تبديل الاسم يبدّل الحكم على المسمّى

  د. عبد الجبار الرفاعي

يولد الإنسان في لغة تسبقه، فيتعلم أسماء الأشياء قبل أن يسأل عن دلالاتها، ويتلقى تصنيفات الجماعة قبل أن يختبرها. تختزن الكلمات آثار تجارب وصراعات وأحكام فقدت أسبابها، غير أن ظلالها تلبث فاعلة في الاستعمال اليومي. يتوهم المتكلم أنه يتصرف في لغته بحرية، مع أن الموروث اللغوي قد يتكلم من خلاله، ويستدعي على لسانه مفاهيم لم يخترها وأحكامًا لم يفحصها. تبدأ حريته حين يعي المسافة بين صوته وصوت الجماعة في داخله، ويميز ما يعبر عن خبرته مما تفرضه العادة، ثم يعيد ابتكار لغته بما يتسع لتجربته ويحفظ حق الآخر في أن يكون مختلفًا. يقول مارتن هايدغر: “يتصرف الإنسان كما لو كان هو صانع اللغة وسيدها، في حين أن اللغة تظل سيدة الإنسان”[1].

مَن يمتلك سلطة التسمية يوجّه الوعي؛ فالاسم، فضلًا عن دلالته على الشيء، يحدد موقعه في منظومة المعنى، ويستدعي حياله الخوف أو الطمأنينة، والقبول أو الرفض، والحب أو الكراهية. ومَن يحتكر تسمية الأشياء يسيطر على نظام إنتاج المعنى ويستطيع توظيفه، ويمنح المواقف والأفعال شرعيتها أو يسلبها منها؛ هكذا تسمي السلطة المستبدة القمع أمنًا، والاستبداد استقرارًا، والإقصاء حماية للهوية، والاحتلال تحريرًا، والامتياز حقًا، والاعتراض فتنة. تكشف التجارب المريرة للاحتلال، منذ الاستعمار الإمبراطوري القديم إلى الاستيطان الحديث، عن تعمد تبديل أسماء المدن والقرى والمواقع والأنهار والبحار والبحيرات؛ لمحو ذاكرة السكان الأصليين، وطمس هويتهم، وإعادة رسم هوية المكان بلغة المحتل. الاسم ليس علامة محايدة، إنه مستودع للذاكرة، وسجل لتاريخ الجماعة، وشاهد على صلتها بأرضها. حين ينتزع المحتل الاسم من المكان، يحاول اقتلاعه من ذاكرة أهله، وقطع الصلة بين الأجيال وتاريخها، وإحلال روايته محل روايتهم. حماية الذاكرة الوطنية تبدأ باسترداد الأسماء الأصلية، وحماية هوية المكان من المحو، وصيانة حق السكان في رواية تاريخهم بلغتهم وأسمائهم. ترسخت هذه السياسة الموجعة في المناطق التي أخضعتها القوى الأوروبية في الأمريكتين وأستراليا، وتواصلت بأقسى صورها في فلسطين، حيث لا يكون تبديل الاسم عملًا لغويًا محايدًا، وإنما أداة للاستحواذ الرمزي على المكان، وقطع صلته بتاريخه وسكانه الأصليين. لا يستهدف هذا التغيير الأسماء وحدها، بل يسعى إلى محو ذاكرة المكان، وقطع صلته بتاريخه وسكانه، وإحلال رواية المتغلب محل رواية أهله.

لا تغير السلطة الأسماء اعتباطًا؛ لأنها تدرك أن تبديل الاسم يبدل الحكم على المسمى، ويمنح الفعل القبيح مظهرًا مقبولًا. لا تكتفي التسمية بوصف الواقع، وإنما تعيد تشكيله في الوعي، وتحدد موقع الأشخاص والأفعال والأماكن في منظومة القيم. تصير تسمية الأماكن أداة للاستحواذ الرمزي؛ فمن يفرض عليها أسماءه يحاول امتلاك تاريخها، وإعادة صياغة هويتها، والتحكم في صورتها المستقرة في ذاكرة الأجيال. هكذا يتحول الصراع على دلالات الكلمات إلى صراع على القيم والمعايير والمعتقدات، ويغدو تحرير المعجم العام شرطًا لتحرير الإنسان من الخداع والتضليل. تبدأ نهضة المجتمعات حين تسترد كلماتها من قبضة الأيديولوجيا، وتكشف ما تراكم في دلالاتها من تزييف، وتعيد إليها قدرتها على قول الحقيقة، واستيعاب السؤال والاختلاف، وابتكار إمكانات جديدة للحياة.

نقد اللغة ضرب من تفكيك سلطة الأحكام المسبقة؛ الكلمات تكشف طرائق التفكير، وأنماط الشعور، وما يختبئ في اللاوعي من أحكام مضمرة. تهذيب اللغة إعادة تربية للشعور والذوق، وتصحيح لعلاقة الإنسان بذاته وبمن يختلف عنه، وتحرير للوعي من ألفاظ التعصب والاحتقار والإقصاء. كلما تهذبت اللغة اتسعت للاختلاف، وصانت كرامة الإنسان، وفتحت أفقًا للحوار والتفاهم والعيش المشترك. تجديد اللغة ليس استبدال ألفاظ بأخرى فقط، إنه مراجعة لنظام القيم الكامن فيها، وبناء لمعجم يعترف بالإنسان، ويحمي حقه في التعبير عن ذاته، من دون أن تحاصره أحكام الآخرين وتسمياتهم الجاهزة.

لا يتحرر الإنسان من أسر اللغة إلا حين ينتبه إلى ما تخفيه كلماتها من أحكام مضمرة، وينقد دلالاتها الموروثة، ويعيد فهمها في ضوء وعيه وخبراته. الكلمات لا تصف الإنسان والعالم فقط، وإنما تسهم في تشكيل نظرته إليهما، وتحدد مواقفه منهما. حين يراجع الإنسان معجمه، ويطهره من ألفاظ التحقير والكراهية والإقصاء والعنف، يتحرر وعيه من كثير من أوهامه، وتتسع لغته للاختلاف، وتصير أقدر على حماية الكرامة وفتح أفق للتفاهم والعيش المشترك.

قد تتحول الكلمة من وصف للإنسان إلى قدر يلاحقه؛ فالتسمية التي يلصقها الآخرون به تختزله في صفة جارحة، وتضعه في سجن كئيب يحجب مواهبه، ويطمس تنوع شخصيته وثراء تجربته. يحدث ذلك حين يلصقون بفرد أو جماعة تسمية ازدرائية، فلا يقف أثرها عند حدود الحكم العابر، وإنما يمهد للتمييز والعزل والحرمان، وربما يسوغ العنف. تبدأ القسوة في المعجم قبل أن تنتقل إلى السلوك، ويبدأ الاعتراف بالآخر حين ينادى بالاسم الذي يصون كرامته ويقر بحقه في الاختلاف. العناية بالكلمات مسؤولية أخلاقية؛ لأن تهذيب اللغة يسهم في بناء علاقات راسخة، ويحول دون اختزال البشر في قوالب جامدة، ويفتح المجال أمام كل إنسان كي يعبر عن ذاته بصوته، بعيدًا عن الأسماء التي يفرضها عليه الآخرون.

ترسم اللغة للإنسان أفقًا يرى فيه ملامح العالم الذي يود أن يسكنه؛ فقد تسهم في تشكيل صورة جميلة للحياة، وقد ترسم عالمًا كئيبًا يرهقه ويستنزف روحه. اللغة مرآة تنعكس فيها أعماق الإنسان بما تختزنه من نور أو ظلمة، وقوة تسهم في تشكيل هذه الأعماق، وجسر يعبر به من العتمة إلى الإشراق، ومن ضيق الأفق إلى سعته، ومن التيه إلى المعنى الذي يبحث عنه. حين تستيقظ في اللغة طاقة الانكشاف، توقظ البصيرة، وتمنح الإنسان قدرة على رؤية ذاته والوجود بعين أكثر اتساعًا وجمالًا، وتفتح أمامه إمكانات جديدة للفهم والتأويل. اللغة الدافئة تنبه الضمير من غفلته، وتطهر القلب من سموم الكراهية، وترمم ما بددته القسوة والجفاء في العلاقات الإنسانية. في هذه اللغة طاقة خفية تضمد جراح النفس، وتخفف مشاعر القلق والحزن، وتصالح الإنسان مع ذاته والآخرين والحياة. الكلمة الرحيمة لا تغير العالم كله، غير أنها قد تغير عالم إنسان منكسر، وتمنحه سببًا جديدًا للأمل ومواصلة الحياة.

حين تنغلق اللغة في قوالب جامدة، تضيق دلالاتها، وتخبو قدرتها على توليد المعنى، فتتحول إلى عبء يثقل الفكر ويحبس الروح. أما اللغة الحية فتتجدد بتجدد التجربة، وتبتكر كلمات تكشف ما لم يكن مرئيًا، وتمنح الإنسان قدرة على الإفصاح عما يختبئ غامضًا في أعماقه. لا تقاس حيوية اللغة بكثرة مفرداتها، وإنما بقدرتها على الاستجابة لأسئلة العصر، واستيعاب الخبرات الجديدة، وابتكار آفاق للمعنى لم ترها الأجيال السابقة. تموت اللغة حين تكرر أجوبتها القديمة، وتفرضها على أسئلة جديدة، وتحيا حين تصغي إلى الإنسان، وتواكب تحول تجاربه، وتمنحه إمكانات أوسع لفهم ذاته والعالم. تجديد اللغة لا يعني القطيعة مع ميراثها، وإنما تحرير طاقاته الكامنة، وإعادة تأويل كلماته في ضوء حاجات الحاضر وآفاق المستقبل. كل لغة تعجز عن الإصغاء إلى إيقاع الحياة تنغلق وتتحجر تدريجيًا، وكل لغة تستوعب تحولات الإنسان تكون قادرة على إيقاظ العقل وإنتاج المعنى.

[1] هيدغر، مارتن، البناء، السكن، التفكير: كتابات أساسية، ترجمة وتحرير: إسماعيل المصدق، ج 2: ص 222، 2003، المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة.

https://alsabaah.iq/137527-.html

 

العالم كما ترسمه اللغة

 د. عبد الجبار الرفاعي

ظهر الإنسان العاقل، في صورته البيولوجية الحديثة، عبر مسار تطوري يعود إلى نحو ثلاثمئة ألف سنة، كما يقول الخبراء. غير أن قدرته اللغوية تطورت بالتدريج مع تطور دماغه وتعقد حياته الاجتماعية واتساع وعيه بذاته والعالم. لم تظل اللغة وسيلة للتفاهم، إذ غدت أفقًا تتكون فيه الخبرة، ونظامًا رمزيًا تتشكل فيه معاني الكائنات والأشياء والوجود. تمنح اللغة العالم أسماءه وصوره ودلالاته، وتعيد بناءه في الوعي والذاكرة والخيال؛ فما لا اسم له يظل مبهمًا غائمًا في الإدراك، وما تمنحه اسمًا يغدو قابلًا للفهم والتأويل والتداول. لا تنقل اللغة العالم كما هو، فهي تنتقي منه وتصنفه وتعيد ترتيب عناصره، وتكشف وجوهًا وتحجب أخرى تبعًا لثقافة المجتمع ودينه ونمط عيشه وتاريخه. يصنع الإنسان اللغة بقدر ما تصنعه؛ يبتكر ألفاظها ودلالاتها، وتصوغ تفكيره ورؤيته لذاته وللآخر والعالم.

تسهم اللغة في توجيه إدراك الإنسان، فتحدد ما يراه وما يغفل عنه؛ متى اتسعت اللغة اتسع عالم الإنسان، ومتى ضاقت ضاقت آفاق رؤيته. لا يسكن الإنسان العالم الطبيعي وحده، بل يسكن أيضًا عالمًا تشيّده اللغة والرموز والخيال، وتحفظ فيه خبراته وذاكرته وقيمه وأحلامه. باللغة يختزن تجاربه، وينقلها إلى الأجيال، ويحول الخبرة الفردية العابرة إلى ذاكرة جمعية متراكمة. هكذا غدت اللغة شرطًا لتشكل الثقافة، ونمو المعرفة، وتطور الحضارة، وبناء الهوية، وحضور الأديان وانتشارها؛ فهي ليست مجرد أداة يستعملها الإنسان، وإنما أفق يسكنه، ويرى فيه ذاته والعالم والوجود.

في فضاء اللغة صيغت القوانين، وانتظمت العلاقات والمصالح والمعاملات، وتأسست السلطات والدول والسياسات، وأعلنت القيم الأخلاقية عن أثرها في حياة الفرد والمجتمع، وتشكلت الهوية عبر السرد والخيال والذاكرة الجمعية، وبشّرت الأديان برسالاتها. غدت اللغة نظامًا ينتظم فيه العالم البشري، وتتكون صوره ودلالاته. يتجلى وعي الإنسان بذاته والآخر والعالم من خلالها، فهي حاضنة خبرته، والمشاركة في إنتاج رؤيته للوجود. باللغة يحفظ الإنسان الماضي، ويفسر الحاضر، ويتخيل المستقبل، وتنقل الأجيال معارفها وقيمها ورموزها وأديانها وثقافاتها من عصر إلى آخر.

لا تتولد اللغة وتتطور خارج حياة الإنسان وخبراته وعلومه ومعارفه وثقافته وأديانه؛ فهي تتسع مع اتساع وعيه، وتتجدد بتراكم معارفه وتحول رؤيته للعالم وتبدل أنماط عيشه. بدأت اللغة استجابة لحاجة الإنسان إلى التواصل والإشارة والتعبير، واقترنت في طورها الشفاهي المبكر بالإيماءة والإيقاع، فتكونت فيها البذور الأولى للرمز والخيال والسرد. من هذه البذور تفتحت لغة الدين ولغات الشعر والأدب والفلسفة والعلم، تعبيرًا عن تطور وعي الإنسان، وسعيه إلى فهم ذاته والعالم، وتسمية خبراته ومفاهيمه، والإجابة عن أسئلة وجوده. لا يتحدد ثراء اللغة بكثرة مفرداتها وحدها، فثراؤها يتجلى في توالد دلالاتها، وتجدد مجازاتها، واتساع قدرتها على التعبير عن الخبرات الجديدة، وبناء المعنى وتأويل الوجود. كل تحول عميق في وعي الإنسان يترك أثره في لغته، مثلما يعيد كل تحول في اللغة تشكيل وعيه ورؤيته لذاته والعالم.

تتسع اللغة وتتطور من التعبير الأولي البسيط إلى أفق حضاري تتجلى فيه خبرة الإنسان التاريخية، وينكشف له العالم بما تمنحه من أسماء ودلالات وصور ورموز. لا يقوم التاريخ على الوقائع وحدها، وإنما يتكون في اللغة، ويستعيد حضوره في السرد والتأويل والذاكرة والمتخيل والهوية. لا تحضر الأحداث في وعي الإنسان كما وقعت، بل كما يرويها ويفسرها ويسردها ويمنحها معانيها، وفقًا لما يعيد المتخيل بناءه في فضاء اللغة. هكذا تغدو اللغة أفقًا تتشكل فيه صورة الماضي، ويصوغ الإنسان من خلاله رؤيته لذاته والعالم والمستقبل.

تنقضي الوقائع، غير أن اللغة تحفظ آثارها، وتعيد ترتيبها وتأويلها، وتمنحها دلالات جديدة، وقد تحول حدثًا عابرًا إلى رمز حي في الذاكرة الجمعية، أو تهمشه وتسقطه في قاع النسيان. لا يستعيد الإنسان الماضي كما وقع، وإنما يستحضره كما ترويه اللغة، وتنتقي وقائعه، وتربط بينها، وتصبغها بمعاني الحاضر وأسئلته ومصالحه. كل سرد يعيد بناء الماضي من زاوية مخصوصة، فيضيء وقائع ويحجب أخرى، ويمنح بعض الشخصيات والأحداث حضورًا يتجاوز حضورها الواقعي ومواقفها في التاريخ. مَن يمتلك سلطة السرد يمتلك قدرة واسعة على صياغة صورة الماضي، وتوجيه فهم الحاضر، ورسم آفاق المستقبل؛ فالهيمنة لا تُمارس بالقوة وحدها، وإنما تمارس أيضًا عبر الكلمات التي تسمي الأشياء، والحكايات التي تصنع الذاكرة، والصور التي تشكل الهوية والمتخيل الجمعي. من هنا تصبح اللغة ميدانًا للصراع على المعنى والذاكرة والهوية، ويغدو تحرير الوعي متوقفًا على قراءة نقدية تكشف ما يخفيه السرد، مثلما تكتشف ما يعلنه.

لبثت اللغة أحد أسرار تفوق الإنسان؛ لأنها الفضاء الذي يتشكل فيه المعنى، ويصوغ فيه أساطيره وسردياته المشتركة، التي ربطت ملايين الغرباء بشبكات واسعة من التعاون والتضامن وتبادل المصالح. في فضاء الأسطورة تبلورت ثقافات وآداب وفنون، وغذت الأساطير المتخيّل الديني، ورسخت بعض صوره في لاشعور الإنسان، وأسهمت في امتدادها عبر التاريخ. حفظت الأساطير الذاكرة والهوية، وصاغت الصور الكبرى التي فهم الإنسان من خلالها ذاته والعالم وموقعه في الوجود، ومنحت الجماعات سرديات مشتركة يتماسك بها وعيها الجمعي.

بمرور الزمن استحوذت بعض التأويلات الدينية على مجالات متنوعة من الحياة، وضيّقت فاعلية العقل والخبرات البشرية، حين تحولت إلى يقينيات مغلقة تعطل السؤال، وتحد من حرية التفكير، وتمنع الإنسان من إعادة النظر في فهمه للعالم والحياة في ضوء ما يهديه إليه عقله وعلومه وخبراته. هكذا تكون اللغة قوة رمزية تصوغ الوعي الجمعي، وتعيد تشكيل صورة العالم، وتمكن الإنسان من تحويل خوفه وقلقه وأسئلته الوجودية إلى حكايات ورموز ومعانٍ تتوارثها الأجيال.

غدت اللغة قوة رمزية تصوغ الوعي الجمعي، وتمكن الجماعات من تخيل عالم مشترك، تنشأ فيه الحضارات، وتنتظم العلاقات، وتتراكم المعارف والآداب والفنون والقيم. بها حول الإنسان خوفه إلى حكاية، وتجربته إلى معرفة، وقلقه الوجودي إلى سؤال عن المعنى. لم تحبسه اللغة في الواقع، فقد فتحت أمامه أفق الممكن، فاستطاع تخيّل حياة أكثر أمنًا وعدلًا وجمالًا، وتحويل خياله إلى مشروعات ومؤسسات ومنجزات.

في اللغة تتحول الواقعة العابرة إلى خبرة ذات معنى، والإحساس الغامض إلى وعي يمكن التعبير عنه، والتجربة الفردية إلى ذاكرة قابلة للمشاركة والتوارث. تسهم اللغة في بناء صورة العالم داخل الوعي، وتصوغ علاقة الإنسان بذاته والآخر والطبيعة والوجود. من خلالها يتجاوز الإنسان أسر اللحظة الحاضرة، فيستعيد الماضي، ويتخيل المستقبل، ويفكر في الممكن، ويبتكر بدائل لما هو قائم. هكذا تحرره اللغة من الارتهان للواقع، وتفتح أمامه أفق ما يمكن أن يكون، وتمنحه القدرة على تعريف ذاته، وإعادة فهم العالم وتغيير موقعه فيه.

 

تجديد الرؤية للعالم يمر عبر اللغة

                                                                                 د. عبد الجبار الرفاعي

تجديد الرؤية للعالم يمر عبر اللغة، اللغة ليست أداة محايدة للتعبير، بل هي الأفق الذي يرى الإنسان من خلاله ذاته والعالم. تنبثق اللغة من عمق التجربة الإنسانية، وتتشكل في تفاعل الوعي مع الواقع، وتغتني بما يختزنه الإنسان من خبرات ومعانٍ. لا تهبط اللغة من عوالم الغيب، ولا تأتي من خارج مدار الوجود البشري. لا لغة أسمى من أخرى، ولا لغة أدنى من أخرى، ولا تنقسم اللغات إلى مقدسة ومدنسة. تتجلى قيمة اللغة بقدر ما تحتضن حاجات الإنسان، وتعكس وعيه، وتترجم نمط عيشه. اللغة الحية تتحرك مع نبض الزمن، وتنفتح على تحولات الواقع، وتتحرر من جمود القوالب الجاهزة، لأنها كائن اجتماعي يخضع لقوانين النمو والتطور والتحول التي تسري في الكائنات الحية. الكائن الذي ينغلق على ذاته، ولا يتغذى، يتخلف عن إيقاع الحياة، ويفقد القدرة على التجدد، ثم ينكمش ويتحجر ويفنى. اللغة التي تتجدد وتتناغم مع إيقاع العصر تفتح للإنسان أفقًا أرحب لرؤية العالم وفهمه وإعادة بنائه.

بما أن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل هي الأفق الذي يتشكل فيه المعنى، والفضاء الذي تتكوّن فيه رؤية الإنسان للعالم، فإن أي تجديد في هذه الرؤية يمر عبر تجديد اللغة، وإعادة بناء معجمها، وتحريرها من القوالب المغلقة، لتستعيد قدرتها على إغناء الشعور، وتحفيز الفكر، وإيقاظ الوعي. اللغة التي تنغلق على ذاتها، ولا تستجيب لتحولات الواقع، ولا ترتوي من ينابيع التجربة الإنسانية الحية، تفقد صلتها بالإنسان، وتتحول إلى كائن مشلول عاجز عن مواكبة ايقاع الحياة.

لا يمكننا تجديد رؤيتنا للعالم مالم نعمل على تجديد لغتنا، فكل كلمة في لغتنا تعكس منظورنا الذي نرى فيه العالم، ومفاهيمنا ليست إلا نتيجة لهذه المنظورات،كما يقول توشيهيكو إيزوتسو. في هذا السياق خصّص محمد عابد الجابري الفصل الرابع من كتابه “تكوين العقل العربي” لدراسة رؤية الأعرابي للعالم، وكيف كان: “الأعرابي صانع العالم العربي”، يكتب الجابري: “لقد جمعت اللغة العربية من البدو العرب الذين كانوا يعيشون زمنا ممتدًا كامتداد الصحراء، زمن التكرار والرتابة، ومكانًا بل فضاءً فارغًا هادئًا، كل شيء فيه صورة حسية، بصرية أو سمعية. هذا العالم هو كل ما تنقله اللغة العربية إلى أصحابها، اليوم وقبل اليوم، وسيظل هو ما دامت اللغة خاضعة لمقاييس عصر التدوين… أن يظل الذهن العربي مشدودًا، إلى اليوم، إلى ذلك العالم الحسي اللاتاريخي الذي شيده عصر التدوين، اعتمادًا على أدنى درجات الحضارة عبر التاريخ، حضارة البدو الرحل التي اتخذت أصلا، ففرضت على العقل العربي طريقة معينة في الحكم على الأشياء، قوامها: الحكم على الجديد بما يراه القديم”[1].

تمتلك العربية بنية اشتقاقية ثرية تمنح الجذر الواحد طيفًا واسعًا من المفردات، وتتيح للكلمة أن تغدو ريشة ترسم الصور الموقظة للشعور، والمحفزة للبصيرة. نشأت العربية وترعرت في بيئة مشبعة بمجازات الشعر وكناياته وصوره، وارتقت بفضل القرآن الكريم إلى أفق رمزي رحب تتعدد دلالاته، وينفتح على التأويل، ويتسع للتجربة الذوقية التي تغذي الروح وتعمق الوعي. احتضنت العربية تنويعات الميثيولوجيا والحكاية، وتغذت على عوالم السرد في “ألف ليلة وليلة”، وانفتحت على الشذرات المتدفقة من الحياة الروحية للمتصوفة، ومقامات شهودهم للأنوار الإلهية، وتجاربهم في الإشراق والمكاشفة، فاستوعبت رموز الغيب، وتلألأت كلماتها بالتعبير عن الحياة العاطفية والروحية. تنوع مفردات العربية، وغزارة تراكيبها، يعززان قابليتها على احتضان أعمق الخبرات الروحية، والانفعالات النفسية، والأحاسيس الشعورية. وبفضل شفاهيتها الأولى، وبنيتها الإعرابية، وتوالدها الاشتقاقي، اتسع مجالها لغزارة طرائق التأويل، وأسست لتقاليد راسخة في فهم النصوص، ومراكمة معانيها. هكذا حافظت العربية على مكانتها بوصفها وعاء حيًا للدين، والخيال، والأسطورة، والشعر، والسرد، وأفقًا رحبًا للمعنى. تتجدد اللغة بقدر ما يتجدد الوعي الذي تتكلمه، وتتسع بقدر اتساع رؤيتها للعالم.

بما تمتلكه العربية من طاقة مجازية عالية، وتعدد في الدلالات، وتكاثر في الاشتقاق، وتوسع في المعجم، ووفرة في المرادفات، وغزارة وتنوع في الألفاظ، فإنها قادرة على احتضان أعمق الخبرات الشعورية، وأدق الحالات الروحية، وتجليات الغيب. وبما تمتاز به من قدرة على بناء الصور الشعرية المتنوعة، وثرائها في التعبير عن أشواق العاطفة العميقة، وغنى معجمها في سرد الأساطير والملاحم والمرويات الكبرى، بما تختزنه من طاقة رمزية، وقدرة على التلميح والمجاز والإشارة والتأويل. يغتني معجم العربية في تصوير العالم اللامرئي، وتجسيد معاني الغيب، ومخاطبة العاطفة، والتعبير عن خلجات النفس وانفعالاتها. تعزز هذا الغنى بتأثير القرآن الكريم في إعادة تشكيل الذوق والخيال، حتى غدت العربية لغة تتسع للتعبير عن الغيب، وتوظيف الرموز. ورافقتها خبرة تجلت في تصوير ما يبتكره الخيال والأساطير والحكايات، وأمثال القبائل، وأناشيد الجماعة، وتنوعت تعبيراتها. وأسهم انفتاحها التاريخي على حضارات متعددة، وتفاعلها مع لغات وثقافات أخرى، ومرورها بعصور ازدهار نثري وتأويلي وفلسفي وكلامي وأصولي وفقهي، في توسيع طاقتها الدلالية، وإثراء مخيالها، وتغذية منابعها في الفنون الأدبية المتنوعة، حتى غدت اللغة لا تنقل التجربة فحسب، بل تجسدها، وتفتحها على أفق يتسع لتأويل لا نهائي.

تواجه اللغة العربية اليوم جملة من التحديات التي تحد من قدرتها على التجديد، وتبطئ قابليتها على التكيف مع الحاجات اللغوية والثقافية والمعرفية للإنسان العربي. من هذه التحديات تغلغل الرؤية الكلامية في بنية اللغة الدينية، وما تركته من أثر عميق في مفاهيمها وتصوراتها لرؤية العالم، حتى غدت أسيرة لعلم الكلام القديم، ومقيدة بسياقات تعجز عن مواكبة التحولات المتسارعة في الحياة الحديثة. هذه الرؤية هيمنت على تفسير النصوص التشريعية، وبسطت سلطانها على لغة القوانين، فتعطلت إمكانية إنتاج لغة قانونية أكثر حيادية ودقة ووضوح، قادرة على تحديد المعاني من دون تعدد في الخيارات أو التفسيرات. كما أن الأثر العاطفي العميق لحضور لغة القرآن، وفاعلية التراث في الوعي واللاوعي الجمعي، ووفرة المجازات والكنايات والمرادفات، أسهمت أحيانًا في غموض التعبير، وأثرت في لغة المصطلحات والأحكام القانونية، فغاب الوضوح، وتراجع التحديد الصريح للمراد في بعض السياقات. ومع تراكم القرون، تشبعت العربية بالمقدس، فاكتسبت شيئًا من هالته وسطوته، بوصفها لغة القرآن والنصوص الدينية والتراث الإسلامي. وحين استحوذت معاهد التعليم الديني على تعليم العربية في الماضي، واحتكارها تدريجيًا، تولى رجال الدين حمايتها، وفرضوا سلطتهم عليها، حتى غدت كل دعوة لإعادة النظر في قواعدها، أو تطوير أساليبها في التعبير، أو تحديث معجمها، تعد في نظرهم عدوانًا على المقدّس[2].

من التحديات التي تواجه العربية اليوم تفشي الازدواجية بين الفصحى والعامية، واتساع اللهجات المحلية وعمق حضورها في الوعي واللاوعي لدى الناطقين بها، حتى غدت عامية البلد الذي ينتمي إليه المتحدث هي اللغة التي يفكر بها ويعبر من خلالها الإنسان عن مفاهيمه ومشاعره، بينما تراجع حضور الفصحى في الحياة اليومية، وانحصر مجالها في الإعلام وبعض المجالات الرسمية. وبمرور الزمن، ضعف التواصل بين أبناء الضاد أنفسهم، حتى صار المتحدث بلهجة أهل المغرب لا يكاد يُفهم لدى المتحدث بلهجة أهل المشرق، فتقلص الفضاء المشترك للغة العربية، وتعرضت وحدتها الثقافية والشعورية لتهديد حقيقي.

ضعف تواصل الإنسان العربي مع العربية التي يفترض أن تعبّر عن هويته، وانصرافه إلى لهجة بلده التي أخذت بمرور الزمن تبتعد عن الفصحى وتفقد صلتها بها.كل ذلك جرى خارج أروقة المجامع اللغوية، وأسوار تصوراتها التقليدية، وانشغالها بإعادة صياغة مفردات مستقاة من التراث، وإغلاق أبوابها أمام كل دعوة لتحديث قواعد اللغة، وأساليب التعبير، وتيسير النطق بها. استكانت هذه المجامع لدور الوصي على لغة توقفت عند ما أنجزه المتقدمون من منجزات ثمينة، من دون أن تصغي لما يفرضه الواقع من حاجات جديدة في التفكير والثقافة والكتابة والتواصل ورؤية العالم، فلبثت بعيدة عن مواكبة نبض الحياة، وعن الإسهام في صياغة أفق لغوي يجدد الصلة بين الإنسان العربي ولغته.

على الرغم من أن الحداثة الشعرية والأدبية في اللغة العربية تمتد لأكثر من قرن، فإنها لم تجد ما يواكبها من تحديث بنية اللغة وقواعدها ومعجمها، ولم تنهض المجامع اللغوية بمهمة شجاعة تلامس إيقاع التحولات الشعرية والأدبية والثقافية والمعرفية، وتستجيب لمتطلبات التجديد في أساليب التعبير وبناء المعجم. منذ بدايات القرن العشرين شهد الشعر العربي تحولات زلزلت البنية التقليدية للقصيدة، وأدخلت معاني جديدة، وابتكرت صورًا واستعارات لم تألفها لغة التراث، وغيرت إيقاع التعبير، وحررت القصيدة من سلطة البحور القديمة.كان الرواد الأوائل لهذا التحول أمثال: بدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، وعبد الوهاب البياتي، وصلاح عبد الصبور، وأدونيس، وسعدي يوسف، ومحمود درويش، وبلند الحيدري، وغيرهم، ممن اشتقوا قاموسًا شعريًا جديدًا، وأغنوه بمفردات استحضرت بعض الأساطير اليونانية والرافدينية والفينيقية والفرعونية وغيرها، وبنوا تراكيب تحمل شحنة شعورية ومعرفية تعكس قلق الإنسان المعاصر واغترابه وأسئلته الوجودية. كما انعكس هذا التجديد في البنية الموسيقية للقصيدة، وفي توظيف الرموز، والانفتاح على موضوعات بديلة، تحولت فيها الشعر إلى دعوة للإصلاح التربوي والتعليمي والسياسي والاجتماعي والأخلاقي والثقافي، ومطالبة بمنح الشعوب حرياتها، واسترداد الحقوق الضائعة للمرأة، ومعالجة الفقر والمرض والجهل والتخلف، والالتفات إلى الطبقات المهمشة، ورصد آلام الإنسان الفرد واغترابه، وما يعتمل في داخله من أسئلة كبرى لمعنى وجوده وحياته ومصيره.

كما أن السرد العربي الحديث أعاد تشكيل أساليب التعبير، ووسع آفاق اللغة، وأدخلها في فضاءات جديدة تكشف البنية النفسية العميقة للذات، بما يداهمها من عبث واضطراب واغتراب وقلق واكتئاب وأسى، وتلامس في الوقت نفسه التحديات السياسية والاقتصادية والتربوية والتعليمية والأخلاقية والثقافية التي تواجه المجتمعات. تجلى السرد العربي الحديث بأغنى أشكاله في أعمال: نجيب محفوظ، وتوفيق الحكيم، وعبد الرحمن منيف، والطيب صالح، وغائب طعمة فرمان، ويوسف إدريس، وذو النون أيوب، وحنا مينه، وإدوار الخراط، وفؤاد التكرلي، وجبرا إبراهيم جبرا، وإميل حبيبي، وغسان كنفاني، والمئات من الأدباء غيرهم، ممن فتحوا للسرد العربي فضاءات جديدة، وجعلوه أداة لكشف تحولات المجتمع، وتحليل أزماته، ورصد تحولات الإنسان في عمق تجربته الوجودية.

جرى التجديد الأدبي خارج سلطة المؤسسات ومجامع اللغة ومعاهد التعليم الديني، بينما ظلت لغة التراث وكثير من أنصارها تعيد إنتاج معجمها القديم، متجاهلة للتحولات العميقة في وعي الإنسان ومعارفه وثقافته ولغته، غافلة عما يعيشه الفرد والمجتمع من آلام وهموم، من دون أن تدرك الحاجة إلى تحديث أساليب التعبير، وتحرير اللغة من القوالب المتصلبة. كما لبثت لغة الفكر الديني أسيرة لسلطة التراث، فافتقرت إلى الجرأة في مراجعة أساليبها وقواعدها، وتعثرت فيها إمكانات التحديث في التعبير اللغوي، وانكمشت عن مواكبة الحياة، وعن احتضان ما يمنحه العصر من آفاق جديدة للمعنى.

[1] الجابري، محمد عابد، تكوين العقل العربي، ص 78، ط13، 2017، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.

[2] الرفاعي، عبد الجبار، مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث، ص 61 – 63، 2024، منشورات تكوين – الكويت، دار الرافدين – بيروت.

 

https://alsabaah.iq/119217-.html