مَن يعجز عن الإنصات يعجز عن الصمت

د. عبد الجبار الرفاعي

بين الصمت والإنصات صلةٌ عضوية، مَن يعجز عن الإنصات يعجز عن الصمت. أعرف بعضَ الأشخاص عندما تتحدث معهم لا يسمحون لك بإكمال حديثك في أية قضيةٍ تتكلم فيها، يعجزون عن الإنصات لغير أصواتهم. لو تكلمتَ معهم، سرعان ما ينتزعون الكلامَ منك، على الرغم من أنك لم تستوفِ ما تريد، فيمتطون صهوةَ الكلام. لو حاولتَ الإصرارَ على التحدّث، يُضربون عن الكلام، إلا أنهم لحظة يُضربون لا ينصتون، بل يغيبون ذهنيًا عنك، ويشعرونك أنهم غرقوا في منطقة ظلام، وكأنهم يمارسون نوعًا من عقابك بالإضراب عن الإنصات، لئلا تتجرأ على النطق بكلمةٍ مستقبلًا في حضورهم. ‏مَن يتكلم بطريقةٍ يحتكر فيها الكلام، من دون أن يسمح للمتلقي بالمشاركة، يضمر في داخله أن التكلمَ يليق بمقامه، الإنصاتُ يليق بمقام المستمِع، الأستذة تليق بمقامه، والتلمذة تليق بمقام المستمِع. ‏وهو نوعٌ من الاستبداد والعنف الرمزي، الذي يلغي أيَّ شكلٍ من أشكال التواصل والحوار بين المتكلّم ومَن يجب عليه الإنصاتَ له.

‏الصمت يمكّن الانسانَ من الإنصات إلى الذات، بوصفة مقدمةً ضرورية للإنصات للآخر، وإيقاظِ عناصر الحياة، وتغذية روافد تصلب الإرادة، وتوكيد الثقة في الذات. ‏الحوار أثرى فنونِ العيش المشترك، وإدارةِ شبكات المصالح، وحلِّ المشكلات، وبناءِ التسويات في الحياة الاجتماعية. الحوارُ يختلف عن إصدار الأوامر والإملاء المفروض إكراهًا على المستمِع. إرادةُ الحوار شرطُ التواصل، ‏وبناءِ الثقة، واحترامِ أحد الطرفين للآخر. الإنصاتُ شرطُ الحوار، الحوارُ يعني إعلانَ المساواة بين المتحدّثَين، والتكافؤ في الحقِّ في الحديث وإبداء الرأي. غيابُ الإنصات يعني غيابَ الحوار، وتحولَ كلام المتحدّث إلى أوامرَ إنسانٍ يفرض تسلّطَه على مَن يتحدّث اليه، ويمتنع من الإنصات لما يقوله. التنكر لحقِّ مَن تتحدث إليه بالحوار يعني التنكرَ للحقِّ في الاختلاف، والتنكرَ للحقِّ في الخطأ. الإنصاتُ نافذةُ ‏الحوار، الحوارُ أداةٌ تمكّن المتحاوريَن من التعرّف على الوجوه المتعدّدة للحقيقة. ‏وجوهُ الحقيقة والطرقُ إليها متنوعة، النظرة الأُحادية ترى وجهًا واحدًا للحقيقة، ولا ترينا هذه النظرةُ بالضرورة صورةَ الحقيقة بوضوح. يحتاج اكتشافُ الحقيقة التعرّفَ على وجوهها المتنوعة، وذلك ما نراه بجلاءٍ في النظر المشترَك للمتحاورين.

الإنصات يعني تذوقَ لذة الصمت، الصمت معلّم من لا معلّم له، الصمت نافذةُ الضوء لاستكشاف مديات الأنا الباطنية العميقة وإثرائها بالمعنى. الإنصات يعني إرادةَ التعلّم، وعدمَ الاستخفاف بعقل وشخصية المتحدّث. الإنصات يعني إرادةَ التهذيب والفضيلة، ويعني عدمَ الاستخفاف بعقل وكلام وشخصية المتلقي. الإنصاتُ يعني إرادةَ العيش معًا، وقبولَ التنوع الديني والإثني والثقافي، واحترامَ كرامة الإنسان المختلِف. الإنصات يعني التأملَ والتفكيرَ المتمهل، وتمحيصَ الكلام، وإرادةَ الصواب، وتجنبَ الوقوع في الهفوات والأخطاء قدر الإمكان. الإنصات يفضي الى استكشاف مديات الأنا الباطنية العميقة، وإثرائها بالمعنى.

إننا مدعوون جميعًا الى حمايةِ الأجيال الجديدة من داء الثرثرة المتفشّية في مجتمعنا، وإعادةِ الاعتبار للصمت والتأمل والتفكير المتمهل، وكلّ ِما تتوغل معه الذاتُ في عالمها الجواني، وتسبر أغوارَها، وتستكشف مدياتِها البالغة الخصوبة والثراء. هناك حاجةٌ ملحة لتنمية ثقافة ما يمكن تسميته بـ “اقتصاديات الكلام”، التي تعالج ما يتصل بكمية الكلام وكيفيته، وشكله ومضمونه، ونغمات الأصوات، والكفِّ عن الصوت الأجَشّ، والكلمات العنيفة المتوترة، وكلّ ما له علاقة بذلك، مثل: أنماط إنتاج الكلام، ورأسماله، وادخاره، وقيمته، وريعه، وقيمته، وتداوله، وتسويقه، وسوقه، وغير ذلك من اقتصادياته. وكل ما يُمكّننا من إتقان ما ينبغي وما لا ينبغي قولَه وتداولَه من كلمات، وما يمنحنا القدرةَ على الكفِّ عن الشقشقات اللغوية، والرطانات اللفظية، والكلمات المفرَغة من أيِّ مضمون، من كلماتٍ شفاهية، وكلماتٍ مكتوبة.

يجب أن تستوعبَ خططُ وبرامج التربية والتعليم في مجتمعاتنا تدريسَ “اقتصاديات الكلام”، و”فن الإنصات”، و”الصمت الحكيم، وأن تهتمّ بالتدريب عليهما في برامجها التربوية والتعليمية، في مراحل التعليم المختلفة، والتعليم الأساسي خاصة، منذ مرحلة رياض الأطفال الى نهاية التعليم الثانوي. “اقتصاديات الكلام”، و”فن الإنصات”، و”الصمت الحكيم”، تفرضها ضروراتٌ تربوية وتعليمية وذوقية وروحية وأخلاقية وعقلية، وتفرضها حالةُ انهيار القلب والروح والذوق والعقل، في فضاء ضجيج هذيان وهذر معظم السياسيين، وبعض رجال الدين، والكثير من الإعلاميين، وجماعة ممن يسمون أنفسَهم بالشعراء والأدباء والمثقفين.

تسود المجتمعاتِ العالقة في تاريخها، ومنها مجتمعنا، حالةٌ من الشغف بالكلام بلا معنى، تصل لدى البعض حدّ الهذيان. يتكلمُ الكلُّ في كلِّ شيء، بعض الزعماء السياسيين يتحدث في: الفلسفة واللاهوت والفقه والتفسير والأدب والفن والتاريخ والسياسة والاقتصاد والقانون والعلوم والمعارف المتنوعة. يولع بتكرار أسماء فلاسفة ومفكرين وأدباء وفنانين، لا يعرف عنهم في الغالب شيئًا يتجاوز الاسم، وربما يتلفظ الاسمَ خطأ. وحين يشير إلى معلومةٍ تتصل بهم، غالبًا ما يخطئ فيها،كما سمعتُ ذلك عدة مرات.كأن السلطةَ السياسية تفوّض صاحبَها التحدّث بكلِّ شيء عن كلِّ شيء، وكأن ما تراكم من معارف بشرية في تاريخ العلم المتواصل آلاف السنين، يمنح فجأةً سلةَ العلوم والمعارف والفنون والآداب لمن أضحى متسيّدًا على كرسي السلطة بوصفه “الرجل الضرورة”.

لم ينتفع كثيرٌ من سياسيينا، الذين عاش معظمُهم في الغرب، ويفترض أنهم تشبعوا بمناخات الديمقراطيات الحديثة في تلك البلدان، واكتشفوا شيئًا من قيمة التخصّص وأهميته في تطور البشرية، وامتدادها عموديًا، واتساعها أفقيًا. لم ينتفعوا من خبرة العصر في ضرورةِ احترامِ التخصّص، والحذرِ من التعالُم والحذلقة الفارغة بمقام أهل العلم، ومن المعلوم أن المتحدثين في الفضائيات اليوم تتجه أحاديثُهم لمختلف الناس، يتحدثون دائمًا في مقام أهل العلم والخبراء. لم يتعلم هؤلاء أن المجتمعات المتقدّمة تفكّر أكثر مما تتكلم، وتعمل أكثر مما تتحدث، وتصمت أكثر مما تهذر، وعادةً ما يقتصر المتحدثُ السياسي في تلك المجتمعات على اختصاصه، وعادةً ما يعود الى الخبراء فيما لا خبرةَ له فيه، ويقتصد بما هو مطلوب من كلام، بلا خطب جوفاء وضوضاء وضجيج.

نحن ننهمك بتعويضِ الفعل بالثرثرة، واستبدالِ التفكير بالهذيان، حتى لو شئنا أن نفكّر فإنا نغرق في بحر الألفاظ، ولا نذهب للتفكير بـعمق في المفاهيم. مؤسساتنا التربوية والتعليمية والدينية والثقافية والإعلامية والاجتماعية، تنهمك في بناء كياناتها بالأوراق والشعارات والألفاظ، وتقيِّم مكاسبَها وتختبر نجاحاتِها في سياق ما تحقّقه من مهرجانات واحتفالات ومارثونات وشعارات، وما تراكمه من عبارات وكلمات، من دون أن تنظر فيما تقدّمه من منجزات حقيقية على الأرض.

أخبرني أستاذ جامعي صديق عاش سنوات طويلة في ماليزيا، وتكونت لديه علاقاتٌ طيبة مع عائلات في ذلك البلد، قال: “اطلعتُ على حياة بعض العوائل الماليزية من الداخل، فرأيت الزوج والزوجة ربما لا يتحدثون في كل ساعات اليوم إلا بكلمات قليلة لتأدية الاحتياجات الضرورية للحياة، وربما تمر ساعات عديدة بلا أن يتفوه أحدهما بكلمة”. في البلاد العربية تشير بعضُ البيانات إلى أن العربَ هم الأقلّ صمتًا والأكثر كلامًا في الهاتف مقارنةً بغيرهم، وهم الأقلّ إنجازًا مقارنةً بالمجتمعات القليلة الكلام[1]. تشير بعض الدراسات إلى أنه في الأمريكتين مثلًا يتكلمون بمعدل 7000 كلمة في اليوم، أما العرب فهم الأكثر كلامًا، فمثلًا المرأة المصرية تتكلم في اليوم أكثر من 24000 كلمة، والمرأة الأوروبية تتكلم في اليوم أكثر من 10000 كلمة، والمرأة الآسويه تتكلم في اليوم أكثر من 7000 كلمة، والمرأة الأمريكيه تتكلم في اليوم اكثر من 4000 كلمة. المجتمعات الصامتة مجتمعات يسودها السلامُ والأمن العائلي والمجتمعي، اليابانيون والآسيويون صامتون، منشغلون بالعمل والإنجاز، يسود حياتَهم العائلية والمجتمعيةِ الأمنُ والسلام. الصمت أحد التقاليد الراسخة في الثقافات المحلية والفضاء الميتافيزيقي الآسيوي.

[1] صحيفة الرياض، العدد 16983، الصادرة بتاريخ 23 ديسمبر 2014م.

 

https://alsabaah.iq/98211-.html

 

 

 

إرادة الصمت أصعب من إرادة الكلام

د. عبد الجبار الرفاعي

تكمن قوةُ الصمت الحكيم في أنه يمنح الإنسانَ إرادةً تتصلب بمرور الوقت، وتجعله قادرًا بسهولةٍ على الحضورِ المكثَّف في ذاته، والكفِّ عن إهدار طاقته في الانغمار في لُّجة الناس وأحاديثهم المملّة، ولجوئهم للتكلم باستمرارٍ عن كلِّ شيء. الصمت الحكيم يسافر بالإنسان داخل الذات، ويتوغل فيها ليكتشف طبقاتِها العميقة، ويسبر أغوارَها. هذا الصمت يخفض القلقَ الوجودي، والخواءَ الروحي، والشعورَ باللامعنى. الصامتُ مشغولٌ بنفسه، مَن يتكلم كثيرًا مشغولٌ بغيره، مَن ينشغل بنفسه يكفُّ أذاه عن غيره، ونادرًا ما يلجأ للعنف في حلّ نزاعاته وإدارة مشكلاته. كلما ازدادت ثرثرةُ المجتمعات اشتدّت وتيرةُ العنف الرمزي واللفظي والجسدي فيها، وانخفض لديها الإنجازُ الفردي والناتج القومي.

ما يتعلّمه الإنسانُ من الصمت الحكيم في أغلب المواقف لا يتعلّمه من الكلام. الصمت يعكس حالةَ هدوء الذات وسكينتها، يتخذه كثيرٌ من العرفاء في الأديان، خاصة الهندية والآسيوية، ‏طريقةً لتسامي الذات، والارتقاءِ إلى طورٍ وجودي أكمل. ارتياض العرفاء في تلك الأديان يشدّد على الصمت على وفق برنامجٍ يتكرّر يوميًا. الإنسان كائنٌ مسكون بالأسرار، الصامت يوحي لمن حوله أنه إنسانٌ يختزن الأسرار، فيصنع له هالةً تجذب إليه بقوةٍ مَن يتعامل معه، ويستطيع أن يؤثر فيه أقوى ممن يثرثرون معه باستمرار. قوة الشخصية وسحرُ تأثيرها لا تظهر دائمًا بما تبوح به، بل كثيرًا ما تتجلى بما تختزنه ولا تبوح به.

الصمت الحكيم يوقظ في الإنسان إمكانيةَ تذوق جماليات الطبيعة، ويجعله يتحسّس نقاءَ الأشياء قبل أن ينهكها التلوث، وعبثُ الانسان وتخريبُه، وينقذه من ضوضاءِ ثرثرات أكثر البشر، وانشغالهِم اليومي بالكلام لأجل الكلام، وإهدارِهم القيمةَ الثمينة للزمن. من ثمرات الصمت ضبطُ ميزانة الزمن، والاقتصادُ في إنفاقه بتدبير، وتنميةُ قدرات الإنسان على إدارة أعماله بواقعية، والتحكمُ بالأولويات، وتقديمُ ما هو أهمّ على المهم، والعنايةُ بما تفرضه احتياجاتُه الضرورية، واكتشافُ ما يمنح حياتَه المعنى الذي يعزّز سلامَه الداخلي، ويخفضُ إيقاع قلقه وشعوره بالاغتراب.

يهرب أكثرُ كبار السن من المتقاعدين وغيرهم من المدن الكبيرة الصاخبة ويلجؤون للأرياف، من أجل الانغمارِ في سكينةِ الصمت، وبهجةِ قراءة الطبيعة وتأملِ ألوانها المرسومة على شكل لوحات خلّابة، والإنصاتِ للغة الأرض وحديثها عن عطائها وسخائها اللامحدود، وفهمِ مناشدة الأرض بضرورة رعايتها، والحدِّ من الجور عليها، واستنزافها وتخريب توازنها الحيوي وفسيفسائها المدهشة. تدعو الأرضُ الإنسانَ للإنصات لما تلهمه أشجارُها ونباتاتُها وأزهاُرها وطيورها وكائناتها المتنوعة في البرّ والبحر، من معانٍ تحرّر الذاتَ من وحشتها في الوجود. مَن يريد أن يواصل تعلّمَه إلى آخر يومٍ من حياته عليه أن ينصت لصوت الأرض.كلُّ شيء يلتقيه الإنسانُ في حياته يمكنه التعلّم منه، إن أصغى بهدوءٍ للغة الخاصة الناطق بها. كلُّ شيء يتأمله الإنسانُ يتحدث إليه بلغةٍ خارج اللغات المتداولة، بلغةٍ لو أنصت إليها بتأملٍ عميق يستطيع تلقي إشاراتها الملهِمة.

يتجلى الصمتُ الحكيم كأجمل ما يتجلى في الإبداع الفني والأدبي والعلمي. اللوحات الخالدة للفنانين هي تعبيرٌ عن صمتٍ وتأملٍ عميق، وهكذا ما يبدعه الشعراءُ الكبار من كلماتٍ كأنها صورٌ مرسومة بريشة فنانٍ عظيم. الاختراعات والاكتشافات العلمية ثمرةُ صمتٍ تستفيق فيه القدراتُ الذهنية والإدراكية بكامل طاقاتها الخلّاقة، لترى ما لا يُرى من قوانين محجوبة عن البشر.

‏الصمت الحكيم استراحةُ الذهن من الانشغال بالخارج، وعودةُ الإنسان لسبرِ أغوار الذات، وإيقاظِ منابع الإلهام والفاعلية فيها. يتطلب الصمتُ ارادةً لا تُقهر، إرادة الصمت أصعب من إرادة الكلام.‏ الصمت الحكيم يعكس قدرةَ الإنسان على التحكم بانفعالاته. ‏مَن يكسب الموقف، بل الذي ينتصر حتى في المعارك الكبرى، هو الأكثرُ قدرةً على التحكمِ بانفعالاته، وتحكيمِ قدراته العقلية، ووعيه بالحدودِ الحرجة للحظةِ الحرب ولحظةِ السلام، وما يتطلبه الواقعُ الذي يعيش فيه، وبراعتَه في حسابات الأرباح والخسائر، ومهارَته في إدارة التسويات، عندما لا يكون قادرًا على الانتصار وكسب المعركة على الأرض والفضاء، لئلا يخسر كلَّ شيء.

كلّما كان الإنسانُ أقوى في التحكم بانفعالاته كان أكثرَ قدرةً على التحكمِ بكلامه، وإيقاظِ الصمت الحكيم. التحكم بالانفعالات يحتاج إلى ترويضٍ متواصل للشخصية، وذكاءٍ في تفريغ الانفعالات المكبوتة فيما لا يؤذيه ويؤذي غيرَه. الانفعالات كما يكون إعلانُها خطيرا، يكون كبتُها أخطرَ من البوح بها، لما يورثه الكبتُ من عقدٍ نفسية. الوسيلة الأسهل هو أن يكتب المنفعلُ كلَّ شيء، ويسكب حرائقَه على الورق، وينزف جروحَه بعيدًا عن لهيب المعركة، لئلا يحترق فيها ويحرق غيرَه. الرياضة لدى بعض الأشخاص مكبٌّ لتفريغ التوتر وتصريف الغضب، وقد يفرغ بعضُهم شيئًا من مكبوتاته في الأعمال البدنية، أو القراءة، أو الرسم، أو لقاء صديقٍ حميم يبوح له بمواجعه.

طالما جرى استعمالُ الصمت بوصفه عقابًا، لحظةَ يضرب أحدُ الأشخاص عن الكلام داخل العائلة، أو في محلِّ العمل، أو مع بعض مَن يرتبط بهم بعلاقاتٍ اجتماعية، احتجاجًا على مواقف منزعج منها. هذا النوع من الصمت معروفٌ في الحياة الزوجية، فقد تصمت الزوجةُ خوفًا من ردود الأفعال العاصفة للزوج، أو عقابًا له على ما تراه إساءةً إليها، وقد يصمت الزوج احتجاجًا على ثرثرة الزوجة وهذيانها. وغالبًا ما تكون دواعي الصمت متشابهةً لدى الزوجين. وأحيانًا يُستعمل الصمتُ كموقفٍ يشي بالإهمال وعدم الاكتراث، أو الإهانة والاحتقار.

أتحدث عن ضرورة الصمت في مقام يتطلب الصمت، وضرورة الكلام في مقام يتطلب الكلام. لا أدعو للإضراب عن الكلام مطلقًا، ولا تعني الدعوةُ للصمت الحكيم الكفَّ عن كلِّ أنواع الكلام، الدعوة للصمت إنما تتحقّق في مقامٍ يتطلب الصمت. تميّز الإنسانُ عن غيره باللغة، واستطاع إنتاجَ المعارف والعلوم والفنون والآداب وبناء الحضارات باللغة الشفاهية والمدونة، ولو افتقد الإنسانُ القدرةَ على الكلام يفتقد القدرةَ على التفكير وتوليد المعاني والبناء والانتاج. اللغة مثلما هي أداةٌ لاستيعاب المعاني وتوصيلها، هي أداةٌ لتوليد المعاني أيضًا. ‏لم تعد وظيفةُ اللغة في الفلسفة والعلوم الإنسانية والألسنيات الحديثة وعاءً لحمل المعنى وإيصاله للمتلقي فقط، بل صارت أداةً لإنتاج المعنى وتكوينه أيضًا. التواصل بين الإنسان والإنسان يتحقّق ويتكرّس باللغة، بواسطة اللغة تنشأ العلاقاتُ الاجتماعية وتترسخ، ومثلما تبني هذه العلاقات كلماتُ المحبة الصادقة، تهدمها الكلماتُ السامّة. حين تحضر الكلماتُ السامّة ينبغي أن يرحل الإنسانُ عاجلًا ليتخذ من الصمت مقامًا.

مثلما يكون الصمتُ الحكيم ضروريًا أحيانًا لتربية الذات، يكون البوحُ ضرورةً يفرضها سلامُ الذات، وترويحُ النفس المتعبة لحظةَ لقاء المحبين. الحُبّ يتطلع على الدوام لإعلان المحبِّ عن أشواقه وولهه بمحبوبه. الحُبّ ينشد حضورَه وتنميتَه بكلمات المحبة الصادقة، الصمت لا يغذّي الحُبَّ ولا يثريه، يذبل الحُبّ إن كان أحدُ الحبيبين مُضرِبًا عن الكلام. البوح بالأشواق وبهجة لقاء المحبين ضرورةٌ لتغذية وتنمية المحبة وتكريسِها،كلماتُ المحبة الصادقة توقظ المحبة، ويرويها التعبيرُ عن الأشواق ولهفة اللقاء. وتعصف بها وتزلزلها الكلماتُ اللامسؤولة، وردودُ الأفعال العاصفة.

يحتاج الإنسانُ البكاء، وإعلانَ الحزن بأساليب متعارَفة في مجتمعه، للتنفيس عن نكبةِ فقدان حبيب، أو فجيعةٍ تعرّض لها. يحتاج الإنسانُ للتحدّث عن مواجعه وآلامه وهمومه، لمَن يجده ملاذًا يحتمي فيه.كبتُ الحزن وإكراهُ النفس على ما لا تطيق شيءٌ والصمت شيءٌ آخر، الكبتُ في مورد يطلب التعبيرَ عن مرارة الحزن يورث العقدَ النفسية. الإنسانُ الاستثنائي فقط يمكنه كبتَ أحزانه المريرة أحيانًا.

يُستعمل الصمتُ في بعض الأمراض النفسية بوصفه علاجًا، وكثيرًا ما يُستعمل الاعترافُ واستدعاءُ المكبوت واللاواعي في العلاج النفسي. الخطوةُ الأولى في العلاج هي اعترافُ المريض النفسي بأنه مريضٌ. تفرض الضرورةُ العلاجية في التحليل النفسي التحدثَ عن الذكرياتِ الموجعة الغاطسة، والجروحِ المنسية، والعقدِ النفسية المطمورة في اللاوعي، لتفريغِ ما هو مكبوتٌ في الأعماق، وتفتيتِ ما يثير الاكتئابَ والحزن والفزع، وما يتسبب في اضطرابات نفسية. المعالج الذي يعتمد التحليلَ النفسي وتفسيرَ أحلام المريض، يعتمد التداعي الحرّ لاستحضارِ الذكريات المؤلمة، وإخراج ِما هو غاطسٌ منذ زمن بعيد، بغيةَ تحرير المريض مما يختبئ في أغوار النفس.

 

https://alsabaah.iq/97805-.html

 

صمت المجتمع وصمت الفرد

د. عبد الجبار الرفاعي

عدتُ من عُمان الأسبوع الماضي، بعد المشاركة في ملتقى بيت الزبير الفلسفي الثاني، المنعقد في مسقط، بتاريخ 28 – 29 إبريل 2024. الملتقى هذا من أجمل الملتقيات والمؤتمرات والندوات الكثيرة التي شاركتُ فيها ببلدان متعدّدة، كان منظموه أذكياء في: إدارته، وتنظيمه، وتنوّع الأوراق المقدَّمة فيه، ومهارة المنظمين باستيعاب جيل الآباء وجيل الأبناء في لقاءٍ واحد، يناقش فيه التلميذُ أستاذَه ويصغي فيه التلميذُ لأستاذه. زيارتي هذه هي الثانية، بعد زيارة أولى سنة 2007 للمشاركة في مؤتمر فقهي، لم أكتشف في تلك الزيارة الخاطفة ملامحَ الشخصية العُمانية، الانطباعُ العاجل في الزيارة الأولى كان الرضا بما شاهدتُ في مسقط. في هذه الزيارة توغلتُ أعمق في مدينة السكينة هذه، واكتشفتُ المزيدَ من أبعادها، واتسعتْ صِلاتي بإنسانها. أدركتُ أن مفتاحَ دراسة شخصية أية مدينة هو شخصيةُ مواطنها، ونمطُ تنظيمها وعمارتها. أهلُ مسقط كأنهم مخلوقون من طينةٍ أخرى، لم يمسسها صخبُ العواصم وضجيجُها، ولم تتوتر أعصابُ سكانها بزحمة مركبات النقل واختناقها بالدخان والتلوث. أهل هذه المدينة دافئون، كرماء، مهذبون، عذبون، صامتون. يبادرونك بالسلام، ولا يبادرون بكلامٍ غير السلام، لا يتكلمون إلا إن سألتهم، يجيبون على قدر السؤال. ‏يتكلمون، لو تكلموا، بثقةٍ وهدوء تكاد لا تسمع أصواتَهم، لا يحاصرونك وأنت تجلس معهم بثرثرات وكلام يأكل سلامَ روحك. يتقن أهل عُمان فنَّ الإصغاء قدر إتقانهم لفن الصمت، مولعون بالصمت ولع المعلِّقين السياسيين في مجتمعنا بالكلام. تسائلتُ عن منابع الصمت في حياة هذا الإنسان، وكيف استطاع أن يتحكم بلسانه بصرامة إرادة وتهذيب، وتسيّد صمتُه وتغلّب على فضول كلامه، ولماذا نُكره نحن على العيش في بلاد لا يعرف إنسانُها الصمت،كأن الكلَّ فيها يحتشدون في مباراتٍ مزمنة للحكي المتواصل بلا مناسبة، يحكون بما لا يعنيهم، الجميعُ يضع نفسَه في مقام المتخصِّص بالسياسة والاقتصاد والثقافة والدين وكلِّ شيء، ولفرط انشغالهم بالحكي وتوهم المعرفة يعجزون عن الإنصات للمتخصِّص لحظة يتحدث.

روافدُ تشكّل شخصية الإنسان تتحكم فيها: الجغرافيا والمناخ، والاقتصادُ ونمط العيش، والتنوعُ الإثني والديني والثقافي، والمعطياتُ المختلفة للمحيط، وما تفرضه صيرورةُ الواقع وديناميكيةُ التغيير الاجتماعي، ونوعُ النظام السياسي، وقدرتُه على إداراة بلاده وعلاقاته الدولية والإقليمية بواقعية سياسية، وبراعته في إتقان التسويات السياسية في محيطه الجيوسياسي. نظام عُمان السياسي يبتني على أساس المواطنة الدستورية، النصابُ فيه الانتماءُ لأرضٍ واحدة تضمن عيشَ مواطنيها، وبناءَ دولة حديثة تتأسس على هوية وطنية عابرة للهويات الدينية والطائفية والإثنية، تلتقي فيها مصالحُهم المشترَكة. جغرافيا ومناخ عُمان واقتصادُه متنوع، فهو يغفو على أطول ساحلٍ لبلد في الخليج والجزيرة، هذا الساحل يرقد على شاطيءٍ متعرّج بطول 3165 كلم، ويمتدّ من مضيق هرمز في الشمال إلى اليمن الجنوبي. مدينةُ مسقط منذ القرن الأول للميلاد كانت مرفأ تجاريًا حيويًا يوصل الغربَ بالشرق، تستريح هذه المدينةُ على ساحلٍ بحري شاسِع، مبانيها أفقية بيضاء مريحة، لا تغرق وأنت تتجول فيها بغابة كتلٍ حجرية صماء لمبانٍ شاهقة،كالمدن الحديثة في الأرض. مدينةٌ تكاد تخلو من التلوث، لا يخنقك فيها عصفُ دوران محركات السيارات والمصانع ودخانُها الكئيب. كابوسُ التلوث في المدن الحديثة يستلب سكينةَ الروح ويكسر صمتَها وسلامها.

أهلُ عُمان شخصياتُهم عميقة عمق البحر، الشخصيةُ العميقة واثقة لا تبوح بأسرارها إلا لضرورة، تتقن قراءةَ معادلات واقعها، وتعرف جيدًا أين وكيف ومتى تتكلم، بصيرتُها حاذقة في إدراك وتدبير تناقضات الاجتماع والسياسة. وإن كانت تبدو بسيطةً بساطة الهواء، هذه الشخصية طرية كالماء إلا أنها لا تنكسر، تشبعتْ روحُها بهدوء البحر، ولم تتصدّع سكينتُها بهديره في أوقات معينة، وتغذّى ذهنُها بهيبة الآفاق المدهشة للمياه، وجلال مدياتها الواسعة أفقيًا وعموديًا، وألهم بصيرتَها ما يختزنه البحرُ في قاعه من كائنات غريبة وجواهر نفيسة. الشخصية العُمانية تاريخُها العريق محصلةُ تفاعل خلّاق لثقافات آسيوية هندية وإفريقية زنجبارية، وكأنها تشبعتْ بسلام البوذية وأديان الهند وآسيا المعروفة بالارتياض الروحي واكتشاف روافد بالسكينة، وارتوتْ من ثقافات بعض القبائل الإفريقية، يوم كانت عُمان امبراطوريةً يحكم سلطانُها مسقطَ وزنجبار.

كنتُ وما زلتُ أنجذب بشغفٍ للشخصية الصامتة، وهي قليلة جدًا في المحيط الذي أعيش فيه، وأشعر بالضجر من حضور مجالس تفرضها عليّ أعرافٌ اجتماعية، لا أجد مهربًا منها، أجزع فيها من هوس بعض المتحدثين بصوت غليظ أجشّ يقرع السمع، وهو يتحدث بلا أن يتوقف، بألفاظ يكرّرها في المجالس اليومية المدمِن عليها، وهو لا يعرفها جيدًا، وكثيرٌ مما يقوله لا يعرف عنه شيئًا، ويتسابق معه آخرون بشكلٍ منفر، ليعتلو منصةَ الكلام في هذا الجمع المتنوع، وتلبث أنت مكرها على الاستماع، في مكان اضطرتك الأعرافُ للحضور فيه. إثر ذلك صرتُ أكتفي منذ سنوات برسالةٍ هاتفية ومكالمة، وأحيانًا رثاءٍ في وسائل الاتصال للأحبة، لئلا يعبث بسلامي الداخلي هذا الضجيجُ الذي أجزع منه.

كان يأسرني أحدُ الأصدقاء بصمتِه الملهِم، وكلامِه القليل جدًا، الذي كنتُ أتعلّم منه وأشتاق اليوم إليه. فرض علينا المنفى أنا وهو أن نعيش في مدينةٍ واحدة عدة سنوات.كان هذا الرجل حادَّ الذكاء، متفرّدًا بعدد غير قليل من الأفكار والمواقف وطريقة العيش. صامتًا أغلب الوقت، قلّما يتكلم، ولو تكلم نطق بأسئلةٍ لا تولد إلا في الأذهان اليقظة، ولو تحدّث في توصيف وتحليل مفهوم أو ظاهرة أو حدث أو موقف، يذهب بعيدًا عن المرئي على السطح. أفكارُه لافتة، جَسورٌ في عقله، وعيُه مرآةٌ للواقع، لغته لا يرهقها فائضٌ لفظي وهذرٌ مبتذل. أراه في الشارع يمشي وحده، ويعيش وحده، وينام في غرفة وحده، ويأكل وحده، ولا ينخرط في أية مجموعة يستنزف معها الوقت.كنا نتمشى معًا قبل نحو 40 سنة، سألتُه ما رأيك أن نلتزم بموعدٍ يومي نلتقي فيه، ونتحدث في شيءٍ من شؤون الدنيا والدين، أجاب: حتى لو تمشيتُ مع أيّ إنسان أحبّه، لا أستوفي حاجتي إلا أن أتمشى وحدي،كان متأملًا عميقَ النظر، تراه وهو منشغلٌ بسياحةٍ داخل ذاته، تتحسّس كيف أيقظ الصمتُ ذهنَه من سباته، وأنقذه من ضوضاء الثرثارين ولغوهم، يحرص ألا يكسر صمتَه بأيِّ إغواءٍ مهما كان. يقول أنه لا يطيق الحضورَ الطويل مع مَن يحبهم، فكيف يطيق الحضورَ مع أولئك البشر الذين يضجر منهم الحجر. رأيتُ هذا الصديقَ ينشغل دائمًا بما هو مثمر وبنّاء، كانت شخصيتُه تتطور وتتكرّس بشكلٍ يدهشني، قرر تعلّمَ اللغة الإنجليزية، فصار يقرأ ويكتب بالإنجليزية في ستة أشهر، وقرّر أن يدرس الرياضيات العالية والفيزياء النظرية والكيمياء وعلوم الحياة، فقرأ مؤلفات حديثة متقدِّمة في هذه العلوم حتى استوعبها، على الرغم من أنه لم يكمل الدراسةَ الثانوية. لم يتعلّم على يد معلّم، بل كان معلّمًا لكلِّ من يعرفه. تعلّم من الصمت الزهدَ بكلِّ شيء، زرتُه في غرفةٍ يعيش فيها، لم أجد مدفأةً في شتاءٍ بردُه قارس، لما فكرتُ أن أتبرع له بمدفأة، قال: لا أحتاجها، قرّرتُ الاستغناءَ حتى عن بعض الاحتياجات الضرورية، بغية أن تتصلب إرادتي وتشتدّ، لا أريد أن تتملكني الأشياء، وأخاف من أن أمسي مملوكًا لها،كلُّ مَن تتملكه الأشياءُ يغدو هشًّا، ولا يقوى على مقاومة مواجع الأيام، فتكسره تقلباتُها، ويجرحه عنفُها.

جاء في توصية بوذا للرهبان في سياق تحذيرهم من “آفة الكلام” وحثِّهم على الصمت، قائلًا: “والحق أقول لكم: إن أفضلَ رفيق لمن يسير إلى الـ (نرفانا) الصمتُ والسكينة”.

 

https://alsabaah.iq/96625-.html

 

صمتُ الباطن بوصفه ثمرةً لصمت اللسان

د. عبد الجبار الرفاعي

‏الصمتُ موقفٌ حيال الصخب الذي يملأ العالمَ اليوم. ضجيجُ السيارات والمكائن والمصانع الحديثة، والحروب، وإحراق الغابات واستنزاف الطبيعة، يُجهِدُ السمعَ، ويرهق الذهنَ، ويُشعِر المتلقي بضراوةِ الواقع وشراسته. مضافًا إلى استعمال كلماتٍ ذات دلالات عنيفة في اللغة المتداولة في الإعلام والثقافة وتطبيقات وسائل التواصل والتخاطب بين البشر، حتى نبرة الأصوات المرتفعة في الحديث بين الناس لا تخلو من الغلظة والشدة.

نمطان للصمت: صمت اللسان، وصمت الباطن.كفُّ اللسان عن الكلام موقفٌ ينشد سكينةَ الباطن، لا يمكن أن يسكن الباطنُ مالم يكفّ اللسانُ عن فائض الكلام. لا قيمة لصمت اللسان لو لبث القلبُ يحترق بسموم الكراهيات والضغائن والأحقاد. تدريب الباطن على الصمت يتطلب أن يروّض الإنسانُ نفسَه على الهدوء، ويتخلص من الانغمار في المجالس الصاخبة، ويطهّر لسانَه من الكلمات البلهاء، ويقتصد في استعمال الكلمة، ويبتعد ما أمكنه عن الكلام في كلِّ شيء، ويكتفي بما هو نافعٌ وضروري من الكلام، عندما يفرض عليه الموقفُ ولادةَ الكلمة. وقبل تهذيب لسانه وبعده عليه أن يُطهِّر قلبَه من الكراهية، ولا يُطهِّر القلبَ إلا اغتسالُه بالحُبّ.

لا يمكن أن نضع تعريفًا مانعًا جامعًا للصمت، مادام صمتُ الباطن حالةً وجودية، والحالات من هذا النوع عصيةٌ على استكناه ماهيتها، وإن كان يمكن توصيفُها، والحديثُ عن نتائجها وآثارها. ذلك ما يجعل الكلامَ حول الصمت أشبه بتوصيف ما يتذوقه العرفاءُ وذوو التجارب الدينية لحظةَ إشراق وتجلي الروح وصفائها، اللغة تضيق عن التصور الواضح لكيفياتِ التجلي والتعبيرِ عنها كما هي.

من أثمن ثمرات صمت الباطن قوةُ الإرادة وشحذُ فاعليتها، وقدرتها على جعل الإنسان يتسامي ليحمي ذاتَه من الأنماط المتعدّدة للاستعباد، وإنتاجُ طاقةٍ خلّاقة تمكّن إرادةَ الإنسان من التحرّر من كلّ حاجةٍ ورغبة تمتلكه، وتجعله قادرًا على التحكم بكلِّ شيء، من دون أن يتحكم به أيُّ شيء، مهما كان بريقُه وإغواؤه. العرفان في الأديان، خاصة الآسيوية منها، ‏يهتم اهتمامًا ملحوظا بالصمت، ويبتكر رياضاتٍ متنوعة تستقي من الصمت وتستلهم منه طاقتَها. الإرادة تتجذّر وتتصلّب حيثما يكون الصمتُ تمرينًا متواصلًا يفرضه ارتياضٌ روحي، لا سيّما لو التزم المرتاضُ بالصمت يوميًا بشكلٍ منتظم.

‏ أن تعيش الحالةَ غير أن تفكر فيها، الصمتُ يمكّن الإنسانَ من أن يعيشَ حالةَ الايمان والحُبّ والسلام الداخلي ويتذوقها. لا ينشغل مَن يتذوق الحالاتِ بالنظر والتفكير والكلام عنها، كثرة الكلام تفسد التذوق. صمت الباطن حالة يعيشها الإنسانُ في أعماقه، وهو لا يتحقّق بلا ارتياضٍ متواصل، وتدريبٍ لتحرير النفس وخفض حساسياتها وانفعالاتها وغضبها وأغلالها إلى أدنى مستوى ممكن، وتطهيرِ القلب من الضغائن والأحقاد. ‏أما صمت اللسان فهو فعلٌ إرادي تستطيع اتخاذَه الشخصياتُ الصارمة.

‏ صمتُ الباطن يمكن ‏أن يخلّصَ الإنسان من عبوديتِه للمادة، واللهاثِ وراء المتع الرخيصة، والتهافتِ على سرابٍ سرعان ما يتلاشى. عندما يصير الصمتُ نافذةً للتأمل الصبور، يمكن أن يعمل على انبثاق النور في روح الإنسان، ويجعله قادرًا على الإنصات لصوت الله في الوجود.

الصمتُ الباطني حالةٌ تكرّس كينونةَ الإنسان وتثريها بالمعنى. هذا النوعُ من الصمت كان الرصيدَ الذي لن ينضب لشخصياتٍ ملهِمة مؤثرة جدًا في الحياة. من يكتسي هذا الصمتَ يخلع على ذاته هالة، خاصة إن كان ذا مقامٍ ديني أو علمي أو اجتماعي، فيشعر مَن يتعامل معه بسحرٍ خاص في شخصيته، ويطغى حضورُه حيثما يحضر، وتؤثر شخصيتُه الوقورة فيمن حوله، وإن كان لا يتحدث.

وحده صمتُ الباطن ‏يمكّن الإنسانَ من التوغلِ في الذات واكتشافِ طبقاتها العميقة، والتخفيفِ مما يثقل كاهلَها من أعباء تفوق طاقتَها. إنه صمتٌ تأملي يقظ، يحاور الذاتَ ويستبطنها في مونولغ داخلي تتحدث فيه الذاتُ لذاتها. ‏وينبعث فيه الذهن، ويصفو الباطن، وتجد فيه الحياةُ حضورَها الحيوي وتتجدّد قدراتُها. ويصيّر شخصيةَ الإنسان عصيةً على الإغواء، والتهافتِ على الغرق في المتع الحسية الآنية، والتهافتِ على العلاقات الاجتماعية العشوائية. بالصمت التأملي اليقظ أنجز الإنسانُ كثيرًا من الاختراعات والاكتشافات والإبداعات الأدبية والفنية الثمينة.

من مكاسب صمت الباطن صناعةُ الشخصيات الاستثنائية المتفرّدة الفذّة، القادرة على تحمل الوحدة والتكيّف معها، من دون شعورٍ بحاجةٍ للجري وراء شخص أو أشخاص يحتمي بهم الإنسانُ من الشعور المخيف بوحشة الوجود. يمنح هذا الصمتُ الإنسانَ قدرةً خلّاقة، ففي الوقت الذي يكون فيه وحدَه، ‏يشعر بصلةٍ حيّة بما حوله، وكأنه واحدٌ من حيث أنه متعدّد، ومتعدّد من حيث أنه واحد.

صمت الباطن منبع النور والحكمة والسلام، إنه جذوةٌ تنتج طاقةً متقدة تتيح للإنسان السفرَ في رحلة يتوغل فيها للتعرّف على الطبقات الغاطسة لنفسه وما هو مختبئٌ فيها، ومنها ينطلق لاكتشاف الإنسان والعالم من حوله. مَن يعجز عن التوغل في أعماق نفسه، ومعرفة ما يغوص بداخله، يعجز عن اكتشافِ العالم، والتعّرفِ على الإنسان المختلِف من حوله. الصمت نافذةُ ضوء للتأملِ والنظرِ البعيد الغور والتدبرِ في الذات، وانبثاقِ الأسئلة الوجودية الكبرى، وكما تنبثق هذه الأسئلةُ في فضاء الصمت يتوالد شيءٌ من إجاباتها في فضائه. هكذا يصير الصمتُ ملهِمًا للمعنى، ولبعض الإجابات المتناغمة مع الواقع لهذه الأسئلة.

‏‏‏‏ تكسر وسائلُ الاتصال الحديثة والتطبيقاتُ المختلفة الصمت. أينما تذهب اليوم تلاحقك الفضائيات، وتطبيقات وسائل التواصل المختلف، وهي تقصفك، بسيلٍ هادر ليلَ نهار، بكلامٍ مكرّر، مشوبٍ بدعاية مبتذلة. أكثر الأخبار السياسية مريرة، وكثيرٌ ممن يقدمون التحليلات مهنتُهم تكديسُ الكلام على الكلام. بعضهم يتكلم بكلماتٍ بلهاء، وكأن مهنتَه أن يحكي، بغضّ النظر عن مضمون ما يقول وقيمته ومصداقيته. ‏تطبيقات وسائل التواصل أتاحت للجميع التحدثَ للجميع، ‏فعندما يحضر إنسانٌ جاهل ثرثار على منصة تطبيقات تضمّ مليارات البشر، يظل يهذي بطريقةٍ تتسبّب بصداع رأس المتلقي. إن كنتَ تقرأ كلماته، أو تستمع إلى أحاديثه، أو ترى ما ينشره من صور وأشكال تعبيرية، تشعر بالقرف.كان مثلُ هذا الإنسان يتحدث لعدد محدود ممن حوله في مقهى أو مجلس أو مناسبة اجتماعية، أما اليوم فهو يؤذي مَن يتابعه على منصة هذه التطبيقات. ‏الصمت كان أكثرَ من الكلام في حياة الإنسان، تضخّمُ الديموغرافيا اليوم وازدحامُ الأرض بالبشر، وتراكمُ فضلات المنشئات الصناعية المتنوعة، وهستيريا الحروب، والتغييرُ المناخي، مزّقتْ صمتَ الطبيعة، وقدّمت الكائنات الحيّة المتوطنة في الأرض منذ مليارات السنين قربانًا لعبثِ الإنسان واستهلاكِه الفاحش للموارد الطبيعية، واستئثارِه بكلِّ شيء، وإبادتِه المتوحشة للأنواع الحيّة، بمختلف الوسائل الفتاكة. بقايا هذه الأنواع تستغيث فلا تُغاث، فزعًا من قهر الإنسان وإبادته لما تبقى منها في الأرض. أمست آهاتُ الأرض تستغيث من فتك الإنسان، وصار إنسانُ اليوم كثيرَ الهذر، وغارقا في استعمال مختلف الآلات، ومعظمها تصدر أصواتًا، وأغلب تلك الأصوات غريبةٌ على ما يألفه سمعُه. قلّما يجد إنسانٌ اليومَ محطةَ استراحة يحتمي فيها بصمت متأمل من الضجيج والضوضاء والكلمات الخرقاء.كلُّ ذلك لا يسرق العمرَ فقط، بل يسرق أثمنَ شيء في حياة الإنسان وهو سلامُه الداخلي.

واحدة من خطايا الأيديولوجيات المتفشية في بلادنا تجاهلُ التربية على الصمت والتأمل والتفكير والتساؤل، بل تعمل بالعكس على تحريض مَن ينخرط فيها وحثُّه على التحدث في كلِّ شيء وعن كلِّ شيء، بلغةٍ مشبَعة بالوثوقيات والجزميات النهائية. يحفّز الحثُّ على التحدث شهوةَ الكلام بمختلف القضايا، بلا تكوينٍ فكري يوفر غطاءً مناسبًا للحديث.

المؤسسات التربوية والتعليمية، والثقافية والإعلامية، والاجتماعية، والدينية، والحركات السياسية في بلادنا، تنهمك في بناءِ كياناتها بتكرارِ شعارات وكلمات رعناء، وتقيِّم مكاسبَها وتختبر نجاحاتِها في سياق ما تحقّقه من مهرجانات تعبوية واحتفالات ومارثونات وشعارات، وما تراكمه من فائضٍ لفظي لعباراتٍ وكلمات جوفاء، من دون أن ترى فيما تقدّمه منجزاتٍ حقيقية على الأرض لصالح الشعب، وبلا أن تكثّف جهودَها لبناءِ الوطن، وحمايتِه من الأخطار.

https://alsabaah.iq/95481-.html

 

الصمت بوصفه تغافلًا حكيمًا

د. عبد الجبار الرفاعي

بعض الأشخاص مصابون بما يشبه مرض يدعوهم للكلام المتواصل بلا انقطاع، لحظة يعثرون على من يستمع لهم، يشعر مَن يتحدثون معه كأن مهنة مثل هؤلاء الكلام لا غير. يتكلمون بلا مناسبة عن أي شيء بكلِّ شيء. عندما يهاتفون أحدًا أو يهاتفهم أحدٌ يتورط، يتكلمون بنبرة حادة وصوت مرتفع. يصاب المستمع بالانزعاج من التدفق السريع الغزير لكلماتهم، وعدم تلقي ما يبهج أو ينفع فيها. لا يسمحون لمن يحدثونه بالجواب، يسألونه فيجيبون أسئلتهم، عندما يطلب منهم المستمع السماح له بالكلام ولو بجملة واحدة، يشاكسون بلا ذوق، ويتجاهلونه، من دون رعاية لمقامه وعلمه وعمره، وما تفرضه آداب المجالس من الانصات والتحدث. يشعر من يتحدثون معه كأن مهنة مثل هؤلاء الكلام لا غير، فيكون همّ مَن ينصت البحث عن طريقة لبقة للهروب وانهاء المكالمة.

يتعلم الإنسانُ من الصمت التغافلَ الحكيم، أحيانا يتورط الإنسان في جواب أشخاص لجوجين، بمجرد يتفوه بكلمة، يشغلونه في سلسلة هذيانات مملة، لا يتوقفون لحظة واحدة. هم يبحثون عن الشهرة والفات نظر الغير بأي ثمن، وهو يريد تركيز تفكيره وتكثيف قدراته للانشغال بعمله. بارعون في ترديد شعارات مبتذلة، فلو تورط مَن يصغي إليهم بجواب عقلاني، يواجهونه بردود أفعال عاصفة غير مهذبة. الصمت يعلّم الإنسانَ التغافل، وتجاهل كل مَن يحاول اشغاله بمعاركه الشخصية وانفعالاته وغضبه وهوسه. ‏الصمت يخلق هالة تطرد عن الإنسان الشخصيات الطفيلية، وكلِّ مَن يعتاش على غيره، ويستنزف وقته وأمواله، وطاقته النفسية والعصبية والجسدية.

كثير من المشاكل تحدث في العائلة بين الزوجة والزوج تنشأ في فضاء مساجلات لفظية وأسئلة تافهة مكررة، وإلحاح ممجوج وتقريع بكلمات عشوائية، تصدر عن نوبات توتر عصبي وهيجان غاضب، إثر تأويل موقف أو سلوك أو كلمة خارج سياقها. أحيانًا يحاول كلا الزوجين الخروج من المأزق بمزيد من الكلام، وهو لا يدري أن أية كلمة يمكن أن تتوالد من سوء فهمها سلسلة لا تتوقف من ألفاظ الجدل العقيم، قد يتصاعد إلى سجالات تفوح منها رائحة كراهية منفرة، تنبعث مما هو مختزن ومتراكم لسنوات طويلة من مواقف خلافية مدفونة في أعماق الذاكرة، إلى الحد الذي تفجّر حالة من الصخب،كأنه كرة نار توقدها كلمات عنيفة. ربما تؤول إلى الطلاق، لو لم يبادر أحد الزوجين بإطفاء الحريق والكفّ عن الكلام.

كان أحد الأطباء يقضي يومه بين المستشفى والعيادة، ولا يصل البيت إلا بعد أن يمضي أربعة عشر ساعة، منهمكًا بتشخيص حالات المرضى في العيادة، وكتابة العلاج لهم، واجراء عمليات في المستشفى، تتطلب الكبرى منها ساعات طويلة من اليقظة والانتباه والدقة الحاذقة. لحظة يصل البيت تبدأ زوجته تتكلم بلا توقف، قبل الترحيب بقدومه، وتقديم الطعام له، وتأمين وسائل راحته. يقول: كنت أجيب على أسئلتها المكررة المؤذية، وعتبها على كلِّ شيء، فينطلق لسانُها كشلّال هادر بغضب شديد. أحيانًا نستنزف الليل بجدل عقيم، لا ينتج إلا مزيدًا من الألم والاضطراب في البيت، وتأجيل وقت الهدوء والنوم الذي أنا بأمس الحاجة إليه.  صار ذلك السلوك ينعكس بشكل مقلق على الأبناء، إذ أراهم يغرقون في حالة قلق ووجوم وذعر، مثلما كنت ألمحه حين تنطق فيه عيونُهم، وهي حائرة كأنها مصابة بحول، وتعبر عنه بحرقة آهاتهم المحبوسة. نصحني معالج نفساني، بعد أن عرضت عليه المأزق الذي يختنق فيه بيتي، أن أصمت ولا أجيب عن أي سؤال، ولا أنطق بأية كلمة مع زوجتي بالبيت، وأدعها تهذي إلى أن ينهكها الإعياء. بعد مخاض مرير من المعارك الكلامية الليلية التزمت بتوصية المعالج فورًا.كعادتها زوجتي تترقب وصولي، لتبدأ الكلام لحظة دخولي، وكأنها تبتهج عندما تصطاد طريدتها فتتلذذ وهي ترهقها بهذرها. لم تصدر مني أية إشارة أو كلمة، تشي بالقبول أو الرفض أو الاستنكار لما تقول، وهي تصب كلماتها كسيل متدفق. أنشغلت بشأني الخاص، وحاولت تأمين ما أحتاجه من طعام وغيره، بلا أن أكلمها أو أطلب منها أي شيء. وإن فوجئت زوجتي بهذا الموقف الطارئ، إلا أنها استمرت في الليلة التالية على عادتها، وكانت تطالب بالجواب وأنا جامد كحجر. تنظر لي بعينين ساهمتين، يعلنان الدهشة من سكوتي الغريب. في الليلة التالية لم تتوقف عن الكلام، اشتد إلحاحها على الجواب، وأحدثت صخبًا وضجيجًا، وواصلت سكوتي، فاضطرت أن تتلمس وجهي، وتحرك أطرافي، لم أتفاعل مع ذلك، وافتعلت عدم الاكتراث بما تفعل. انتابها قلق من إصابتي بالبكم، ورأيت عينيها تعرب عن شعور بذنب. في الليالي الخمسة الموالية صار يقل كلامُها بالتدريج. أخيرًا صمتت، التصقت بي وهي تقبلني وتجهض بالبكاء، وتطلب أن أنطق ولو بكلمة واحدة، واصلت الصمت، فأعلنت انها نادمة على عبثها، وعدم اكتراثها بمتاعبي وعملي اليومي المرهق، وطلبت الغفران بتوسل ذليل استمر إلى النوم، وكررت طلب الغفران، والتعهد بعدم العودة لثرثرتها الليلية، وهي تجهش بالبكاء وتولول وتقسم: والله العظيم، أعرف أنا غير مهذبة، أنا عبثت بأمن العائلة وسلامها الضروري للعيش بمودة وتراحم، والله لو فعلت مرة واحدة في أية ليلة يمكنك التخلص مني وتطليقي.

لا أعني بالصمت الخمول، الخمول غير الصمت، الخمول يعكس حالة انهزام، وشعور بفراغ مطلق، وانطفاء للمعنى بباطن الإنسان، ‏وغرق الذات في بحر السأم والضجر والعدمية. كما أن الصمت الذي أتحدث عنه ليس مرضًا عضويًا يحتاج مراجعة طبيب مختص بالنطق، أو نوعًا من المرض النفسي والاكتئاب الذي يتطلب علاجًا، أو الصمت الناشئ من الشعور بالخوف من الأفراد والمجتمعات والسلطات، أو من الشعور بالخجل، أو من الضجر والاغتراب الوجودي والاجتماعي. وهكذا لا أعني الصمت الذي يشوبه هروب من الخارج والانطواء على الذات، ولا هروب الذات من الذات، فهذا نوع من الصمت يعكس حالة خواء واكتئاب، وسأم من كلِّ شيء حتى من الكلام. وهو مرض نفسي يتطلب عيادة نفسانية للشفاء منه.

أحيانًا ضريبة كلمات طائشة خسارة كلّ شيء، يظل الندم يطارد الإنسانَ كلّ عمره لو نطق بكلمات قاتلة في مقام يتطلب الصمت. الصمت ينقذ الإنسان من الهلاك، كما نرى أثره في الخلاص من بعض الخصومات والأحقاد والعداوات والنزاعات والمعارك، وحتى من جرائم القتل، الناتجة عن كلمات متهورة وردود أفعال حمقاء، حين يعجز المتكلم عن التحكّم بلسانه. لو صمت إنسانٌ في بعض الحالات دقائق معدودة لتخلص من التورط بجريمة قتل. استمعت إلى اعتراف يعلن فيه مجرم قتل أحد الشباب الأبرياء، إثر كلمات خرقاء صدرت لحظة غضب عنيفة. يوصي هذا القاتل غيره بتجنب الكلمات النزقة المتهورة، وكظم الغيض، وردود الأفعال الخارجة عن السيطرة لحظة الغليان الداخلي. ‏يقول: عندما استمعت إلى أمرٍ من شخص لديه تخويل حكومي، يطلب مني الامتناع عن ممارسة عمل ممنوع بلا ترخيص من السلطات المسؤولة، اشتعلت أعصابي، وصرخت بكلمات هوجاء، وأنا في هذه الحالة اخرجت مسدسي وأطلقت النار فورًا على رأسه. ثم يعقب هذا القاتل بحسرة ولوعة: لو كنت قادرًا على مسك لساني، والسيطرة على غضبي وكبته بداخلي دقائق معدودة، لتخلصت من ارتكاب هذه الجريمة الرعناء، والغرق في عار أبدي. أدركت بعد قليل أني أزهقت روحي لحظة أزهقت روح الضحية، قتلته إلا أني واصلت قتل نفسي كل يوم مادمت حيًّا، هكذا ضاعت حياتي بفعل فشلي في السيطرة على الصمت مدة قليلة جدًا. مضافًا إلى احتراق ضميري بنزيف الخطيئة المزمن، ضاع حاضري ومستقبلي، وتحملت عائلتي بغيابي الأبدي عنها، وخسرانها لمصدر عيشها، ما لا طاقة لها على تحمله.

https://alsabaah.iq/95072-.html