وكأنها سيرة كتب لا سيرة كاتب فقط

مها الغيث[1]

إنه كاتب برتبة قارئ. قارئ من قبل ومن بعد، لم تعتقه القراءة من أسرها يوماً واحداً في حياته، غير أنها لا تنفك تتغاير على هوى الواقع ومدارك الوعي وتغير المزاج لا محالة! فيروي هنا تفاصيل تجر تفاصيل عن رحلته التي لا تزال تمضي على طريق الكتابة بمعية القراءة. الكتابة التي تعلمها بالكتابة، لا على مقاعد دراسية، ولا في ورش كتابة إبداعية، ولا من خلال منشورات تعلّم (الكتابة في سبعة أيام) على غرار التوصيات الدعائية المفرطة في السذاجة. إنما الكتابة في نظره منظومة متكاملة من معايير، تجمع بين استعداد فطري، وذهن حاضر، وشخصية صبورة، وقراءة نوعية دؤوبة، وتمارين كتابة شاقة مؤبدة، وتضحيات غير مأسوف عليها من متع الحياة المادية!

وبينما يعتقد الكاتب بإمكانية موازاة سعة القراءة لسعة الكتابة في أنماطها ومختلف مجالاتها، لا يضمن بلوغه مبلغاً من العلم يجعله لا يقرّ بمدى عمق مجاهله التي تبلبل مغاليقها أسئلة تتوالد مع تنامي معارفه. أسئلة يحرّض عليها تفكير خلّاق، وعقلية جدلية، وقراءة جادة لا تسلّم له بما اكتسب، بل تثير فيه بواعث الشك والريبة والحيرة، وتغربل ما اعتنق من حقائق، وتزحزح ما آمن به من مسلّمات، وتدفعه نحو إعادة النظر فيها من جديد بعين رقيب وفكر ناقد، على الدوام. لا عجب بعد هذا أن يصنّف الكاتب كتابه كـ (فصل من سيرة كاتب)، كما جاء في عنوانه الفرعي، وبوصفه أثمن ما عاشه في حياته، كما عبّر في مقدّمته.

أما عنه، وكما ينقل موقعه على شبكة المعلومات، فهو (د. عبدالجبار الرفاعي 1954) مفكر عراقي، حاصل على درجة الدكتوراة في الفلسفة الإسلامية، ومختص في علم الكلام وفلسفة الدين. وهو إضافة إلى هذا، أستاذ جامعي، عمل على إصدار عدد من المؤلفات تصبّ في مجال تجديد الخطاب الديني، المثير للجدل بالضرورة، ونال العديد من الجوائز المحلية والعربية والعالمية.

ومن أروقة الكتاب، أدوّن شذرات، وأقتبس نصوصاً بما يخدم النص (مع كامل الاحترام لحقوق النشر): يكتسب القارئ خبرة ما بعد تجواله في عالم الكتب، فلا ينتقي منها إلا ما يعزز بناء المعرفة الذي شيّده لنفسه، وبيقظة ودراية، ولا تعود تلك، ذات العناوين الطنانة، تجذبه بإغواء رخيص وهي خاوية من أي نفع حقيقي! يقول الكاتب في (القراءة العشوائية): “ما يخدع القراء من الكتب ويزيّف وعيهم ليس قليلاً، مثل هذه الكتب ينبغي الفرار من شراكها. لا يعكس تعدّد عناوين الكتب واختلافها تنوع مضمونها. يكون التعدد أحياناً تكراراً مملاً لكلمات خاوية، لا تجيد ‎رسم صورة ما تنشده بلغة صافية؛ فقلما نقرأ من يمتلك موهبة إعادة بناء الكلمات ورصفها بتشكيلة معمارية فاتنة. تسود مجتمعنا حالة شعف بالكلام، وطالما تحول الكلام إلى ركام كتب مبتذلة لا تقول شيئاً مفيداً، يضيع فيها عمر القراء ويزيف وعيهم. أعرف رجال دين لا يعرفون الكتابة، يتحدثون كثيراً بثقة عن كل شيء يعرفونه ولا يعرفونه، وحين تتراكم تحت أيديهم أموالاً لم يبذلوا جهداً في اكتسابها، يجندون طلاب العلم المحتاجين إلى قوت يومهم، لينتجوا لهم كتباً من ركام كلماتهم، فيباغتون القراء بعد سنوات قليلة بنشر عشرات المجلدات بأسمائهم”.

وفي (كلما احترقت مكتبة انطفأ شيء من نور العالم) وبعد أن يعرض تجربته الشخصية في ضياع مكتبته، لا لمرة واحدة، بل لمرات كان إحداها بفعل حريق متعمّد له أسبابه القاهرة، يتعرّض الكاتب من ناحية أخرى للتراث العربي الذي شهد على مدى العصور، مجازر وإتلاف وإغراق وحرائق انتقامية، أودت بكنوز من كتب قد لا تقدر بثمن! فمن هولاكو وماكينة التدمير التي أودت بحياة مكتبات بغداد النفيسة، وحرائق مكتبات الأندلس إثر سقوط آخر معاقلها في غرناطة، إلى آليات التدمير الأخرى التي اعتمدتها الفرق الإسلامية في تكالبها على بعضها البعض، وتعمّد الفئة الناجية طمس مآثر الفئة الضالة -حسب رواية المنتصرين- كالذي جرى مع أديب الفلاسفة وفيلسوف أدباء بغداد أبو حيان التوحيدي! فيقول الكاتب ابتداءً: “متعة الظفر بكتاب ممنوع بعد سنوات من البحث عنه لا يعرفها إلا هواة الكتب. في زمن غياب المنع ووفرة الكتب الورقية والإلكترونية، يخسر القارئ هذا النوع من الشوق الغريب للممنوع ولا يبتهج بمتعة الظفر بكتاب بعد سنوات مديدة من البحث عنه”.

ثم يضيف ملح على جرح القارئ التقليدي الذي لم ينفك يرقب الكتاب الورقي وقد احتوشه الكتاب الإلكتروني، إثر الطفرة الرقمية التي باتت تبرمج شؤون الحياة بضغطة زر، والكاتب يتحدث في (الكتابة في عصر الإنترنت) من منطق واقع أشد قساوة من منطق ذلك القارئ الرومانسي! فيقول في نبرة تشوبها حسرة: “لا شيء يحمينا من زحف الكتابة والكتاب الإلكتروني، وليس باستطاعتنا إيقاف شلال الإنترنيت الكاسح الذي يتسلط على كل شيء في حياتنا. في منازل الكتاب، غالباً تتبعثر الكتب بشكل فوضوي في غرف وباحات بيوتهم، المولعون بالورق كأنهم يستمعون إلى سمفونية تفيض على مشاعرهم رقة وهدوءاً. للكتاب بوصفه كائناً نعيش معه إيحاء مهدئ ‎لا يتحسسه إلا أولئك المغرمون بالورق يتعاطون معه كأنه صديق حميم، يبدد وحشة عزلتهم، ويخفّض شيئاً من اكتئابهم، ورفيق عاطفة يبوح لهم بما لا يبوحه أقرب الخلان، ومصباح يضيء عقولهم بما لا يرونه بأي ضوء غيره، ومحطة استراحة تبدد شعورهم بالقرف والملل وتكسر نمطية حياتهم ورتابة التكرار فيها لحظة ينخرطون في حوار مع الكتاب، يحدثهم فيحدثونه، يصغون إليه فيصغي إليهم، يناقشونه فيناقشهم، يشاكسونه فلا يمتعض منهم. يبقى على الدوام يهبهم ما يتوقعونه وما لا يتوقعونه منه بلا أي ثمن”.

ختاماً، هو كتاب لا بد أن يُقرأ من عنوانه! فمع المسرّة التي صاحبت قراءته كلمة بكلمة، يستشعر القارئ الحصيف أن تلك الكلمات ما كان لها أن تجتمع إلا بعد مخاض للكتابة عسير، لا يدل احتباسها، إلا على وفرة من خبرة وحكمة وإبداع.

على الهامش: على الرغم من أنني كنت أضع قائمة من كتب المؤلف على لائحة المشتريات، إلا أن هذا الكتاب جاء الأول فيما اشتريت وقرأت، خلافاً لما كان ينبغي أن يكون، المؤلفات قبل السيرة، أو هكذا أعتقد! يدفعني هذا للمضي قدماً واستيفاء اللائحة بأسرع وقت ممكن!

[1]هما الغيث، كاتبة عمود (قراءة في كتاب) في جريدة الشرق القطرية، وكاتبة عمود في (ضفة ثالثة) / منبر ثقافي تابع لجريدة العربي الجديد، وكاتبة عمود سابقة في جريدة المشرق العراقية.

 

https://www.almothaqaf.com/readings-2/982663

لفتات من المسرات، وانتباه للمخاضات: مسرّات القراءة ومخاض الكتابة[1]

أ.د. عبدالله بن علي الشهري

بين يدينا كتاب ينتمي إلى كتب السير الذاتية، ولكنها سيرة تكاد تنحصر في قضايا القراءة والكتابة، والكتاب وإن كان قليل الصفحات صغير الحجم، إلا أنه بحق بُغية المنهوم، ومورد العَطِش. شرعت في قراءة الكتاب فور اقتنائه من معرض الرياض الدولي للكتب 2024م، ومع توافد الكتب الكثيرة إلى مكتبتي من حصيلة المعرض وغلّته، إلا أنها لم تستطع أن تنتزع ها الكتاب من يدي، وقاومت مختلف الإغراءات حتى أنهيتُه.

استطاع د. الرفاعي أن يجعلني أسيرا لكلماته وأفكاره. كنتُ قبل البدء به قد توقعتُ ألا أجد فيه شيئا لافتا، وأضمرت في نفسي أنني لن أكمله كعادتي مع بعض الكتب. ومرجع هذا الظن قراءتي لكثير من الكتب مما يمكن أن يملأ قبة الصخرة في شأن القراءة والكتابة، وأنني بتلك الكتب قد أوفيت على الغاية. فما الذي يمكن أن يضيفه هذا الكتاب في هذا الشأن المشبع بالحديث عنه؟

وهل ستتفوق كتابته على عشرات الكتب الرائعة والتي طار ذكرها في الآفاق؟

والحق أن هذا الظن المجحف تلاشى مع أُولى الصفحات، ووجدت أن الكاتب يخاطب القارئ ويمسك بتلابيبه، ويشعره بأنه إنما جوّده وأتقنه وكتبه لأجله فقط! ورد على ذهني وأنا أكتب هذه الكلمات عن كتاب د. عبدالجبار تلك المقولة الجميلة لعبدالفتاح كيليطو: “حينما أقرأ محكيا، يحدث أن أقول لنفسي أمام مقطع: قد عشتُ هذا المشهد، وأحسست بهذه العاطفة، ويتكوّن عندي انطباع بأن ما أقرأه قد كتب لي خصوصا، بل يحدث أن أقول لنفسي بكل سذاجة: كان بمقدوري أن أكتب هذا الفصل، وهذا الكتاب.

وفي حال قصوى، أكاد أحقد على المؤلف لأنه قد اختلس شذرة من ذاتي، وسلبني إياها! “.

أقسام الكتاب

توزعت قضايا هذا الكتاب على 24 موضوعا، بدأها بـ ” محطات القراءة المبكرة” وهو المتوقع، وأنهاها بـ ” لا نتعلم الكتابة إلا بالكتابة ” وهو ما لم أتوقعه.كانت موضوعات الكتاب متماسكة وإن اختلفت، يسلمك الواحد منها إلى أخيه بسلاسة، وأنت في جوع لا يتوقف ونهم مضطرد، تخشى من النهاية التي لا بد أن تأتي قبل أن يكتمل الشبع والرِّي!

كما زاوج د. الرفاعي بين فكرتي القراءة والكتابة بطريقة لا يحسنها إلا د. الرفاعي نفسه، وكنت أظن أن جبرا إبراهيم جبرا في “معايشة النمرة” قد ختم الموضوع وأغلقه.

وهذه بعض اللفتات

 مع الكتب الخالدة

من جميل ما أعجبني في الكتاب حفاوة صاحبه بالنص العالي والكتب الخالدة، وتكراره عن ضرر تلك الكتابات الهزيلة، تأمل معي هذا النص: “أسوأ المتاهات متاهة القراءة العشوائية، نسيان النصوص الخالدة، والغرق في الكتابات الهامشية أحدُ متاهات القراءة. لا يقرأ الفلاسفةُ الكتابات الهامشية والشروحات والتعليقات، يكتفون بقراءة المتون والنصوص الأساسية. يقرأون الأعمال الأساسية في الفلسفة اليونانية والعصر الوسيط والحديث، ويكتفي أكثرهم بذلك ولا ينشغلون بغيرها. يستغرقون في التأمل والتفكير العميق وتوليد الأسئلة الكبرى، واقتحام ما هو منسي للذهن ” ص 43 .

ويبرّر سبب تأكيده على تجاوز هزيل النصوص وسخيف الكتابات،  فيقول : ” العمر قصير، استنزافه بكتب رديئة يثير الأسى والحسرات حين نستيقظ لاحقا. الكتاب الذي يستلب الوعي يثير الحزن ويطفئ بداخل القارئ شغف القراءة ومتعتها. كتبات قليلة وربما نادرة توقظ العقل وتحدث وعيا علميا بالطبيعة الإنسانية، ورؤى عميقة للعالم ” ص 40

قيمة النص العالي:

في الكتاب تأكيد بارز على أن قيمة القراءة ليست العثور على المعلومة، بل إنها تكمن في نوع القراءة وما تنتجه من أفكار وأسئلة: ” رب قارئ ليس له من قراءته إلا النصب والتعب، القراءة بتأمل صبور من شأنها أن تنقل القارئ من يقينيات الأجوبة الجاهزة إلى قلق الأسئلة الحائرة. قيمة كل قراءة قدرتها على أن تكون منتجة. بمعنى أنها تثير الأسئلة في ذهن القارئ، ويرحل معها عقله إلى ما يألفه من فضاء مسكوت في التفكير.” ص 39

تنبّه د. الرفاعي إلى ما غفل عنه كثير من مدمني القراءة، إذ يحسبون أن العيش الكامل مع الكتاب كفيل بارتفاع مستويات الوعي وتطور المهارات، فيقول مصوبا الأمر: ” أدركت متأخرا أن واحدة من ثغرات شخصيةِ مَنْ يعيش معظم حياته في فضاء الكتب هي نسيانُ الواقع، والجهل بأكثر ما يطفو على سطحه، وما هو محتجب في مدياته الواسعة وطبقاته القصية.  لا يتعلم الإنسان من الكلمات إلا قليلا، الواقع معلمٌ عظيم ” ص 57-58

الضمير الأخلاقي بين الغفلة واليقظة!!

أحسن د. الرفاعي حين تحدث عن هذا الأمر، في وقت كاد أن ينسى في كتابات الكَتَبة، ومؤلفات المؤلفين .. ولا غرابة فنحن في زمن اللهاث وراء الشهرة والمال، ومنافسة الأقران وانتزاع الحظوة،  وتوسّد كراسي الملتقيات، والتطلع إلى جوائز الاحتفالات. : “لا يحمي الكتابةً والكاتب والقراء إلا يقظةُ الضمير الأخلاقي عندما يزور قناعاته ، ويظل قلمه معروضا للبيع لمن يدفع أكثر . أسوأ كاتب مًن يعمل كما يعمل البائع المتجوّل، البائع هدفُه بيع بضاعته، والظفر بربح عاجل من أي مصدر كان.”

الكتابة -كما هو رأي المؤلف- ليس من شرطها أن تلقى قبول الجميع، بل الأصل في الكتابة الجيدة أن تجد لها من لا يحتفي بها، لأنها توقظ وعيه، وتنبهه على خطأه: ” الكتابة الحقيقية هي تلك التي تثير نقاشا جديا (مع/ضد) . يكلف الكاتب الإصرارُ على هذا اللون من الكتابة الكثير من الإزعاجات.. لا جديدَ في كتابة لا تخرج على إجابات مكررة وقناعا جاهزة. الكتابة الحقيقية كتابةٌ خلافية، تثير من الأسئلة من الأسئلة أكثر مما تقدّم من الأجوبة، وتتمرد على الكلمات والإجابات المملة، قوة الكتابة في فاختلافها، وفاعليتها في إيقاظ الوعي وتكريس الروح، وإيقاظ الضمير الأخلاقي” ص85.

المؤثرات في النصّ!

يؤكد د. الرفاعي أن النص ليس شيئا جامدا لا يتفاعل مع المؤثرات، بل ” النصّ كائن حي يختلف باختلاف مثابرة وموهبة ولغة عصره وحال من يكتبه. لو كان الكاتبُ يكرّر ما يكتبه غيرُه ويطابقه؛ لأصبحت الكتابة نسخة واحدة، ولما تمايز كتبٌ عن كاتب وإبداع عن إبداع، ولصار كل الروائيين ديستويفسكي، وكل الفلاسفة إيمانويل كانط … ” ص106

خاتمة: الكتاب مليء بالأفكار واللفتات المهمة، وذكر شيء وترك أشياء ليس مما يُحمد، والحق أننا لن نوفي مثل هذا الكتاب حقّه، إلا إذا أعدنا نسخه ثم لصْقه بكليّته .. وهذا متعذّر.

ولعله يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق!

 

أ.د. عبدالله بن علي الشهري، أستاذ العقيدة ومقارنة الأديان في جامعة الأمير سطام -الخرج / السعودية

28 جمادى الآخرة 1446هـ 30 نوفمبر 2024 م/ الرياض

[1] مسرّات القراءة ومخاض الكتابة، تأليف: د. عبدالجبار الرفاعي، 182 صفحة – الطبعة الأولى 2023م ، منشورات تكوين – الكويت.

 

https://altanweeri.net/15117/%D9%84%D9%81%D8%AA%D8%A7%D8%AA-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%B1%D9%8E%D9%91%D8%A7%D8%AA%D8%8C-%D9%88%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%A8%D8%A7%D9%87-%D9%84%D9%84%D9%85%D8%AE%D8%A7%D8%B6%D8%A7%D8%AA/

سوسيولوجيا القراءة وسيكولوجيا الكتابة

في رحاب السيرة الفكرية لعبد الجبار الرفاعي

د. محمد همام

يواصل نادي أبعاد، بدار الحي، بالبلدة الطيبة (المزار الشريف)، في أكادير بالمغرب، رحلته في القبض على الجمر الفكري، وفي التشبث بالكتاب خير جليس، وبالكتابة تعبيرا وجوديا مؤلما وممتعا. قضينا في هذا النادي أكثر من عشر سنوات (ومازالت الرحلة متواصلة)، متعلمين ومعلمين، محاضرين ومستفيدين، في جلسات مسائية لقراءة الكتب وتدارسها والحوار حولها، مرة في قر الصيف وأخرى في برد الشتاء. يجتمع في جلسات القراءة المعلم والتلميذ، والأستاذ والطالب، والموظف، والتاجر، والفلاح، والمتعلم وغير المتعلم، ننصت للنقاش، مرة بالإعداد، ومرة بالعصف والتعليق والسؤال. ويكون محور النقاش كتاب محدد، تعلن عنه إدارة نادي أبعاد بوقت كاف، وترسل نسخا منه لرواده ولضيوفه. لا تتجاوز الحصة القرائية الجماعية الساعة والنصف، وإذا طالت تكمل الساعتين. قرأت في هذه الحلقات كتبا كثيرة، واستمعت إلى نقاش مستفيض حول أخرى لم أقرأها، ولكن كونت عنها صورة من خلال النقاش، ومن خلال الحاضرين المحضرين والمطلعين، سواء كانت كتبا في الفكر، أو في الدين، أو في التحقيق، أوفي التاريخ، أو كانت روايات، أو سيرا ذاتية…

كانت جلسة هذا السبت2نونبر2024، حول كتاب: (مسرات القراءة ومخاض الكتابة: فصل من سيرة كاتب) للمفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي. وهو كما يذكر في عنوانه جزء من سيرة ذاتية شاملة لم تصدر بعد. وعبد الجبار الرفاعي مفكر وفيلسوف عراقي معاصر، متخصص في فلسفة الدين والكلام الجديد، ويقدم أطروحة جديدة في التفكير الديني وفي فلسفة الدين وتجديد الخطاب الديني. اشتهرت خماسيته الفكرية: الدين والاغتراب الميتافيزيقي، و: الدين والظمأ الأنطولوجي، و: الدين والنزعة الإنسانية، و: الدين والكرامة الإنسانية، و: مقدمة في علم الكلام الجديد. وهو مدير أشهر المجلات الفكرية الإسلامية، وأكثرها انتظاما في الصدور، ومازالت، منذ قرابة ثلاثين سنة، وهي: مجلة قضايا إسلامية معاصرة، بلغت الآن العدد80، وتصدر عن مركز فلسفة الدين ببغداد.

قدمت في القراءة الجماعية بنادي أبعاد مداخلة حول كتاب: (مسرات القراءة ومخاض الكتابة)، بعنوان: سوسيولوجيا القراءة وسيكولوجيا الكتابة. واستعملت مصطلحي سوسيولوجيا وسيكولوجيا باعتبار القراءة فعل قادم من الخارج إلى الذات، وأما الكتابة فهي فعل نابع من الذات ومنبثق عنها، ثم إن القراءة سرور ومسرات تبرز ملامحهما علينا، وأما الكتابة فألم ومخاض لايحس بهما إلا الكاتب، لذلك قال بعض الكتاب: أنا لا أكتب ولكن أنكتب، وقال شاعر: أنا لا أقول الشعر ولكن الشعر (يقولني).

يقع الكتاب في 182صفحة من القطع المتوسط، ويتضمن 24 فصلا، سبعة في القراءة، وستة عشر في الكتابة. يقدم الكتاب خلاصة تجربة الرفاعي ورحلته الطويلة مع القراءة وممارسة الكتابة، من خلال تقنيات: التذكر، والحكي، والسرد، والوصف، والنقد، والسجال. وهو يقر في البداية أن الكتابة تتعلم بالكتابة، ولا يتكون الكاتب بالتوصيات الساذجة والجاهزة، ولا يعرف كاتب عظيم تخرج من مدارس التدريب على الكتابة. الكتابة مسبوقة بالقراءة، لذا فتجربة القراءة، وتجربة العلاقة بالمقروء، والكتاب أبرزه، هي تجربة حياة، لذا مازال الرفاعي يتذكر نصوصه القرائية المبكرة، من خلال قصص: المياسة والمقداد، والسندباد البحري، وعنترة بن شداد… ويذكر أن أول قصة قرأها أشعرته بسحر غريب للقراءة يسري في كيانه، وأغرقت ذهنه برحلة خيالية مدهشة بمعية بطل الحكاية. وهيمنت القراءة على مشاعره منذ تلك الفترة المبكرة. تشكلت مكتبته الأولى من قصص الأطفال ومن الكراسات. كان يحفظها، وكانت قليلة بالمناسبة، ويتقمص شخصية الحكواتي ليحدث بها أفراد أسرته وأصدقاءه. وكانت مدينته (الرفاعي) في الستينيات تفتقر إلى مكان لبيع الكتب. وعندما انتقل في تعلميه الثانوي إلى مدينة (الشطرة، جنوب العراق) بدأت ولادته الثقافية الفعلية الأولى، إذ كانت تتوفر على مكتبة عامة. وكان أول كتاب احتك به مباشرة هو: (لمحات اجتماعية في تاريخ العراق الحديث- ج1) لعالم الاجتماع العراقي علي الوردي، ولم يكن قد سمع به من قبل، وهو في مستوى الثانوي. ولكن ستتوطد علاقة الرفاعي طوال حياته العلمية بالمتن الفكري لعلي الوردي على أكثر من مستوى، وسيكون من أكثر المفكرين الذين استلهم منهم النقد والانفتاح على العلوم الاجتماعية، والرفاعي ابن المدارس الدينية (الحوزة). وبعد اطلاع الرفاعي على كتاب الوري بسنة سيصطدم بكتاب آخر هو (معالم في الطريق) لسيد قطب، فأخذه، وهو التلميذ، إلى وجهة أخرى ستطبع حياة الرفاعي لسنوات، وستترك آثارا وندوبا عليها، لذلك يقول الرفاعي عن كتاب معالم في الطريق: (أدركت متأخرا أن “معالم في الطريق” كان نفقا مظلما ومتاهة خطيرة. ضعت في تلك المتاهة مدة، وضاعت قبلي وبعدي أجيال في متاهات مخيفة، لم يستطع بعضهم الخروج منها كل حياته “.  لذلك كان الرفاعي قاسيا على كتابات سيد قطب، فهي بنظره، مسرفة بالأدلجة، وتغوي بشعاراتها. فنصوص (معالم في الطريق) بارعة في رسم صورة جذابة، للرغبات والمتمنيات والأوهام، تصورها كأنها واقع مجسد في متخيل المراهقين، وتخدعهم بضرورة العمل على استئناف مجتمع الصحابة، ولو بالعنف. (ص115). وانتقد الرفاعي المفهوم التفسيري الذي اشتقه سيد قطب من صلب محنته ومواجهته لديكتاتورية جمال عبد الناصر، وهو (الجيل القرآني الفريد). فهذا المفهوم، بنظر الرفاعي، ليس إلا محصلة متخيل ديني تضخم خارج الزمان والمكان والواقع الذي عاش فيه الصحابة، بوصفهم بشرا اختصموا وتقاتلوا في مرحلة لاحقة. وتشبت قسم من المتدينين بمفهومه سيد قطب هو تشبث بصورة وهمية نحتتها متمنيات فرضها حلم الإنسان الأبدي بصناعة فردوس أرضي. لذلك انغرس المفهوم في ضمير الشباب المتدين، من خلال مقولات اعتقادية مغلقة، أصبح اعتناقها عنده وعندهم شرط الإسلام الصحيح الذي يحلمون به. هذا نوع من النقد الذي يتخلل السيرة الفكرية للرفاعي، في نقد كتاب وقع الرفاعي نفسه في فتنته وغوايته. وفي سيرة الرفاعي أمثلة كثيرة لوقوعه في أسر الكتب، ولكنه أسر إيجابي، لأن وجود الكتاب في حياة الرفاعي، كما يحكي، مازال يشعره بالأمن النفسي، ويؤنسه حين يشعر بوحشة الوجود. (ص22).

ويحكي الرفاعي علاقته الأولى بالكتاب عندما يشتريه أو يهدى إليه، فيقرأ مقدمته ومحتوياته، ويتعرف عليه بالتدريج كما يتعرف على أصدقائه، فإن لم تكن فيه فائدة، يشعر بعبئه في مكتبته كما لو أنه يحمله على أكتافه، ثم يطرده من المكتبه في أول فرصة مواتية. وكم ورط الشغف بالكتب الرفاعي في مواقف محرجة ذكر بعضها في سيرته الفكرية. وحذر من (القراءة العشوائية) لأنها تنتج قارئا عشوائيا، يمضي كل وقته في التهام الكتب بشغف، ويسهر الليالي من أجل ذلك، لكنه يفتقد إلى ناظم فكري أو نموذج معرفي، ولذلك يتحول ذهنه إلى مخزن واسع مكتظ بمعلومات مكدسة، كأنها مطمورات تحت ركام معتم، لا تنتظم بسياق منطقي، ولا ينبثق منها ضوء يبدد عتمتها، بل يتحول القارئ الفوضوي إلى وحش كاسر، فكلما ازداد قراءة ازدادا انغلاقا وتشددا ومعاندة واحتقارا للآخرين. يتمركز حول ما كدسه في ذهنه من معلومات لا رابط بينها، بل يطور كفاءة إماتة بذرة أي سؤال، ويسكت أي صوت غير مألوف في قراءاته، ويغلق النوافذ أمام كل ما يمكن أن يزلزل شيئا من أحكامه النهائية وقناعاته الصارمة. وعندها لا تغير القراءة الواسعة طرق تفكيره، ولا تنقله من طور أدنى إلى طور أعلى في النضج والإبداع، بل تتحول إلى شاهد على البنية اللاواعية لتفكيره، وآفاق انتظاراته ومتمنياته وأحلامه ورغباته، فتنشأ من قراءاته الواسعة هوية مغلقة ومتجذرة في أعماقه، تحصن ذهنه بأسوار منيعة، وبقوة رهيبة قادرة على إجهاض أية محاولة لإيقاظه، أو التصدي لغريب يمكن أن يخترقه، وهو في كل الأحوال يشعر بالأمان في التشبث بكل يقينياته. (ص30-31).

وانتقد الرفاعي ظاهرة الكتبة المتكلمون، أو المثقفون الشفويون، فهم، بنظره، يتحدثون كثيرا بثقة عن كل شيء يعرفونه ولا يعرفونه، وحين تتراكم تحت أيديهم أموال لم يبذلوا جهدا في اكتسابها، يجندون طلاب العلم المحتاجين إلى قوت يومهم، لينتجوا لهم كتبا من ركام كلامهم الشفوي، فيباغتون القراء بعد سنوات قليلة بعشرات الكتب والمجلدات بأسمائهم، وهم الذين لم يعرفوا كتابا ولا باحثين، ولكن عرفوا وعاظا ومتكلمين. (ص32). كما حذر الرفاعي من كتب النصب الفكري التي تسمى: (التنمية البشرية)، و(تطوير الذات)، و(علم الطاقة النفسية). فأغلب مضامينها أوهام وأساطير ومفاهيم غير علمية، وعبارات مستعجلة، وشعارات مبسطة، وتلاعب بمشاعر الناس، وخاصة المحبطين، والكسالى، والحيارى …

وقدم الرفاعي وصفا نفيسا لمكتباتنا بما يحيي وعينا بها، وبما يجعلها جزءا من نسيجنا العاطفي والعائلي، وليست عبئا على فضاء البيت. فمكتباتنا أرشيف ذكرياتنا، فكل كتاب يحمل معه قصة، ويؤرخ لمناسبة. ومكتبتنا إحدى مكونات هويتنا الشخصية، وهي أرشيف ذاكرة وذكريات من أنشأها، لا يشعر بقوة حضورها إلا صاحبها. فمن خلال تشبع الكاتب بمناخات مكتبته، ومكوثه الكثير بين كتبه، تحدث صلة عاطفية حية بينه وبينها، وعند موته تكتئب مكتبته ولا تطيق الحياة بدونه، وتلتحق به لفرط صدمتها بفراقه، وقد يكون موتها انتحارا، أو اعتداء من الورثة الذين يتخلصون منها في أول مناسبة، ويبيعونها بثمن بخس دراهم معدودات، لينطفئ شيء كثير من نور البيت، ولكن أكثر الورثة لا يعقلون ولا يعلمون. لذلك نصح الرفاعي الكتّاب بتدبير أمور مكتباتهم قبل موتهم، بتوقيفها أو إهدائها، للجامعات والمؤسسات التعليمية ودور الشباب والخزانات البلدية، قبل أن تسقط في يد ورثة جشعين لا صلة لهم بالعلم والمعرفة ولا جليس لهم إلا الدينار والدرهم. وللرفاعي قصص طريفة مع مكتبته، فقد باع ستة آلاف كتاب منها للحاجة لتغطية مصاريف إصدار مجلة (قضايا إسلامية معاصرة، سنة1997)، وقد حكى لحظة خروج الكتب من بيته، وكيف ودعتها زوجته أم محمد، وهي تجهش بالبكاء، بل اكتأبت بسبب ذلك، وقد قالت عن تلك اللحظة: شعرت كأن روحي انتزعت مني، وهرولت بعيدا عسى أن أدرك المكتبة. كنت أقتر على نفسي بكل شيء غير أساسي، لفرط شغفي حد الهوس بالكتب، كنت أغفل فأقدم شراء الكتاب على تسوق الفاكهة لأولادي. (ص54).

وبرغم هذا الحدث المؤلم، أي الاضطرار إلى بيع المكتبة، وإلى أمثاله، فقد استمر الرفاعي وأهله في شراء الكتب، لتتكون مكتبة أخرى أضخم، فقد باع ستة آلاف، وضاعت منه 800كتاب عند إقامته في الكويت، لكن مكتبته وصلت اليوم إلى أكثر من 30000 كتاب. وكان الرفاعي واعيا بأزمة الكتاب اليوم في زمن الصورة ومواقع التواصل الاجتماعي، إذ لم تعد الحاجة للكتاب اليوم، كما نتصور، كما كانت من قبل. ولكن ظل الكتاب صديقه الأبدي الذي مكث معه بعد مغادرة أحبته وأصدقاءه إلى الدار الآخرة، أو هاجروا إلى بلاد بعيدة.

الكتابة عند الرفاعي مران متواصل، ابتدأ بالشعر ثم لما لم يتطاوعا افترقا بعنف بعد أن مزق ما نظمه من قصائد. وبقيت، برغم ذلك، روح الشعر ورهافة أحاسيس الشاعر، تظلل كتابات الرفاعي الفكرية والفلسفية، مما لا تخطئه عين المتتبع الحصيف لمتن الرفاعي وللغته. ويحكي الرفاعي أنه تعلم من الكتابة ما تعلمه من القراءة وأكثر. ويحكي عن فعل الكتابة أنه يتهيبه، ويتهرب منه، ويتذرع بمبررات شتى، ويحصل له وجع عند الرغبة في الكتابة. وكان ارنست همنغواي صريحا وقاسيا عندما سأله سائل كيف يتدرب من يريد أن يصبح كاتبا، فقال له: عليه أن يذهب ويشنق نفسه، ثم ينزل عن المشقة، ويفرض هو على نفسه أن يكتب على أفضل ما يستطيع للبقية من عمره. عندها ستكون لديه قصة شنقه كبداية. (ص67).

كتابة الرفاعي منهكة، كما يحكي، تعذبه وتنهكه، وقد تنقله إلى منطقة الخطر.  تشكلت لغته بمشقة بعد تمارين متواصلة ومملة. ثم امتزجت بنمط تفكيره. وهي خلاصات مطالعاته من مراحله المبكرة الأولى ومازالت مستمرة. هي علامات على عواصفه الذهنية وتأملاته العقلية، وما ترسب في أعماقه من جراح محطات الحياة المتنوعة. لذلك فالكتابة عنده داء ودواء، يقلق قبل الكتابة، ويهدأ حين يفرغ منها، ويسكن عند النشر. النشر هو الذي ينقذه مما كتب، وإلا فهو ينشغل به ولا يغادره، ويعود إليه بضغط نفسي مالم ينشر، لانه يظل يحلم بكمال يعانده الاكتمال. كما ترهقه اللغة أكثر من الفكرة، لذلك يعيد التحرير أكثر من مرة. وهو ميال إلى الايجاز في التعبير، ويعتبر الكتابة فن الحذف والاختزال. ثم إن الكتابة عند الرفاعي ليست عملا بحثيا، وليست منهجا أكاديميا معقدا ومثقلا بالقيود، قيود الإحالة والتوثيق، وهي في المحصلة ليست عملا فرديا، إنها ممارسة تختزل، بنظر الرفاعي، سلسلة طويلة من قراءة كتب متنوعة، وكل ما تشبع به وتمثله وعي الكاتب، وترسب في لاوعيه. فالكاتب لا يتكون إلا بعد أن يقرأ كل شيء وينسى معظم ما قرأ. فالكتابة، عند الرفاعي، منجز مشترك، تنصهر فيه عناصر مختلفة لأعمال طالعها الكاتب فتولدت منها مادة مركبة تتكلم بلغته، وتعبر عن تمثله لها وتفاعلاته معها، ويتعرف عليها القارئ من صورته الصوتية(ص72). النص الذي يكتبه الكاتب هو طبقات من النصوص يرقد بعضها في أحشاء بعض. وفي كل نص تتكلم نصوص متنوعة تحيل إلى معجم الكاتب اللغوي وإلى مرجعياته وإلى رؤيته للعالم، وتتكشف فيه ثقافته، وما أنتجته قراءاته وتفكيره وتأملاته. في كل نص نستمع لألحان عدة وكأنها نغم واحد، أو ما سمّاه إدوارد سعيد بالقراءة الطباقية للنصوص. ويخلص الرفاعي لمعالجة التنوع والكثرة في الكتابة بالقول إن كل كاتب يكتب، في الحقيقة، كتابا أساسيا، واحدا، ما قبله تمارين وما بعده تنويعات. والكتابة، من منظور سيكولوجي عند الرفاعي، تمارين على وعي الحياة، عبر اكتشاف أسرار الذات، وما يخفيه الإنسان، والهروب من الهوس وصخب الحياة، والغطس في بحر السلام الداخلي للإنسان. لذلك يعتبر الرفاعي الكتابة علمته أكثر من القراءة، ولكنه يحب القراءة أكثر منها، لأن ألم الكتابة أشد على النفس وعلى دواخلها، برغم أنها تجربة وجودية تتحق أطوارها بأفقها وتجيب عن أسئلتها. ومادامت الكتابة ممارسة حالة وجودية فإن الرفاعي لا يتقيد بأية خطة في الكتابة، ولا يقيد طلابه في الماجستير والدكتوراه.

ويتحدث الرفاعي عن الكاتب الصادق، وهو الذي ترتسم سيرته الفكرية والأخلاقية في كتاباته، تختزل إيقاع صوته. ولا تتحقق الكتابة الصادقة إلا بيقظة الضمير الأخلاقي للكاتب، فالكتابة في إحدى مقاصدها هي امتحان للضمير الأخلاقي، وهي مسؤولية أخلاقية تجاه القراء. ولا مكان في هذا السياق الأخلاقي للكاتب المرتزق، والكاتب تحت الطلب، وكاتب السوق، يكتب لمن يدفع أكثر. والكتابة تجربة فريدة، نمارس بها اختلافنا، ولا وجود لكتابة مستنسخة، فكل كاتب عليه أن يشتق لغته وأسلوبه من تجربته الخاصة، وتجربة الكتابة لا تورث ولا توهب ولا تقلد. فالكتابة مطالعة مكثفة وتجربة خاصة مكثفة أيضا ومؤلمة كثيرا. والكتابة بلا قراءة عملية عبثية واجتراح لمستحيل.

حذّر الرفاعي من الكتابة عندما تتحول إلى سلطة وتمنح الشرعية لمن لا يستحقها، سواء باسم السماء أو باسم الأرض. وحذر من التهام الكتابات الأيديولوجية لأنها تقود إلى الاغتراب، وتحكم قبضتها على قراء دراويش في زنازن من الغضب والسخط والاكتئاب الوجودي. إن الكتابة الأيديولوجية تتقن ايقاد مشاعر المعذبين المستضعفين، لكنها تعذبهم في وجودهم وفي حياتهم، وتحرق دواخلهم.

يقدم كتاب الرفاعي: (مسرات القراءة ومخاض الكتابة) فرصة لكل كاتب أو عازم على الكتابة أو متردد متخوف منها، لاقتحام عالمها من خلال هذا الحكي والسرد والتذاكر والسجال، من خلال تجربة غنية ومؤلمة لكاتب لم يعرف إلا بالقراءة والكتابة، ومنذ صغره وهو يحترق بها وتحرقه، ولكنه يظل ممعنا وعنيدا بالغطس في نارها، بحثا عن قبس من روحه وموجوده، وبحثا عن أجوبة عن أسئتله المحرقة التي لاتنتهي.

المزار الشريف، السبت2نونبر2024.

د. محمد همام، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، أكادير – المغرب

https://altanweeri.net/14843/%D8%B3%D9%88%D8%B3%D9%8A%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A9-%D9%88%D8%B3%D9%8A%D9%83%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%A7/

يبقى الكاتب كاتبًا ما دام يفكر ويقرأ

د. عبد الجبار الرفاعي

الكتابة يغذّيها التساؤل والتفكير النقدي، والقراءة المتواصلة، والتأمل العميق، وغربلة وتمحيص الآراء، والشجاعة في إعلان أخطاء كتابته وبيان ثغراتها، وفضح أوهامه. ما يعرفه الكاتب يضمحل بمرور الأيام مالم يثره على الدوام بما هو جديد. يبقى الكاتب كاتبًا ما دام يتساءل ويفكر ويقرأ ويتعلم ويطور تجربته الكتابية، فإذا شعر أنه استغنى بما لديه، وكفّ عن القراءة والتعلم والتفكير لم يعد كاتبًا.‏

ليست هناك كتابة مبرأة من استعمال الكلمة بوصفها قناعًا ينشد تمرير ما تخفيه دوافع الكاتب الواعية وغير الواعية. القارئ الذكي يتلصّص على نوايا الكاتب، يحاول اكتشاف ما يختبئ بداخله. الكتابه رسالة للقارئ، تعلن عن الصريح، وتخفي المضمر، المضمر لا يكتشفه إلا القارئ الذكي. مادام الكاتب يحلم بالكمال فلا يمكن أن يرضيه بشكل كامل أيُّ منجز ويراه نهائيًا. الرضا نسبي، حتى لو رضيتُ اليوم عن كتاب أصدرته أو مقالة نشرتها، فحين أعود إليها بعد سنوات أشعر بالحزن أحيانًا من شيء مما ورد فيها، فمثلا حين أقرأ ما كتبتُه قبل أكثر من أربعين عامًا أجدني كتبتُ شيئًا من أحلام هوية جماعتي وتطلعاتها للغد، أحلامي كانت حبيسة مخيلة الجماعة ونرجسياتها وسردياتها ويقينياتها غير المبرهنة، بلا أن أفكر فيها بعمق أو أُمحّصها.

وظيفة الكاتب كشف الأزمات والمشكلات التربوية والتعليمية والأخلاقية والروحية والمعرفية في الحياة، والإعلان عنها للمتخصّصين، ومحاولة اقتراح معالجات لها. أعرف بعض الكتّاب يمتلك مفردات قليلة، وثقافته بسيطة، ولا يقرأ شيئًا، غير أنه يدور بهذه الكلمات لكلِّ موضوع يكتبه في الأدب والفن والاجتماع والمعارف المتنوعة. يكتب مقالات مطولة تنشر في الصحافة باستمرار، لو حاولتَ أن تضع النصف الثاني من المقالة محلّ النصف الأول لن يتغير شيء، وهكذا لو حذفت أية فقرة أو استبدلتها بأخرى. عندما يكتب في الأدب والفن يكرّر الكلمات والمضامين ذاتها، وهكذا لو كتب في السياسة والاجتماع والرواية والنقد الأدبي والثقافي. لا تعرف ماذا يريد، وأظن أنه هو أيضا لا يعرف ماذا يريد، وربما لا يعرف من الكتابة إلا إعادة تركيب هذه المفردات بسياق جديد كلّ مرة، بلا أن تنتج معنى مفيدًا يلامس الموضوع الذي يكتب فيه. ‏الكاتب الحقيقي يفكر أكثر مما يقرأ، يقرأ 1000 صفحة، ويفكر بتريث، ليكتب صفحة واحدة، هذا هو الكاتب الذي تفرض كتابته حضورها الأبدي في المكتبة. في بلادنا معيار النجاح والتفوق كمّي لا كيفي، في التربية والتعليم والثقافة والإعلام والسياسة. ‏حدثني صديق أكمل ‏الماجستير في جامعة أمريكية بتخصّص علم الاجتماع قبل 40 سنة، يقول: كتبت رسالة الماجستير في 150 صفحة، عندما طالعها الأستاذ المشرف انتخب 27 صفحة فقط وأهمل الباقي، وقال لي: هذه هي الرسالة فقط، وما تبقى فائض لا ضرورة له.

النقد العلمي يتعذّر أن يتفهمه مَن تنتقده، فليس من السهل إبداء أية ملاحظة نقدية مباشرة لكتابة كاتب في مجتمعاتنا، غالبًا ما تكون ضريبة هذه الملاحظة فادحة تتصدع فيها الصداقات مهما كانت راسخة، وربما تضمحل علاقات تاريخية بشكل متسارع إثر نقد علمي. لذلك تقع الكتابات المسماة نقدية بين حدين، فهي إما تصفية حساب مع مَن يريد أحدهم أن يهجوه ويزدريه، ومثل هذه الكتابة ليس من النقد بشيء، وإن كان كاتبها يسميها نقدًا. وإما تتضخم وتتراكم وتطغى كلمات المديح المجوفة كمطر منهمر لمن لا يستحق، ويبرع في صياغتها بعضُ الشعراء والكتّاب، ووعاظ السلطات السياسية والدينية، ويضيف إليها ويسقيها كلَّ مرة بكلمات مثيرة للدهشة ومبالغات مضجِرة.

تتكرّر كثيرا عبارة: “الاختلاف لا يفسد للود قضية”، يردّدها كثيرون غالبًا ويسوقونها وكأنها من البداهات، غير أن معظم مَن يردّدها يخونها. يحتاج الإنصات للنقد العلمي والحوار إلى تهذيب وتربية متواصلة حتى تتقبله الذات. لكي تتجذر أخلاقيات النقد ينبغي أن تبدأ التربية عليه منذ الطفولة داخل العائلة، وظيفة الأبوين بناء وعي الطفل على الحقّ في الاختلاف، والحقّ في الخطأ، والحقّ في الاعتراف بالخطأ، والحقّ في أن له حقوقًا كإنسان حرّ في حرية التفكير وإبداء رأيه الصريح، وإن كان مختلفًا عن رأي أبويه وعائلته، تضاف هذه الحقوق التربوية إلى حقوقه في الاحترام والاهتمام والأمان والعيش الكريم والرعاية. يجب أن تبدأ تربيته على هذه الحقوق منذ طفولته المبكرة، وتترسخ في المراحل الدراسية المختلفة، من الروضة إلى آخر مرحلة في الدراسات العليا.‏

مالم تتعلّم وتعمل سلطاتنا السياسية والدينية ومجتمعاتنا على التربية على الحقّ في الخطأ، والحقّ في الاختلاف، والحقّ في إبداء الرأي وإن كان مضادًا، فلا يمكن أن نتعلم ونعمل بتقاليد الإنصات للنقد العلمي، والحوار الذي يغربل الآراء ويمحّصها، ويختبر مصداقيتها في الواقع. مَن يتربى على هذه الحقوق والنقد العلمي يكون قادرًا على نقد ذاته ومراجعة وثوقياته في محطات حياته المختلفة، والتحرر منها إن كانت غير مبرهنة.

بعد الفراغ مثلًا من قراءة كتاب استثنائي يدلّل عقليًا بصرامة على ما يسوقه من أفكار وآراء، تتزحزح يقينيات القارئ الذكي، الذي يمتلك شجاعة عقلية لنقد ذاته وغربلة أفكاره ومعتقداته، ويرى يقينياته غير المبرهَنة تنهار، وشيئًا من قناعاته الموروثة تُمحى، وتحلّ محلّها قناعات مبرهَنة، وعندئذ تتبدّل رؤيته للعالم، ويشعر كأنه وُلد من جديد.

حاجة الكاتب لقراءة الكتابات النوعية العميقة كحاجته للرشد والتكامل، لا تنتهي هذه الحاجة ولا تتوقف مادام كاتبًا. استعلاء بعض الكتّاب أوهمهم بالاكتفاء بما يعرفون، وأشعرهم بعدم الحاجة إلى قراءة أيّ جديد، مما أوقعهم بوهم الاستغناء والاكتفاء بما يعرفون، الذي جفّف بالتدريج الروافدَ الضرورية لتفكيرهم النقدي وثقافتهم، فنضبت روافد وعيهم، واضمحل ما يعرفون من قبل، وغابوا عن الواقع الشديد التحول، ولم يعد لديهم المنجم الذي يزودهم بما تتطلبه الكتابة الحقيقة.

أعرف كتّابًا كانوا يكتبون بشكل جيد، لكن شعورهم بالاكتفاء دعاهم لترك القراءة، وعدم مواكبة ما تراكمه المعرفة كلَّ يوم، فلبثت كتاباتهم تضمحل ويهملها القراء الأذكياء، بعد أن رأوها تكرّر كلَّ شيء، وكأن كلَّ شيء يتغير إلا ما يكتبون. بعد صناعة الاسم ‏ يكفّ بعض الكتّاب عن التزود بالمزيد من المعارف، وإثراء وتطوير مهاراته الكتابية. الشهرة تصنع هالة وسلطة تخضع لها النفوس طوعًا، فتسوّق الشهرة كتابة الكاتب بشكل واسع، وإن كانت رديئة. أحيانا يكتب كاتب غير معروف نصًا فريدًا ونادرًا، لكن لا ينتبه إليه أحد، فيرحّل إلى كهف النسيان.

مازلت أقرأ كثيرًا وأكتب قليلًا، حاولت أقرأ للـكلِّ، وإن كنت نسيتُ الكلّ، وانتجتُ نسختي الخاصة. لا أستطيع الحكم على كتاب قبل أن اقرأه، لا أعتمد ما يقوله خصوم الكاتب، ولا عشّاقه. يحدث حجاب بيني وبين الكاتب، إن كانت كتبه غارقة بالدعاية، ولا تحظى باهتمام الخبراء. ‏أعرف بعض الكتب لا تساوي ثمن الورق المطبوعة عليه، ومع ذلك تنتشر بين القراء انتشار النار في الهشيم وأعرف بعض الكتب الثمينة في حقلها لا يكترث بها أحد إلا الخبراء. ليس بالضرورة أن يفرض الكاتب حضوره بقيمة وعلمية ما يكتبه، وبمصداقية تعبيره عن الواقع دائمًا. بعض الكتّاب اتخذتهم أحزاب ماركسية وقومية وأصولية مرجعيات ملهِمة لها، ففرضت كتاباتهم حضورها الواسع عبر جهاز الدعاية والتسويق لأحزابهم، وإن كانت قيمتها الفكرية متواضعة، وأحيانًا بائسة. الفكر الذي يفرض نفسه غالبًا يسوّقه حزب فاعل ومؤثر، أو تفرضه سلطة دينية تخضع لها الأرواح طوعًا، أو سلطة سياسية ترضخ لها العقول والإرادات قهرًا.

كانت ومازالت أدبيات مؤسسي ومنظري الأحزاب والجماعات في بلادنا تتكرّر إصداراتها باستمرار بغضّ النظر عن قيمة مضمونها، خاصة عندما يستولي أتباعها على السلطة.كتابات ميشيل عفلق مثلًا، كانت تطبع ببيروت بغزارة، ويتكرّر إصدارها بشكل مثير، وتوزع بشكل واسع ببغداد وغيرها من المدن العراقية، ولم تكفّ المطابع عن نشرها إلى سنة 2003. حزب البعث فرضها سنوات سلطته في العراق للتثقيف الحزبي لأعضائه، ولتعميم شعاراته بين المواطنين، على الرغم من أن كتابات عفلق غارقة بإنشاء سياسي مملّ، وأوهام رومانسية، تعكس بؤس العقل وفقر الخيال، بلا رؤية معرفية عميقة، ولا وعي للتاريخ وذكاء باستنطاقه، وبلا لا وعي علمي بالواقع، واستكشاف لمأزقه وتحدياته وبواعث أزماته. لم يعرف عن عفلق عقلية عميقة أو عبقرية استثنائية في التنظير، ولا بصيرة بالواقع، ولم يكن عفلق معروفًا باهتمامه بالقراءة والكتاب الجديد. يمتلك عفلق دهاء ومكرًا ومراوغة، ومقدرة على التسلق، وتصفية مَن يقف في طريقه بيد غيره،كما يشهد بذلك رفاقه.

تحدث عن مطالعاته واهتمامه بالكتب مرة جورج طرابيشي، الذي يعرف عفلق جيدًا، في محاضرة فقال: “تنوّع آبائي الذين اخترتهم في فترة من عمري، أول شبابي اخترت ميشيل عفلق، وصرت بعثيًا، لكن لم يدم الأمر طويلًا لسبب بسيط، وهو أني كنت أتقن اللغة الفرنسية، ولما كانت الوفود الأجنبية تأتي وتريد لقاء عفلق – وهو مؤلف كتاب مشهور تربينا عليه، اسمه في (ذكرى الرسول العربي) – كنت أقوم بالترجمة، فسأله الوفد اليوغسلافي الذي جاء لمقابلته حينها: (ما هو آخر كتاب قرأته؟)، فإذا بي أفاجأ بجواب صدمني، وأنا الذي كنت أتعبد له وأقدسه، أجاب عفلق: (أنا أفتخر بأني منذ خمسة عشر عامًا لم أقرأ كتابًا واحدًا، وكلّ ما كتبته هو من بنات أفكاري!)، فُجعت، فأنا كنت عاشقًا للثقافة من صغري، ومحبًا للكتب، فصعقني هذا الجواب من عفلق”[1].

[1] ورد هذا الكلام في محاضرة ألقاها جورج طرابيشي في صالون سبلة الثقافي في سلطنة عمان في مارس سنة 2012.

 

https://alsabaah.iq/105446-.html

ما أثمن الكتابة رغم كونها مكابدة مخاض

د. عبد الجبار الرفاعي

‏ عمري أنفقته في القراءة والكتابة، أنظر لكتابتي بوصفها محاولات في فهم الوجود، واكتشاف ذاتي، وتفسير طبيعة الإنسان، ومعرفة العالم الذي أعيش فيه، وتحري وجوه الحقيقة وتعبيراتها المتنوعة، وأقرب وأوضح ما يوصل إليها من الطرق. لا أرى كتابتي جزميات ويقينيات نهائية، ذلك ما يجعلني أعيد النظر فيها وأمحّصها وأغربلها، وأحاول اكتشاف ثغراتها وأخطائها قبل غيري، وتصويبها، بلا أن يؤذيني ذلك، بل يعزز ثقتي في كلماتي بعد تصويبها وتنقيحها.

كتابتي أثمن ما أنجزته في محطات حياتي، وإن كانت كتابتي وجع ومكابدة مخاض، لكن عندما أكتب عن الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية في الدين، والإيمان والمحبة والتراحم، أشعر كأني أنصت لصوت الله في الوجود. ‏وعندما أدعو للإيمان والمحبة والتراحم والعيش في إطار التنوع والاختلاف، وأحاول أرسم بالكلمات صورة لله تضيؤها محبةُ الإنسان، تتكرس سكينة روحي وسلامي الداخلي.

‏ لا أرى نفسي مخترِعًا أو مكتشفًا، أنا إنسان مثابر على مهنتي، مدمن على القراءة والكتابة، لا أعبث بوقتي، لدي عجز مزمن في ميزانية الوقت. لم أكن أتوقع في بداية حياتي أن أصبح كاتبًا، وإن كنت أتوق لذلك منذ سنوات العمر المبكرة. وما أدركت لأول وهلة ورطة الكتابة، إلى أن تحولتْ إلى صنعة العمر، فصرت أراقب كتابتي بحذر، وأتتبع انطباعات القراء الخبراء وأرصد تصويباتهم، وما ينبغي عليّ أن أقدمه لهم. تولد كتابتي بسلسلة مراحل، ما يقرأه القارئ في الكتاب هو المرحلة الأخيرة في سلسلة الولادات. ‏أكتب العبارات في ذهني، وأعيد صياغتها مرات متعددة، قبل كتابتها. في الفراش وأنا أحاول النوم أنشغل بهذا النوع من الكتابة الذهنية، وإن كانت هذه الكتابة زئبقية، لحظة أتكاسل عن تدوينها لا أعثر عليها حين استيقظ صباحًا، قلما التقط الفكرة بعد فوات أوان حضورها الذهني، حتى لو فتشت عنها بهدوء في الذاكرة لا أراها. أسعفني الهاتف الذكي منذ سنوات، إذ منحني فرصة كتابة هذه العبارات حيثما أكون، أُملي على الهاتف ما يخطر لي، وهو يدوّن ما أقول، ولاحقًا أعود لتحريره.

الكاتب مدين للقراء، وعليه مسؤولية كبرى يفرضها ضميره الأخلاقي ليكون وفيًا لهم، القراء يأتمنون الكاتب الذي يثقون بوعيه على عقولهم وقلوبهم وأرواحهم، فعليه ألا يخذلهم، ولا يعبث بهذه الثقة الغالية. أنا قارئ شغوف بالمعرفة، عندما أقرأ بعض الكتابات وأشعر بالضجر، أتذكر مَن يقرأ كتاباتي ويعاني مثل هذا الشعور كما أعاني من تلك الكتابات، ذلك ما يستحثّني على إنفاق وقتي وطاقتي القصوى في الكتابة وإعادة الكتابة مرات متوالية.

لو أردت الكتابة أفكر طويلًا، وأقرأ كلَّ ما يتوفر في مكتبتي، وهي مكتبة كبيرة تضم آلاف الكتب المتنوعة، منتقاة بعناية قارئ محترف لتأمين ما يتطلبه شغفه بالقراءة وكتاباته. كنت أبحث في المكتبات الورقية، واليوم في الإنترنت، عما يخصّ الموضوع الذي أكتبه، أسعى بحدود قدرتي لدراسة الموضوع وبحثه من مداخله كافة، وصياغة رؤيتي بشأنه. لدي عادة، لا أعرف هل هي حسنة أو سيئة، كلُّ كتاب أعيد النظر فيه عند تقديمه لطبعة جديدة أعيد تأليفه، لذلك يرى القارئ الطبعة الجديد للكتاب ذاته وكأنه كتاب آخر، وإن كنت اليوم لم يعد وقتي يتسع للمزيد من عمليات إعادة الكتابة والتحرير.

خلق الخيال للإنسان، عبر الكتابة، عالمًا موازيًا للعالم الواقعي الذي يعيش فيه، ويتألم ويرتاح، ويحزن ويفرح، ويبكي ويضحك. الكتابة بمختلف فنونها وأجناسها وفرت للإنسان ملاذًا آمنًا يحميه من عبء الواقع ووطأته القاسية وعنفه. العالم الذي تصنعه الكتابة يجعل الإنسان يمتلك ما يبحث عنه، وإن كان يفشل بالظفر به في الواقع. بالكتابة يفرغ الكاتب آهاته ومواجعه بصورة كلمات، أكتم بداخلي شيئًا من آهاتي وحكايات مواجع حياتي وأخشى أن أموت قبل كتابتها. أكثر الكتّاب يداوون جروحهم بالكتابة، لولا الكتابة للبث الصراخ والآهات والأنين بين الضلوع، فمزّق الكاتب من الداخل. الكتابة تقاوم الشعور بعبثية الحياة وافتقارها للمعنى. الكتابة تضاعف قوة الذات وتخفض شعورها بالعجز، وتعزز شجاعة التفكير، وتعمل على تصلب الإرادة وتنميتها. الكتابة تخفض شعور الكاتب بقلق الموت، بل تسعى لتحدى الموت عبر تنمية الشعور بالخلود الأبدي. الكتابة مخاض لكنها كلّما تقدّم عمري ترفد سلامتي النفسية. على الرغم من إرهاق الكتابة ومشقاتها، لكن لو لم أكتب أتعب نفسيًا جدًا. أحيانًا أنقطع عن الكتابة مدة، فأشعر ببؤس حياتي وضنكها، الكتابة تنهكني لكنها تنقذني من الشعور بضراوة آلام الحياة، وهشاشة الإنسان في خوض صراعاتها المتواصلة، وتمكّني من الاصرار على الحضور في تحدياتها المنهكة.

الكتابة الحقيقية تعبير عن تجربة وجود يتحقّق فيها الكاتب بمرتبة أكمل. الإنسان بطبيعته ينشد الكمال،كما لا تنفد الكلمات أبدًا لا تنفد صور الكتابة، لتعمل هذه الصور على الامتداد الواسع لمديات التكامل. الكتابة مهارة تمنح الكاتب مقدرة على تطويع الكلمات وبراعة في تنويع استعمالاتها، بشكل يتيح له توسيع آفاق معانيها بتعدد وتنوع تركيباتها وصورها، وفي ضوء ذلك تتسع آفاق التكامل في نظره. لا تكون الكتابة كمالًا لكاتبها ومتعة لقارئها، إلا حين تبوح بغير الشائع من المعرفة العاميّة، وبما هو مودع من أسرار القلب، وتتجلى فيها استبصارات الروح. أبلغ النصوص تأثيرًا في القراء ما يكتبها الكاتب لحظة اتقاد عواطفه ووثبة قلبه ويقظة وعيه، حين يكتب القلب تتعطر الكلمات بنكهة فريدة. ما أجمل أن يحاول الكاتب جعل كتابته ضربًا من الرسم بألوان مضيئة، لحظة يراها القارئ يشعر كأنها صورًا مرسومة بألوان بهيجة.‏ هذا النوع من الكتابة يمكث طويلًا، وهي قليلة، مقارنة بالكمّ الهائل من الأوراق المكدّسة على أرفف المكتبات، الغارقة في فائض لفظي لا يتذوق فيه القارئ المحترف كلمة لذيذة، أو يكتشف في كلماته فكرة جادة. اللغة ربما تخذل كتّابًا متمرسين، ‏لحظة تنضب في مخزونهم اللغوي الكلمات المتناغمة وعمق العقل واتساع آفاق وعيه.

الإنسان كائن مسكون باكتشاف نفسه أولًا، واكتشاف الإنسان الذي يعيش معه، واكتشاف العالَم من حوله، أثمن الكتب ما يكتشف فيه الإنسان نفسه وغيره والعالَم من حوله. القراءة ضرب من الدهشة، القارئ الحاذق مكتشف، القراءة متعة الاكتشاف، عندما يقاد القارئ كأعمى تموت بهجة الدهشة، ويخسر متعة الاكتشاف. ينفر القارئ من السيرة الذاتية مثلًا، حين لا يقرأ فيها حديثًا عن الحياة الخاصة، وكشف خفايا لا يعرفها القراء عن الكاتب، ويراها تفتقر إلى نكهة الكتابة الممتعة. لا يبحث القارئ عن الذي يعرفه الناس من شؤون حياة الكاتب العامة، وما يشترك فيه مع غيره، أو ما يريد أن يستعرضه من مواطن تفوقه، ويعلنه من نرجسيته المتضخمة، وكون حياته وسلوكه استثناء، ويتحدث عن صفات اكتسبت فرادتها في شخصيته، ويستعمل كلمات تبوح بالتفاخر والتبجح. هذه الكتابة مضجرة، لأن القارئ لا يلمس فيها ما هو مختبئ في أعماق الكاتب مما يريد العثور عليه بداخله. في شخصية صاحب السيرة يفتش القارئ عن المتكتم عليه، وما يستره من ثغرات وهشاشة، يتطلع القارئ أن يرى ما تخفيه أقنعة يغطي فيها الكاتب ما تضمره أعماقه، لينكشف له ما هو غاطس في هذه الشخصية، القارئ يعلم أن العناصر الغاطسة مكونة لما هو جوهري في شخصية كلِّ إنسان.

تعلمت من الكتابة أشياء متنوعة، إلا أن أنفس ما تعلمته منها وأتعبتني به، هو الإيقاظ المتواصل للعقل والتفكير المتأمِّل، والتساؤل عن المسلّمات، وما اشتهر أنه بديهيات وقضايا لا تقبل النقاش. أعرف أن إدمانَ التفكير حالةٌ غير مريحة للروح والقلب والمشاعر، هذا النوع من التفكير إن كنا نعيشه على الدوام تنفر منه النفس لأنه لا يُطاق، التفكير المتأمل عملية شاقة يهرب منها أكثر البشر، إذا تواصلت يقظة العقل صمتت العواطف وخمدت المشاعر، وهذه حالة لا يطيقها معظم البشر. تظل للروح استبصاراتها، وللقلب لغته وذوقه، مسارات الروح والقلب والعقل في حياتي متوازية لا مترادفة، وإن كان العقل يظل مرجعية عليا يضبط احتياجات الروح والقلب، ويضيء لهما خارطة طريق إشباعها، لئلا يتخبطا في متاهات الضياع، والغرق في الوهم والخرافة والشعوذة. لا أفكر إلا بشيء أساسي في حياتي وداخل عائلتي وعلاقاتي، وهو أن أكون وفيًا لما يفرضه عليّ ضميري الأخلاقي، وما يكرّس سكينة روحي وطمأنينة قلبي ويسقيهما.

https://alsabaah.iq/105016-.html

 

ليست كل قراءة قادرة على ايقاظ العقل

د. عبد الجبار الرفاعي

القارئ أصناف، صنف سيء الفهم، لأنه يقرأ هذا النوع من الكتابة للمرة الأولى ولا يفهم لغة الكاتب، وصنف يكره النصّ الذي يقرأه بوصفه أنتجه كاتب ينتمي لدين ومعتقَد وأيديولوجيا وهوية مختلفة عنه يمقتها، وقارئ يحبّ الكاتب ويعشقه فيحبّ كتابته ويتفاعل معها، ونادرًا ما نرى قارئًا محايدًا. سوء الفهم لا ينجو منه القارئ المبتدئ غالبًا، وربما يتعرض له القارئ المتمرّس عندما يقرأ بعض الكتب. لا ينشأ سوء فهم الكتب دائمًا من وعورة التعبير، أو التباس وإبهام الفكرة في ذهن الكاتب، بل ينشأ من غرابة الفكرة على خلفيات ذهن المتلقي ومسبقاته وأفق انتظاره. سوء فهم الفلسفة الحديثة لدى الإسلاميين، في قراءة مؤلفات كانط، وهيغل، ونيتشه، وهايدغر، وأمثاهم، نشأ من كون مقولاتها ومصطلحاتها غريبة على دارسي علم الكلام وفلسفة فلاسفة الإسلام، ممن تشبعوا بمنطق أرسطو ومقولاته، وآراء الفلاسفة اليونانيين وفلاسفة مدرسة الإسكندرية. ‏ سوءُ الفهم أحيانًا نافذة تقود للتأويل إن كان القارئ ذكيًا، ربما ينتج سوءُ الفهم أسئلةً متنوعة تثري المعرفة وتتوالد منها أسئلة عميقة، ‏ سوءُ فهم بعض آراء الفلاسفة اليونانيين ومصطلحاتهم وآراء فلاسفة مدرسة الإسكندرية لاحقًا،كان له أثر ملموس في إثراء الأسئلة والمناقشات لدى بعض الفلاسفة المسلمين.

كقارئ أحاول قدر طاقتي أن أكون محايدًا في القراءة، أتلذذ بكلِّ كتابة ثمينة أتعلّم منها، أو تثير في ذهني أسئلة جديدة، أو تدعوني لإعادة النظر بواحدة من قناعاتي، وتقوّض شيئًا من وثوقياتي. يكتشف القارئ الخبير أحيانًا أن كتابًا ينقله إلى أفق بديل لم يألفه في كتابات مماثِلة طالعها من قبل، ويضعه في مواجهة أسئلة منسية ومجهولة، ورؤى مختلفة، تجعله يسائل قناعاته حيال التراث والواقع ويعيد النظر بجزمياته، إن قرأ هذا الكتاب على مهل وبتأمل. القراءة في حياتي أجمل الأسفار في عوالم المعنى، أنا قارئ وطالب علم ما دمت حيًا، عندما أكتب في أيّ موضوع أقرأ كلَّ ما يتوفر لدي حوله. أول كتاب يطالعه القارئ، إن تفاعل مع كلماته وتأثر بها، ترتسم هذه الكلمات في ذهنه، وتستفيق في ذاكرته كلّما تطلب استحضارها، كأنه الحبّ الأول الذي لن تمحوه ذاكرة الأيام مهما تقادمت.

فرضتْ عليّ طبيعةُ شخصيتي ومطالعاتي المزمنة، وتكويني التربوي وتعليمي الديني والفلسفي، أن أكون في سفر عقلي لا سكون فيه، وغالبًا لم يكرّر هذا السفر محطاتِه. لعل محطة اليوم غير محطة أمس، وربما لا ألبث في هذه المحطة للغد. الثابت الوحيد لدي هو السفر الأبدي، والقيم الروحية والأخلاقية والجمالية الملهِمة لحياتي الإيمانية وضميري الأخلاقي، ومقدرتي على تذوق تجليات الجمال المتنوعة في العالم.كأني أنصت أحيانًا في النصّ لعزف يبوح بلوعة وجروح قلب عاشقة أقصتها الأيام عن معشوقها، وهي ترسم ما خطّه قلبها بكلمات تنزف مختنقة. عندما تتوطن صورة المعشوق قلب العاشقة يعزف القلب ألحان كلماته بأوتار منقوعة بالدم. مما ‏أعطتني قراءة الكتاب أنها أضافت لحياتي حياة أخرى، ولتجربتي تجارب اخرى، ولجروحي جروحا أخرى، ولأحزاني أحزانًا أخرى، ولأفراحي أفراحًا أخرى، ولفهمي لنفسي فهمًا أعمق، ولتفسيري لشخصية الإنسان تفسيرًا أدق، ولاكتشاف العالم الذي أعيش فيه اكتشافات أوضح، ولما أعرفه عن الواقع معرفة حررّتني من أوهام كثيرة وأحلام رومانسية، وأعادتني إلى الواقع المعيش.

تنامى عدد القراء في وسائل التواصل والتطبيقات الجديدة بشكل هائل، لم تعد القراءة تستأثر بها طبقة مميزة، صار كلُّ مَن يدخل على تويتر أو الفيس بك أو الانستغرام وغيرها قارئًا. شخصيًا أنا مهتمّ باكتشاف ذاتي، وباكتشاف طبيعة الإنسان الذي أعيش معه في الأرض، وسائل التواصل بحر زاخر يبوح فيه إنسان لإنسان لا يعرفه، بما لا يعرفه عنه، بلا أن يطلب ذلك منه. يحاول أكثر القراء كتابة انطباعاتهم وآرائهم وأحلامهم ورغباتهم وميولهم ومعتقداتهم، وإن كان بعضهم يلجأ للكتابة بوصفها قناعًا يحتمي فيه فيعلن غير ما يخفي، متسترًا على قناعات ومعتقدات مضطَهدة في المحيط الذي يعيش فيه.

التطبيقات تنشر كتابات متنوعة، فيها مادة غزيرة، لا تبدو ذات قيمة بنظرة عاجلة، يراها القارئ الجادّ هامشية وربما رثة وتافهة، هذه الكتابات فضلا عن أنها تمارين يحاول مَن يمارسها أن يتعلم الكتابة، فهي ثروة مهمة للباحثين في التخصّصات المختلفة وهو الأهمّ، يدلي فيه مَن يكتبها باعترافات مجانية عن شؤونه وشجونه واهتماماته وحياته الشخصية والمجتمعية، وهي نافذة يتكشف فيها شيء مما خفي عنا من الطبقات الغاطسة في أعماق الإنسان، بصورة أجلى مما يتكشف في الكتابات المفكّر فيها بدراية، وتعكس أحوال الإنسان وأمانيه وشجونه ومتاعبه فردًا ومجتمعًا، وتفاصيل مبعثرة للواقع الذي يعيش فيه بصورة مباشرة.

وسائل التواصل من أهمّ مكاسب العصر الرقمي، فقد مكنتني هذه الوسائل من التواصل مع الجيل الجديد، بوصفي إنسانًا نموذجي في المستقبل لا في الماضي، فمعظم أصدقائي هم من أبنائي وتلامذتي ومن يتواصل معي من الجيل الجديد، ويسرت لي شخصيًا الحضور اليومي الحار، والحوار المتنوع معهم. أقول بلا تردّد: والتعلّم المستمر منهم، أتعلّم التفكير على حافة الخطر كلّ يوم من الأسئلة المشاغبة للأذكياء والموهوبين منهم، أتعلّم الإصغاء لمن يعاند قناعاتي وكثير منهم يعاندها، أتعلّم التواضع المعرفي وقول: لا أعلم، إن كنت لم أعثر بعد تفكير طويل على جواب لشيء من أسئلتهم المحرجة، وليس قليلًا ما هو محرج وغريب من تلك الأسئلة. معهم تحرّرت من توهم: “لكل سؤال جواب”، رأيت الأسئلة الكبرى لا جواب نهائي لها، أتعلّم منهم المغامرة المعرفية والتوغل في فضاء لبث مسكوتًا عنه ونائمًا في ذهني، أتعلّم ضآلة وعيي للواقع والمديات اللامتناهية لجهلي بالعالم، أتعلّم أن الجيل الإنساني الجديد في عصرنا أكثر مخلوق لا يشبه آبائه وسلالته من بني آدم، أتعلّم حكمة الحياة وأكثّف خبراتي وأراكمها معهم، وكيف أني وجيلي ينبغي أن نكفّ عن دور المعلّم المغرور لكلِّ شيء في حياة هؤلاء الأبناء الأعمق دراية منا بشؤون الواقع الذي يعيشون فيه، ويدركون كيفية تشكل الصورة البديلة لعالمهم. هؤلاء الأبناء تفوقوا علينا نحن الآباء بأشياء كثيرة، أبرزها طريقة تفكيرهم وأساليب تعاطيهم مع الواقع، فلم تعد أسئلتهم أسئلتنا، ولا أجوبتهم أجوبتنا، ولا أحلامهم أحلامنا، ولا أمانيهم أمانينا، ولا رؤيتهم للعالم رؤيتنا، ولا أوهامهم أوهامنا، ولا متاهاتهم متاهاتنا، هم الأجدر بالحديث عن آلامهم وأحلامهم وطموحاتهم وأوهامهم، والأكثر دراية بوعي احتياجاتهم وواقعهم ورؤية العالم من حولهم. أظن أن الأبناء لو تخلصوا من مفاهيمنا المحنطة، وأيديولوجياتنا المهووسة بالأوهام والأماني الخيالية، لأنقذوا أنفسهم وأنقذونا من الواقع المزري الذي صنعته أيدينا. في عصر الذكاء الاصطناعي لم تعد القيم والمفاهيم تنطبق على كلِّ مصاديقها التقليدية المعروفة، فمفهوم الأمن السيبراني هو الأهمّ من كلّ شكل من أشكال الأمن، ‏بل تبدلت حتى مصاديق مفاهيم الكتاب والقراءة والتربية والتعليم والعائلة وغيرها.

واحدة من الآثار الموجعة للقراءة اليقظة أنها تفجر الأسئلة الحارقة لهدوء العقل ووثوقيات المعتقد الموروثة.بهذه الأسئلة، والحرص على جواب ما لا جواب له، يتصدع الانتماء للمعتقد والجماعة والطائفة والهوية، ويعيش الإنسان اغترابًا موحشًا في مجتمعه للعقل والروح والقلب. الإنسان الذكي، الذي يقرأ ويفكّر فيما يقرأ، يتنقل في محطات متنوعة بحياته، المحطة التالية لا تطابق بالضرورة المحطة السابقة، فيشتد تبعًا لتلك التحولات اغترابه الاجتماعي، وغالبًا ما تتزلزل شبكة علاقاته الاجتماعية بهذه التحولات، ويعجز عن اقناع الغير برؤيته الجديدة للعالم، ويشتد اغترابه حين يرفض أكثر مَن يعيش معهم القبول بتطور وعيه، وتقلقهم شجاعة عقله.

لو صار التفكير العميق حالة ملازمة لكلّ شيء في حياتنا يصير ضربًا من الهوس الموجع، الذي يضيّع على الإنسان المتعَ الحسية وحتى المعنوية، ويعزله في منفىً يعيش فيه هو وأفكاره، وينفر منه أقرب الناس إليه. في مواقف لافتة كان ينسحب بعض الأصدقاء فجأة بهدوء من لقاء ودي، إذا تغلب التفكير العميق على الحديث. كنت أتساءل عن دوافع ذلك، قدّمت افتراضات متعدّدة لتفسير هذه المواقف وتكرّرها، إلى أن انتهيت إلى قناعة مفادها: أن التفكير العميق ضدّ طبيعة الإنسان، لو لاحظنا كثيرًا من أفعال الإنسان ومواقفه وكلماته ومعتقداته نراها تنبعث عن عواطفه وانفعالاته ومصالحه واحتياجاته المتنوعة، وقلّما تصدر عن تفكيره المتأمل الصبور.

لا قيمة لقراءة لا يستفيق فيها العقل، ولا يستفيق فيها التفكير، ولا تنبعث منها أسئلة جديدة. القراءة ليست هدفًا بذاتها، تظل القراءة شيئًا والتفكير شيئًا آخر، قراءة الكتب تزود الإنسان بمعلومات متنوعة، وآراء متعددة. التفكير هو الأساس الذي يعيد بناء هذه المعلومات والآراء في سياق منطقي، وينتج رؤية خاصة في ضوء هذا السياق. لا أبالغ في أثر القراءة بتكوين المعرفة،كما أقرأ واستمع إلى إفراط ومبالغة وتهويل بالحديث عن ذلك، أظن الدعوة للقراءة اليوم صارت موضة للتباهي. أرى في وسائل التواصل شبابًا في مقتبل العمر يكدّسون عشرات الكتب المتنوعة نهاية السنة، بعضها فلسفية عميقة، تتطلب مطالعتها شخصية صبورة تفكر بهدوء، ولا تيأس من التوقف طويلًا لفهم النصوص عبر التفكير بها والتأمل بمضمونها. يحتاج مثل هؤلاء الشباب إلى اعتراف النخبة بمواهبهم وثقافتهم العالية فيلجؤون لهذا السلوك الاستعراضي، يعملون على الدعاية لأنفسهم قبل التكوين الرصين الذي يتطلب إنفاق سنوات طويلة في القراءة الجادة والتفكير الصبور.كانط فيلسوف الأنوار كان يفكّر بعمق وقتًا طويلًا ولا يقرأ إلا قليلًا، الفلاسفة يعكفون على قراءة النصوص الكلاسيكية بتدبر وتأمل وتفكير يسبر أغوارها، ولا يلاحقون كلّ شيء، ولا يمضغون الكتب كما تُمضَغ الشوكولاتة.

 

https://alsabaah.iq/103791-.html

 

الحياة كفلسفة: الأوديسة الفكرية لـلدكتور عبد الجبار الرفاعي

د. فاطمة الثابت[1]

جسّدت السيرة الذاتية لعبد الجبار الرفاعي، “مسرات القراءة ومخاض الكتابة: فصل من سيرة كاتب”، الرحلة الفلسفية للذات الفاعلة، كما تصورها عالم الاجتماع آلان تورين. وعلى النقيض من المفاهيم التقليدية للهوية، التي غالبًا ما تصورها باعتبارها بنية ثابتة أو مفروضة من الخارج، تتميز الذات الفاعلة لتورين بقدرتها على التأمل والاختيار والتصرف داخل العالم الاجتماعي، والتفاوض باستمرار على مكانها ومعناها في سياقات مختلفة.

إن قصة حياة الرفاعي هي مثال حي على هذه الذات الديناميكية والمتطورة. لا تكتفي سيرته الذاتية بتوثيق أحداث حياته؛ بل إنها تسلط الضوء على الدور النشط الذي لعبه في تشكيل هويته من خلال الانخراط المتعمد في القراءة والكتابة. من نشأته الريفية، حيث كان الوصول إلى الكتب محدودًا، إلى ظهوره كمفكر عميق التأمل في المشهد الثقافي النابض بالحياة في بغداد، كانت رحلة الرفاعي رحلة بناء ذاتي مستمر.

إن سعيه الدؤوب وراء المعرفة، وقراءته الانتقائية والمتعمدة، ودمج تجاربه الفكرية والعاطفية في كتاباته، كلها تعكس ذاتًا تشارك بنشاط في خلقها. بالنسبة للدكتور الرفاعي، فإن الحياة هي استكشاف فلسفي – رحلة مستمرة حيث تساهم كل تجربة، وكل كتاب، وكل تأمل في العملية المستمرة لتحديد وإعادة تحديد هويته. سيرته الذاتية ليست مجرد سجل لماضيه؛ إنها شهادة على فلسفة الحياة التي عاشها بهدف وفضول فكري.

وبالتالي، فإن سيرة عبد الجبار الرفاعي تشكل دراسة حالة قوية لكيفية عمل الذات الفاعلة كما وصفها تورين، في العالم الحقيقي. ويسلط الكتاب الضوء على دور المشاركة الفكرية والثقافية في عملية تكوين الذات المستمرة، يقدم الدكتور عبد الجبار الرفاعي استكشافًا مقنعًا للعلاقة المعقدة بين القراءة والكتابة والهوية الذاتية، يقدم هذا الكتاب أكثر من مجرد لمحة عن حياة الرفاعي؛ فهو يقدم تأملًا عميقًا حول كيفية تقاطع العوالم الفكرية والشخصية لتشكيل هويتنا، من خلال تجاربه يفترض الرفاعي أن القراءة ليست مجرد فعل استهلاك بل هي عملية نشطة تعيد كتابة قصتنا الذاتية. تتعمق هذه المقالة في كيفية تطور هذه العملية في رواية الرفاعي وما إذا كانت القراءة تمتلك بالفعل القوة التحويلية لإعادة بناء هويتنا.

دور القراءة في تشكيل الهوية

تتميز حياة الرفاعي المبكرة، كما يصورها الكتاب، بالبساطة التي تعكس نشأته الريفية. ففي هذه السنوات التكوينية، كان تعرضه لمواد القراءة محدودًا، حيث اقتصر بشكل أساسي على الكتب المدرسية وعدد قليل من كتب القصص. يروي الرفاعي: “لم أر كتابًا في المرحلة الابتدائية غير الكتب المدرسية، ولا أتذكر أنني رأيت كتابًا في منزل أي شخص في قريتنا لم يكن المزارعون من جيل آبائنا يقرؤون ولا يكتبون” (ص 13). عكست هذه البيئة الأدبية المقيدة، القيود الثقافية والفكرية الأوسع نطاقًا في ذلك الوقت والمكان، حيث كانت معرفة القراءة والكتابة نادرة وكانت آفاق النمو الفكري ضئيلة.

ومع ذلك، حدث تحول كبير عندما انتقل الرفاعي إلى بغداد في أوائل السبعينيات لمواصلة دراساته. كانت العاصمة، بتراثها الفكري الغني وأسواق الكتب الصاخبة، وخاصة في شارع المتنبي، تشكل تناقضًا صارخًا مع بساطة حياته القروية. لقد كان هذا التحول بمثابة بداية انخراطه العميق في القراءة، والتي تطورت تدريجياً من مجرد هواية إلى حجر الزاوية في هويته الفكرية. يصف الرفاعي لقاءاته المبكرة مع ثروة الكتب في بغداد بإحساس بالرهبة: “بعد انتقالي للدراسة في بغداد عام 1973، بدأ تراكم الكتب في النمو، وأصبحت مساحة الصندوق ضيقة مع الكتب المضافة” (ص 44).

كان هذا التحول من الندرة إلى الوفرة في الوصول إلى الكتب يعني أيضًا تغييرًا أعمق في وعي الرفاعي. لم تعمل الكتب التي قرأها على توسيع معرفته فحسب، بل لعبت أيضًا دورًا حاسمًا في تشكيل نظرته للعالم. يقول: “ليس من المهم كم يقرأ الشخص، ما هو مهم هو جودة ما يقرأه، وكيف يتلقى ما يقرأه، وقدرة عقله على تمثيله وتوظيفه، وظهور تأثيره على نمط تفكيره وشخصيته وسلوكه” (ص 29). يسلط هذا المنظور الضوء على الطبيعة الانتقائية والتحويلية للقراءة، حيث يمكن لجودة وعمق الانخراط في القراءة أن يغير بشكل أساسي تصور المرء لذاته وفهمه للعالم.

الكتابة باعتبارها انعكاسًا للذات

إذا كانت القراءة هي المحفز للتحول الذاتي، فإن الكتابة، في رأي الرفاعي، هي الوسيلة التي يتم من خلالها التعبير عن هذا التحول وترسيخه. تكشف تأملاته حول الكتابة كيف تعمل كأداة لمعالجة وتفسير التفاعل المعقد بين الخبرات والعواطف والرؤى الفكرية المكتسبة من خلال القراءة. إن كتابات الرفاعي ليست مجرد نتاج للمعرفة المتراكمة بل هي حوار مع الذات، وطريقة للتنقل وفهم العواصف العقلية والجروح العاطفية التي شكلت حياته. يشير بشجن إلى أن “كتاباتي هي نتاج دراسات بدأت في مرحلة مبكرة من حياتي ولم تتوقف ولن تتوقف، وتبقى كما كانت في المرة الأولى نتاج عواصف وتأملات ذهنية فرضها علي عقلي الذي لا يتوقف عن التفكير” (ص 69).

إن هذا الارتباط الحميم بين القراءة والكتابة وتكوين الهوية يضع السرد الذاتي للرفاعي في وضع فريد. فعلى عكس السير الذاتية التقليدية التي قد تركز على سرد الأحداث بشكل زمني، يتشابك نهج الرفاعي مع الأدبي والشخصي. ويصبح سرده مساحة حيث يتم إعادة كتابة الذات باستمرار، ليس فقط من خلال التجارب المعاشة ولكن من خلال الانخراط الفكري مع النصوص.. وما يميز سيرة الرفاعي في ارتباطها العميق بالتاريخ الثقافي والفكري للعالم العربي، وخاصة من خلال تأملاته حول أهمية المشهد الأدبي في بغداد.

مفهوم “القارئ الكاتب“

إن أحد أكثر الجوانب إثارة للاهتمام في سيرة الرفاعي هو فكرة أن كل قارئ عميق هو أيضًا كاتب محتمل. تشير هذه الفكرة إلى أن فعل القراءة إبداعي بطبيعته، ويوفر المادة الخام التي تتشكل منها الأفكار والتعبيرات الجديدة. ترمز المكتبة الشخصية، وهي عنصر متكرر في أعمال الرفاعي، إلى هذه العملية من التنظيم الفكري والعاطفي. يصف نمو مكتبته ليس فقط كتراكم للكتب ولكن كتشكيل لمشهده الفكري والعاطفي: “تحتوي مكتباتي على حوالي 30.000 كتاب ودوريات دراسية ومجلات ثقافية” (ص 55).

في هذا السياق، فإن القارئ الكاتب هو شخص لا يستهلك النصوص فحسب، بل يتفاعل معها بطريقة تحول فهمه، وفي النهاية، هويته. لا يقتصر هذا التحول على المجال الفكري بل يمتد إلى العوالم الشخصية والعاطفية، حيث يصبح فعل الكتابة وسيلة للتعبير عن قصة الذات وصقلها. تشير رواية الرفاعي إلى أن الحدود بين القراءة والكتابة، والاستهلاك والإبداع، سائلة، حيث يعمل كل نشاط على إعلام وتعزيز الآخر.

هل تعيد القراءة كتابة سيرتنا الذاتية؟

يقدم كتاب الدكتور عبد الجبار الرفاعي “مسرات القراءة ومخاض الكتابة ” استكشافًا عميقًا للطرق التي تشكل بها القراءة والكتابة هويتنا. من خلال كتابه يوضح الرفاعي أن القراءة ليست مجرد نشاط سلبي بل هي عملية تحويلية يمكنها إعادة كتابة قصتنا الذاتية. تصبح الكتابة بدورها الوسيلة التي يتم من خلالها التعبير عن هذه الذات المعاد كتابتها وفهمها. بهذا المعنى، تدعونا أعمال الرفاعي إلى إعادة النظر في دور القراءة في حياتنا، ليس كمصدر للمعرفة أو الترفيه فحسب، بل كأداة أساسية لاكتشاف الذات الفاعلة وتكوين الهوية. إن الذات الفاعلة ليست مجرد تمرين تجريدي للوعي؛ بل إنها مرتبطة بطبيعتها بالنضال، وهو نضال ضروري لظهور العمل الجماعي. ومع ذلك وعلى الرغم من اندماجها في النسيج الاجتماعي، تظل الذات الفاعلة تجربة فردية في الأساس، وتدافع باستمرار عن الحقوق العامة. وتتشكل مكوناتها وتترابط من خلال علاقة مع حقوق الفرد المتأصلة، إلى جانب نضالها المستمر ضد القوى المهيمنة.

وبينما نشق طريقنا الفكري، تشجعنا تأملات الرفاعي على أن نكون على وعي بما نقرأه وكيف نتفاعل معه، مع فهم أن كل كتاب لديه القدرة على إعادة تشكيل فهمنا لأنفسنا والعالم من حولنا. ومن خلال التفاعل بين القراءة والكتابة، نعمل باستمرار على صياغة وإعادة صياغة قصتنا الذاتية، مما يجعل فعل الانخراط في الكتابة تجربة شخصية وتحويلية عميقة.

[1] أستاذة علم الاجتماع بكلية الآداب في جامعة بابل في العراق.

https://almothaqaf.com/readings-2/977284-%D9%81%D8%A7%D8%B7%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D8%A8%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%A9-%D9%83%D9%81%D9%84%D8%B3%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D8%AF%D9%8A%D8%B3%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%83%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%AF%D9%83%D8%AA%D9%88%D8%B1-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A

الكتاب بوصفها سلطة

د. عبدالجبار الرفاعي

يستمدّ الناطق باسم الكتاب المقدس سلطته من ذلك الكتاب، وهي نوع من السلطة نراها في الأديان المتنوعة، ويستمدّ المكتشِف سلطته من اكتشافه، ويستمدّ المخترع سلطته من اختراعه، ويستمدّ الفيلسوف سلطته من كتابه الأساسي ومجموعة كتبه، ويستمدّ العالم سلطته من كتبه في حقل تخصصه، ‏ويستمدّ الروائي سلطته من أشهر رواياته ومجموعة أعماله، ويستمدّ الشاعر سلطته من شعره، ويستمدّ الرسام سلطته من لوحاته الشهيرة ومجموعة أعماله، ‏ويستمدّ المؤلف الموسيقي سلطته من مؤلفاته الموسيقية، وهكذا يستمدّ كلُّ كاتب مبدع سلطته من أعماله. الكتابة سلطة الكاتب، وسلطة يوظفها السياسي وأحيانًا يحتكرها، وسلطة يستعملها رجل الدين، ويمكن أن يستعملها كلُّ إنسان. ذلك ما يدعو بعض الناس ممن يفتقرون لأدنى مؤهلات الكاتب للإسراف في كتابة المقالات والكتب الهزيلة. ‏احتراف الكتابة غير متاح لكلِّ إنسان، تحتاج هذه الصنعة إلى تكوين معرفي وثقافي وأدبي ثري يتواصل سنوات طويلة، وتمارين شاقة على الكتابة، ‏وذكاء يؤهل الإنسان أن يكون كاتبًا، والى شخصية مثابرة صبور، قادرة على تحمل الوحدة، وحريصة على استثمار الوقت، وعدم تضييعه في علاقات طفيلية وفوضوية.

تبعًا لسلطة الكتابة يُستعمل الكتاب أداةَ سلطة، وإن لم يكن مَن يمتلك الكتاب كاتبًا. تكوين مكتبة لا يحتاج إلى كلّ ذلك، يمكن حتى للإنسان الأمي أن يشتري الكتب من المكتبات كما يشتري أية سلعة أخرى من السوق، إن كان يمتلك الأموال اللازمة لذلك. المكتبة تستمدّ سلطتها من الكتاب، وهذا ما يدعو رجال السلطة وبعض الوجهاء لتكوين مكتبات، تكون أحيانًا ضخمة، بل يلجأ رجال السلطة لإطلاق أسمائهم وأسماء عوائلهم على مكتبات الدولة الوطنية للاستحواذ على رأس المال الثقافي بوصفه رصيدًا للسلطة السياسية.

جرى توظيف الكتابة بوصفها أداة أساسية للسلطة، “وكونها أداةً لتمكين السلطات السياسية والعسكرية والدينية من الحكم. السلطة تكتب مدونتَها على وفق طريقتها في التسلط، وما ترسمه من حدود للهيمنة على حياة ومصائر المحكومين، ومن خلال هذه المدونة تستمدّ شرعيتَها وانصياع الشعب لها، وتنتسب هذه الشرعيةُ في الحكومات الثيوقراطية عبر التاريخ دائمًا إلى السماء. فئةُ الكتّاب تكتسب مكانةً إضافية بعملها في الكتابة تتفوق بها على غيرها من فئات المجتمع. تجاوزت الكتابة ُ كونَها حرفةً فنية إلى كونها مؤسسة  تضفي قوة وهالة على الكاتب، وتمنحه سلطة ممارستها.

أعرف شخصية شهيرة ذات ثقافة سطحية هشة، تفتقر لخبرة قارئ محترف بالكتب.كان هذا الرجل مهووسًا بتكديس الكتب، بوصفها أداة لتكريس سلطته، وإضفاء هالة الثقافة على صاحبها الذي يتكلم بكلِّ شيء، يتكلم بحضور المتخصّص في تخصّصه، وهو لا يعرف من ذلك التخصص إلا شيئًا ضئيلًا يقتصر على بعض المصطلحات والأسماء، ولاستغراقه بالكلام عن تخصّصك يمنعك أدب المجلس من تكرار مقاطعته وتنبيهه على أخطائه. يغامر لحظة يلتقي بمتخصّص بمصادرة الكلام عن ذلك التخصّص، ولا يقتصر حديثه على قضايا الشأن العام المشتركة، أو يكتفي بالكلام عن مهمته ومجال عمله. يحاول أن ينتزع من الآخر اعترافًا بأنه يمتلك معرفة شاملة بالعلوم المختلفة والمعارف والثقافات والآداب والفنون. فيلسوف الأنوار إمانويل كانط كان يدعو على الغداء عدة أصدقاء، تارة يدعو شعراء، وأخرى يدعو فنانين، أو حرفيين، أو مزارعين، غير أنه يتكلم بكل شيء إلا الفلسفة على الرغم من أنه من أشهر الفلاسفة على مر العصور.

في بيت هذه الشخصية رأيت مكتبة تتراكم فيها آلاف العنوانات بصورة عشوائية، وكأنها أحجار بألوان غير متجانسة تكونت بسبب عوامل جيولوجية عبر آلاف السنين.كتاب في الفلسفة بجوار كتاب في الطبخ،كتاب في علم الاجتماع بجوار رواية لروائي يكتب تمارين على الكتابة،كتاب في الاقتصاد بجوار كتاب في الطلسمات والسحر،كتاب في الفيزياء بجوار كتاب في الشعر الشعبي،كتاب في الزراعة بجوار كتاب في الأبراج، وأمثال ذلك. الكتب منضّدة على الرفوف على وفق مقاساتها، بغضّ النظر عن موضوعاتها، الكتب بأسرها جديدة كثير منها لم يفتح، لا ترى على الأرض أو المنضدة أو أيّ محل في غرف الدار الكبيرة كتابًا، خلافًا لمكتبات الكتّاب المتناثرة في البيت. الكاتب المنشغل بالبحث والكتابة دائم الاستعمال لما يحتاجه من كتبه، فتنتشر في أماكن البيت.كلّ الكتب في مكتبة هذا الرجل تصطفّ على الرفوف،ككتيبة جنود يفرض عليها ضابط شرس الوقوف لساعات تحت الشمس والجنود في حالة ضجر، تقف الكتب على الرفوف في هذه المكتبة باكية، تترقب مَن تبتسم له بعد صمت كئيب، تلبث فيه سنوات منذ لحظة إيداعها في المكتبة. ‏لا تبتسم الكتب إلا حين تتحدث لقارئ ذكي صبور. القدر المرير للكتب النوعية القليلة في هذه المكتبة جعلها مسجونة بحبس مرهق،كأنها معارض سياسي لدكتاتور يحبسه مؤبدًا في زنزانة موحشة.

من نماذج المكتبات العشوائية، المؤسسة لغرض خفي بتوظيف الكتاب بوصفه سلطة، ما حدّثني به صديق، خبير بالكتاب والمؤلف، يمتلك مكتبة لبيع الكتب، يقول: جاءني أحد الزبائن المولعين بشراء الكتب، فأخبرني بأنه بنى بيتًا كبيرًا، وخصّص أكبر صالاته لمكتبة تضمّ الكتب المتنوعة، وطلب من نجار ماهر أن يصنع له مكتبة كبيرة من أفخر أنواع الخشب، تتسع لآلاف الكتب المجلدة تجليدًا فنيًا مذهبًا، وقاس مساحات الرفوف بشكل دقيق، وطلب ترتيب الكتب تبعا لعدد مجلداتها ومساحة امتدادها على الرفوف، وبريق زخرفة التجليد وتلوينه، وجمال خطوط عنواناتها ومؤلفيها. كان يشتري استنادا إلى هذه المواصفات، والفضاء الذي تشغله على الأرفف، بغضّ النظر عن محتويات الكتب والمؤلفين. بعد الانتهاء من وضع الكتب على الأرفف على وفق هذا التنظيم، كان يشرع في ملء المساحات الفارغة، فطلب مني شراء كتاب تتعدّد مجلداته لتبلغ تغطية رف بطول متر ونصف، وكتاب آخر بفضاء متر واحد، وكتاب ثالث بفضاء ربع متر، وهكذا. يشترط نوع التجليد بعناية، بتذهيبات زاهية وخطوط جميلة على غلاف المجلد، يعلن عن استعداده لشراء الكتب بأيّ ثمن. اخترت له عدة مصنفات في التفسير والحديث وتراجم الرجال، تملأ هذا الفراغ وتبدو متناغمة في المكتبة مع إيقاع المجلدات الأخرى من حيث الديكور، ففرح ودفع مبلغًا سخيًا.

أخبرني صاحب مكتبة آخر عن إنسان يدمن على زيارة مكتبته، ويحرص على انتقاء الكتب المتعدّدة مجلداتها، فتوفرت لدي طبعة محقّقة فاخرة من “معجم البلدان” لياقوت الحموي، وعرضت الكتاب عليه في أول زيارة له للمكتبة، سألني بعد قراءة عنوان الكتاب واسم المؤلف والمحقق وبيانات النشر، هل هذا الكتاب في الفقه الشافعي؟ قلت له: عنوان الكتاب “معجم البلدان” يكفل بيان مضمونه، قال لم أسمع بهذا الكتاب، ولا هذا الاسم للمؤلف.كان الرجل لطيفًا فأخبرني: انه يجهل كلّ شيء عن الكتب، غير أنه كان يرى هيبة المكتبة والكتب في ديوانيات بعض أصحابه، فقرر أن ينشئ مكتبة ويبتاع من الكتب ما هو الأجمل ديكورًا. وأضاف لا يهمني مضمون الكتاب وعنوانه، لا تفكر كثيرًا بثمنه، أستطيع الدفع مهما كانت قيمة الكتاب، المهم لدي شكل الكتاب ولونه وتذهيبه، وجمال كتابة عنوانه واسم مؤلفه.

قال صاحب مكتبة في مدينة تشتهر بالمكتبات وأسواق بيع الكتب، زبائن مكتبتي من مختلف الأصناف، القراء ممن أعرفهم يزورون المكتبة باستمرار، يجلسون في المكتبة ويسألون عن جديد الكتب، لحظة أقدّم لهم كتابًا لا يعرفونه، لا يبادرون لشرائه، قبل تفحص مضمون الكتاب وقراءة محتوياته ومقدمته والنظر في موضوعاته بتريث. غالبًا لا يمتلكون المبالغ اللازمة لشراء الكتب، يدفعون بعض المبلغ عندما يشترون مجموعة كتب جديدة، ريثما يتمكنون من تأمين ما بقي من المبلغ بداية الشهر. الذين يستعملون الكتب للوجاهة والسلطة ولا يقرأونها، لا يشغلهم مضمون الكتاب، ولا يهمهم موضوعه، يفاجؤوني بشراء أي كتاب يعجبهم شكله، ويدفعون بسخاء. تسويق الكتب لهؤلاء بالقدر الذي يوفر لي أرباحًا جيدة، يؤلمني المصير الذي ينتهي إليه هذه الكتاب، ليلبث مسجونًا في منفى بعيدًا عن القراء. أفكر كثيرًا بألم مؤلف الكتاب لو علم بمصيره، الكاتب يسعده تداول كتابه وقراءته، وإعراب القراء النابهين عن تثمينهم لمنجزه. يشعر المؤلف بالحسرة حينما يعلم أن مؤلفاته تستعمل للزينة، كما تستعمل المزهريات وغيرها من الأشياء الجميلة، وتلبث كتبه كغيرها في هذه المكتبة وأمثالها مقيمة على الأرفف لا ينظر فيها قارئ خبير، وكأنها مختطفة مكرهة على عدم أداء الوظيفة الموكلة لها.

مصائر مكتباتنا

د. عبد الجبار الرفاعي

يؤلمني المصير الذي ستؤول إليه كتبي، لي مع كل كتاب ذكرى، بل الكتب بمجموعها تفيض بذكرياتي، بوصفها سجلًا للأزمنة والأمكنة والمحطات الفكرية لحياتي. نحن اليوم في العصر الرقمي إذ يتوغل الذكاءُ الاصطناعي في كلِّ شيء، ويتدفق سيل المعلومات والمعارف، إلى درجة لا يتمكن معه أيّ إنسان من ملاحقة إلا أقل القليل فيها. ‏العصر الرقمي العاصف الذي نعيش في صيرورته، كأنه مرجل معبأ بالتيزاب يصهر كلّ صلابة في العلاقات والهويات والقيم والمعتقدات والثقافات والآداب والفنون والعلوم والمعارف والتكنولوجيا. أظن أن مفهوم الكتب والكتابة والمكتبة والقراءة على أعتاب تحول تطاله العاصفة الشاملة لتكنولوجيا الواقع الرقمي. بمرارة قررت ترحيل بعض الكتب بالتدريج إلى دار الكتب الوطنية ببغداد، ومكتبة أخرى في النجف. الصلة العاطفية المتراكمة عبر سنين طويلة بكل كتاب بوصفه سجلا ناطقًا بذاكرتي، تدعوني للتشبث بالكتب، انتزاعها من بيتي كأنه انتزاع شيء من روحي، أمتنعت من نقل الكتب مرة واحدة للمأوَيين الجديدَين، لئلا يفجعني طمس الذكريات المضيئة لها، وبدأت منذ أشهر بترحيل ما أراه فائضًا، ولا تربطني فيه وشيجة عاطفية عميقة.

مكتبتي انتخبت كلَّ كتاب فيها بعناية فائقة، لا أعتمد غالبًا على الشائعات الإعلامية حول الكتب، أحاول أن أتعرّف على الكتاب بنفسي،كي أسمح أن تستضيفه مكتبتي. أخطأت باختيار بعض الكتب، فلبثتْ مقيمة مدة على رفوف المكتبة، وإن كنت أحرص على النظر في الكتب أكثر من مرة بعد حضورها في المكتبة، لأستبعد ما أكتشف خطأي بشرائه وضمه للمكتبة. لحظة أتأمل في صفحاته ولا أراه إلا مجرد تكديس ألفاظ على ألفاظ لا أطيق بقاءه على رفوف المكتبة. منذ سنة 2010 إلى اليوم، استبعدت أكثر من 5000 كتاب ومجلة، ومازلت كلما صادفت أحد الكتب الذي أخطأت باستضافته على رفوف المكتبة أستبعده فورًا.

شغفي هو الكتاب، حيثما رأيت كتابًا أنظر لعنوانه، لو التقيت إنسانًا أعرفه أو لا أعرفه بيده كتاب أنظر للكتاب مباشرة وبسرعة بعد النظر لوجهه، أتلصص على عنوانه بعيون خجولة، وربما خرجت عن بروتوكولات التعامل فسألته عن الكتاب ومؤلفه قبل أن نبدأ الحديث. الطريف أن بعض الناس يقع الكتاب بيده هدية وهو لا صلة له بأي كتاب، لا يغويه حتى النظر لعنوانه. لحظة أسأله يعلن أنه لا يعرف شيئًا عنه، فيبادر فورًا لإهدائي الكتاب أحيانًا، وكأنه يطلب مني عدم الانشغال بمثل هذا الأمر الذي لا يستحق أن نستهلك الوقت بالحديث حوله برأيه. لم أخطط يومًا في حياتي لإنشاء مكتبة، غير أن هذا الولع بالكتاب يوقعني بمصيدة الكتب، ما وصلت لمدينة إلا وسعيت لزيارة مكتبات البيع فيها قبل كل شيء، لا أزور إلا المتاحف والمكتبات في البلدان. أزور القاهرة مثلًا فأذهب للهيئة المصرية للكتاب، وقصور الثقافة، والمركز القومي للترجمة، ودار المعارف، وغيرها.كنت مدعوًا لمعرض القاهرة للكتاب سنة 2024، لم أحمل في حقيبتي سوى 40 كغم كتبًا إلى بغداد. كنت ومازلت زائرًا مدمنًا لمكتبات شارع المتنبي ببغداد، منذ سنة 1973 حتى اليوم. لا أذهب أيام الجمعة في السنوات الأخيرة لاكتظاظ الشارع بزائريه من القراء والمهتمين بالكتاب والنزهة.كلُّ مرة أقرّر ألا أشتري كتابًا عندما أذهب للمتنبي أو لمعرض الكتاب ببغداد، الذي أحرص على الحضور فيه مساء أيام انعقاده، ينهار القرار فجأة لحظة أرى كتابًا يغويني، أعود للبيت بمجموعة من الكتب، لا تجد هذه الكتب مأوى لها على رفوف مكتبتي، ولا فوق أكداس الكتب المتناثرة على طاولة الطعام وطاولات الغرف، فتتحير زوجتي بتدبير مأوى لها، هي تظن الكتب ستطردنا الكتب من البيت رغمًا عنا، وأنا لا أطيق العيش في بيت لا يختنق بالكتب. أقول لها: لا أحتاج إلا كرسي الجلوس للكتابة وسرير النوم، مشهد الكتب وهي مكدّسة يسليني ويؤنسني. هي تتطلع لتنسيق ديكور الغرف بأثاث حديث مماثل لما تراه في بيوت الناس، والغرف معبأة بالكتب. الكتب الجديدة لا يتسع وقتي إلا لقراءة مقدّماتها ومحتوياتها وتصفحها، وأُمّني نفسي بمطالعتها لاحقًا، ولا أظن عمري يتسع لمطالعتها وغيرها من الكتب المصطفة في الدور مما أتشوق لمطالعته. هكذا تتكون مكتباتي. مكتباتي تعدّدت بتعدّد المدن التي عشت فيها، في بيت العائلة أنشأت نواة مكتبة، وأنا في الشطرة وبغداد، وفي حوزة النجف تولد مكتبات، تتسع تبعا لقدرتي على شراء الكتب وتقديمها أحيانًا حتى على الحاجات الضرورية للعائلة ولي. في الكويت تشكلت مكتبة جديدة، كان مصيرها الإحراق، في حوزة قم ولدت مكتبة تضم آلاف الكتب، كان مصيرها البيع بأكملها، لتأمين المبلغ اللازم لإصدار مجلة قضايا إسلامية معاصرة، فأسست مكتبة لاحقة تتسع لآلاف الكتب. في بيروت هناك مكتبة مودعة في شقة ابني د. محمدحسين الرفاعي، وفي بغداد ملأت الكتب غرف البيت بأسرها.

من المكتبات الشخصية الثمينة مكتبة د. رضوان السيد،كنت أزوره في بيته ببيروت، في زياراتي المتواصلة لهذه المدينة العشرين سنة الماضية.كان رضوان ومازال من أكثر الأصدقاء العرب دراية بالكتب والكتّاب باللغات العربية والألمانية والإنجليزية، ظل يلاحق كلَّ جديد، ويشتري أكثر من نسخة من الكتاب غالبًا، فضلا عن الهدايا التي تصله من دور النشر والمؤلفين والدوريات في لبنان والبلدان المختلفة. رأيته من أكرم الناس بالكتب، في كل زيارة يهديني ويهدي أصدقائه مجموعة من الكتب والدوريات الممتازة. بيته يضيق على الرغم من سعته بما يضيفه من كتب بلغات يتقنها، قبل أكثر من عشر سنوات أخبرني بأنه اشترى مكانًا ببناية في بيروت ليأوي مكتبته. عرض عليّ في أحد زياراتي مشاهدة مكتبته في محلها الجديد، بهرتني المكتبة بتميزها وفرادة ما استوعبته من مؤلفات نوعية، مكتبة نادرة انتقاها عالم وباحث متمرّس في التراث الإسلامي والعلوم الإنسانية، وهو يواصل شغفه بتزويدها بما يستجدّ. بلغ رصيدها من الكتب والدوريات 120000 كتابًا ودورية،كما أخبرني رضوان في اللقاء الأخير بمسقط في المؤتمر الفلسفي لبيت الزبير الثقافي بمسقط شهر أبريل 2024. حكى لي المصير المؤلم لمكتبته الفريدة، بعد ما حدث لبيروت في السنوات الأخيرة من تآكل بنى الدولة المدنية، وانهيار الاقتصاد والنظام المصرفي، واضطراره للهجرة والإقامة في أبوظبي. يقول رضوان: تعرضت المكتبة إلى تسرب شيء من مياه الأمطار إثر تشققات في السطح، فتضررت بعض الكتب، حاولت إنقاذها بترميم سطح البناية، لكن غيابي وإهمال المكتبة، جعلها ضحية تسرب مياه مرة أخرى، فقررت إهدائها إلى مكتبة الجامعة الأمريكية ببيروت وعرضتها عليهم، غير أنهم اعتذروا عن تسلمها على الرغم من نفائسها، لعدم توفر الفضاء الكافي في مخازن الكتب لاستيعاب مكتبة بهذه الضخامة. عرضتها على مكتبة جمعية المقاصد الإسلامية ببيروت فاعتذروا للسبب ذاته. وأخيرًا عرضتها على مكتبة جامعة القديس يوسف “اليسوعية” ببيروت فاعتذروا كذلك. كلهم قالوا: لا يتوفر المكان الذي يتسع لاستيعاب هذه الكمية من الكتب، فضلا عن تراجع استعمال الكتاب الورقي، ما دعاني لعرضها أخيرًا على مكتبة إحدى الجامعات في أبوظبي. هذه المكتبة من أندر المكتبات في نوعية كتبها المنتقاة بخبرة عارف بالكتب والمؤلفين، ولمعرفتي بالتكوين الأكاديمي الرصين لرضوان، وولعه بالقراءة والكتب والكتابة، ومواكبتي السنوات العشرين الأخيرة لنمو هذه المكتبة وتطور رصيدها، وحرصه الدائم على إثرائها. المصير الذي آلت إليه هذه المكتبة، دعاني للتفكير طويلًا بمصير مكتبتي، وهي تعادل ربع مكتبة رضوان.

 

سيرة توازي بين القراءة والكتابة بدون تفاصيل الحياة: عبد الجبار الرفاعي يكتب عن العلاقة التي ربطته بعالم الكتب

  صدوق نور الدين [1]

يأتي كتاب “مسرات القراءة ومخاض الكتابة: فصل من سيرة كاتب” (تكوين – دار الرفدين – 2023)، للدكتور عبد الجبار الرفاعي، ليضيء جانباً من سيرته الذاتية انطلاقاً من العلاقة التي ربطته بعالم القراءة. وهو الدافع الرئيس لتحديد «فصل من سيرة كاتب». لكن السيرة الذاتية للرفاعي لا تنحصر بالتحديد في هذا الجانب، وإنما تمتد لتشمل فصولاً أخرى يتداخل فيها الحياتي بالثقافي والفكري.

من ثم فـ “مسرات القراءة ومخاض الكتابة: فصل من سيرة كاتب” جزء من حياة دون أن يعني كونه الحياة في كليتها. وهو ما يوحي على السواء بكون هذه السيرة سوف تتشكل من أجزاء أخرى وفق ما طالعنا، مثلاً، في تجربة عميد الأدب العربي طه حسين، وصولاً إلى الأدباء جلال أمين ومصطفى الفقي وغيرهما. ويحق الحديث على أن المفهوم الذي يرسخه الرفاعي للسيرة الذاتية، يتجسد – كما سلف – في الجمع بين عالمين: عالم القراءة وعالم الحياة. وبذلك، فإنه يغاير ويخالف السائد والمتداول في كتابة السيرة الذاتية. ويمكن التمثيل بما كتبه هنري ميللر في «الكتب في حياتي» وكولن ويلسون في «الكتب في حياتي» (والعنوان متداخلان)، وإيتالو كالفينو في «لماذا نقرأ الأدب الكلاسيكي؟»، وألبرتو مانغويل منذ «تاريخ القراءة» إلى «حياة متخيلة». وإذا كان الصوغ في هذه المؤلفات مباشراً، فإنه في غيرها تحقق على نمط كتابة روائية، كمثال «عاشق الكتب» و«جنون كتاب» لهوفر بارتليت. وأما عربياً فيمكن التمثيل بكتابات عبد الفتاح كيليطو في أغلبها، إلى الروائي والقاص لؤي حمزة عباس في كتابة «النوم إلى جوار الكتب»، وبثينة العيسى في «الحقيقة والكتابة»، وطريف الخالدي في «أنا والكتب»، وصفاء ذياب في «أن نحكي»، وحسن مدن في «حبر أسود».

تشكل الوعي

تبدو صيغة الوعي بالقراءة في كتاب «مسرات القراءة ومخاض الكتابة» بسيطة، لتتحول لاحقاً إلى التعقيد. فالبسيطة ترتبط بالفضاء كما الزمن، وهي انتقالات في حياة الشخصية وتكوينها. ذلك أن مرحلة التعليم الابتدائي في حياة الرفاعي لم تعرف سوى الكتب المدرسية، بحكم الارتباط بالواقع القروي وسواد الأمية بين الفلاحين على مستوى القراءة والكتابة. وفي سياق هذه المحدودية، فإن أفق التوسع والاضطلاع لم يمتلك مؤهلات التطوير وروافد الإغناء. من ثم فإن الصورة التي جاءت عليها المكتبة الشخصية الأولى، اتسمت على السواء بالبساطة ما دامت قد ضمت ما يشبه كراسات تتم العودة إليها بين فترة وأخرى في نوع من التكرار وشح الإضافة: «لم أر في المرحلة الابتدائية كتاباً غير الكتب المدرسية، ولا أتذكر أني رأيت كتاباً في بيت أحد في قريتنا، الفلاحون من جيل آبائنا لا يقرأون ولا يكتبون». (ص/13)

«قرأت قصص: المياسة والمقداد والسندباد البحري وغزوة بئر ذات العلم وعنترة بن شداد». (ص/13)

«نشأت مكتبتي بهذه الكراسات وأشباهها، أصبحت أكرر مطالعتها، وأضيف لها ببطء وعلى فترات متباعدة ما أظفر به». (ص/14)

بيد أن الانتقال إلى بغداد بداية السبعينات بهدف الدراسة سيجسد تحولاً مغايراً على مستوى التكوين، ذلك أن ما بدا في السابق بسيطاً، سيغدو معقداً أمام وفرة الكتب وتعدد سبل المعرفة وما يترتب من دهشة وحيرة في الاختيار وتوقاً إلى امتلاك مكتبة غنية تتضمن مراجع معتمدة، علماً بأن هذه المكتبة الشخصية ستخضع لظروف قاسية تتحدد في الإجهاز عليها بالاغتيال – إذا حق – ثم القيام مجدداً بالبناء والإنشاء، وكأن الأمر يتعلق بسيرتين متداخلتين: سيرة تكوين وتكون القارئ، وسيرة نهضة مكتبة – مكتبات لا تتوقف وظيفتها في تشكيل صورة القارئ، وإنما الكاتب على السواء، من منطلق كون كل قراءة عميقة دقيقة موضوعية تقود إلى بناء شخصية الكاتب التي تقولها وفق صيغة خاصة تتفرد على مستوى التفسير والتأويل وترسيخ الفهم المغاير: «أتذكر أولى زياراتي لشارع المتنبي سنة 1973 عندما كنت طالباً ببغداد، لم تكن المكتبات في الشارع بهذه الكثافة وهذا الحضور الواسع المتنوع اليوم». (ص/23)

«بعد انتقالي للدراسة ببغداد سنة 1973، بدأ تراكم الكتب يتنامى ويضيق معه فضاء الصندوق بالكتب المضافة». (ص/ 44)

«تجمع مكتباتي نحو 30000 من الكتب ودوريات الدراسات والمجلات الثقافية». (ص/55)

وتأسيساً على السابق، فإن تشكل الوعي بالقراءة تجسده نوعية المقروء. بمعنى آخر، إنه أمام فيض وغزارة المكتوب تحتم الضرورة انتقاء ما ينبغي قراءته من منطلق كون الزمن والحياة لا يسمحان بالإحاطة الشاملة. ثم إن التخصص المتعلق، سواء بحقل التدريس أو الكتابة، يستدعي القراءة، وبالضبط ضمن حدود المحفل، حيث تتمثل كيفية تصريف المقروء في المكتوب، إلى توظيفه التوظيف الملائم.

يقول الرفاعي في فقرة دالة مكثفة وجامعة تضعنا أمام المفهوم الحق للقارئ: «ليس المهم كمية ما يقرأ الإنسان، المهم نوعية ما يقرأ، وكيفية تلقيه لما يقرأه، وقدرة عقله على تمثله وتوظيفه، وتجلي أثره في نمط تفكيره وشخصيته وسلوكه». (ص/29)

إن ما تقود له/ إليه صورة القارئ، ميلاد الكاتب ونشأته. والأصل أن الميلاد والنشأة يرتبطان بالقراءة. فلا يمكن ولا يتأتى خلق النص في غياب المرجعيات التي يتم الامتياح منها بغاية إنتاج المعنى الجديد الذي لا يقول الشيء نفسه، وإنما ما يغايره ويختلف عنه. وثم تتحقق الفرادة والخصوصية. على أنه ومثلما تحققت ولادة القارئ في زمن مبكر، تسنى أيضاً للكاتب فرض قوة حضوره في المراحل التي قطعها تكوينه التربوي والجامعي، وكأن تمرين الممارسة التعبيرية الإبداعية نصاً وموضوعاً يعلن عن ذات تمتلك مشاعر وأحاسيس قيض لها الاستمرار وليس التوقف كي تغدو بنفسها مرجعاً معتمداً لا يمكن تجاهله أو غض الطرف عنه: «كتاباتي خلاصة مطالعات بدأت في مرحلة مبكرة من حياتي لم ولن تتوقف، وما زالت، كما كانت أول مرة، خلاصة عواصف ذهنية وتأملات فرضها علي عقلي الذي لا يكف عن التفكير، وأوقدتها مشاعري وانفعالاتي، وما ترسب بأعماقي من جراح محطات الحياة المتنوعة، مما لا أراه ولا أدرك تأثيره في فهمي». (ص/69)

ويبرز الاختلاف بين العالمين: عالم القراءة وعالم الكتابة، في كون الأخير كما ورد في التعريف المقتبس عن الروائية الفرنسية آني إرنو: «الكتابة كخنجر»، عالم عذابات ومعاناة ومتعة أيضاً. ذلك أن كتابة نص، أقول ولادته، لا يمكن على الإطلاق استسهالها. على أن أولى هذه العذابات والمعاناة يعكسها مكون اللغة بما هي أداة التواصل والاتصال بين الكاتب والقارئ. إذ الكاتب وهو يخوض مهمة الإنجاز يحلم بأن يكون منجزه دقيقاً من حيث الكتابة والتحرير، وهو ما يفرض عليه انتقاء العناصر المكونة للغته وبناء أفقه الإبداعي الخاص. فلا قيمة البتة لما يكتب بانتفاء القارئ الذي تصنعه الكتابة. وهذا ما يشير إليه الرفاعي بالاشتراك أو المشاركة، بحكم كون بناء النص تتداخل فيه كفاءتان: كفاءة الكاتب وكفاءة القارئ. «اللغة كأداة هي ما يرهقني في الكتابة أكثر من الفكرة، أعيد تحرير النص عدة مرات. حين أكتب أمارس وظيفة تشبه وظيفة المهندس المعماري الذي لا يغفل عن وجه البناء الجمالي». (ص/ 69)

«الكتابة فن الحذف والاختزال». (ص/70)

«لم أجد نفسي خارج الكتابة منذ أكثر من 45 عاماً تقريباً». (ص/74)

«الكتابة اقتصاد الألفاظ وتدبير الدلالات. الكتابة تحرير النص من عبودية الكلمات الميتة، وأساليب البيان المنقرضة. كل كتابة إعادة كتابة كتابة على كتابة». (ص/ 166)

إن ما يمكن استخلاصه من السابق: كون تشكل شخصية القارئ يتداخل وصورة الكاتب كما سلف، اعتبار بدايات الوعي بالقراءة والكتابة، تحقق منذ سنوات التكوين الدراسي والجامعي، والغاية التأسيس لمنطلقات في التعبير وعلى التفكير تتفرد في خصوصياتها وتصوراتها، وهو ما يلمس في الآثار الفلسفية للرفاعي.

في سؤال السيرة

لعل السؤال الذي يفرض نفسه في نهاية هذه الكتابة النقدية: أترى يتعلق الأمر في كتاب “مسرات القراءة ومخاض الكتابة: فصل من سيرة كاتب” بسيرة محض، سيرة ذاتية، أم أنها سيرة ذهنية؟

إن التحديد الذي أقدم عليه المؤلف، والمتمثل في «فصل من سيرة كاتب»، يجسد ميثاق التعاقد الذي يربط بين المؤلف والقارئ. بمعنى آخر إننا أمام سيرة توازي بين القراءة والكتابة دون أن تشمل تفاصيل ترتبط بالحياة أو الذات برمتها كما مر مطلع هذه الكتابة، ومثلما المتداول والمعهود في السيرة الذاتية العربية التي نزع بعض مؤلفيها إلى ضبطها بالتحديد الدقيق، في حين غيب البعض التحديد، ومنهم من اختار تمرير وقائع ذاتية في كتابة روائية يتعامل معها في هذا السياق.

على أنه وإلى ميثاق التعاقد، فإن الإشارة «فصل من سيرة» تؤكد بأن أفق التلقي المنتظر مستقبلاً، سيكون أمام فصول أخرى تستكمل السيرة وتشمل الغائب مما لم يتم ذكره، وآنئذ تستوفي السيرة بعدها الذاتي في شموليته، ولئن كانت بعض الإشارات الذاتية الحياتية وردت في هذا الكتاب وفق تدقيق زمني صارم.

بيد أن اختيار الأستاذ عبد الجبار لهذه الصيغة، وليد قناعة واقتناع بأن المؤلف قارئ وكاتب بمثابة ذات، وجود وكينونة تنتج وعياً بالثقافي والفكري في ثوابته ومتغيراته. والواقع أن الاختيار يهدف في مستوى آخر من الفهم والتأويل إلى الاختلاف عن السائد في كتابة مادة السيرة، إلى التنويع والإضافة، وهو ما جنح إليه أكثر من كاتب ممن ذكرت سابقاً البعض منهم: «كتابة السيرة بهذا الشكل من أمهر أنواع الكتابة وأكثفها وأثراها. كتابة السيرة تعني إعادة بنائها بوصفها طوراً راهناً لوجود الإنسان يبعث في حياته ولادة مستأنفة». (ص/75)

ويحق أن نضيف بأن الاختيار تمثيل عن إضاءة لجوانب من وفي حياة المؤلف. الفضول يتنازع القارئ الذي عرف الرفاعي من خلال دراساته وأبحاثه، والآن انطلاقاً من هذا الكتاب يخبر ما لم يكن يعرفه، وأقصد صورة القارئ والكاتب. ومن ثم، فإن “مسرات القراءة ومخاض الكتابة: فصل من سيرة كاتب” بمثابة المرآة العاكسة لشخصية المؤلف وتكوينه الثقافي والفكري، إلى أن غدا اسماً علماً يتفرد بموقع ومكانة وتعتمد آثاره مراجع في الأبحاث والدراسات: «كتاباتي مرآة سيرتي الفكرية والروحية والأخلاقية، أكتب تجربتي في الكتابة كما تذوقتها بوصفها تجربة وجود. تجربة الوجود فردية، كل ما هو فردي ليس ملزماً لأي إنسان». (ص/75)

 

عن جريدة الشرق الأوسط، الصادرة يوم 3 أبريل 2024 م.  

[1] كاتب مغربي.