كتابة في الكتابة

   محمد خضير

*”الكلمات في الكتابة صوت التفكير”.

*”الكتابة بلا تفكير ليست سوى صوت طبل أجوف”.

*”الكاتب الحقيقي يكتب كتاباً واحداً، ما قبله تمارين ما بعده تنويعات”.

*”أخطر أنماط العبودية عبودية العقل، هي التي تفضي إلى عبودية الروح والعواطف والضمير”.

عبد الجبار الرفاعي

 

يبدو بحث الدكتور عبد الجبار الرفاعي “كتابة في الكتابة” رسالة تعليمية في تعلم فن الكتابة، فهو يندرج تحت باب القواعد والتعريفات التي اشتهر بها كتاب الصين القدماء. لكن المتابع لأسلوب الرفاعي في مناقشة النصوص والأفكار وتأليفها، سيرى في هذا البحث حفراً أنطولوجياً في أصول الكتابة وانفتاحاً معرفياً على ثقافة “الآخر” المختلف فكرياً وذوقياً، وسيتعرف طرائق جديدة للتدوين أتاحها عصر المعلومات. كما سيجد فيها نقدا لنوع من “الكتابة ضد الكتابة” أو “اللاكتابة”. لكن بحثه هو ذاته كتابة “ضد” الكتابة الشائعة في أوساطنا الثقافية اليوم.

لقد وجدت في بحث “كتابة ضد الكتابة” للدكتور عبد الجبار الرفاعي إجابة وافية على قلقي وقلق أكثر الكتاب في مقاربة الفعل التدويني (بشكليه التحقيقي والتخييلي، اليدوي والالكتروني)، فهو إضافة إلى استلهامه الأصول الكلامية الإسلامية، يؤسس لتربية فلسفية ذاتية تهتم بحفريات العقل وتنهل من روافد ثقافة عصر “الإنترنت” المتاحة بأيسر السبل والمصادر. خاصة إذا عرفنا أنها تصدر عن أحد ألمع فلاسفة عصرنا الاسلاميين المجددين الذين يتصارع في ثقافتهم الجانبان الكشفي الإلهامي والتحقيقي النصي، أو الوحي الوجداني والأثر البرهاني، إحياء الماضي وتدوين الحاضر. هذا كله لرفد علم الكلام بكتابة جديدة، تعاصر ثورة المعلومات وتعاند “مكر التاريخ”. كتابة هي من “نسج ذات الكاتب، لا كتابة بالنيابة عنه” كما يقول.

لقد حرص فلاسفة الاسلام على تمثيل الواقعة البرهانية لتخفيف الشطح الوجداني، الذي تذوب فيه الذات المتفلسفة في إشراق الذات العليا، حيث تفيض بنورها على العقول التي تسفلها، في تراتبية مقبولة لدى سلطات الحكم، أو توحيد لوجود الذاتين في “جبة” الفلسفة في مواقف الشبهة الإبداعية، وهي مرفوضة لدى “محاكم” الإسلام الشرعية. من هنا نفهم محاولة عبد الجبار الرفاعي في فلسفة ذاته “التربوية” وإشهاره لموقفه من الكتابة التي تفارق “الأسلوب” الأصولي، ولا تنقض الجوهر الوجودي في صيغته الأصلية.

أقول هذا، لأنه قد يفهم البعض أن “المفارقة الأسلوبية” تجديد ظاهري فوقي للكشف الجوهري وليس تفكيكاً (هيرمونطيقياً) قصدياً لسلطة النصوص المأثورة، يتوجب أن يبحث عن أسلوبه ويتعلق به تحديداً. ولا أرى في هذا الزعم إلا تخطياً فوقياً كذلك لتربية الذات الإسلامية المخصوصة بموضوعها قبل كل شيء. فالعالم المخلوق، المصوغ أساساً من (بيان) إلهي بليغ، يتطلب أقصى انتباه لصياغته الكتابية، في تربية الذات الإسلامية، وليس إقصاء قسرياً لها. وبمعنى آخر أن تكون لجوهر الذات الوجودية كتابة تنتقل به بين الذوات المتبدلة، والأزمان المتحولة. وهي كتابة متعلقة بموضوعها بقوة الذات التي تفهمه وتشهره، لا بقوة الغير التي تنقضه وتنكره. لذا فإن تربية الذات “تتدرج” في معرفة العالم، لا أن تؤسسه ذاته من ذاتها، حسب مفهوم أفلاطون وتلميذه ابن طفيل. أي أن يحدث كشف يؤدي إلى بحث ثم برهان، ولكل مرحلة كتابتها وأسلوبها. أي لكل كتابة جوهر ثابت ووجود علاماتي متغير. وفي هذه الحالة، فإن الاعتراض المقبول على كتابة التربية الذاتية هذه، هو أن تنبثق الكتابة المتغيرة من جوهرها الوجودي لا من أضداده. أي أنها كتابة “في” الكتابة، لا كتابة “ضد” الكتابة.

ما الذي يدفعني إلى إعلاء منزلة “الكتابة في الكتابة” فوق منزلة “الكتابة ضد الكتابة”؟

نجد أن صياغة البلاغ القرآني، وهو الأرفع بين علامات الوجود وكتابته، قد احتوت صياغات جوهرية “تعبيرية” من علامات زمانها وما قبل زمانها، بكتابة تعدت زمانها وغير زمانها. وفي صياغة هذا البلاغ يتّحدُ الوجدان والبرهان أقوى اتحاد وأجلى تعبير. فلم تكن بذلك صياغة ضد صياغة البلاغات التي سبقتها، بل احتوتها كلها بكتابتها “من دون تفريق”.

هذا دليلي في معنى عنوان المقالة وإيحاءاته الفورية، أما كتابة المقالة كلها فهي دليل متشعب عن العنوان على كتابة الرفاعي المترفع على الكتابة، بمعنى “المتوحد” أو “المتأله” في مفهوم الإشراقيين و”المفكر” أو “المتفلسف” بلغة المتأخرين. وإن كتابته هي كتابة “المغترب” عن زمانه. ولا أظن أن موقعه الرمزي هذا يسمح بتأويل كتابته تأويلاً مضاداً، إلا بتميز ذاته التربوية الإسلامية من تربويات الكشف والبرهان لدى من سبقه من فلاسفة الغرب (نيتشه وسبينوزا وكيركيجارد).

وبعد، ما الذي يعني ذاتي الكتابية من كتابة ذاتٍ ارتقت درجات فوق كتابتي؟ ما يعنيني وغيري أن الرفاعي لم يخص ذاته برسالته، بل قصد أن تشيع بين أصحاب الكتابة الحقة وتسعدهم بكشوفاتها.