مسرّات الكتابة ومخاض القراءة

د. حسن مدن

ما أجمل أن يُقدّم كاتب نفسه إلى قرائه، ليس بوصفه كاتباً فحسب، وإنما بوصفه قارئاً بالدرجة الأولى، موحياً بأنه لولا القراءة لما أصبح الكاتب الذي نعرف، وتزيد أهمية هذا التقديم حين يأتي من كاتب له مكانة صنعتها مؤلفاته المميزة، كالكاتب العراقي عبد الجبار الرفاعي، الذي أفرد كتاباً ماتعاً قدّم فيه شهادته عن علاقته بالقراءة وبالكتابة معاً، كفضاءين شديدي الارتباط والتداخل ببعضهما بعضا.

الرفاعي كاتب ومفكر وأستاذ فلسفة إسلامية، حاصل على دكتوراه فلسفة إسلامية، وماجستير في علم الكلام، بعد أن انهى دراسته الجامعية الأولى في الدراسات الإسلامية، وانصبت جلّ مؤلفاته في بناء علم الكلام الجديد، ومن عناوين هذه المؤلفات: «تمهيد لدراسة فلسفة الدين»، «مقدّمة في علم الكلام الجديد»، «الدين والاغتراب الميتافيزيقي»، وسواها من مؤلفات تتصل بالحقل نفسه، كما تقارب موضوع الهوية بأوجهها المتعددة، أما الكتاب الذي نحن بصدده وعنوانه «مسرّات القراءة ومخاض الكتابة – فصل من سيرة كاتب»، فإن قراءته تعين القرّاء في التعرف إلى جذور تكوين الكاتب المعرفية والفكرية، وتنم عن انفتاحه الفكري على الآراء المختلفة، ومقدرته على تجاوز القيود التي تحدّ من هذا الانفتاح، فضلاً عن وقوفه عند أهمية القراءة وطقوسها وعوالمها.

يحكي عبد الجبار الرفاعي في هذ الكتاب الصادر عن داري «منشورات تكوين» و«الرافدين»، شغفه بالقراءة الذي بدأ مبكراً، وهو شأن كل من جذبهم هذا العالم الرحب إلى فضاءاته، ليبني لا معارفهم وحدها، وإنما شخصياتهم أيضاً، ولعله أمر ذو مغزى أن يكون الكتاب الأول الذي أسر الرفاعي الفتى، يومها، هو كتاب عالم الاجتماع العراقي الدكتور علي الوردي الموسوم «لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث» في جزئه الأول، بعد أن وقعت عليه عيناه ويداه وهو لما يزل تلميذاً في بداية المرحلة الثانوية في مكتبة عامة في مدينة الشطرة جنوبي العراق، قريبة من مدرسته، وفيها تعرف إلى الكتب، التي كان من بينها كتاب الوردي هذا.

لم يكن الرفاعي قد سمع يومها باسم هذا الكاتب، ولكنه بُهر بلغته الواضحة المباشرة، «كأنه حكواتي» و«بشجاعة عقله وتحليله للظواهر الاجتماعية المختلفة وتفسيرها بطريقة علمية»، تعرّف إليها للمرة الأولى في حياته. تلك كانت البداية فقط، ولم يكن كل ما قرأه من طراز كتاب الوردي، فثمّة كتب كانت بالنسبة له «نفقاً مظلماً ومتاهة خطرة» ضاع فيها مدة، قبل أن تجد خطاه طريق الخروج منها.

يطوف بنا الرفاعي الذي يقول عن نفسه: «أنا قارئ قبل كل شيء وبعد كل شيء»، في رحلة شائقة ماتعة في هذا الكتاب، نخرج في نهايتها بعدّة من المتعة والمعرفة معاً.

 

https://www.alkhaleej.ae/2023-11-14/%D9%85%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A9-%D9%88%D9%85%D8%AE%D8%A7%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8%D8%A9/%D8%B4%D9%8A%D8%A1-%D9%85%D8%A7/%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A3%D9%8A-%D8%B2%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A7?fbclid=IwAR1xtqv9DS6F_u6q0CzqXoFK1_K33pZ-MYNNuWmX2z8VvrvU4DJe00adOVs

مكتباتنا أرشيف ذكرياتنا

د. عبدالجبار الرفاعي

كلُّ كتابٍ في المكتبة يحكي قصةً ويؤرّخُ لمناسبة في حياة القارئِ والكاتب، حين أتناول كتابًا بعد سنوات طويلة من اقتنائه تأتي معه سلةُ ذكرياتٍ وحكايات. أكثرُ المرات أتذكّرُ الشخصَ الذي ابتعتُ منه الكتاب، والمكتبةَ والمعرض والمدينة، وربما تاريخَ الشراء والسعر أيضًا. إن كان الكتابُ هديةً من عزيز وموشى بتوقيعه، تظلّ بصمتُه ضوءًا لا تمحوه الأيام بعد رحيله من الدنيا. يعرف مَن يعيش في فضاء الكتب ما تتحدث إليه لوحاتُ أغلفتِها وألوانها وأشكالها، وما تحكيه خطوطُ عناوينها، وإخراجُ صفحاتها وحروفُ كلماتها، وما تبثّه روائحُها ونكهةُ أوراقها. المولعون بالكتب يشعرون بالهدوء والأنس لحظةَ تحدّثهم وينصتون إليها بعيدًا عن أيّ شيء سواها.

المكتبةُ متحفٌ يكتنزُ أثمنَ ما يمتلكه الكاتبُ بحياته. نشأت أوّلُ مكتبةٍ لديّ بتراكم كرّاساتٍ مستلّة من ألف ليلة وليلة، مطبوعةٍ على ورقِ جرائد رخيص. أخذتُ أذنًا من أهلي باستعمال حقيبةٍ معدنية صغيرة أودع فيها تلك الكراسات، أعود إليها لأستأنف مطالعتَها باستمرار. حدث تزويدٌ لهذه المجموعة عندما انتقلتُ إلى الشطرة، فبدأت تتراكم شهريًا أعدادُ مجلة العربي، مضافًا إلى بعض الكتب والكتيّبات والمطبوعات الحكومية بأسعار تشجيعية. في الصف الخامس الثانوي امتلأت الحقيبةُ المعدنية الصغيرة، فأهدتني والدتي صندوقًا خشبيًا كبيرًا، أفرغتُ محتوياتِه اليسيرة من ثيابٍ قديمة وأشياءَ بسيطة في صندوق أكبر، رافقها ذلك الصندوقُ منذ أيام زواجهما الاولى هي وأبي. ليس هناك أثاثٌ للزواج غير هذا الصندوق في حياة الآباء، هذا كلُّ أثاثِ زواج سكان “الصرائف”[1] ذلك الزمان. الكتب القديمة المكدّسة في الصندوق تشبّعث بدخان النار الموقدةِ داخل الصريفة المغلقة بلا نوافذ في الشتاء، بنحو تبدّل لونُ أوراقها فصار قاتمًا.

بعد انتقالي للدراسة ببغداد سنة 1973، بدأ تراكمُ الكتب يتنامى ويضيق معه فضاءُ الصندوق بالكتب المضافة. لا دروس لديَّ يوم الخميس، مقرّ إقامتي في السكن الطلابي بمنطقة أبو غريب بضواحي بغداد ذلك الزمان، أذهب بعد الإفطار صباحًا إلى مكتباتِ التحرير في شارع السعدون. أكرّر هذه الجولة أسبوعيًا، لا أترك مكتبةً أراها، في كلّ مكتبةٍ أزورها أمكث طويلًا، أفتّش عن كتابٍ لا أدري ما هو، لا أعرفه ولا أعرف مؤلّفَه! أقرأ عنوانات الكتب وكأني تائه، أكتشف في رحلة التيه الممتعة بعضَ الكتب الثمينة، تعرّفت على مؤلفين لم أسمع عنهم من قبل. بعد هذه السياحة في مكتبات التحرير، أتّجهُ للمركز الثقافي السوفياتي قرب فندق السفير أول شارع أبو نواس ببغداد، يعرض المركزُ مطبوعاتٍ عربية دعائية مجانًا. في تلك السنوات كنت أزورُ معرضَ بغداد الدولي التجاري “ليس معرضًا للكتاب”، أجنحةُ الدول في المعرض تعرض صناعاتِها ومنتجاتها، الجناح الكوري الشمالي هو الوحيد الذي ينشغل بتوزيعِ أكداسٍ لكتب بحجم ٍكبير بالعربية مجانًا، مطبوعةٍ بأفخر أنواعِ الورق والأغلفة. تحمل الأغلفةُ صورةَ زعيمها كيم إيل سونغ جد حاكم كوريا الشمالية اليوم. بعد قراءة المقدمة والاطلاع على محتويات الكتاب وتقليبِ صفحاته، لا تستهويني لغتُه، ولا أتفاعل ومقولاتِه، أمقت استبدادَه واستعبادَه لشعبه.

في حوزة النجف كنتُ أحضر مزادَ الكتب الذي يقيمه محمد كاظم الكتبي صاحبُ المكتبة الحيدرية صباحَ يوم الجمعة، مزادُ الكتب يستحثّ عشّاقَ الكتاب للحضور، لا أشتري إلا قليلًا جدًا مما يتنافس عليه المشترون، وإن كنتُ أتلهّف لاقتناء كتبٍ تضيق قدرتي المالية عن ثمنها. يجلب طلابُ الحوزة كتبًا يضطرون لبيعها لضروراتٍ معيشية ولو كانوا محتاجينفي دراستهم إليها، أو أنها فائضة عن الحاجة. بعضُ الورثة يتخلّصون عاجلًا من مكتبات الآباء فيبادرون لعرضِها في المزاد، أو طردِها بطريقةٍ مهينة من مأواها. نقل لي أحدُ الأصدقاء واقعةً مأساوية لمصير مكتبة قيِّمة لأحد تجار بغداد بداية القرن الماضي، يقول: كان هذا التاجرُ من عشّاق الكتاب، لديه خبرةٌ جيدة بالكتب والمؤلفين، يقتني المطبوعاتِ والمخطوطاتِ النفيسة، وكان ضنينًا بالإعارة، لا يسمحُ أن يخرجَ أيُّ كتاب من بيته. ظلّ يتربص بعضُ أصدقائه يوم وفاته، عسى أن يستعيروا كتبًا بحاجة إليها من ورثته، بعد مضي أيامٍ قليلة على وفاته ذهبوا للأبناء لاستعارة ما هم بحاجةٍ ماسة إليه، فقال الورثة: ليتكم جئتم أبكر، بعد فراغنا من عزاء الوالد كنا بحاجةٍ ماسة لتفريغ غرفِ المكتبة، فوضعنا كلَّ الكتب في أكياسِ بضائعَ كبيرةٍ وألقيناها في نهر دجلة. آغا بزرك الطهراني يروي في موسوعتيه: “الذريعة إلى تصانيف الشيعة”، و”طبقات أعلام الشيعة” قصصًا مؤلمة عن مصير بعض المكتبات، لفرط اعتزازِ أصحابِها بالكتابِ يرفضون إعارتَه، تلاشت بعد وفاتهم مكتباتُهم ببيعِها من الورثة بطريقةٍ عشوائية، أو إهمالِها والتفريطِ بمقتنياتِها. أظنُّ هذه كانت نهايةَ مكتباتٍ عديدة لا نعرفها، ولعل هذا ما ينتظر مكتباتٍ أخرى يعتزُّ بها أصحابُها ويدخرون فيها أغلى ذكرياتِهم.

نأمل أن يتنبّه الورثةُ لما كابده الآباءُ في بناء مكتباتِهم،كلُّ كتابٍ يسجّل أحدَ قصصِ حياة الآباء. الوفاءُ خُلُقُ النبلاء، مصيرُ المكتبات يتحكمُ فيه الورثة، أحيانًا يجهل الورثةُ قيمةَ الكتب، وأحيانًا يكون الورثةُ بلا وفاءٍ وبلا ضميرٍ أخلاقي، ولذا فعلى صاحبها وهو حيّ تأمينُ ما تؤول إليه غدًا، وإن كان أملُ الإنسان بالخلود في الحياة الدنيا لا يدعوه للاهتمام بما تؤول إليه مكتبتُه وأشياءُ ثمينة غيرها من ممتلكاته. المكتبةُ أحدُ مكونات الهوية الشخصية، وأرشيفُ ذكرياتِ مَن أنشأها، لا يشعر بقوة حضورِها في وجدانه غيرُ صاحبها. لتشبّعِ الكاتب بمناخاتِ مكتبته، وعيشِه أكثرَ عمرِه داخلها، تحدث صلةٌ حيّة بينه وبينها، لحظة يموت كأن مكتبتَه تكتئب ولا تطيق الحياةَ بدونه، فتعلن التحاقَها به أيضًا، لفرطِ صدمتِها قد يكون موتُها انتحارًا. عالمُ الأبناء غيرُ عالم الآباء اليوم، حياتهم تغيّرت كثيرًا، نمطُ العيش في البيوت الواسعة بدأ ينحسر، فرض تضخمُ المدن واتساعُها أفقيًا وابتلاعُها المزارعَ والبساتين والغطاءَ الأخضر، الانتقالَ للمباني العمودية ووحداتها السكنية الضيقة، أغلبها بالكاد يتسع للأثاث المنزلي، فأين تأوي رفوفُ الكتب الممتدة. أغلب الجيل الجديد يقرأ الكترونيًا، ويفتقر لحنين الآباء للورق، ولدي محمد حسين الرفاعي أخبرني أنه اعتمد على كثير من المرجع أغلبها الكترونية، عندما كتب أطروحتَه للدكتوراه.

بعد اشتداد الرقابة، وازدياد عدد العنوانات الممنوعة في العراق بشكل واسع، أضحى تزويدُ المكتبات من إصدارات بيروت والقاهرة وغيرهما شحيحًا أواخر سبعينيات القرن الماضي. قلّما تُضاف عنوانات جديدةٌ لمطبوعاتٍ من خارج العراق. أكرّر زيارةَ المكتبات في النجف أكثر من مرة أسبوعيًا، أحيانًا أجد كتابًا جيدًا بثمن زهيد، أنفق نسبةً مما يصلني من راتب محدود في الحوزة على شراء الكتب. اتسعت المكتبةُ بسرعةٍ تفوق ما أتوقّع، إثر تزويدها المتواصل بعنوانات كتبٍ منتقاة، من المقرّراتِ الدراسية في الحوزة وشروحِها لمرحلتي المقدّماتِ والسطوح. نسبةٌ ليست قليلةً من الكتب الفقهية والأصولية كانت بطبعاتٍ حجرية بحجم الموسوعات، تزدحم داخلَها شروحٌ وتعليقاتٌ وحواشي فقهاء وعلماء أصولٍ لامعين،كثيرٌ منها تستوعب مجموعةُ صفحاتها عدةَ كتبٍ متجاورة، مرسومةٍ بأشكالٍ هندسية متناظرة، مدونةٍ بخطوط متنوعة غاية في الروعة. تجاوز عددُ مقتنيات المكتبة مدة إقامتي بالنجف 800 كتاب. بعضُها مجلات صدرت في النجف وبغداد قبل سنوات، مثل: الأضواء، الإيمان، النجف، رسالة الإسلام، وغيرها. أكثر ما تحتويه المكتبةُ قرأتُه بعناية، أنكبُّ ساعاتٍ طويلة على قراءة المطبوعات الحجرية، قراءةُ المجلاتِ والكتب محطةُ استراحة. أقرأ سريعًا، كأني أمام امتحان، لا أفرغ من كتاب إلا وحفظت شيئًا من محتوياته. في يومين فرغت من مطالعة كتاب: “لمحات من تاريخ العالم”، يتضمن رسائلَ جواهر لال نهرو لابنته أنديرا غاندي من سجنه، عدد الرسائل 196 رسالة، من أكتوبر 1930 إلى أغسطس 1933. رأيته من أمتعِ الكتب وأكثرها نفعًا تلك الأيام.كتابٌ زاخرٌ بالوقائع والمعلومات، والرؤى الذكية لسياسي واقعي متمرس، يهتم بدراسةِ وتحليلِ مواقفَ صنّاعِ التاريخ واستخلاصِ دروسِ حياتهم. نهرو وريث المهاتما غاندي السياسي، غاندي ونهرو مؤسسا الدولة الحديثة في الهند بعد تحررها من الاستعمار البريطاني، أمرَ نهرو بسنّ دستور الهند سنة 1950، الذي كفلَ التداول السلمي للسلطة في بلاد شاسعة تتجاور على أرضها أديانٌ وطوائفُ وقومياتٌ وثقافاتٌ ولغاتٌ متنوعة. منذ لحظة الانطلاق مازال المجتمعُ الهندي يراكم تطورًا علميًا لافتًا، ويساهم بابتكار أحدث البرمجيات وكلِّ ما يتصل بالكمبيوتر وغيره من التكنولوجيات المتقدمة.

أُكرهت على مغادرة بيتي في النجف، وفقدان ما أمتلكه، ولم يكن غير أثاث منزلي الزهيد، لم أكترث بأي شيء نُهِب سوى المكتبة حيث أودعت أغلى ذكرياتي في حوزة النجف.كلُّ شيء في البيت وقع في قبضة شرطة الأمن، لا أتذكّر أيَّ شيءٍ أقسى مرارةً من ضياع كتب عشت معها وعاشت معي، وأنفقت وقتي بدراستِها ومطالعتها.

[1] الصرائف نمط موروث من البيوت، الشائعة في حياة سكان الأهوار في العراق، مبنية بالقصب والحصران “البواري” المصنوعة من القصب.

https://alsabaah.iq/82007-.html

الكتب كالأبناء يصعب الانفصال عنهم

د. عبد الجبار الرفاعي

نقل لي أحدُ الأصدقاء العراقيين المتوطنين في القاهرة سنوات طويلة، يقول: زرتُ أحدَ المؤلفين المصريين المشهورين في بيته، وفي سياقِ حديثنا عن الكتابةِ والتأليف، سألتُه عن كيفية مراجعته وتنقيحه لمؤلفاته المطبوعة عندما يريد إعادةَ نشرها، فقال لي: لا أعودُ للكتاب الذي أنشره بعد صدوره أبدًا، لأن العودةَ إليه تضطرُني لإعادة تحريره، بالشكل الذي يدعوني لتغييره جذريًّا، عند مراجعته أشعر كأني أقومُ بتأليف كتابٍ غيره، وذلك لا يشجعني على النظر في مؤلفاتي الصادرة مجددًا.

يقول الجاحظ: “ينبغي لمن كتبَ كتابًا ألّا يكتبُه إلا على أنَّ الناسَ كلَّهم له أعداء، وكلَّهم عالمٌ بالأمور، وكلَّهم متفرغٌ له، ثم لا يَرْضَى بذلك حتى يَدَعَ كتابَه غُفْلًا، فإذا سكنتِ الطبيعةُ وهَدَأتِ الحركةُ، وتَرَاجَعَتِ الأخلاطُ، وعادتِ النّفسُ وافرةً، أعاد النظرَ فيه، فيتوقّف عند فصوله تَوَقُّفَ مَنْ يكون وَزْنُ طَمَعِهِ في السلامةِ أنقصَ من وزن خوفِه من العَيْب”. حين أقرأ ما كتبتُه بعد سنوات، أحيانًا أكتئب، وأبتهج أحيانًا أخرى. أكتئبُ لشعوري بوهن شيء من كلماتي، وثغراتِ شيء من أفكاري، ولشعوري بما يفكر فيه القارئُ الذكيُّ، وكيف يتأمل ويدقق ما تقوله الكلماتُ وما لا تقوله وتحجبه. أبتهجُ حين يبادرُ قراءٌ أذكياء في الحديث عن الوثبة الروحية التي عاشوها بعد قراءة هذه الكتابات، وما شاهدوه من ألوان مضيئة لصورة الله في شيء من كلماتها، وانبعاث الثقة بداخلهم في أن الدينَ يمكنُ أن يحيي كلَّ معنى جميل في الحياة، ويمكن أن يوقظَ الضميرَ الأخلاقي، ويُكرِّس التكافلَ العائلي، والتضامنَ المجتمعي، ويخفض طاقةَ الشر التدميرية، ويبعث منابعَ الخير في الأرض، ويجعل صناعةَ السلام والعيشَ المشترَك والتراحم هي المشروع الأبدي للتديّن.

الكتبُ كالأبناء يصعبُ على الإنسان العاطفي الانفصالُ عنهم، مهما كانوا، ومهما تقدّمَ به وبهم العمر. أحيانًا تصير الكتبُ أشدَّ صلة بذلك الكاتب الذي نذرَ عمرَه للكتابة وتفرغَ لها، وأعطاها كلَّ ما يملكُ من وقت وطاقة وجهد وصحة، وتنازل لأجلها عن مباهج الحياة ومتعها المتنوعة، وسجن نفسَه في منفى اختياري، بعيدًا عن الأقرباء والأصدقاء، وتجاهلَ ايقاعَ الحياة اليومية وتفاصيلها، وانسحبَ من الواقع بكلِّ ما يحفلُ به من أحزان وأفراح.

كثيرٌ مما ينشرُ لا تنطبقُ عليه شروطُ الكتابة الحقيقية. الكاتبُ الجاد الذي يهمُه حمايةُ صورته أمامَ نفسه أولًا وأمامَ القراء ثانيًا، لا ينفك من تهيب الكتابة مادام منهمكًا بهذه المهمة الشاقة. يقول همنغواي: “إنّ الكتابةَ تبدو سهلة، غير أنّها في الواقع أشقّ الأعمال في العالم”. أحيانًا أكون محرجًا أمام القراء بما أحدثه من تنقيح وتهذيب متواصل في كتاباتي، ومحاولات تصفية متكررة لتنقية العبارات، لئلا تشوبها أكدار. ما يتعبني في الكتابة هو انتقاء الكلمات الحساسة، وبناء العبارات الصافية. حين أكتب أمارس عملية كالمهندس المعماري الذي يهمه الوجه الجمالي للبناء. المعاني حاضرة أحيانًا، ‏ما يرهقني هو استيراد الكلمات العذبة ‏مما هو مختزن في الذاكرة، وأحيانًا أعود إلى قواميس اللغة ومعاجمها عسى أن أجد الكلمات الملائمة لسياق النص. يقول الجاحظ: “المعاني مطروحة في الطريق، يعرفها العجمي والعربي، البدوي والقروي، وإنما الشأن في إقامة الوزن وتخيّر اللفظ، وسهولة المخرج، وكثرة الماء، وفي صحة الطبع وجودة السبك، فإنما الشعر صناعة، وضرب من النسج، وجنس من التصوير”.

‏ حاولتُ الخلاصَ من عادة استئناف النظر في كتاب “الدين والظمأ الأنطولوجي” وغيره في الطبعات الجديدة إلا أني فشلت. ما يدعوني لاستئناف قراءة ما أنشرُه وأعملُ على إعادة تحريره وغربلته وتنقيحه وإثرائه كلّ مرة، هو شعوري بأني دائمًا في حالة امتحان أمام القراء الأذكياء. القارئُ الذكي بالقدر الذي يجعلُ الكاتب حذرًا، وخائفًا إلى حدّ الذعر لدى بعض الكتاب، لهذا القارئ بالقدر نفسه منّةٌ وفضلٌ على كلِّ كاتب يريد لكتابته أن تظلَّ قيد التداول، إذ يجعله متيقظًا مسؤولًا عن كلِّ كلمة يكتبُها وفكرة يبوحُ بها. يثيرُ القارئُ الذكيُّ الكاتبَ فيضطره لإعطاء الكتابةِ كلَّ طاقته ووقته، ويستفزُ مواهبَه ومهاراتِه وخبراتِه لحظةَ يكتب. يجعلُ هذا القارئُ عقلَ الكاتب دائم الهمّ بما يعتزمُ كتابته، متى لاحت في ذهنه فكرةٌ تزامنت بمعيتها الكلماتُ المعبرة عنها، وأردفها مخزونُه اللغوي بخيارات لصيغ متناوبة متبادلة للكلمات والعبارات الأقرب لذوقه في بيان تلك الفكرة والكشف عن مضمونها للمتلقي.

ما يشعرني بالرضا وأنا أعمل على إعادة النظر في كتاباتي هو الإدراكُ بأن هذا تقليدٌ تفرضه عليّ مسؤوليتي الأخلاقية تجاه القراء، ويلزمني به ضميري الذي يدعوني لأن أتعاملَ مع كتابتي مثلما أتعاملُ مع ما يكتبُه غيري، الذي أقرأ ما يقولُ على مَهَل، أتفحصُ كلماتِه وأفتشُ عن ثغراتِ أفكاره. عندما أقرأ ما يكتبُه كاتبٌ بعيون الناقد، أبادر لنقد أفكاري وغربلتها بعيون الناقد أيضًا، ولا أترددُ بتمحيصها وتهذيبِ كلماتِها. أعرفُ جيدًا أن الكلماتِ التي تمكث طويلًا في ذاكرة الكتابة تتطلب الكثير من الغربلة والتمحيص والصقل.كلُّ كتابةٍ يتسع عمرُها بمقدار ما تستجيب لعملية التكثيف بالتمحيص والحذف والاختزال.

أحاول كتابةَ تجاربي الذاتية، مشغولٌ على الدوام برحلتي في أعماق نفسي، واستكشافِ الإنسان بدءًا من ذاتي. هذه رحلةٌ لا تنتهي، ولن تقف عند نهايات مغلقة.كلُّ يوم يتكشفُ لي في هذه الرحلة الأبدية ما كنت أجهله في نفسي وغيري، وما لا أعرفه عن العالَم من حولي.

أعرفُ أن كلَّ مَنْ يفكر يخطئ، لا يخطئ إلا مَنْ لا يفكر. لا يتحرر الإنسان من الخطأ غالبًا إلا بعد وقوعه فيه. مَنْ يمتلك شجاعة الاعتراف بالخطأ يمتلك القدرة على تغيير ذاته. الخوفُ من الاعتراف بالخطأ خوفٌ من التغيير.كلُّ مرة أريد تجديد طباعة أحد أعمالي الذي مضت على صدوره سنوات أتحمس لإعادة بنائه، حين أبدأ بالمراجعة أقع في مغامرة لم أكن أحتسبها، وكأني أكتب كتابًا جديدًا، إذ أقومُ بعمليات تحرير وتنقيح وشطب وإضافات متنوعة. أظن هذه عادة مؤذية يعاني منها كلُّ كاتب يدركُ أن عقلَ الإنسان مهما فكّر وتأمل وراجع تظلُّ النتائجُ التي ينتهي إليها اجتهاداتٍ بشريةً ناقصة وليست نهائية. طبيعةُ البشر النقص، وهو ما يدعو الإنسانَ لطلب الكمال والكدح لبلوغه. الحكيمُ يدركُ أن بلوغَ الكمال متعذر؛ وذلك ما تشي به الآيةُ القرآنية: “وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ”. يوسف، 76.

موضوعاتُ هذا الكتاب تنشدُ التدليلَ على الحاجة الأبدية للدين، بوصفه حياةً في أُفق المعنى، تفرضُه حاجةُ الإنسان الوجودية لإنتاجِ معنىً روحي وأخلاقي وجمالي لحياتِه الفردية والمجتمعية، وتشتركُ في بيان هذه الفكرة المحورية الواحدة بمداخل وتنويعات وبيانات متنوعة، إلا أن فصولَه يمكنُ أن تُقرأ خارجَ تسلسلها في الكتاب، بلا أن يخلَّ ذلك كثيرًا بفهم واستيعاب فصل سابق أو لاحق. وإن كنت أقترح على القارئ أن يصبر على القراءة المتوالية، لأن ترتيب الفصول ومواضعها يعكس سياقها المنطقي وليس عشوائيًّا.

في طبعته الرابعة خضعَ كتابُ “الدين والظمأ الأنطولوجي” لبناءِ شيءٍ من أفكاره، وتهذيبِ شيءٍ من عباراته، وأُعيد ترتيبُ فصوله، واغتنت فقراتُه بإضافات رأيتها ضرورية.

 

مقدمة الطبعة الرابعة لكتاب: “الدين والظمأ الأنطولوجي”. يصدر قريبًا عن دار الرافدين في بيروت، ومركز دراسات فلسفة الدين في بغداد.

 

     رابط النشر: