من الظمأ الأنطولوجي إلى فلسفة العبور

د. عامر عبد زيد الوائلي[1]

ليس من السهل قراءة مشروع عبد الجبار الرفاعي بوصفه مجرد محاولة لتجديد الخطاب الديني أو إعادة صياغة العلاقة بين الإنسان والدين، لأن المسألة التي يقف عندها مشروعه تتجاوز حدود التجديد الخطابي إلى سؤال أكثر عمقًا يتعلق بصورة الإنسان التي ينتجها الدين، وبنوع الحياة التي يستطيع أن يمنحها للإنسان حين يتحول من منظومة من الأحكام والتكاليف إلى تجربة في الوجود والمعنى. ومن هنا تأتي أهمية كتاب «الدين والظمأ الأنطولوجي»؛ فالكتاب لا يضع الدين في مواجهة الحداثة فحسب، ولا يكتفي بنقد التدين التقليدي، وإنما يحاول أن يعيد بناء السؤال الديني من نقطة تقع أعمق من العقيدة والمؤسسة والطقس، أي من نقطة الإنسان بوصفه كائنًا مأخوذًا بسؤال المعنى ومفتوحًا على ما يتجاوز وجوده المباشر.

إن مفهوم «الظمأ الأنطولوجي» هو المفتاح الذي يسمح بالدخول إلى هذا المشروع؛ فالظمأ هنا ليس حاجة عرضية يمكن إشباعها بإجابة جاهزة، وإنما هو تعبير عن نقص أصيل في الوجود الإنساني، عن ذلك القلق الذي يجعل الإنسان لا يكتفي بأن يكون موجودًا، بل يريد أن يعرف لماذا يوجد، وكيف يمكن أن يمنح وجوده معنى، وما الذي يجعل حياته جديرة بأن تُعاش. ولذلك فإن الدين، في الأفق الذي يرسمه الرفاعي، لا يبدأ من الإجابة وإنما من السؤال، ولا يبدأ من امتلاك الحقيقة وإنما من تجربة الحاجة إلى المعنى.

أولًا: من الدين بوصفه منظومة إلى الدين بوصفه تجربة وجودية

تكمن إحدى أهم تحولات الرفاعي في نقله مركز الثقل من الدين بوصفه نظامًا تشريعيًا إلى الدين بوصفه تجربة إنسانية. وهذا التحول ليس مجرد تغيير في المفردات، بل هو تغيير في نقطة النظر إلى الظاهرة الدينية نفسها. ففي التصورات التقليدية غالبًا ما يُنظر إلى الدين من الأعلى، أي من جهة النص والعقيدة والأحكام والمؤسسة، ثم يُطلب من الإنسان أن يدخل في هذا البناء وأن يعيد تشكيل حياته وفق مقتضياته. أما الرفاعي فيحاول أن ينظر من الأسفل، من الإنسان نفسه، من حاجاته الوجودية، من خوفه ورجائه وحيرته وموته وحاجته إلى الحب والمعنى.

وهنا يصبح السؤال: ماذا يفعل الدين بالإنسان؟ أكثر أهمية من سؤال: ما الذي يعتقده الإنسان؟ فالإيمان لا يُقاس فقط بمقدار ما يحفظه الإنسان من تصورات عقدية، وإنما بما إذا كان قادرًا على أن يصنع منه إنسانًا أكثر قدرة على الحياة، وأكثر رحمة، وأعمق إحساسًا بكرامة الآخر، وأكثر تصالحًا مع هشاشته وقلقه ومحدوديته. وهذا التحول يضع الرفاعي في مواجهة مباشرة مع أحد أعمق أزمات التدين المعاصر: أزمة الفصل بين المعرفة الدينية والحياة. فقد يمتلك الإنسان معرفة واسعة بالنصوص والمقولات والمذاهب، ولكنه يظل عاجزًا عن تحويل هذه المعرفة إلى تجربة إنسانية حية. وعند هذه النقطة تصبح المعرفة الدينية قابلة لأن تتحول إلى سلطة، في حين يتحول الإيمان إلى هوية مغلقة، ويتحول المقدس إلى أداة للتمييز بين المؤمن والكافر، وبين الجماعة والآخر.

إن الدين الذي يبحث عنه الرفاعي هو دين يستعيد علاقته بالإنسان قبل أن يستعيد سلطته على الإنسان، ويعيد الاعتبار للتجربة الروحية قبل أن يعيد إنتاج المؤسسة الدينية. ولذلك فإن «الظمأ» أهم من «الامتلاك»؛ لأن الظمأ يبقي الإنسان في حالة بحث، في حين يوحي الامتلاك بأن الحقيقة أصبحت شيئًا مكتملًا يمكن حيازته والدفاع عنه.

 ثانيًا: الظمأ الأنطولوجي وتحول صورة الإنسان

تنبع قوة مفهوم الظمأ الأنطولوجي من أنه يعيد تعريف الإنسان نفسه. فالإنسان ليس كائنًا مكتملًا يمتلك ماهية ثابتة ثم يعيش داخل العالم، وإنما هو كائن ناقص ومفتوح، يعيش بين ما هو كائن وما يمكن أن يكون. إنه كائن لا ينفك يتجاوز صورته الراهنة بحثًا عن صورة أخرى لوجوده.

ومن هنا يمكن قراءة الظمأ الأنطولوجي بوصفه تعبيرًا عن انفتاح الوجود الإنساني على الممكن. فالإنسان لا يعيش بما هو عليه فقط، وإنما بما يتطلع إلى أن يصير إليه. ولذلك فإن الدين حين يستجيب لهذا الظمأ لا ينبغي أن يغلق إمكان الإنسان داخل نموذج مكتمل ونهائي، بل ينبغي أن يساعده على اكتشاف إمكاناته الوجودية والأخلاقية والروحية.

وهذا الجانب من مشروع الرفاعي بالغ الأهمية؛ لأنه ينقل قضية الدين من سؤال «ماذا ينبغي أن أعتقد؟» إلى سؤال «أي إنسان أستطيع أن أصبح؟». والفرق بين السؤالين كبير؛ إذ يمكن للسؤال الأول أن ينتج منظومة من التصنيفات، بينما يفتح الثاني المجال أمام التربية والتحول والنمو.

إن الإنسان المتدين، في هذا المنظور، ليس مجرد حامل لعقيدة، وإنما هو مشروع إنساني مفتوح. والإيمان الحقيقي لا يكون في كثرة ما يمتلكه الإنسان من أجوبة، بل في قدرته على أن يجعل حياته نفسها مجالًا للبحث عن الخير والحقيقة والجمال والمعنى.

ولذلك فإن الظمأ الأنطولوجي لا ينبغي أن يُفهم باعده نقصًا سلبيًا، بل بوصفه شرطًا للإمكان. فالإنسان الذي لا يظمأ إلى معنى يتوقف عن السؤال، والذي يتوقف عن السؤال يتحول بسهولة إلى كائن مغلق داخل ما هو جاهز. أما الظمأ فإنه يحافظ على المسافة بين الإنسان وما هو عليه، ويفتح أمامه إمكان التحول.

ثالثًا: نقد التدين الذي يستبدل الإنسان بالمؤسسة

يصبح هذا التصور أكثر وضوحًا عندما يضع الرفاعي التجربة الدينية في مواجهة التدين الذي استحال إلى مؤسسة مغلقة. فالمشكلة ليست في وجود المؤسسة الدينية من حيث هي مؤسسة، وإنما في اللحظة التي تصبح فيها المؤسسة غاية بذاتها، ويصبح الإنسان تابعًا لها بدل أن تكون هي في خدمة إنسانيته.

وهنا يمكن التمييز بين الدين والتدين. فالدين يحيل إلى أفق المقدس والمطلق، في حين التدين هو الصورة التاريخية والاجتماعية والثقافية التي يتجسد بها الدين في حياة البشر. ولأن التدين فعل بشري، فإنه قابل لأن يتأثر بالسلطة والتاريخ والعادات والمصالح والهويات والصراعات.

ومن أخطر نتائج عدم التمييز بين الدين والتدين أن تتحول القراءة البشرية للدين إلى دين ذاته، وأن يتحول الاختلاف في التأويل إلى اختلاف في الإيمان، وأن تصبح الجماعة التي تمتلك تفسيرًا معينًا وكأنها تمتلك الحقيقة المطلقة نفسها.

إن الرفاعي يفتح بهذا التمييز مجالًا لإعادة تحرير الدين من كثير من التراكمات التاريخية التي التصقت به حتى أصبح من الصعب أحيانًا الفصل بين المقدس والبشري. وهذا التحرير لا يعني هدم الدين، بل يعني استعادة المسافة الضرورية بين النص وتأويله، وبين المقدس والتاريخ، وبين الإيمان والمؤسسة.

ومن هنا يمكن القول إن مشروع الرفاعي يقوم، في أحد أبعاده الأساسية، على أنسنة المجال الديني؛ أي إعادة الإنسان إلى مركز التجربة الدينية بعد أن تراجعت إنسانيته أمام مركزية المؤسسة والنص والتفسير المغلق.

رابعًا: من الخوف إلى إيمان الحب والرحمة

من أبرز التحولات التي يتيحها مفهوم الظمأ الأنطولوجي إعادة بناء العلاقة بين الإنسان والمطلق. فالدين يمكن أن يتحول، في بعض أنماط التدين، إلى منظومة من الخوف: الخوف من العقاب، الخوف من الاختلاف، الخوف من الآخر، الخوف من الخطأ، والخوف من فقدان الانتماء. وفي هذه الحالة يصبح الإنسان متدينًا لأنه خائف، لا لأنه عاش تجربة روحية عميقة.

لكن الدين الذي ينطلق من الظمأ الأنطولوجي يبحث عن علاقة مختلفة، علاقة يكون فيها الحب والرحمة مركز التجربة الروحية. فالحب لا يلغي الخوف بصورة نفسية فحسب، وإنما يعيد صياغة علاقة الإنسان بالمطلق وبالعالم، والرحمة تؤسس لعلاقة إنسانية بالآخر. الإنسان الذي يتعامل مع المطلق بوصفه رحمة وحبًا لا يستطيع أن يحول المقدس بسهولة إلى أداة لإذلال الآخرين أو إقصائهم.

وهنا يتخذ مشروع الرفاعي بعدًا أخلاقيًا واضحًا: قيمة التدين لا تكمن في مقدار حضوره في اللغة والطقوس والشعائر فقط، وإنما في مقدار ما يتحول إليه في سلوك الإنسان تجاه الآخرين. فإذا لم ينتج الإيمان رحمة وعدلًا وكرامة، فإنه يكون قد انفصل عن جوهر التجربة التي يدعي التعبير عنها.

خامسًا: الظمأ الأنطولوجي بوصفه مقاومة للانغلاق

يمكن، من زاوية أخرى، قراءة مفهوم الظمأ الأنطولوجي بوصفه مفهومًا مضادًا للانغلاق. فالظمأ يعني أن الإنسان لا يملك نفسه بصورة نهائية، وأن وجوده يظل مفتوحًا على ما لم يتحقق بعد. وهذا الانفتاح يجعل الإنسان أقل قابلية لتحويل تجربته الخاصة إلى معيار نهائي للوجود.

ومن هنا فإن مفهوم الظمأ يحمل إمكانًا مهمًا للحوار الديني. فالإنسان الذي يعترف بأنه يطلب الحقيقة لا يتصرف كما لو أنه امتلكها بصورة نهائية، والإنسان الذي يعيش تجربته بوصفها بحثًا يظل أكثر قدرة على الاعتراف بتجارب الآخرين.

لكن هذه الفكرة تحتاج إلى تطوير فلسفي أكبر؛ إذ إن مجرد الاعتراف بالظمأ لا يكفي وحده لضمان الانفتاح. فقد يعيش الإنسان حالة من القلق الوجودي ثم يبحث عن يقين مغلق يخلصه من هذا القلق. ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام مفهوم الظمأ هو أن يتحول من حاجة إلى الإشباع إلى قدرة على السكن في السؤال.

وهنا تحديدًا تظهر قيمة المشروع الرفاعي، ولكن تظهر معه أيضًا إحدى نقاطه التي يمكن تطويرها: كيف يمكن تأسيس فلسفة دينية تجعل الظمأ حالة وجودية مستمرة، لا مجرد مرحلة مؤقتة تنتهي عند العثور على إجابة؟ وكيف يمكن الحفاظ على التوتر الخلاق بين الإيمان والبحث، وبين الطمأنينة والقلق، وبين الانتماء والانفتاح؟

سادسًا: نحو فلسفة إنسانية للدين

إذا أخذنا مفهوم الظمأ الأنطولوجي إلى نتائجه القصوى، فإننا نكتشف أن مشروع الرفاعي لا يتحدث عن الدين وحده، وإنما عن إعادة بناء الإنسان. فالدين يصبح مجالًا لإعادة اكتشاف الإنسان بوصفه كائنًا محدودًا ومفتوحًا في الوقت نفسه، كائنًا يحتاج إلى المعنى لكنه لا يستطيع امتلاك المعنى بصورة نهائية.

ومن هنا تتجاوز أهمية الكتاب المجال الديني الضيق لتصل إلى المجال الفلسفي؛ لأنه يطرح سؤالًا عن علاقة الإنسان بالمطلق، وعن معنى التجربة الروحية، وعن حدود المعرفة، وعن هشاشة الإنسان، وعن إمكانية بناء أخلاق دينية لا تقوم على الإكراه والخوف، بل على الحرية والحب والرحمة.

ومع ذلك فإن المشروع يظل بحاجة إلى تعميق مفهوم «الأنطولوجي» نفسه. فالظمأ الأنطولوجي ليس مجرد عطش روحي أو حاجة نفسية إلى المعنى، بل ينبغي أن يُبنى بوصفه بنية في وجود الإنسان ذاته: الإنسان موجود في حالة عدم اكتمال، ولذلك فهو يتطلع، ويتجاوز، ويتساءل، ويبحث عن معنى يتجاوز المعطى المباشر.

وعند هذه النقطة يمكن أن يتحول مفهوم الظمأ الأنطولوجي من مفهوم وصفي إلى مفهوم فلسفي تأسيسي؛ إذ يصبح التعبير عن البنية المفتوحة للوجود الإنساني، وعن استحالة اختزال الإنسان في هوية نهائية أو تعريف مكتمل.

سابعا: من الظمأ الأنطولوجي إلى فلسفة العبور

ربما لا ينبغي أن تنتهي قراءة كتاب «الدين والظمأ الأنطولوجي» عند ما يقوله الظمأ عن الدين، بل عند ما يفتحه الظمأ من سؤال يتجاوز حدوده الأولى. فالرفاعي يضع يده على منطقة شديدة الأهمية في الوجود الإنساني: الإنسان ليس كائنًا مكتفيًا بذاته، ولا وجوده مغلقًا على ما تحقق منه، وإنما يسكنه نقص يدفعه إلى البحث عن المعنى، ويوقظ فيه توقًا إلى ما يتجاوز حضوره المباشر. بهذا المعنى يصبح «الظمأ الأنطولوجي» كشفًا عن بنية مفتوحة للإنسان؛ فالإنسان يطلب لأنه غير مكتمل، ويتطلع لأنه لا يستنفد إمكانه في حاضره.

لكن ماذا لو أخذنا هذه الفكرة إلى ما بعد الظمأ نفسه؟ إن الظمأ يكشف أن الإنسان يريد أن يتجاوز ما هو عليه، لكنه لا يفسر وحده كيف يحدث هذا التجاوز، وما الذي يقع في المسافة بين ما هو كائن وما يمكن أن يكون. هنا تبدأ إمكانات أخرى للتفكير. فالإنسان لا يعيش فقط حالة من التوق إلى معنى غائب، وإنما يتحرك داخل حدود، ويصطدم بعوائق، ويعيد بناء علاقاته، ويغير صورته عن ذاته والعالم، وينتقل من إمكان إلى إمكان. ولذلك فإن الظمأ قد يكون بداية الحركة، لكنه ليس الحركة كلها؛ إنه استشعار للبعد المفتوح في الوجود، أما العبور فهو اشتغال الإنسان داخل هذا الانفتاح. ومن هنا يمكن أن نقترح، لا بوصفه اعتراضًا على الرفاعي وإنما بوصفه توسيعًا للكرة التي فتحها، الانتقال من «الظمأ الأنطولوجي» إلى «العبور الأنطولوجي».

الظمأ يقول: لست مكتفيًا بما أنت عليه. أما العبور فيضيف: ما دمت غير مكتفٍ بما أنت عليه، فإن وجودك يدخل في حركة التحول. وبين الجملتين مسافة فلسفية واسعة. فالظمأ يكشف النقص والانفتاح، في حين يحاول العبور أن يفكر في الدين والإنسان والعالم من داخل هذه المسافة نفسها: مسافة الانتقال من هوية إلى أخرى، ومن معنى إلى معنى، ومن حدود إلى حدود، ومن صورة للذات إلى صورة لم تتشكل بعد.

هنا لا يعود «المطلق» مجرد نقطة يصل إليها الظمآن، ولا تصبح العلاقة بالدين مجرد بحث عن إشباع روحي للقلق الوجودي؛ بل تصبح التجربة الدينية نفسها مسار عبور. الإنسان لا يمتلك المطلق، ولا يحوله إلى موضوع مكتمل، وإنما يدخل معه في علاقة تغيّر طريقة وجوده في العالم. الإيمان، بهذا المعنى، ليس وصولًا نهائيًا، بل علاقة مفتوحة؛ والروحانية ليست إخمادًا للظمأ، وإنما تحويل للظمأ إلى قدرة على العيش في أفق المعنى.

وهذا التوسيع يغيّر أيضًا معنى «النقص». فالإنسان الناقص ليس إنسانًا معيبًا ينتظر أن تكتمل ماهيته، بل كائن مفتوح لأن وجوده لم يُغلق بعد. إن النقص هنا ليس عجزًا، بل إمكان؛ وليس فراغًا ينتظر الامتلاء، بل مساحة تسمح بالتحول. ومن ثم فإن الإنسان لا يصبح إنسانًا لأنه يبلغ صورته النهائية، وإنما لأنه يستطيع أن يعبر من صورته الراهنة إلى صورة أخرى دون أن يتوهم أن الصورة الجديدة هي النهاية.

وهنا تلتقي فلسفة العبور مع الظمأ الأنطولوجي وتختلف عنه في الوقت نفسه. تلتقي معه في رفض الإنسان المكتمل والمغلق، لكنها لا تتوقف عند سؤال التوق. إنها تسأل عن بنية العبور نفسها: كيف يتحول التوق إلى حركة؟ كيف تصطدم الحركة بالحد؟ وكيف يتحول الحد من جدار يمنع العبور إلى منطقة تسمح بإمكانه؟ وكيف تنتج عمليات العبور ذواتًا وهويات ومعاني جديدة؟

بهذا المعنى، لا يكون الحد نقيضًا للعبور. فالعبور لا يحدث في فضاء بلا حدود؛ إنه يحدث لأن هناك حدًا. لكن الحد، في فلسفة العبور، ليس بالضرورة جدارًا نهائيًا، بل يمكن أن يكون منطقة تماس، ومنطقة تفاوض، ومنطقة تحول. ولذلك فإن الإنسان لا يعبر العالم لأنه يعيش خارج الحدود، وإنما لأنه يعيش عند الحدود وداخلها وعبرها.

ومن هنا يمكن إعادة قراءة الدين نفسه. فإذا كان الظمأ الأنطولوجي يكشف حاجة الإنسان إلى المعنى، فإن فلسفة العبور تسأل عن الحدود التي تشكل هذه الحاجة: حدود الذات والآخر، الإنسان والمطلق، الإيمان والشك، المقدس والدنيوي، التقليد والتجديد، الهوية والاختلاف. والدين لا يكون حيًا حين يلغي هذه التوترات، بل حين يستطيع أن يحولها إلى إمكانات للعبور. وهذا يفتح أفقًا نقديًا مهمًا أمام التدين المغلق. فكلما تحولت العقيدة إلى هوية نهائية، والمؤسسة إلى سلطة لا تقبل العبور، والتفسير إلى حقيقة مغلقة، أصبح الدين مهددًا بأن يتحول من تجربة للمعنى إلى نظام لإنتاج الحدود. وفي المقابل، كلما احتفظ الدين بقدرته على إعادة فتح العلاقة بين الإنسان والمطلق، وبين الذات والآخر، وبين الإيمان والحياة، أمكن له أن يستعيد قوته بوصفه تجربة تحول.

ومن هنا يمكن أن نصوغ انتقالًا مفاهيميًا: (الظمأ، السؤال، الإمكان، الحد، العبور، التحول، معنى جديد، إمكان جديد. (اذ إن ما يبدأ عند الرفاعي كظمأ إلى المعنى يمكن أن يتسع، داخل فلسفة العبور، إلى نظرية في الوجود المفتوح. فالإنسان لا يظمأ فقط لأنه يبحث عن معنى، بل لأنه كائن في حالة صيرورة. وجوده يتحول، والتحول ينتج حركة، والحركة حين تواجه الحدود تنتج إمكان العبور. والعبور لا يقود إلى نقطة نهائية، بل يعيد الإنسان إلى حالة جديدة من السيولة، ومنها إلى عبور آخر.

وهنا تظهر أهمية مفهوم السيولة. فالعبور لا يمكن أن يكون ممكنًا إذا كان الوجود قد تصلب في هويات نهائية وحدود مغلقة. السيولة هي الشرط الأنطولوجي الذي يجعل إعادة التشكيل ممكنة. ولهذا فإن فلسفة العبور لا ترى في الإنسان كائنًا يعبر من نقطة إلى نقطة فقط، بل كائنًا موجودًا في السيولة؛ أي إن وجوده ذاته قابل لإعادة التكوين.

ومن هذه الزاوية، يمكن أن يصبح «الظمأ الأنطولوجي» عند الرفاعي إحدى العتبات المهمة في الطريق إلى «فلسفة العبور». فالظمأ يحرر الإنسان من وهم الاكتفاء، والعبور يحرره من وهم الثبات. الظمأ يقول إن الإنسان ليس مكتفيًا، والعبور يقول إنه ليس ثابتًا. الظمأ يفتح سؤال المعنى، والعبور يفتح سؤال التحول. الظمأ يجعل الإنسان متوجهًا إلى ما وراء حاضره، والعبور يجعله قادرًا على إعادة تشكيل هذا الحاضر. ولذلك فإن تجاوز الرفاعي هنا لا يعني تجاوزه بالرفض، بل توسيع دائرته الفلسفية. لقد وضع الرفاعي إصبعه على سؤال عميق حين جعل الظمأ جزءًا من بنية الإنسان؛ وما تفعله فلسفة العبور هو أن تأخذ هذا الظمأ بوصفه نقطة بداية، ثم تسأل عن العالم الذي يتحرك فيه الظمآن، وعن الحدود التي تعترضه، وعن أشكال العبور التي يصنعها، وعن التحولات التي تطرأ عليه أثناء ذلك.

إن الإنسان، في النهاية، ليس مجرد كائن يظمأ إلى المعنى، بل كائن يعبر بحثًا عنه. وليس الدين مجرد استجابة لهذا الظمأ، بل يمكن أن يكون أحد الأطر التي يتعلم الإنسان داخلها كيف يعبر من الخوف إلى الرجاء، ومن الانغلاق إلى الانفتاح، ومن العداوة إلى العلاقة، ومن امتلاك الحقيقة إلى السكن في أفقها. وهكذا يمكن أن ننتقل من سؤال الرفاعي: كيف يستجيب الدين للظمأ الأنطولوجي للإنسان؟ إلى سؤال فلسفة العبور: كيف يتحول الظمأ الأنطولوجي إلى عبور، وكيف يعيد العبور تشكيل الإنسان والدين والمعنى؟، في هذه النقطة لا تنتهي فكرة الرفاعي، بل تبدأ حياة فلسفية أخرى لها. فالظمأ يفتح الباب، لكن العبور يدخل منه؛ والعبور لا يلغي الظمأ، لأن كل عبور يخلق أفقًا جديدًا للظمأ. لذلك لا ينبغي أن نبحث عن دين يطفئ الظمأ نهائيًا، ولا عن فلسفة تنهي السؤال، وإنما عن تجربة إنسانية تستطيع أن تجعل من الظمأ قوةً للحركة، ومن الحد منطقةً للإمكان، ومن الاختلاف مجالًا للعلاقة، ومن التحول طريقةً للوجود.

ومن هنا يصبح الإنسان العابر امتدادًا طبيعيًا للإنسان الذي اكتشف الرفاعي ظمأه الأنطولوجي: إنسان لا يعيش خارج المعنى، ولا يمتلكه بصورة نهائية، وإنما يعيش في الطريق إليه؛ لا يسكن هوية مغلقة، بل يعيد تشكيلها؛ لا يرى الآخر جدارًا، بل إمكانية علاقة؛ ولا ينظر إلى الحدود بوصفها نهايات، بل بوصفها مواقع يمكن أن يبدأ عندها عبور جديد.

وهنا تحديدًا تتحول فلسفة العبور من مجرد فلسفة للانتقال إلى فلسفة للوجود في حالة السيولة: الوجود يتحول، والتحول ينتج حركة، والحركة تصطدم بالحدود، والحدود تفتح أو تغلق إمكان العبور؛ وما دام الإنسان كائنًا غير مكتمل، فإن وجوده يظل محكومًا بإمكان إعادة العبور.

بهذا المعنى، يمكن القول إن «الظمأ الأنطولوجي» يكتشف جرح الإنسان المفتوح على المعنى، بينما تحاول فلسفة العبور أن تفكر في الحركة التي تنشأ من هذا الجرح. وبين الاكتشاف والحركة تتسع الدائرة: من الظمأ إلى الإمكان، ومن الإمكان إلى العبور، ومن العبور إلى التحول، ومن التحول إلى تعدد لا يستقر في صورة نهائية.

ولعل هذه هي النقطة التي يمكن عندها أن نترك الرفاعي لا خلفنا، بل أمامنا؛ إذ يصبح كتابه عتبة لا خاتمة، وبداية سؤال لا إغلاقه. فالظمأ الذي كشفه يمكن أن يكون أحد المداخل إلى فلسفة تقول إن الإنسان لا يوجد لكي يستقر، بل لكي يتحول؛ وإن المعنى لا يوجد فقط لكي يُمتلك، بل لكي يُعاش ويُعاد إنتاجه؛ وإن الدين، حين يستعيد إنسانيته، يستطيع أن يكون فضاءً لهذا العبور. فالوجود يتحول، والتحول ينتج عبورًا، والعبور يصطدم بالحدود، والحدود إمّا أن تتحول إلى جدران أو إلى معابر؛ والفكر يبدأ حين يحاول إعادة فتح المعبر.

 خاتمة: من الظمأ إلى العبور

تكمن أهمية كتاب «الدين والظمأ الأنطولوجي» في أنه يحاول استعادة السؤال الذي سبق كثيرًا من الإجابات الدينية، وهو سؤال الإنسان عن معنى وجوده، وعن إمكان أن يتحول الدين من منظومة للامتثال إلى تجربة تمنح الوجود قابلية أوسع للمعنى. فالظمأ الأنطولوجي يجعل الإنسان كائنًا لا يستقر في صورته الراهنة، لأنه يظل مأخوذًا بما يمكن أن يكونه، وهذا ما يمنح التجربة الدينية بعدها الحيوي.

وإذا أردنا أن نذهب بمشروع الرفاعي خطوة فلسفية أخرى، أمكن القول إن الظمأ الأنطولوجي هو لحظة ما قبل العبور: فالإنسان لا يعبر لأنه يملك يقينًا نهائيًا، وإنما يعبر لأنه يشعر بأن وجوده الراهن لا يستنفد إمكان وجوده. الظمأ هو الذي يفتح الحد، والسؤال هو الذي يدفع الإنسان إلى الاقتراب منه، والإيمان هو إحدى الطرق التي يحاول بها الإنسان أن يمنح هذا العبور معنى.

بذلك نجعل الرفاعي عتبة تأسيسية، لا موضوعًا ننتهي عنده؛ وتُدخل مفاهيم مشروعنا الأساسية: التحول، الحد، السيولة، الإمكان، العلاقة، والإنسان العابر .

 

https://almothaqaf.com/readings-2/989985-%D8%B9%D8%A7%D9%85%D8%B1-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%B2%D9%8A%D8%AF-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B8%D9%85%D8%A3-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%86%D8%B7%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D9%81%D9%84%D8%B3%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A8%D9%88%D8%B1

 

[1] أستاذ الفلسفة بكلية الآداب في جامعة الكوفة.

مدخل إلى مشروع عبد الجبار الرفاعي

في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد

إبراهيم العروي[1]

يمثل عبد الجبار الرفاعي، المولود في محافظة ذي قار جنوب العراق سنة 1954، واحدًا من أصحاب المشاريع الفلسفية العربية المعاصرة الأكثر اتساقًا ومثابرة واستمرارًا. كرس أكثر من ثلاثة عقود لتأسيس أرضية معرفية لحقلين متداخلين لم يترسخ حضورهما بعد في الفضاء العربي: فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد. بلغ إنتاجه الفكري نحو ستين كتابًا، فضلًا عن رئاسته تحرير مجلة “قضايا إسلامية معاصرة” منذ تأسيسها سنة 1997 حتى اليوم، وإدارته مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد، وإشرافه على سلاسل مرجعية صدر فيها أكثر من ثلاثمئة كتاب في بيروت.  لم يقتصر مشروعه على التعريف بفلسفة الدين ونقل مباحثها إلى العربية، إذ عمل على بناء رؤية خاصة تنطلق من مركزية الإنسان وكرامته، وتفسر الدين استجابة لحاجة وجودية عميقة إلى إنتاج معنى روحي وأخلاقي وجمالي للحياة. أعاد في ضوء هذه الرؤية قراءة الوحي والنبوة والإيمان والتجربة الدينية ولغة الدين، وسعى إلى تحرير علم الكلام من أسئلته الموروثة ومقولاته المغلقة، ونقله من الدفاع عن العقائد إلى فهم الإنسان وحاجاته الوجودية في العالم الحديث. لا يدعي هذا المدخل الإحاطة بمختلف أبعاد المشروع وامتداداته، ويسعى إلى رسم خريطته العامة، وتتبع منطلقاته وتحولاته، والكشف عن أدواته في التفكير، وتحليل مفاهيمه المحورية، وبيان ما يميزه من المشاريع الفكرية العربية المعاصرة، ومناقشة أبرز الأسئلة والاعتراضات التي أثارها خصومه ومحاوروه.

تلقى عبد الجبار الرفاعي علوم الدين في حوزة النجف الأشرف ابتداء من سنة 1978، واضطر إلى مغادرة العراق سنة 1980، فواصل دراسته في حوزة قم حتى بلغ مرتبة الاجتهاد، وصار لاحقًا أحد أساتذتها. حصل على البكالوريوس في الشريعة الإسلامية سنة 1988، والماجستير في علم الكلام سنة 1990، والدكتوراه في الفلسفة الإسلامية سنة 2005 بتقدير امتياز، ونال درجة الأستاذية سنة 2012. أشرف على أكثر من ثمانين رسالة وأطروحة لدرجتي الماجستير والدكتوراه وشارك في مناقشتها، ونوقشت حتى اليوم اثنتان وثلاثون رسالة ماجستير وأطروحة دكتوره تناولت مشروعه التجديدي، في جامعات عراقية وعربية وأجنبية. نال الرفاعي عددًا من الجوائز، من أبرزها: “الجائزة الأولى للبطريركية الكلدانية لأفضل الأعمال الفكرية” سنة 2020، و”الجائزة الأولى للإنجاز الثقافي والتفاهم الدولي” في الدوحة سنة 2017، و”الدرع الذهبية للحركة الثقافية” في أنطلياس بلبنان سنة 2013، إلى جانب جوائز أخرى.

من التكوين التقليدي إلى تجديد الفكر الديني

تمثل التحول الحاسم في مسيرة عبد الجبار الرفاعي في انتقاله التدريجي من الاشتغال بعلم الكلام القديم، الذي انصرف إلى الدفاع عن العقائد وإثباتها ودحض عقائد الخصوم، إلى بناء “علم الكلام الجديد”. بدأ الرفاعي هذا المشروع قبل أربعة عقود تقريبًا، وأصدر في سياقه، مجلة “قضايا إسلامية” سنة 1994-1997، صدرت هذه المجلة بدعم مالي من صديقه المرحوم الشيخ مهدي العطار. وأسس مجلة “قضايا إسلامية معاصرة” سنة 1997، فاحتضنت مباحث فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد، وعرفت القارئ العربي بأبرز أعلامهما ومفاهيمهما وأسئلتهما واتجاهاتهما، وترجمت دراسات ونصوصًا أساسية فيهما، ومازالت تصدر حتى اليوم. أسس الرفاعي أيضًا مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد، ليكون فضاء للبحث والترجمة والنشر والحوار في هذين الحقلين. وما زال يراجع مشروعه ويعمقه ويطور مفاهيمه في مؤلفاته المتعاقبة.

لم يكن هذا التحول قطيعة مفاجئة مع التراث الكلامي، فقد جاء ثمرة مراجعة نقدية طويلة لمناهج ومقولات ووظائف وحدود الكلام القديم، في ضوء مكاسب الفلسفة الحديثة والعلوم الإنسانية وفلسفة الدين. تجلى هذا المشروع في عدد من مؤلفاته، من أبرزها: “مقدمة في السؤال اللاهوتي الجديد”، و”مقدمة في علم الكلام الجديد”، و”الدين والظمأ الأنطولوجي”، و”الدين والاغتراب الميتافيزيقي”، و”الدين والكرامة الإنسانية”، و”الدين والنزعة الإنسانية”، و”مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث”، و”مبادئ الفلسفة الإسلامية”، وصولًا إلى عمله الأخير “موسوعة فلسفة الدين” في ثمانية أجزاء، التي وصفها بعض الدارسين بأنها أول موسوعة عربية في فلسفة الدين، وجاءت ثمرة أكثر من ربع قرن من البحث والعمل المتواصل.

منح هذا المسار مشروعه سمة مميزة؛ فقد انتقل من التكوين الحوزوي التقليدي إلى المراجعة النقدية لمناهج هذا التكوين ومقولاته وأدواته في إنتاج المعرفة الدينية. يصدر نقده من خبرة عميقة بالتراث الديني وعلومه ومناهج تدريسه، لا من موقع الغريب عنه. إنه نقد من داخل علوم الدين التراثية، يعيد فحص الموروث، ويتجاوز تكراره واجتراره، ويفتحه على أسئلة الإنسان وتحديات العالم الحديث.

يتفرد مشروع الرفاعي في تجديد الفكر الديني بانتقاله من النقد إلى البناء، ومن التفكيك إلى التركيب. لا يقف عند تفكيك علم الكلام القديم والكشف عن محدودية أسئلته ومناهجه ووظائفه، وتشديده على احتكار الخلاص بفرقة واحدة، ولا يكتفي بنقد الصورة التي رسمها هذا العلم لله والإنسان والعالم، فقد عمل الرفاعي على تركيب رؤية بديلة تستند إلى مركزية الإنسان وكرامته، وتعيد تعريف وظيفة الدين في حياته. يبدأ التفكيك عنده بفحص البنية العميقة للمعرفة الدينية، والتمييز بين الدين ومعرفة البشر للدين، وبين المقدس وما ينتجه المتخيل الديني، والكشف عن تاريخية الفهم البشري للنصوص، ونقد توظيف الدين في الاستبداد والعنف وإهدار الكرامة.

يفضي هذا التفكيك لدى الرفاعي إلى مرحلة التركيب، إذ يبني منظومة مترابطة من المفاهيم، في مقدمتها: الظمأ الأنطولوجي، والاغتراب الميتافيزيقي، والكرامة الإنسانية، والإنسانية الإيمانية، والنزعة الإنسانية في الدين، ولغة الدين، وعلم الكلام الجديد. لا تعمل هذه المفاهيم منفصلة، إذ ينتظمها سؤال مركزي واحد: كيف يستطيع الدين أن ينتج معنى روحيًا وأخلاقيًا وجماليًا لحياة الإنسان في العالم الحديث؟ ينطلق الرفاعي من حاجة الإنسان الوجودية إلى المعنى، ويرى أن الدين يستجيب لهذه الحاجة عندما يوقظ الحياة الروحية، ويحمي الكرامة، ويغذي الضمير الأخلاقي، ويثري الحس الجمالي. في سياق هذا البناء، صاغ الرفاعي تعريفاته الخاصة للدين والوحي والنبوة والشريعة والتكليف، وأعاد تحديد وظائفها وحدودها وصلتها بالإنسان وحاجاته الوجودية. هكذا لا يترك القارئ الباحث عن المعنى في الدين عند حدود الشك والنقض وتفكيك الموروث، ويرسم له خريطة فكرية تنتقل من تشخيص أزمة المعرفة الدينية إلى بناء فهم جديد للدين يتمحور حول الإنسان، ويصل الإيمان بالحرية، والتدين بالأخلاق، ومعرفة الله بصيانة كرامة الإنسان.

مرجعيات مشروع الرفاعي

يصعب فهم مشروع الرفاعي بمعزل عن تعدد مرجعياته وتفاعل رافدين أساسيين في تكوينه. ينتمي الرافد الأول إلى التراث الإسلامي؛ فالرفاعي متخرج في المدرسة الحوزوية في علم الكلام والفقه وأصوله، ودارس لتراث الفلسفة الإسلامية لدى الفارابي وابن سينا، والحكمة المتعالية لدى ملا صدرا، والعرفان النظري والعملي لدى ابن عربي ومدرسته. لا يمثل هذا التراث لديه زخرفًا معرفيًا، فهو رافد روحي حاضر في رؤيته للروح والقلب والضمير، وفي تأكيده أن العقل النظري المجرد لا يستقل بإنتاج الإيمان، وأن الأدلة الكلامية القديمة استنفدت طاقتها في إيقاظ التجربة الروحية وإرواء حاجة الإنسان إلى المعنى. ينتمي الرافد الثاني إلى الفلسفة الغربية والعلوم الإنسانية الحديثة، التي ينفتح عليها الرفاعي انفتاحًا نقديًا وانتقائيًا لا مذهبيًا. يظهر ذلك في استثماره نقد كانط لحدود العقل النظري وتمييزه بين الشيء في ذاته والشيء كما يظهر لنا، وإفادته من شلايرماخر في تفسير الدين في أفق الشعور بالاعتماد المطلق، لا في حدود الأنساق العقائدية، ومن بول ريكور في التأويل وفلسفة الرمز، ومن غادامير في تاريخية الفهم. ويمكن استكشاف صدى أسئلة هيدغر عن الوجود والقلق والعدم في بعض أبعاد مفهوم “الظمأ الأنطولوجي”، من دون اختزال هذا المفهوم في مرجعية هيدغر، لما ينطوي عليه من روافد دينية وعرفانية ووجودية متعددة. لا يستنسخ الرفاعي منظومات هؤلاء الفلاسفة، ولا ينتسب إلى فلسفة أحد منهم، ويعيد توظيف ما يلائم أسئلته داخل أفقه الخاص في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد. يظل تحديد طبيعة هذا التأثر ومقداره، وما إذا كان استعارة اصطلاحية أو استثمارًا لمفهوم أو تبنيًا لبعض عناصر المنهج، من أكثر المسائل إثارة للنقاش بين دارسي مشروعه. لا تكفي لحسمه قراءة عابرة، إذ يستدعي دراسة مقارنة دقيقة بين كتابات الرفاعي ونصوص هؤلاء الفلاسفة، تتتبع المفاهيم في سياقاتها وتكشف ما أدخله عليها من إعادة تفسير وتركيب.

يقوم مشروع الرفاعي على مجموعة من المفاهيم المتشابكة، يستمد كل مفهوم منها دلالته من موقعه داخل المشروع وصلته بسائر مفاهيمه. يأتي “الظمأ الأنطولوجي” في مقدمة هذه المفاهيم وأكثرها تداولًا، ويعني به الحاجة الوجودية العميقة في كيان الإنسان إلى الاتصال بالوجود المطلق، والبحث الدائم عما يروي ظمأه إلى المعنى. لا يكتمل الإنسان بذاته، ولا تستطيع الأشياء المادية وحدها إشباع حاجاته الوجودية، إذ يظل محتاجًا إلى أفق يتجاوز وجوده المحدود، ويمنح حياته معنى روحيًا وأخلاقيًا وجماليًا. على أساس هذا المفهوم ينقد الرفاعي الصياغة الأيديولوجية للدين، لأنها تفرغه من طاقته الروحية، وتختزله في أداة للسلطة والتعبئة والصراع والعنف، أو تحوله إلى هوية مغلقة تفصل الإنسان عن سواه. عندما يخضع الدين للأيديولوجيا، يحتجب حضوره الروحي خلف الشعارات، ويعجز عن إرواء الظمأ الأنطولوجي الذي يمثل وظيفته الوجودية الأساسية. يرتبط بمفهوم “الظمأ الأنطولوجي” مفهومُ “الاغتراب الميتافيزيقي”، الذي يفسر شعور الإنسان بالوحشة والضياع والغربة الوجودية عندما تنقطع صلته بالمطلق، ويفتقر وجوده إلى المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي. لا ينشأ هذا الاغتراب من غياب الدين دائمًا، فقد ينشأ داخل أنماط من التدين تستنزف روح الإنسان، وتزرع الخوف في داخله، وتقدم له صورة قاسية لله، وتغرقه في الشعور بالإثم والاحتقار. من هنا يعمل الرفاعي على اكتشاف الصور المضيئة لله، وإعادة بناء صلة الإنسان به على أساس الرحمة والحب والرجاء، لتصبح التجربة الدينية مصدرًا للسكينة وإثراء الوجود، لا منبعًا للرعب واستلاب الذات.

ويمثل “علم الكلام الجديد” الإطار النظري الذي تنتظم فيه هذه الرؤية. لا يختزل الرفاعي هذا العلم في تحديث لغة الكلام القديم أو إضافة مسائل حديثة إلى موضوعاته، إذ يعيد بناء موضوعه ومنهجه ويضع له معيارًا واضحًا هو الفهم الجديد للوحي ووظيفته. ينقل مركز اهتمام علم الكلام من الدفاع عن العقائد ودحض الخصوم، إلى تفسير الإيمان، وفهم معنى الدين ووظيفته وحدوده، وقراءة مفهوم الوحي والنبوة والشريعة والتكليف، وتحليل حاجة الإنسان إلى المعنى.

يستفيد الرفاعي من الفلسفة الحديثة والعلوم الإنسانية في فحص المعرفة الدينية والكشف عن تاريخيتها وحدودها، ويميز بين الحقيقة الدينية في ذاتها وما يفهمه الإنسان منها. يفتح هذا التمييز أفقًا لتعدد التأويلات والحوار، ويحرر المتكلم من وهم امتلاك الحقيقة النهائية والاستئثار بتمثيلها. ويحتل التمييز بين الدين والتدين والمعرفة الدينية موقعًا محوريًا في المشروع. يعرف الرفاعي الدين بأنه: “حياة في أفق المعنى، تفرضها حاجة وجودية لإنتاج معنى روحي وأخلاقي وجمالي لحياة الإنسان الفردية والاجتماعية”. أما التدين فهو تمثل الإنسان للدين وطريقة عيشه والتعبير عنه في الواقع، في حين تمثل المعرفة الدينية الفهم البشري للنصوص والمعتقدات والرموز. يخضع التدين والمعرفة الدينية لانتاجها في المتخيل الفردي والجمعي، وللتاريخ واللغة والثقافة والبيئة والمصالح البشرية. يتيح هذا التمييز نقد أنماط التدين العنيف والمغلق، ونقد المعرفة الدينية الموروثة، من دون اختزال الدين في أحد أشكال حضوره التاريخي.

وتأتي الهرمنيوطيقا لتكشف أن الإنسان لا يتلقى النص خارج لغته وتاريخه وآفاق انتظاره. يستفيد الرفاعي من مناهج التأويل الحديثة، ويحاور ما قدمه غادامير وغيره في فهم النص والرمز وتاريخية الوعي. لا يعني ذلك إخضاع النص لإرادة القارئ أو نفي دلالته، وإنما يعني أن الوصول إلى النص لا يحدث من دون فهم بشري، وأن كل فهم يتشكل داخل أفق لغوي وتاريخي معين. تتجدد قراءة النص بتجدد أسئلة الإنسان ومعارفه وتحولات حياته، وتظل دلالاته أوسع من أن يستنفدها تفسير واحد أو يحتكرها مذهب بعينه.

 الجدل العربي حول مشروع الرفاعي

أثار مشروع الرفاعي اعتراضات صدرت من اتجاهات متباينة. يتحفظ بعض ممثلي الاتجاه الديني التقليدي على تأكيده تاريخية المعرفة الدينية وتعدد الفهم، ويرون في ذلك تقليصًا لسلطة التفسير الموروث وفتحًا للدلالة على قراءات غير منضبطة. وينظر بعض السلفيين إلى أدواته الفلسفية والهرمنيوطيقية على أنها وافدة من بيئة معرفية غربية لا تنسجم مع منهجهم في فهم النص. في المقابل، يرى بعض العلمانيين أن مشروعه يحتفظ للدين بموقع مركزي في تفسير الإنسان وحاجته إلى المعنى، ولا يذهب إلى القطيعة التي يدعون إليها بين الدين والمعرفة الحديثة. ويسائل بعض الباحثين في الفلسفة دقة استعماله لبعض المصطلحات الغربية، وحدود استفادته من كانط وهيدغر وغادامير، ومقدار التحول الذي تخضع له مفاهيمهم عندما يدمجها في مشروعه. تكشف هذه الاعتراضات، على اختلاف منطلقاتها، عن الموقع الذي يشغله المشروع بين مسارات متعارضة. فهو لا يكرر علم الكلام الموروث، ولا يتبنى القطيعة مع الدين، ولا يستنسخ فلسفة غربية بعينها. يحاول أن يشق طريقًا ثالثًا يستبقي الحاجة الوجودية إلى الدين، ويخضع المعرفة الدينية للنقد، ويجعل كرامة الإنسان معيارًا في تقويم أنماط التدين وتأويل النصوص. يمنحه هذا الموقع قدرته على إثارة الأسئلة، ويعرضه في الوقت نفسه لنقد التقليديين ودعاة القطيعة مع الدين وبعض المتخصصين في الفلسفة.

لا تتجاوز الصفحات السابقة رسم خريطة أولية لمشروع واسع ومتعدد المسارات. يتطلب تقويم هذا المشروع فلسفيًا دراسة تطور مفاهيمه عبر مراحل كتاباته، وتحليل الروابط التي تصل الظمأ الأنطولوجي بالاغتراب الميتافيزيقي والكرامة الإنسانية والإنسانية الإيمانية وعلم الكلام الجديد، وفحص اتساق هذه المفاهيم وقدرتها التفسيرية. كما يستدعي مقارنة نصية دقيقة بين كتابات الرفاعي والمرجعيات الإسلامية والغربية التي يحاورها، للتمييز بين استثمار المفهوم، وإعادة تفسيره، وإدماجه في تركيب جديد. لا تكفي في ذلك الملخصات ولا التشابهات اللفظية، فالحكم على أصالة المشروع يقتضي الرجوع إلى النصوص الأصلية، وتتبع المفاهيم في سياقاتها، والكشف عما أحدثه الرفاعي فيها من تحويل وإعادة بناء. يؤسس هذا المدخل لتلك الدراسة الموسعة، ويمهد لقراءة المشروع من داخله، في ضوء أسئلته وغاياته ومساره الخاص.

[1] كاتب سعودي متخصص بالفلسفة.

https://almothaqaf.com/aqlam-3/989107-%D8%A5%D8%A8%D8%B1%D8%A7%D9%87%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D9%88%D9%8A-%D9%85%D8%AF%D8%AE%D9%84-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D9%81%D9%84%D8%B3%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D9%88%D8%B9%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF

الرؤية اللاتاريخية للدين غير علمية

 د. عبد الجبار الرفاعي

الدين كائن حي، يتشكل ويتحول تبعًا لتحول أنماط الفهم والعيش. يتطور حين تنبض فيه الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية، ويذبل حين تنغلق آفاقه ويغدو تفسير نصوصه أسير التكرار والاجترار. ما من ديانة بقيت على صورة واحدة في التاريخ؛ فكم من ديانة انفتحت على الإنسان والعالم ثم انكمشت في قوالب مغلقة، وكم من ديانة ضاقت آفاقها في مرحلة من تاريخها ثم استعادت حيويتها وانفتاحها في مرحلة أخرى. ذلك أن مفسري النصوص الدينية لا يقرؤونها خارج شروطهم الإنسانية، وإنما تتدخل في فهمهم رؤيتهم للعالم، وثقافتهم، ونمط عيشهم، ونشأتهم، وتربيتهم، وتكوينهم المعرفي، وأحكامهم المسبقة، وآفاق انتظارهم من الدين. من هنا يتجدد فهم النصوص بتجدد الإنسان، وتتغير طرائق تفسيرها بتغير الأسئلة التي يفرضها العصر، والحاجات التي يستيقظ عليها الوعي البشري في كل زمان. من هنا تنشأ الحاجة إلى تتابع النبوات في تاريخ الأديان، وإلى ظهور المصلحين والمجددين، وتنبثق الضرورة الدائمة لإصلاح التدين، وتجديد فهم الدين، وإعادة تفسير نصوصه بما يوقظ ما تختزنه من طاقات روحية وأخلاقية وجمالية قادرة على إرواء الظمأ الأنطولوجي للإنسان، وصون كرامته، وإثراء حياته، وتجديد صلته بالمعنى الروحي والأخلاقي الذي تتطلبه حياته في كل عصر.

دراسة أثر كل دين وأنماط التدين التي تتشكل في فضائه تتطلب أن يعتمد الدارس معادلة مثلثة للفهم، إذ لا بد أن يعاين الدارس ذلك الدين بوصفه نصًا أولًا، ويتعرف ثانيًا على شخصية الإنسان المعتقد بهذا النص فردًا ومجتمعًا، ويكتشف طبيعة الواقع الذي يعيش فيه هذا الإنسان وكل ما يحفل به عصره ثالثًا. هذه العناصر الثلاثة تشكل توليفة متفاعلة يؤثر كل منها بالآخر ويتفاعل معه. لذلك تختلف أنماط التدين تبعًا لاختلاف الناس أفرادًا ومجتمعات، واختلاف واقعهم وعصرهم وثقافتهم، وطريقة عيش الإنسان ونمط العمران، واختلاف كيفية تلقي النصوص الدينية. ربما يكون التدين دافئًا، لينًا، رقيقًا، رحيمًا، كما لدى القليل من الأشخاص الذين يولدون في واقع يستمعون فيه إلى صوت المحبة والعطف والشفقة والتراحم، ويحظون بتربية وتعليم سليمين. وربما يكون التدين شديدًا، قاسيًا، عنيفًا بلا رحمة، كما نجد لدى معظم الأشخاص الذين يتعرضون إلى اضطهاد وعنف في العائلة والمجتمع والسلطة السياسية، ولا يحظون بتربية وتعليم سليمين.

تنشأ الثغرات في دراسة الأديان من إهمال إحدى أضلاع المعادلة المثلثة للفهم، لذلك تتطلب دراسة الأديان أن يتعاطى الدارس مع نصوصها وتراثها الديني بمنطق الباحث الذي يعتمد مناهج البحث العلمي، وينشد فهم المغزى العميق لهذه النصوص، ويهمه التعرف على دلالات التراث في فضاء السياقات الخاصة التي تشكل فيها، والسعي لاكتشاف الآثار الروحية والأخلاقية والجمالية التي أنتجتها نصوص هذه الأديان، وكيفيات تمثلها في الحياة البشرية. ولا أظن أن هناك جدوى من دراسة الأديان ومقارنتها وحوارها، لو كان الدارس مولعًا بالتبشير بمعتقده ولا يريد إلا ترويجه، والحرص على إدخال الآخر فيه، على وفق اعتقاده بأن معتقده هو الحق، وكل ما سواه باطل.

الواقع الذي نعيشه اليوم يفرض علينا الاهتمام بدراسة الدين في سياق مكاسب العقل والعلم والمعرفة والخبرة البشرية المتراكمة، ودراسة كيفية نشأته وأنماط حضوره وصيرورته عبر التاريخ، والانتقال في الدراسات الدينية من الرؤية التقليدية، التي كانت ترى الدين ونصوصه مرجعية نهائية في تفسير وفهم كل شيء، إلى رؤية تخضع تعبيرات الدين وتجلياته في الحياة للفهم والتفسير، بوصفها تمثلات بشرية، وكل ما هو بشري يقع في مدارات عقل الإنسان وعلومه ومعارفه وخبراته. وإن كانت نصوص الدين مقدسة، غير أن تفسيرها وتأويلها وفهمها يتجلى فيها الأفق التاريخي الذي يتموضع فيه الإنسان، ولا يمكن أن يكون ذلك الفهم عابرًا للإطار المعرفي لذلك الإنسان.

ليست هناك ديانة أو نص ديني خارج طرائق عيش الإنسان وأحوال العمران. الإنسان لا يعيش في فراغ، وإنما يخضع لمشروطيات تسهم في تشكيل وعيه، وتؤثر في نظرته إلى العالم، وتنعكس على فهمه للدين وتمثله لمعانيه. وتتجلى هذه المشروطيات في: العقل، واللغة، والمشاعر، والغرائز، والجسد، والتربية، والتعليم، والثقافة، والاقتصاد، والسلطة، والتاريخ، والمكان، والزمان، ولا يتجسد الدين في حياة الإنسان إلا من خلال هذه المشروطيات، إذ يتلقى الإنسان النص الديني ويفهمه ويؤول دلالاته في ضوئها. لذلك يتنوع فهم الدين وتفسير نصوصه بتنوع أنماط حياة الناس وطرائق عيشهم، واختلاف بيئاتهم وثقافاتهم وتجاربهم في الحياة. النص الديني واحد، غير أن معناه يتكشف في آفاق متعددة، تبعًا لتنوع طرائق التلقي، وتعدد الخبرات الإنسانية، وتنوع الشروط التي يتكون في سياقها وعي الإنسان ورؤيته للعالم.

الرؤية اللاتاريخية للدين ترى الأديان قارة ساكنة، وكأن الأديان تؤثر في المجتمعات وتعمل على تغييرها من دون أن تتغير هي أو تتأثر. أما الرؤية التاريخية العلمية فتذهب إلى أن الأديان تتأثر بطبيعة المجتمعات الإنسانية المتنوعة، تبعًا لتنوع الزمان والمحيط والإثنية والجغرافيا والثقافة واللغة والاقتصاد والسلطة، وتشرح كيف أن هناك تأثيرًا وتأثرًا متبادلًا بين الدين والمجتمع. مثلما يؤثر الدين في المجتمع، ويسهم في إنتاج رؤيته للعالم، ويعمل على صوغ نمط حياته، يعمل المجتمع أيضًا على إنتاج صورته الخاصة للدين، وصياغة نمط التدين الذي يشبهه. لو ظهرت البوذية في الجزيرة العربية لأضحت مشابهة للمجتمع العربي، ولو ظهرت الهندوسية في اليونان لأضحت مشابهة للمجتمع اليوناني، ولو ظهرت المسيحية في الصين لأضحت مشابهة للمجتمع الصيني، وهكذا الحال في الأديان الأخرى. وكما تؤثر المجتمعات في الأديان، تؤثر الأديان في المجتمعات، فما فعلته البوذية في المجتمع الهندي ومجتمعات آسيا المعتنقة لها لا يقل عن فعل المجتمع الهندي ومجتمعات آسيا المعتنقة للبوذية فيها، وما فعله الإسلام بالأندلس لا يقل عن فعل الأندلس بالإسلام.

لا يكفي الحكم على أخلاقية وإنسانية الديانة بما تشتمل عليه مدونتها، أو بشهادات أتباعها عنها، مهما ادعوا من انحصار الأخلاق والإنسانية فيها، إنما يتم ذلك بمقارنتها بالديانات الأخرى، مضافًا إلى اكتشاف مقدار تجلي القيم الإنسانية لهذه الديانة وأخلاقياتها في سلوك معتنقيها أفرادًا وجماعات، في الماضي والحاضر.

ليس هناك دين يحتكر المحبة والحريات والحقوق واحترام كرامة الكائن البشري، وليس هناك تاريخ دين منزه عن التعصب والعنف وانتهاك كرامة الإنسان.ففي ميراث الأديان السماوية مثلًا لا يصح نسيان مظالم الفتوحات الإسلامية، مثلما لا يصح نسيان مآسي الحروب الصليبية، والجرائم الشنيعة للصهيونية في فلسطين ولبنان وغيرهما.

المعروف عن البوذية أنها ديانة غير تبشيرية، وأنها من أكثر الديانات في الأرض سلمًا، فلم يتحدث لنا التاريخ عن حروب تم خوضها أو دماء أبرياء سفكت باسمها، كما هو معروف عن ديانات أخرى، لكن مع كل ذلك تناقلت وسائل الإعلام صورًا ومشاهد مريعة لأعمال عنف مأساوية ضد مسلمي الروهينغا في ميانمار عام 2017، قامت بها مجموعات بوذية بتحريض رهبان بوذيين متطرفين.

‏الموقف الأخلاقي يفرض على أتباع كل دين الكشف عن أرشيفات الماضي، وإعلان كل ما يختبئ فيها، وفضح منابع التعصب والكراهية في تراثهم مثلما يفضحونها لدى غيرهم، والاعتراف بأخطائهم كما يتحدثون عن أخطاء غيرهم.

 

عبد الجبار الرفاعي نحّات المفاهيم الجديدة

أ. د. محمود محمد علي[1]

شهدت كتابات المفكر العراقي الشهير “عبد الجبار الرفاعي”، عددًا كبيرا من المفاهيم الذي لم نراه من ذي قبل لدى طائفة من المفكرين الآخرين، وذلك من قبيل: ‏”الظمأ الأنطولوجي”، “الاغتراب الميتافيزيقي”، “الإنسانية الإيمانية”، “،‏”القطيعة الأنطولوجية”، “المنعطف الأنطولوجي”، “الوجود الخورازمي”، وغيرها.  إن مشروع بناء المفاهيم وتجديدها لدى عبد الجبار الرفاعي ليس مشروعًا معرفيًّا فقط بل هو مشروع حضاري حداثي أيضًا، يريد أن يُشيّد للذات الإسلامية العربية حداثتها بِردّ الذات إلى ذاتها؛ إذ كما أن هناك حداثة غير إسلامية، فكذلك ينبغي أن تكون هناك حداثة إسلامية. وهذه الحداثة تكشف لنا على أن النواة الفاعلة في تجديد الخطاب الفلسفي الحضاري وقيمه الأخلاقية والعملية لدى المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي، هي المفاهيم باعتبارها الدافعية الأساسية للتفكير ومركز المسؤولية في تجديد الفلسفة الإسلامية العربية، وتوجيه القيم داخلها وتأسيس هويتها الاصطلاحية بما يخدم كونيتها المخصوصة، وابتعادها عن المحاكاة والتقليد.

من جهة أخرى فإن نحت المصطلحات والمفاهيم عند عبد الجبار الرفاعي إن دل على شيء فإنما يدل على مدى قدرته على توضيح المفاهيم حيث أنه عندما ننظر إلي أي نسق معرفي في تراثنا الحضاري نجد أنه يتألف على وجه التقريب من مجموعة حقول معرفية متنوعة. فهناك المعرفة الدينية والمعرفة الميتافيزيقية، والمعرفة التجريبية، والمعرفة الرياضية والمنطقية، والمعرفة الإنسانية والاجتماعية، وهلم جرا. ويتألف كل حقل من هذه الحقول من مجموعة من المفاهيم التي ترتبط فيما بينها بعلاقات معينة، كما ترتبط هذه الحقول بروابط ضرورية تؤدي إلي تماسك أجزاء النسق المعرفي كله. وعلي هذا النحو فإن تحليل بنية المحتوي المعرفي في تراثنا الحضاري يرتكز علي ثلاثة عناصر في غالب الأمر هي: المفاهيم، والعلاقات التي تؤلف من المفاهيم حقلاً، والعلاقات التي تشكل من الحقول نسقا. ولعل السؤال الذي يطرح نفسه علينا كما يقول عبد الجبار الرفاعي هو: “ما الذي نعنيه بالمفهوم؟ إن المفهوم بمعناه المنطقي هو مجموعة الصفات والخصائص التي تحدد الموضوعات التي ينطبق عليها اللفظ تحديدًا يكفي لتمييزها عن الموضوعات الأخرى. فمفهوم الإنسان” بالمعني الأرسطي، مثلاً، مؤداه أنه كائن ناطق، وما صدقاته هي علي وسامي وسائر أفراد الناس. لكننا عبد الجبار الرفاعي مع حفظ الألقاب ينظر إلي المفهوم نظرة أوسع من نظرة رجل المنطق إليه، لأن المفهوم يتألف أيضاً من المعاني والمشاعر التي يستدعيها اللفظ في أذهان الناس، ولهذه النظرة الواسعة ميزة في رأينا وهي أنها تفسح المجال أمام القول بأن الغالبية العظمي من المفاهيم لا تقبل تعريفًا جامعًا مانعًا بلغة المنطق، وإنما تتسم بمرونة مطلقة لا تحدها حدود ولا تقيدها قيود، فتتسع دلالتها أحيانا وتضيق أخري. المفهوم في هذه الحالة يشبه البحر الواسع الذي يجوز لكل جيل من البشر أن ينهل منه ويبحر فيه بقدر ما تسعفه طاقته.

وعلي هذا النحو فإن عبد الجبار الرفاعي يعني بالمفاهيم حسب اعتقادي: المعاني العقلية الكلية أو الأفكار العامة المجردة، وأبرز الأمثلة لها هي مفهوم ‏”الظمأ الأنطولوجي”، “الاغتراب الميتافيزيقي”، “الإنسانية الإيمانية”، “القطيعة الأنطولوجية”، “المنعطف الأنطولوجي”، “الوجود الخورازمي”، وغيرها.  وفي اعتقادي أن الفرق بين المفهوم الواضح والمفهوم الغامض في فكر عبد الجبار الرفاعي كالفرق بين خريطة واضحة المعالم لبلد معين يصطحبها المسافر عند سفره، وورقة خط عليها طفل مجموعة خطوط لا تدل على شيء، وقيل للمسافر هذه خريطة واضحة تدل على معان جلية وقيم ومبادئ واضحة يدفع إلى تقدم المعرفة عند ربطها بمفاهيم أخري في نسق، أو يهدي إلى سواء السبيل عندما يسلك المرء على أساسه. أما المفهوم الغامض، مثل الورقة التي خط عليها الطفل خطوطًا غامضة، فإنه إذا دخل في نسق أفسد نظامه وعلاقاته مما يؤدي إلي تراجع معرفي، وإذا وجه سلوكًا لشخص أضله لأنه لا يهدي إلى شيء ولا يدل على شيء. علي أن عملية توضيح المفاهيم بالمعني الذي يريده عبد الجبار الرفاعي في كتابه: “دروب المعنى في الفلسفة والدين والحب والحياة” لها لا تقتصر علي تحديد المعاني المتنوعة التي قد يدل عليها المفهوم تحديدًا يحول دون وقوع اللبس والغموض بين الكتاب أو المتكلمين، وإنما تتسع هذه العملية بحيث تشمل الكشف عما تتعرض له المفاهيم في حالة تخلف الأمة حضاريًا وظهور الصراع بين الحضارات وممارسة الغزو الثقافي للحضارة الغالبة علي الحضارات المغلوبة، ففي هذه الحالة يتم تشويه دلالات المفاهيم الأصلية أول الأمر، ثم تفرغ شيئاً فشيئاً من محتواها، ثم يعاد ملء المفهوم بالدلالات المرادة… وللحديث بقية.

[1] مفكر مصري.

سيرة المعنى في الدين والظمأ الأنطولوجي

قراءة فلسفية في رحلة الإنسان إلى الله

ليلى تبّاني[1]

في زمن يغمر فيه الفراغ الوجوديّ روح الإنسان المعاصر، وفي وقت تهيمن فيه التكنولوجيات المعاصرة على عقل الانسان وعلى وجدانه وكيانه، يعود صوت عبد الجبار الرفاعي في كتابه ” الدين والظمأ الأنطولوجي ” (دار الرافدين، الطبعة الرابعة، 2023، 312 صفحة) ، ليذكّر فيه ، بأنّ ما فينا ليس عطشا إلى معرفةٍ عابرة ، بل ظمأ أنطولوجيٌّ إلى المعنى، إلى ما يتجاوزنا دون أن يفارقنا، إلى الله بوصفه الأفق الأسمى للكينونة. الدين عند الرفاعي ليس نسقا فقهيا ولا منظومة لاهوتية، بل هو حركة الوجود في الإنسان، تَوْقُه الأزليّ إلى ما يمنحه السكينة والاكتمال، وإلى ما يملأ الصدع الخفيّ بين الكائن وظله. يقول الرفاعي: “الظمأ الأنطولوجي هو حنين الكائن إلى المطلق، وتوقه إلى ما يثري وجوده ويمنحه سكينة لا تنضب” (صـ113).

هذا الظمأ لا ننشد منه ترفا روحيا، بقدر ما هو ضرورة وجودية تبرز أنّ الموت حقيقة وجودية؛ فحيث يوجد الموت، تنبثق الحاجة إلى الدين. الدين، كما يقول الرفاعي، هو الجواب الأنطولوجي الوحيد على تحدّي الفناء، لأنّه يمنح الوجود معنًى لا تقدر المادة على صياغته، ولا الفلسفة على استنفاده، يقول في هذا السياق: “ما دام هناك موت، فهناك حاجة إلى الدين، لأن الدين هو الجواب الوحيد لتحدي الفناء” (صـ114). هكذا يصبح الدين عنده جوابا أنطولوجيا على سؤال الكينونة، لا وعدا لاهوتيا مؤجّلا. وهو إذ يستعيد جوهر الدين كصوت في القلب قبل أن يكون خطابا في السلطة، يحفر عميقا في التجربة الداخلية للإنسان حين يفقد ذاته في ضجيج الجماعة، ليعيد تعريف الإيمان لا كيقينٍ جامد، بل كقلق مقدّس يطلع الكائن على سرّ الوجود: “الإيمان ليس يقينا جامدا، بل قلق مقدّس، بحث دائم عن الله في عمق الإنسان (صـ88)، الإيمان إذن ليس انغلاقا، بل انفتاح مستمر على اللانهائي. في مقابل هذا الظمأ الوجودي، يرى الرفاعي أن أخطر ما يهدّد الدين هو اختزاله في الإيديولوجيا حين يُحتكر المعنى في خطاب واحد، يُقدَّم بوصفه الحقيقة المطلقة ويغلق باب الاجتهاد وباب التفكير التأملي الناقد، إذ يقول: حين يُحتكر المعنى يُقتل الدين (صـ85). بهذا يضع يده على جرح الإنسان الحديث، لا في انحسار الإيمان بل في اغترابه داخل تديّنٍ بلا روح، تدين يغلق الأبواب بين الله والإنسان باسم الله ذاته، تديّن بمقاسات معيّنة كما أرادوه بعض حراس النوايا. من هنا تتخذ الحرية عند الرفاعي بعدا لاهوتيا، فهي ليست فعلا سياسيا بل استعادة للكرامة الوجودية: “الحرية لا تُمنح بل تُنتزع بشجاعة الإرادة ومغامرة العقل” (صـ215). الحرية شرط الإيمان الحقّ، إذ لا يمكن أن يكون الإنسان مؤمنا ما لم يكن حرّا، لأنّ الإيمان القسري عبودية لصورة الله في أذهان الآخرين، لا لله ذاته. الحرية هنا ليست نقيض الدين، بل جوهره الخفيّ الذي يمنح الإنسان القدرة على أن يقول “نعم” لله وهو واع بقدرته على أن يقول “لا”. في هذه المسافة بين الحرية والإيمان، يلتقي الرفاعي بهايدغر والغزالي معا، فهايدغر في الوجود والزمان يرى أنّ الإنسان كائن قلق، منفيّ في العالم، لا يكتشف ذاته إلا في مواجهة العدم، أمّا الغزالي في” المنقذ من الضلال” فقد عاش قلقا مماثلا، حين تهاوت أمامه يقينات الحواس والعقل، حتى وجد الحقيقة في النور الذي أشرق في قلبه بإيمانية متعالية.

نخلص للقول بأنّ كليهما انطلق من القلق بحثا عن الحقيقة وانتهج سبيلا رآها مناسبة. الرفاعي يعيد هذا القلق إلى موضعه الوجودي كعطش أنطولوجي لا يُروى إلا بصلة بالإلهيّ. فإذا كان هايدغر يرى القلق طريقًا إلى الكشف عن الوجود، والغزالي يجعله طريقا إلى الكشف عن الله، فإنّ الرفاعي يجعل القلق طريقا إلى الإنسان ذاته، لأنه لا طريق إلى الله إلا عبر الإنسان. لذلك، حين يتحدث الرفاعي عن الإنسان، فإنّه لا يتحدّث عن الكائن البيولوجي أو الاجتماعي، بل عن كائن يُولد وحيدا ويموت وحيدا، يعيش تجربته الوجودية منفردا: “الإنسان يولد بمفرده ويموت بمفرده” (صـ30). إنّها تجربة العزلة الأنطولوجية التي لا يبدّدها إلا حضور المعنى، فالإيمان لا يُستعار من الجماعة، بل يُكتشف في صمت الذات وهي تواجه وجودها العاري أمام الله. غير أنّ هذا الإيمان ليس انفصالا عن العالم، بل انخراط فيه بعين ترى الجمال والرحمة في كلّ شيء. ففي فقرة من أجمل فقرات الكتاب، يكتب الرفاعي : “الفن يهب العالم جماله، والدين يهب العالم معناه” (صـ116). بهذا القول يجمع بين هايدغر الذي رأى في اللغة بيت الوجود، والغزالي الذي رأى في الجمال مظهر الحقّ، ليؤكد أنّ الدين والفن توأمان في رحم المعنى، كلاهما طريق إلى الخلود، أحدهما عبر الجمال، والآخر عبر الصلة بالله. من جوهر هذا الجمال ينبثق تصوّره لله، لا كإله الحرب والانتقام، بل كإله الرحمة والحياة: “الله ليس إله الحرب بل إله الحياة، وليس المنتقم بل الرحيم الذي يتجلى في جوهر الرحمة والمحبة” (صـ116). بهذا الانفتاح يدعو مفكرنا صريحا الى الرحمة والمحبّة، ويطهّر صورة الله من شوائب الإيديولوجيا، ليعيدها إلى أفقها الرحماني، حيث الله ليس فكرة بل حضور، ليس سلطانا بل نورا في الكينونة. يبدو ـــ وفي هذا الإطارــــ مفكّرنا وريثا فلسفيا لهايدغر حين يتحدّث عن نسيان الكينونة، وللغزالي حين يتحدّث عن ظلمة الحواس والعقل، لكنّه يتجاوزهما معا حين يجعل الله ليس فقط جوابا للقلق، بل شرطا للمعنى نفسه، إذ يدمج قلق هايدغر وطمأنينة الغزالي في وحدة أنطولوجية واحدة يرى فيها الإنسان كائنا في طريقٍ دائم إلى الله، لا يصل أبدا، لكنّه لا يكفّ عن المسير.

من الناحية المنهجية، يستعيد الرفاعي مفردات الفلسفة الحديثة، لكنه يعيد تأويلها بلغة القلب، فالوجود عنده ليس مفهوما مجرّدا بل خبرة تُعاش، والعقل ليس نقيض الروح بل بوابتها إلى النور. يقول الرفاعي: “الحرية الجوانية هي أن تحيا بإيمانك دون وصاية، أن ترى الله بعينك لا بعين الآخرين” (استنباط من فكر الرفاعي). هذا النداء الداخلي هو ذاته ما يسميه الغزالي “الذوق”، ويسميه هايدغر “الإنصات للوجود”. حين نقرأ الرفاعي من هذا الأفق، نكتشف أن الدين عنده ليس موضوعا للإيمان فحسب، بل طريقة في الوجود، هو سيرة المعنى في الكائن البشري، منذ اللحظة التي يفتح فيها عينيه على العدم إلى اللحظة التي يغمضهما على الرجاء، هو الرحلة التي يعبر فيها الإنسان من الظل إلى النور، من الخوف إلى الحب، من القشرة إلى العمق. يرى الرفاعي أن فقدان المعنى هو الخطيئة الأصلية لعصرنا الحديث، فالعالم الذي امتلأ بالعلوم والتقنيات خسر الإحساس بالقداسة، فصار الإنسان مريضا باللاجدوى. لهذا يعود الرفاعي ليقول إن الدين ليس نقيض العلم، بل دواؤه الأنطولوجي، لأنّه يردّ للوجود “هالته” كما قال فالتر بنجامين، أي ذلك البريق الذي يجعل الأشياء أكثر من مادتها . الدين بهذا المعنى ليس هروبا من الواقع، بل إدراكا لعمقه الغائب.

في فصل “نسيان الذات” يقدّم الرفاعي نقدا للشمولية بكلّ أشكالها مثل نقد الفلاسفة الأوروبيين ما بعد الحداثة، خاصة فرانسوا ليوتار وميشيل فوكو. يرى الرفاعي أن الإنسان فقد ذاته حين ذاب في الجماعة والأيديولوجيا، تماما كما قال ليوتار إنّ “السرديات الكبرى” ألغت صوت الفرد باسم الحقيقة المطلقة. عنده، ونسيان الذات هو الوجه الديني للشمولية، حيث تُحتكر الحقيقة باسم الله وتُصادر حرية الإنسان في الإيمان والتفكير. لذلك يقول: “الإنسان يولد بمفرده ويموت بمفرده” (صـ30) إعلان أنّ الإيمان تجربة شخصية لا تُستعار من الجماعة، وليس للإيمان وصاية ولا وشاية ولا مصادرة. بخلاف فلاسفة ما بعد الحداثة الذين انتهوا إلى نسبية وعدمية، يقترح الرفاعي بديلا رحمانيا: العودة إلى المعنى الداخلي للدين كحاجة وجودية تُحرّر الإنسان ولا تسجنه. الرفاعي يلتقي مع ليوتار في نقد الشمولية، ويخالفه في النتيجة، فبينما انتهت الفلسفة الغربية إلى العدم، يدعو هو إلى إحياء المعنى والرحمة والمحبة داخل الذات. ويلتقي مع فوكو في نقد السلطة الدينية والمعرفية، إذ يقول: “احتكار إنتاج المعنى الدينيّ يعني احتكار الله” (صـ171). لكنّه يتجاوز فوكو إلى أفق روحي، فبينما فوكو يفكّك السلطة، يعيد الرفاعي بناء الذات المؤمنة الحرّة التي تواجه الله مباشرة دون وسائط مؤسسية، يلغي الأوصياء على الدين. أما نيتشه، الذي أعلن “موت الإله”، فقد أراد بذلك نهاية الإله الأخلاقي الذي صنعته المؤسسات لا نهاية الله الوجودي، فيردّ الرفاعي بعمق حين يقول: “حين يتحوّل الدين إلى نصوصٍ جامدة، ويختفي فيه البعدُ التجريبيُّ، يغيب اللهُ من حياة الإنسان” (صـ157). فهو يحيي الله الذي أَماتَه نيتشه، لا في السماء، بل في قلب الإنسان الذي يستعيد التجربة. هكذا يلتقي الرفاعي مع نيتشه في نقد الإله الميتافيزيقي السلطوي ويخالفه في النتيجة، فبينما رأى نيتشه الخلاص في الإنسان المتعالي، يرى الرفاعي الخلاص في الإنسان العارف. في فكر الرفاعي، الدين هو ما يملأ الفجوة بين وجود الإنسان وحدوده، وما يعيد له المعنى بعد أن فرّ من الإله المؤدلج إلى الفراغ.

في هذا الامتداد، يصبح الغزالي أصلا روحيا، وهايدغر مرشدا أنطولوجيا، وفوكو ناقدا للسلطة، وليوتار محلّلا للتفكك، ونيتشه صرخة إنذار ضد موت الروح. أما الرفاعي، فيوحّد هذه الأصوات في نغمة واحدة بأن لا خلاص من العدم إلا بالمعنى، ولا معنى بلا إله، ولا طريق إلى الله إلا عبر الإنسان ذاته. لذلك حسب ما ورد: “التديّن الذي لا يُنقذ الإنسانَ من خوائه الوجوديّ، ولا يروي عطشَه إلى المعنى، هو تديّنٌ يطفئُ الروحَ لا يُحييها” (صـ165). في نهاية رحلتي القرائية التأملية الممتعة لكتاب ” الدين والظمأ الأنطلوجي”، انجلى عنّي اللبس كما للقارئ، بأنّ الدين عند الرفاعي ليس لاهوتا، بل أنطولوجيا للرحمة، وسيرة للمعنى في صحراء الوجود. الإنسان فيها لا يطلب الله لينجو، بل ليكون؛ لأن الله، في فكره، ليس الغاية التي تُدرك، بل الطريق الذي لا يُفارقنا ونحن نسير فيه إلى ذواتنا، إلى المعنى الذي يسكننا منذ الأزل، للننجو بواسطة ذواتنا في طريقنا إلى الله.

[1] كاتبة من الجزائر.

https://al-aalem.com/%D8%B3%D9%8A%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D9%86%D9%89-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B8%D9%85%D8%A3-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%86%D8%B7%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC/

الاغتراب والقلق الوجودي

حسن الكعبي[1]

مفهوم (الظمأ الأنطولوجي) من المفاهيم التي اجترحها المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي للتعبير عن ظمأ الانسان الى ما يثري وجوده، وهو بتعبيره “الظمأ للمقدس، أو الحنين للوجود، لأنه ظمأ الكينونة البشرية، باعتبار أن وجود الإنسان وجود يحتاج إلى ما يثريه. فظمأ الانسان في بعده الانطولوجي متجذر فيه ومهمين على وجوده بالكامل، وهو المفهوم الوحيد الذي بإمكانه أن يجيب عن تساؤلاتنا حول سيادة ظاهرة الإرهاب وتفشيها بين الشباب في الغرب وغيره، ممَّن هم في كفاية معاشية، وبعضهم يعيش ترفاً مادياً، وفي هذا الإطار يتساءل “فما الذي يدفعهم للهجرة إلى ولائم الذبح، وحفلات الرقص على أشلاء الضحايا في بلادنا. والتسابق على الانخراط في وحشيّة عبثيّة، تتلذَّذ بالدم المسفوح، وتتهافت على مغامرات مهووسة في العمليات الانتحاريّة؟”. ويجيب “إنَّ ذلك يعود إلى ما يعانونه من ظمأ أنطولوجي للمقدَّس، وبسبب رتابة الحياة، وذبولها وانطفاء المتعة التي تمنحها لهم الملذَّات الحسِّية”.

والظمأ بما هو تعبير عن الحاجة والنقصان والفقر، فهو ينطلق بالأساس من مفهوم الاستلاب والاغتراب بأنواعه والتي تنبع بالأساس من الاغتراب الميتافيزيقي – الديني، لكن بمنظور يغاير تصورات فيورباخ الذي يرى “أنه لا يوجد تباين واختلاف بين الطبيعة الإلهيّة والطبيعة البشريّة أي أنّ الإنسان نزع عن نفسه صفاته وتنازل عنها لله – أي أن الله أنموذج ذهني من تصورات الانسان ذاته – ونتج عن ذلك اغترابه وضعفه وعجزه واستلابه وقد ربط فيورباخ الاغتراب بالدين واعتبره المصدر الأساس للاغتراب، حيث أن فكرة الله تسلب الإنسان ذاته وذلك لاعتقاده بوجود قوة مفارقة له متميزة ومختلفة، وبذلك فالاغتراب الميتافزيقي هو غير أشكال الاغتراب الأخرى. يقول الرفاعي: “الاغتراب الميتافزيقي كما أصطلحُ عليه، هو اغتراب وجودي عن العالَم الميتافيزيقي. وهو ضربٌ من الاغتراب يختلف عن اغتراب الوعي والاغتراب الاقتصادي والاغتراب الاجتماعي والاغتراب النفسي والاغتراب السياسي. ينشأ هذا الاغتراب عندما يحبس الإنسانُ وجودَه بالوجود المادي الضيق، فيختنق باغترابه عن الوجود الميتافيزيقي. وينتج عن ذلك تمزق الكينونة الوجودية للإنسان وضياعها بتشرّدها عن الأصل الوجودي لكلِّ موجود في عالَم الامكان. يفتقرُ الإنسانُ في وجوده المتناهي المحدود إلى اتّصالٍ بوجودٍ غنيّ لا نهائيّ لا محدود، وعندما لا يتحقّق له مثلُ هذا الاتّصال الوجوديّ يسقطُ في الاغترابِ الميتافيزيقيّ. الاغترابُ الميتافيزيقي يعني أنَّ وجودَ الذَّات البشرية وكمالَها لا يتحقّقان ما دامتْ مغتربةً في منفى عن أصلها الذي هو الوجود الإلهي”.

نقطة الاختلاف تكمن في أن الخلاص من الاغتراب في الأنواع الأخرى لا يعني الخلاص من الاغتراب الميتافيزيقي، والى هذا يشير الرفاعي: “على الرغم من الآثار الموجعة لاغتراب الوعي والاغتراب الاقتصادي والاجتماعي والنفسي والسياسي، لكن الخلاص من الاغتراب في هذه الأنواع لا يعني الخلاص من الاغتراب الميتافيزيقي”. ويرجع الرفاعي أسباب عدم القدرة من الخلاص من الاغتراب الميتافيزيقي “لأن الاغتراب الميتافزيقي اغتراب لكينونة الكائن البشري عن وجودها، وهذه الحالة من الاغتراب تنتج القلق الوجودي إذ بعد أن يفتقد صلته بإلهه يفتقد ذاته”. بمعنى أن الكائن البشري لا يمكنه الخلاص من اساس اغترابه، الا إذا استطاع ان يجد تلك الصلة بينه وبين إلهه فيصل الى حالة من التسامي والتصالح مع الذات وحبها. وطبعاً قد تختلف رؤية الانسان للإله فقد يكون الإله عند البعض هو المال او المادة المشبعة لأنواع الغرائز أو هو شخص ما أو عقيدة ما أو رمز ما، لكن ما يقصده الرفاعي بالإله هنا هو الله تعالى كحقيقة مطلقة يصعب إدراكها؛ لذلك فإن البحث عنها يظل دائماً هو الهدف من خلق الانسان للارتقاء بذاته وتساميها في رحلة البحث هذه، ولذلك فهو يقول بخلاص الانسان من أنواع الاغتراب من دون التمكن من الخلاص من الاغتراب الميتافيزيقي إلا في حالة الاقتراب من الحقيقة المطلقة حيث يتحول المنظور”الى الإله من منظور عدائي الى منظور قائم على الحب” بمعنى أن الخلاص من الاغتراب الميتافيزيقي يكمن في الدين بتجلياته الروحية والأخلاقية والجماليّة.

الإنسان كما يشير الرفاعي “كائنٌ متعطِّشٌ على الدوام إلى ما يرتوي به، ومن خلال البعد الأنطولوجي في تصوراته: يمكنه العبور إلى جوهر الدين، وبه يرتوي الظمأ للمقدَّس، وبه يتذوَّق الأبعاد الجماليّة، ويدرك ما يفيضه الدينُ على مشاعر المتديِّن في عالمنا، من جمال”، ومحبة وتسامح نابعة من منظومة تيولوجية مترشّحة عن الدين كحقيقة انطولوجية لها تجلياتها الجماليّة التي تروي ظمأ الانسان الى الكمال، وهي بذلك تختلف عن حقيقة الدين في طابعها الايديولوجي الذي يسيس وجودنا دون أن يثريه.

[1] كاتب عراقي.

 

https://altanweeri.net/12790/%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%BA%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%A8-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%84%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%88%D8%AF%D9%8A/

قراءة النصوص الدينية في سياق الكرامة والحرية في كتاب: “الدين والظمأ الأنطولوجي”

د. وسام حسين العبيدي[1]

لعلَّ كثرة المقالات، التي تجاوزت 200 مقالة حتى اليوم، ودار كتّابها ولهى حول كتاب: «الدين والظمأ الأنطولوجي»، بوصفه من الكتب التي أمتعتْ وأفادت قارئيها، في قراءة المسألة الدينية قراءة معاصرة، لم تدع المزيد من القول لمن يريد الكتابة عن هذا الكتاب، فما يُراد أن يُقال، قد قيل فيها، ولعلَّ هذا التصوُّر صحيح، في ما لو تمّت مراجعتها بدقّة، ففيها الكثير من التوصّلات التي اتّفق أصحابها عليها بشأن هذا الكتاب ومؤلفه عبد الجبار الرفاعي. وقد لا أجد ثمّة موجبا لي يسوِّغ الكتابةَ عن هذا الكتاب، إلا إذا أردتُ الانطلاق من مُمهِّدات تُتيح لي مخرجا من هذا المأزق، من حيث التلقّي، بوصفهِ يتغايرُ من شخصٍ لآخر، حسب المرجعيات المعرفية التي تُحدِّد جنس النص المقروء، وترسيم حدوده الأجناسية بما يُميِّزُه عن سواه. ومن هنا أجد في هذا الكتاب، منطلقات تسمح لي أنْ أصِف متنَ هذا الكتاب، بأنه يمثِّل نصّا في الرحلة، بمعنى أنَّه يدخل ضمن «أدب الرحلة»، ذلك الأدب الذي يدور حول مشاهداتٍ ينقلها لنا الرحّالة عبر مدوّناتهم، والرفاعي في كتابه «الدين والظمأ الأنطولوجي» كان رحّالة لا على النحو المعتاد عند الرحّالة، إذ يدوّنون لنا مشاهداتهم في الأماكن التي حلّوا فيها، أو التي ارتحلوا إليها، ينقلون لنا عادات وتقاليد وقيم الجماعات التي اختلطوا بها، بل كان رحّالة يجوب في فضاء الذات، وأقاليم المعرفة التي حطَّ فيها ركابه، مستخلصا لقارئه في كلِّ تلك الرحلات الذاتية والمعرفية، دروسا يضعها بين يدي قارئه، عسى أنْ يستفيد منها، ولا يعيد الكرّة التي هدرت من عمر المؤلِّف الرفاعي الكثير، فكان له أنْ يجوب في طيات الذاكرة، في مواقف كانت له في مراحل مختلفة من حياته، منذ نعومة أظفاره، وصولا إلى ما انتهى إليه، وقد لا يُخفي ضيق ذرعه مما كان عليه في السابق من تجارب ومواقف لمن مرّ بهم من أشخاص أو مؤسسات، كان لها الأثر في تحجيم الذات وتقييد إرادتها، ما جعله يُمهِّد لهذا الموقف النقدي من تلكم التجارب في حديثه في بداية كتابه عن (نسيان الذات) محترزا ومتحرِّزا في بداية هذا الفصل من سوء الفهم الذي يطال تحديد دلالة الذات، بما يريد الحديث عنه، وهي الذات الفردية «التي هي قوام الحياة الباطنية للكائن البشري، فمن دونها يفتقد كل إنسان ذاته، ويصير نسخة مكرَّرة متطابقة مع نموذجٍ مُحدَّدٍ مُصاغٍ سلفا، وتجري (نمذجة) الكل في سياق صفات ذلك النموذج وسماته وخصائصه، وكأنَّ الجميع يُسكَبون في قوالب مُتماثلة، تُلغى فيها اختلافاتهم وتمايزاتهم، وتُمحى البصمةُ الشخصية لكلٍّ منهم. هنا يتنازل الفرد عن ذاته، ولا يكون سوى بوقٍ يتردَّدُ فيه صدى أصواتِ الآخرين، فيما يختفي صوتُهُ الخاص». في هذا التوضيح أراد الرفاعي من ورائه إيصال رسالةٍ معرفيةٍ توجز كل ما قطعه من أسفار معرفية خاضها في حياته، وهي الحرّية التي ينبغي لها أنْ تتحقّقَ فيها الذات، الذات لا يرى لها وجودا ولا صيرورة إلا عبر ما تُحقِّقهُ من حرِّيةٍ وتتحقّقَ فيه، وهي في منظوره ليست أمرا ناجزا يمكن أنْ يأخذ أثره بمجرّد التعرّف عليه نظريّا؛ لأنَّ «وجود الحرية يعني ممارستها. الحرية لا تتحقّق بعيدا عن مسؤولية الفرد تجاه ذاته. لحظة تنتفي الحرية تنتفي الذات، إذ لا تغتني الذات وتتّسع وتتكامل إلا بالحرّية». وهو إذ يؤكِّد ما للحرية من أثرٍ في تحقيق الذات، فإنه يُدرك في الوقت نفسه ما للعبوديةِ من هيمنةٍ على مسيرة الإنسان بصورةٍ عامة، في جعله مُكبّلا في مواقفه وآرائه لآخرين، معبّرا عن تلك العلاقة الضِدِّية بالجدل الذي لا ينتهي بين المقولتين، إلا أنَ الطريف في نظرته لتلك الجدلية العقيمة، أنّه ذهب إلى ما ورائها، باستنتاجه «أنَّ هذا الجدل هو مصدر الحركة، ومولِّد الطاقة لاستمرار الحياة. وكأنَّ هذا الكائن مجبورٌ في حرّيته، بقدر ما هو مجبورٌ في عبوديّته، ذلك أنَّ الكائن البشري في توقٍ أبديٍّ للحرية، فهو لا يكون إلا بالحرية. لو لم تطارده عبوديته على الدوام فلن يتطلع للحرية، الحريةُ بطبيعتها في صراعٍ أبديٍّ مع العبوديّة»، هذه النظرةُ الإيجابية للعبودية بوصفها واقعا تاريخيّا مر على البشرية وما زال، لا يعني الارتهان إليه، بمقدار الانطلاق منه إلى ما يُحقِّق للذات وجودا وهويّة، وأعني به الحرّية. وهي تُذكِّرنا بالنظرة الإنسانية التي أشار لها الكثير من المدوّنات في الأديان السماوية أو الوضعية، ولعل واحدة من مقولات شمس الدين التبريزي وهي: (لولا المرض ما عرفنا الصحة، ولولا الظلام ما عرفنا النور، ولولا المعاناة ما عرفنا السعادة، ولولا الفراق ما عرفنا الحب)، تُذكِّرنا بفحوى ما أشار إليه الرفاعي في نظرته الإيجابية لتلك العلاقة الجدلية بين مقولتي الحرية والعبودية، إلا أنه لا يكتفي في بيان هذه النظرة الإيجابية، فيضع لنا اشتراطات الحرّية وما ينبغي تمهيده لتحقيقها، وما تؤدِّي إليه من مآلات، وكأنه ينفي مسبقا سوء الفهم لمن يتصوَّر عبر هذه الجدلّية أنَّ كلا المقولتين متوازنتان قوّة وتمثّلا وتأثيرا، وذلك في قوله: «الحريةُ أشَقُّ من العبوديّة؛ ذلك أنّها: إرادةٌ، وحضورٌ، واستقلالٌ، وشجاعةٌ، ومسؤوليةٌ، وخيارٌ إيمانيٌّ، وموقفٌ حيال الوجود. أنْ تكون حُرّا فهو يعني أنَّكَ تُواجهُ العالمَ كلَّهُ، وتتحمَّلُ كلَّ شيءٍ وحدَكَ، العبوديّةُ: هشاشةٌ، وغيابٌ، واستقالةٌ، وخضوعٌ، وانقيادٌ، وتفرُّجٌ، وتبعيَّةٌ، ولا موقف، ولا أباليّةٌ، ولا مسؤوليةٌ. أنْ تكونَ عبدا يعني أنَّكَ لستَ مسؤولا عن أيِّ شيءٍ، حتّى عن نفسِكَ». هذه اللغة البيانية الشفيفة التي تذكِّرنا بخطاب الفرنسي إيتيان دو لابوسي في كتابه الشهير: «مقالة العبودية الطوعية» وهو يفرِّق بين الحرِّية والعبودية، من حيث أثر كلِّ واحدٍ منهما على من يتمثّلهما سلوكا وموقفا في حياته، بقوله: «إنَّ الشجعان لا يهابون الخطر أبدا في سبيل نيل الخير الذي يبتغون، ولا يرفض ذوو الفطنة مكابدة المشقَّة مطلقا، أما الجُبناء والخاملون، فلا يعرفون مكابدة الألم ولا السعي إلى الخير، فيقفون من المكارم عند التمنِّي، أما فضيلة الإرادة فمنتَزَعةٌ منهم بسبب تخاذلهم. وأَمَّا الرغبةُ في الخيرِ فتظلُّ لديهم بفعل الطبيعة، تلك الرغبة، بل تلك الإرادة المشتركةٌ بين الحكماء والأغبياء، وبين الشجعان والجبناء، للتوق إلى كلِّ الأشياء التي تجعلهم، باكتسابها، سعداء ومغتبطين: يبقى شيءٌ واحدٌ لا يقوى الناس على تمنِّيه، ولا أدري لماذا؟ إنه الحرِّية، وهي نعمةٌ كبيرةٌ ومُمتِعةٌ جدّا، فإذا فُقِدَت تتوالى الويلات، وتفقد النِعَمُ بعدها كلَّ طعمها ومذاقها، لأنَّ العبوديّةَ أفسَدَتها».

وعودة إلى ما انتهى إليه الرفاعي أعلاه، نجده يُلخِّص بإيجاز، سبب اختيار العبودية، على ما فيها من مآلات وخيمة على الذات، تعصف بوجودها الواعي المُدرَك، بأنَّ «الناس بطبيعتهم ينفرون من التفكير، ومن كلِّ ما يُوقظ العقلَ من سُباته، لذلك يُفتِّشونَ على الدوام عمَّن يُفكِّرُ عنهم بالنيابة، فيعودونَ في كلِّ شيءٍ يسيرٍ أو خطيرٍ في حياتهم إلى منْ ينوبُ عن عقلهم. من لا يُدرِّبُ عقلَهُ على التفكير لن يتعلَّمَ الاستقلالَ في التفكير. لا نتعلمُ التفكيرَ إلا بالإدمانِ على التفكير»، وهي الحقيقة التي أراد الرفاعي استظهارها في كلِّ ما خاضَ فيه من مواقف وتجاربَ عبر محطّات حياته التي يعرفُها من خبرَ سيرته عن قرب، ما جعله وفقا لتلك النتيجة أنْ يخرجَ من طوق الجماعات التي آمنَ بطروحاتها في المرحلة العمرية المبكرة من حياته، محافظا على ما تبقّى من ذاته، بل مُعيدا صياغتها وفقا لتراكمٍ من التجارب الثريّة بالدروس، مرتحلا إلى خطابٍ إنسانيٍّ داخل المنظومة القيمية الإسلامية، أرحبَ من خطاب تلكم الجماعات، وهو خطابٌ يرحِّلُ فكرة الجماعة/ المذهب/ الفرقة الناجية، إلى غير رجعة من منطلقات أفكاره التي يسعى لترويجها الآن، في ما صدر عنه من مؤلفات، لأنَّه لا يرى في أدبيات الجماعات والأحزاب مهما اختلفت توجّهاتها سوى نسخةٍ واحدةٍ تتكرّر من حيث المضمون الذي يُكرِّس ذوبان الذات في الجماعة: «أما قيمة الفرد، ومكانتُهُ، وحاجاتُه الذاتية، الروحيّة، والعاطفية، والوجدانيّة، والعقليّةُ، فلا أهميّةَ لها، إلا في سياق تموضعها في إطار هذا المركَّب، الذي هو الجماعة ومتطلّباتُها»، وهذا ما يسعى الرفاعيِّ إلى مناهضته بكلِّ ما أوتِيَ من ثراءٍ معرفيٍّ أتاح له الخوضُ بعُمقٍ ودراية في مثابات متنوِّعة في مجالاتها المعرفية لكشفِ الباطن النفسي، والتمظهر الاجتماعي عند ممثِّلي تلك الجماعات في القديم والحديث، فضلا عن استعراض مواقف من سيرته تكشف لنا ما كان لتلك السيرة من أثرٍ عميق في تشكيل الذات وصياغتها، بما جعل كتابه رحلة تجمع بين المعرفيِّ والجغرافي منها، ويُقدِّمُ لنا من خلالها ضروبا من الخلاصات الضرورية لقراءة الدين ونصوصه في سياق يحفظ كرامة الإنسان وحريته، ولا يسحق الذات في التخندق الهويّاتي بعيدا عن روح الدين. لعل هذه الفكرةَ هي الأساس في هذا الكتاب.

[1] أستاذ في كلية الإمام الكاظم / بابل، متخصص في الادب العربي القديم ونقده.

من الفهم الى الأنطولوجيا .. في سوسيولوجيا الدين

قراءة للدين والظمأ الأنطولوجي

 

د. فاطمة الثابت[1]

لكي نقبل هذا العالم يجب أن نرفض هذا العالم، فالوجود أستُهلك إلى درجة الأضمحلال، وهناك تناقض فعلي بين تأمل العالم وبين تحويل العالم، ومن هنا تبرز ضرورة توظيف الفهم الحقيقي للدين ليرتوي “الظمأ الأنطولوجي”.

من منظور اجتماعي، تتضمن أنطولوجيا الدين دراسة طبيعة الكيانات والتجارب والظواهر الدينية في إطار الهياكل والمؤسسات والتفاعلات الاجتماعية. يدرس علماء الاجتماع كيف يشكل الدين المجتمع ويهيكله، وينظرون إلى البناء الاجتماعي للواقع الديني. من أهم القراءات السوسيولوجية للدين قراءة إميل دوركهايم، عالم الاجتماع الرائد، الذي تناول دراسة الدين من منظور وجودي، لا سيما في عمله الأساسي: “الأشكال الأولية للحياة الدينية” الذي نشر عام 1912، كان دوركهايم مهتمًا بفهم الطبيعة الأساسية وجوهر الدين داخل المجتمعات البشرية.

كما قدم ماكس فيبر، عالم الاجتماع الألماني، مساهمات كبيرة في الفهم الاجتماعي للدين من خلال كتابه “الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية “، بينما ركز إميل دوركهايم على التكامل الاجتماعي والجوانب الجماعية للدين، كان نهج فيبر أكثر دقة وشمل باستكشاف تجربة الفرد الذاتية، وتأثير الأفكار الدينية على التغيير الاقتصادي والاجتماعي، حيث وظّف (الفهم). كان نهج فيبر في فهم الظواهر الاجتماعية، بما في ذلك الدين، يرتكز على مفهوم “Verstehen”، وهو ما يعني الفهم باللغة الألمانية، وشدد على أهمية فهم المعاني الذاتية التي يعلقها الأفراد على أفعالهم ومعتقداتهم وتجاربهم. في دراسة الدين كان هذا يعني الاهتمام بالتجارب الحياتية للأفراد والمعاني التي ينسبونها إلى الممارسات الدينية.

وبغض النظر عن السياقات التاريخية التي ميزت بداية وجهات النظر الحداثية وتأثيرها الدائم، فضلاً عن الظهور اللاحق لاتجاهات ما بعد الحداثة، التي كشفت عن نقاط الضعف في العديد من الأيديولوجيات الحداثية، أو من زاوية مختلفة، النظر في إعادة تشكيل المشهد الفكري عالميًا، إن الحاجة ملحة إلى فهم جديد خاصة في العصر الحالي، بعد تراجع الهيمنة الأيديولوجية للفكر الغربي، أصبح من الضروري بالنسبة لنا أن نفهم فهمًا جديدًا واقعنا.

هذا الفهم يبدأ من تشخيص دقيق لأزمة التديّن، حيث يبين د. عبد الجبار الرفاعي: “إن ما وضع الدين اليوم في مأزق تأريخي، هو ترحيله من مجاله الأنطولوجي الى المجال الأيديولوجي هذا من جهة، ومن جهة أخرى ازدراء بعض النخب للدين واحتقارهم للتديّن، أثر الفهم الساذج المبتذل لحقيقة الدين في فهمهم، والصدور في أحكامهم من نمط التديّن الأيديولوجي الشائع”.

في رحلة عميقة من الذات ينتقل بنا الرفاعي الى الوجود الإنساني، حيث يعتبر “الإيمان تجربة ذاتية، خلافًا للفهم والمعرفة، لا يتحقق الإيمان بالنيابة، بوصفه تجربة تنبعث من الداخل، وصيرورة تتحقق بها الروح وتتكامل، ونمط وجود يرتوي به الظمأ الأنطولوجي للكائن البشري”. مَن يقرأ الفصول الأولى للكتاب وما بعدها يفهم هذا النص بتجلياته، يبدأ كتاب: “الدين والظمأ الأنطولوجي” بنسيان الذات، ثم نسيان الأنسان، ليصل الى التجربة الدينية وأزمة الظمأ الأنطولوجي، وبعدها يقف على الاحتكار الأيديولوجي لإنتاج المعنى الديني، ويخرجنا من هذه الأزمات الى ضرورة تجديد الفكر الديني. مما يؤدي في النهاية إلى استكشاف التجارب الدينية والتعطش الوجودي للمعنى، فهو يدقق في أزمة الشوق الوجودي، ويواجه احتكار الأيديولوجيات لإنتاج المعنى الديني. وبذلك ترشدنا رحلة الرفاعي إلى الخروج من هذه التحديات الوجودية، وترسم خارطة طريق لتجديد الفكر الديني.

وفي تنمية هذا الفهم والانغماس في الأعماق الروحية لهذه المعاني، هناك تجنب متعمد للابتعاد والازدراء تجاه الذات أو نقيضها، وبدلًا من ذلك، يبدأ الاستكشاف من الذات، ويمتد نحو الوجود، ويرسم صورة متكاملة للوجود الإنساني.

[1] أستاذة علم الاجتماع بكلية الآداب بجامعة بابل في العراق.

الكتب كالأبناء يصعب الانفصال عنهم

د. عبد الجبار الرفاعي

نقل لي أحدُ الأصدقاء العراقيين المتوطنين في القاهرة سنوات طويلة، يقول: زرتُ أحدَ المؤلفين المصريين المشهورين في بيته، وفي سياقِ حديثنا عن الكتابةِ والتأليف، سألتُه عن كيفية مراجعته وتنقيحه لمؤلفاته المطبوعة عندما يريد إعادةَ نشرها، فقال لي: لا أعودُ للكتاب الذي أنشره بعد صدوره أبدًا، لأن العودةَ إليه تضطرُني لإعادة تحريره، بالشكل الذي يدعوني لتغييره جذريًّا، عند مراجعته أشعر كأني أقومُ بتأليف كتابٍ غيره، وذلك لا يشجعني على النظر في مؤلفاتي الصادرة مجددًا.

يقول الجاحظ: “ينبغي لمن كتبَ كتابًا ألّا يكتبُه إلا على أنَّ الناسَ كلَّهم له أعداء، وكلَّهم عالمٌ بالأمور، وكلَّهم متفرغٌ له، ثم لا يَرْضَى بذلك حتى يَدَعَ كتابَه غُفْلًا، فإذا سكنتِ الطبيعةُ وهَدَأتِ الحركةُ، وتَرَاجَعَتِ الأخلاطُ، وعادتِ النّفسُ وافرةً، أعاد النظرَ فيه، فيتوقّف عند فصوله تَوَقُّفَ مَنْ يكون وَزْنُ طَمَعِهِ في السلامةِ أنقصَ من وزن خوفِه من العَيْب”. حين أقرأ ما كتبتُه بعد سنوات، أحيانًا أكتئب، وأبتهج أحيانًا أخرى. أكتئبُ لشعوري بوهن شيء من كلماتي، وثغراتِ شيء من أفكاري، ولشعوري بما يفكر فيه القارئُ الذكيُّ، وكيف يتأمل ويدقق ما تقوله الكلماتُ وما لا تقوله وتحجبه. أبتهجُ حين يبادرُ قراءٌ أذكياء في الحديث عن الوثبة الروحية التي عاشوها بعد قراءة هذه الكتابات، وما شاهدوه من ألوان مضيئة لصورة الله في شيء من كلماتها، وانبعاث الثقة بداخلهم في أن الدينَ يمكنُ أن يحيي كلَّ معنى جميل في الحياة، ويمكن أن يوقظَ الضميرَ الأخلاقي، ويُكرِّس التكافلَ العائلي، والتضامنَ المجتمعي، ويخفض طاقةَ الشر التدميرية، ويبعث منابعَ الخير في الأرض، ويجعل صناعةَ السلام والعيشَ المشترَك والتراحم هي المشروع الأبدي للتديّن.

الكتبُ كالأبناء يصعبُ على الإنسان العاطفي الانفصالُ عنهم، مهما كانوا، ومهما تقدّمَ به وبهم العمر. أحيانًا تصير الكتبُ أشدَّ صلة بذلك الكاتب الذي نذرَ عمرَه للكتابة وتفرغَ لها، وأعطاها كلَّ ما يملكُ من وقت وطاقة وجهد وصحة، وتنازل لأجلها عن مباهج الحياة ومتعها المتنوعة، وسجن نفسَه في منفى اختياري، بعيدًا عن الأقرباء والأصدقاء، وتجاهلَ ايقاعَ الحياة اليومية وتفاصيلها، وانسحبَ من الواقع بكلِّ ما يحفلُ به من أحزان وأفراح.

كثيرٌ مما ينشرُ لا تنطبقُ عليه شروطُ الكتابة الحقيقية. الكاتبُ الجاد الذي يهمُه حمايةُ صورته أمامَ نفسه أولًا وأمامَ القراء ثانيًا، لا ينفك من تهيب الكتابة مادام منهمكًا بهذه المهمة الشاقة. يقول همنغواي: “إنّ الكتابةَ تبدو سهلة، غير أنّها في الواقع أشقّ الأعمال في العالم”. أحيانًا أكون محرجًا أمام القراء بما أحدثه من تنقيح وتهذيب متواصل في كتاباتي، ومحاولات تصفية متكررة لتنقية العبارات، لئلا تشوبها أكدار. ما يتعبني في الكتابة هو انتقاء الكلمات الحساسة، وبناء العبارات الصافية. حين أكتب أمارس عملية كالمهندس المعماري الذي يهمه الوجه الجمالي للبناء. المعاني حاضرة أحيانًا، ‏ما يرهقني هو استيراد الكلمات العذبة ‏مما هو مختزن في الذاكرة، وأحيانًا أعود إلى قواميس اللغة ومعاجمها عسى أن أجد الكلمات الملائمة لسياق النص. يقول الجاحظ: “المعاني مطروحة في الطريق، يعرفها العجمي والعربي، البدوي والقروي، وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخيّر اللفظ، وسهولة المخرج، وكثرة الماء، وفي صحة الطبع وجودة السبك، فإنما الشعر صناعة، وضرب من النسج، وجنس من التصوير”.

‏ حاولتُ الخلاصَ من عادة استئناف النظر في كتاب “الدين والظمأ الأنطولوجي” وغيره في الطبعات الجديدة إلا أني فشلت. ما يدعوني لاستئناف قراءة ما أنشرُه وأعملُ على إعادة تحريره وغربلته وتنقيحه وإثرائه كلّ مرة، هو شعوري بأني دائمًا في حالة امتحان أمام القراء الأذكياء. القارئُ الذكي بالقدر الذي يجعلُ الكاتب حذرًا، وخائفًا إلى حدّ الذعر لدى بعض الكتاب، لهذا القارئ بالقدر نفسه منّةٌ وفضلٌ على كلِّ كاتب يريد لكتابته أن تظلَّ قيد التداول، إذ يجعله متيقظًا مسؤولًا عن كلِّ كلمة يكتبُها وفكرة يبوحُ بها. يثيرُ القارئُ الذكيُّ الكاتبَ فيضطره لإعطاء الكتابةِ كلَّ طاقته ووقته، ويستفزُ مواهبَه ومهاراتِه وخبراتِه لحظةَ يكتب. يجعلُ هذا القارئُ عقلَ الكاتب دائم الهمّ بما يعتزمُ كتابته، متى لاحت في ذهنه فكرةٌ تزامنت بمعيتها الكلماتُ المعبرة عنها، وأردفها مخزونُه اللغوي بخيارات لصيغ متناوبة متبادلة للكلمات والعبارات الأقرب لذوقه في بيان تلك الفكرة والكشف عن مضمونها للمتلقي.

ما يشعرني بالرضا وأنا أعمل على إعادة النظر في كتاباتي هو الإدراكُ بأن هذا تقليدٌ تفرضه عليّ مسؤوليتي الأخلاقية تجاه القراء، ويلزمني به ضميري الذي يدعوني لأن أتعاملَ مع كتابتي مثلما أتعاملُ مع ما يكتبُه غيري، الذي أقرأ ما يقولُ على مَهَل، أتفحصُ كلماتِه وأفتشُ عن ثغراتِ أفكاره. عندما أقرأ ما يكتبُه كاتبٌ بعيون الناقد، أبادر لنقد أفكاري وغربلتها بعيون الناقد أيضًا، ولا أترددُ بتمحيصها وتهذيبِ كلماتِها. أعرفُ جيدًا أن الكلماتِ التي تمكث طويلًا في ذاكرة الكتابة تتطلب الكثير من الغربلة والتمحيص والصقل.كلُّ كتابةٍ يتسع عمرُها بمقدار ما تستجيب لعملية التكثيف بالتمحيص والحذف والاختزال.

أحاول كتابةَ تجاربي الذاتية، مشغولٌ على الدوام برحلتي في أعماق نفسي، واستكشافِ الإنسان بدءًا من ذاتي. هذه رحلةٌ لا تنتهي، ولن تقف عند نهايات مغلقة.كلُّ يوم يتكشفُ لي في هذه الرحلة الأبدية ما كنت أجهله في نفسي وغيري، وما لا أعرفه عن العالَم من حولي.

أعرفُ أن كلَّ مَنْ يفكر يخطئ، لا يخطئ إلا مَنْ لا يفكر. لا يتحرر الإنسان من الخطأ غالبًا إلا بعد وقوعه فيه. مَنْ يمتلك شجاعة الاعتراف بالخطأ يمتلك القدرة على تغيير ذاته. الخوفُ من الاعتراف بالخطأ خوفٌ من التغيير.كلُّ مرة أريد تجديد طباعة أحد أعمالي الذي مضت على صدوره سنوات أتحمس لإعادة بنائه، حين أبدأ بالمراجعة أقع في مغامرة لم أكن أحتسبها، وكأني أكتب كتابًا جديدًا، إذ أقومُ بعمليات تحرير وتنقيح وشطب وإضافات متنوعة. أظن هذه عادة مؤذية يعاني منها كلُّ كاتب يدركُ أن عقلَ الإنسان مهما فكّر وتأمل وراجع تظلُّ النتائجُ التي ينتهي إليها اجتهاداتٍ بشريةً ناقصة وليست نهائية. طبيعةُ البشر النقص، وهو ما يدعو الإنسانَ لطلب الكمال والكدح لبلوغه. الحكيمُ يدركُ أن بلوغَ الكمال متعذر؛ وذلك ما تشي به الآيةُ القرآنية: “وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ”. يوسف، 76.

موضوعاتُ هذا الكتاب تنشدُ التدليلَ على الحاجة الأبدية للدين، بوصفه حياةً في أُفق المعنى، تفرضُه حاجةُ الإنسان الوجودية لإنتاجِ معنىً روحي وأخلاقي وجمالي لحياتِه الفردية والمجتمعية، وتشتركُ في بيان هذه الفكرة المحورية الواحدة بمداخل وتنويعات وبيانات متنوعة، إلا أن فصولَه يمكنُ أن تُقرأ خارجَ تسلسلها في الكتاب، بلا أن يخلَّ ذلك كثيرًا بفهم واستيعاب فصل سابق أو لاحق. وإن كنت أقترح على القارئ أن يصبر على القراءة المتوالية، لأن ترتيب الفصول ومواضعها يعكس سياقها المنطقي وليس عشوائيًّا.

في طبعته الرابعة خضعَ كتابُ “الدين والظمأ الأنطولوجي” لبناءِ شيءٍ من أفكاره، وتهذيبِ شيءٍ من عباراته، وأُعيد ترتيبُ فصوله، واغتنت فقراتُه بإضافات رأيتها ضرورية.

 

مقدمة الطبعة الرابعة لكتاب: “الدين والظمأ الأنطولوجي”. يصدر قريبًا عن دار الرافدين في بيروت، ومركز دراسات فلسفة الدين في بغداد.

 

     رابط النشر: