُّ على التحدث شهوةَ الكلام بمختلف القضايا، بلا تكوينٍ فكري يوفر غطاءً مناسبًا للحديث.

المؤسسات التربوية والتعليمية، والثقافية والإعلامية، والاجتماعية، والدينية، والحركات السياسية في بلادنا، تنهمك في بناءِ كياناتها بتكرارِ شعارات وكلمات رعناء، وتقيِّم مكاسبَها وتختبر نجاحاتِها في سياق ما تحقّقه من مهرجانات تعبوية واحتفالات ومارثونات وشعارات، وما تراكمه من فائضٍ لفظي لعباراتٍ وكلمات جوفاء، من دون أن ترى فيما تقدّمه منجزاتٍ حقيقية على الأرض لصالح الشعب، ودون أن تكثّف جهودَها لبناءِ الوطن، وحمايتِه من الأخطار.

 

https://alzawraapaper.com/content.php?id=380564

 

 

 

ثناء على ثناء الرفاعي على الجيل الجديد

د. زياد حمد الصميدعي[1]

وقع بيدي كتاب “ثناء على الجيل الجديد”، فقرأته قراءة المتأمل الناقد، فأخذني من عالمي المحدود إلى آفاق رحبة في الفكر التربوي والمعنى الأخلاقي، حتى وجدتني أعود إليه ثلاث مرات، وما زلت أنوي قراءته الرابعة، لما وجدت فيه من غذاء للعقل والروح والقلب، وبوصلة للهداية. طلبت ثلاث نسخ منه لأولادي: إبراهيم ويوسف ومحمد، وهم في مقتبل العمر، ليكون منهاجًا لحياتهم وخارطة طريق لمستقبلهم، ثم عممته على طلابي في الجامعة، ومريدي في مسالك السلوك العرفاني. وإذا كانت رسالة “أيها الولد” لحجة الإسلام الغزالي قد طارت شهرتها في الآفاق، فإن الرسالة التي جددها أستاذي عبد الجبار الرفاعي تحت عنوان “ثناء على الجيل الجديد” جديرة بأن تنال أوسع الانتشار في عصرنا الرقمي الذي تعصف به تحولات الذكاء الاصطناعي، لما تنطوي عليه من قيم ومفاهيم تشبع عطش هذا الجيل إلى المعاني الضرورية لحياته، في زمن يزداد فيه نضوب المعنى، ويصدح بفراغ الروح، وتضيء لهذا الجيل مسالك الوعي والبصيرة، وتؤسس لتربية تستند إلى الرحمة والمحبة والعقل، وتبشر بإنسانية أرحب، وأفق روحي أعمق.

وجدت في “ثناء على الجيل الجديد” رؤية عميقة تستبطن وعي هذا الجيل، وتكشف عن تطلعاته وأحلامه في عالم كوني متعدد ومفتوح، ورأيت فيه إدراكًا نافذًا للمخاطر المستقبلية وللتحولات الكبرى الفكرية والعملية التي لم تعد المناهج التقليدية في بيئاتنا المغلقة، ولا الوعي الموروث، قادرين على استيعابها أو الإحاطة بها، بعدما اتسع الفرق بين عالم الأمس وعالم اليوم، حتى غدا شاسعًا مترامي الأطراف. بدا كتاب عبد الجبار الرفاعي محاولة جريئة للتوفيق بين ماضينا الذي يشدنا بجذوره، ومستقبلنا الذي يلح علينا بنداءاته، وإن كان ذلك عسيرًا، غير أنها محاولة تربوية ناضجة، تحمل بذور الأمل، وتبشر بالتجديد في طرائق التربية والتعليم، وتغرس في عقول الناشئة ووجدانهم عناصر الثقة والقوة، وتوقظ فيهم الرغبة الصادقة في غدٍ أجمل، غدٍ يتكامل فيه التسلح بالقيم الروحية والأخلاقية والجمالية، مع مواكبة التقدم التكنولوجي المتسارع إلى جدًا، ليولد إنسان جديد أكثر وعيًا بذاته، وأقدر على العيش في هذا الكون الرحب.

في الأيام القادمة سنجتمع في ورشة عمل لمطالعة كتاب “ثناء على الجيل الجديد”، وسأدعوا طلابي في الجامعة إلى قراءته، لا كأي كتاب عابر، بل كما لو كان امتدادًا وتجديدًا لرسالة “أيها الولد” للغزالي، وقد أعيدت صياغتها بروح جديدة، ورؤية تتناسب وزمانكم الرقمي، مدونة بلغة إيمانية وأخلاقية وإنسانية تعجز عنها ألسنة كثير ممن يتحدثون عن الدين، أو يحاولون مخاطبة الجيل الجديد بلغة تراثية لا تشبهه. عبدالجبار الرفاعي أبدع في كتابة رسالته التربوية، حتى غدت نداءً صادقًا تنصت إليه القلوب، ويوقظ العقول، ويعيد وصل الروح بندائها الأخلاقي والإنساني.

إن “ثناء على الجيل الجديد” ليس مجرد كلمات على الورق، بل هو مشروع تربوي حيّ، يمكن أن نجعله منهجًا عمليًا نهتدي به في بيوتنا وجامعاتنا ومؤسساتنا، ونحوّله إلى واقع نعيشه في إعداد الأبناء وتربية الأجيال. إنه خلاصة حياة فكرية تربوية امتدت لنصف قرن في دراسة الفلسفة وعلوم الدين وتدريسها، وإنتاج علمي تجاوز أربعة وخمسين كتابًا، وتجربة ثرية تنقلت بين الحوزة والجامعة، ومجالس البحث والتعليم والتربية، وهو قبل ذلك كتاب أبٍ ومربٍّ، يعترف بتواضع نادر أنه “تعلم من أبنائه أكثر مما تعلم من آبائه، وتعلم من تلامذته أكثر مما تعلم من أساتذته”، كما دوّن ذلك في صفحة الإهداء. من هنا فإن كتاب: “ثناء على الجيل الجديد” يقدَّم إليكم أبنائي لا ليُقرأ فحسب، بل ليكون دليلًا يرشدكم، ومنارةً تنير لكم الطريق في زمن يموج بالتحولات، ويحتاج إلى بوصلة أخلاقية وروحية وجمالية، تحفظ إنسانيتكم وأنتم تعبرون نحو المستقبل.

يكشف الرفاعي في مقدمة “ثناء على الجيل الجديد” عن مقصده من تأليف الكتاب، فيقول: “أحاول في هذه الأوراق تقديم رؤيتي الشخصية، وإن كنت أعرف سلفًا أنها لا تعكس رؤية جيلي، ولم أمنح نفسي الحق في الكلام نيابة عن أي إنسان في الأرض. إنها رؤية شخصية لأب لديه عائلة تشكلت قبل نصف قرن تقريبًا، تتكون من: (أم وأب، وابنتين، وأربعة أبناء)، أصغرهم تجاوز الثلاثين من عمره، وقد أكملوا تعليمهم العالي، فتحصل بعضهم على الدكتوراه، وآخرون على الماجستير. لا أفتقر لمعرفة الجيل الجديد، فأغلب علاقاتي وأحاديثي وحواراتي معهم، وهم الأقرب إليّ، يعرفون جيدًا قربي منهم ومحبتهم، وفهمي لنمط حضورهم في العالم الجديد. عملت في التعليم أكثر من أربعين سنة، وما زلت أقرب إلى رؤية جيل الأبناء من رؤية جيلي، وذلك ما يدعوني للكتابة عن هذا الجيل، وتثمين منجزه اليوم وما يعد به غدًا”.

“ثناء على الجيل الجديد” يعكس مسيرة فكرية وتعليمية وتربوية وأخلاقية وروحية ممتدة، تتجلى فيها خبرة التعليم، وتجربة الحياة، ورؤية تسعى إلى تحويل الفكر إلى ممارسة، والمعرفة إلى تربية، والكلمة إلى قدوة. إنه ليس كتابًا يُقرأ فحسب، بل دليل عملي يستضيء به الأبناء والآباء، والطلاب والمعلمون، وكل من ينشد المعنى في عالم سريع التحولات. اللافت أن الرفاعي أفرد الفصل الرابع من كتابه لموضوع: “الصمت الحكيم”، ليكشف فيه عن الصمت بوصفه رافدًا من روافد البصيرة يغذي الروح بالمعنى، في وقت يعيش فيه الجيل الجديد وسط عالم صاخب بتطبيقات وسائل التواصل ونماذج الذكاء الاصطناعي، عالم تتشظى وتذوب فيه المعاني، وتغرق حياة الإنسان موجات اللامعنى التي تعصف بوجوده وتضاعف غربته.

[1] أستاذ فلسفة القانون في الجامعة العراقية ببغداد.

 

https://al-aalem.com/%d8%ab%d9%86%d8%a7%d8%a1-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%ab%d9%86%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%81%d8%a7%d8%b9%d9%8a-%d8%b9%d9%84%d9%89-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%8a%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%af%d9%8a%d8%af/

مَن يعجز عن الإنصات يعجز عن الصمت

د. عبد الجبار الرفاعي

بين الصمت والإنصات صلةٌ عضوية، مَن يعجز عن الإنصات يعجز عن الصمت. أعرف بعضَ الأشخاص عندما تتحدث معهم لا يسمحون لك بإكمال حديثك في أية قضيةٍ تتكلم فيها، يعجزون عن الإنصات لغير أصواتهم. لو تكلمتَ معهم، سرعان ما ينتزعون الكلامَ منك، على الرغم من أنك لم تستوفِ ما تريد، فيمتطون صهوةَ الكلام. لو حاولتَ الإصرارَ على التحدّث، يُضربون عن الكلام، إلا أنهم لحظة يُضربون لا ينصتون، بل يغيبون ذهنيًا عنك، ويشعرونك أنهم غرقوا في منطقة ظلام، وكأنهم يمارسون نوعًا من عقابك بالإضراب عن الإنصات، لئلا تتجرأ على النطق بكلمةٍ مستقبلًا في حضورهم. ‏مَن يتكلم بطريقةٍ يحتكر فيها الكلام، من دون أن يسمح للمتلقي بالمشاركة، يضمر في داخله أن التكلمَ يليق بمقامه، الإنصاتُ يليق بمقام المستمِع، الأستذة تليق بمقامه، والتلمذة تليق بمقام المستمِع. ‏وهو نوعٌ من الاستبداد والعنف الرمزي، الذي يلغي أيَّ شكلٍ من أشكال التواصل والحوار بين المتكلّم ومَن يجب عليه الإنصاتَ له.

‏الصمت يمكّن الانسانَ من الإنصات إلى الذات، بوصفة مقدمةً ضرورية للإنصات للآخر، وإيقاظِ عناصر الحياة، وتغذية روافد تصلب الإرادة، وتوكيد الثقة في الذات. ‏الحوار أثرى فنونِ العيش المشترك، وإدارةِ شبكات المصالح، وحلِّ المشكلات، وبناءِ التسويات في الحياة الاجتماعية. الحوارُ يختلف عن إصدار الأوامر والإملاء المفروض إكراهًا على المستمِع. إرادةُ الحوار شرطُ التواصل، ‏وبناءِ الثقة، واحترامِ أحد الطرفين للآخر. الإنصاتُ شرطُ الحوار، الحوارُ يعني إعلانَ المساواة بين المتحدّثَين، والتكافؤ في الحقِّ في الحديث وإبداء الرأي. غيابُ الإنصات يعني غيابَ الحوار، وتحولَ كلام المتحدّث إلى أوامرَ إنسانٍ يفرض تسلّطَه على مَن يتحدّث اليه، ويمتنع من الإنصات لما يقوله. التنكر لحقِّ مَن تتحدث إليه بالحوار يعني التنكرَ للحقِّ في الاختلاف، والتنكرَ للحقِّ في الخطأ. الإنصاتُ نافذةُ ‏الحوار، الحوارُ أداةٌ تمكّن المتحاوريَن من التعرّف على الوجوه المتعدّدة للحقيقة. ‏وجوهُ الحقيقة والطرقُ إليها متنوعة، النظرة الأُحادية ترى وجهًا واحدًا للحقيقة، ولا ترينا هذه النظرةُ بالضرورة صورةَ الحقيقة بوضوح. يحتاج اكتشافُ الحقيقة التعرّفَ على وجوهها المتنوعة، وذلك ما نراه بجلاءٍ في النظر المشترَك للمتحاورين.

الإنصات يعني تذوقَ لذة الصمت، الصمت معلّم من لا معلّم له، الصمت نافذةُ الضوء لاستكشاف مديات الأنا الباطنية العميقة وإثرائها بالمعنى. الإنصات يعني إرادةَ التعلّم، وعدمَ الاستخفاف بعقل وشخصية المتحدّث. الإنصات يعني إرادةَ التهذيب والفضيلة، ويعني عدمَ الاستخفاف بعقل وكلام وشخصية المتلقي. الإنصاتُ يعني إرادةَ العيش معًا، وقبولَ التنوع الديني والإثني والثقافي، واحترامَ كرامة الإنسان المختلِف. الإنصات يعني التأملَ والتفكيرَ المتمهل، وتمحيصَ الكلام، وإرادةَ الصواب، وتجنبَ الوقوع في الهفوات والأخطاء قدر الإمكان. الإنصات يفضي الى استكشاف مديات الأنا الباطنية العميقة، وإثرائها بالمعنى.

إننا مدعوون جميعًا الى حمايةِ الأجيال الجديدة من داء الثرثرة المتفشّية في مجتمعنا، وإعادةِ الاعتبار للصمت والتأمل والتفكير المتمهل، وكلّ ِما تتوغل معه الذاتُ في عالمها الجواني، وتسبر أغوارَها، وتستكشف مدياتِها البالغة الخصوبة والثراء. هناك حاجةٌ ملحة لتنمية ثقافة ما يمكن تسميته بـ “اقتصاديات الكلام”، التي تعالج ما يتصل بكمية الكلام وكيفيته، وشكله ومضمونه، ونغمات الأصوات، والكفِّ عن الصوت الأجَشّ، والكلمات العنيفة المتوترة، وكلّ ما له علاقة بذلك، مثل: أنماط إنتاج الكلام، ورأسماله، وادخاره، وقيمته، وريعه، وقيمته، وتداوله، وتسويقه، وسوقه، وغير ذلك من اقتصادياته. وكل ما يُمكّننا من إتقان ما ينبغي وما لا ينبغي قولَه وتداولَه من كلمات، وما يمنحنا القدرةَ على الكفِّ عن الشقشقات اللغوية، والرطانات اللفظية، والكلمات المفرَغة من أيِّ مضمون، من كلماتٍ شفاهية، وكلماتٍ مكتوبة.

يجب أن تستوعبَ خططُ وبرامج التربية والتعليم في مجتمعاتنا تدريسَ “اقتصاديات الكلام”، و”فن الإنصات”، و”الصمت الحكيم، وأن تهتمّ بالتدريب عليهما في برامجها التربوية والتعليمية، في مراحل التعليم المختلفة، والتعليم الأساسي خاصة، منذ مرحلة رياض الأطفال الى نهاية التعليم الثانوي. “اقتصاديات الكلام”، و”فن الإنصات”، و”الصمت الحكيم”، تفرضها ضروراتٌ تربوية وتعليمية وذوقية وروحية وأخلاقية وعقلية، وتفرضها حالةُ انهيار القلب والروح والذوق والعقل، في فضاء ضجيج هذيان وهذر معظم السياسيين، وبعض رجال الدين، والكثير من الإعلاميين، وجماعة ممن يسمون أنفسَهم بالشعراء والأدباء والمثقفين.

تسود المجتمعاتِ العالقة في تاريخها، ومنها مجتمعنا، حالةٌ من الشغف بالكلام بلا معنى، تصل لدى البعض حدّ الهذيان. يتكلمُ الكلُّ في كلِّ شيء، بعض الزعماء السياسيين يتحدث في: الفلسفة واللاهوت والفقه والتفسير والأدب والفن والتاريخ والسياسة والاقتصاد والقانون والعلوم والمعارف المتنوعة. يولع بتكرار أسماء فلاسفة ومفكرين وأدباء وفنانين، لا يعرف عنهم في الغالب شيئًا يتجاوز الاسم، وربما يتلفظ الاسمَ خطأ. وحين يشير إلى معلومةٍ تتصل بهم، غالبًا ما يخطئ فيها،كما سمعتُ ذلك عدة مرات.كأن السلطةَ السياسية تفوّض صاحبَها التحدّث بكلِّ شيء عن كلِّ شيء، وكأن ما تراكم من معارف بشرية في تاريخ العلم المتواصل آلاف السنين، يمنح فجأةً سلةَ العلوم والمعارف والفنون والآداب لمن أضحى متسيّدًا على كرسي السلطة بوصفه “الرجل الضرورة”.

لم ينتفع كثيرٌ من سياسيينا، الذين عاش معظمُهم في الغرب، ويفترض أنهم تشبعوا بمناخات الديمقراطيات الحديثة في تلك البلدان، واكتشفوا شيئًا من قيمة التخصّص وأهميته في تطور البشرية، وامتدادها عموديًا، واتساعها أفقيًا. لم ينتفعوا من خبرة العصر في ضرورةِ احترامِ التخصّص، والحذرِ من التعالُم والحذلقة الفارغة بمقام أهل العلم، ومن المعلوم أن المتحدثين في الفضائيات اليوم تتجه أحاديثُهم لمختلف الناس، يتحدثون دائمًا في مقام أهل العلم والخبراء. لم يتعلم هؤلاء أن المجتمعات المتقدّمة تفكّر أكثر مما تتكلم، وتعمل أكثر مما تتحدث، وتصمت أكثر مما تهذر، وعادةً ما يقتصر المتحدثُ السياسي في تلك المجتمعات على اختصاصه، وعادةً ما يعود الى الخبراء فيما لا خبرةَ له فيه، ويقتصد بما هو مطلوب من كلام، بلا خطب جوفاء وضوضاء وضجيج.

نحن ننهمك بتعويضِ الفعل بالثرثرة، واستبدالِ التفكير بالهذيان، حتى لو شئنا أن نفكّر فإنا نغرق في بحر الألفاظ، ولا نذهب للتفكير بـعمق في المفاهيم. مؤسساتنا التربوية والتعليمية والدينية والثقافية والإعلامية والاجتماعية، تنهمك في بناء كياناتها بالأوراق والشعارات والألفاظ، وتقيِّم مكاسبَها وتختبر نجاحاتِها في سياق ما تحقّقه من مهرجانات واحتفالات ومارثونات وشعارات، وما تراكمه من عبارات وكلمات، من دون أن تنظر فيما تقدّمه من منجزات حقيقية على الأرض.

أخبرني أستاذ جامعي صديق عاش سنوات طويلة في ماليزيا، وتكونت لديه علاقاتٌ طيبة مع عائلات في ذلك البلد، قال: “اطلعتُ على حياة بعض العوائل الماليزية من الداخل، فرأيت الزوج والزوجة ربما لا يتحدثون في كل ساعات اليوم إلا بكلمات قليلة لتأدية الاحتياجات الضرورية للحياة، وربما تمر ساعات عديدة بلا أن يتفوه أحدهما بكلمة”. في البلاد العربية تشير بعضُ البيانات إلى أن العربَ هم الأقلّ صمتًا والأكثر كلامًا في الهاتف مقارنةً بغيرهم، وهم الأقلّ إنجازًا مقارنةً بالمجتمعات القليلة الكلام[1]. تشير بعض الدراسات إلى أنه في الأمريكتين مثلًا يتكلمون بمعدل 7000 كلمة في اليوم، أما العرب فهم الأكثر كلامًا، فمثلًا المرأة المصرية تتكلم في اليوم أكثر من 24000 كلمة، والمرأة الأوروبية تتكلم في اليوم أكثر من 10000 كلمة، والمرأة الآسويه تتكلم في اليوم أكثر من 7000 كلمة، والمرأة الأمريكيه تتكلم في اليوم اكثر من 4000 كلمة. المجتمعات الصامتة مجتمعات يسودها السلامُ والأمن العائلي والمجتمعي، اليابانيون والآسيويون صامتون، منشغلون بالعمل والإنجاز، يسود حياتَهم العائلية والمجتمعيةِ الأمنُ والسلام. الصمت أحد التقاليد الراسخة في الثقافات المحلية والفضاء الميتافيزيقي الآسيوي.

[1] صحيفة الرياض، العدد 16983، الصادرة بتاريخ 23 ديسمبر 2014م.

 

https://alsabaah.iq/98211-.html

 

 

 

إرادة الصمت أصعب من إرادة الكلام

د. عبد الجبار الرفاعي

تكمن قوةُ الصمت الحكيم في أنه يمنح الإنسانَ إرادةً تتصلب بمرور الوقت، وتجعله قادرًا بسهولةٍ على الحضورِ المكثَّف في ذاته، والكفِّ عن إهدار طاقته في الانغمار في لُّجة الناس وأحاديثهم المملّة، ولجوئهم للتكلم باستمرارٍ عن كلِّ شيء. الصمت الحكيم يسافر بالإنسان داخل الذات، ويتوغل فيها ليكتشف طبقاتِها العميقة، ويسبر أغوارَها. هذا الصمت يخفض القلقَ الوجودي، والخواءَ الروحي، والشعورَ باللامعنى. الصامتُ مشغولٌ بنفسه، مَن يتكلم كثيرًا مشغولٌ بغيره، مَن ينشغل بنفسه يكفُّ أذاه عن غيره، ونادرًا ما يلجأ للعنف في حلّ نزاعاته وإدارة مشكلاته. كلما ازدادت ثرثرةُ المجتمعات اشتدّت وتيرةُ العنف الرمزي واللفظي والجسدي فيها، وانخفض لديها الإنجازُ الفردي والناتج القومي.

ما يتعلّمه الإنسانُ من الصمت الحكيم في أغلب المواقف لا يتعلّمه من الكلام. الصمت يعكس حالةَ هدوء الذات وسكينتها، يتخذه كثيرٌ من العرفاء في الأديان، خاصة الهندية والآسيوية، ‏طريقةً لتسامي الذات، والارتقاءِ إلى طورٍ وجودي أكمل. ارتياض العرفاء في تلك الأديان يشدّد على الصمت على وفق برنامجٍ يتكرّر يوميًا. الإنسان كائنٌ مسكون بالأسرار، الصامت يوحي لمن حوله أنه إنسانٌ يختزن الأسرار، فيصنع له هالةً تجذب إليه بقوةٍ مَن يتعامل معه، ويستطيع أن يؤثر فيه أقوى ممن يثرثرون معه باستمرار. قوة الشخصية وسحرُ تأثيرها لا تظهر دائمًا بما تبوح به، بل كثيرًا ما تتجلى بما تختزنه ولا تبوح به.

الصمت الحكيم يوقظ في الإنسان إمكانيةَ تذوق جماليات الطبيعة، ويجعله يتحسّس نقاءَ الأشياء قبل أن ينهكها التلوث، وعبثُ الانسان وتخريبُه، وينقذه من ضوضاءِ ثرثرات أكثر البشر، وانشغالهِم اليومي بالكلام لأجل الكلام، وإهدارِهم القيمةَ الثمينة للزمن. من ثمرات الصمت ضبطُ ميزانة الزمن، والاقتصادُ في إنفاقه بتدبير، وتنميةُ قدرات الإنسان على إدارة أعماله بواقعية، والتحكمُ بالأولويات، وتقديمُ ما هو أهمّ على المهم، والعنايةُ بما تفرضه احتياجاتُه الضرورية، واكتشافُ ما يمنح حياتَه المعنى الذي يعزّز سلامَه الداخلي، ويخفضُ إيقاع قلقه وشعوره بالاغتراب.

يهرب أكثرُ كبار السن من المتقاعدين وغيرهم من المدن الكبيرة الصاخبة ويلجؤون للأرياف، من أجل الانغمارِ في سكينةِ الصمت، وبهجةِ قراءة الطبيعة وتأملِ ألوانها المرسومة على شكل لوحات خلّابة، والإنصاتِ للغة الأرض وحديثها عن عطائها وسخائها اللامحدود، وفهمِ مناشدة الأرض بضرورة رعايتها، والحدِّ من الجور عليها، واستنزافها وتخريب توازنها الحيوي وفسيفسائها المدهشة. تدعو الأرضُ الإنسانَ للإنصات لما تلهمه أشجارُها ونباتاتُها وأزهاُرها وطيورها وكائناتها المتنوعة في البرّ والبحر، من معانٍ تحرّر الذاتَ من وحشتها في الوجود. مَن يريد أن يواصل تعلّمَه إلى آخر يومٍ من حياته عليه أن ينصت لصوت الأرض.كلُّ شيء يلتقيه الإنسانُ في حياته يمكنه التعلّم منه، إن أصغى بهدوءٍ للغة الخاصة الناطق بها. كلُّ شيء يتأمله الإنسانُ يتحدث إليه بلغةٍ خارج اللغات المتداولة، بلغةٍ لو أنصت إليها بتأملٍ عميق يستطيع تلقي إشاراتها الملهِمة.

يتجلى الصمتُ الحكيم كأجمل ما يتجلى في الإبداع الفني والأدبي والعلمي. اللوحات الخالدة للفنانين هي تعبيرٌ عن صمتٍ وتأملٍ عميق، وهكذا ما يبدعه الشعراءُ الكبار من كلماتٍ كأنها صورٌ مرسومة بريشة فنانٍ عظيم. الاختراعات والاكتشافات العلمية ثمرةُ صمتٍ تستفيق فيه القدراتُ الذهنية والإدراكية بكامل طاقاتها الخلّاقة، لترى ما لا يُرى من قوانين محجوبة عن البشر.

‏الصمت الحكيم استراحةُ الذهن من الانشغال بالخارج، وعودةُ الإنسان لسبرِ أغوار الذات، وإيقاظِ منابع الإلهام والفاعلية فيها. يتطلب الصمتُ ارادةً لا تُقهر، إرادة الصمت أصعب من إرادة الكلام.‏ الصمت الحكيم يعكس قدرةَ الإنسان على التحكم بانفعالاته. ‏مَن يكسب الموقف، بل الذي ينتصر حتى في المعارك الكبرى، هو الأكثرُ قدرةً على التحكمِ بانفعالاته، وتحكيمِ قدراته العقلية، ووعيه بالحدودِ الحرجة للحظةِ الحرب ولحظةِ السلام، وما يتطلبه الواقعُ الذي يعيش فيه، وبراعتَه في حسابات الأرباح والخسائر، ومهارَته في إدارة التسويات، عندما لا يكون قادرًا على الانتصار وكسب المعركة على الأرض والفضاء، لئلا يخسر كلَّ شيء.

كلّما كان الإنسانُ أقوى في التحكم بانفعالاته كان أكثرَ قدرةً على التحكمِ بكلامه، وإيقاظِ الصمت الحكيم. التحكم بالانفعالات يحتاج إلى ترويضٍ متواصل للشخصية، وذكاءٍ في تفريغ الانفعالات المكبوتة فيما لا يؤذيه ويؤذي غيرَه. الانفعالات كما يكون إعلانُها خطيرا، يكون كبتُها أخطرَ من البوح بها، لما يورثه الكبتُ من عقدٍ نفسية. الوسيلة الأسهل هو أن يكتب المنفعلُ كلَّ شيء، ويسكب حرائقَه على الورق، وينزف جروحَه بعيدًا عن لهيب المعركة، لئلا يحترق فيها ويحرق غيرَه. الرياضة لدى بعض الأشخاص مكبٌّ لتفريغ التوتر وتصريف الغضب، وقد يفرغ بعضُهم شيئًا من مكبوتاته في الأعمال البدنية، أو القراءة، أو الرسم، أو لقاء صديقٍ حميم يبوح له بمواجعه.

طالما جرى استعمالُ الصمت بوصفه عقابًا، لحظةَ يضرب أحدُ الأشخاص عن الكلام داخل العائلة، أو في محلِّ العمل، أو مع بعض مَن يرتبط بهم بعلاقاتٍ اجتماعية، احتجاجًا على مواقف منزعج منها. هذا النوع من الصمت معروفٌ في الحياة الزوجية، فقد تصمت الزوجةُ خوفًا من ردود الأفعال العاصفة للزوج، أو عقابًا له على ما تراه إساءةً إليها، وقد يصمت الزوج احتجاجًا على ثرثرة الزوجة وهذيانها. وغالبًا ما تكون دواعي الصمت متشابهةً لدى الزوجين. وأحيانًا يُستعمل الصمتُ كموقفٍ يشي بالإهمال وعدم الاكتراث، أو الإهانة والاحتقار.

أتحدث عن ضرورة الصمت في مقام يتطلب الصمت، وضرورة الكلام في مقام يتطلب الكلام. لا أدعو للإضراب عن الكلام مطلقًا، ولا تعني الدعوةُ للصمت الحكيم الكفَّ عن كلِّ أنواع الكلام، الدعوة للصمت إنما تتحقّق في مقامٍ يتطلب الصمت. تميّز الإنسانُ عن غيره باللغة، واستطاع إنتاجَ المعارف والعلوم والفنون والآداب وبناء الحضارات باللغة الشفاهية والمدونة، ولو افتقد الإنسانُ القدرةَ على الكلام يفتقد القدرةَ على التفكير وتوليد المعاني والبناء والانتاج. اللغة مثلما هي أداةٌ لاستيعاب المعاني وتوصيلها، هي أداةٌ لتوليد المعاني أيضًا. ‏لم تعد وظيفةُ اللغة في الفلسفة والعلوم الإنسانية والألسنيات الحديثة وعاءً لحمل المعنى وإيصاله للمتلقي فقط، بل صارت أداةً لإنتاج المعنى وتكوينه أيضًا. التواصل بين الإنسان والإنسان يتحقّق ويتكرّس باللغة، بواسطة اللغة تنشأ العلاقاتُ الاجتماعية وتترسخ، ومثلما تبني هذه العلاقات كلماتُ المحبة الصادقة، تهدمها الكلماتُ السامّة. حين تحضر الكلماتُ السامّة ينبغي أن يرحل الإنسانُ عاجلًا ليتخذ من الصمت مقامًا.

مثلما يكون الصمتُ الحكيم ضروريًا أحيانًا لتربية الذات، يكون البوحُ ضرورةً يفرضها سلامُ الذات، وترويحُ النفس المتعبة لحظةَ لقاء المحبين. الحُبّ يتطلع على الدوام لإعلان المحبِّ عن أشواقه وولهه بمحبوبه. الحُبّ ينشد حضورَه وتنميتَه بكلمات المحبة الصادقة، الصمت لا يغذّي الحُبَّ ولا يثريه، يذبل الحُبّ إن كان أحدُ الحبيبين مُضرِبًا عن الكلام. البوح بالأشواق وبهجة لقاء المحبين ضرورةٌ لتغذية وتنمية المحبة وتكريسِها،كلماتُ المحبة الصادقة توقظ المحبة، ويرويها التعبيرُ عن الأشواق ولهفة اللقاء. وتعصف بها وتزلزلها الكلماتُ اللامسؤولة، وردودُ الأفعال العاصفة.

يحتاج الإنسانُ البكاء، وإعلانَ الحزن بأساليب متعارَفة في مجتمعه، للتنفيس عن نكبةِ فقدان حبيب، أو فجيعةٍ تعرّض لها. يحتاج الإنسانُ للتحدّث عن مواجعه وآلامه وهمومه، لمَن يجده ملاذًا يحتمي فيه.كبتُ الحزن وإكراهُ النفس على ما لا تطيق شيءٌ والصمت شيءٌ آخر، الكبتُ في مورد يطلب التعبيرَ عن مرارة الحزن يورث العقدَ النفسية. الإنسانُ الاستثنائي فقط يمكنه كبتَ أحزانه المريرة أحيانًا.

يُستعمل الصمتُ في بعض الأمراض النفسية بوصفه علاجًا، وكثيرًا ما يُستعمل الاعترافُ واستدعاءُ المكبوت واللاواعي في العلاج النفسي. الخطوةُ الأولى في العلاج هي اعترافُ المريض النفسي بأنه مريضٌ. تفرض الضرورةُ العلاجية في التحليل النفسي التحدثَ عن الذكرياتِ الموجعة الغاطسة، والجروحِ المنسية، والعقدِ النفسية المطمورة في اللاوعي، لتفريغِ ما هو مكبوتٌ في الأعماق، وتفتيتِ ما يثير الاكتئابَ والحزن والفزع، وما يتسبب في اضطرابات نفسية. المعالج الذي يعتمد التحليلَ النفسي وتفسيرَ أحلام المريض، يعتمد التداعي الحرّ لاستحضارِ الذكريات المؤلمة، وإخراج ِما هو غاطسٌ منذ زمن بعيد، بغيةَ تحرير المريض مما يختبئ في أغوار النفس.

 

https://alsabaah.iq/97805-.html

 

صمت المجتمع وصمت الفرد

د. عبد الجبار الرفاعي

عدتُ من عُمان الأسبوع الماضي، بعد المشاركة في ملتقى بيت الزبير الفلسفي الثاني، المنعقد في مسقط، بتاريخ 28 – 29 إبريل 2024. الملتقى هذا من أجمل الملتقيات والمؤتمرات والندوات الكثيرة التي شاركتُ فيها ببلدان متعدّدة، كان منظموه أذكياء في: إدارته، وتنظيمه، وتنوّع الأوراق المقدَّمة فيه، ومهارة المنظمين باستيعاب جيل الآباء وجيل الأبناء في لقاءٍ واحد، يناقش فيه التلميذُ أستاذَه ويصغي فيه التلميذُ لأستاذه. زيارتي هذه هي الثانية، بعد زيارة أولى سنة 2007 للمشاركة في مؤتمر فقهي، لم أكتشف في تلك الزيارة الخاطفة ملامحَ الشخصية العُمانية، الانطباعُ العاجل في الزيارة الأولى كان الرضا بما شاهدتُ في مسقط. في هذه الزيارة توغلتُ أعمق في مدينة السكينة هذه، واكتشفتُ المزيدَ من أبعادها، واتسعتْ صِلاتي بإنسانها. أدركتُ أن مفتاحَ دراسة شخصية أية مدينة هو شخصيةُ مواطنها، ونمطُ تنظيمها وعمارتها. أهلُ مسقط كأنهم مخلوقون من طينةٍ أخرى، لم يمسسها صخبُ العواصم وضجيجُها، ولم تتوتر أعصابُ سكانها بزحمة مركبات النقل واختناقها بالدخان والتلوث. أهل هذه المدينة دافئون، كرماء، مهذبون، عذبون، صامتون. يبادرونك بالسلام، ولا يبادرون بكلامٍ غير السلام، لا يتكلمون إلا إن سألتهم، يجيبون على قدر السؤال. ‏يتكلمون، لو تكلموا، بثقةٍ وهدوء تكاد لا تسمع أصواتَهم، لا يحاصرونك وأنت تجلس معهم بثرثرات وكلام يأكل سلامَ روحك. يتقن أهل عُمان فنَّ الإصغاء قدر إتقانهم لفن الصمت، مولعون بالصمت ولع المعلِّقين السياسيين في مجتمعنا بالكلام. تسائلتُ عن منابع الصمت في حياة هذا الإنسان، وكيف استطاع أن يتحكم بلسانه بصرامة إرادة وتهذيب، وتسيّد صمتُه وتغلّب على فضول كلامه، ولماذا نُكره نحن على العيش في بلاد لا يعرف إنسانُها الصمت،كأن الكلَّ فيها يحتشدون في مباراتٍ مزمنة للحكي المتواصل بلا مناسبة، يحكون بما لا يعنيهم، الجميعُ يضع نفسَه في مقام المتخصِّص بالسياسة والاقتصاد والثقافة والدين وكلِّ شيء، ولفرط انشغالهم بالحكي وتوهم المعرفة يعجزون عن الإنصات للمتخصِّص لحظة يتحدث.

روافدُ تشكّل شخصية الإنسان تتحكم فيها: الجغرافيا والمناخ، والاقتصادُ ونمط العيش، والتنوعُ الإثني والديني والثقافي، والمعطياتُ المختلفة للمحيط، وما تفرضه صيرورةُ الواقع وديناميكيةُ التغيير الاجتماعي، ونوعُ النظام السياسي، وقدرتُه على إداراة بلاده وعلاقاته الدولية والإقليمية بواقعية سياسية، وبراعته في إتقان التسويات السياسية في محيطه الجيوسياسي. نظام عُمان السياسي يبتني على أساس المواطنة الدستورية، النصابُ فيه الانتماءُ لأرضٍ واحدة تضمن عيشَ مواطنيها، وبناءَ دولة حديثة تتأسس على هوية وطنية عابرة للهويات الدينية والطائفية والإثنية، تلتقي فيها مصالحُهم المشترَكة. جغرافيا ومناخ عُمان واقتصادُه متنوع، فهو يغفو على أطول ساحلٍ لبلد في الخليج والجزيرة، هذا الساحل يرقد على شاطيءٍ متعرّج بطول 3165 كلم، ويمتدّ من مضيق هرمز في الشمال إلى اليمن الجنوبي. مدينةُ مسقط منذ القرن الأول للميلاد كانت مرفأ تجاريًا حيويًا يوصل الغربَ بالشرق، تستريح هذه المدينةُ على ساحلٍ بحري شاسِع، مبانيها أفقية بيضاء مريحة، لا تغرق وأنت تتجول فيها بغابة كتلٍ حجرية صماء لمبانٍ شاهقة،كالمدن الحديثة في الأرض. مدينةٌ تكاد تخلو من التلوث، لا يخنقك فيها عصفُ دوران محركات السيارات والمصانع ودخانُها الكئيب. كابوسُ التلوث في المدن الحديثة يستلب سكينةَ الروح ويكسر صمتَها وسلامها.

أهلُ عُمان شخصياتُهم عميقة عمق البحر، الشخصيةُ العميقة واثقة لا تبوح بأسرارها إلا لضرورة، تتقن قراءةَ معادلات واقعها، وتعرف جيدًا أين وكيف ومتى تتكلم، بصيرتُها حاذقة في إدراك وتدبير تناقضات الاجتماع والسياسة. وإن كانت تبدو بسيطةً بساطة الهواء، هذه الشخصية طرية كالماء إلا أنها لا تنكسر، تشبعتْ روحُها بهدوء البحر، ولم تتصدّع سكينتُها بهديره في أوقات معينة، وتغذّى ذهنُها بهيبة الآفاق المدهشة للمياه، وجلال مدياتها الواسعة أفقيًا وعموديًا، وألهم بصيرتَها ما يختزنه البحرُ في قاعه من كائنات غريبة وجواهر نفيسة. الشخصية العُمانية تاريخُها العريق محصلةُ تفاعل خلّاق لثقافات آسيوية هندية وإفريقية زنجبارية، وكأنها تشبعتْ بسلام البوذية وأديان الهند وآسيا المعروفة بالارتياض الروحي واكتشاف روافد بالسكينة، وارتوتْ من ثقافات بعض القبائل الإفريقية، يوم كانت عُمان امبراطوريةً يحكم سلطانُها مسقطَ وزنجبار.

كنتُ وما زلتُ أنجذب بشغفٍ للشخصية الصامتة، وهي قليلة جدًا في المحيط الذي أعيش فيه، وأشعر بالضجر من حضور مجالس تفرضها عليّ أعرافٌ اجتماعية، لا أجد مهربًا منها، أجزع فيها من هوس بعض المتحدثين بصوت غليظ أجشّ يقرع السمع، وهو يتحدث بلا أن يتوقف، بألفاظ يكرّرها في المجالس اليومية المدمِن عليها، وهو لا يعرفها جيدًا، وكثيرٌ مما يقوله لا يعرف عنه شيئًا، ويتسابق معه آخرون بشكلٍ منفر، ليعتلو منصةَ الكلام في هذا الجمع المتنوع، وتلبث أنت مكرها على الاستماع، في مكان اضطرتك الأعرافُ للحضور فيه. إثر ذلك صرتُ أكتفي منذ سنوات برسالةٍ هاتفية ومكالمة، وأحيانًا رثاءٍ في وسائل الاتصال للأحبة، لئلا يعبث بسلامي الداخلي هذا الضجيجُ الذي أجزع منه.

كان يأسرني أحدُ الأصدقاء بصمتِه الملهِم، وكلامِه القليل جدًا، الذي كنتُ أتعلّم منه وأشتاق اليوم إليه. فرض علينا المنفى أنا وهو أن نعيش في مدينةٍ واحدة عدة سنوات.كان هذا الرجل حادَّ الذكاء، متفرّدًا بعدد غير قليل من الأفكار والمواقف وطريقة العيش. صامتًا أغلب الوقت، قلّما يتكلم، ولو تكلم نطق بأسئلةٍ لا تولد إلا في الأذهان اليقظة، ولو تحدّث في توصيف وتحليل مفهوم أو ظاهرة أو حدث أو موقف، يذهب بعيدًا عن المرئي على السطح. أفكارُه لافتة، جَسورٌ في عقله، وعيُه مرآةٌ للواقع، لغته لا يرهقها فائضٌ لفظي وهذرٌ مبتذل. أراه في الشارع يمشي وحده، ويعيش وحده، وينام في غرفة وحده، ويأكل وحده، ولا ينخرط في أية مجموعة يستنزف معها الوقت.كنا نتمشى معًا قبل نحو 40 سنة، سألتُه ما رأيك أن نلتزم بموعدٍ يومي نلتقي فيه، ونتحدث في شيءٍ من شؤون الدنيا والدين، أجاب: حتى لو تمشيتُ مع أيّ إنسان أحبّه، لا أستوفي حاجتي إلا أن أتمشى وحدي،كان متأملًا عميقَ النظر، تراه وهو منشغلٌ بسياحةٍ داخل ذاته، تتحسّس كيف أيقظ الصمتُ ذهنَه من سباته، وأنقذه من ضوضاء الثرثارين ولغوهم، يحرص ألا يكسر صمتَه بأيِّ إغواءٍ مهما كان. يقول أنه لا يطيق الحضورَ الطويل مع مَن يحبهم، فكيف يطيق الحضورَ مع أولئك البشر الذين يضجر منهم الحجر. رأيتُ هذا الصديقَ ينشغل دائمًا بما هو مثمر وبنّاء، كانت شخصيتُه تتطور وتتكرّس بشكلٍ يدهشني، قرر تعلّمَ اللغة الإنجليزية، فصار يقرأ ويكتب بالإنجليزية في ستة أشهر، وقرّر أن يدرس الرياضيات العالية والفيزياء النظرية والكيمياء وعلوم الحياة، فقرأ مؤلفات حديثة متقدِّمة في هذه العلوم حتى استوعبها، على الرغم من أنه لم يكمل الدراسةَ الثانوية. لم يتعلّم على يد معلّم، بل كان معلّمًا لكلِّ من يعرفه. تعلّم من الصمت الزهدَ بكلِّ شيء، زرتُه في غرفةٍ يعيش فيها، لم أجد مدفأةً في شتاءٍ بردُه قارس، لما فكرتُ أن أتبرع له بمدفأة، قال: لا أحتاجها، قرّرتُ الاستغناءَ حتى عن بعض الاحتياجات الضرورية، بغية أن تتصلب إرادتي وتشتدّ، لا أريد أن تتملكني الأشياء، وأخاف من أن أمسي مملوكًا لها،كلُّ مَن تتملكه الأشياءُ يغدو هشًّا، ولا يقوى على مقاومة مواجع الأيام، فتكسره تقلباتُها، ويجرحه عنفُها.

جاء في توصية بوذا للرهبان في سياق تحذيرهم من “آفة الكلام” وحثِّهم على الصمت، قائلًا: “والحق أقول لكم: إن أفضلَ رفيق لمن يسير إلى الـ (نرفانا) الصمتُ والسكينة”.

 

https://alsabaah.iq/96625-.html

 

صمتُ الباطن بوصفه ثمرةً لصمت اللسان

د. عبد الجبار الرفاعي

‏الصمتُ موقفٌ حيال الصخب الذي يملأ العالمَ اليوم. ضجيجُ السيارات والمكائن والمصانع الحديثة، والحروب، وإحراق الغابات واستنزاف الطبيعة، يُجهِدُ السمعَ، ويرهق الذهنَ، ويُشعِر المتلقي بضراوةِ الواقع وشراسته. مضافًا إلى استعمال كلماتٍ ذات دلالات عنيفة في اللغة المتداولة في الإعلام والثقافة وتطبيقات وسائل التواصل والتخاطب بين البشر، حتى نبرة الأصوات المرتفعة في الحديث بين الناس لا تخلو من الغلظة والشدة.

نمطان للصمت: صمت اللسان، وصمت الباطن.كفُّ اللسان عن الكلام موقفٌ ينشد سكينةَ الباطن، لا يمكن أن يسكن الباطنُ مالم يكفّ اللسانُ عن فائض الكلام. لا قيمة لصمت اللسان لو لبث القلبُ يحترق بسموم الكراهيات والضغائن والأحقاد. تدريب الباطن على الصمت يتطلب أن يروّض الإنسانُ نفسَه على الهدوء، ويتخلص من الانغمار في المجالس الصاخبة، ويطهّر لسانَه من الكلمات البلهاء، ويقتصد في استعمال الكلمة، ويبتعد ما أمكنه عن الكلام في كلِّ شيء، ويكتفي بما هو نافعٌ وضروري من الكلام، عندما يفرض عليه الموقفُ ولادةَ الكلمة. وقبل تهذيب لسانه وبعده عليه أن يُطهِّر قلبَه من الكراهية، ولا يُطهِّر القلبَ إلا اغتسالُه بالحُبّ.

لا يمكن أن نضع تعريفًا مانعًا جامعًا للصمت، مادام صمتُ الباطن حالةً وجودية، والحالات من هذا النوع عصيةٌ على استكناه ماهيتها، وإن كان يمكن توصيفُها، والحديثُ عن نتائجها وآثارها. ذلك ما يجعل الكلامَ حول الصمت أشبه بتوصيف ما يتذوقه العرفاءُ وذوو التجارب الدينية لحظةَ إشراق وتجلي الروح وصفائها، اللغة تضيق عن التصور الواضح لكيفياتِ التجلي والتعبيرِ عنها كما هي.

من أثمن ثمرات صمت الباطن قوةُ الإرادة وشحذُ فاعليتها، وقدرتها على جعل الإنسان يتسامي ليحمي ذاتَه من الأنماط المتعدّدة للاستعباد، وإنتاجُ طاقةٍ خلّاقة تمكّن إرادةَ الإنسان من التحرّر من كلّ حاجةٍ ورغبة تمتلكه، وتجعله قادرًا على التحكم بكلِّ شيء، من دون أن يتحكم به أيُّ شيء، مهما كان بريقُه وإغواؤه. العرفان في الأديان، خاصة الآسيوية منها، ‏يهتم اهتمامًا ملحوظا بالصمت، ويبتكر رياضاتٍ متنوعة تستقي من الصمت وتستلهم منه طاقتَها. الإرادة تتجذّر وتتصلّب حيثما يكون الصمتُ تمرينًا متواصلًا يفرضه ارتياضٌ روحي، لا سيّما لو التزم المرتاضُ بالصمت يوميًا بشكلٍ منتظم.

‏ أن تعيش الحالةَ غير أن تفكر فيها، الصمتُ يمكّن الإنسانَ من أن يعيشَ حالةَ الايمان والحُبّ والسلام الداخلي ويتذوقها. لا ينشغل مَن يتذوق الحالاتِ بالنظر والتفكير والكلام عنها، كثرة الكلام تفسد التذوق. صمت الباطن حالة يعيشها الإنسانُ في أعماقه، وهو لا يتحقّق بلا ارتياضٍ متواصل، وتدريبٍ لتحرير النفس وخفض حساسياتها وانفعالاتها وغضبها وأغلالها إلى أدنى مستوى ممكن، وتطهيرِ القلب من الضغائن والأحقاد. ‏أما صمت اللسان فهو فعلٌ إرادي تستطيع اتخاذَه الشخصياتُ الصارمة.

‏ صمتُ الباطن يمكن ‏أن يخلّصَ الإنسان من عبوديتِه للمادة، واللهاثِ وراء المتع الرخيصة، والتهافتِ على سرابٍ سرعان ما يتلاشى. عندما يصير الصمتُ نافذةً للتأمل الصبور، يمكن أن يعمل على انبثاق النور في روح الإنسان، ويجعله قادرًا على الإنصات لصوت الله في الوجود.

الصمتُ الباطني حالةٌ تكرّس كينونةَ الإنسان وتثريها بالمعنى. هذا النوعُ من الصمت كان الرصيدَ الذي لن ينضب لشخصياتٍ ملهِمة مؤثرة جدًا في الحياة. من يكتسي هذا الصمتَ يخلع على ذاته هالة، خاصة إن كان ذا مقامٍ ديني أو علمي أو اجتماعي، فيشعر مَن يتعامل معه بسحرٍ خاص في شخصيته، ويطغى حضورُه حيثما يحضر، وتؤثر شخصيتُه الوقورة فيمن حوله، وإن كان لا يتحدث.

وحده صمتُ الباطن ‏يمكّن الإنسانَ من التوغلِ في الذات واكتشافِ طبقاتها العميقة، والتخفيفِ مما يثقل كاهلَها من أعباء تفوق طاقتَها. إنه صمتٌ تأملي يقظ، يحاور الذاتَ ويستبطنها في مونولغ داخلي تتحدث فيه الذاتُ لذاتها. ‏وينبعث فيه الذهن، ويصفو الباطن، وتجد فيه الحياةُ حضورَها الحيوي وتتجدّد قدراتُها. ويصيّر شخصيةَ الإنسان عصيةً على الإغواء، والتهافتِ على الغرق في المتع الحسية الآنية، والتهافتِ على العلاقات الاجتماعية العشوائية. بالصمت التأملي اليقظ أنجز الإنسانُ كثيرًا من الاختراعات والاكتشافات والإبداعات الأدبية والفنية الثمينة.

من مكاسب صمت الباطن صناعةُ الشخصيات الاستثنائية المتفرّدة الفذّة، القادرة على تحمل الوحدة والتكيّف معها، من دون شعورٍ بحاجةٍ للجري وراء شخص أو أشخاص يحتمي بهم الإنسانُ من الشعور المخيف بوحشة الوجود. يمنح هذا الصمتُ الإنسانَ قدرةً خلّاقة، ففي الوقت الذي يكون فيه وحدَه، ‏يشعر بصلةٍ حيّة بما حوله، وكأنه واحدٌ من حيث أنه متعدّد، ومتعدّد من حيث أنه واحد.

صمت الباطن منبع النور والحكمة والسلام، إنه جذوةٌ تنتج طاقةً متقدة تتيح للإنسان السفرَ في رحلة يتوغل فيها للتعرّف على الطبقات الغاطسة لنفسه وما هو مختبئٌ فيها، ومنها ينطلق لاكتشاف الإنسان والعالم من حوله. مَن يعجز عن التوغل في أعماق نفسه، ومعرفة ما يغوص بداخله، يعجز عن اكتشافِ العالم، والتعّرفِ على الإنسان المختلِف من حوله. الصمت نافذةُ ضوء للتأملِ والنظرِ البعيد الغور والتدبرِ في الذات، وانبثاقِ الأسئلة الوجودية الكبرى، وكما تنبثق هذه الأسئلةُ في فضاء الصمت يتوالد شيءٌ من إجاباتها في فضائه. هكذا يصير الصمتُ ملهِمًا للمعنى، ولبعض الإجابات المتناغمة مع الواقع لهذه الأسئلة.

‏‏‏‏ تكسر وسائلُ الاتصال الحديثة والتطبيقاتُ المختلفة الصمت. أينما تذهب اليوم تلاحقك الفضائيات، وتطبيقات وسائل التواصل المختلف، وهي تقصفك، بسيلٍ هادر ليلَ نهار، بكلامٍ مكرّر، مشوبٍ بدعاية مبتذلة. أكثر الأخبار السياسية مريرة، وكثيرٌ ممن يقدمون التحليلات مهنتُهم تكديسُ الكلام على الكلام. بعضهم يتكلم بكلماتٍ بلهاء، وكأن مهنتَه أن يحكي، بغضّ النظر عن مضمون ما يقول وقيمته ومصداقيته. ‏تطبيقات وسائل التواصل أتاحت للجميع التحدثَ للجميع، ‏فعندما يحضر إنسانٌ جاهل ثرثار على منصة تطبيقات تضمّ مليارات البشر، يظل يهذي بطريقةٍ تتسبّب بصداع رأس المتلقي. إن كنتَ تقرأ كلماته، أو تستمع إلى أحاديثه، أو ترى ما ينشره من صور وأشكال تعبيرية، تشعر بالقرف.كان مثلُ هذا الإنسان يتحدث لعدد محدود ممن حوله في مقهى أو مجلس أو مناسبة اجتماعية، أما اليوم فهو يؤذي مَن يتابعه على منصة هذه التطبيقات. ‏الصمت كان أكثرَ من الكلام في حياة الإنسان، تضخّمُ الديموغرافيا اليوم وازدحامُ الأرض بالبشر، وتراكمُ فضلات المنشئات الصناعية المتنوعة، وهستيريا الحروب، والتغييرُ المناخي، مزّقتْ صمتَ الطبيعة، وقدّمت الكائنات الحيّة المتوطنة في الأرض منذ مليارات السنين قربانًا لعبثِ الإنسان واستهلاكِه الفاحش للموارد الطبيعية، واستئثارِه بكلِّ شيء، وإبادتِه المتوحشة للأنواع الحيّة، بمختلف الوسائل الفتاكة. بقايا هذه الأنواع تستغيث فلا تُغاث، فزعًا من قهر الإنسان وإبادته لما تبقى منها في الأرض. أمست آهاتُ الأرض تستغيث من فتك الإنسان، وصار إنسانُ اليوم كثيرَ الهذر، وغارقا في استعمال مختلف الآلات، ومعظمها تصدر أصواتًا، وأغلب تلك الأصوات غريبةٌ على ما يألفه سمعُه. قلّما يجد إنسانٌ اليومَ محطةَ استراحة يحتمي فيها بصمت متأمل من الضجيج والضوضاء والكلمات الخرقاء.كلُّ ذلك لا يسرق العمرَ فقط، بل يسرق أثمنَ شيء في حياة الإنسان وهو سلامُه الداخلي.

واحدة من خطايا الأيديولوجيات المتفشية في بلادنا تجاهلُ التربية على الصمت والتأمل والتفكير والتساؤل، بل تعمل بالعكس على تحريض مَن ينخرط فيها وحثُّه على التحدث في كلِّ شيء وعن كلِّ شيء، بلغةٍ مشبَعة بالوثوقيات والجزميات النهائية. يحفّز الحثُّ على التحدث شهوةَ الكلام بمختلف القضايا، بلا تكوينٍ فكري يوفر غطاءً مناسبًا للحديث.

المؤسسات التربوية والتعليمية، والثقافية والإعلامية، والاجتماعية، والدينية، والحركات السياسية في بلادنا، تنهمك في بناءِ كياناتها بتكرارِ شعارات وكلمات رعناء، وتقيِّم مكاسبَها وتختبر نجاحاتِها في سياق ما تحقّقه من مهرجانات تعبوية واحتفالات ومارثونات وشعارات، وما تراكمه من فائضٍ لفظي لعباراتٍ وكلمات جوفاء، من دون أن ترى فيما تقدّمه منجزاتٍ حقيقية على الأرض لصالح الشعب، وبلا أن تكثّف جهودَها لبناءِ الوطن، وحمايتِه من الأخطار.

https://alsabaah.iq/95481-.html

 

الصمت بوصفه تغافلًا حكيمًا

د. عبد الجبار الرفاعي

بعض الأشخاص مصابون بما يشبه مرض يدعوهم للكلام المتواصل بلا انقطاع، لحظة يعثرون على من يستمع لهم، يشعر مَن يتحدثون معه كأن مهنة مثل هؤلاء الكلام لا غير. يتكلمون بلا مناسبة عن أي شيء بكلِّ شيء. عندما يهاتفون أحدًا أو يهاتفهم أحدٌ يتورط، يتكلمون بنبرة حادة وصوت مرتفع. يصاب المستمع بالانزعاج من التدفق السريع الغزير لكلماتهم، وعدم تلقي ما يبهج أو ينفع فيها. لا يسمحون لمن يحدثونه بالجواب، يسألونه فيجيبون أسئلتهم، عندما يطلب منهم المستمع السماح له بالكلام ولو بجملة واحدة، يشاكسون بلا ذوق، ويتجاهلونه، من دون رعاية لمقامه وعلمه وعمره، وما تفرضه آداب المجالس من الانصات والتحدث. يشعر من يتحدثون معه كأن مهنة مثل هؤلاء الكلام لا غير، فيكون همّ مَن ينصت البحث عن طريقة لبقة للهروب وانهاء المكالمة.

يتعلم الإنسانُ من الصمت التغافلَ الحكيم، أحيانا يتورط الإنسان في جواب أشخاص لجوجين، بمجرد يتفوه بكلمة، يشغلونه في سلسلة هذيانات مملة، لا يتوقفون لحظة واحدة. هم يبحثون عن الشهرة والفات نظر الغير بأي ثمن، وهو يريد تركيز تفكيره وتكثيف قدراته للانشغال بعمله. بارعون في ترديد شعارات مبتذلة، فلو تورط مَن يصغي إليهم بجواب عقلاني، يواجهونه بردود أفعال عاصفة غير مهذبة. الصمت يعلّم الإنسانَ التغافل، وتجاهل كل مَن يحاول اشغاله بمعاركه الشخصية وانفعالاته وغضبه وهوسه. ‏الصمت يخلق هالة تطرد عن الإنسان الشخصيات الطفيلية، وكلِّ مَن يعتاش على غيره، ويستنزف وقته وأمواله، وطاقته النفسية والعصبية والجسدية.

كثير من المشاكل تحدث في العائلة بين الزوجة والزوج تنشأ في فضاء مساجلات لفظية وأسئلة تافهة مكررة، وإلحاح ممجوج وتقريع بكلمات عشوائية، تصدر عن نوبات توتر عصبي وهيجان غاضب، إثر تأويل موقف أو سلوك أو كلمة خارج سياقها. أحيانًا يحاول كلا الزوجين الخروج من المأزق بمزيد من الكلام، وهو لا يدري أن أية كلمة يمكن أن تتوالد من سوء فهمها سلسلة لا تتوقف من ألفاظ الجدل العقيم، قد يتصاعد إلى سجالات تفوح منها رائحة كراهية منفرة، تنبعث مما هو مختزن ومتراكم لسنوات طويلة من مواقف خلافية مدفونة في أعماق الذاكرة، إلى الحد الذي تفجّر حالة من الصخب،كأنه كرة نار توقدها كلمات عنيفة. ربما تؤول إلى الطلاق، لو لم يبادر أحد الزوجين بإطفاء الحريق والكفّ عن الكلام.

كان أحد الأطباء يقضي يومه بين المستشفى والعيادة، ولا يصل البيت إلا بعد أن يمضي أربعة عشر ساعة، منهمكًا بتشخيص حالات المرضى في العيادة، وكتابة العلاج لهم، واجراء عمليات في المستشفى، تتطلب الكبرى منها ساعات طويلة من اليقظة والانتباه والدقة الحاذقة. لحظة يصل البيت تبدأ زوجته تتكلم بلا توقف، قبل الترحيب بقدومه، وتقديم الطعام له، وتأمين وسائل راحته. يقول: كنت أجيب على أسئلتها المكررة المؤذية، وعتبها على كلِّ شيء، فينطلق لسانُها كشلّال هادر بغضب شديد. أحيانًا نستنزف الليل بجدل عقيم، لا ينتج إلا مزيدًا من الألم والاضطراب في البيت، وتأجيل وقت الهدوء والنوم الذي أنا بأمس الحاجة إليه.  صار ذلك السلوك ينعكس بشكل مقلق على الأبناء، إذ أراهم يغرقون في حالة قلق ووجوم وذعر، مثلما كنت ألمحه حين تنطق فيه عيونُهم، وهي حائرة كأنها مصابة بحول، وتعبر عنه بحرقة آهاتهم المحبوسة. نصحني معالج نفساني، بعد أن عرضت عليه المأزق الذي يختنق فيه بيتي، أن أصمت ولا أجيب عن أي سؤال، ولا أنطق بأية كلمة مع زوجتي بالبيت، وأدعها تهذي إلى أن ينهكها الإعياء. بعد مخاض مرير من المعارك الكلامية الليلية التزمت بتوصية المعالج فورًا.كعادتها زوجتي تترقب وصولي، لتبدأ الكلام لحظة دخولي، وكأنها تبتهج عندما تصطاد طريدتها فتتلذذ وهي ترهقها بهذرها. لم تصدر مني أية إشارة أو كلمة، تشي بالقبول أو الرفض أو الاستنكار لما تقول، وهي تصب كلماتها كسيل متدفق. أنشغلت بشأني الخاص، وحاولت تأمين ما أحتاجه من طعام وغيره، بلا أن أكلمها أو أطلب منها أي شيء. وإن فوجئت زوجتي بهذا الموقف الطارئ، إلا أنها استمرت في الليلة التالية على عادتها، وكانت تطالب بالجواب وأنا جامد كحجر. تنظر لي بعينين ساهمتين، يعلنان الدهشة من سكوتي الغريب. في الليلة التالية لم تتوقف عن الكلام، اشتد إلحاحها على الجواب، وأحدثت صخبًا وضجيجًا، وواصلت سكوتي، فاضطرت أن تتلمس وجهي، وتحرك أطرافي، لم أتفاعل مع ذلك، وافتعلت عدم الاكتراث بما تفعل. انتابها قلق من إصابتي بالبكم، ورأيت عينيها تعرب عن شعور بذنب. في الليالي الخمسة الموالية صار يقل كلامُها بالتدريج. أخيرًا صمتت، التصقت بي وهي تقبلني وتجهض بالبكاء، وتطلب أن أنطق ولو بكلمة واحدة، واصلت الصمت، فأعلنت انها نادمة على عبثها، وعدم اكتراثها بمتاعبي وعملي اليومي المرهق، وطلبت الغفران بتوسل ذليل استمر إلى النوم، وكررت طلب الغفران، والتعهد بعدم العودة لثرثرتها الليلية، وهي تجهش بالبكاء وتولول وتقسم: والله العظيم، أعرف أنا غير مهذبة، أنا عبثت بأمن العائلة وسلامها الضروري للعيش بمودة وتراحم، والله لو فعلت مرة واحدة في أية ليلة يمكنك التخلص مني وتطليقي.

لا أعني بالصمت الخمول، الخمول غير الصمت، الخمول يعكس حالة انهزام، وشعور بفراغ مطلق، وانطفاء للمعنى بباطن الإنسان، ‏وغرق الذات في بحر السأم والضجر والعدمية. كما أن الصمت الذي أتحدث عنه ليس مرضًا عضويًا يحتاج مراجعة طبيب مختص بالنطق، أو نوعًا من المرض النفسي والاكتئاب الذي يتطلب علاجًا، أو الصمت الناشئ من الشعور بالخوف من الأفراد والمجتمعات والسلطات، أو من الشعور بالخجل، أو من الضجر والاغتراب الوجودي والاجتماعي. وهكذا لا أعني الصمت الذي يشوبه هروب من الخارج والانطواء على الذات، ولا هروب الذات من الذات، فهذا نوع من الصمت يعكس حالة خواء واكتئاب، وسأم من كلِّ شيء حتى من الكلام. وهو مرض نفسي يتطلب عيادة نفسانية للشفاء منه.

أحيانًا ضريبة كلمات طائشة خسارة كلّ شيء، يظل الندم يطارد الإنسانَ كلّ عمره لو نطق بكلمات قاتلة في مقام يتطلب الصمت. الصمت ينقذ الإنسان من الهلاك، كما نرى أثره في الخلاص من بعض الخصومات والأحقاد والعداوات والنزاعات والمعارك، وحتى من جرائم القتل، الناتجة عن كلمات متهورة وردود أفعال حمقاء، حين يعجز المتكلم عن التحكّم بلسانه. لو صمت إنسانٌ في بعض الحالات دقائق معدودة لتخلص من التورط بجريمة قتل. استمعت إلى اعتراف يعلن فيه مجرم قتل أحد الشباب الأبرياء، إثر كلمات خرقاء صدرت لحظة غضب عنيفة. يوصي هذا القاتل غيره بتجنب الكلمات النزقة المتهورة، وكظم الغيض، وردود الأفعال الخارجة عن السيطرة لحظة الغليان الداخلي. ‏يقول: عندما استمعت إلى أمرٍ من شخص لديه تخويل حكومي، يطلب مني الامتناع عن ممارسة عمل ممنوع بلا ترخيص من السلطات المسؤولة، اشتعلت أعصابي، وصرخت بكلمات هوجاء، وأنا في هذه الحالة اخرجت مسدسي وأطلقت النار فورًا على رأسه. ثم يعقب هذا القاتل بحسرة ولوعة: لو كنت قادرًا على مسك لساني، والسيطرة على غضبي وكبته بداخلي دقائق معدودة، لتخلصت من ارتكاب هذه الجريمة الرعناء، والغرق في عار أبدي. أدركت بعد قليل أني أزهقت روحي لحظة أزهقت روح الضحية، قتلته إلا أني واصلت قتل نفسي كل يوم مادمت حيًّا، هكذا ضاعت حياتي بفعل فشلي في السيطرة على الصمت مدة قليلة جدًا. مضافًا إلى احتراق ضميري بنزيف الخطيئة المزمن، ضاع حاضري ومستقبلي، وتحملت عائلتي بغيابي الأبدي عنها، وخسرانها لمصدر عيشها، ما لا طاقة لها على تحمله.

https://alsabaah.iq/95072-.html