القيم الكونية نسبية في تطبيقاتها لا في ذاتها

 د. عبد الجبار الرفاعي

كان لمطالعاتي المتواصلةِ للكتاباتِ العقلانية النقدية أثرٌ ملموسٌ في إيقاظِ ذهني، وتحرّرِه من الأوهام المتضخمة. لن أنسى أثرَ أعمال علي الوردي وغيرِه من ذوي التفكير النقدي الحرّ في إيقاظِ ذهني، واستردادِ عقلي الذي استلبته أوهامٌ بضعةَ سنوات، لبثَ فيها تأسره مفاهيمُ لا صلةَ لها بحياتي ومعاشي، ولا علاقةَ لها بمشكلاتِ الناس وآلامِهم.كنت عاجزًا عن استبصار العوامل المختلفة المعقدة المكونة للواقع، أحسبُ الواقعَ المركب بسيطًا، أفهمُ ظواهرَ اجتماعية معقدة تنتجها سلسلةُ عوامل عميقة ظاهرة ومضمرة فهمًا ساذجًا، لا أعرف شيئًا عن التفسير العلمي للظواهر السائدة في المجتمع. كنتُ أعتقد أن الناسَ يتغيرون بالمواعظ فقط، أتقنتُ صناعةَ الكلام، من دون أن أعرف شيئًا من أسرارِ الطبيعة الإنسانية الدفينة. لم أكن أعرفُ أن إصلاحَ ظروفِ عيش الناس، وإعادةَ بناء وعيهم وثقافتهم، هو الذي يتكفل بتغييرهم.

حذّر الوردي ممن يريد أن يغيّر الناسَ بالكلام، من دون أن يعرف الطبيعةَ البشرية، ويدرس الظواهرَ الاجتماعية دراسةً علمية، تتعرّف على أسبابها ومكوناتها وآثارها، ويبحث في كيفية الخلاص منها. البشرُ لا يتغيرون بالكلام، وأن ما هو عميقٌ في الطبيعة البشرية لا يمكن استئصالُه؛ ذلك ما دعا الوردي للشكوى ممن يعمل بذلك بقوله: “ابتلينا في هذا البلد بطائفة من المفكرين الأفلاطونيين، الذين لا يجيدون إلا إعلان الويل والثبور على الإنسان لانحرافه عما يتخيلون من مُثل عليا، دون أن يقفوا لحظة ليتبينوا المقدار الذي يلائم الطبيعة البشرية من تلك المثل… إن الطبيعة البشرية لا يمكن إصلاحها بالوعظ المجرد وحده، فهي كغيرها من ظواهر الكون تجري حسب نواميس معينة، ولا يمكن التأثير في شيء قبل دراسة ما جبل عليه ذلك الشيء من صفات أصيلة… لقد جرى مفكرونا اليوم على أسلوب أسلافهم القدماء، لا فرق في ذلك بين من تثقف منهم بثقافة حديثة أو قديمة،كلهم تقريبًا يحاولون أن يغيّروا طبيعة الإنسان بالكلام. وكثيرًا ما نراهم بمواعظهم يطالبون الناس أن يغيروا من نفوسهم أشياء لا يمكن تغييرها، فهم بذلك يطلبون المستحيل. وقد أدى هذا بالناس إلى أن يعتادوا سماع المواعظ، من غير أن يعيروا لها أذنًا صاغية”[1].

الوردي يعلن انحيازَه للتطور، لذلك يتكرّر في كلِّ كتاباته التشديدُ على أن كلَّ شيء في العالم يتغير ويتطور، الإنسانُ كائن تفرض عليه بيئتُه ومحيطُه وظروفُه المعيشية نوعَ ثقافته وقيمَه وشكلَ تدينه، بناء على أن كلَّ عصر يمتلك معاييرَه الخاصة للمعرفة والقيم والجمال والزمن وغيرها.

حدث تحولٌ في رؤيةِ الوردي للعالَم ومنظورِه للقيم وفهمِه للحياة ووعيه للواقع عندما انخرط في الدراسات العليا في الولايات المتحدة الأمريكيَّة، وذلك ما قاده للقول بنسبيةِ الأخلاق، واختلاِفها باختلاف الثقافات والمجتمعات والعصور، كما يصرّح بقوله: “الأخلاق نسبية كما لا يخفى. فما يعدو في نظرهم بريئًا قد يعتبر عندنا فسقًا وفجورًا. وربما تنقلب الأحوال عندنا في المستقبل، فيصبح مقياسنا في شؤون الأخلاق مخالفًا لمقياسنا الحاضر. ولستُ أنكر أني قد ذُهِلْتُ حينما رأيتُ في جامعات الغرب ذلك الاختلاط العجيب بين الجنسين لأول مرة، واعتبرته من قبيل الإباحية والفسق، حيث كنت آنذاك لا أزال تحت تأثير التفكير الوعظي الذي نشأتُ فيه في بيئتي الشرقية المتزمتة”[2]. أبدى الوردي دهشتَه من الاختلاط لأحد أساتذته، فأجابه الأستاذ بقوله: “إننا إذا منعنا طلابنا وطالباتنا عن الاختلاط المكشوف لجؤوا إلى الاختلاط المستور بعيدًا عنا، في جو ملؤه الريبة والإغراء. إننا إذ نعترف بما في الطبيعة البشرية من قوى، ونهييء لها ما ينفّس عنها في جو من البراءة والطمأنينة، نكون بذلك قد وقينا الإنسان من مزالق الشطط ومغريات الخفاء”[3].

الأخلاق ليست كلها نسبية كما يرى الوردي، ما هو حسن بالذات وما هو قبيح بالذات يحكم بهما العقلُ العملي “الأخلاقي”. “الحُسن والقُبح” الذاتيان، مثل حُسن الصدق والعدل والأمانة، وقُبح الكذب والظلم والخيانة، حكم الحُسن أبدي لما هو حسن بالذات، وهكذا القُبح أبدي لما هو قبيح بالذات، لكن معرفة حدوده في الواقع وتطبيقاته، وما يصدق عليه في الحياة، ينكشف بالتدريج. اكتشافُ مصاديق ما هو حسن بالذات وما هو قبيح بالذات نسبيٌ، بمعنى أن الإنسانَ لا يدرك كلَّ المصاديق، إلا بعد نضجِ عقله، وتطورِ وعيه، وتراكمِ خبراته عبر التاريخ، وادراكه للحريات والحقوق المستحقة للإنسان بما هو إنسان. الحقيقة الأخلاقية تتكشف بالتدريج للإنسان بمختلف أبعادها وحدودها ومصاديقها، في ضوء اكتشافه لذاته، والعالَم من حوله، وتطور علومه ومعارفه المتنوعة، وتراكم خبراته وتجاربه وتنوعها.كلما اكتشف الإنسان ذاته والعالَم من حوله، تكشفت له حدود الأخلاق، واتضح ما هو نسبي متغير وأبدي ثابت فيها.

الحُسن والقُبح غيرُ الذاتيين، وأعني بهما كلَّ مالم يحكم العقلُ العملي بأنه حسنٌ وقبيحٌ بالذات. ما كان حُسنهما وقُبحهما لسبب ما خارجَ ذات الفعل، سببٌ يتحقّقُ في مجتمع وثقافة وزمان ما، في مثل هذه الحالة الحُسن والقُبح نسبيان، يزولان بزوال سببهما. ذلك ما نراه في مختلف العادات والتقاليد والأعراف والثقافات المحلية المتنوعة بتنوع المجتمعات، والمتغيرة بتغيّر ظروف الإنسان وأحواله.

الحُسن والقُبح الذاتيان النسبيُ فيهما هو التعرّف على المصاديق. معرفةٌ المصاديق تتأثر بدرجةِ التطور الحضاري وتكاملِ الوعي البشري بذات الإنسان والعالم، كما تتأثر بمختلف أنماط عيش الناس، والظروفِ الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية في حياتهم. يدرك الإنسانُ حُسنَ العدلِ بذاته في كل زمان ومكان.

العدلُ قيمةٌ أخلاقية وحقوقية تطور اكتشافُ مصاديقه بتطور وعي الإنسان بالكرامة والحرية والمساواة، لم يولد هذا الوعي مكتملًا مع أول إنسان عاش في الأرض. تفشَّت العبوديةُ ولم يصدر تشريعٌ بتحريم الرقِ، مع كل ما يتضمنه الرقُّ من هتك لكرامة الإنسان، إلا قبل أقل من قرنين. الكرامةُ والحرية والمساواة مفاهيمُ تطور اكتشافُ مصاديقها وتحقّقُها بالتدريج تبعًا لتطور الوعي البشري فيها، إلى أن وصلت إلى ما هي عليه في الميثاق العالمي لحقوق الإنسان.

الكرامةُ والحريةُ والمساواةُ كغيرها من القيم الإنسانية الكونية، لم يولد الوعيُ بمصاديقها دفعةً واحدة، بل تطلَّبَ وصولُ البشرية إلى وعيها بمعانيها المعروفة، والتعرّف على حدودها وتطبيقاتها عبورَ عدة محطات موجعة، وهي تقطع مسارًا طويلًا مريرًا شاقًّا مضمخًا بالدماء. تطلبَ ذلك طيُّ مراحل وعرة تطورت فيها عبر آلاف السنين،كي يتحقّق الوعي بحدودها وتتحقّق بشكل واسع في المجتمعات البشرية.كتاباتُ المفكرين والكتاب، وجهودُ المصلحين، وتضحياتُ الأحرار في العالَم؛كان أثرُها ملموسًا في تكامل الوعي بهذه القيم وتحقّقها بالتدريج في الحياة.

لم يُنظر لاسترقاق البشر على أنه ظلمٌ وانتهاك للكرمة البشرية إلى القرن التاسع عشر. أضحى اليوم يُنظر إليه بوصفه ظلمًا قبيحًا، وانتهاكًا سافرًا للكرامة البشرية.كان فلاسفةٌ مثل أفلاطون وأرسطو وغيرُهما من الفلاسفة لا يقبلون أن يكون كلُّ الناس بمرتبة واحدة في استحقاق الحقوق، رفضوا أن يكون الكلُّ في المرتبة ذاتها في نيل الحق بالكرامة والحرية والمساواة. يرى أرسطو أن العبيدَ طبيعتُهم البشرية العبودية، والأحرارُ طبيعتُهم البشرية الحرية، اليوناني والأوروبي حرٌّ لأن لديه روح، والآسيوي عبدٌ لأنه لا روح له. جعل أفلاطون في “الجمهورية” البشر طبقاتٍ ليست متكافئةً في المكانة والحقوق والوظيفة، إلى الحدّ الذي وصف فيه كارل بوبر أفلاطونَ، في كتابه: “المجتمع المفتوح وأعداؤه”، بأنه المنظّر للتوتاليتارية والملهم للشمولية. في العصر الحديث يرى ديفيد هيوم (1711 – 1776) الزنوج وكل إنسان غير أبيض أدنى بطبيعته البشرية من الإنسان الأبيض. هذا الرأي لهيوم، على الرغم من كل ما أنجزته آثار هذا الفيلسوف العقلانية. هذه نماذج فقط من مواقف فلاسفة معروفين، وشرعنتهم للاستعباد وعدم المساواة، وعدم رفضها أخلاقيًّا. وليست غريبة هذه المواقف على معاصريهم أو مَن سبقوهم أو ظهروا في عصور تالية، قبل القرن التاسع عشر.

 

[1] الوردي، علي، وعّاظ السلاطين، ص 5 – 6.

[2] الوردي، علي، وعّاظ السلاطين، لندن، دار كوفان، ص 9، ط 2، 1995، الهامش رقم (1).

[3] المصدر السابق، ص 9.

 

https://alsabaah.iq/84721-.html?fbclid=IwAR2P1aA55lEFaLr3a2UJHZJ18L3djw4m2ETzqcykSfIjMjwubkjwzfOBnSQ

للإنسانِ في القرآن الكريم بُعدان

د. عبد الجبار الرفاعي

هناك مَنْ يتعاطى مع الإنسان بوصفه كائنًا لا يتغير ولا يتحول أيُّ شيء فيه، وهناك مَنْ ينظر إليه بوصفه صيرورةً وتشكّلًا مستمرًا في كلِّ أبعاد وجوده، لا يرى كينونةً وجودية جوهرية ثابتة فيه،كلُّ شيء فيه متغيّر بتغيُّر الأحوال والظروف المتنوعة بتنوع نمط العيش والمحيط والثقافة. وقد انتهى هذا الموقفُ إلى القول لدى بعض المفكرين بنسبية الحقيقة وكلِّ القيم والأخلاق، والارتياب في كلِّ شيء له صلة بالإنسان، ولم يعد هناك شيءٌ ثابت، أو قيمة روحية وأخلاقية وجمالية كونية على رأيهم. الثابتُ الوحيد هو عدمُ الثبات، اللامتغير الوحيد هو التغيرّ الكلي المستمر، وهذا ضربٌ من الارتياب الذي ينتهي إلى نفي كلِّ شيء.

تختزل كلا النظرتين الإنسانَ في بُعد واحد، فهو إما ثابت لا يتغيّر أبدًا مهما تغيرت ظروف حياته، وهذا فهم متحجّر يراه كأنه صخرة، أو متغير على الدوام لا شيءَ ثابت في وجوده، والمبالغة في هذا الفهم تنتهي إلى ارتيابية لا تعلم بشيء. القرآنُ الكريم يتحدث عن بُعدين للإنسان، كلُّ بُعدٍ منهما يُتخَذ موضوعًا لنوعٍ من أحكامه وقيمه:

الأول: الإنسانُ ببُعده الفيزيائي الأنثروبولوجي الثقافي، الإنسانُ الذي يعبّر عن هوياته المتغيرة تبعًا لتغيّر الواقع الذي يعيش فيه، الإنسانُ بالمعنى الفيزيائي والأنثروبولوجي والثقافي المتحول، الإنسانُ بوصفه صيرورةً وتشكّلًا مستمرًا في هوياته المتغيرة، الإنسانُ الذي يخضع لتحوُّلات الواقع والظروف ومختلف أنماط العيش. هذا البُعد للإنسان هو الموضوع الذي تدرسه العلومُ الإنسانية، وتتحدث عن تغيّره المستمر تبعًا للتحولات في واقعه وظروف عيشه وأحواله. وهو الموضوع للأحكام الخاصة بعصر البعثة الشريفة وامتداداته الظرفية في زمان الخلفاء وأزمنة لاحقة مماثلة له، تشترك معه في مستوى تطور العلم والمعرفة والثقافة ونمط العيش، ومختلف المعطيات السائدة في الواقع.

الثاني: الإنسانُ ببُعده الوجودي، الإنسانُ بجوهره الفلسفي، من حيث هو إنسان أبديّ لا يتغيّر في كلِّ الظروف والأزمنة والأحوال، الإنسانُ بغضّ النظر عن هوياته المتغيرة. الإنسانُ خارج كلّ الهويات المجتمعية، الإنسانُ بوصفه كينونةً لا تتغيّر مهما تغيّرت الظروف والأحوال والأزمان، ومهما تغيّر الواقعُ وكيفيةُ العيش، بمعنى ما يكون به الإنسانُ إنسانًا بغضِّ النظرِ عن أي شيءٍ آخر يتدخل في تصنيفِه عرقيًّا أو جغرافيًّا أو اقتصاديًّا أو ثقافيًّا أو دينيًّا أو هوياتيًا. يتحدث القرآن عن الإنسان بالنظر إلى كينونته الوجودية وراء المعنى الفيزيائي والثقافي والأنثروبولوجي المتغيّر، الإنسانُ بهذا العنوان الثابت هو موضوعُ الكرامة والحرية والمساواة والقيم الأخلاقية والروحية والجمالية الكونية المشتركة بين الناس كلّهم.

في ضوء فهمنا لهذين البُعدين يكون الإنسان موضوعًا لنوعين من الأحكام في القرآن:

  1. الإنسان بوصفه كائنًا تاريخيًّا متغيِّرًا: يعبّر عنه عنوانُ الإنسان بلحاظ هوياته المتغيرة، الإنسان منظورًا إليه هنا بوصفه إنسانًا عاش في زمان ومكان وبيئة وثقافة وواقع خاص، ومأخوذة كلّ هذه الأحوال في كونه موضوعًا للأحكام. في ضوء هذا المفهوم للإنسان تتغير الأحكامُ بتغير الأحوال والظروف والأزمان، لأن الموضوعَ فيها مأخوذٌ بنحو القضية الخارجية كما يصطلح علماءُ أصول الفقه[1]. هذا هو الإنسانُ التاريخي الذي يقع موضوعًا لآيات الأحكام الخاصة بذلك الزمان، ومن أوضحها مصداقًا آياتُ الرقّ، وغيرها من أحكام معاملات أمضاها الإسلام مؤقتًا لضرورات فرضها الواقع، وهي كلُّها تمثّل عصر البعثة الشريفة. أحكامُ الرق مثلًا ليست منسوخةً، لا حكمًا ولا تلاوة، ومع ذلك نسخها تغيّرُ الزمان والمكان والبيئة والواقع. تضمن القرآنُ الكريم آياتٍ تتحدّث عن أحكام الرقّ، لا يعمل بها أحدٌ اليوم، مثل: “وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ واللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ”، النساء:25. “وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ”، المؤمنون:5-6. “وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ واللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ”، القصص،3. أحكامُ الرقّ مثالٌ لموارد متنوعة من آياتِ أحكام المعاملات الخاصة بذلك العصر، أمضاها القرآنُ مؤقتًا[2]، الحكمُ فيها يتغيّر تبعًا لتغيّر الواقع.
  2. الإنسان ببُعده الوجودي الذي لا يتغيّر: يعبّر هذا المعنى عن الإنسانِ بوصفه فردًا، إنسانٌ ينطبق على حقيقةِ الإنسان الفرد الوجودية، ما ينطبق عليه عنوانُ الإنسان في الحياة الدنيا وبعد الموت في الحياة الآخرة. هذا هو البُعد الذي يعبّر عن كينونة وجوديّة جوهرية لا تتغيّر في الإنسان،كما يعبّر هذا المعنى عن الإنسان بوصفه إنسانًا كليًّا.كينونةُ الإنسان العاقل أمس ووجودُه هي ذاتها كينونةُ الإنسان ووجودُه اليوم، لا اختلافَ في صدق مفهوم الإنسان عليها مهما اختلف الواقعُ وتغيّرت أنماطُ العيش والثقافة والأحوال. نعني به الإنسانَ بوصفه ذلك الجوهر الواحد الذي يشتركُ فيه كلُّ كائنٍ بشري مع غيره، والمتمثّل في ما يصيِّر كلَّ إنسانٍ إنسانًا.

الموضوعُ هو كينونة الإنسان ووجودُه العابر للزمان والمكان والظروف والبيئة والثقافة والهويات والواقع، موضوعُ الأحكام مأخوذٌ فيه عنوانُه بنحو القضية الحقيقية حسب مصطلح الأصوليين. هذا العنوانُ للإنسان هو موضوعُ القيم الأخلاقية والروحية والجمالية في الآيات القرآنية. وهو ما تخاطبه آياتُ القرآن في حديثها عن الله والتوحيد والغيب وكلِّ القيم الكونية المشتركة.

على هذا الأساس يبتني تصنيفُنا لمضامين آياتِ القرآن، واعتماد ذلك معيارًا في اكتشاف المعنى الديني الذي ينشده القرآنُ في الظرف الخاص بعصر البعثة، والمعنى الروحي والأخلاقي والجمالي الشامل الذي يتسع لكلِّ عصر، وفي ضوء ذلك نفهم ما هو ثابت وما هو متغير، على وفق لما يلي:

  1. آيات تتضمن أحكامًا وتشريعاتٍ تعكس واقعَ مجتمع عصر البعثة، مثل آيات الرق، وغيرها من آيات تتحدّث عن معاملات متنوعة، وهي أحكامٌ ليست كونية عامة، ولا تستوعب كلَّ العصور.
  2. آيات تتضمن قيمًا إنسانيةكلية، قيمٌ أبدية، قيمٌ يحتاجها الإنسانُ بوصفه إنسانًا، في كلِّ زمان ومكان، قيم غايتها أن يعيش الإنسان في أُفق المعنى، قيمًا تنشد بناءَ الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية.

هذا هو المفتاح المحوري للمنهج الذي أعتمده لتفسير القرآن الكريم، وهو الأساس الذي يبتني عليه ويتفرّع عنه ما أوردتُه بتنويعات وتطبيقات كثيرة في مؤلفاتي.

مازال كثيرٌ من الكتابات تخلطُ بين الإنسانِ بوصفه كينونةً لا تتغيّر، الإنسان بالمعنى الوجودي الفلسفي، الإنسان وراء هويته الفيزيائية والأنثروبولوجية المتغيّرة، الإنسانُ الذي يكونُ موضوعًا للقيم الكونية الكلية، وبين الإنسانِ بوصفه هويةً متحولة، الإنسانُ بالمعنى الفيزيائي والأنثروبولوجي والثقافي، وهو ما يكون موضوعًا للأحكام الظرفية المتغيّرة.

 “القضية الحقيقية والقضية الخارجية للأحكام؛ الحكم الشرعي تارة يجعل على نحو القضية الخارجية وأخرى يجعل على نحو القضية الحقيقية، وتوضيح ذلك: إن المولى المشرع تارة يشير إلى الإفراد الموجودين فعلا من العلماء مثلا فيقول أكرمهم، وأخرى يفترض وجود العالم ويحكم بوجوب إكرامه ولو لم يكن هناك عالم موجود فعلا فيقول: إذا وجد عالم فأكرمه. والحكم في الحالة الأولى مجعول على نحو القضية الخارجية، وفي الحالة الثانية مجعول على نحو القضية الحقيقية، وما هو المفترض فيها نطلق عليه اسم الموضوع للقضية الحقيقية، والفارق النظري بين القضيتين أننا بموجب القضية الحقيقية نستطيع أن نقول: لو ازداد عدد العلماء لوجب إكرامهم جميعا، لأن موضوع هذه القضية العالم المفترض، وأي فرد جديد من العالم يحقق الافتراض المذكور، ولا نستطيع أن نؤكد القول نفسه بلحاظ القضية الخارجية، لأن المولى في هذه القضية أحصى عددا معينا وأمر بإكرامهم، وليس في القضية ما يفترض تعميم الحكم لو ازداد العدد”. الصدر، محمد باقر، دروس في علم الأصول، ج 1، ص 150 – 101. نسخة إلكترونية على شبكة الإنترنت. [1]

 الأحكام الإمضائية، وهي “الأحكام التي لم يؤسّسها الشارع وإنّما كانت موجودة فأمضاها بالقول و اللفظ أو العمل أو السكوت وعدم الردع ، أو التي كانت في الشرائع السابقة وأمضاها الشارع الإسلامي ، ففي بعض الموارد أمضى الشارع ما عليه العرف والعقل بالأدلّة اللفظية، وفي كثير من الموارد استكشف الإمضاء من عدم الردع”. مقالة الأحكام الإمضائية في: الموسوعة الفقهية، ج۱۷، ص۲۵۹-۲۶۸، نسخة إلكترونية منشورة على شبكة الإنترنت.. [2]

 

رابط النشر: