سيرة توازي بين القراءة والكتابة بدون تفاصيل الحياة: عبد الجبار الرفاعي يكتب عن العلاقة التي ربطته بعالم الكتب

  صدوق نور الدين [1]

يأتي كتاب “مسرات القراءة ومخاض الكتابة: فصل من سيرة كاتب” (تكوين – دار الرفدين – 2023)، للدكتور عبد الجبار الرفاعي، ليضيء جانباً من سيرته الذاتية انطلاقاً من العلاقة التي ربطته بعالم القراءة. وهو الدافع الرئيس لتحديد «فصل من سيرة كاتب». لكن السيرة الذاتية للرفاعي لا تنحصر بالتحديد في هذا الجانب، وإنما تمتد لتشمل فصولاً أخرى يتداخل فيها الحياتي بالثقافي والفكري.

من ثم فـ “مسرات القراءة ومخاض الكتابة: فصل من سيرة كاتب” جزء من حياة دون أن يعني كونه الحياة في كليتها. وهو ما يوحي على السواء بكون هذه السيرة سوف تتشكل من أجزاء أخرى وفق ما طالعنا، مثلاً، في تجربة عميد الأدب العربي طه حسين، وصولاً إلى الأدباء جلال أمين ومصطفى الفقي وغيرهما. ويحق الحديث على أن المفهوم الذي يرسخه الرفاعي للسيرة الذاتية، يتجسد – كما سلف – في الجمع بين عالمين: عالم القراءة وعالم الحياة. وبذلك، فإنه يغاير ويخالف السائد والمتداول في كتابة السيرة الذاتية. ويمكن التمثيل بما كتبه هنري ميللر في «الكتب في حياتي» وكولن ويلسون في «الكتب في حياتي» (والعنوان متداخلان)، وإيتالو كالفينو في «لماذا نقرأ الأدب الكلاسيكي؟»، وألبرتو مانغويل منذ «تاريخ القراءة» إلى «حياة متخيلة». وإذا كان الصوغ في هذه المؤلفات مباشراً، فإنه في غيرها تحقق على نمط كتابة روائية، كمثال «عاشق الكتب» و«جنون كتاب» لهوفر بارتليت. وأما عربياً فيمكن التمثيل بكتابات عبد الفتاح كيليطو في أغلبها، إلى الروائي والقاص لؤي حمزة عباس في كتابة «النوم إلى جوار الكتب»، وبثينة العيسى في «الحقيقة والكتابة»، وطريف الخالدي في «أنا والكتب»، وصفاء ذياب في «أن نحكي»، وحسن مدن في «حبر أسود».

تشكل الوعي

تبدو صيغة الوعي بالقراءة في كتاب «مسرات القراءة ومخاض الكتابة» بسيطة، لتتحول لاحقاً إلى التعقيد. فالبسيطة ترتبط بالفضاء كما الزمن، وهي انتقالات في حياة الشخصية وتكوينها. ذلك أن مرحلة التعليم الابتدائي في حياة الرفاعي لم تعرف سوى الكتب المدرسية، بحكم الارتباط بالواقع القروي وسواد الأمية بين الفلاحين على مستوى القراءة والكتابة. وفي سياق هذه المحدودية، فإن أفق التوسع والاضطلاع لم يمتلك مؤهلات التطوير وروافد الإغناء. من ثم فإن الصورة التي جاءت عليها المكتبة الشخصية الأولى، اتسمت على السواء بالبساطة ما دامت قد ضمت ما يشبه كراسات تتم العودة إليها بين فترة وأخرى في نوع من التكرار وشح الإضافة: «لم أر في المرحلة الابتدائية كتاباً غير الكتب المدرسية، ولا أتذكر أني رأيت كتاباً في بيت أحد في قريتنا، الفلاحون من جيل آبائنا لا يقرأون ولا يكتبون». (ص/13)

«قرأت قصص: المياسة والمقداد والسندباد البحري وغزوة بئر ذات العلم وعنترة بن شداد». (ص/13)

«نشأت مكتبتي بهذه الكراسات وأشباهها، أصبحت أكرر مطالعتها، وأضيف لها ببطء وعلى فترات متباعدة ما أظفر به». (ص/14)

بيد أن الانتقال إلى بغداد بداية السبعينات بهدف الدراسة سيجسد تحولاً مغايراً على مستوى التكوين، ذلك أن ما بدا في السابق بسيطاً، سيغدو معقداً أمام وفرة الكتب وتعدد سبل المعرفة وما يترتب من دهشة وحيرة في الاختيار وتوقاً إلى امتلاك مكتبة غنية تتضمن مراجع معتمدة، علماً بأن هذه المكتبة الشخصية ستخضع لظروف قاسية تتحدد في الإجهاز عليها بالاغتيال – إذا حق – ثم القيام مجدداً بالبناء والإنشاء، وكأن الأمر يتعلق بسيرتين متداخلتين: سيرة تكوين وتكون القارئ، وسيرة نهضة مكتبة – مكتبات لا تتوقف وظيفتها في تشكيل صورة القارئ، وإنما الكاتب على السواء، من منطلق كون كل قراءة عميقة دقيقة موضوعية تقود إلى بناء شخصية الكاتب التي تقولها وفق صيغة خاصة تتفرد على مستوى التفسير والتأويل وترسيخ الفهم المغاير: «أتذكر أولى زياراتي لشارع المتنبي سنة 1973 عندما كنت طالباً ببغداد، لم تكن المكتبات في الشارع بهذه الكثافة وهذا الحضور الواسع المتنوع اليوم». (ص/23)

«بعد انتقالي للدراسة ببغداد سنة 1973، بدأ تراكم الكتب يتنامى ويضيق معه فضاء الصندوق بالكتب المضافة». (ص/ 44)

«تجمع مكتباتي نحو 30000 من الكتب ودوريات الدراسات والمجلات الثقافية». (ص/55)

وتأسيساً على السابق، فإن تشكل الوعي بالقراءة تجسده نوعية المقروء. بمعنى آخر، إنه أمام فيض وغزارة المكتوب تحتم الضرورة انتقاء ما ينبغي قراءته من منطلق كون الزمن والحياة لا يسمحان بالإحاطة الشاملة. ثم إن التخصص المتعلق، سواء بحقل التدريس أو الكتابة، يستدعي القراءة، وبالضبط ضمن حدود المحفل، حيث تتمثل كيفية تصريف المقروء في المكتوب، إلى توظيفه التوظيف الملائم.

يقول الرفاعي في فقرة دالة مكثفة وجامعة تضعنا أمام المفهوم الحق للقارئ: «ليس المهم كمية ما يقرأ الإنسان، المهم نوعية ما يقرأ، وكيفية تلقيه لما يقرأه، وقدرة عقله على تمثله وتوظيفه، وتجلي أثره في نمط تفكيره وشخصيته وسلوكه». (ص/29)

إن ما تقود له/ إليه صورة القارئ، ميلاد الكاتب ونشأته. والأصل أن الميلاد والنشأة يرتبطان بالقراءة. فلا يمكن ولا يتأتى خلق النص في غياب المرجعيات التي يتم الامتياح منها بغاية إنتاج المعنى الجديد الذي لا يقول الشيء نفسه، وإنما ما يغايره ويختلف عنه. وثم تتحقق الفرادة والخصوصية. على أنه ومثلما تحققت ولادة القارئ في زمن مبكر، تسنى أيضاً للكاتب فرض قوة حضوره في المراحل التي قطعها تكوينه التربوي والجامعي، وكأن تمرين الممارسة التعبيرية الإبداعية نصاً وموضوعاً يعلن عن ذات تمتلك مشاعر وأحاسيس قيض لها الاستمرار وليس التوقف كي تغدو بنفسها مرجعاً معتمداً لا يمكن تجاهله أو غض الطرف عنه: «كتاباتي خلاصة مطالعات بدأت في مرحلة مبكرة من حياتي لم ولن تتوقف، وما زالت، كما كانت أول مرة، خلاصة عواصف ذهنية وتأملات فرضها علي عقلي الذي لا يكف عن التفكير، وأوقدتها مشاعري وانفعالاتي، وما ترسب بأعماقي من جراح محطات الحياة المتنوعة، مما لا أراه ولا أدرك تأثيره في فهمي». (ص/69)

ويبرز الاختلاف بين العالمين: عالم القراءة وعالم الكتابة، في كون الأخير كما ورد في التعريف المقتبس عن الروائية الفرنسية آني إرنو: «الكتابة كخنجر»، عالم عذابات ومعاناة ومتعة أيضاً. ذلك أن كتابة نص، أقول ولادته، لا يمكن على الإطلاق استسهالها. على أن أولى هذه العذابات والمعاناة يعكسها مكون اللغة بما هي أداة التواصل والاتصال بين الكاتب والقارئ. إذ الكاتب وهو يخوض مهمة الإنجاز يحلم بأن يكون منجزه دقيقاً من حيث الكتابة والتحرير، وهو ما يفرض عليه انتقاء العناصر المكونة للغته وبناء أفقه الإبداعي الخاص. فلا قيمة البتة لما يكتب بانتفاء القارئ الذي تصنعه الكتابة. وهذا ما يشير إليه الرفاعي بالاشتراك أو المشاركة، بحكم كون بناء النص تتداخل فيه كفاءتان: كفاءة الكاتب وكفاءة القارئ. «اللغة كأداة هي ما يرهقني في الكتابة أكثر من الفكرة، أعيد تحرير النص عدة مرات. حين أكتب أمارس وظيفة تشبه وظيفة المهندس المعماري الذي لا يغفل عن وجه البناء الجمالي». (ص/ 69)

«الكتابة فن الحذف والاختزال». (ص/70)

«لم أجد نفسي خارج الكتابة منذ أكثر من 45 عاماً تقريباً». (ص/74)

«الكتابة اقتصاد الألفاظ وتدبير الدلالات. الكتابة تحرير النص من عبودية الكلمات الميتة، وأساليب البيان المنقرضة. كل كتابة إعادة كتابة كتابة على كتابة». (ص/ 166)

إن ما يمكن استخلاصه من السابق: كون تشكل شخصية القارئ يتداخل وصورة الكاتب كما سلف، اعتبار بدايات الوعي بالقراءة والكتابة، تحقق منذ سنوات التكوين الدراسي والجامعي، والغاية التأسيس لمنطلقات في التعبير وعلى التفكير تتفرد في خصوصياتها وتصوراتها، وهو ما يلمس في الآثار الفلسفية للرفاعي.

في سؤال السيرة

لعل السؤال الذي يفرض نفسه في نهاية هذه الكتابة النقدية: أترى يتعلق الأمر في كتاب “مسرات القراءة ومخاض الكتابة: فصل من سيرة كاتب” بسيرة محض، سيرة ذاتية، أم أنها سيرة ذهنية؟

إن التحديد الذي أقدم عليه المؤلف، والمتمثل في «فصل من سيرة كاتب»، يجسد ميثاق التعاقد الذي يربط بين المؤلف والقارئ. بمعنى آخر إننا أمام سيرة توازي بين القراءة والكتابة دون أن تشمل تفاصيل ترتبط بالحياة أو الذات برمتها كما مر مطلع هذه الكتابة، ومثلما المتداول والمعهود في السيرة الذاتية العربية التي نزع بعض مؤلفيها إلى ضبطها بالتحديد الدقيق، في حين غيب البعض التحديد، ومنهم من اختار تمرير وقائع ذاتية في كتابة روائية يتعامل معها في هذا السياق.

على أنه وإلى ميثاق التعاقد، فإن الإشارة «فصل من سيرة» تؤكد بأن أفق التلقي المنتظر مستقبلاً، سيكون أمام فصول أخرى تستكمل السيرة وتشمل الغائب مما لم يتم ذكره، وآنئذ تستوفي السيرة بعدها الذاتي في شموليته، ولئن كانت بعض الإشارات الذاتية الحياتية وردت في هذا الكتاب وفق تدقيق زمني صارم.

بيد أن اختيار الأستاذ عبد الجبار لهذه الصيغة، وليد قناعة واقتناع بأن المؤلف قارئ وكاتب بمثابة ذات، وجود وكينونة تنتج وعياً بالثقافي والفكري في ثوابته ومتغيراته. والواقع أن الاختيار يهدف في مستوى آخر من الفهم والتأويل إلى الاختلاف عن السائد في كتابة مادة السيرة، إلى التنويع والإضافة، وهو ما جنح إليه أكثر من كاتب ممن ذكرت سابقاً البعض منهم: «كتابة السيرة بهذا الشكل من أمهر أنواع الكتابة وأكثفها وأثراها. كتابة السيرة تعني إعادة بنائها بوصفها طوراً راهناً لوجود الإنسان يبعث في حياته ولادة مستأنفة». (ص/75)

ويحق أن نضيف بأن الاختيار تمثيل عن إضاءة لجوانب من وفي حياة المؤلف. الفضول يتنازع القارئ الذي عرف الرفاعي من خلال دراساته وأبحاثه، والآن انطلاقاً من هذا الكتاب يخبر ما لم يكن يعرفه، وأقصد صورة القارئ والكاتب. ومن ثم، فإن “مسرات القراءة ومخاض الكتابة: فصل من سيرة كاتب” بمثابة المرآة العاكسة لشخصية المؤلف وتكوينه الثقافي والفكري، إلى أن غدا اسماً علماً يتفرد بموقع ومكانة وتعتمد آثاره مراجع في الأبحاث والدراسات: «كتاباتي مرآة سيرتي الفكرية والروحية والأخلاقية، أكتب تجربتي في الكتابة كما تذوقتها بوصفها تجربة وجود. تجربة الوجود فردية، كل ما هو فردي ليس ملزماً لأي إنسان». (ص/75)

 

عن جريدة الشرق الأوسط، الصادرة يوم 3 أبريل 2024 م.  

[1] كاتب مغربي.

عبد الجبّار الرّفاعي: أنا أقرأ إذن أنا موجود

بروين حبيب

تفتنني دائما الكتب التي تؤلّف عن القراءة أو عن الكتابة وكأني في بحث دائم عن تفسير هذا الشغف اللامتناهي الذي يصيبنا نحن الكائنات الورقة لأكتشف أسراره، فكنت أجد متعة لا توصف مصحوبة بفوائد كثيرة حين أطالع ثلاثية ألبرتو منغويل «تاريخ القراءة» و«المكتبة في الليل» و«يوميات القراءة» أو أقرأ كتاب برنار بيفو «مهنة القراءة» لذلك سارعت إلى اقتناء كتاب «مسرات القراءة ومخاض الكتابة .. فصل من سيرة كاتب» للدكتور عبد الجبار الرفاعي والصادر قبل أشهر عن منشورات تكوين ودار الرافدين. ولم أكن قرأت للرفاعي سوى مقالات متفرقة كانت تصادفني أو مقالا مطولا عن زيارته لقونية مدينة جلال الدين الرومي حمل عنوان «في حضرة مولانا: سياحة في عالم المعنى».
أما كتابه هذا فهو سياحة فكرية يستحسنها كل مدمن لرائحة الورق من أمثالي، والتي لخصها منغويل مرة قائلا: «عندما قرأت في أحد الأيام أنّ سرفانتس كان يطالع – من فرط حبّه للقراءة- حتى قصاصات الورق المرمية على قارعة الطريق، أحسست بشعور جميل لأنني كنتُ أعرف ماذا يعني هذا».
يقع الكتاب في مئة وثمانين صفحة موزعة على مقدمة وثلاثة وعشرين فصلا، منها سبعة فصول عن القراءة، والبقية عن الكتابة. وقد تداخلت الأفكار بينهما أحيانا لارتباطهما العضوي. وإن كان المؤلف يرى القراءة ممتعة أكثر من الكتابة، لذلك وصفها في عنوانه ب«المسرات» المتعددة المختلفة، في حين أن الكتابة أشبه بالولادة، فهي مخاض عسير موجع، وبخاصة لمن يعتبر الكلمة مسؤولية.
وأول جمل الكتاب تعطينا مفتاح شخصية المؤلف وتلخص لنا فحوى كتابته حين يقول «أنا قارئ قبل كل شيء وبعد كل شيء، لم تمنحني القراءة إجازة ليوم واحد في حياتي. لم أجد نفسي خارج أسر القراءة، وأظن أني لن أتوقف ما دمتُ حيًا». فهذا القارئ المدمن المزمن الذي بدأت علاقته بالكتاب متأخرة نسبيا ما عدا الكتاب المدرسي لأنه ولد في بيئة فقيرة في الأهوار جنوبي العراق تعيش الكفاف في عائلة فلاحين، و«الفلاحون في ذلك الوقت لا يقرأون ولا يكتبون». حينما التقى وهو طالب في الثانوية بالجزء الأول من كتاب «لمحات اجتماعية في تاريخ العراق الحديث» للدكتور علي الوردي وبهرته لغة الكتاب الواضحة المباشرة والجرأة والشجاعة العقلية لمؤلفه بدأ رحلة مع القراءة لا تنتهي. واللافت للنظر أن ثاني كتاب فرض حضوره عليه كان «معالم في الطريق» لسيد قطب. وحين تخلص من فتنته أفرد فصلا كاملا لنقده بعنوان «الكتابة الإيديولوجية» إذ رآه نفقا مظلما ومتاهة خطيرة أضاعت أجيالا، وبعضهم لم يستطع الخروج منها طيلة حياته. أما ثالث ما جرّه إلى جنة القراءة فكانت مجلة العربي، التي لا ينكر فضلها عليه وعلى جيله، لكنه يأخذ عليها فيما بعد ثبات أبوابها واحتكار الكتابة فيها من قبل أقلام مكرسة لا تتبدل.
يعتبر الدكتور الرفاعي إدمانه للقراءة وقوعا في أسر الكتب، كما سمى احد فصوله. ويحلو لي أن أسميه التورط العاطفي مع الكتاب، فهو أشبه بعلاقة حب فيها شوق وعذاب.. ألا يصلح هذا الوصف لحبيب أو حبيبة إذا حذفنا لفظة كتاب.. «وجود الكتاب يشعرني بالأمن النفسي ويؤنسني حين أشعر بوحشة الوجود» بل فيه ما في الحب من وجع وأذى يعطي الرفاعي مثلا على ذلك بقوله «ما يخدعني من العناوين يؤذيني». هي عملية أنسنة الكتب، وصحبة فعلية مع كاتبيها بحضورهم الجسدي عبر الورق وحضورهم المعنوي بأفكارهم، فهم «كأنهم يتحدّثون إليه ويتحدث إليهم يضحكون فيضحك معهم، ويبكون فيبكي، يتألمون فيتألم يكتئبون فيكتئب».
ومن أحب شيئا استكثر من حضوره، لذلك أولع الدكتور عبد الجبار الرفاعي بتأسيس المكتبات أينما كان. لكن مصير مكتباته كان عاثرا، فالأولى التي كوّنها في النجف صودرت ونهبت، والثانية التي جمّع كتبها في الكويت كان نصيبها الحرق، بعد أن خشي مالك البيت من أن تؤدي إلى هلاكه، أما الثالثة فبيعت. ويصف حاله بعد البيع بهذه الجمل الموجعة «اكتأبتِ العائلة واكتأبت أنا، وكأنّ قدرنا الأبدي رثاء مكتباتنا.. عندما يتكرر فقدان المكتبة يغرق الإنسان بكابوس خسرانه كنوزه النادرة». ومآل مكتبات الأدباء والعلماء موضوع جدير بالتأمل بقدر ما فيه من الألم. فكم من مكتبة فيها نوادر صرف صاحبها في جمعها الوقت والمال رماها الورثة في المزبلة لأنها تشغل حيّزا من البيت هم بحاجته.
ورغم أن الرفاعي يرى أن «لا شيء أقسى مرارة على القارئ من ضياع كتب عاش معها وعاشت معه، وأنفق وقته في دراستها ومطالعتها» إلا أنه يلتمس العذر للورثة أو للأبناء. فعالمهم غير عالم آبائهم، وهم يقرؤون إلكترونيا ويفتقرون لحنين الآباء للورق. وهذا يستطرد بنا إلى فكرة أن الدكتور عبد الجبار الرفاعي الذي نشأ في بيئة تقليدية محافظة، وقضى سنوات طويلة من عمره دارسا ومدرسا للعلوم الدينية، وهو حاصل على ماجستير في علم الكلام ودكتوراه في الفلسفة الإسلامية، يملك مرونة فكرية متسامحة مع الجيل الجديد وآليات اكتسابه للمعرفة، فهو لا يرى الكتابَ الورقي الوسيلة الوحيدة للحصول على المعرفة، بل يرى أن الجيل الحالي قارئ من خلال التطبيقات على هاتفه الذكي ف«مفهوم القراءة يواكب تلك التطبيقات ويتكيف وفقا لها». ويدخل ضمن فعل القراءة مشاهدة الصور وسماع التسجيلات الصوتية ومتابعة الفيديو . وكلما اتسع مجال القراءة اتسعت بموازاته الكتابة بأنماطها وأوعيتها المتجددة.
يحفل كتاب «مسرات القراءة ومخاض الكتابة» بالكثير من التأملات حول فعل القراءة وأفكار الكاتب فهو ضد القراءة العشوائية، إذ ليس المهم كمية ما يقرأ الإنسان بل نوعيته، ويرى هذه القراءة غير الممنهجة تبذيرا للعمر بقراءة كتابات تفقر العقل كما عنون أحد فصوله ف«ما يفقر العقل ويشيع الجهل من الكتب أكثر بكثير مما يوقظ العقل ويبعث الوعي». وهو يرى أن كثيرا من الكتب الدينية تدخل ضمن الصّنف الأول لأنّ مؤلفيها بدعوى التعلّم الديني يرون أنهم يمتلكون الحق المقدس في التحدث بكثير من الثقة عن كل شيء يعرفونه ولا يعرفونه، ويكلفون طلابهم الفقراء لينتجوا لهم كتبا كثيرة «من ركام كلماتهم». ويضع ضمن تلك الكتب التي تفقر العقل وتشيع الجهل ما يندرج تحت مسميات «التنمية البشرية» و«تطوير الذات» و«علم الطاقة النفسية» بل يراها، حتى وإن كانت الأكثر مبيعا وانتشارا، مبنية على أوهام وأساطير وشعارات غير علمية تتلاعب بمشاعر الناس، ويعتبر كاتبيها منتحلي صفة فهم يمارسون الطب النفسي دون أن يتعلموه.
في القسم الأكبر من الكتاب فصول متعددة عن الكتابة فيقول عن نفسه بأنه يتهيب الكتابة كثيرا بل يخاف منها واللغة ترهقه فيها أكثر من الفكرة، كما أنه لا يمتلك طقوسا خاصة به للكتابة فلا قواعد ملزمة ولا عادات مستحكمة ولا أوقات صارمة دقيقة، بل طقسه الوحيد هو المراجعة المستمرة لما يكتب، فحتى عندما ينتهي من الكتاب ويصدر مطبوعا يبدي ويعيد فيه ليصبح كما وصفه «تتحول الطبعة إلى مسودة لطبعة لاحقة». ولأنه لم يتدرب على يدي أحد في تعلم الكتابة ولا يتقن تدريب أحد، فهو لا يؤمن أن يتدرب شخص ليصبح كاتبا حيث كتب «لا أعرف كاتبا عظيما ولد في مدارس تدريب ورش الكتابة» وإن كنت لا أتوافق معه تماما في هذه الفكرة فالكتابة صنعة، للموهبة دور فيها لكنْ للتعلم والتدريب والمران المتواصل دور آخر أكيد.
أسلوب الدكتور الرفاعي واضح مباشر مركّز فالكتابة عنده فن الحذف والاختزال وكثير من جمله تصلح للاقتباس مصبوبة في قالب حكمي مثل قوله: «الذكاء الفائق يمحو البراءة» و«رب قارئ ليس له من قراءته إلا النصب والتعب» و«عندما يُكتب الجرح يُشفى الإنسان» و «كلما احترقت مكتبة انطفأ شيء من نور العالم ». وفي الكتاب أيضا فصول عن الترجمة والكتابة والإيديولوجيا والكتابة في عصر الأنترنت والكتابة والقارئ ف«مسرات القراءة ومخاض الكتاب» يفتح آفاقا للتفكير أكثر مما يعطي إجابات يقينية، كُتبت فصوله بقلم قارئ كتب لخص حياته في هذه الكلمات «لو فرضت علي الأقدار أن أختار العيش مع الكتب أو البشر لاخترت العيش مع الكتب».

د. بروين حبيب، شاعرة وإعلامية من البحرين.

 

https://www.alquds.co.uk/%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D9%91%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%91%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A-%D8%A3%D9%86%D8%A7-%D8%A3%D9%82%D8%B1%D8%A3-%D8%A5%D8%B0%D9%86-%D8%A3%D9%86%D8%A7-%D9%85/

جدلية القراءة والكتابة في كتاب “مسرَّات القراءة ومخاض الكتابة”

عبد اللطيف الحاج اقويدر، كاتب جزائري[1]

وددتُ لوْ يكون هذا الكتابُ جزءً أوَّلَ من سلسلةٍ تتعقَّبُ سيرةَ الكاتب الغنيَّة أحداثاً وعبراً. تتكوَّن عتبتُه من دالتيْن متساويتيْن صوتاً، متقابلتيْن دلالةً، موحيتيْن: “مسَّرات القراءة”، و “مخاض الكتابة”، وردتا مصدرين ميمييْن، يقول النحوُ: المصدر الميمي أقوى دلالةً على الحدث من المصدر الأصلي، فلفظةُ “مسرَّات” حدثٌ أوَّلٌ، ورد جمعاً، و”مخاضٌ” حدث ثانٍ، ورد مفرداً، والحدثُ الأولُ يحْكي عن تعاظم سرورٍ مصدرُه القراءة التي تبهج أكثر القراء، والثاني هلعٌ ووجعٌ مصدره الكتابة، كما يمارسها ويشعر بها الرفاعي، وكأنه لا يريد أن يتحدث عن شعور غيره، ممن لا يكابدون وجع الكتابة.

سعادةُ الكاتب تبدأ من ساعة إبحاره في عالم القراءة، شقاوتُه تبدأ من ساعة التفكير في الكتابة. القراءة عند الكاتب انعتاق وانطلاق، والكتابة معاناة وعسرٌ كعسر الولادة.

اختار الكاتبُ هذه الثنائية، يلج منها إلى أدب السِّيرة الذاتية، وهي طريقةٌ جديدةٌ، وطرحٌ غيرُ مسبوق، ولم يعتمد في إيراد سيرته على السرد الكرونولوجي لمراحل حياته، ولا احتذى بطريقة من طرق سابقيه، بل ربط سيرته بما هما توأما سيرته. القراءةُ والكتابةُ شريكتا حياته… حتَّى إنَّ المقدِّمة التي عادةً ما تكون توطئةً لموضوع الكتاب، ومدخلاً إليه، خصَّصها الكاتب لفن القراءة، فن إدارة القراءة.

يتحدث عن القراءة في طول كتابه كعاشق يعرف عن معشوقه أكثر ممَّا يعرف معشوقه عن نفسه، فهو شغوفٌ بها، لمْ يتوقَّفْ عن مغازلتها، والتودُّد إليها مدَّة حياته كلّها، فلمْ يستأنسْ، ولمْ ينفردْ إلاَّ بها، كانتْ تتعبُه ويستريحُ بها… الرفاعي ظمآنٌ قراءةً ظمأً مزمناً، ريُّهُ عينُ ظمئه، فهو غير قابلٍ للارتواء من القراءة إلا بالقراءة… عرفها من جميع نواحيها وزواياها، عرف فضاءها الحيوي قديماً في الكتاب، في لبوسه الورقي، ولمَّا ارتحل الكتاب إلى العالم الافتراضي، لمْ يشأ الكاتبُ إلاّ أنْ يرتحل معه، وهو مستعدٌّ لأنْ يصحبهُ إلى أيِّ فضاءٍ اختار… عرفه في المكتبات ومعارض الكتب، ودوَّن تواريخ شرائه وقيمة أثمانه، ولوحات أغلفته ونكهة أوراقه… (ص44)، عرض محاسن القراءة وثمراتها، ومنحنياتها وتطوراتها، ومزالقها وأعطابها، وهو واعٍ، ولم يُخفِ ذلك، بأن بعض القراءات تسبَّبت في نكْساتٍ وكوارث خطيرةٍ. هناك رواياتٌ قاتلةٌ قتلاً حقيقياً لا مجازياً (رواية يوهان غوته الألماني “آلام الشاب فارتر” أودتْ بحياة كثيرٍ من الشباب)، أمَّا القتلُ المجازي، والإعاقاتُ الذِّهنيَّة والنَّفسيَّة، فيذكر منها كتب التَّنميَّة البشريَّة مثلاً لذلك…

تضطرُّ الكاتبَ ظروفٌ خاصة، فيفرُّ من بلده العراق على وجه السُّرعة إلى البلد المجاور الكويت، يدخل البلد خائفاً مترقِّباً متوجِّساً، لكنَّه أَّول ما يفكر فيه اقتناء كتبٍ، لا تسوية وضعيةٍ (ص50)، ويقتني ذلك… وتمضي حياتُه كلُّها قراءةً، وإمعاناً في القراءة… لكنَّ القراءةَ تطوَّرتْ عنده، فلم تعُد حبيسةَ مساحة كتابٍ، ولا حبيسةَ حجمه، بالرَّغم من علاقته التَّاريخية الحميميَّة به، فقدْ أصبح بحكم التطوُّر للقراءة آفاقٌ وفضاءاتٌ، لم يصمَّ دونها أذنه، ولم يزورَّ عنها، بل جاراها، وترافَقَ في مسيرته معها.

الأفلامُ والمسرحيات واللوحات الزَّيتية، والمنحوتات قراءاتٌ، والتَّجوال والأسفار، والمهنُ والحرف، وأنواع التجارب والخبرات الإنسانية، ودهاليز النفوس البشرية الفاتحة والقاتمة، البسيطة والمعقَّدة قراءاتٌ، حتَّى السجن يصلح لأنْ يكون موضوع قراءةٍ، ولعلَّ كتاب فَرَاشَة Papillon، للكاتب الفرنسي هنري شاريار Henri Charrière، خيرُ مثالٍ، فقد صدر عام 1969، بيع منه 13 مليون نسخة في العالم، يتحدث فيه الكاتب عن تجربته القاسية في سجن جزيرة غويانا الفرنسية الرهيب، هذا السِّجنُ الذي أعِدَّ خصِّيصاً لعتاة المجرمين، وقد حُوِّلت هذه السيرة الذَّاتية إلى إنتاجٍ سينمائي ناجحٍ…

القراءة عند الرفاعي هي هذا الواقعُ كلُّه بما حمل “الواقع معلِّمٌ عظيمٌ” (59)، وقد تقاطع في ذلك مع ميخائيل نعيمة المفكر والناقد اللبناني الألمعي… لكنَّ القراءة مع أهميَّتها، وضرورتها عند الرفاعي، ليستْ هدفاً في حدِّ ذاتها، وليستْ تزجيةً للوقتِ، وهي ليستْ سيفَ مبارزةٍ في صالونات المناقشة والكلام، القراءةُ عندهُ “منتجةٌ للمعنى” (ص57).

يبدأ الكاتبُ حكايته ومغامراته في عالم الكتابة من الصفحة 62، تناول فيها محاولاته الأولى، قبل وبعد انتسابه إلى حوزة النجف الأشرف (ص64)، هي بداياتٌ أوليَّة مترنِّحة ككلِّ البدايات، ثم بدأ يتدحرج بها تدحرج كرة الثَّلج صاعداً بها إلى قمَّة الجبل، لكنْ تبيَّن له مع الأيام أنَّها مصدر آلامٍ ومعاناةٍ، ليس له بدٌّ منْ أن يحْتملها، فإذا كانتِ القراءة تمنحُه لذَّةً، فإنَّ الكتابة تمنحُه وجعاً مستديماً، “ربما هربتُ إلى حيلٍ نفسية، تنقذني من هلع الكتابة” (ص68)، كان إزاءها مشلولاً: “كنتُ أحسبُ أني مصابٌ بشلل الإرادة” (ص68)، والكتابة تعذبه “الكتابة تعذبني وتستنزفني” (ص69)، لها عنده فعلُ الإدمان، فهي قلقُه وهدوؤه “قبل الكتابة أقلق، حين أفرغُ منها أهدأ” (ص70)، ومصدرُ الآلام آتٍ من كونه يتمثَّلُ كتاباته، يعيشُها، ويتماهى معها، يكتبُ نصه، ويهذبه، ويضيفُ إليه، ويرجع إليه مرة بعد أخرى، ويعيشُ في جوِّهِ، وهو ربما يكون قد فارقه لموضوعٍ أوْ نصٍّ آخر… فنصوصه مسودَّاتٌ أبداً، حتى ولو كانتْ بيد قارئه، ويأملُ أنْ يجد بعض العزاء لدى قارئه، بل مستعدٌّ أن يدفع ضريبة أخرى، هي ضريبة الصدق والإخلاص يقدِّمُها راضياً بين يديِ قارئه.

عنوان كتاباته الصَّرامةُ والجِدُّ وَالجدَّةُ، قارئه المثالي هو الرِّفاعي نفسه، قبل أن يحيلها إلى قارئه الخارجي، يرى الكتابة تشذيباً متواصلاً، فهي “فنُّ الحذف والاختزال” (ص71)، وله في ذلك نفسُ رؤية أقطاب الفكر الحداثي، كما يرى أنَّ اللغة تُخْفي أكثر ممَّا تصرح، “أكثرُ الكتابات المنشورة تُخفي أكثر ممَّا تُعلن” (ص72)، ويذهبُ إلى أنَّ جوهر الكتابةَ كامنٌ في التناصِّ، فهي عصارة جميع القراءات السَّابقة “كلُّ كتابة حقيقية تختزل سلسلةً طويلةً من قراءة كتبٍ متنوعةٍ” (ص73)، فلا يمكنُ لكاتبٍ أن يُخْرِجَ نصاً محترماً إلاَّ إذا كانتْ حصيلتُه نصوصاً كثيفةً متراكمةً، يصهرها الفكرُ، وتلوِّنها العواطفُ، وتؤطِّرها الخبرة والتجربة، وتجوِّدُها الموهبةُ (ص102)، ويتحدث في عالم الكتابة عن عالم الترجمة، فيرى أنَّ الترجمة الصادقة هي التي تنقلُ روح الكلمات والعبارات، لا شكلها الخارجي، فلكلِّ لغةٍ منطقها الداخلي الخاص بها، الترجمة تجديدٌ للغة المنقولة إليها، تستقبلُ مصطلحات لا عهد لها بها، فتغتني وتتنوَّع وتتجدَّدُ، والترجمةُ حوارٌ بين لغتين.

ولكنَّ للكتابة عند الرفاعي جانباً آخر مهمّاً، هو جانبُ التَّجربة التي لا تتوفَّر في القراءة، فتزوِّده بخبرتها الخاصَّة، “الكاتب الصبور يتعلم من الكتابة أكثر ممَّا يتعلَّم من القراءة” (ص74)، ولأغلب الكتَّاب والشُّعراء طقوسهم الخاصَّة، وأزمنتهم عندما يباشرون الكتابة، لكنَّ الأمر عند الرفاعي يختلف، فهو لا يجدُها، ويعلن ذلك بعفويته “ليستْ لديَّ قواعدُ مُلزمة للكتابة، ولا طقوس…” (ص77)، لكنَّ أرَقَ الكتابة الحقيقية عنده، هي ما تتضمَّنُه، هي محتوى ما يكتبه، هنا مكمنُ صداعه المزمن، فهو يؤمن بأنَّ “الفرادةَ”، و “التَّميُّزَ” خاصيَّةٌ لازمةٌ لكتابةٍ ذات قيمةٍ، ذات مصداقيةٍ، يكونُ الكاتبُ فيها هو ذاته، حرّاً، لا إمَّعَةً مقلِّداً، يكون صدى غيره… لا يكون الكاتبُ عند الرفاعي “قيمةً مضافةً” إلاَّ إذا عاش ممارساً حريته الكاتب الشخصية… “يسعى الكاتبُ أن يعثر على صوته الخاص، ولغته الصَّافيَّة، وطريقه الذي لا يمرُّ عبر طريق غيره” (ص78).

يسعى الرفاعي أن تكون كتاباتُه زبدة مخاضه، لا يقدمها إلاَّ بعد تصفيتها خضَّةً بعد أخرى، فيُزيلُ كافَّة شوائبِها، فلا تكونُ إلاَّ زبدةً خالصةً “ما أكتبهُ…خلاصة تأملات عقلية، وتعبيراً عن خبرةٍ روحية وحياة أخلاقية” (ص78) … إذَن فهو يشرَئبُّ نحو “الكتابة الإبداعيَّة”، ولا يسعى إلا نحوها.

يصارحُ قارئه بأنَّ قراءاته وكتاباته إنَّما هي حمياتٌ يتناولُها حرصاً على سلامته النفسية، وجلسات علاجية يتداوى بها من أمراض هذا العصر، أمراض الاغتراب النَّفسي، والقلق الناتج عن الحياة المركَّبة المعلَّبة، والشر الأخلاقي.

هذه الكتابة في نظره ترياقٌ لأدواء الروح والنَّفس والفكر… أدواء الطَّريق الطبيعية، التي تتحَّول مع الكتابة إلى سلالم للارتقاء والتكامل… هذه الأدواءُ هي أخطاء المسيرة الحياتية “الخطأ ضرورة لاستمرار الحياة وإثرائها وتجدُّدها” (ص84)، وهو من هذه الأخطاء، بدأ يتلمَّس طريق “الحقيقة”… الحقيقةُ هي جوهرةُ الإنسان المفقودة… لقد أدركها… “وأدركتُ أنَّ للحقيقة وجوهاً وطرقاً متنوعةً” (ص91)،

ويرى أنَّ للكتابة دوراً في ترقية الذات وتطويرها “أعيش الكتابة بوصفها أفقاً أتحقَّق فيه بطورٍ وجودي جديد” (ص76)، فكأنها حركة جوهريةٌ، إذْ يتماهى الكاتب مع قارئه، فهما معاً يتطوران أبداً… “العملية الإبداعية” عند الرفاعي تبدأ من القراءة، وتنتهي عند الكتابة النهائية… تبدأ لذَّة، وترتدُّ وجعاً، وتنتهي نشوة وسعادة.

مجموع الكتاب (23) ثلاث وعشرون مقالاً، يجمعها رباطٌ عامٌّ هو رابطةُ “السيرة الذاتية”، ورباطان خاصَّان، هما: “القراءة” و “الكتابة”، قد يتراءى لك من خلال قراءتك الكتاب، أنَّ الكاتب مهوسٌ بالقراءة، لكنَّ مع دقَّة الملاحظة، ستخرجُ بنتيجةٍ طريفةٍ، هي أنَّ الكاتب مسكونٌ بهوسِ الكتابة أكثر من هوسهِ بالقراءة… المتفحِّصُ لعناوين المقالات الثلاث والعشرين، لا يجد حضوراً للفظة “القراءة” سوى خمس مرات، مرَّةً واحدةً في فعل “يقرأ”، وأربع مرات في مصدر “القراءة”، بينما ترد لفظة “الكتابة” إحدى وعشرين مرةً: ثلاث عشرة مرَّةً مصدراً في كلمة “الكتابة”، ومرَّتين في لفظتي “الكتاب. كتابات”، ومرَّةَ واحدةً لكلِّ من ألفاظ ” الكتب. مكتباتنا. مكتب. نكتب”.

قد نستنتج حرصَه الدائب على “إبداعه المتميز”، والكلُّ عنده يعملُ من أجل ذلك، ومن اللطيفة أنْ تجد أنَّ ألمه بين لذَّتيْن، لذَّةٍ صغرى، وهي الحاصلة من فعل القراءة الأولى التَّراكميَّة، ثمَّ مرحلة الوجع في عملية الكتابة المخاضيَّة، حتَّى إذا استوى النصُّ بين يديه، وتكامل… دخل مرحلة الهدوء النَّفسي… مرحلة الارتخاء “قبل الكتابة أقلق، حين أفرغُ منها أهدأ” (ص70)، هي مرحلة اللَّذَّة الكبرى. استنتجتُ اللذة الأولى مع القراءات المتتاليات، ثم ممارسة الكتابات المتتاليات، وفيها الألم، ثم الوصول إلى النص النهائي، أي الجديد والإبداع، وهو عين اللذة الكبرى، فهو لا يتعلق إلا بالكاتب

 مراجعة لكتاب: “مسرَّات القراءة ومخاض الكتابة”، تأليف: عبد الجبار الرفاعي، 2023، دار تكوين، الكويت، ودار الرافدين، بيروت.[1]

 

 

سيرة كاتب أوقف حياته للقراءة والكتابة

د. حميدة القحطاني[1]

قرأت كتاب “مسرات القراءة ومخاض الكتابة” للدكتور عبد الجبار الرفاعي فقرأني،كأن نصوصه كتبت لي، هكذا حالي كلما اقرأ نصا فيه. أتذوقه بشهية كبيرة، أتأمله وأتدبره وأتحسس كيفية قراءة وكتابة مؤلفه. أقف عنده، لا أود مغادرة أية صفحة أقرأها، على الرغم من شعوري أن القادم ربما يكون أجمل. هذا كتاب يقرأ القارئ نفسه من خلال سيرة كاتبه. استوقفني في المقدمة رأي للكاتب يقول فيه: “لو فرضت عليّ الأقدار أن اختار العيش مع الكتب أو البشر لاخترت العيش مع الكتب”، يالها من ومضة تلامس الوجدان، وتبهج القلب لفرط عمقها وجمالها. الكتب خاصة ما يكتبه الكاتب بحبر روحه، ويرسم فيها تجربته الثرية،كتب تخاطب العقل مرة، وتلتفت للوجدان مرات، ثم تعرج على الروح لتبث فيها السكينة، وتشبع القلب بالضوء والجمال، هكذا أقرأ كتاب “مسرات القراءة ومخاض الكتابة”.

كيف لي ان أغادر الصفحة الاولى، وكل كلمة وعبارة تسحرني، فترحل بي إلى عالم المعنى. أقف بإجلال هنا أمام هذه العبارة: “أنا كائن لا أطيق العيش بلا منبع للمعنى في حياتي”. يالهول الحياة،كل زخرفتها وزركشتها ومتعها وملذاتها تقف حائرة امام الحاجة لإشباع ظمأ الإنسان للمعنى. ما أدق هذه الكلمات، ما زلت بالصفحة الاولى فرأيت الرفاعي يقول: “بعد هذه الخبرة في القراءة أصبح القارئ كاتبا، غير أن القراءة مازالت تلازمه وتفرض حضورها كأولية على الكتابة”. إن هذا النوع من الكتب نحتاج نقرأها عدة مرات لا مرة واحدة.

عدد صفحات الكتاب ١٨٢ إلا أن كل صفحة منه تسقي عطش ذاتي، وتروي روحي، وتغذّي قلبي، وتنقلني إلى عالم الضوء والجمال. مكاسب القراءة والكتابة كما يوجزها الرفاعي: “بالقراءة والكتابة استطعت أن أفكر خارج الأطر المغلقة، أحترم كل رؤية عقلانية”.كلوحة فنية تفجر ذائقة الجمال الكامنة في عمق روحي وتثير انبهاري، كما رأيت في هذا النص: “تعلمت من الكتابة ما هو أبعد مدى وأدق من القراءة، استطعت أن أصنع من كلمات مبعثرة معاني ملهمة لحياتي، تعلمت من الكتابة الوضوح، ورسم الحدود بين الأشياء، واكتشاف جغرافيا المفاهيم وخرائطها”، ويضيف الرفاعي: “صار ذهني لا يتطلع للتوقف في المحطات قدر شغفه للسير في الطريق، همه المضي في رحلة اكتشاف، صار الطريق فيها غايته لا المحطة”. وهو يكتب يعلمنا الكاتب دروسا ملهمة، إذ يقول: “لم تعبث قراءتي وأسئلتي المتواصلة بأخلاقي، ولا بسكينة الروح، ولا بطمأنينة القلب”.

كم أود ألا أطيل وأختصر، لكن الجمال الذي تنثره كلمات الرفاعي في نفسي يشدني للوقوف بإجلال واحترام وتقدير لهذه التجربة الغنية، يدلنا الكاتب على طريق الكتابة النوعية بقوله: “الكتابة الحقيقية عملية إبداعية تتطلب موهبة، وشخصية صبورة، مضافا إلى قراءات نوعية متواصلة، وتفكير هادئ، وجلَد على تكرار تمارين الكتابة المملة، وعدم التعجل بالنشر، والتضحية بكثير من متع الحياة الحسية الآنية”، ويضيف: “إذا ازداد علم الإنسان أدرك ان مجهولاته لا حصر لها، وتوالدت تبعا لذلك أسئلته المتنوعة، وتنوعت وتعمقت إجاباته”.

أخبروني ان هذا الكتاب بإمكاني قراءته بليلة واحدة، قرأت مقدمته فقط، مقدمة بست صفحات، كل عبارة تفتح بعقلي وقلبي وروحي وضميري نوافذ للإلهام، وابوابا لتذوق الجمال الكامن فيها، وللدروس البليغة الحكيمة. احتجت بعد هذه المقدمة وقت لهضم المعاني الكبيرة التي ملأت عقل وتشبع بها قلبي، وتفاعلت في ذهني ثم عاودت لأكمل القراءة.

“يكتب الرفاعي بلغة الشذرات” هكذا وصف كتابته الناقد المعروف الدكتور ناظم عودة في مقالته عن كتاب الدين والظمأ الأنطولوجي، وانا عندما اقرأ كتابات الرفاعي أشعر كأني اقرأ قصيدة نثر. هكذا يركب الرفاعي الكلمات المبعثرة، ليهبنا عبارات ساحرة، وعلامات ترشدنا في درب الحياة للجميل والجمال. ذكرتني هذه النصوص بكلام زميل لي أيام دراستي الدكتوراه في فلسفة القانون العام “كلية الحقوق بجامعة النهرين ببغداد” قبل سنوات عندما كان يقرأ كتاب الدين والظمأ الأنطولوجي للرفاعي، إذ قال لي: انا أقرأ صفحة كل ليلة، ليس لضيق الوقت، لكن أخشى إن أنهيت قراءتي للكتاب من وحشة فراق عبق نصوصه التي تحلق بي في عالم المعنى، وتروي ظمأ روحي، وتغدق على قلبي الجمال، لكل ذلك لا أود مفارقة هذا الكتاب”. هكذا هو حالي مع كتاب “مسرات القراءة ومخاض الكتابة”، لشدة ملامسته لروحي، والتصاقه بشغاف قلبي، وتلقي ذهني لبذوره الممتلئة، اتنقل بين صفحاته بفرح غامر، ووجل خشية أن ينتهي الكتاب، أتقدم بصفحاته وأنا مشتاقة لما مضى منها.

“الوقوع في اسر الكتب، القراءة العشوائية، تبذير العمر بقراءة كتابات تفقر العقل، أن نكتب يعني أن نختلف” وغير ذلك، هي عناوين فصول اشتملها الكتاب، وانضوت تحتها كلمات نسجها الرفاعي من خلاصة تجربته الثرية، وقدمها على طبق من ذهب لقرائه، ليتزودا وينهلوا من معانيها أشهى غذاء. لنقف هنا مع كلماته: “العمر قصير، استنزافه بكتب رديئة يثير الأسى والحسرات حين نستيقظ لاحقا… الكتاب الذي يستلب الوعي يثير الحزن، ويطفئ بداخل القارئ شغف القراءة ومتعتها.كتابات قليلة، وربما نادرة توقظ العقل، وتحدث وعيا علميا بالطبيعة الإنسانية، ورؤية عميقة للعالم”. يهبنا الرفاعي خبرته فينسج كلماته ليصنع هذه اللوحة المضيئة في فصل: “الكتابة بوصفها تجربة وجود” العنوان الذي انضوت تحته عبارات مكثفة، منها: “من يعيش الكتابة ويتذوقها بوصفها تجربة وجود تتحقق ذاته بفعل الكتابة بطور أعمق، الصدق في التعبير عن الذات هو البداية الحقيقية للكتابة”.

كأني مع هذا الكتاب أفتح خزانة جواهر، كلما وقعت عيني على ما بداخلها جذب طرفها الآخر ناظر قلبي لأقف باندهاش ونشوة. لأقرأ بتمعن وتأمل ما صاغه الرفاعي عنوانا لافتا في فصل: “غواية الكتابة” كلمات يحذرنا فيها من الكتّاب الزائفين، ممن يؤذون القراء، يهدرون الوقت والعمر في كتابات بائسة، ويزحفون ليحتلون مواقع الكتّاب المحترفين ويصادرونها في كل المنصات. يقول الرفاعي محذرا من هذه الظاهرة الكثيرة اليوم: “صار الهوس بالكتابة والنشر، بلا موهبة، ولا قراءة مكثفة، ولا تفكير صبور،كهوس تكديس الشهادات العليا بلا تكوين أكاديمي”. حين أتنقل بين صفحات الكتاب تارة أتلمس الحس الاخلاقي ودروسه، وتارة أخرى أتلمس الحس الروحي والجمالي فأنتشي بخطابه، وتارة ثالثة يحرك عقلي فيثير المكنون من الأسئلة المطمورة.

“الكتابة بوصفها امتحانا للضمير الاخلاقي” شذرات تختزل دروسا أخلاقية تدعو لضرورة حضور الضمير الأخلاقي للكاتب حالة الكتابة. عنوان آخر يشي بتواضع الكاتب: “أنا مدين لمن يقرأ كتاباتي “. أشعر كقارئه انني مدينة لهذا الجمال والنور والمعنى الذي تتزوده روحي وعقلي وقلبي من هذا الكتاب.

“لا نتعلم الكتابة إلا بالكتابة” يقدم لنا هنا الرفاعي بهذه العبارة التي سطرت كعنوان ضمني وسط صفحة في الكتاب وصفة تغني عن أي دورة لتعلم الكتابة. يختم كتابه بألم الكتابة وجروحها، في فصل بعنوان: “مواجع الكتابة”، وكيف تعرض هو لمرات متعددة من “الأعداء المتطوعين” حسب تعبيره، فيقول: “اتخذت قرارا منذ سنوات طويلة،كان اتخاذه شديدا على نفسي، أن أمزق رسائل الأذى وكتابات الازدراء والهجاء الورقية لحظة تصلني، وأمحو كل ما يزعجني من رسائل إلكترونية.كل شيء يمكن ان يورث كراهية أتخلص منه عاجلا”. قراءة هذا الكتاب علاوة على أنها ممتعة، أراها ضرورية للقارئ والكاتب.كتاب “مسرات القراءة ومخاض الكتابة” كأنه لوحة بديعة لفنان معروف، تحكي سيرة قارئ متمرس وكاتب شهير، أوقف حياته للكتابة وقراءة الكتب.

[1] حميدة القحطاني دكتوراه فلسفة القانون الدولي العام. قراءة لكتاب عبد الجبار الرفاعي: “مسرات القراءة ومخاض الكتابة”.

كتاب مسرّات القراءة ومخاض الكتابة

غفران سعد[1]

أُتابع باهتمام كتابات الدكتور عبد الجبار الرفاعي مُنذ عامين وربما أكثر، قرأتُ لهُ مما يُنشر على حساباته وبعض كُتبه أيضاً، ولطالما انتابني الفضولُ لمعرفة رحلته مع القراءة والكتابة. حريٌّ بي وبغيري ممن يعرف الدكتور الرفاعي أن ينتابه هذا الفضول، فمثل هذه القامة الفكرية الفذة تُعدّ كنزاً معرفياً لنا نحنُ الجيل الجديد. أتممتُ قراءةَ كتابه الصادر مؤخراً عن داري “منشورات تكوين في الكويت، ودار الرافدين في بيروت”: “مسرّات القراءة ومخاض الكتابة” هذا العنوان الذي أراه وصفًا دقيقًا لرحلة القارئ مع القراءة وبَهجتها وملذاتِها، والكتابة وآلامها.

يكتب لنا الدكتورُ الرفاعي رحلتهُ – الثرية معرفيًا – مع القراءة، هذه الرحلة بكل مسرّاتها ومشاقّها ألهمتني وأسرتني، واستني ومنحتني دفقةً معنوية كبيرة لرحلتي أيضًا في عالم القراءة والكتابة. يذكر الرفاعي في سيرته كيف للقراءة الحقيقية والجادّة أن تصنع المعنى لحياة الفرد القارئ، هذا المعنى الذي لا يكون واحدًا مُطلقًا للجميع بطبيعة الحال، فلكلّ واحدٍ منا معناه الذي صنعته رحلتُه وتجرِبتُه. يكتب بلغةٍ كما قال عنها قُرّاؤه، وأقولها أنا أيضًا، إنها: “لغةٌ شهية” تجعلك تتلذذ ببلاغة كلماته، وتسكن النفس لمُلامستها القلب والروح بحُسن معانيها وصدقها، ومخاطبتها لما يعتملُ داخل النفس الإنسانية من تساؤلاتٍ وتطلعات وآمال. يصف الرفاعي رحلتَه مع القراءة في تقديمه لكتابه بقوله: “أنا قارئٌ قبل كلِّ شيء وبعد كلِّ شيء. لم تمنحني القراءةُ إجازةً ليومٍ واحدٍ في حياتي، لم أجد نفسي خارجَ أسرِ القراءة، وأظن أني لن أتوقفَ مادمتُ حيًا. أنفقتُ من سنوات عمري معها أكثرَ بكثيرٍ مما أنفقتُ برفقة البشر. بعد هذه الخبرة في القراءة أصبح القارئُ كاتبًا، غير أن القراءةَ مازالت تلازمه وتفرض حضورَها كأولويةٍ على الكتابة، لا تصمد مواعيدُ الكتابة وجداولها الزمنية لحظة يتّقد شغفُ القراءة. حين أضجر من الكتابةِ أستريحُ بالقراءة، وحين أفقدُ التركيزَ بعد ساعاتٍ من القراءة، لا يستفيق وعيي مجددًا إلا بالقراءة”.

محطات القراءة المبكرة في حياة الرفاعي لها أثرٌ بالغُ الأهمية فيما هو عليه الآن، منذ كان طفلاً وحتى بدايات الشباب لم يتوانَ عن قراءة كلّ ما يقع بين يديه من الكراسات وغيرها، كان مُستمعًا جيدا لصوت الفضول في داخله لاكتشاف العالم من حوله، نما هذا الفضولُ المُحبب لديه، وهكذا كبُر على هذا المنوال في درب القراءة كمن يلتمسُ فيها غذاءَ روحه وعقله، فلا يستطيعُ عنها انفكاكًا.

يحدّثنا مؤلف “مسرّات القراءة ومخاض الكتابة” أيضاً عن أهمية أن تكون لدى القارئ منهجيةٌ واعية فيما يقرأ، ذلك لأن القراءةَ قبل كلّ شيء متعلقةٌ بالمنهجية والتوجيه، أن تكون قارئًا فهذا لا يُحتّم عليك قراءةَ كلّ كتابٍ مهما كان، المنهجية تُشكّل نظامَك المعرفي بدقة ورسوخ، أما القراءة العشوائية فليست إلا حائلا أمام تطورك المعرفي، ولا تضيف لك إلا التشتت والضياع.

“المكتبةُ متحفٌ يكتنزُ أثمنَ ما يمتلكه الكاتبُ بحياته” هكذا يصفها الرفاعي، وأجد أن هذا أدقّ وصفٍ لمكتبة القارئ الفذّ، القارئ الذي حُرِرَ عقله بمكتبته، مكتبته التي تحمل نجاَته المعنوية من أغلال الوجود وعذابات تساؤلاته، يرى القارئُ في هذه الكتب والأوراق حياةً غير الحياة، فيها وصفٌ لشخوصه وتطلعاته وسير نموه المعرفي. ويوجز عبد الجبار الرفاعي نمطَ حياته في فضاء الكتب بقوله: “يعرف مَن يعيش في فضاء الكتب ما تتحدث إليه لوحاتُ أغلفتِها وألوانها وأشكالها، وما تحكيه خطوطُ عناوينها، وإخراجُ صفحاتها وحروفُ كلماتها، وما تبثّه روائحُها ونكهةُ أوراقها. المولعون بالكتب يشعرون بالهدوء والأنس لحظةَ تحدّثهم وينصتون إليها بعيدًا عن أيّ شيء سواها”.

ولأجل ألا نحصر سُبل المعرفة بالقراءة فقط على الرغم من كونها من أعمق و أهمّ السُبل، إلا أن مصادر المعرفة تنوعت و تعدّدت في هذا العصر كما يرى الرفاعي، فاليوم تُستقى شتى أنواع المعارف من خلال المسارح و الأفلام ووسائل التواصل، وما تحمله من رسائل للمتلقي في طياتها، بل وخوض التجارب باختلافها، و الترحال في الميادين المتنوعة، كما أن الواقع مدرسةٌ تعلمك ما لا يمكن للكتب أن تعلمك إياه، يجبرك على خوض ما لم تتوقع، إن هذا التنوع في تلقي المعارف يمنحك إحساسًا جليلاً بالتوسع والحرية في كيفية بناء وعيك بتنوع مصادر هذا البناء. يتحدث لنا المؤلف عن أهمية الواقع بقوله: “تجارب الحياة علّمتني أن بعضَ الأشخاص، ممن لا يعيشون بين أوراق الكتب؛ يعرفون الإنسانَ جيدًا من خلال تفاعلهم اليومي مع الواقع، ربما أكثر مما نعرفه نحن جماعة الكتاب والقراءة، رأيتُهم أكثرَ قدرةً على التكيّفِ مع الواقع، وبناءِ علاقات وثيقة بغيرهم، منا معشر الكتّاب والمثقفين”.

أما عن الكتابة عند الرفاعي؛ فهي كما يصفها تجرِبةُ وجود، وتحقيقٌ للذات بطورٍ أعمق، هي خلاصةٌ لكونك لا يمكن أن تكون كاتبًا عميقًا ما لم تكن قارئًا حاذقًا، تواصل مِران الكتابة وتنغمس فيها حتى تخرج كتاباتُك في أبهى تجلياتها، وأعمق معانيها، الكتابة اِختبارٌ أخلاقيٌ لضمير الكاتب. يقول مؤلف “مسرّات القراءة ومخاض الكتابة”: “أعيشُ الكتابةَ بوصفها أُفقًا أتحَقّق فيه بطور وجودي جديد. الصدقُ في التعبير عن الذات هو البدايةُ الحقيقية للكتابة. أنا مشغول بالذات وأنماطِ تحقّقها، وليس في إصدار الأحكام على الناس والخوض في شؤونهم وخصوصياتِهم”.كتاباته تمنحك من الشجاعة ما يكفي لتُنصت لصوت تساؤلاتك، ألا تخافها ولا تقمعها، تحثّك على التفكير الهادئ، ومراجعة القناعات وسبر أغوار النفس. في الحديث عن القارئ والكاتب نرى الرفاعي يتناول حالاتهما السيكولوجية بمهارة مَن يعرف أعماقَ النفس الإنسانية وتذبذباتها وقلقها وحالاتها المتقلبة، يشرح لنا كيف تكون القراءةُ أفراحا ومسرات وابتهاجا، وكيف تولد الكتابة بمشقة تكاد تزهق روحَ الكاتب المبدع بمكابدتها أحيانًا.

سيرة الرفاعي في القراءة والكتابة باهرةٌ زاهرة، تستحق التأمل، والإنصات لما بين السطور، هي بستانٌ وارف تنهل منه ولا تكتفي، أقترح على مَن يهمّه التعرّف على تجارب القراء والكتّاب بقراءة كتاب: “مسرّات القراءة ومخاض الكتابة” ليتعرف على فصلٍ شيّق من سيرة كاتب كّرس كلَّ حياته لقراءة الكتب، وخاض مشقةَ الكتابة بشجاعة، واستنزفته تمارينُها المنهكة. وأخيرًا أقترح قراءةَ مؤلفات الرفاعي الأخرى، التي لا تقلّ ثراءً عن هذا الكتاب القيّم. أقول ذلك عن تجربة قراءة متوالية لها، وقد أعانتي في التغلّب على متاعب حياتية متنوعة، وأيقظتْ وعيي، وعملتْ على إثارة عقلي بأسئلةٍ عميقة وإجابات مبتكرة.

[1] كاتبة عراقية.

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=812377

الاُنس بمعاشرة الكُتب

د. طه جزاّع[1]

لعل من أصعب أنواع الكتابات، تلك التي تتناول السيرة الشخصية للكاتب، وهي في الوقت ذاته من أصدق الاعترافات، وأكثرها اثارة ومتعة وفائدة، إن كان كاتبها يحترم عقل القراء، ويؤمن بأن تجربته الخاصة لابد وأن تكون متاحة امامهم بكل جوانبها، بما فيها من أخطاء لا ينجو منها أي كاتب مهما كانت موهبته ومنزلته.

في كتابه “مسرّات القراءة ومخاض الكتابة: فصل من سيرة كاتب” الذي صدر مؤخراً عن منشورات تكوين في الكويت، ودار الرافدين ببيروت، ينقل لنا عبد الجبار الرفاعي جانباً مهماً من جوانب سيرته ككاتب، وحكاياته المثيرة مع الكتب والمكتبات، والكتابة التي من شروطها الأساسية عنده أن تعتمد العقل، كما يقول: “لا قيمة لكتابة لا تعتمد العقل، العقلُ لا غير هو ما يحمي الانسانَ من الانزلاق في متاهات الخرافات والأوهام والجهالات”.

فوجئ الرفاعي منذ سنة 1971 بوجود مكتبة عامة قرب مدرسته الثانوية في مدينة الشطرة، وفيها تعرف على الجزء الأول من كتاب: “لمحات اجتماعية في تاريخ العراق الحديث” لعلي الوردي الذي فرض حضوره عليه، وبعد سنة يطلع على كتاب “معالم في الطريق” لسيد قطب الذي فرض حضوره عليه أيضاً، قبل ان يستفيق عقله ليكتشف أن كتابات قطب لا تقول شيئاً نافعاً، وانها وغيرها من كتب الجماعات الدينية غيبته عن الواقع، بعدما اغرقته بأحلام رومانسية وأوهام ووعود خلاصية. كذلك اكتشف وجود مكتبة صغيرة لبيع الصحف والمجلات عند “حميد أبو الجرايد” في الشطرة، وسرعان ما تراكمت لديه مبالغ بسيطة، تمكن أن يشتري بها بعض المطبوعات، ومنها مجلة العربي الكويتية، ومازال يذكر افتتاحية ذلك العدد التي كتبها احمد زكي في رثاء جمال عبد الناصر.

لأن وجود الكتاب يشعره بالأمن النفسي، ويؤنسه حين يشعر بـ “وحشة الوجود”، وفق تعبيره، فأنه حاول باستمرار أن يؤسس لمكتبة شخصية على الرغم من ظروف تنقله الاضطرارية بين النجف والكويت وقم وبيروت، قبل عودته النهائية إلى بغداد، ليكّون بالتدريج مكتبة تملأ اليوم كل غرف البيت، وتجمع مكتباته “نحو 30000 من الكتب ودوريات الدراسات والمجلات الثقافية”، فهو يتعامل مع الكتب على أنها: ” كائناتٍ حيّة تتغلغل في العاطفة، ويبهج حضورُها العقل”، وفي ذلك يكتب عبارة جميلة يقول فيها: “وجودُ الكتب في كلّ بيت أسكنه يخفضُ الشعورَ بالاغترابِ الوجودي وقلق الموت”. ولذلك فانه يتحسر على كتب لم يحصل عليها في وقتها، وقد يكون السبب أنه لم يكن يملك ما يكفي من المال لشرائها، ومنها دائرة معارف البستاني في أول زيارة له لشارع المتنبي سنة 1973 عندما كان طالباً في بغداد.

بمقدمة وثلاث وعشرين مقالاً يسرد الرفاعي سيرته منذ محطات القراءة المبكرة، والوقوع في أسر الكتب، وكلما احترقت مكتبة انطفأ شيءٌ من نور العالم، إلى الكتابة في عصر الانترنت، ومواجع الكتابة. وعلى الرغم من تجربته الطويلة في الكتابة والتأليف الديني والفكري والفلسفي، إلّا أنه يقول بتواضع شديد في أول سطر من كتابه: “أنا قارىٌ قبل كلَّ شيء وبعد كلّ شيء. لم تمنحني القراءةُ إجازةً ليومٍ واحد في حياتي”.

في بداية شهر نيسان 1980 وهو في الكويت التي وصلها مغامراً بالفرار من النجف في متاهات الصحراء ليلاً، ورطه شغف الكتب بموقف محرج كاد يودي بحياته، فقد دخل في مخزن واسع للكتب تحت الأرض بمكتبة للقرطاسية واللوازم المدرسية في “مكتبة وكالة المطبوعات”، ولم ينتبه “إلا بعد مضي نحو خمس ساعات من الأُنس بمعاشرة الكتب”، وعندما خرج من المخزن ليغادر وجد المكتبة مقفلة، وهو من دون جواز سفر، وليس لديه أية وثيقة تثبت اقامته القانونية في البلد. وعليك أن تعرف ما حدث بعد ذلك، وكيف تخلص الرفاعي من هذا الموقف المحرج والخطير، وغيرها من الحوادث والمواقف والحكايات، بالعودة إلى كتاب “مسرّات القراءة ومخاض الكتابة” لتتذوق متعتها من دون ايجاز يغفل الكثير من نوادر القراءة والكتابة التي عاشها الرفاعي خلال مراحل مسيرته الطويلة.

[1] أستاذ فلسفة وكاتب عراقي.

https://alzawraapaper.com/content.php?id=360666&fbclid=IwAR0jeCD1qWj0gwHgcy-WoSA05aPZz7cUVk7Zsh6e4Q1sbO-sE0IwK2dGmxQ

مسرّات الكتابة ومخاض القراءة

د. حسن مدن

ما أجمل أن يُقدّم كاتب نفسه إلى قرائه، ليس بوصفه كاتباً فحسب، وإنما بوصفه قارئاً بالدرجة الأولى، موحياً بأنه لولا القراءة لما أصبح الكاتب الذي نعرف، وتزيد أهمية هذا التقديم حين يأتي من كاتب له مكانة صنعتها مؤلفاته المميزة، كالكاتب العراقي عبد الجبار الرفاعي، الذي أفرد كتاباً ماتعاً قدّم فيه شهادته عن علاقته بالقراءة وبالكتابة معاً، كفضاءين شديدي الارتباط والتداخل ببعضهما بعضا.

الرفاعي كاتب ومفكر وأستاذ فلسفة إسلامية، حاصل على دكتوراه فلسفة إسلامية، وماجستير في علم الكلام، بعد أن انهى دراسته الجامعية الأولى في الدراسات الإسلامية، وانصبت جلّ مؤلفاته في بناء علم الكلام الجديد، ومن عناوين هذه المؤلفات: «تمهيد لدراسة فلسفة الدين»، «مقدّمة في علم الكلام الجديد»، «الدين والاغتراب الميتافيزيقي»، وسواها من مؤلفات تتصل بالحقل نفسه، كما تقارب موضوع الهوية بأوجهها المتعددة، أما الكتاب الذي نحن بصدده وعنوانه «مسرّات القراءة ومخاض الكتابة – فصل من سيرة كاتب»، فإن قراءته تعين القرّاء في التعرف إلى جذور تكوين الكاتب المعرفية والفكرية، وتنم عن انفتاحه الفكري على الآراء المختلفة، ومقدرته على تجاوز القيود التي تحدّ من هذا الانفتاح، فضلاً عن وقوفه عند أهمية القراءة وطقوسها وعوالمها.

يحكي عبد الجبار الرفاعي في هذ الكتاب الصادر عن داري «منشورات تكوين» و«الرافدين»، شغفه بالقراءة الذي بدأ مبكراً، وهو شأن كل من جذبهم هذا العالم الرحب إلى فضاءاته، ليبني لا معارفهم وحدها، وإنما شخصياتهم أيضاً، ولعله أمر ذو مغزى أن يكون الكتاب الأول الذي أسر الرفاعي الفتى، يومها، هو كتاب عالم الاجتماع العراقي الدكتور علي الوردي الموسوم «لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث» في جزئه الأول، بعد أن وقعت عليه عيناه ويداه وهو لما يزل تلميذاً في بداية المرحلة الثانوية في مكتبة عامة في مدينة الشطرة جنوبي العراق، قريبة من مدرسته، وفيها تعرف إلى الكتب، التي كان من بينها كتاب الوردي هذا.

لم يكن الرفاعي قد سمع يومها باسم هذا الكاتب، ولكنه بُهر بلغته الواضحة المباشرة، «كأنه حكواتي» و«بشجاعة عقله وتحليله للظواهر الاجتماعية المختلفة وتفسيرها بطريقة علمية»، تعرّف إليها للمرة الأولى في حياته. تلك كانت البداية فقط، ولم يكن كل ما قرأه من طراز كتاب الوردي، فثمّة كتب كانت بالنسبة له «نفقاً مظلماً ومتاهة خطرة» ضاع فيها مدة، قبل أن تجد خطاه طريق الخروج منها.

يطوف بنا الرفاعي الذي يقول عن نفسه: «أنا قارئ قبل كل شيء وبعد كل شيء»، في رحلة شائقة ماتعة في هذا الكتاب، نخرج في نهايتها بعدّة من المتعة والمعرفة معاً.

 

https://www.alkhaleej.ae/2023-11-14/%D9%85%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A9-%D9%88%D9%85%D8%AE%D8%A7%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8%D8%A9/%D8%B4%D9%8A%D8%A1-%D9%85%D8%A7/%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A3%D9%8A-%D8%B2%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A7?fbclid=IwAR1xtqv9DS6F_u6q0CzqXoFK1_K33pZ-MYNNuWmX2z8VvrvU4DJe00adOVs

“مسرّات القراءة ومخاض الكتابة” سيرة معرفية يكتبها صوت النقد

كه يلان محمد

القراءة فعل مؤسس في رسم معالم وجود الفرد من خلاله يمكن تحقيق المعرفة وبناء وعي الإنسان وتحفيزه على التفكير والكتابة وإنتاج المعرفة بدوره، لكن لا تنحصر المعرفة بالحياة في القراءة، وهذا ما يؤكده الباحث العراقي عبد الجبار الرفاعي في سيرته بعنوان “مسرّات القراءة ومخاض الكتابة”.

الغرض من العودة إلى البدايات في السيرة المعرفية هو الكشف عن خط التطور الفكري، والنضوج في الرؤية، والإلمام بأدوات النقد، هذا إضافة إلى الاعتراف بأنّ التجربة لم تكن بعيدة من الانسداد الفكري غير أنّ الاستمرارية بنفس بروميثيوسي هو ما يرفع الغشاوة عن العقل ويزيد من الحس الاستكشافي.

إنّ الانقلاب على ما هو بمنزلة المسلمات والوثوقيات في التشكيلة العقلية والعقائدية قوام للرحلة الفكرية. الأمر الذي تراه بوضوح في سيرة الباحث العراقي عبد الجبار الرفاعي إذ يتناول في كتابه الموسوم بـ “مسرّات القراءة ومخاض الكتابة” مراحل مفصلية من حياة القراءة وتوسعِ الاهتمامات المعرفية، ويشار إلى أنّ مفردة “فصل من سيرة الكاتب” ترافق العنوان الأساسي وما يفهم من منطوقها أنّ ما يضمه المؤلف ليس كل ما عاشه واختبره على امتداد حياته. وبالتالي لا يزال الأفق مفتوحا للمعاينة والتنقيب عن المعطيات الجديدة قبل أن يستعيد محطات القراءة المبكرة.

عصامية المعرفة

الهدف من القراءة يجب أن يكون إثارة الأسئلة في ذهن المتلقي وانتشال العقل من مستنقع المألوف. الهدف من القراءة يجب أن يكون إثارة الأسئلة في ذهن المتلقي وانتشال العقل من مستنقع المألوف. يشير الرفاعي إلى أنّ الكتاب قد أصبح حاضرا في يومياته ولا يزاحم القراءة أي شيء آخر في برنامجه. لم تمنحه القراءة إجازة ليوم واحد، وما أنفقه من السنوات برفقة الكتب يفوق ما أمضاه بصحبة البشر، وهو يقول إنّه لو كان له الاختيار بين أن يعيش مع البشر أو الكتب لأقام بجوار الكتب، لأنّه يستمد المعنى مما يقرأه.

لا مبالغة في القول إنّ الكتابة محاكاة للقراءة غير أنّ هذه الرغبة للمحاكاة تنشأ على إيقاع القراءات الجادة. وتكمل الكتابة دور القراءة في الخروج من السياقات المقفلة. ومن المعلوم أنّ الكتابة يرافقها النشاط الفكري، وما يكسب الكتابة قيمة برأي الرفاعي هو ما يستتبعها من ضيق الفضاء بالأجوبة وتوالدِ مزيد من الأسئلة. وهذا ما يجعل الذهن مسكونا بالسير في الطريق ولا ينساق وراء غواية الوقوف بالمحطات. هنا يتداعى في الذاكرة ما قاله نيتشه: إذا رغبت في تحصيل راحة البال والسعادة فعليك بالإيمان، أما إذا رغبت في أن تكون من مريدي الحقيقة عند ذاك عليك بالبحث.

ما يرويه الرفاعي في بداية سيرته قد يخالف توقعات المتلقي، إذ يسود الاعتقاد بأنّ الشغف بالقراءة يبدأ بتأثير البيئة التي ينشأ فيها المرء حيث يقع النظر على العناوين، ويتعرف على أسماء فكرية وأدبية على غرار ما حظي به سارتر وهو يقول في “الكلمات”، “بدأت حياتي كما سوف أنهيها بلا شك بين الكتب، ففي حجرة مكتب جدي كانت الكتب في كل مكان”. كذلك كانت الحال بالنسبة إلى الفيلسوف البلغاري تودوروف فقد كان والداه يمارسان مهنة أمانة المكتبة لذلك توفرت الكتب في البيت بأعداد كثيرة الأمر الذي حدا به لتعلم القراءة بسرعة.

لكن المكتبة لم تكن جزءا من مكونات المكان الذي قد عاش فيه صاحب “الدين والظمأ الأنطولوجي” سنوات الطفولة، ما عدا الكتب المدرسية لم ير كتابا آخر عندما كان تلميذا بالمرحلة الابتدائية. واقتصرت علاقته بالقراءة على كراسات يجلبها أخوه الكبير معه من العتبات المقدسة. يتوسع خيال الطفل مع قراءة القصص التي يتابعها “المياسة والمقداد”، و”السندباد البحري”، و”عنترة بن شداد”، ومع مضي الوقت يكون الكتاب حاميا نفسية المبتدئ من الكآبة والوحشة، إذن كانت الكراسات والأدعية الدينية نواة لمكتبة الرفاعي، وبذلك يثور على واقعه دون الجلبة، وتتأخر مرحلة المطالعات الجادة إلى أنْ ينتقل إلى الشطرة، وهناك يؤرخ لولادته ثقافيا، حيث يكتسب فيها شيئا من تقاليد المدن. الإنسان عليه أن ينتقي الكتاب الذي هو منبع أساسي في بناء وعيه ومهارته كما يحرص على انتقاء أحسن الأشياء.

يكتشف الرفاعي مكتبة لبيع الجرائد والكتب في البيئة الجديدة ولا يشغله سوى البحث عن الكتب التي تشفي غليله المعرفي، ولا تستهويه المجلات الفنية على منوال أصدقائه المفتونين بمتابعة أخبار النجوم. وقد لاحظ بأنّ أقرانه الذين توقف اهتمامهم في حلقة الأسبوعيات الفنية فشِل أغلبهم في إدراك عالم الكتب.

ومن المؤلفات التي تأخذ بمجامع قلب الفتى في مرحلة البدايات هي الجزء الأول من كتاب “لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث” لعلي الوردي و”معالم في الطريق” لسيد قطب. كما ينجذب إلى مجلة “العربي” الكويتية بمحتوياتها الثقافية والفكرية المتنوعة.

لا يكتسب المرء صفة القارئ النوعي دون أن تخيّب ظنه عدد من العناوين التي قد أعجبته لأول وهلة، ومن ثّم يكتشف بأنها كلفته وقتا ثمينا وبالمقابل لم يظفرْ بمعلومة جديدة. وقد استغرق الأمر ردحا من الزمن إلى أن غادر الرفاعي حالة الولع الفوضوي بالكتب ليصبح انتقائيا في اختياراته. ويستقي من عراكه المعرفي مبدأ مفاده بأنّ الإنسان عليه أن ينتقي الكتاب الذي هو منبع أساسي في بناء وعيه ومهارته كما يحرص على انتقاء أحسن الأشياء من كل شيء.

وينصح الروائي الياباني هاوركي موراكامي الشباب بقراءة العديد من القصص والتشرب بالكتابات الرائعة وبالكتابات الرديئة أيضا. والطريف في مروية الرفاعي هو ما يقوله عن نفر من رجال الدين الذين لا يعرفون الكتابة ويتحدثون بثقة عن كل شيء يعرفونه ولا يعرفونه، وما إن تتكدس الأموال في رصيدهم حتى يتم تجنيد الطلاب المحتاجين لقوت يومهم لتأليف الكتب من خامة كلامهم وخطبهم.

ربما هذا الواقع التراجيكوميدي قد أقنع الرفاعي بأن ما يفقر العقل ويشيع الجهل من الكتب أكثر مما يحرك الوعي ويفعِل الإدراك العقلي. يلفت الرفاعي إلى موجة الكتب الرائجة عن التنمية البشرية وعلم الطاقة النفسية مشيرا إلى ما يخلفه كل ذلك من تبلد العقل وتضخم الأوهام. بينما الهدف من القراءة يجب أن يكون إثارة الأسئلة في ذهن المتلقي وانتشال العقل من مستنقع المألوف.

الكتب والوعي

لا شك أن من تذوق القراءة والبحث عن الكتب وتحمل عناء تكوين المكتبة يدرك بأنّ التواصل مع عالم الكتب يتخذ طابعا وجدانيا. يستعيد الرفاعي في سياق سرده النكبة التي حلت بكتبه مرة في النجف وأخرى في الكويت، مشيرا إلى القصص التي وردت في كتب التراث عن مصير المكتبات بعد رحيل أصحابها، وقد لا يكترث الورثة بصيانة الكنز الثقافي مستهينين بالقيمة التاريخية للمصادر المعرفية نتيجة تفاوت الاهتمام بين الأجيال.

والأسوأ على هذا الصعيد هو استهداف الغزاة للمكتبات مثلما حصل في بغداد، إذ أباد المغول الوجه الثقافي للمدينة، وتتكرر المحرقة الفكرية في غرناطة إذ أوعز الكاردينال سيسنيروس بحرق مكتبة “الزهراء”. والكلام عن مصير الكتب يحلينا إلى أشخاص أتلفوا كتبهم، فقد أشعل أبوحيان التوحيدي النار في مؤلفاته احتجاجا على الظروف البائسة ومزق سفيان الثوري صفحات كتبه، وأقدم داود بن نصير تلميذ أبي حنيفة على إبادة كتبه وإغراقها في الفرات وامتناعه عن إقامة المجالس العلمية والمشاركة في مجالس غيره والإفادة بإجابة عن أسئلة توجه إليه غضبا من تردي الواقع الاجتماعي والثقافي حسب رواية الباحثة التونسية نسرين بوزازي.

كتابة السيرة المعرفية ليست مجرد تحبير للمساحات البيضاء بتواريخ جامدة أو استعادة للمحطات الحيوية من الحياة، بل يتشابك السرد السيري مع الصوت النقدي والملمح التأملي، ويقابل المتكلم بين الأزمنة التي يسترجعها وما يعاينه في لحظة الكتابة من التحولات التي تلقي بظلالها على العقول وطريقة العيش.

على الرغم من أن نشأته كانت ذات خلفية محافظة لكن ذلك لم يمنع الرفاعي من ارتياد حقول ثقافية متنوعة، واللافت في هذا الإطار هو مرونته العقلية في فهم الوقائع وإيمانه بتعددية مصادر المعرفة، وتفوق الطاقات الجديدة في التمكن من الأخذ بأعنّة الآليات والإحداثيات التي تمثل روح الحضارة الرقمية. المؤلف الرفاعي يتعامل مع كتبه على اعتبار أنها نسخ مسودة باستمرار يتم تنقيحها في طبعات لاحقة.

تخلو لهجة الكاتب من استنكار حظوة الوسائط الرقمية وهيمنتها على المشهد والأهم من ذلك هو اعترافه الصريح بأنّ القراءة والكتابة لا تكسبان العقل وعيا فائقا ولا تبصّرا بالضرورة إذ علمته تجارب الحياة “أنّ بعض الأشخاص، ممن لا يعيشون بين أوراق الكتب يعرفون الإنسان جيدا من خلال تفاعلهم اليومي مع الواقع” ربما أكثر مما يعلمه معشر القراء والكتاب. إذن يعلن الرفاعي بأنّ الواقع في مكان آخر لا في الكتب، ويلتقي على هذا المستوى بالفيلسوف الفرنسي ميشال أونفري الذي كان يبحث عن حقيقة العالم بين دفات الكتب فإذا به يكتشف أنّ حقيقة العالم تكمن في العالم على حد تعبيره.

يتناول الرفاعي في مفصل آخر من سيرته تجربة الكتابة ومحاولته لنظم الشعر محاكيا في ذلك قصائد النثر التي كان يقرأها آنذاك، إذ يتفرغ من كتابة ديوان شعري في غضون عشرة أيام. وما لبث أن تأكد الفتى بأنه ليس كائنا شعريا، ويتناول جانبا من كواليس كتاباته وهو يعيد غربلة وتمحيص النص ويحرره من الفائض اللفظي، لأنّ التمرس يعني الاقتصاد في الكلمات والتكثيف في التعبير. ويتعامل المؤلف مع كتبه على اعتبار أنها نسخ مسودة باستمرار يتم تنقيحها في طبعات لاحقة. ويأبى الرفاعي الإقامة في برج الأيديولوجيا ولا يتوسم من الكاتب القيام بأعمال بطولية لأنّ قناعاته الأساسية قد تتغير بعد أن تصطدم بمنطق الواقع.

يمضي الرفاعي في رفض الأيديولوجيا معتبرا إياها مفسدة للكتابة. ويعلن في الوقت نفسه بأن خراب الأوطان نتيجة كارثية لأيديولوجيات منفصلة عن الواقع. أما عن تعلم الكتابة فيعتقد بأنّه “كما أن الاقتصاد سياسة مكثفة كذلك الكتابة مطالعة مكثفة”، ولا ينكر دور القراءة في التقدم، فأحد مفاتيح النهضة اليابانية تجده في كثافة القراءة وثقافة مطاردة المعلومة. فوزن الإنسان في الثقافة اليابانية بعدد ما قرأ من الكتب لا بعدد الكيلوغرامات التي يمتلكها.

ما يشد الانتباه في مسيرة الرفاعي ليس افتتانه بالكتب لأنّ هناك من يشاركه هذا الوتر، ولا إرادته المستميتة في إعادة بناء مكتبته، لأنّ ذلك قدر معظم القراء. إنما تواضعه وروحيته المسالمة البعيدة عن الاستعراض فهذه فضيلة نادرة في كل العصور. ما قاله سارتر بأنّه لا يولد قارئا إنما تهفو النفس إلى عالم الكتب إثر الإدراك بأنّ الواقع محدود ينطبق على مسلك عبد الجبار الرفاعي.

 

https://alarab.co.uk/%D9%85%D8%B3%D8%B1%D9%91%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A9-%D9%88%D9%85%D8%AE%D8%A7%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8%D8%A9-%D8%B3%D9%8A%D8%B1%D8%A9-%D9%85%D8%B9%D8%B1%D9%81%D9%8A%D8%A9-%D9%8A%D9%83%D8%AA%D8%A8%D9%87%D8%A7-%D8%B5%D9%88%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%82%D8%AF?fbclid=IwAR0kv2iF-6K3B7A7uUuZhI6TqzTKkIhLSMRJw-RG37aEVuS9AguikQsb1aM

مسرات القراءة ومخاض الكتابة

د. عبد الجبار الرفاعي

أنا قارئٌ قبل كلِّ شيء وبعد كلِّ شيء. لم تمنحني القراءةُ إجازةً ليومٍ واحد في حياتي، لم أجد نفسي خارج أسر القراءة، وأظن أني لن أتوقف مادمتُ حيًا. قراءتي تتغير بتغيرِ الواقع، والوعي، وتغيرِ المزاج، وعوامل أخرى خفية لا أدركها تفعل فعلَها في انتقاءِ نصوصٍ واستبعادِ أخرى. رفقةُ الورق والكتب استغرقتْ معظمَ أيامي، أنفقتُ من سنوات عمري معها أكثرَ بكثيرٍ مما أنفقتُ برفقة البشر. لو فرضتْ عليّ الأقدارُ أن أختار العيشَ مع الكتب أو البشر لاخترتُ العيشَ مع الكتب. أنا كائن لا أطيق العيشَ بلا منبعٍ للمعنى في حياتي، القراءة كانت ومازالت ترفد حياتي بأعذب معانيها. بعد هذه الخبرة في القراءة أصبح القارئُ كاتبًا، غير أن القراءةَ مازالت تلازمه وتفرض حضورَها كأولويةٍ على الكتابة، لا تصمد مواعيدُ الكتابة وجداولُها الزمنية لحظة يتّقد شغفُ القراءة. حين أضجر من الكتابةِ استريح بالقراءة، وحين أفقد التركيزَ بعد ساعاتٍ من القراءة، لا يستفيق وعيي إلا بالقراءة.

لا أستطيع إحصاءَ ما حصدتُه من مكاسب القراءة والكتابة. بالقراءة والكتابة استطعتُ أن أفكر خارج الأطر المغلقة، أحترم كلَّ رؤية عقلانية، لكن لا أعبأ بالترهيب الذي يمارسه بعضُ المتحدثين والكتّاب، ممن يحاولون إحباطَك برأي من التراث، أو رؤيةٍ لفيلسوف يوناني أو فيلسوف حديث، أو نصٍّ لأديب شهير، أو قولٍ لمفكر معروف. تعلمتُ من الكتابة ما هو أبعد مدى وأدقّ من القراءة، استطعتُ أن أصنع من كلماتٍ مبعثرة معاني مُلهِمة لحياتي. تعلمتُ من الكتابة الوضوح، ورسمَ الحدود بين الأشياء، واكتشافَ جغرافيا المفاهيم وخرائطها، وحرّرتُ ذهني من وصايات الفلاسفة والمفكرين والكتّاب بمختلف أساليبِهم البلاغية، وأدواتِهم اللغوية، ومراوغاتِ كلماتهم.كانت الكتابةُ ومازالت منبعًا غزيرًا لتوالد أسئلةٍ حارقة لما تراكم في ذهني من أوهام، تولد منها أسئلةٌ أشدّ احتراقًا.كلما فكرتُ بعمق وأنا أكتب ضاق فضاءُ الأجوبة واتسعت الأسئلة، ذلك ما يجعلني أتهيّب اقتحامَ الكتابة، وأحاول ألوذ بخيمة القراءة.

يرى القارئُ في هذا الكتاب تفاصيلَ متنوعة عن رحلتي الطويلة بمعية القراءة وممارسة الكتابة. وتكشف له هذه الأوراقُ شيئًا من ذكريات هذه الرفقةِ الشيقةِ في القراءة والشاقةِ في الكتابة، وشيئا مما تعلمتُه من دروسهما الثمينة. ما ورد فيها فصلٌ من محطات حياتي المتنوعة، اخترتُ كتابةَ هذا الفصل قبل غيره من السيرة الذاتية، بوصفه يعبّر عن أثمن ما عشتُه في حياتي. لا أنكر أن صنفًا من الكتب نقلني من يقينٍ مغلق إلى لايقين، وزحزح وثوقياتٍ متجذرة كالكائنات المتحجرة المنهكة لذهني، تلك الوثوقياتُ أخلدتْ تفكيري للنوم. بعد يقظة الذهن تخفّف من أثقال مكثتْ غاطسةً مدة ليست طويلة في منطقةٍ مظلمة، لم يفضحها إلا نورُ التفكير العقلاني.كأن الذهنَ لحظة أزاحها تحرّك بصيرورة متواصلة، لا يلبث طويلًا، إن مكث في محطة، إلا ويغادرها عاجلًا في رحلةٍ لا تتوقف إلى محطةٍ آتية، صار ذهني لا يتطلع للتوقف في المحطات قدر شغفه للسير في الطريق، همُّه المضيّ في رحلة اكتشاف، صار الطريقُ فيها غايتَه لا المحطة. لا يفزعني تساؤل العقل، ولا أخشاه على الإيمان، ولم أحرص يومًا على حماية إيماني بتعطيلِ التفكير العقلاني النقدي. لم تعبث قراءتي وأسئلتي المتواصلة بأخلاقي، ولا بسكينةِ الروح، ولا بطمأنينةِ القلب. مَن يختزل الإنسانَ ببُعدٍ واحد تبدو له هذه واحدةٌ من المفارقات، أدرك جيدًا أنها تظهر بنظرةٍ عاجلة كمفارقة، وإن كانت النظرةُ المتأنية تكشف عن قدرةِ الطبيعة الإنسانية على استيعابِ الأضداد.

تعلمتُ الكتابةَ بالكتابة، لا يتكون الكاتبُ بالتوصيات الساذجة الجاهزة، على طريقة: “كيف تتعلم اللغة الإنجليزية بسبعة أيام”. لا أعرف كاتبًا عظيمًا ولد في مدارس تدريب وورش كتابة. الكتابة الحقيقية عملية إبداعية تتطلب موهبةً، وشخصيةً صبورة، مضافًا إلى قراءاتٍ نوعية متواصلة، وتفكيرِ هادئ، وجَلَدٍ على تكرارِ تمارين الكتابة المملة، وعدمِ التعجّل بالنشر، والتضحيةِ بكثيرٍ من متع الحياة الحسية الآنية.

قراءة الكتاب الورقي ليست كلَّ شيء في تحصيلِ المعرفة وفهمِ العالَم، وليس من لا يقرأ الكتابَ الورقي اليوم لا يفهم شيئًا في العالَم. تتضاعف طرائقُ تلقي المعرفة، وتتبدّل وسائلُ القراءة وتتنوع أساليبُها، وتتضاعف باضطرادٍ أعدادُ القراء في عصر الإنترنت. قبل الإنترنت كان عددُ القراء محدودًا، صار أغلبُ من يستعمل تطبيقات وسائل التواصل يقرأ اليوم. لم يعد مفهومُ القراءة ضيقًا لا يعرف فضاءً خارج الورق، وسائلُ التواصل الجديدة وسّعتْ هذا المفهومَ وأضافت طرائقَ جديدة للقراءة، اتسعتْ فيها آفاقُها بعد أن تشارك السمعُ والبصرُ الوظيفةَ ذاتها. أكثر من تطبيق اليوم تحضر فيه الصورُ والمسموعاتُ بكثافة، وأحيانًا تأثيرها أبلغ من الكلمات، ويفوق عددُ المشتركين فيه ملياري إنسان. تطبيقات الذكاءُ الاصطناعي تعدنا بإضافات مبتكرة، تتغير فيها وسائلُ تلقي المعرفة، ولا ندري ماذا وكيف تكون غدًا. مفهوم القراءة يواكب تلك التطبيقات، ويتكيف وفقًا لها ولكيفية استعمال القراء لها في تلقي المعرفة بصريًا وسمعيًا،كلُّ قارئ يختار طريقتَه المتناغمة واحتياجاتِه ورغباتِه وما ينجذب إليه ويتذوقه. مَن يستعمل هذه التطبيقات يمكن أن يتخذ النمطَ الذي يتوافق معه في القراءة، مَن يرى الكلمات يقرأها، مَن يستمع للنصوص والكتب المسجلة صوتيًا يمارس نمطًا ثانيًا من القراءة، مَن يشاهد الصورَ ويتأملها يمارس نمطًا ثالثًا من القراءة، مَن يرى مقاطعَ الفيديو وينصت إليها يمارس نمطًا رابعًا من القراءة. أعدادُ القراء اليوم كبيرة جدًا، الأطفال يبدأون باستعمال الأجهزة اللوحية وتطبيقات وسائل التواصل قبل أن يتعلموا القراءةَ والكتابةَ في المدرسة. يقرأون بطريقة تتناسب ومرحلتَهم العمرية، كثيرٌ منهم يستعمل هذه الأجهزةَ بعمر لا يتجاوز السنتين، ويدمن أغلبُهم عليها بشكلٍ مدهش، رأيتُهم لحظة يستفيقون صباحًا إلى أن ينامون ليلًا لا يغادرونها.

كلّما اتسع مجالُ القراءة اتسعتْ بموازاته الكتابةُ بأنماطها وأوعيتها الجديدة. إذا ازداد علمُ الإنسان أدرك أن مجهولاته لا حصرَ لها، وتوالدت تبعًا لذلك أسئلتُه المتنوعة، وتنوعت وتعمقت إجاباتُه. لن تموت القراءةُ والكتابة مادام الإنسانُ بحاجة إلى التعلّمِ واكتسابِ المعرفة، وإنتاجِ معنى لحياته، وحاجة إلى التسلية. ما كتبه الإنسانُ منذ اكتشاف الكتابة بكلِّ مراحل تاريخه ليس كثيرًا، ما لم يكتبه الإنسانُ ولم تخطّه حروفُه وتستوعبه كلماتُه لا حدود له. لم يتمكن أبرعُ الكتّاب من التعبير عن حالاتٍ تختنق في معانيها الكلمات. لا أتمكن من التعبير عن كلِّ ما تختزنه ذاكرتي، ولا يطيق وعاءُ اللغة جمرةَ ألمي لحظة يبكي قلبي. لا أستطيع البكاءَ أحيانًا على الرغم مما أصطلي فيه كالنار في داخلي. تخرس الكلماتُ لو أرادت النفسُ التعبيرَ عن كلِّ شيء في أعماقها. مثلما تعجز الكلماتُ عن القبض على معاني آلامنا تعجز عن تصوير حالاتِ ابتهاجنا وفرحِ قلوبنا.

لا يتحقق التفكيرُ والمعرفة بكلِّ قراءة. القراءة الجادّة من بواعث التفكير الخلّاق وإنتاج المعرفة، القراءة المحرِّضة على التساؤل والتفكير العميق تمكّن الذهنَ من التعرّف على حدود الأشياء والمفاهيم، وتوقظ قدراتِه على اكتشاف ما تشترك وما تختلف فيه عن غيرها. هذا النوع من القراءة يثير التساؤلَ، ويزحزح المسلّمات في الذهن، وينقله من الركون إلى بداهاتٍ ليست بديهية، ويقينياتٍ غير مبرَهنة، وقناعاتٍ جزافية، إلى إعادةِ النظر فيها وإخضاعِها للمراجعة ومساءلتها، وتقصي بواعث القول فيها وشيوعِها، وعوامل رسوخِها.

كلماتُ هذا الكتاب تدفقت كسيل، بلا توقفٍ وبلا معاندة. أرسلتُ الكتابَ للنشر بعد الفراغ منه، اكتمل الإخراج، فكتبتُ هذه المقدمة فورًا، بعد كتابتها سرعان ما انهزمت ثقتي بكلماتي، ضجرتُ فتركتُ الكتابَ عدة أيام، تريثتُ اسبوعين كي أعود للتحرير النهائي للمقدمة، لم أعد إلا بعد أن شعرتُ بالحرج من الناشر لتأخر الكتاب.

 

                                                                      

تقديم لكتابي: “مسرات القراءة ومخاض الكتابة: فصل من سيرة كاتب”، صدر الكتاب هذا الأسبوع عن منشورات تكوين في الكويت، ودار الرافدين ببيروت.

https://alsabaah.iq/84281-.html?fbclid=IwAR3y59r593oToAb946vu8kxuiTYogNpdl_WqX-lE1-hKG_aaW873-lA-k9k

مكتباتنا أرشيف ذكرياتنا

د. عبدالجبار الرفاعي

كلُّ كتابٍ في المكتبة يحكي قصةً ويؤرّخُ لمناسبة في حياة القارئِ والكاتب، حين أتناول كتابًا بعد سنوات طويلة من اقتنائه تأتي معه سلةُ ذكرياتٍ وحكايات. أكثرُ المرات أتذكّرُ الشخصَ الذي ابتعتُ منه الكتاب، والمكتبةَ والمعرض والمدينة، وربما تاريخَ الشراء والسعر أيضًا. إن كان الكتابُ هديةً من عزيز وموشى بتوقيعه، تظلّ بصمتُه ضوءًا لا تمحوه الأيام بعد رحيله من الدنيا. يعرف مَن يعيش في فضاء الكتب ما تتحدث إليه لوحاتُ أغلفتِها وألوانها وأشكالها، وما تحكيه خطوطُ عناوينها، وإخراجُ صفحاتها وحروفُ كلماتها، وما تبثّه روائحُها ونكهةُ أوراقها. المولعون بالكتب يشعرون بالهدوء والأنس لحظةَ تحدّثهم وينصتون إليها بعيدًا عن أيّ شيء سواها.

المكتبةُ متحفٌ يكتنزُ أثمنَ ما يمتلكه الكاتبُ بحياته. نشأت أوّلُ مكتبةٍ لديّ بتراكم كرّاساتٍ مستلّة من ألف ليلة وليلة، مطبوعةٍ على ورقِ جرائد رخيص. أخذتُ أذنًا من أهلي باستعمال حقيبةٍ معدنية صغيرة أودع فيها تلك الكراسات، أعود إليها لأستأنف مطالعتَها باستمرار. حدث تزويدٌ لهذه المجموعة عندما انتقلتُ إلى الشطرة، فبدأت تتراكم شهريًا أعدادُ مجلة العربي، مضافًا إلى بعض الكتب والكتيّبات والمطبوعات الحكومية بأسعار تشجيعية. في الصف الخامس الثانوي امتلأت الحقيبةُ المعدنية الصغيرة، فأهدتني والدتي صندوقًا خشبيًا كبيرًا، أفرغتُ محتوياتِه اليسيرة من ثيابٍ قديمة وأشياءَ بسيطة في صندوق أكبر، رافقها ذلك الصندوقُ منذ أيام زواجهما الاولى هي وأبي. ليس هناك أثاثٌ للزواج غير هذا الصندوق في حياة الآباء، هذا كلُّ أثاثِ زواج سكان “الصرائف”[1] ذلك الزمان. الكتب القديمة المكدّسة في الصندوق تشبّعث بدخان النار الموقدةِ داخل الصريفة المغلقة بلا نوافذ في الشتاء، بنحو تبدّل لونُ أوراقها فصار قاتمًا.

بعد انتقالي للدراسة ببغداد سنة 1973، بدأ تراكمُ الكتب يتنامى ويضيق معه فضاءُ الصندوق بالكتب المضافة. لا دروس لديَّ يوم الخميس، مقرّ إقامتي في السكن الطلابي بمنطقة أبو غريب بضواحي بغداد ذلك الزمان، أذهب بعد الإفطار صباحًا إلى مكتباتِ التحرير في شارع السعدون. أكرّر هذه الجولة أسبوعيًا، لا أترك مكتبةً أراها، في كلّ مكتبةٍ أزورها أمكث طويلًا، أفتّش عن كتابٍ لا أدري ما هو، لا أعرفه ولا أعرف مؤلّفَه! أقرأ عنوانات الكتب وكأني تائه، أكتشف في رحلة التيه الممتعة بعضَ الكتب الثمينة، تعرّفت على مؤلفين لم أسمع عنهم من قبل. بعد هذه السياحة في مكتبات التحرير، أتّجهُ للمركز الثقافي السوفياتي قرب فندق السفير أول شارع أبو نواس ببغداد، يعرض المركزُ مطبوعاتٍ عربية دعائية مجانًا. في تلك السنوات كنت أزورُ معرضَ بغداد الدولي التجاري “ليس معرضًا للكتاب”، أجنحةُ الدول في المعرض تعرض صناعاتِها ومنتجاتها، الجناح الكوري الشمالي هو الوحيد الذي ينشغل بتوزيعِ أكداسٍ لكتب بحجم ٍكبير بالعربية مجانًا، مطبوعةٍ بأفخر أنواعِ الورق والأغلفة. تحمل الأغلفةُ صورةَ زعيمها كيم إيل سونغ جد حاكم كوريا الشمالية اليوم. بعد قراءة المقدمة والاطلاع على محتويات الكتاب وتقليبِ صفحاته، لا تستهويني لغتُه، ولا أتفاعل ومقولاتِه، أمقت استبدادَه واستعبادَه لشعبه.

في حوزة النجف كنتُ أحضر مزادَ الكتب الذي يقيمه محمد كاظم الكتبي صاحبُ المكتبة الحيدرية صباحَ يوم الجمعة، مزادُ الكتب يستحثّ عشّاقَ الكتاب للحضور، لا أشتري إلا قليلًا جدًا مما يتنافس عليه المشترون، وإن كنتُ أتلهّف لاقتناء كتبٍ تضيق قدرتي المالية عن ثمنها. يجلب طلابُ الحوزة كتبًا يضطرون لبيعها لضروراتٍ معيشية ولو كانوا محتاجينفي دراستهم إليها، أو أنها فائضة عن الحاجة. بعضُ الورثة يتخلّصون عاجلًا من مكتبات الآباء فيبادرون لعرضِها في المزاد، أو طردِها بطريقةٍ مهينة من مأواها. نقل لي أحدُ الأصدقاء واقعةً مأساوية لمصير مكتبة قيِّمة لأحد تجار بغداد بداية القرن الماضي، يقول: كان هذا التاجرُ من عشّاق الكتاب، لديه خبرةٌ جيدة بالكتب والمؤلفين، يقتني المطبوعاتِ والمخطوطاتِ النفيسة، وكان ضنينًا بالإعارة، لا يسمحُ أن يخرجَ أيُّ كتاب من بيته. ظلّ يتربص بعضُ أصدقائه يوم وفاته، عسى أن يستعيروا كتبًا بحاجة إليها من ورثته، بعد مضي أيامٍ قليلة على وفاته ذهبوا للأبناء لاستعارة ما هم بحاجةٍ ماسة إليه، فقال الورثة: ليتكم جئتم أبكر، بعد فراغنا من عزاء الوالد كنا بحاجةٍ ماسة لتفريغ غرفِ المكتبة، فوضعنا كلَّ الكتب في أكياسِ بضائعَ كبيرةٍ وألقيناها في نهر دجلة. آغا بزرك الطهراني يروي في موسوعتيه: “الذريعة إلى تصانيف الشيعة”، و”طبقات أعلام الشيعة” قصصًا مؤلمة عن مصير بعض المكتبات، لفرط اعتزازِ أصحابِها بالكتابِ يرفضون إعارتَه، تلاشت بعد وفاتهم مكتباتُهم ببيعِها من الورثة بطريقةٍ عشوائية، أو إهمالِها والتفريطِ بمقتنياتِها. أظنُّ هذه كانت نهايةَ مكتباتٍ عديدة لا نعرفها، ولعل هذا ما ينتظر مكتباتٍ أخرى يعتزُّ بها أصحابُها ويدخرون فيها أغلى ذكرياتِهم.

نأمل أن يتنبّه الورثةُ لما كابده الآباءُ في بناء مكتباتِهم،كلُّ كتابٍ يسجّل أحدَ قصصِ حياة الآباء. الوفاءُ خُلُقُ النبلاء، مصيرُ المكتبات يتحكمُ فيه الورثة، أحيانًا يجهل الورثةُ قيمةَ الكتب، وأحيانًا يكون الورثةُ بلا وفاءٍ وبلا ضميرٍ أخلاقي، ولذا فعلى صاحبها وهو حيّ تأمينُ ما تؤول إليه غدًا، وإن كان أملُ الإنسان بالخلود في الحياة الدنيا لا يدعوه للاهتمام بما تؤول إليه مكتبتُه وأشياءُ ثمينة غيرها من ممتلكاته. المكتبةُ أحدُ مكونات الهوية الشخصية، وأرشيفُ ذكرياتِ مَن أنشأها، لا يشعر بقوة حضورِها في وجدانه غيرُ صاحبها. لتشبّعِ الكاتب بمناخاتِ مكتبته، وعيشِه أكثرَ عمرِه داخلها، تحدث صلةٌ حيّة بينه وبينها، لحظة يموت كأن مكتبتَه تكتئب ولا تطيق الحياةَ بدونه، فتعلن التحاقَها به أيضًا، لفرطِ صدمتِها قد يكون موتُها انتحارًا. عالمُ الأبناء غيرُ عالم الآباء اليوم، حياتهم تغيّرت كثيرًا، نمطُ العيش في البيوت الواسعة بدأ ينحسر، فرض تضخمُ المدن واتساعُها أفقيًا وابتلاعُها المزارعَ والبساتين والغطاءَ الأخضر، الانتقالَ للمباني العمودية ووحداتها السكنية الضيقة، أغلبها بالكاد يتسع للأثاث المنزلي، فأين تأوي رفوفُ الكتب الممتدة. أغلب الجيل الجديد يقرأ الكترونيًا، ويفتقر لحنين الآباء للورق، ولدي محمد حسين الرفاعي أخبرني أنه اعتمد على كثير من المرجع أغلبها الكترونية، عندما كتب أطروحتَه للدكتوراه.

بعد اشتداد الرقابة، وازدياد عدد العنوانات الممنوعة في العراق بشكل واسع، أضحى تزويدُ المكتبات من إصدارات بيروت والقاهرة وغيرهما شحيحًا أواخر سبعينيات القرن الماضي. قلّما تُضاف عنوانات جديدةٌ لمطبوعاتٍ من خارج العراق. أكرّر زيارةَ المكتبات في النجف أكثر من مرة أسبوعيًا، أحيانًا أجد كتابًا جيدًا بثمن زهيد، أنفق نسبةً مما يصلني من راتب محدود في الحوزة على شراء الكتب. اتسعت المكتبةُ بسرعةٍ تفوق ما أتوقّع، إثر تزويدها المتواصل بعنوانات كتبٍ منتقاة، من المقرّراتِ الدراسية في الحوزة وشروحِها لمرحلتي المقدّماتِ والسطوح. نسبةٌ ليست قليلةً من الكتب الفقهية والأصولية كانت بطبعاتٍ حجرية بحجم الموسوعات، تزدحم داخلَها شروحٌ وتعليقاتٌ وحواشي فقهاء وعلماء أصولٍ لامعين،كثيرٌ منها تستوعب مجموعةُ صفحاتها عدةَ كتبٍ متجاورة، مرسومةٍ بأشكالٍ هندسية متناظرة، مدونةٍ بخطوط متنوعة غاية في الروعة. تجاوز عددُ مقتنيات المكتبة مدة إقامتي بالنجف 800 كتاب. بعضُها مجلات صدرت في النجف وبغداد قبل سنوات، مثل: الأضواء، الإيمان، النجف، رسالة الإسلام، وغيرها. أكثر ما تحتويه المكتبةُ قرأتُه بعناية، أنكبُّ ساعاتٍ طويلة على قراءة المطبوعات الحجرية، قراءةُ المجلاتِ والكتب محطةُ استراحة. أقرأ سريعًا، كأني أمام امتحان، لا أفرغ من كتاب إلا وحفظت شيئًا من محتوياته. في يومين فرغت من مطالعة كتاب: “لمحات من تاريخ العالم”، يتضمن رسائلَ جواهر لال نهرو لابنته أنديرا غاندي من سجنه، عدد الرسائل 196 رسالة، من أكتوبر 1930 إلى أغسطس 1933. رأيته من أمتعِ الكتب وأكثرها نفعًا تلك الأيام.كتابٌ زاخرٌ بالوقائع والمعلومات، والرؤى الذكية لسياسي واقعي متمرس، يهتم بدراسةِ وتحليلِ مواقفَ صنّاعِ التاريخ واستخلاصِ دروسِ حياتهم. نهرو وريث المهاتما غاندي السياسي، غاندي ونهرو مؤسسا الدولة الحديثة في الهند بعد تحررها من الاستعمار البريطاني، أمرَ نهرو بسنّ دستور الهند سنة 1950، الذي كفلَ التداول السلمي للسلطة في بلاد شاسعة تتجاور على أرضها أديانٌ وطوائفُ وقومياتٌ وثقافاتٌ ولغاتٌ متنوعة. منذ لحظة الانطلاق مازال المجتمعُ الهندي يراكم تطورًا علميًا لافتًا، ويساهم بابتكار أحدث البرمجيات وكلِّ ما يتصل بالكمبيوتر وغيره من التكنولوجيات المتقدمة.

أُكرهت على مغادرة بيتي في النجف، وفقدان ما أمتلكه، ولم يكن غير أثاث منزلي الزهيد، لم أكترث بأي شيء نُهِب سوى المكتبة حيث أودعت أغلى ذكرياتي في حوزة النجف.كلُّ شيء في البيت وقع في قبضة شرطة الأمن، لا أتذكّر أيَّ شيءٍ أقسى مرارةً من ضياع كتب عشت معها وعاشت معي، وأنفقت وقتي بدراستِها ومطالعتها.

[1] الصرائف نمط موروث من البيوت، الشائعة في حياة سكان الأهوار في العراق، مبنية بالقصب والحصران “البواري” المصنوعة من القصب.

https://alsabaah.iq/82007-.html