لغة الإيمان عابرة للمعتقدات والفرق

د. حميدة القحطاني[1]

البحث عن المعنى والشعور بالسعادة المعنوية من ضمن الدوافع الكبيرة التي تدفعني إلى تكرار قراءة مؤلفات د. عبد الجبار الرفاعي أكثر من مرة، فهي تنعش روحي وتلامس قلبي وتثير فكري وتساعدني على ايقاظ ذهني. تعودت منذ فترة ان أراقب مؤشر الرضا والسعادة في عالمي الداخلي، واجتهد لإعادة منسوب السعادة بدرجة المقبول فما فوق. أسرع للبحث عما يلامس الروح ويثير الشغف ويعيد الوهج، ويجعلني أكثر تقبلا ليومي، وان أتشبع بالرضا والسكينة، وأشعر بشيء من الضوء في نفسي.

أقرأ كتب الرفاعي على الدوام، مرة أنتقي “الدين والظمأ الأنطولوجي”، ومرة أخرى أعرج إلى كتاب “الدين والكرامة الإنسانية”، وثالثة “مسرات القراءة ومخاض الكتابة”، وأعماله الأخرى،كي أرفع مؤشر المعنى في أيامي. اليوم تجولت في “الدين والكرامة الإنسانية”، هذا الكتاب كرّس قاعدة احترام الذات في كينونتي، وفي كينونة كل شخص آخر يقرأه.كم تسحرني مقولة الرفاعي: “الكرامة مقصد مقاصد الدين وأسمى أهدافه”. كما يبهرني هذا النص الآخر، وأقف بصمت رهيب أمامه: “أكثر الكتابات المتمركزة حول الإنسان تنسى الدين، وأكثر الكتابات المتمركزة حول الدين تنسى الإنسان. الدين يبدأ باكتشاف الإنسان واعادة تعريفه ليصل إلى الغيب، ولا يبدأ بالغيب ليصل إلى الإنسان”.

التعريف الخاص للدين الذي وضعه الرفاعي بكتابه هذا وغيره من كتبه، يبتني على تعريفه للإنسان بأنه: “كائنٌ عاقلٌ، عاطفيٌّ، أخلاقيٌّ، دينيٌّ، جماليٌّ، اجتماعيٌّ، تاريخيٌّ. الإنسانُ كائنٌ متفرّدٌ، يتميز عن غيره من الكائنات في الأرض بـ: العقل، واللغة، والعواطف، والمخيّلة، وتذوق الفن والاستمتاع بالجمال، ووعي الموت، والشعور بالزمان، والحاجة للأخلاق، والدين، وإنتاج الميثولوجيا، والرموز.كلُّ إنسان واحدٌ في الوقت الذي هو فيه متعدّد، ومتعدّدٌ في الوقت الذي هو فيه واحد”. وفي ضوء ذلك يعرف الرفاعي الدينَ بأنه: “حياةٌ في أُفق المعنى، تفرضُه حاجةُ الإنسان الوجودية لإنتاجِ معنىً روحي وأخلاقي وجمالي لحياتِه الفردية والمجتمعية”. ويعقب على تعريفه بقوله: “هذا هو تعريفي للدين الذي اقترحته ويعرفه من يقرأ كتاباتي، وفي ضوء هذا التعريف توالدت كتاباتي، ورؤيتي لله والإنسان والعالم”.

الرفاعي هنا يرسم أبهى صورة للدين أتمعن هذا النص وأدبر كثافته وأبصر معانيه العميقة.كم يكشف أمام قلبي قيمة مشرقة سامية للإنسان يدلنا عن حاجات وجودية يساهم الدين في تجلياتها والابداع في مضمارها، انتاج معنى روحي واخلاقي وجمالي. يلفت قلوبنا وعقولنا هنا الرفاعي للجانب السامي في الإنسان، ذلك الجانب الذي يبرهن حياة الإنسان في الإنسان، الجانب المضيء العطر المثمر المتوهج. تشدني قراءة نصوص هذا الكتاب وترشدني احياناً كثيرة لدروب الحياة في الحياة. أحفظ بعض نصوصها وأرى بعض منها مادة أولية اساسية لصياغة بعض قواعد حياتي. رافد من روافد سعادتي المعنوية وأداة كبيرة لرفع منسوب السكينة والرضا، مفتاح جميل لفهم بعض طلاسم النفس البشرية التي أتلمسها في نصوص الكتاب.

هكذا أتلذذ في قراءة مؤلفات الرفاعي ومنها هذا الكتاب، حيث لا تستوعب مقالة واحدة ايضاح قراءتي له، وتصوير روعة شعوري وانا أتمعن وأتذوق وأتزود من نصوصه. ما أجمل وأكثف عناوين موضوعاته كل عنوان يحمل من الكثافة والجمال ما يجعله منهج تربية أو علامة ترشد الحائر للطريق. المميز في هذا الكتاب لغة عباراته التي ينصت لها القلب بدفئه، ويستيقظ أمامها العقل ويقف بإجلال عند معانيه، وتحلق الروح في عالم السمو والمعنى في حضرته.

المقدمة في كتب الرفاعي لا تكفيها قراءة واحدة، ولا تناسبها مهارات القراءة السريعة، المقدمة عبارة عن سيرة ذاتية يبطن فيها الجمال والعمق والحب والحزن والألم، مرة أخرى يعلمنا الرفاعي بصورة غير مباشرة كيف للتواضع من تجليات واعترافات تبني الأنسان وتزيد من ضوء روحه فيقول: “ليس هناك كتابة مكتفية بذاتها، أعترف أن كتاباتي جهد لا يختص بي ولم أنجزه وحدي. للقراء الأذكياء دور مهم في ترصينها وإثرائها وتكاملها. إنها جهد مشترك فيه كل من يقرؤها وهي مخطوطة وبعد نشرها”.

نص آخر يدلني عن الالتصاق بالذات الحقيقية والبعد عن النرجسية: “ما أكتبه يظل مفتوحا ينضج ببطء وهدوء، ولن يصل إلى نهايات مغلقة”. وستلهمني ذات الاشارة في قوله: “يظل النص مفتوحا ينمو باستمرار تبعا لآفاق الكاتب، وانطباعات ونقد القارئ، تثريه المزيد من القراءة والمراجعة والتأمل، يتطور النص بالتدريج ويتكامل، وان كان لن يبلغ نهاياته ويكتفي بذاته مهما امتد عمر الكاتب”.

يكرس لنا الرفاعي مفهوم النفس الواحدة في نص يحمل من الضوء والجمال لكل من يرى “ان انتهاك كرامة أي كائن بشري هو انتهاك يطال كرامة غيره من البشر أيضاً “.كثيرة هي النصوص التي يقف ضميري وعقلي امامها وتنصت روحي ولايرغب قلبي مغادرتها واني لأتسائل لماذا لا تنتخب هذه المؤلفات وأمثالها في مناهجنا الدراسية؟ لماذا لا نعلم ابنائنا وبناتنا اهم حاجاتهم الوجودية ونبين لهم ان سلوكهم وانفعالاتهم وحتى احلامهم وأهدافهم واضطراباتهم وإرهاصاتهم النفسية ماهي الاتجليات وتعبير واشارة وصرخة لعدم الالتفات لتلبية هذه الحاجات.

نص آخر التقيه كعلامة ترشد وتهدي الى طريق الارتقاء “إنسان اليوم يفتقر لتدين عقلاني اخلاقي رحماني ينقذه، لأنه يعيش في عالم يضمحل فيه معنى كل شيء في حياته، عالم تزداد فيه كآبته، ويشتد اغترابه”. ثم علامة أخرى ترشدنا وتدلينا على الطريق، إذ يقول الرفاعي: “قراءة الفكرة لا تكفي وحدها لتطبيقها، ما لم تتبناها سلطة تفرض حضورها، أو تتجند لها جماعة تحشد كل طاقاتها من أجلها “.

في نص آخر أبصر أهمية الانتقاء، الانتقاء وسيلة مهمة ليقظة الإنسان داخلنا، الانتقاء عامل مهم يساهم ويساعد في انتاج معنى لأيامنا، فيقول الرفاعي وكأنه يشير لنا إلى أهمية الانتقاء، إذ يقول: “بعض الكتاب اتخذتهم جماعات يسارية وقومية وأصولية مرجعيات لها، ففرضت كتاباتهم حضورها في ضمير القراء، وان كانت هذه الكتابات سطحية هشة، تفتقر إلى اي مضمون متماسك رصين، ويدثرها ركام شعارات تذكي العواطف وتثير المشاعر”.

الإيمان يتكلم لغة واحدة، أتى الرفاعي بهذه الجملة اللافتة عنوانا لأحد موضوعات كتابه، وهكذا بقية العناوين يجدها القارئ لوحة جديرة بالتذوق والتزود من الجمال الكامن فيها وبنفس الوقت تثير الشغف لمعرفة المخفي منها أي لغة يتكلم الإيمان؟

لنتذوق ونتزود ونسمو مع هذه النصوص “يسكن الإيمان الروح مثلما تسكنه، ويرتوي بالروح مثلما ترتوي به”، و “أودع الله في كل إنسان روحا منه، إلا ان هذه الوديعة تحتجب متى احتجب الانسان عن الله”، و”الله لا ينسى الإنسان إلا عندما ينساه الإنسان”، و “يضيء الإيمان الروح لحظة تحققها به، مثلما تضيء الكهرباء المصباح المظلم لحظة وصله بها، وهذا معنى كونه حالة نتذوقها كما نتذوق الطعام الشهي والشراب العذب”.

ليس لدي القدرة على الاستمرار في قراءة تامة وكتابة مراجعة لهذا الكتاب في مقالة واحدة، فنصوصه تفرض على ضميري الأخلاقي وذائقتي وقلبي وعقلي أن أجزئ مراجعتي لهذا الكتاب. أرى كل عنوان داخل مكنون هذا الكتاب الثري جدير بالوقوف بكل حب واجلال أمام نصوصه وكتابة مقال في مراجعته. لذا اضطر للتوقف عند هذه النصوص لعلي أهضم جمالها واستدل بعض الطريق بعلاماتها، وامنح عقلي وقلبي وروحي فرصة وفضاء اوسع للسياحة في معانيها،كوجبة شهية جدا نصوص هذا الكتاب أود التهامها في الوقت ذاته.

نختم بهذه النصوص: “الإيمان مستقره القلب، ومأواه الروح، انه ليس صورة ندركها، الصورة يختزنها الذهن. خلافا للفهم والمعرفة، لا يتحقق بالنيابة”، و”الإيمان وحب الله كلاهما كيمياء للروح،كلاهما ينبثقان من جوهر واحد”. “في الإيمان تتناغم الاديان وتتعايش وتأتلف، بعد ان تكتشف شفرة اللغة الروحية الواحدة المشتركة التي يتكلمها الإيمان”. “لغة الإيمان مضيئة، لغة الإيمان عابرة للغات والمعتقدات والفرق والمذاهب”.

[1] دكتوراه فلسفة القانون الدولي العام. قراءة لكتاب: “الدين والكرامة الإنسانية”.

كتاب الدين والكرامة الإنسانية للرفاعي: جدل المؤمن أم جدل الإنسان؟

عبدالحق الزموري[1]

صدر للصديق العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي منذ سنتين كتاب جديد في سلسلته الخماسية في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد، بعنوان “الدين والكرامة الإنسانية”، وقد صدرت طبعته الثانية المزيدة والمنقّحة سنة 2022 عن دار الرافدين بالعراق. ينقسم الكتاب (وقد ورد في 340 ص) إلى ستة فصول، يمكن إجمالها في قسمين كبيرين يتساويان في عدد الفصول، يتناول في الأول مسائل الإيمان والدين والتديّن، وفي الثاني مسائل الكرامة وبنيتها الأخلاقية الإنسانية.

يضع عبد الجبار الرفاعي خارطة طريق مرسومة بعناية ووضوح لمن يهمه دراسة أعماله، يتدرج فيها بخطوات تبدأ من معرفة الإنسان، إلى معرفة الدين، والوحي، والنبوة، والإسلام. في ضوء ذلك يبتني الفكر الديني كما يشدد هو على: إعادة تعريف الإنسان، ويتفرع عليه إعادة تعريف الدين ورسم حدوده، ويتفرع عليه إعادة تعريف الوحي، ويتفرع عليه إعادة تعريف النبوة، ويتفرع عليه إعادة تعريف الإسلام ورسم حدوده. “الدينُ حياةٌ في أُفق المعنى، تفرضُه حاجةُ الإنسان الوجودية لإنتاجِ معنىً روحي وأخلاقي وجمالي لحياتِه الفردية والمجتمعية” كما يعرّفه الرفاعي، وفي ضوء هذا التعريف توالدت كل كتاباته، ورؤيته لله والإنسان والعالم. يندرج هذا الكتاب،كما يعبّر الرفاعي عن ذلك في كل مرّة يتعرض فيها لأعماله كتابةً أم مشافهة، في ما يسمّيه “تنويعات لرؤية واحدة، رؤية تحاول أن تتعرّف على الدين عبر اكتشاف الانسان”.

ما فتئ الرفاعي يُخبرنا إنه يدعو إلى الإيمان باعتباره حاجة أنطولوجية للإنسان، لكنه ينأى بنفسه عن أشكال التدين المعلومة، ويختار إعادة اكتشاف الدين عبر كرامة الانسان الأصلية، مؤكدا أن أي جُهد تجديدي في المجال لا بد أن يبدأ بإعادة تعريف الانسان والدين، وبالتالي فهو يقترح علينا تعريفه الخاص للدين جاعلا “الإنسان وكرامته وسكينته وطمأنينته وإسعاده غاية ما ينشده الدين”؛ بل إنه يذهب أبعد من ذلك عندما يُعلن بصرامة إن “المعيار الكلي لاختبار إنسانية أي دين هو كيفية تعاطيه وإعلائه للكرامة الإنسانية، والموقع الذي تحتله الكرامة في منظومة القيم لديه”. يصف الرفاعي عمله هذا بقوله: هذا كتابٌ ينطلقُ من الإنسان إلى الدين، مفتاحُ فهمه للدين ونصوصه هو الكرامةُ الإنسانية بوصفها مقصدَ مقاصد الدين.‏ الإنسانُ يولَد مُكرّمًا، لا يكتسبُ الإنسانُ الكرامةَ بعدَ ولادته، الكرامةُ توجدُ بوجودِ الإنسان وتلبث معه أبدًا حيثما كان. الكرامةُ رديفةُ الاستخلاف، خليفةُ الله في الأرض جعله قَيِّمًا وحافِظًا ووكيلًا ونائبًا عنه في الأرض، “مقدمة الطبعة الثانية للدين والكرامة الإنسانية”.

ولأن الرفاعي في كتابته لا يتحرك في فضاء الأكاديميا وصرامتها المنهجية والنظرية “التجريدية” أحيانا، بل من صيرورة الدين الحية وديناميكيتها، سواء في استعماله لجزالة الكلمة وسيولتها، أو في استهدافه لجمهور واسع ومتنوع من المتلقين، فإنه لا يتحرج في وضع سياقات عملية لنجاح المقترح الإيماني الذي يدعو إليه، عندما يذهب إلى أن قوة الأفكار الواردة في الكتاب “لا تكفي وحدها لتطبيقها” ما لم تتبناها سلطة سياسية تفرضها، ومؤسسة دينية تتبناها، وحاضنة مجتمعية تلوذ بها. هنا نخرج سريعا (وبدون مقدمات أو تبرير عقلي ربما) من ساحة الوجود الانطولوجي التكويني للكرامة إلى ساحة الفاعل المجتمعي ذي الأدوات “القهرية” في مقاربة تلك الكرامة وفي تحويلها إلى “تشكيل” ينافح عنها.

ورغم إن تلك المعادلة / التقاطع تحتاج إلى نقاش واسع، إلا أن ذلك لا ينفي المهارة الفائقة التي عالج بها عبد الجبار الرفاعي واحدة من القضايا الشائكة في سياقات الفكر الديني، ولا يحجب الشجاعة التي خطّ بها طريقه رفضًا لصور الدين وأشكال التدين التي تنصّبُ نفسها متعالية على الكرامة الإنسانية، ومتعرضا بسببها إلى التصادم مع جمهور عريض من المتدينين، وهو المؤمن سليل الحوزة العلمية في النجف وقم.

الكرامةُ في هذا الكتاب هي القيمةُ العليا التي تعلو على كل القيم، والمساواةُ لدى الرفاعي هي التعبيرُ العملي عن حضور كرامة الفرد والمجتمع، كما يقول: “لا كرامةَ بلا مساواةٍ، خلقَ اللهُ الناسَ متساوين في إنسانيتهم، فليس هناك إنسانٌ كاملُ الإنسانية وآخرُ إنسانيتُه ناقصة، وليس هناك إنسانٌ كاملُ الكرامة وآخرُ كرامتُه ناقصة. تُختبَر أخلاقيةُ أية ديانةٍ بما ترسّخه من قيمةٍ للكرامة والحرية والحقوق، وبجهودِها من أجل تحريرِ الإنسان من الاستعباد، وقدرتِها على حمايته من الإذلال والاحتقار. أيُّ مسعىً لتحقيق العدالة اليوم بلا تحقيقِ المساواةِ لا تتحقّق به عدالةٌ ولا يحمي كرامةَ الإنسان. الكرامةُ قيمةٌ أصيلةٌ، إنها أحدُ مقوّمات تحقّق إنسانيّة الإنسان، حضورُها يعني حضورَ إنسانيّة الإنسان، وغيابُها يعني غيابَ إنسانيّة الإنسان. لا تعني الكرامةُ عدمَ الإهانة فقط، عدمُ الإهانة أحدُ الآثار المترتبة على حضورِ الكرامة، وثمرّةٌ من ثمرات تحقّقها في الحياة البشرية. لا قيمةَ سامية تعلو على قيمةِ الكرامة، هتكُ الكرامةِ والاحتقارُ يثيران الفزعَ في كيان أيّ إنسان، مهما كان بَليدًا وأبْلَهًا في نظر البعض، إلا إذا كان ذلك الإنسانُ مُدجّنًا على التنازل عن كرامته ليقبلَ الاستعبادَ طوعًا. نصابُ الكرامة في القيم يتفوّق على كلِّ ما سواه، كلُّ القيم تجد معناها في حمايتِها للكرامة وصيانتِها من كلِّ ما ينتهكها، الكرامةُ لا غير هي ما يُرسِّخ الشعورَ بأهمية الحياة، وتجعلها تستحقُّ أن تعاش، وهي شرطٌ لتذوّق معناها”.

[1] كاتب تونسي.

 

رابط النشر:

هل الكرامة الإنسانية منفصلة عن الدين؟

د. علي أحمد الديري*

  يقع الإنسان في مركز علم الكلام الجديد الذي يعمل الدكتور عبد الجبار الرفاعي على صياغته في الثقافة العربية. هو يرى أن الدين لا يمكن فهمه فهماً يليق بالإنسان وبكرامته إلا حين نقدّم الدين من خلال تعريف الإنسان. الكرامة هي العنوان الأبرز لفهم الإنسان وفهم خلافته في الأرض. هذا ما يتحدّث عنه كتاب «الدين والكرامة الإنسانية» في طبعته الثانية المزيدة والمنقّحة.

إنّ «الكرامة هي وعي الإنسان بالحرية»، متى أصبح الإنسان يعي الحرية ويعمل وفق مقتضيات الحرية حينها سيكون قد نال الكرامة وفهِم معناها. والكرامة كما يقدّمها لا تعني عدم الإهانة فقط. «عدم الإهانة» هو أثر من آثار الكرامة، أي لتكون كريماً، وكرامتك مصونة، فشيء من الأشياء هي ألا تُهان، ولكنّ الكرامة أوسع من عدم الإهانة.

الكرامة تعني حفظ الحرية، حفظ حرية الإنسان وإتاحة المجال له لكي يتصرّف كما يريد. كل شيء يغيّب وعي الإنسان، ينتهك حريته وتصرّفه، وكرامته لأن الكرامة هي أن يبقى الإنسان واعياً لحريته. الهيمنة على وعي الإنسان وتغييب وعيه وإقفال خياراته، ينتهك كرامته وهذا الانتهاك يتم داخل الدين أحياناً وخارجه أحياناً أخرى.

ربّما باسم الإلحاد أنت تنتهك كرامة الإنسان، وربّما باسم الرأسمالية، وربّما باسم الحرية لأنك تتصرّف تصرّفاً يغيّب وعي هذا الإنسان. بناءً على ذلك، كل تأويل يحرّر الإنسان من عبادة الآخرين فهو ينتصر لكرامته، وكل تأويل يحرّر أخلاق الإنسان من الجماعة الخاصة، من الطائفة، من المذهب، من الدين المغلق، فهو أيضاً كرامة لأنه يترك له حرية الاختيار والتصرف ويفتحه على الإنسان. من هنا، فإن الكرامة تبدأ بالفرد، كما يقول، وتنتهي بالأمّة، الفرد هو مركزها، الفرد هو خليفة الله في الأرض، هو الذي يختار، هو الذي يتصرف، هو الذي يعي.

لا بدّ أن نفهم الإنسان بهذه الحرية لنصون كرامته، وانتهاكات الكرامة تتمّ بالظلم، الإذلال، الاحتقار، الإهانة، الإهمال، التجاهل، الاستغفال والتدجين.

وهنا يلفتنا أيضاً الرفاعي إلى مسألةٍ هامة تتعلّق بوجود الإنسان، يقول إن الله قد كرّم بني آدم تكريماً وجودياً، بمعنى أن وجوده، كينونته، جوهره، تكوينه، كلّ ذلك مصنوعٌ من الكرامة، جوهره من الكرامة، أصله من الكرامة، هي ليست شيئاً مضافاً أو شيئاً يصنعه الإنسان، إنما هي شيء مخلوق مع الإنسان.

تفسير كل نص ديني بما لا يناقض الكرامة أو ينتقص منها هو ما يدعو إليه الرفاعي، أن نفسّر كل النصوص الدينية بحيث لا تنتقص من الكرامة، كرامة أي إنسان لا بدّ أن تكون مصونةً بهذا التأويل، بمعنى أنه يدعو لأن تكون الكرامة الإنسانية بمثابة المعيار أو المرجعية، أو المقصد كما يقال في مقاصد الشريعة، الكرامة هي مقصد من مقاصد الشريعة، لا يجوز أن نقرأ نصاً دينياً ينتقص من هذه الكرامة ولا بدّ أن نحتفظ للجميع بهذه الكرامة.

من هنا فهو يدعو إلى إعادة قراءة فكرة البراءة والولاء، كل طائفة من الطوائف تقدّم البراءة من الطوائف الأخرى والولاء لطائفتها، أن ذلك يُفسد الأخلاق والكرامة لأنك حين تتبرّأ من الآخرين فأنت تتبرّأ من الكرامة أيضاً، تعتبر أن لا كرامة لهم وأن ليس هناك معيار ومرجعية إنسانية تُلزمك في التعامل معهم، فهم منتهَكون وتحلّ لك دماؤهم وأعراضهم، ويحلّ لك كل شيء مصون لديهم، في حين أن الكرامة الإنسانية تحفظ الوجود الإنساني، هي حصن، والدين يعطي التحصين للإنسان لأنه خليفة الله.

يقول الرفاعي إنه ما لم يتحسّس الإنسان صوت الله في داخله فلن يتخلّص من الاغتراب الوجودي، صوت الله تسمعه في داخلك، في ضميرك حين تراعي الإنسان بما هو إنسان وليس بما ينتمي إلى طائفتك، حين يراعي ضميرك الإنسان بما هو إنسان وليس بما هو من طائفتك حينها ستفعل الخير لهذا الإنسان بغضّ النظر عن أي تقييدٍ من التقييدات.

لقد ورثنا تركةً ثقيلة من علماء الكلام الذين يتحدّثون عن الدين وعن أسماء الله وصفات الله وعن المعتقدات، هؤلاء العلماء الذين يستخدمون الكلام لإنشاء علاقة بين الإنسان والله، هؤلاء أنشؤوا فرقاً كلامية، كانت كل فرقة تعتقد أنها ستنجو وحدَها والبقيّة في النار، كيف كان علماء الفِرق ينظرون إلى العلاقة بين الله والإنسان؟ كانت الصورة التي أمامهم هي صورة السيّد والعبد.

يلفتنا الرفاعي إلى أن هناك فرقاً بين العباد والعبيد، لو ذهبنا إلى المعجم نجد أن العباد هم قبائل من بطون عربية شتّى، اعتنقوا النصرانية وسكنوا الحيرة بالعراق، هؤلاء أطلقوا على أنفسهم لقب عباد ولم يقبلوا بلقب عبيد لأنهم كانوا يقولون إن العباد هم الذين يتنسّكون ويعتكفون ويقومون بالعبادات، وهذه الأفعال تحرّرهم، فهم ليسوا عبيداً، ومقابل العباد هم مَن ينتهكون ويمارسون الإباحية وأفعالاً تحطّ من كرامة الإنسان، فيرون أن كلمة عبيد لا تليق بالاستخدام وفضّلوا كلمة العباد.

«عبودية الإنسان لله عنوان حريته»، هذه العبارة تُقال دائماً، يذهب الرفاعي إلى أن هذه فكرة أوجدها ابن تيمية وتلقّفها المودودي وكذلك طبّقها سيّد قطب، أنهم ربطوا العبودية بفكرة الحرية بينما هو يذهب إلى ربط العبادة بفكرة الحرية.

الكرامة الإنسانية هي المعيار كما يقول كتاب «الدين والكرامة الإنسانية»، يُقاس كل دين بما يقدّمه في هذا المجال، إلى أيّ درجةٍ قدّم الإسلام للكرامة الإنسانية؟ إلى أيّ درجةٍ دعمها وثبّتها ودافع عنها؟ إلى أيّ درجة أنتج نصوصاً تحفظ هذه الكرامة؟ يُقاس الدين بهذا المعيار، بما دعا إليه وحقّقه من كرامة الإنسان وليس بما هو زمني واضطراري واستثنائي من دعوةٍ إلى قتل أو إلى حمل السيف أو إلى مواجهة واقعٍ يكون فيه الإنسان مهدداً في كرامته. ما سُمّي بآية السيف هي آية كانت تدافع عن كرامة مَن يوحّدون الله في ذلك الوقت وليست آية تنتهك الآخرين بل تثبّت الكرامة.

 * د. علي أحمد الديري، كاتب بحريني

رابط النشر:

 

 

 

يولَدُ الإنسانُ مُكرّمًا ولا يكتسبُ الكرامةَ بعدَ ولادته

د. عبد الجبار الرفاعي

‏ الكتاباتُ الدينية في كثيرٍ منها تنشغلُ بالحديث عن الغيب وعوالمه، وكلِّ ما يشير ويرمز إليه، ‏من شخصيات وكتب وأماكن وأزمنة وأشياء مقدسة، وتستغرقُ في الحديث عن ذلك العالَم المحجوب عنا، إلى الحدّ الذي تنسى فيه الإنسانَ نسيانًا كليًّا، ‏وأحيانًا تُعطِّل عقلَ الإنسان إلى الحدّ الذي يتيه في اللامعقول. الكتاباتُ التي لا تؤمن بالغيب تنشغلُ بالإنسان، وتتمحور حول احتياجاته المادية. وأحيانًا تنسى ‏احتياجاتِ الروح والقلب والعاطفة،كما تنسى الغيبَ نسيانًا كليًا، وتجهل ‏ما يرمزُ إليه في عالمنا.

أكثرُ الكتاباتِ المتمركزة حول الإنسان تنسى الدين، وأكثرُ الكتاباتِ المتمركزة حول الدين تنسى الإنسان. الدينُ يبدأ باكتشاف الإنسان وإعادة تعريفه ليصل إلى الغيب، ولا يبدأ بالغيب ليصل إلى الإنسان. يحاولُ اكتشافَ الإنسان أولًا، في ‏ضوء معطيات الفلسفة والعلوم والمعارف البشرية المتنوعة والمتجدّدة، ليحدّد ما هو مادي من ‏احتياجاته، وما هو عقلي، وما هو عاطفي، وما هو روحي. لا يتجاهلُ الكتابُ أن أحدَ احتياجات الإنسان الأساسية هي الحاجةُ للاتصال بالله والإطلالةُ على آفاق الغيب، ‏ليرتوي ظمأ الروح، ويطمئن القلبُ بالإيمان، وتشبع احتياجاته للمعنى الذي يوقظ الروح والقلب والعقل.

هذا كتابٌ ينطلقُ من الإنسان إلى الدين، مفتاحُ فهمه للدين ونصوصه هو الكرامةُ الإنسانية بوصفها مقصدَ مقاصد الدين.‏ الإنسانُ يولَدُ ويموتُ مُكرّمًا، لا يكتسبُ الإنسانُ الكرامةَ بعدَ ولادته، الكرامةُ توجدُ بوجودِ الإنسان وتلبث معه أبدًا حيثما كان. الكرامةُ رديفةُ الاستخلاف، خليفةُ الله في الأرض جعله قَيِّمًا وحافِظًا ووكيلًا ونائبًا عنه في الأرض.

يرى هذا الكتابُ أن تجديدَ فهم الدين يتطلب: إعادةَ تعريف الإنسان، وإعادةَ تعريف الدين، وإعادةَ قراءة نصوصه في أفق العصر، وإعادةَ تحديد وظيفته في الحياة، والكشفَ عما يمكن أن يقدّمَه الدينُ للإنسان من احتياجاتٍ روحية وأخلاقية وجمالية، وما يترقبه الإنسانُ من عواطفٍ ورفقٍ وشفقة ورحمة يمنحها الدينُ للحياة، وما يُلهِمَه للروح من سكينة، وللقلب من طمأنينة.

كتابُ الدين والكرامة الإنسانية وغيرُه من كتاباتي تتبنى تعريفَها الخاص للدين، بوصفه: “حياةً في أُفق المعنى، تفرضُه حاجةُ الإنسان الوجودية لإنتاجِ معنىً روحي وأخلاقي وجمالي لحياتِه الفردية والمجتمعية”. حيثما يرد الدينُ في كتاباتي فإنه يبتني على هذا التعريف، ويؤسّس عليه كلَّ شيء أقوله وأكتبه في الدين. من هذا التعريف يبدأ الدينُ وإليه ينتهي، هو المعيارُ الذي يجري اختبارُ وفاء الدين بوعوده في ضوئه، وعلى أساسه يتم اختبارُ تعبيره عن معناه في حياة الفرد والمجتمع. هذا الفهم للدين مفتاحُ فهم النصوص الدينية لدي، وقبول أو رفض ما تشكّل من تراث متنوع وواسع لشرحها وتفسيرها وتأويلها.

لا كرامةَ بلا مساواةٍ، خلقَ اللهُ الناسَ متساوين في إنسانيتهم، فليس هناك إنسانٌ كاملُ الإنسانية وآخرُ إنسانيتُه ناقصة، وليس هناك إنسانٌ كاملُ الكرامة وآخرُ كرامتُه ناقصة. تُختبَر أخلاقيةُ أية ديانةٍ بما ترسّخه من قيمةٍ للكرامة والحرية والحقوق، وبجهودِها من أجل تحريرِ الإنسان من الاستعباد، وقدرتِها على حمايته من الإذلال والاحتقار. أيُّ مسعىً لتحقيق العدالة اليوم بلا تحقيقِ المساواةِ لا تتحقّق به عدالةٌ ولا يحمي كرامةَ الإنسان.

الكرامةُ قيمةٌ أصيلةٌ، إنها أحدُ مقوّمات تحقّق إنسانيّة الإنسان، حضورُها يعني حضورَ إنسانيّة الإنسان، وغيابُها يعني غيابَ إنسانيّة الإنسان. لا تعني الكرامةُ عدمَ الإهانة فقط، عدمُ الإهانة أحدُ الآثار المترتبة على حضورِ الكرامة، وثمرّةٌ من ثمرات تحقّقها في الحياة البشرية. لا قيمةَ سامية تعلو على قيمةِ الكرامة، هتكُ الكرامةِ والاحتقارُ يثيران الفزعَ في كيان أيّ إنسان، مهما كان بَليدًا وأبْلَهًا في نظر البعض، إلا إذا كان ذلك الإنسانُ مُدجّنًا على التنازل عن كرامته ليقبلَ الاستعبادَ طوعًا. نصابُ الكرامة في القيم يتفوّق على كلِّ ما سواه،كلُّ القيم تجد معناها في حمايتِها للكرامة وصيانتِها من كلِّ ما ينتهكها، الكرامةُ لا غير هي ما يُرسِّخ الشعورَ بأهمية الحياة، وتجعلها تستحقُّ أن تعاش، وهي شرطٌ لتذوّق معناها.

كما أوضحتُ في هذا الكتاب أن الكرامةَ ضرورةٌ للفرد وكذلك للأمة، تبدأ الكرامةُ بكرامةِ الفرد لتنتهي بكرامة الأمة، لا كرامةَ لأمةٍ بلا كرامةٍ لأفرادها. عندما تُنتهَك كرامةُ الأفراد، تحت أيّة ذريعة، فلا كرامةَ للأمة.كلُّ مجتمع تكون كرامةُ الأفراد الشخصية فيه مستلبةً هو مجتمعٌ مُستلَب الكرامة. مادام الفردُ مُهانًا فلا كرامةَ لمجتمعه أو وطنه أو دولته.

الإنسانُ بوصفه إنسانًا لا غير يستحقُّ الكرامةَ والحرياتِ والحقوق. الإنسانيةُ قيمةٌ كونية عابرة للأعراق والثقافات والأديان، الكرامةُ هي الإطارُ الأخلاقي الذي تتوحّد فيه قيمةُ الإنسان ومكانتُه، وتقديرُه لذاته وتقديرُ الغير له. الكرامةُ تضمن إنسانيةَ الإنسان، وتحميها من كلِّ تمييزٍ وتعصب واحتقار ينشأ على أساس الجنس أو العرق أو الثقافة أو الجغرافيا أو الدين أو غير ذلك.

المعيارُ الكلّي لاختبار إنسانيّة أيّ دينٍ هو كيفيةُ تعاطيه وإعلائه للكرامة الإنسانيّة، والموقعُ الذي تحتلّه الكرامةُ في منظومة القيم لديه. إنسانيّةُ الدين تلخّصها نظرتُه للكرامة بوصفها القيمةَ التي تستحضر كلَّ قيمة، وتتسع لكلِّ الحقوق الأساسية، وتضع الحريةَ غايةً تتطلّع لاستردادها على الدوام كاملةً غيرَ منقوصة. والخلاصُ في شريعته من أيّة محاولةٍ لتسويغ العبودية المُعلَنة أو المقنَّعة، والإكراهية أو الطوعية. تكريمُ الإنسان بوصفه إنسانًا واجبٌ أخلاقي وليس مِنّةً أو تفضّلًا من أيّ أحد. الكرامةُ قيمةٌ إنسانيةٌ عليا، معناها واحدٌ صريحٌ يتساوى فيه كلُّ الناس، بغضّ النظرِ عن دينهم وثقافتهم وجنسهم وموطنهم ولونهم ومهنتهم. إن انتهاكَ كرامةِ أيّ كائنٍ بشري هو انتهاكٌ يطالُ كرامةَ غيره من البشر أيضًا. الكرامةُ قيمةٌ كونيةٌ، لكلِّ انسان نصابُه فيها، لذلك يفرضُ الضميرُ الأخلاقي على الكلِّ حمايتَها،كلٌّ حسب موقعه، ووفقًا لإمكاناته وقدراته.

احترامُ الكرامة الإنسانية مقصدُ مقاصدِ الدين وأسمى أهدافه، وذلك يفرض أن يُعاد تفسيرُ كلِّ نصٍّ ديني بما لا ينقض الكرامةَ أو ينتقص منها.كلُّ نصٍ يتعارضُ مع هذا المقصد الكلي، ويقوم على التمييز بين البشر، سواء كان آيةً أو رواية، مثل تشريع الرقّ وما يماثله، يُطرح وينتهي العملُ بأحكامه، لأنه ينتمي للتاريخ ويعكسُ ظروفَ مجتمع عصر البعثة الشريفة.كلُّ كتابٍ مقدّس يتضمنُ ما هو عابرٌ للزمان والمكان والواقع الذي ظهرَ فيه،كما يتضمنُ ما هو زماني ومكاني وتاريخي. في الفصل الرابع من هذا الكتاب شرحنا المفتاحَ المنهجي الذي نعتمدُه في تفسيرِنا للقرآن الكريم وفهمِ الأحاديث والروايات، وكيفيةِ التمييز بين ما هو ثابتٌ من القيم الروحية والأخلاقية الأبدية، وما هو متغيّرٌ من أحكام تنتمي إلى ظروف وأحوال مجتمع عصر النزول.

بعد أشهر من صدور الطبعة الأولى لهذا الكتاب وازدياد طلب القراء عليه يصدرُ بطبعة جديدة.كلُّ طبعةٍ تخضع لمبضع الجراحة مجدّدًا، أعود للمراجعة والتدقيق والتنقيح والتمحيص. أعرف أن كلَّ كتابة لن تبلغ كمالَها ولن تصل إلى نهاياتها، لأن كاتبَها ليس كاملًا. تحمّلُ الكاتب لمسؤولية الكتابة يفرضُ عليه أخلاقيًّا أن ينشغلَ بما يكتب، ويعطي كلَّ ما يمتلكه من قدرة وخبرة متراكمة حين يكتب، وأن يكون صادقًا مع ضميره، صادقًا مع الناس، صادقًا مع الله.

ليست هناك كتابةٌ مكتفية بذاتها، أعترف أن كتابتي جهدٌ لا يختصّ بي ولم أنجزه وحدي. للقراء الأذكياء دورٌ مهم في ترصينها وإثرائها وتكاملها. إنها جهدٌ يشتركُ فيه كلُّ مَنْ يقرؤها وهي مخطوطة وبعد نشرها، وينبهني إلى الوهن في شيء من كلماتها وعباراتها وأفكارها، ويقترح استبعادَها، أو معالجتَها، أو توضيحها، أو إثراءَها، أو التدليل عليها، أو اختزالها.

ما يسعدني هو تواصل قراء أذكياء أتعلّمُ من إشاراتهم وتنبهاتهم ومقترحاتهم، ذلك هو ما يحفزّني لإعادة النظر في كلِّ كلمة أو جملة كتبتها في أحد نصوصي لأعود لتمحيصها مجدّدًا. ما يشعرني بالرضا لحظةَ قراءتي الأفكار في كتاباتي هو إدراكي بأنها نضجت في الذهن، بعد أن أثمرتها عمليةُ تفكير حرة، وغربلتها واختبرت واقعيتها تجاربُ عملية، وتفاعلت بآفاق مطالعات متواصلة في شتى ألوان المعرفة، قبل التعبير عنها ورسمها على الورق.

‏   ما أكتبُه يظلُ مفتوحًا ينضجُ ببطء وهدوء، ولن يصل إلى نهايات مغلقة. لا تكون الفكرةُ ناجزةً مكتملة قبل أن أشرعَ بالكتابة، أدقُّ الأفكار تتبلورُ وتتجلى حالةَ الكتابة، وحالةَ العودةِ ثانية إلى الكتابة. انشغالُ لغتي بصياغة العبارات وانتقاءِ الكلمات، ليس أقلَّ من انشغال ذهني بالتفكير والتأمل والسياحة في تكوّن وصيرورة الأفكار، خاصة إن كانت هذه الأفكارُ تتضمن فكرةً أو نقدًا أو مصطلحًا صغتُه، ولم يصادفني قبل ذلك في مطالعاتي.

يظلُّ النصُّ مفتوحًا ينمو باستمرار تبعًا لاستنارة آفاق الكاتب واتساع رؤيته، وانطباعات ونقد القارئ، تثريه المزيدُ من القراءة والمراجعة والتأمل. يتطور النصُّ بالتدريج ويتكامل، وإن كان لن يبلغ نهاياتِه ويكتفي بذاته مهما امتدّ عمرُ الكاتب. الكتابةُ لا تولد مكتملةً عند الكاتب الجاد، الولادةُ الأولى لحظةَ الفراغ من الكتابة تليها سلسلةُ ولادات متوالية. النصُّ كائنٌ حيٌّ يظلُّ مفتوحًا يتكثفُ ويتوالد، تثريه من جهة مثابرةُ الكاتب، ويقظةُ ضميره الأخلاقي تجاه القراء من جهة أخرى، ويصفّيه من الشوائب نقدُ القراء الخبراء، ويضيء إبهامَه ما يعزّز رصيدَ لغة الكاتب من قراءات نوعية. وتثريه من جهة أخرى النصوصُ المشتقة منه. النصُ الرصين يظلُّ ينمو ويتكامل، ولن يبلغ مدياته القصوى.

 

 مقدمة الطبعة الثانية لكتاب: الدين والكرامة الإنسانية، يصدر قريبًا عن دار الرافدين ببيروت، ومركز دراسات فلسفة الدين ببغداد. هذه الطبعة مزيدة ومنقحة في 378 صفحة، كانت الطبعة الأولى في 288 صفحة.

 

رابط النشر:

أكسيولوجيا الكرامة بين الرفاعي وفوكوياما

قراءة في كتاب الدين والكرامة الإنسانية للدكتور عبد الجبار الرفاعي

 

د. ياسر عبد الحسين[1]

 

(لا سعادة بلا كرامة) نجيب محفوظ

بات مجرد الحديث عن مفردة الكرامة في الخطاب السياسي العام بعالم اليوم، تعني الاستعداد لتحمل كميات من التنمر السياسي، وكأنها مفردة من الزمن الجميل التي تستدعي مقولات الأخلاق والحرية ومنظومة القيم، لكن في ظل الفوضى العارمة والأوبئة والتفاهة، أجبرت العالم أن يستعيد الحديث عن العودة إلى القيم الإنسانية وبعض معالمها المفقودة على مذبح العنف والدمار وسلوكيات العنصرية والتجهيل.

قيمة الكرامة التي تعيد دور الفرد في التراتبية الاجتماعية التي انطلقت بتأسيس ديني بشكل عام تستدعي المنظومة الأخلاقية والدينية إلى الواجهة العالمية من جديد، وحتى على مستوى عالم فن الممكن، حيث تقول وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت في كتابها The Mighty and the Almighty: Reflections on America، God، and World: (عندما بدأت أمعن النظر في قضايا السياسة الخارجية … وجدت بزوغ العنصر الديني في صراعات اندلعت في مجتمعات تضم مسلمين ومسيحيين، …. وهكذا اتَضح لي أكثر فأكثر، أن كثيرا من الصراعات التي أعقبت الحرب الباردة، كانت لها علاقة بالدِين، ولذلك أصبح يتعين على المهتمِّين بشؤون السياسة الخارجية أن يتفهّموا دور الدين كقوة في قضايا السياسة الخارجية وكيفية استخدام البعد الديني في العثور على العناصر التي تجمع بين أطراف النزاع، وإذا درس المرء الديانات الإبراهيمية الثلاث، سيجد فيها مفاهِيم مشتركة عن السلام والعدل والخير).

وهكذا، فإنه لا يمكن إهمال الدين بشكل عام، كعامل حاسم في المجتمعات، حتى إذا كانت البنى الاجتماعية لهذه المجتمعات تتبنى محاولات جادة لإهمال الدور الديني في حياتهم، ومحاولة صناعة مسارات أخرى مختلفة تبعد هذا العامل عن سياقه التاريخي، وكيف إذا ما تعلق الأمر بارتباطه بالكرامة الإنسانية، التي تمثل القيمة الممنوحة إلى الشخص الإنساني في حد ذاته بغض النظر عن تفاصيله الأخرى.

وتناسقا مع الهزات الكبيرة التي يتعرض لها الفكر الغربي عبر تسونامي الوباء والشعبوية وأمراض أخرى، يبدو الآن، ثمة تيار واسع على مستوى الأدبيات السياسية والاجتماعية يعيد إنتاج مقولات الأخلاق إلى الواجهة، مثل كتاب Do Morals Matter (هل تساوي الأخلاق شيئاً؟) لمنظر القوة الناعمة جوزيف ناي Joseph Nye الذي يبحث مفهومي الأخلاق Ethics والقيم Morals بوصفهما مترادفين في السياسة، وكتب أخرى.

مع إيماني واتفاقي مع الكثير أن المحافظة على قيم الكرامة هو أهم تحدٍّ يواجه البشر في العصر الحديث، فإني لا زلت مؤمنا أن هذه الأفكار المتعلقة بها يجب أن تؤخذ في إطار فهم المجتمعات ذاتها، واستصحاب دور الدين في تلك المجتمعات، ولهذا وقفت أمام كاتبين مهمين.

للوهلة الأولى إن مقارنة فكرية بين مفكرين؛ الأول هو فرانسيس فوكوياما Francis Fukuyama وهو عالم سياسة واقتصاد أمريكي من أنصار المدرسة الليبرالية، بل منظرها الأساس بأنها المنتصرة في نهاية التاريخ، والثاني المفكر العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي، وهو متخصص في الفلسفة الإسلامية وعلم الكلام، وله رؤية فلسفية في التجديد وبناء مناهج التفكير الديني. قد تكون هذه المقارنة محسومة في الميزان الإيديولوجي كما تبدو، على اعتبار كونها لا تعدو أكثر من مناظرة فكرية بين الفكر الإسلامي والليبرالي، لكن بعد دخول عالم الأفكار لديهما في مفهوم الكرامة تحديدا، وجدت أنني أقف على مقارنات مختلفة وناضجة بين الرؤية الغربية والمشرقية للكرامة ودورها في حياة الشعوب والمجتمعات، بل كانت أبعد من المقاسات الفكرية الروحية أو المادية، ولا أخفي عشقي لهذين المفكرين؛ فالرفاعي وضع مؤسسة مهمة تنويرية لم تحظ بالاهتمام البالغ إعلاميا واجتماعيا، وهي مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد، الذي كان له الأثر البالغ في صناعة تفكير ديني معطر بنكهة عرفانية، وفوكوياما الذي حكموا على كل أفكاره المهمة ظلما على قارعة نهاية التاريخ، وكأنه لم ينتج أو يقدم غيرها. الرحلة التي قدمها الاثنان في تفسير الكرامة كانت جميلة ومبتكرة، رغم الفارق الشاسع بين مدرستيهما.

 

فلسفة الكرامة عند الرفاعي

صدر مؤخرا كتاب للدكتور عبد الجبار الرفاعي بعنوان (الدين والكرامة الإنسانية) عن دار التنوير في بيروت، ومركز دراسات فلسفة الدين في بغداد 2021، يحمل الكتاب في طياته أطروحات مهمة لدراسة وتحليل مفهوم الكرامة.

يقول الرفاعي في مقدمته: الدين يتغلغل في كل شيء في حياتنا بصورة ظاهرة وخفية. وكل محاولة لإعادة البناء التربوي والثقافي والتعليمي وإعادة بناء المجتمع، لا تبدأ بإعادة تعريف الإنسان، وإعادة تعريف الدين وبناء فهم جديد لنصوصه، تموت لحظة ولادتها، كما يعبر. ويرى الرفاعي بأن قراءة نصوص الدين برؤية تنتمي للتراث هي أهم أسباب انسداد الآفاق المضيئة لفهم الدين، وتعطيل حضوره الإيجابي (ص5)، وحيث إن الإنسان غاية كل دين، وكل دين لا تكون غايته الإنسان ليس إنسانيا، فإن جوهر إنسانية الدين هو حماية الكرامة ورفض كل إشكال التمييز بين الناس، لكون الكرامة قيمة أصيلة، ولا تعني الكرامة عدم الإهانة فقط، بل إن عدم الإهانة هي أحد الآثار المترتبة على حضور الكرامة، وثمرة من ثمرات تحققها في الحياة البشرية، بكون الكرامة قيمة كونية (ص7).

ثم يلج الرفاعي عالم (الإيمان الذي يتكلم لغة واحدة) كما يعبر في الفصل الأول من الكتاب، حيث يؤكد أن السلام يولد بين الأديان في فضاء الإيمان؛ لأن الإيمان يتكلم لغة واحدة؛ فالمؤمنون في كل الأديان يستوحون إيمانهم من منبع مشترك هو الحق، وأن تجلى لكل منهم في صورة، حيث تتنوع صور الحق بتنوع دياناتهم وبصمة ذواتهم وبيئاتهم. وهذه التفاته ذكية تدعم دعوات حوار الحضارات وإمكانية الحوار، لكونهم يتكلمون لغة واحدة كما يعبر.

ويخلص الرفاعي إلى أنه في الإيمان تتناغم الأديان وتتعايش، بعد أن تكتشف شفرة اللغة الروحية الواحدة المشتركة (ص14)، كما يقول ابن عربي: (وتنوعت المشارب واختلفت المذاهب وتميزت المراتب وظهرت الأسماء الإلهية والآثار الكونية وكثرت الأسماء والآلهة في العالم) في سياق شرحه لمقولة الإمام علي بن أبي طالب: (الإخلاص نفي الصفات عن الحق تعالى)، يقول ابن عربي: (وأما عند التجلي، فأن يتجلى لكل واحد بصوره معتقده). الرفاعي يشير إلى حقيقة مهمة جدا ومؤشر خطير بأن دعاة ومبشري الأديان يخافون على الله أكثر من خوفهم على الإنسان (ص15)، لكن الحاجة الحقيقة كما يقول ابن عربي: (واعلم أن الشفقة على عباد الله أحق بالرعاية من الغيرة في الله)، كما أن ليس هناك ديانة تستأثر وحدها بالمحبة والحريات والحقوق واحترام كرامة الإنسان، وليس هناك دين منزه من التعصب والعنف وانتهاك الكرامة في التاريخ (ص17).

مقاس الرفاعي التراثي مستوحى من نصوص إسلامية أضفى عليها طابع روحاني؛ ففي مسرى عرفاني رائع يدخل الرفاعي عالم القلب في الفصل الثاني من الكتاب الذي حمل عنوان (القلب هو الطريق)، حيث يرى بأن الإيمان ليس فكرة نتأملها أو معرفة نتعلمها، بل هي حالة روحية، وكل حالة روحية تمثل تجربة وجودية تفشل اللغة في التعبير عنها (ص22)، كما جاء في قصة النبي موسى والراعي.

وحيث إن الحياة والموت هي ألغاز للإنسان، يرى الرفاعي أن الكائن البشري لايصنع حاجته للدين؛ لأنها مستودعة في أعماق الكينونة الوجودية لهذا الكائن (ص 28)، وأن السلام الباطني هو المنبع للحياة الهادئة المطمئنة، السلام الباطني هو مفتاح سلام المجتمع. ويقول في المدخل الرابع للكتاب: من لا يعرف الإنسان لا يعرف الله، ومن يعرف شيئا عن غرابة الإنسان وغربته الوجودية وفقره وهشاشته، ويعرف شيئا من الطبيعة الإنسانية يمكنه أن يصل إلى الله (ص32).

ينتقد الرفاعي التفسير السايكولوجي للدين الذي تحدث به المهندس المعماري الراحل رفعت الجادرجي، الذي أعلن إلحاده في مقابلة تلفزيونية، يجيب الرفاعي: (إعلانُ الإلحاد ضربٌ من الجواب الميتافيزيقي، الإلحادُ يعكسُ ضراوةَ القلق الوجودي، وأقصى مديات ‏حيرة الجواب الميتافيزيقي. لحظةَ يعلن أحدٌ عن إلحادِه ينتقل من التفكير العلمي إلى التفكير الفلسفي، من دون أن يتنبه لذلك. نفيُ عالَم ماوراء الطبيعة كإثباته، الإثباتُ حكمٌ فلسفي، والنفيُ حكمٌ فلسفي. التفكيرُ في ماهية العلوم الطبيعية وماهية أيّ علمٍ هو تفكيرٌ فلسفي، العلمُ لا يُفكّر في ماهيته، التفكيرُ في ماهية العلوم خارجَ مجال العلوم، كلُّ تفكيرٍ من هذا النوع تفكيرٌ فلسفي)، (ص32). وحيث إن مناهج وأدوات العلم هي تجريبية، فإنه تصح مقولة هايدغر في عبارته المشهورة: “العلم لايفكر”.

ثم يربط الرفاعي بين الدين والهوية الوجودية بقوله: الحاجة للدين وجودية بوصفها حاجة لكينونة الكائن البشري؛ أي إنها تعكس الفقر الذاتي للهوية الوجودية لهذا الكائن (ص41). وأمام التفسيرات المتعددة لأصل وجود الدين مثل الجهل والخوف والصراع الطبقي، فإن الرفاعي لا ينكرها ابتداء، لكنه يرى بأنها لا تقدم لنا تفسيرا جديدا للدين يكشف لنا الحاجة العميقة للدين وراء كل ذلك، ولا تدلنا على الجذور البعيدة للدين والمتوغلة في الطبيعة الإنسانية (ص42). يقول الأديب الشهير ديستوفيسكي: (إن جوهر العاطفة الدينية مستقل عن جميعِ البراهين، وجميع الأفعال السيئة وجميع الجرائم وجميع مذاهب الإلحاد، إن في هذه العاطفة شيئًا لا يمكن أن تناله أدلّةُ الملحدين في يوم مِن الأيام، وسيظل الأمر على هذا النحو أبد الدهر)، ثم يدخل الدكتور الرفاعي في قراءة متلازمة الدين والمقدس بالقول: إن ليس كل مقدس دينا، وليس كل ما في الدين مقدسا، في كل دين ماهو مقدس وما هو غير مقدس؛ فالمقدس الحقيقي يتوالد بالتدريج تبعا لتوالد الميثولوجيا وتضخم المخيلة لدى أتباع الدين، فكلما اتسع فضاء الميثولوجيا في الدين اتسع فضاء المقدس (ص 43)، وهذه نقطة مهمة جدا في معالجة التراث الديني والمقدس تحسب للدكتور الرفاعي، وسبق أن طرح هذه الفكرة في كتبه السابقة.

يدخل الفصل الثاني من الكتاب تحت عنوان: (الحب والأضداد في الطبيعة الإنسانية) معبرا بأن الطبيعة الإنسانية هي عميقة ومركبة ومتضادة، كما يقول ابن عربي: (إن الإنسان بنفسه هو الطلسم الأعظم والقربان الأكرم)، وحيث إن مشكلات الإنسان تعود للفشل في اكتشاف حقيقة الإنسان، ومن الصعوبة للوصول إلى ذلك كما يقول فرويد: (كل شخص هاوية ستصاب بالدوار لو أنك نظرت إلى أعماقه) (ص 54)، ثم يتحدث في مفاصل عالم النفس الإيجابي حول مكامن القوة الشخصية، منتقدا بأن ليس هناك وصفة جاهزة تنطبق على كل الناس، حيث إن كل إنسان نسخة خاصة لا تتطابق مع غيرها بشكل تام.

هل هناك حاجة للكراهية، يقول الدكتور الرفاعي في مقدمة عرفانية: (عندما أنظر إلى أعماق النفس الإنسانية بمجهر علماء النفس، لا أرى في الكائن البشري ما يغويني بمحبته، وعندما أنظر إلى روح الإنسان بمهجر العرفاء أرى شيئا من النور يغويني بمحبته) ص (67)، ثم يسرد قصة تعامل أطفال المدينة مع أطفال الريف والتهكم عليهم أيام الامتحانات في العراق قبل أكثر من نصف قرن، ليدرس أنماط الحياة وتأثيرها الاجتماعي، حيث إن طبيعة الإنسان ووقائع الحياة والعلاقات الاجتماعية تخبرنا أن الكائن البشري مثلما يحتاج المحبة يحتاج الكراهية أيضا، وربما يحتاج الكراهية أكثر، لكن تبقى قدرة الإنسان في السيطرة على تلك النزعة كما يقول الإمام علي بن أبي طالب: (اكره نفسك على الفضائل، فإن الرذائل أنت مطبوع عليها) (ص70)، بل كما يقول جمال الدين الأفغاني: (التسفل أسهل من الترفع).

وعلى الرغم من أن الحب شحيح في حياتنا والكراهية كثيرة في مجتمعنا، ينشد الناس الحزن أكثر من الفرح، كما أن تراث الفرق وعلم الكلام ومقولات فتاوى التكفير مشبعة بالكراهية، وظاهر كثير من العلاقات لا يشبه باطنها. يدعو الرفاعي بلغة الكتاب الجميلة إلى الاستثمار بالحب، وهو يعترف بأنه أصعب أشكال الاستثمار في مجتمعنا. يهتم الرفاعي بالرؤية الجمالية للعالم، ويؤكد أن الفن رديف للدين في التاريخ، حيثما عاش إنسان في أي مكان وزمان تظهر في حياته تعبيرات للدين وتعبيرات للفن، ولهذا لا تضاد بين جوهر الدين وما ينشده الفن الأصيل كلاهما ينشد فضح ظلام العالم (ص 78)، ثم يدخل في عالم الحب وتفسيراته، وكأنه يرسم لوحة جمالية مملوءة بالأدب والعرفان والجمال.

يؤكد الرفاعي في كتابه وعبر الفصل الثالث، أن الدين كان مع آدم الأول، وسيبقى مع آدم الأخير في الأرض، الدين كائن حي لن يموت مادام هناك إنسان يعيش على الأرض، داعيا إلى ضرورة التمييز بين مفهوم الدين ومفهوم الإيديولوجيا، الأخيرة ليست دين، وليس كل من يعتقد بدين هو إنسان ايديولوجي، (ص 104)، ويدعو لما يسميه بالتدين العقلاني الأخلاقي الذي يسعى إلى تحقيق حياة روحية ملهمة وضمير أخلاقي يقظ، وتذوق لجماليات الوجود (ص 106)، حيث إن أخطر ما يهدد وجود الدين في المجتمع هو ضمور الحس الأخلاقي في حياة الفرد والمجتمع، وتفشي التبريرات والحيل التي تتخفى بنصوص دينية وتتخذها ذريعة لتسويغ انتهاك كرامة الإنسان، ثم يصف نوعا آخر من الدين هو التدين الرحماني الذي يربط بين الدين والأخلاق كحالة ديناميكية حي، ويصف الرفاعي بأن هذا النوع من الدين هو تدين نادر، وإن كانت أمثلته موجودة في كل الأديان، ثم يقول في (ص 114) بأن المؤسف في بعض رجال الدين بأنهم منهمكون في رسم صورة مرعبة لله، وترسيخ اليأس من رحمته، وخلق صراع مفتعل بين الله والإنسان.

ثم ينتقل الرفاعي إلى النوع الآخر من أنواع الدين وهو التدين الشعبي، وهو تدين بريء يظهر فيه شيء من التدين الرحماني، وهو معروف في حياة الأفراد والمجتمعات، يتوارثه جيل بعد جيل منذ عصر الرسالة، وهو عفوي متصالح مع المؤسسات الدينية التقليدية والمرجعيات الفقهية، ثم ينتقل الرفاعي للحديث عن التدين الشعبوي، وهو نوع من التدين الذرائعي يظهر في مختلف الأديان، ولكنه ينشط كلما تلبد العقل أكثر، واشتد تزييف الوعي، بعد أن يحدث انزياح التدين عن مجاله (ص118)، والذي يصنع لاحقا التدين الشكلي، وهو الشكل السطحي المجوف من التدين، والمفرغ من نبض الحياة الروحية (ص 120)، إلى أن يبتكر مفاهيم جديدة تعالج أشد أنواع التدين وهو التدين المرضي؛ أي مرض نفسي بقناع ديني، ويؤكد ذلك عندما يتخذ المرض النفسي شكل تدين، ثم التدين السياسي، وهو من الأنواع التي تعني استغلال الدين للاستحواذ على السلطة والدولة والثروة في كل العصور، عبر مرجعيات دينية غير متخصصة في علوم الدين (ص 130)، ثم يسبر الرفاعي غور الحركات السياسية الدينية في أدبياتها ونصوصها منتقدا سلوكها بعد استلامها للسلطة، ثم يقول الرفاعي عبارة لافتة (ص 140): (كل دين يتحول إلى إيديولوجيا سياسية لا يلتقي بالديمقراطية، لكن الدين خارج توظيفه كإيديولوجية سياسية؛ أي الدين بمضمونه الروحي والأخلاقي والجمالي، لا تضاد بينه وبين الدولة الديمقراطية الحديثة).

يتحدث الدكتور الرفاعي في الفصل الرابع من الكتاب عن الكرامة كجوهر لإنسانية الدين، وفي مقدمة لهذا الفصل كتب عن النزعة الإنسانية كمقدمة مهمة وأسباب ظهورها كردة فعل في أوروبا على تأميم الدين ومؤسساته للفهم البشري، واحتكار تفسير كل شيء يتصل بحياة الإنسان وعلومه ومعارفه ورفض الاعتراف بدور العقل والعلم، ورغم أن مصطلح الإنسانية لم يولد في العصر الحديث إلا في مطلع القرن التاسع عشر كحركة فكرية تدعو إلى رفع كرامة الفكر البشري، ثم ليتسع لاحقا إلى مفاهيم أخرى لتمثل تصورا عاما للحياة، لكي تصبح أمام الدين في مسارين؛ الأول مسار متصالح مع الدين، وإن كان لا يقبل تأميم الدين ومصادرته لكافة أشكال المعرفة البشرية، والمسار الثاني ليس له صلة بالدين، وهو الذي اكتسب شهرة واسعة (ص 154).

يرى الرفاعي أن النزعة الإنسانية هي الجوهر الواحد الذي يشترك فيه كل كائن بشري مع غيره، والمتمثل في ما يصير كل إنسان إنسانا، بمعنى ما يكون به الإنسان إنسانا بغض النظر عن أي شيء آخر يتدخل في تصنيفه عرقيا أو جغرافيا أو اقتصاديا أو ثقافيا أو دينيا، ويرى أن النزعة الإنسانية تعني (إنسانية إيمانية) قائمة على إيقاظ العقل، وإعادة تعريف الإنسان، مشيرا لإريك فروم تمييزه بين نمط الحياة الامتلاكي ونمط الحياة الوجودي.

يرى الرفاعي أن الكرامة هي وعي الإنسان بالحرية، وحيث إن كل رسالة تحررية في التاريخ البشري تستمد قيمتها ومشروعيتها من قدرتها على استرداد الكرامة البشرية المهدورة، بل إن المعيار الكلي لاختبار إنسانية أي دين هي كيفية تعاطيه وإعلائه للكرامة الإنسانية، والموقع الذي تحتله منظومة الكرامة لديه (ص 183)، ولهذا فهي قيمة أصيلة، وتبدأ الكرامة بالفرد لتنتهي بكرامة الأمة. ويعتقد الرفاعي أن التيارات اليسارية والقومية والأصولية تورطت في مفارقة استغفلت فيها بأن كرامة الأمة تتقدم على كرامة الفرد، وفي مرحلة لاحقة اختزلت كرامة الأمة بكرامة الزعيم وحده. الرفاعي يعتقد بعلوية وتقدم كرامة الفرد، لا كرامة لأمة لا كرامة لأفرادها، ويعرفها بأنها تمثل وعي الإنسان بالحرية، ويراها تمثل مقاما وجوديا، معتمدا على صورة الإنسان التي ترسمها آيات القرآن الكريم، ويضعها في مخططات ترسم تلك المعالم الأساسية.

ثم يرى بأن المصير المشترك للعالم يفرض قيما واحدة، مع العولمة التي جعلت مصائر المجتمعات واحدة، وحيث لم تعد الجغرافيا تمثل تحديا أو خطا فاصلا للمحلي والعالمي، أصبحت منظومة الأخلاق الشرعية غير كافية لمواجهة فضاء التحديات، ويرى مثل تحدي وباء كورونا يمثل قصة لبكاء الأرض بعد أن استباحها الإنسان وبدد غطاءها الأخضر (ص210)، وفضح هشاشة العالم وأعلن الحاجات العميقة للقيم في الحياة وضروراتها الأبدية لحماية مصير البشرية المشترك. يرى الرفاعي الكرامة والكونية هما المعيار الذي تتحدد على أساسه القيم الأخلاقية، بمعنى أن هذه القيم شاملة، وأنها قانون يصلح للتعميم، ويرى أن جميع هذه المجتمعات أمام هذا التحدي.

ويؤكد أن كرامة الإنسان تهدر حيثما تهدر حريته، التكفير في الأديان يصادر كل الحريات، إذ لا حرية لمكره على دين مثلا (ص 221). تقديم السُّنة على القرآن، والتركيز على الفقه على حساب الدين، فضلا عن التطبيق الميكانيكي لقواعد الاستنباط الفقهي، أدى إلى ضعف حضور المرجعية الأخلاقية في الاستنباط الفقهي، الذي أنتج بعض الأحكام التي تهدر كرامة البشر، مثل التكفير، (ص 234).

كما يتحدث الدكتور الرفاعي في الفصل السادس في مقاربة مهمة جدا بأن الاستعباد أبشع انتهاك للكرامة الإنسانية، حيث يرى الرفاعي وفق المنظور المعاصر بأن الاستعباد غير العبودية الطوعية، حيث أكثر ما يتفشى في المجتمعات العبودية الطوعية، التي يرضخ فيها الناس باختيارهم بعد تدجينهم لبشر يستعبدونهم (ص241). الكرامة هي القيمة المركزية في حياة البشرية، ولهذا فإن الإنسان يرفض بطبيعته الاستعباد؛ لأن جوهر إنسانية الإنسان هي كرامته، وجوهر كرامته هي الحرية، وجوهر الحرية هي المسؤولية (ص 249)، وكما يعبر زيجمونت باومان بأنه: لا غنى عن حياة الكرامة، لا البقاء بأي ثمن.

ويدعو الرفاعي بدعوة جريئة إلى أن احترام الكرامة الإنسانية هي مقصد من مقاصد الدين و أسمى أهدافه؛ وذلك يفرض أن يعاد كل تفسير ديني بما لا ينقض الكرامة أو ينتقص منها، ويعاد تفسير كل نص يتعارض مع هذا المقصد الكلي (ص 252). ويتحدث عن الحق في الاختلاف وتشكل مفهوم الفرد، ويضرب أمثلة على ذلك في العمل السياسي أو الحزبي، وأنه لا معنى لمجتمع تعددي من دون بناء لمعنى الفرد، وتذهب مباحث من الكتاب إلى الدعوة إلى حفظ الكرامة من خلال بناء السياقات التربوية للشخصية البشرية، وحيث يرى أن أسوأ أخطاء التربية التوبيخ على الخطأ، وكذلك الحث على الإذعان والانقياد والطاعة العمياء، وتخادم الاستبداد الديني مع الاستبداد السياسي (ص266).

الرفاعي يقدم في هذا الكتاب حلا لمشاكل قيمية في الحياة البشرية المعاصرة، لمواجهة الصراع والصدام الانحطاط القيمي والوباء عبر الدعوة لإعادة كرامة الإنسان، تلك القيمة المهدورة التي تحتاج إلى إعادة هذه المفاهيم وجعلها القيمة الأسمى التي ترتقي ببنيان الله كرامة وحرية.

 

فلسفة الكرامة عند فوكوياما

سبق أن قرات لفرانسيس فوكاياما كتابه (الهوية مطلب الكرامة وسياسات الاستياء الصادر) عن منتدى العلاقات العربية والدولية، ترجمة: مجاب الإمام، الذي يفسر الأحداث في العالم من منظار الهويات والكرامة، مرورا بما يعرف بالربيع العربي، والذي يرى فيه أن الذات الداخلية اساس الكرامة الإنسانية، بيد أن طبيعة تلك الكرامة متحولة ومتغيرة مرارا مع الزمن، حيث كانت الكرامة في العديد من الثقافات المبكرة حكرا على قلة من الناس، غالبا طبقة المحاربين المستعدين للمخاطرة بحياتهم في المعارك، في مجتمعات أخرى كانت الكرامة سمة كل البشر على أساس قيمتهم المتأصلة كبشر، وفي حالة ثالثة كانت الكرامة شرطا واجبا لعضوية المرء في مجموعة أكبر من التجارب والذاكرة المشتركة (ص 31).

ويربط هذا السياق بأجمعه في مفهوم الكرامة، عندما يؤكد أن مفهوم الهوية الحديث له ثلاثة مظاهر مختلفة هي الأول الثايموس، وهو يمثل الجانب الكوني من الشخصية الإنسانية التواق أبدا إلى الاعتراف، والثاني هو التمييز بين النفسين الداخلية والخارجية، والثالث هو تنامي الكرامة (ص57).

فيما يؤكد الرفاعي الجانب الإنساني في الكرامة عند كل الأديان، يحدد فوكويما مفهوم الكرامة المسيحي حول هذه القدرة على الاختيار الأخلاقي يستطيع البشر التمييز بين الخير والشر، ويمكنهم اختيار فعل الخير حتى ولو كان في أغلب الأحيان مثل آدم وحواء لا يفعلونه، كما ورد في سياق فكر لوثر (ص 58).

حيث يرى القس المعمداني مارتن لوثر كينغ مركزية الخيار الأخلاقي للكرامة الانسانية، اذ قال: (لدي حلم بان يعيش اطفالي الاربعة يوما في أمة لا تحكم عليهم بلون بشرتهم، بل بمحتوى شخصهم)، وهذه الأفكار حول الكرامة بنسختها العلمانية وردت على لسان إيمانويل كانط وردت في كتابه نقد العقل العملي، حيث يؤكد بأننا لا نستطيع الإشارة إلى شيء، باعتباره خيرا محضا وغير مشروط باستتثناء الإرادة الخيرة؛ أي القدرة على اتخاذ الخيار الأخلاقي الملائم، وأيد هيغل هذا الخيار الأخلاقي بالربط بين الخيار الأخلاقي والكرامة الإنسانية (ص 59).

ويرى فوكوياما بأن مطلب الاعتراف المتساوي بالكرامة قد حرك الثورة الفرنسية، وما زال مستمرا وفاعلا في تحريك الثورات حتى يومنا الحالي، ويضرب مثالا على ذلك الثورة التونسية عام 2011، عندما صادرت الشرطة عربة خضار لبائع جوال اسمه محمد بو عزيزي؛ لأنه لم يكن يحمل ترخيصا حسب أسرته. ولهذا صفعته الشرطية فائدة حمدي أمام الملأ، فذهب بوعزيزي إلى مكتب المحافظ لتقديم شكوى واستعادة ميزانه لكن المحافظ رفض مقابلته، فصب بوعزيزي البنزين وأحرق نفسه صائحا: كيف تتوقعون مني أن أكسب عيشي!، (ص61) وصولا إلى ثورة باتت تعرف بثورة الكرامة في أوكرانيا عام 2013، ويتفق الرفاعي مع فوكوياما على ربط مفهوم الكرامة مع جانب الحرية (ص 65).

لكن يختلف معه في شرح هذا الربط، عندما يقول فوكوياما: (إن التقليد المسيحي الذي يرى أن الكرامة متجذرة في الفاعليه الأخلاقية الإنسانية مع أنه لم ينظر إلى تلك الفاعلية بمعنى ديني الآن)، فالرفاعي أثبت في كتابه إمكانية المزج بينهما (ص 65)، حيث بقيت الرغبة في أن تعترف الدولة بكرامة الفرد الأساس كجوهر كل الحركات الديممقراطية، وبناء على زاوية هيغل، فإن الحقوق السياسية المتساوية لمواطنيها هي الحل العقلاني لكل التناقضات في العلاقة بين السيد والعبد (ص 68)، الذي يعالجها فوكوياما لاحقا من زاوية الدستور والقوانيين، حيث يقول معترفا: (لا يعرف أي من هذه الدساتير “الغربية” بدقة ماهية الكرامة الإنسانية وقلما يستطيع سياسي في العالم الغربي تفسير أساسها النظري) (ص 70).

وتاريخيا، فقد تفرع مفهوم الكرامة في القرن التاسع عشر في اتجاهين؛ الأول نحو الفردانية الليبرالية التي ترسخت في الحقوق السياسية للديمقراطيات الليبرالية الحديثة، والثاني نحو الهويات الجمعية التي يمكن تعريفها بالأمة والدين، والتي ركز عليها الرفاعي في كتابه، فيما يعتقد فوكوياما أن الكرامة قد تعرفت إلى عملية أسماها (دمقرطة الكرامة) في المجتمعات والدول (ص107)، فيما يركز على البعد المسيحي للكرامة، كانت رؤية الرفاعي أشمل بكثير، فلم يقتصر مفهوم الكرامة لديه عند حد التفسير الإسلامي، وهذه مفارقة بين عالمية الرؤية وشموليتها عند الرفاعي، فيما ظل فوكوياما متحدثا عن التقليد المسيحي في فكرة الكرامة، ومحاولة علمنتها، وإن كانت تنتمي لجذور متعلقة بالقواعد الأخلاقية، لكن مع انحسار الأفق الأخلاقي المشترك الذي أقامه الدين السائد في الدول الغربية، أصبح منح الكرامة حصرا للأفراد الملتزمين بقواعد المسيحية الأخلاقية (ص 108).

ختاما، قدم الرفاعي رؤية مفيدة جدا لمعالجة مشكلات عصرننا الراهن، ويصلح أن يخضع هذا الكتاب لحلقات نقاش مستمرة، وخصوصا للجيل الراهن، بات بأمسّ الحاجة إلى توجيه إنساني نحو الحب والسلام في زمن الدمار والعنف.

[1] باحث عراقي متخصص في العلوم السياسية.

 

رابط نشر المقال: