بعد تمثلها تخييليًّا تتقدّس الأشياء

د. عبد الجبار الرفاعي

كما أن المتخيَّل هو الحقل الخصب لولادة الأسئلة الوجودية الكبرى، هو حقلُ توالد الأجوبة، والأساطير، والتقديس. تجيب الأساطيرُ في شيء منها عن هذه الأسئلة، لتُطمئن الإنسانَ، الذي لا يفكر بعقلٍ نقدي، وتُشعره بالثقة عندما تصنع له ماضيًا بمقاسات رغباته وأمانيه وأحلامه، وتوهمه بقدرته على امتلاك ما يفتقر إليه في الواقع الذي يعيش فيه،كما كان أسلافُه في الأزمنة البعيدة يمتلكون كلَّ شيء يتمناه اليوم. في الأساطير ينشط المتخيَّلُ لينسج حكاياتٍ مقدّسة، تتكشف فيها أماني الناس وأحلامُهم وطموحاتُهم ورغباتُهم بوضوح لافت. عندما ينضب الواقعُ يتدفق شلّال المتخيَّل بما يفيض فيه من أسرار مدفونة في الأعماق. المتخيَّل أرشيف يختزن أحلامَ الإنسان وطموحاته ومثله العليا، وتتوطن فيه ذكرياتُه بعد إعادة إنتاجها وتمثلها تخييليًّا.

لا يتقدّس الشيء إلا بعد تمثله تخييليًّا. ربما لا يستغني عن المقدّس إنسانٌ، حتى الملحد أحيانًا لديه مقدّساتُه الخاصة، قد يراه في شخصيات استثنائية، يعتقدُ أنَّها خارقةٌ تتجاوز تناهي الكائنِ البشـري وقدراتِه المحدودة وقصوره، ويتخيّلُ أنها عابرةٌ لحدود الطاقة البشـرية. يتخيّلُ رموزًا وأشياء متنوعة يحسبها تعبيراتٍ للمقدّس، وإن كان يُعلِن تنكّره لذلك. لا يقع المقدّس موضوعًا للعقل النقدي، أو موضوعًا للعلم، لأن المقدّس خارج حدود العلم وأدوات كشفه، ولا يخضع لـ “معيار قابلية التكذيب”، فكلّ فكرة لا تقبل الدحضَ والإبطالَ والتكذيبَ لا ينطبق عليها عنوانُ العلم، على وفق “منطق الكشف العلمي” لكارل بوبر[1].

يبدأ التقدّيس عندما يتنكّر المتخيَّلُ لحقيقة الأشياء والأشخاص والكائنات، ويخلع عليها جلبابَ القداسة، بعد سلخِها من كينونتها وغايتها الوجودية، وافتعالِ غايةٍ مقدّسة لها تعطّل غايتَها الحقيقية. التنكّر لطبيعة الحجارة وتكوينها وقدراتها ووظيفتها يمكن أن يحولّها إلى مقدّسة، التنكّر لطبيعة الحيوان وماهيته ووظيفته يمكن أن يحولّه إلى مقدّس،كما في الهندوسية وغيرها من الأديان.

من نتائج تقديس البشر فرضُ تراتبيةٍ هرمية في الهندوسية وأديان أخرى، إذ يجري تكريسُ طبقةٍ نبيلة عليا تتفوق على سواها، وطبقةِ منبوذين سفلى في أحطّ منزلة من أتباع الديانة الهندوسية. الاعتقاد بالتناسخ وحضور الروح في عالَم يسبق هذا العالم في هذه الديانة، هو الذي يعطي الإنسانَ المكانةَ في عالمنا، فيجعله كبيرًا أو صغيرًا. تصنيف السلالات البشرية محفوظ في ذلك العالم قبل الولادة حسب معتقدات الهندوسية. يولد الإنسانُ وتولد معه تلك الروحُ النبيلة أو الوضيعة وترسم له أقدارَه ومصائرَه الأبدية، ويظلّ مسجونًا حتى موته في هذا القدر الوجودي الذي يستلب كرامتَه وحقوقَه كما في طبقة المنبوذين، أو يمنحه كرامةً وحرياتٍ وحقوقًا وامتيازات فائضة، يتفوق فيها على كلِّ إنسان ينتمي لطبقة أدنى منه، من دون أن يبذل أيَّ جهد لينالها،كما تستحق ذلك بالولادة طبقةُ البراهمة.

تصنيفات البشر إلى طبقات في سلّم هرمي، فرضتها الهوياتُ الدينية والإثنية المغلقة، وهي من بقايا ترسبات عصور الاستعباد المريرة. الولادة الثانية للأديان في المتخيَّل خلقت هذه التراتبية. حتى لدى المتصوّفة والعرفاء، كان ومازال مفهومُ الشيخ والمريد مفهوما طبقيًا استعباديًا بقناعٍ ديني. الكرامة مقام وجودي، ليس من حقّ الإنسان أن يتنازل عن كرامته لصالح حجر أو كائن حيّ أو إنسان أو أيّ شيء آخر، بمعنى أن الإنسانَ يولد مكرّمًا، ولا يكتسب الكرامةَ بعد ولادته من الانتماء: لدينه أو جنسه أو إثنيته أو ثقافته أو جغرافيته. الكرامة والمساواة والحرية، يحتاجها كلُّ إنسان بما هو إنسان، بغضّ النظر عن جنسه وعرقه وموطنه وثقافته ودينه. هذه قيم كونية واحدة أبدية لا يستغني عنها أيُّ إنسان، ولا تخضع للأديان والطوائف والهويات والخصوصيات والأزمنة والأمكنة والثقافات والاختلافات مهما كانت[2].

في المتخيل الإسلامي ‏المتخيل الصوفي والشيعى هما الأشد قوة ونشاطًا وفاعلية، ‏يتضخم في هذا النوع من المتخيل تقديسُ الأشخاص والأشياء والأماكن، بشكل يستنزف روحَ الدين وأهدافه الكلية الروحية والأخلاقية والجمالية. التنكّر لطبيعة الإنسان جعل المتصّوفةَ وغيرَهم لا يقبلون بتفسير سلوك شيوخهم بما يتناغم وكونهم بشرًا.كان محيي الدين بن عربي مثلًا إنسانًا كأيِّ إنسان، لديه احتياجاتٌ تفرضها طبيعتُه البشرية العاطفية والجسدية، ويتذوق الجمال كأي إنسان سليم الذوق، ديوانه يكشف عن هذه الطبيعة، المريدون لا يقبلون أن يكون أمثالُ هؤلاء بشرًا. “ترجمان الأشواق” ديوان كتبه محيي الدين حين أحبَّ النظام، وتلقب بـ “قرة العين”، وهي بنت أستاذه في مكة، أنشدَ هذا الديوانَ في عشقها والتغزّل بها. المتصوّفة من أتباعه يعتقدون أن هذا شعرٌ لا علاقة له بعشق المرأة بوصفها جسدًا وجمالًا وعاطفة، يؤولون ما ورد فيه بأنه ضربٌ من التغزّل الصوفي بالله. إلا أن محيي الدين بن عربي يتحدث بوضوح عن تجربة عشقه لهذه الفتاة بقوله: “فإني لما نزلت مكة سنة خمسمائة وثمان وتسعين ألفيت بها جماعة من الفضلاء، وعصابة من الأكابر والأدباء والصلحاء بين رجال ونساء، ولم أر فيهم مع فضلهم مشغولًا بنفسه، مشغوفًا فيما بين يومه وأمسه، مثل الشيخ العالم الإمام، بمقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام، نزيل مكة البلد الأمين، مكين الدين أبي شجاع زاهر بن رستم بن أبي الرجاء الأصفهاني رحمه الله … وكان لهذا الشيخ رضي الله عنه بنت عذراء، طفيلة هيفاء، تقيد النظر، وتزين المحاضر، وتحير المناظر، تسمى بالنظام؛ تلقب بعين الشمس، وإليها من العابدات العالمات السابحات الزاهدات شيخة الحرمين، وتربية البلد الأمين الأعظم. ساحرة الطرف، عراقية الظرف، إن أسهبت أتعبت، وإن أوجزت أعجزت، وإن أفصحت أوضحت إن نطقت خرس قس بن ساعدة، وإن كرمت خنس معن بن زائدة، وإن وفت قصر السموأل خطاه، وأغرى ورأى بظهر الغرر وامتطاه … ثم إني عرفتها بعد ذلك، وعاشرتها فرأيت عندها من لطائف المعارف الأربع ما لا يصفه واصف … ولولا النفوس الضعيفة السريعة الأمراض السيّئة الأغراض، لأخذتُ في شرح ما أودع الله تعالى في خلقها من الحسن، وفى خُلُقها الذي هو روضةُ المزنِ، شمسٌ بين العلماء، بستان بين الأدباء، حُقَّةٌ مختومة، واسطة عقدٍ منظومة، يتيمة دهرها، كريمة عصرها .. مسكنُها جيادٌ وبيتها من العينِ السوادُ ومن الصدر الفؤاد، أشرقت بها تهامة، وفتح الروض لمجاورتها أكمامه … عليها مسحة مَلَكٍ وهمَّة مَلِكٍ … فقلّدناها من نظمنا في هذا الكتاب (ترجمان الأشواق) أحسن القلائد، بلسانِ النسيبِ الرائق وعبارات الغزل اللائق، ولم أبلغ في ذلك بعض ما تجده النفس من كريم ودِّها وقديم عهدِها … إذ هي السُّؤْلُ والمأمول، والعذراءُ البتول، ولكن نظمنا فيها بعضَ خاطر الاشتياق، من تلك الذخائرِ والأعلاق … فكلُّ اسمٍ أذكرُه في هذا الجزء فعنها أكنِّي، وكل دارٍ أندبها فدارها أعني”[3].

[1] الرفاعي، عبد الجبار، مقدمة في علم الكلام الجديد، ط 3، ص 195، 2022، دار الرافدين ببيروت، ومركز دراسات فلسفة الدين ببغداد.

 

[2] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والكرامة الإنسانية، ط 2، ص 231-232، 2022، دار الرافدين ببيروت، ومركز دراسات فلسفة الدين ببغداد.

 

[3] ابن عربي، ذخائر الأعلاق في شرح ترجمان الأشواق، ص 1 – 3، 2006، دار الكتب العلمية، بيروت.

https://alsabaah.iq/93332-.html

تضخّم المقدّس واتساعه في المتخيّل

د. عبد الجبار الرفاعي

تتواصل الولاداتُ المتوالية للدين في فضاء المتخيَّل، بعد الخضوع لظروف إنتاج المتخيَّل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والروحية، وما تفرضه الولاداتُ المتسلسلة للدين بتضخم المقدّس فيه مع كلّ ولادة. مفهوم الدين غير مفهوم المقدس، وإن تطابقت كثيرٌ من مصاديق المقدس مع ما يتوالد للدين في المتخيَّل بأزمان لاحقة لزمن المؤسِّس. الدينُ حياةٌ في أُفُق المعنى، تفرضه حاجةُ الإنسان الأبديةُ لمعنى روحي وأخلاقي وجمالي في حياته الفردية والمجتمعية. المقدَّسُ سـر غامض، كنهُهُ مجهول. للمقدَّسِ سحرٌ وهالةٌ، يشعرُ معها الإنسانُ الذي يعتقدُ به بهيبةٍ وسطوة، وصمتٍ ودهشة وذهول أحياناً. المقدَّسُ قريبٌ بعيد، المقدَّسُ قريبٌ يشعرُ معه الإنسانُ كأنه حاضرٌ بمعيته، المقدَّسُ بعيدٌ لا يمكن أن يقبضَ عليه الإنسانُ أو يراه أو يتلمس وجوده، لا يتجلّى المقدَّسُ إلا عبرَ آثاره[1]. تغوّل المقدَّسُ يستنزف الدين ويستهلك طاقاته الخلاقة في منح حياة الإنسان المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي الذي تسعى لحصاده من الدين.

الدين في عصر المؤسِّس لا يتقدّس فيه إنسانٌ أو أيُّ شيء، كما نلاحظ في البوذية وغيرها. بوذا “563 ق.م – 483 ق.م”[2] كان بشرًا، انخرط في حياة التأمل والزهد ليستنير روحيًا، لم يعلن عن أن شخصيتَه مقدّسة، ولم يُشِر إلى تقديس أتباعه المعاصرين له، ولا أية كائنات حيّة أو غيرها. بعد غياب مؤسِّس الدين البوذي نشطت فاعليةُ متخيَّل الأتباع، فصار بالتدريج بوذا مقدّسًا، ونُحتت له تماثيل من الذهب والجواهر النفيسة، وبُنيت معابدُ بأنماط معمارية مدهشة، وبدأ تقديسُ أشياء متنوعة، وتراكمت واتسعت عملياتُ التقديس بفاعلية مكثّفة. وبموازة ذلك اضمحلت تعاليمُ بوذا، وأُعيد إنتاجُها في فضاء التقديس، واختُرعت تقاليدُ صارمة لارتياضِ الرهبان وتكريسِ النفس لخدمة بوذا، وخِيطت أزياء لهم، واقترنت تلك التقاليدُ بطقوس خاصة في معابد مهيبة. في فضاء الجغرافيا المقدّسة للبوذية ينبغي أن تُبنى المعابدُ في أماكن تعدّ مقدّسة. فاعليةُ التقديس في هذه الديانة تسري على غيرها، وفقًا لما يتشاكل مع كلّ ديانة وبيئتها. في الديانة البوذية لم يقدّس مؤسُّسها ذاتَه، ولم يقدّس أيَّ شخص ممَن أتبعه، بعد وفاته مارس البوذيون عمليات التقديس للأشياء والأشخاص والأزمنة والأماكن، ووصلوا هذه الديانةَ الأرضية بآلهة لم ينصّ عليهم بوذا أو تشِر إليهم تعاليمُه.

في المتخيَّل تتعاظم قوةُ التقديس وفاعلياتُها المذهلة، ‏وتتمدّد وتنتشر بسرعة، فيبصم على أشخاص وكائنات وأشياء وأزمان وأماكن ذات صلة بالديانة، فيصير إنسانٌ عاش في زمان مؤسِّس الديانة مقدّسًا، وتتسع الجغرافيا المقدّسة لتستوعب أماكنَ مختلفة بمرور الزمان، ويتمدّد الزمان المقدّس ليضيف على الدوام أيامًا جديدة، وهكذا يتقدّس أشخاصٌ وكائنات وأشياء لم ينصّ عليها كتابُ الديانة.كلما اتسعت مساحةُ المقدّس نضبت قدرة الدين وعجز عن توليه المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي الضروري لسلام الإنسان وسكينته، وبناء علاقات إنسانية تضامنية في المجتمع. كما يصادر المقدَّسُ فضاءَ الحرية تبعًا لتضييق مساحة الدنيوي، وينعكس ذلك على رؤية الفرد والمجتمع للعالَم، وعلاقات الإنسان، واقتصاده ونمط عيشه، وثقافته، وسائر شؤونه. ويشتدّ ذلك إن كانت المجتمعاتُ التي تحتضن المقدّس أميّةً فقيرة تخضع لتراتبية طبقية، واستعملته السلطةُ السياسية في منحها المشروعية، ووظّفت إمكانات الدولة ومؤسسات المجتمع للتبشير به وتغذيته وتكريسه.

مقولة الإنسان الكامل في التصوف مثلًا وُلدت وتضخمت في المتخيَّل، بوصف هذا الكامل كائنًا مقدّسًا. ومادام الإنسانُ بطبيعة نقصه غير كامل، يظل يبحث عن صورة إنسانية للكمال الاستثنائي، فيسعفه المتخيَّل بنحتها ورسم صورتها في ضوء احتياجاته النفسية والروحية والعقلية، وما يفرضه شعورُه بالهشاشة، وحاجتُه للحماية بكائنات ميتافيزيقية محايثة للإلهي، وقادرة على الإتحاد بشيء من أسمائه وصفاته اللامحدودة. تشبّع في الصورة المتخيَّلة للحلاج وأمثاله اللاشعورُ الجمعي، وانعكست على آثار المتصوفة المختلفة وغيرهم. صورة الحلاج المتخيَّلة وأمثاله، وإن وُلدت وتضخمت في متخيَّل المتصوفة، وإن أدرك العقلُ النقدي كونَها صورةً غير واقعية، تتنكر لها الطبيعة الإنسانية الناقصة، لكن قلبَ الإنسان يعشق مثل هذه الصورة المجردة العابرة للزمان والمكان والواقع الذي عاشت فيه، الحلاج المتخيَّل وأمثاله يحتاجه القلبُ، وإن كان العقلُ يكذّب وجودَه بوصفه كائنا أرضيا.

الأسئلة اللاهوتية الكبرى على الرغم من أنها أيقظت العقلَ إلا أنها لا جواب نهائي لها، هذه الأسئلة واحدة في بواعثها ومضمونها، لا تختلف جوهريًّا إلا في تعبير الإنسان عنها وصياغتها تبعا للُّغات، والثقافات، والتطور الحضاري، والعصور، وأنماط العيش وظروف الإنسان المتغيرة. تعدّدت وتنوعت الإجاباتُ عن هذه الأسئلة، وتكاثرت الأديانُ بشكل لافت إثر تعدّد وتنوّع تلك الإجابات، وتظلّ الولاداتُ المتواصلة داخل الدين الواحد للفرق والمذاهب والجماعات، مادامت هذه الأسئلةُ داخل الأديان مفتوحة، لذلك تلجأ الأديانُ لإسكاتها في وقتٍ مبكر بعد صياغة إجابات أخيرة لها، ثم غلقها وإصدار أمر تُلزِم فيه السلطاتُ السياسية والروحية أتباعَ الديانة بالكفّ عن تداولها، ومَن يتورط فيطرحها مجدّدًا، أو يتحدث بجواب لها خارج الأسوار المغلقة لمجموعة الإجابات الممضاة من المؤسسة الروحية للدين، يعدّ مُبتدِعًا وزنديقًا.‏ الأجوبةُ النهائية عن هذه الأسئلة أغلقتها، وعطّلت السؤالَ اللاهوتي وأقفلت آفاقَ التفكير العقلاني، الذي ينشغل بطرح الأسئلة وإنتاج إجابات لها تتناغم مع إيقاع الحياة المتغيّر. فرضت السلطاتُ اجتهادًا واحدًا وعدّته هو الصواب لا غير، وشطبت كلَّ اجتهاد مغاير مهما كان عقلانيًّا، فانعكس ذلك بشيوعِ القول بانحصار الخلاص في دين خاصّ أو فرقة أو جماعة داخل فرقة، وغلقِ الطريق على ولادة أيّ اجتهاد مخالِف يجيب عن أيّ سؤال لاهوتي أساسي. ولو تورط متكلّمٌ فأعلن موقفًا يخالف الموقف المعلَن للسلطة السياسية والدينية يقدِّم رأسَه قربانًا لموقفه. وهذا ما حدث في العصر الأموي مع الجعد بن درهم الذي كان ضحيةَ اتهامه بالقول بخلق القرآن، فذبحه خالد بن عبد الله القسري والي هشام بن عبد الملك على الكوفة، يوم عيد الأضحى سنة 124 ه. قال خالد وهو يخطب لصلاة العيد، كلامًا عنيفًا جاء فيه: “أيها الناس ضحُّوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مُضَحٍّ بالجعد بن درهم؛ إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا، ثم نزل فذبحه في أصل المنبر”[3]. وبعد تولِّيه الخلافة قتل هشامُ بن عبد الملك غَيْلانَ بن مسلم الدمشقي بطريقة شنيعة، لقوله بحريةِ الإرادة، وآراء تخالف ما تقوله سلطةُ الخلافة ومتكلّموها وفقهاؤها. “اعتقل هشامُ غَيْلانَ، وفي مجلس الخلافة زعق فيه: مد يدك، فمدها غيلان، فضربها الخليفة بالسيف فقطعها، ثم قال: مد رجلك، فمدها، فقطعها الخليفةُ بالسيف الباتر .. وبعد أيام مر رجل بغيلان وهو موضوع أمام بيته بالحي الدمشقي الفقير، والذباب يقع بكثرة على يده المقطوعة، فقال الرجل ساخرًا: يا غيلان، هذا قضاءٌ و قدر! فقال له: كذبتَ، ما هذا قضاء ولا قدر .. فلما سمع الخليفة بذلك، بعث إلى غيلان من حملوه من بيته، وصلبه على إحدى أبواب دمشق”[4]. الجهم بن صفوان من المتكلمين الأوائل، وممن صحب الجعد بن درهم،كان يقول بالتنزيه وامتناع رؤية الله، ويحتج بالآية: “لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ”[5]، ويرى بأن كلام الله صفة فعل وهو مخلوق لله، أمر الوالي نصر بن سيار عبد ربه بن سيسن فقتله سنة 128 ه[6].

بعد عصر المأمون الذي احتضن الاعتزالَ ودعمه، أمسى منذ عصر المتوكل، الذي أقصى المعتزلةَ واحتضن أحمدَ بن حنبل والحنابلة،كلُّ متكلّم يدلي بقول خارج عقيدة الخلافة مُبتدِعًا. وظهر أشدُّ هذه المواقف وأكثرها صرامة حين جرى تقنينُ هذا الموقف التسلطي الاحتكاري بنصٍّ معروف كتبه القادرُ بالله “381 – 442هـ” واشتهر باسم “الاعتقاد القادري القائمي”([7]). تَبَنَّى الميثاقُ الاعتقاديُّ رؤيةَ الحنابلة الاعتقادية، وانحاز بإسـراف إلى مواقفهم، في حين استهدف المسلمين الآخرين، واستباح دماءَ بعضهم لمجرد تمسُّكهم بمعتقد يخالف ما جاء فيه، فمثلًا ورد فيه أنَّ “مَنْ قال إنه [القرآن] مخلوق على حال من الأحوال فهو كافر، حلال الدم بعد الاستتابة منه”([8]). وعندما أخرج القائمُ بأمر الله “الاعتقادَ القادري” سنة 432هـ وقُرئ في الديوان بحضور الفقهاء كان “ممن حضـر الشيخ أبو الحسن علي بن عمر القزويني، فكتب خطه تحته، قبل أن يكتب الفقهاء، وكتب الفقهاء خطوطهم فيه: إن هذا اعتقاد المسلمين، ومن خالفه فقد فسق وكفر”([9]). وذكر ابنُ الجوزي أنَّ القادرَ بالله استتاب المعتزلة سنة 408هـ “فأظهروا الرجوع، وتبرؤوا من الاعتزال، ثم نهاهم عن الكلام والتدريس والمناظرة في الاعتزال والرفض والمقالات المخالفة للإسلام، وأخذ خطوطَهم بذلك، وامتثل يمين وأمين الملة أبو القاسم محمود أمرَ القادر باللّه، واستنَّ بسننه في أعماله التي استخلفه عليها، من خراسان وغيرها، في قتل المعتزلة والرافضة والإسماعيلية والقرامطة والجهمية والمشبهة، وصلبهم وحبسهم ونفاهم، وأمر بلعنهم على منابر المسلمين، وإبعاد كلّ طائفة من أهل البدع، وطردهم من ديارهم، وصار ذلك سنةً في الإسلام”([10]).

[1] الرفاعي، عبد الجبار، مقدمة في علم الكلام الجديد، ط 3، ص 193 – 195، 2022، دار الرافدين ببيروت، ومركز دراسات فلسفة الدين ببغداد.

[2] ذهب بعض المؤرخين إلى أن بوذا شخصية منحولة لا وجود لها، نسج وجودها وديانتها ودورها وتعاليمها متخيّل البوذيين الأوائل.

[3] ابن كثير الدمشقي، البداية والنهاية، ترجمة الجعد بن درهم.

[4] ابن عساكر، تاريخ دمشق، ج:48، ص:186-212.

[5] الأنعام، 103.

[6] ابن كثير الدمشقي، البداية والنهاية، أحداث سنة ثمان وعشرون ومئة.

([7]) طرابيشي، جورج، مصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام. بيروت: دار الساقي، 1998، ص95.

([8]) ابن الجوزي، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، بيروت: دارصادر، ج8: ص109 – 110.

([9]) المصدر السابق، ج8: ص109.

([10]) المصدر السابق، ج7: ص287.

https://alsabaah.iq/92966-.html

غياب دراسة المتخيَّل في كتابات الإسلاميين

  د. عبد الجبار الرفاعي

قدّمتُ ورقةً بعنوان: “الوحي عند ابن عربي وتعدد القراءات، أو الخطاب على قدر فهم السامع” في: المؤتمر اللاهوتي السادس، الذي بحث: “النص القرآني والنص الكتابي: التشكل والحقيقة”، المنعقد بكلية العلوم اللاهوتية والدراسات الرعائية في الجامعة الأنطونية “بيروت”، بتاريخ 24-25/6/2011. أشرتُ في ورقتي إلى الخيال في التراث عند الفلاسفة والعرفاء المسلمين، والمتخيَّل في الدراسات الحديثة، فعقّب أحدُ المشاركين في المؤتمر، ممن يُحذّرون من توظيف مناهج وأدوات الفلسفة والعلوم الإنسانية في دراسة وتمحيص التراث الديني، ويظن أن كلَّ شيء مستودَع في تراثنا، ونحن كسالى لم نكتشفه. اعترض بكلامٍ ملخصه: الخيال موجود في تراثنا، فلماذا نستعير العلومَ الإنسانية الغربية الغريبة عن تراثنا ومجتمعاتنا وهويتنا. فقلتُ له: المتخيَّل غير الخيال بمدلوله الميتافيزيقي المعروف في التراث عند الفارابي والفلاسفة ومحيي الدين بن عربي والعرفاء. المتخيَّل الديني الذي أتحدث عنه يعنى دراسةَ تمثّلات الدين من منظور سوسيولوجي وأنثروبولوجي وسيكولوجي وسردي وتاريخي، في ضوء ما أنجزته المعرفة العلمية من مكاسب ثمينة في هذا الحقل.

مناسبةُ هذا الحديث هي غيابُ دراسة المتخيَّل في تفكير الإسلاميين وكتاباتهم بالمعنى المتداول في علوم الإنسان والمجتمع. معجم المتخيَّل بدلالاته ومجالاته ومباحثه الحديثة غريبٌ على العقل التراثي، لم يألفه هذا العقل، ولم يتجذّر في اللاشعور إلا بمعناه التراثي. لم أقرأ عند الكتّاب الأزهريين والحوزويين ومَن تعلّموا في معاهد التعليم الديني التقليدية، ولا غيرهم من الكتّاب الإسلاميين في خارج هذه المعاهد، دراسات للمتخيَّل الديني وآثاره المختلفة في كلّ مجالات الحياة الفردية والمجتمعية. وكيفية تشكّل المتخيَّل المتشدِّد والعنيف والمتوحش، وكيف نتحرر من هذا النوعَ من هذا المتخيَّل المخيف الذي أنهك مجتمعاتنا، واستنزف طاقاتها، وورط شبابها في متاهات مظلمة، غرقت فيها قلوبُهم في كراهية سوداء، وتخبطت عقولُهم في ليل دامس، وضاعت أحلامُهم واضمحلت نهائيًا.

حاولت الكتابةَ عن هذا الموضوع البالغ الأهمية منذ سنوات في كتاباتي المتواصلة عن الدين وتمثلاته المتنوعة في حياة الفرد والمجتمع. وتحدّثتُ عن أهمية المتخيّل الديني بتفصيلٍ أكثر في كتاب: “مقدمة في علم الكلام الجديد”، وشدّدتُ على ضرورة دراسته بوصفه أحدَ المنابع الأساسية المؤسسة لعلم الكلام القديم، وضرورة عبورها لمن يتطلع لبناء كلامٍ جديد، يهتم بدراسة وتحليل المتخيل، ويتعرف على الوسائل اللازمة والمنابع الضرورية لتشكيل متخيّل آخر يواكب الواقع. ففي الحديث عن الركن الثامن من الأركان التسعة لإشادة الكلام الجديد كتبت: “دراسة المتخيّل الديني وتحليل كيفية تشكله وروافد تغذيته ومديات حضوره في انتاج مقولات علم الكلام القديم. المتخيّل الديني منبع كبيرٌ للبنية الأساسية لعلم الكلام القديم. علم الكلام الجديد يجب أن يهتم بالكيفية التي يتشكل فيها المتخيل ويتوالد، ووسائل اعادة بنائه بالشكل الذي يجعله منبعًا للمعنى الديني الروحي والأخلاقي والجمالي الذي يتناغم ومتطلبات المسلم في عالم تتسارع فيه كل يوم وتيرة التغير والتجدد بنحو مهول”[1]. وتحدّثتُ في الفقرة الأخيرة من الفصل الأول من الكتاب الجديد: “مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث”، تحت عنوان: “في المتخيَّل تولد الأديانُ ولادةً ثانية”، في سياق الحديث عن ضعف حضور دراسة المتخيَّل الديني في الجامعات العراقية، مايلي: “ألحقنا هذه الفقرة بهذا الفصل، لتنبيه الباحثين في علوم الدين في وطننا العراق إلى ضرورةِ الاهتمام بدراسةِ المتخيَّل الديني، وأثرِه وفاعلياتِه الواسعة في تشكّلِ السرديات الدينية وقراءةِ النصوص، وولادةِ الأديان ولادةً ثانية، وكيفيةِ نشأة الفرق والجماعات، والكشفِ عن أن كثيرا من النزاعات والحروب الدينية تعود للاستحواذِ على مصادر إنتاج المتخيَّل الديني، فمَن يمتلك تلك المصادر يمتلك حاضرَ أتباع الدين ومصائرهم”[2].

وأخيرًا بدأتُ أنشر سلسلةَ مقالات في جريدة الصباح البغدادية منذ 17-1-2024، حول الولادة الثانية للدين في المتخيّل، لأن تجاهلَ دراسة أثر المتخيَّل في فهم الدين وتفسير وظيفته أحدُ أبرز الثغرات عند الكتّاب الذين مازالوا يفكرون في السياق المغلق للعقل التراثي هذا العصر. اكتشافُ جغرافيا المتخيَّل وفاعلياتِه ضروريةٌ للكشف عن نشأةِ وتطور الأديان، وأثرِ مخيّلة الجماعة في إنتاج المعنى الديني، وكيفيةِ ولادة وتضخّم مخيلتها في سياق: رغباتها، وأمنياتها، وأشواقها، وأحلامها، وأوهامها، ومسعاها للتعويض عن كلِّ ما تعجز عن إنجازه في عالمها الأرضي، بنحوٍ يمسي ذلك المتخيَّلُ شديدَ التأثير في حياة الفرد والجماعة، وربما يطغى تأثيرُه، فيتسلط عليها ويأسر حاضرَها ومصائرَها.

المتخيَّل الديني متجذّرٌ في اللاشعور الجمعي والفردي، مَن يفكّر بتديّن عقلاني أخلاقي جمالي يظلّ عاجزًا عن إعادة إنتاجه في ضوء رؤيته، لافتقاره إلى الوسائل اللازمة لإنتاجه وتشكّله. المؤسساتُ الدينية والسياسية والمجتمعية هي مَن يمتلك تلك الوسائل، ولا يمتلكها إنسانٌ فرد خارج مجالها. المتخيَّل المغلق ينمو ويزدهر في مناخات التدين الشعبي، الذي لا يألف صرامةَ العقل البرهاني، وتتكدس وتنشط في هذا المتخيَّل فاعليةُ الذاكرة الشعبية والفلكلور والقيم الموروثة. روافد تشكّل هذا المتخيَّل لا تخضع للعقل ولا تستفتي حججَه، ولا تحتاج أدواتِ استدلاته بالضرورة. تهرب من العقل، وتعمل على تحصينِ نفسها بوسائلها الخاصة لئلا يفكّكها ويقوّضها، وهي محصنةٌ منه على الدوام، إذ تحتضنها مشاعرُ يختفي العقلُ فيها وراءَ العواطف والانفعالات والهواجس والمخاوف.

تجاهلُ دراسة المتخيّل، وعدم إدراك الحاجة لإعادة بنائه، يجهضُ المساعي الجدية للتجديد. لا ينجز التجديدُ شيئًا من وعوده من دون ذلك، دراسةُ المتخيّل الديني وتحليلُ كيفية تشكله، وروافد تغذيته، ومديات حضوره في إنتاج المعنى الديني، ضرورةٌ تفرضها عمليةُ التجديد. المتخيَّل المغلق عقبةٌ تجهض كلَّ المساعي الجدّية لإيقاظ المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي في الدين. بالإمكان إعادةُ إنتاجِ المتخيَّل، ولا يتعذر تشكّلُ المجتمع المتخيَّل بالذهن في آفاق رؤيةٍ تجديدية طموحة للدين، مواكبةٍ للوقع ومتطلباته وإيقاعه السريع والشديد التغيير. وأيضًا لا يتعذّر العملُ بجدية على تمكين هذا المتخيَّل وحضوره في الواقع المجتمعي، وإن كانت شروطُ إنتاجه تتطلب جهودًا مجتمعية هائلة تخرج عن قدرة الفرد.

كي ينجز التجديدُ شيئًا من وعوده لا خيارَ إلا بدراسة المتخيَّل في ضوء المعطيات الجديدة للعلوم والمعارف، والتعرف على مجالاته وحدوده وآثاره، وتعبيراته الباهضة في الدولة والسياسة والسلطات المتعددة، والقيم والثقافة والعلاقات الاجتماعية، والعمل على بناء متخيَّلٍ رحب، لا يخشى العقلانية النقدية، وتترسخ فيه القيم الروحية والأخلاقية والجمالية، ويحتفي بالكرامة بوصفها جوهر إنسانية الدين. وهي مهمةٌ لا أظن العقلَ الذي هو مرجعية التجديد يتقنها بمهارة إلا بعد محاولات وجهود مكثفة تتواصل سنوات طويلة.

ما هو متراكم وغاطس في البنية اللاشعورية للمجتمعات في العصور المختلفة لا يمكن التحرّرُ من أسره تمامًا. في ضوء ذلك يظل العملُ على بناء متخيَّلٍ رحب في مجتمعاتنا حلمًا صعب المنال جدًا، لأنه يتطلب وعيًا عميقًا بضرورة النهوض بهذه المهمة العظمى، وتضامنًا واسعًا للمؤسسات المتنوعة في المجتمع، وتوظيفًا محترفًا للثقافة والآداب والفنون ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة، وتعاونًا وجهودًا مشتركة للسلطات المتعددة في مجتمعاتنا، وبالذات السلطتين السياسية والروحية.

في الكتابة عن هذا الموضوع وغيره أقترح إجابات، لم أراهن يومًا على أنها جزمية أو نهائية. القارئ الذكي يتنبه إلى أن كتابتي تحاول إثارةَ الأسئلة، أكثر من تقديم الإجابات الجاهزة. هذه الأسئلة أسئلتي الشخصية، فقد كنت ومازلت مشغولًا بأسئلة الوجود، وأسئلة المعنى. في أسئلتي أفكّر عدة سنوات، وألاحق كلَّ كتاب ومعلومة حولها، وأقرأ كلَّ شيء أظفر به يتناولها، وأسعى لاكتشاف الطرق المتنوعة لتفسيرها والجواب عنها، وأحاول أخيرًا تقديم تفسيري وجوابي. من يراقب سيرتي الفكرية يرى كيف عبرَ عقلي عدةَ محطات ولم يتوقف، بفضل تلك الأسئلة. ليست هذه الرحلة الشيقة عبر المحطات إلا سلسلة دحض للأجوبة الخاطئة عن أسئلة الوجود والمعنى في حياتي.

[1] الرفاعي، عبد الجبار، مقدمة في علم الكلام الجديد، ص 137-140، ط 3، 2022، دار الرافدين ببيروت، ومركز دراسات فلسفة الدين ببغداد.

[2] الرفاعي، عبد الجبار، مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث، ص 110، ط 1، 2024، دار تكوين في الكويت، ودار الرافدين ببيروت.

 

https://alsabaah.iq/92553-.html

مَنْ يمتلك وسائلَ إنتاج المتخيَّل يمتلك السلطة

د. عبد الجبار الرفاعي

كلّما ابتعد الدينُ عن لحظة التأسيس لم يعد الواقعُ كافيًا لإشباع مخيِّلة الأتباع؛ لأنهم يرون الواقعَ ضحلًا واضحًا، لا لغز فيه، ولا يبوحُ بسرّ. الإنسانُ الديني مولعٌ بالمقدّس، ينجذب لما ينطوي عليه من حيرة وغموض وإبهام وسحر وأسرار، وينتهي ذلك إلى تضخّمِ المقدّس في المتخيَّل، وقوةِ حضوره في الحياة. الولادة الثانية للأديان في المتخيَّل تتشكل فيه الأديان على شاكلته. في المتخيَّلِ الديني يتشكّل المكانُ والزمان المقدّسان، وتتشكل صورةُ الشخصيات المقدّسة على وفق ما يختزنه المخيال، المكان والزمان المقدّسان يتوالدان ويتسعان ويتضخمان في المتخيَّل، وهما غير المكان المادي والزمان الفيزيائي، الخاضعين لكلِّ مشروطياتِ التاريخ الأرضية، وعواملِ إنتاجه وتوالده وصيرورته.

المتخيَّل موطنُ صناعة المعنى الديني، تتسع آفاقُ هذا المعنى ويتمدّد ويشتدّ، بنحوٍ يتجاوز آفاقَ وحدودَ ولادة الدين الأولى بكثير، وبالتدريج تطغى الصورةُ اللاحقة للدين الذي تشكّل في المتخيَّل وتتقلص صورتُه الأولى. قوةُ الفرد والجماعة بقوةِ الحضورِ في الواقع، والتطلعِ للمستقبل بوعيٍ علمي ورؤيةٍ مُلهِمة، وبقدرةِ المتخّيل على توليد المعاني الروحية والاخلاقية والجمالية في الحياة. المتخّيلُ المقيمُ في الماضي يأسرُ الإنسانَ بتشديده على مغادرة الواقع واتخاذ الماضي موطنًا. المتخّيلُ الذي ينسى الحاضرَ يجعل الإنسانَ يعيش حالةَ غفلة عن واقعه ويصادر عليه مستقبلَه.

مَنْ يمتلكُ وسائلَ إنتاج المتخيَّل يمتلكُ السلطةَ سواء أكانت روحية أو زمنية، ويمتلكُ التحكّمَ بحاضر الناس ومستقبلهم ومصائرهم في مجتمعاتنا. المتخيَّلُ الديني يُستغَل لإضفاء المشروعية على السلطة السياسية، ويعمل على تضخُّمِ هيمنتها وتغوّلها، ويُستثمَر لترسيخ السلطة الروحية وتمدّدها. في المتخيَّل يتوالد المقدّس ويتمدد، وينعكس مباشرة على حياة الإنسان ومواقفه وسلوكه وطريقة عيشه. المتخيَّلُ مؤثر بفاعلية قوية في بناء ثقافة الأفراد والمجتمعات، وتجذّرِ البُنى اللاشعورية في الوعي الفردي والجمعي، وتوجيه بوصلة مصائر المجتمعات وأقدارها التاريخية. للمتخيَّل الديني سلطةٌ واسعة على العقل في مجتمعاتنا. المتخيَّلُ الديني فضاء بلا أسوار، لا يصنع له الأسوارَ إلا العقلُ، فإذا نام العقلُ ينشط هذا المتخيَّلُ بفاعلياته القصوى، ويظل يضيف ويراكم ويكرّس ويجذّر المقدّسَ باستمرار، وربما ينتهي تغوّلُ سلطته إلى تغييب العقل وتعطيله نهائيًا. وحدَه العقل يستطيع معاندةَ المتخيَّل وعصيانه والتغلب على سلطته، لا يستردّ سلطةَ العقل إلا التفكيرُ النقدي الذي يعيد المتخيَّلَ إلى مجاله ويضعه في حدوده، ويعمل على توظيفه بشكلٍ فاعل في إنتاج العلوم والمعارف والثقافة والفنون والآداب والبناء والتنمية والتطلع للغد. إلا أن تمادي العقل بسطوته وطغيانه يمكن أن يُهمِّشَ المتخيَّل، وربما ينتهي إلى إسكات صوته، ويصادر على الإنسان منبعَ إلهام أساسي لآدابه وفنونه وثقافته ومعارفه وعلومه،كما حاولت ذلك تياراتُ العقلانية الصارمة والاتجاهاتُ العلموية والمادية في القرن التاسع عشر وما قبله.

تنشط المخيِّلةُ وتتضخم صورُها لحظةَ تخوض في عالَم المجردات، وتتدفق وتنبعث فاعليتُها لحظةَ تغوص في الوقائع التاريخية القديمة، وتحاول أن تتمثّل أحداثَ قصصٍ تنتمي إلى ماضٍ اندثرتْ معالمُه الأثرية، واختفى مكانُه وزمانُه وصورُه عن الأنظار. تعيد المخيِّلةُ ابتكارَ الصور في فضائها، وهو فضاءٌ رحب يتعاظم باستمرار، فتولِّد المخيِّلةُ الأحلامَ والأماني والرغباتِ المختلفة وحتى الأوهام، وما يصدر عن نرجسيات الهوية المتجذّرة في البُنى اللاشعورية، وما تختزنه من أوهام تفوّق هذه الهويةَ واصطفائها وقدراتها الاستثنائية الفذّة، وإن كانت تعيش واقعًا بائسًا يضجّ بالأمية والفقر والمرض، غير أنها تلجأ للذاكرة العتيقة والأمجاد الامبراطورية لأسلافها. تكرّر هذه الهوية بلا جدوى، لسنواتٍ طويلة تجنيدَ الإنسان، وما يمكن توظيفُه من طاقات في المجتمع، لإيقاد رمادِ نرجسية امبراطورية مندثرة، من دون أن تكترثَ هذه الهويةُ بهزائمها، ولا تقف عندها وتدرس أسبابَها وتكتشف ثغراتها، ولا تسعى أن تجرّب طريقةً بديلة في توكيد حضورها في الواقع وصناعة حاضرها ومستقبلها.

التمثلاتُ البشرية للأديان لا تقتصر على التعاطي مع الشخصيات الدينية في إطارها التاريخي، بل تحاول أن تتخطى ذلك لتخرجَها من عالمِها الأرضي وخصائصِها البشرية،كما يفعل أكثرُ مريدي المتصوفة وغيرُهم، الذين يغالون بشيوخهم فيخرجونهم من الزمان التاريخي الأرضي إلى زمانٍ مقدّس لاتاريخي. جلال الدين الرومي وأمثاله من الشخصيات الروحية عاشوا في الواقع كما يعيش غيرُهم من البشر في زمانهم، كانت لديهم احتياجاتُ كلِّ إنسان طبيعي.كانوا يأكلون ويشربون، ويفرحون ويحزنون، ويغضبون، ويضحكون ويبكون، ويصابون بالأمراض ويموتون. جلال الدين في متخيَّل المولوية والمتصوفة كائنٌ أسطوري، كلُّ كلماته لا نقاشَ فيها، تاريخُه يعلو على تاريخ الإنسان، آثارُه لا تصحّ إعادةُ غربلتها وتمحيصها، الحكايات المنحولة حول حياته الشخصية ومواقفه وسلوكه ينبغي التسليمُ بها وقبولُها كما هي، ولو كان المنطقُ العلمي يرفضها، ولا تقبلها بداهات العقل السليم. وهذه ظاهرةٌ موجودة في الأديان والمعتقدات المختلفة،كلُّ دين ينتج ذلك على شاكلة مجتمعه، وطريقة عيش ذلك المجتمع، وثقافته، ورؤيته للعالم.

الأنبياء والأولياء والصحابة والتابعون الذين عاشوا في الارض كانوا يمارسون حياتَهم واحتياجاتهم كما يفعل كلُّ إنسان. لا يكتفي بعضُ الناس بهذه الصورة للنبي “ص” بوصفه إنسانا يعيش مثل بقية البشر، يمتاز على غيره بالاتصال بالله عبر الوحي. هؤلاء تنتج أذهانُهم صورًا غير بشرية للنبي، فهو في نظرهم لا يأكل ولا يشرب، ولا يمشي في الأسواق، ولا يعيش مثل الناس، وغير ذلك. هذه الصورة تتضخم بمرور التاريخ، حتى يتم تجريد النبي بوصفه بشرًا من طبيعته، فيرونه ينتمي إلى ملكوت السماء، مقطوع الصلة تمامًا بالأرض، لا يشبه البشرَ في شيء، ولا يخضع للزمان والمكان والبيئة والتاريخ والثقافة، يتحول إلى كائنٍ مجرد لا يشبه الإنسانَ الأرضي، ولا يشبه ذلك النبيُّ الإنسانَ الذي كان بشرًا عاش في عصره مثل غيره. هذه أحدُ فاعليات المتخيَّل الديني في الأديان السماوية والأرضية المتنوعة.

في الدين غطاءٌ ميثولوجي، لكن حين يستهلك الغطاءُ المضمونَ، تخسر الأديانُ غاياتِها الروحية والأخلاقية والجمالية وتتبدّد أهدافُها القيمية والإنسانية. عبورُ أيِّ شخصيةٍ دينية من الواقعي إلى الميثولوجي، بل انقلابِها من كونِها حقيقةً إلى خيالٍ محض، لا حضورَ له في الواقع الذي عاشت فيه. وقتئذٍ تصير هذه الشخصيةُ مُنوِّمة بعد أن كان مُلهِمةً، مُخدِّرةً بعد أن كان مُوقِظة. وتنقلب أهداف الأديان بعد هربها إلى عالمٍ غير عالمها، عالم تخسر فيه رسالتَها.

 

https://alsabaah.iq/91720-.html

المخيال الجمعي لا يخضع للعقل النقدي

د. عبد الجبار الرفاعي

يخلق المخيالُ الجمعي صورةً جذّابة فاتنة غير واقعية لماضي الجماعات. يرسم على الدوام صورةً رومانسية بهيجة للماضي، تحذف كلَّ ما من شأنه أن يحزن الإنسانَ ويثير اشمئزازَه. يضيء المخيالُ الجمعي البؤرَ المضيئة مهما كانت خافتةً فيجعلها أشدَّ لمعانًا، ‏بل يعمل على افتعال صور متخيَّلة فاتنة لم يعرفها ماضي الجماعات أبدًا.

كلُّ مجتمع يصنع مُتخيَّله على شاكلة معتقداته وسردياته ورؤيته للعالَم وتأويله لتاريخه، ليعود المتخيَّلُ فيعيد بناءَ رؤية ذلك المجتمع للعالَم في سياق رغباته وطموحاته وأحلامه وأوهامه عن ذاته والآخر والواقع. أنتج المتخيَّلُ الجمعي للمجتمعات عبر التاريخ قصصَ الهلاك الشامل، تعبيرًا عن رغبات ورُهاب بشري مكبوت، وما يشي بفناء عالم أكلته الشرورُ والحروبُ والطغيانُ والقبح، وشغفٌ لا يكفّ عن أشواق العودة إلى بدايات الخلق الصافية النقية، إذ صارت صورةُ ذلك العالم على وفق المتخيَّل كلُّها خيرٌ وعدلٌ وجمالٌ وسلام.كما يشرح ذلك عالمُ الأساطير ميرسيا إلياد.

خيال الجماعة يتشكّل ويتغذّى بأدواتِه وروافدِه المُلهِمة، وأكثرها لا يخضع للعقل النقدي، وهي بارعة بشحذِ المشاعر وتأجيجِ العواطف وإثارةِ الغرائز. ليس هناك وسيلةٌ لترسيخ المعتقدات أيسر وأسرع وأشدّ تأثيرًا من إثراءِ المتخيَّل وتنميتِه والضخّ فيه باستمرار، وتلك وسيلةُ الأديان والأيديولوجيات، وإن كانت تختلف باختلاف منظورات الأديان وثقافات المجتمعات، ووسائلها وقدرتها على التعبئة والتحشيد.

عندما تتمرد المخيّلةُ على العقل النقدي تتضخم وتعطل الوعي، تنشط الذاكرةُ الجمعية بديناميكية خارج إطار الوعي والتفكير النقدي، فتبرع بتوظيف ما يطال الجماعات من الإقصاء والتهجير والتشريد والمطاردة وانتهاك الكرامة والمجازر الوحشية، وتجعل منها منجمًا يغذّي المخيلةَ الجمعية، ويعطِّل العقلَ من ممارسة التفسير التاريخي للعوامل المتنوعة والظروف ‏السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية للأحداث والوقائع والمعارك والمنعطفات الكبرى المولدة لها، فيجري تزويرٌ مهول للوعي، وتعطيلُ العقل النقدي، والتسلحُ بروحٍ ثأرية انتقامية تتشفى بإهدار كرامة المختلِف في الدين والمعتقَد، وتسفك دماءَ الأبرياء بوحشية مريعة، كما يفعل الصهاينةُ اليوم في غزة.

العقلُ هو المرجعيةُ في إصدار الحكم على أية قضية أساسية في الدين. الأديانُ والمقدّسات تتضخّمُ في المتخيَّل باستمرار، لا يضعُ هذا التضخّمَ في حدوده إلا العقلُ النقدي. يظل العقلُ هو المرجعية الوحيدة في اكتشافِ المتخيَّل وبيانِ حدوده وآثارِه المتنوعة في البناء والهدم. كلُّ حكم يبدأ بالعقل، لا حكمَ بالنفي أو الإثبات يسبقُ العقل.

لكلِّ مجتمع ديانتُه ولغتُه وثقافتُه وتاريخُه وجغرافيتُه، لكن لا ينفرد كلُّ مجتمعٍ بقوانين تطوّره الخاصّة. قوانينُ تطوّر المجتمعات كليةٌ لا يختصُّ بها مجتمعٌ دون سواه. المجتمعاتُ جميعًا تشتركُ في أنها تنمو وتراكم تجاربَها وتتطوّر لو توافرت عواملُ نهوضِها، كما أنها تتخلفُ وتتدهور وتنهار لو لم تتخلّص من عوامل انهيارها. المجتمعاتُ كلُّها تسري عليها قوانينُ البناء والتطور ذاتُها، وتشتركُ في العناصر الأساسيَّة التي يُنتجُ النهوضَ توافرُها والانهيارَ غيابُها. منطقُ التاريخ وقوانينُه شاملة، لكنْ هناك شعورٌ كامن في لاوعي كثيرٍ من الناس في مجتمعنا، بأنه استثناءٌ في حضارتِه وهويتِه ومعتقدِه وثقافتِه وتاريخِه، وكأن تاريخَه لا يخضع لما يخضع له تاريخُ المجتمعات من قوانين، وثقافتُه تتفوقُ على كلّ الثقافات، وتراثُه يختلفُ عن كلّ تراث، وهويتُه تنفرد بخصوصيَّات استثنائية. وظلّ الشعورُ بالخصوصية والاستثناء يغذّي الهويةَ باستمرار، حتى تصلّبتْ وانغلقتْ على نفسها، فبلغت حالةً تتخيّل فيها أنها مكتفيةٌ بذاتها، لأن كلَّ ما تحتاجه في حاضرها ومستقبلها يمدّها به ماضيها. تراثُها منجمٌ زاخرٌ بكلّ ما هو ضروري لكلّ عملية بناء ونهوض، وعلومُها ومعارفُها الموروثةُ تغنيها عن كلّ علم ومعرفة تبتكرها المجتمعاتُ الأخرى، وهي ليست بحاجة إلى استيراد ما أبدعه غيرُها، لأنه منتجٌ لمجتمع أجنبي، ينتهك خصوصيتَها، ويهدّد هويتَها، وتتغرّب به.كانت أكثرُ أدبيَّات الجماعات القومية والأصولية تغذِّي هذا الشعور، وتلحّ على الإعلاءِ من مكانة الماضي، والإيحاءِ بأنَّ بعثَه كما هو يكفل نهوضَ مجتمعنا، ولا حاجةَ للإفادة من علوم ومعارف وثقافات غريبة عنه. وقد بالغتْ هذه الجماعاتُ في التشديد على الخصوصية والاستثناء، حتى انتهى ذلك إلى موقفٍ خائفٍ من كلّ ما ينتمي للآخر ومنجزاته وعلومه ومعارفه وثقافته. تشتدُّ حالةُ اصطفاءِ الهوية ووضعِها فوق التاريخ في مراحلِ الإخفاق الحضاري، وعجزِ المجتمعات عن الإسهام في صناعة العالَم الذي تعيش فيه. لذلك تسعى للاستيلاءِ على المكاسب الكبيرة للآخر، وإيداعِها في مكاسبها الموروثة، من خلال القيام بعمليات تلفيق متنوعة، تتّسع لكلِّ ما هو خلّاق مما ابتكره وصنعه غيرُها. وذلك أبرزُ مأزقٍ اختنقتْ فيه هويتُنا في العصر الحديث.

إن الهويةَ والمُعتقَدَ متفاعلان، لكن تأثيرَ كلٍّ منهما على شاكلته وبطريقته الخاصة. الطريقةُ التي يتلاعب بها المعتقدُ تشاكل شِباكَ المعتقَد وتشعّبه، والطريقةُ التي تتلاعب بها الهويةُ تشاكلُ شباكَ الهوية وتشعّبها.كما يتلاعبُ المعتقَدُ والهويةُ المغلقان بالمعرفة يتلاعبان بالذاكرة أيضًا، إذ تعمل الهويةُ المغلقةُ على إعادة خلقِ ذاكرةٍ موازية لها، تنتقي فيها من كلِّ شيء، في تاريخها وتراثها، ما هو الأجمل والأكمل، ولا تكتفي بذلك، بل تسلب ما يمكنها من الأجمل والأكمل في تاريخ وتراث ما حولها، فتستولي على ما هو مضيءٌ فيه. يجري كلُّ ذلك في ضوء اصطفاء الهوية لذاتها، لذلك تعمد لحذف كلِّ خساراتِ الماضي وإخفاقاتِه من ذاكرة الجماعة، ولا تتوقف عند ذلك، بل تسعى لتشويهِ ماضي جماعاتٍ مجاورةٍ لها، والتكتمِ على مكاسبها ومنجزاتها عبر التاريخ. لكلّ جماعةٍ بشرية شغفٌ بإنتاج هوية خاصة مُصطفاة، على وفق ما ترسمه احتياجاتُها وأحلامُها وآفاقُ انتظارها، وما تتعرّض له من إخفاقات وإكراهات. وكلُّ ذلك يسهم في كيفية بناء معتقدها، ويحدّد ألوانَ رسمها لصورِه المتنوّعة وتعبيراتِه في الزمان والمكان، ثم تُدمَجُ صورُ المعتقَد لتدخل عنصرًا في مكونات هذه الهوية، بجوار العناصر الإثنية والثقافية واللغوية والرمزية وغيرها، بالشكل الذي يجعل المعتقدَ عنصرًا فاعلًا ومنفعلًا داخل الهوية. كذلك تدخل الهويةُ في مكونات المعتقَد، إذ تتغذّى منه الهويةُ ويتغذّى منها، فإن كان المعتقَدُ مغلقًا أدي ذلك إلى انغلاق الهوية، وإن كانت الهويةُ مغلقةً أدي ذلك إلى انغلاق المعتقَد. ويتشكّل مفهومُ الحقيقة على وفقهما. المعتقدُ والهويةُ ينشدان إنتاجَ الحقيقة على وفق رهاناتهما ومطامحهما ومعاييرهما، سواء أكانت تلك الحقيقةُ دينيةً أو غيرَ دينية. الهويةُ في حالة صيرورة، وكلُّ صيرورة هي تحوّل متواصل. الهويةُ علائقيةٌ بطبيعتها، تتحقّق تبعًا لأنماط صلاتها بالواقع، ويُعاد تشكُّلُها في فضاء ما يجري على الهويات الموازية لها، وهذا ما يفرض عليها أن تعيدَ تكوينَها في سياق تفاعلِها، انفعالِها، تضادِّها، صراعِها، تسوياتِها، تساكنِها وتضامنِها، مع كلِّ ما يجري على الهويات الأخرى[1].

[1] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، ص 126-131، ط3، 2022، دار الرافدين ببيروت، مركز دراسات فلسف الدين ببغداد.

 

https://alsabaah.iq/91355-.html

ينفرد الإنسان بالعقل وبملكة الخيال

د. عبد الجبار الرفاعي

لا يمكن تصورُ إنسان يعيش في الأرض بلا خيال، لا ينفرد الإنسان بالعقل وحده، بل ينفرد بملكة الخيال أيضًا. في الخيال يعيد الإنسانُ بناءَ صورة العالم، ينتج هذه الصورةَ بوصفها ضرورةً لإمكان العيش في عالمٍ يستطيع تمثّلَه بلا خوفٍ منه واغترابٍ فيه. يرى الإنسانُ العالمَ في ضوء ما صنعه خيالُه، ليجعل إيقاعَ حياته متناغمًا والصورةَ المتخيَّلةَ له في ذهنه، فينخفض شعورُه بالخوف والاغتراب. تنعكس الصورةُ المتخيَّلةُ للعالم على لغةِ الإنسان وثقافتِه وفنونِه السمعية والبصرية، وعلى علاقاته ومؤسساته المختلفة، وحياته الفردية والمجتمعية.

الخيال وما ينتجه من الصور والرموز والإشارات والعلامات والخطوط والشعارات والكلمات يعيد إنتاجَ كيفية تذوق الإنسان للعيش في الأرض ويحدِّد نمطَ وجوده. ينشد الإنسانُ في كلِّ أنشطته وأعماله وإبداعاته واكتشافاته وثقافاته وفنونه وكتاباته رسمَ صورةٍ في خياله لعالَمٍ يستطيع العيشَ فيه، ويظلّ يغذّي هذه الصورةَ على الدوام ويرسّخها في ضوءِ ما تصنعه مخيلتُه من لغةٍ ورموز وثقافة وألوان وجغرافيا وحدود لهذا العالم.

المخيلةُ منجمُ الإبداعِ البشري،كلُّ شيءٍ يضيقُ فيه الواقعُ يتمكنُ الإنسانُ من تخيّله. بواسطة التخيُّل أصبح الإنسانُ كائنًا يتطلع للمستقبل، ويرسم خارطةً لتطويرِ أحواله وتحسينِ ظروف عيشه والتقدّمِ للأمام. لولا الخيالُ للبث الإنسانُ يكرّر كلَّ شيءٍ، في طريقة عيشه وطعامه ولباسه وتأمين احتياجاته المتنوعةكما يفعل الحيوان، ولم يتمكن من إنتاج العلوم والمعارف والتكنولوجيا والثقافة والآداب والفنون والحضارات. الاختراعات والاكتشافات العلمية يحتضنها ويولّدها المخيال، لذلك يشدّد غاستون باشلار على “أهمية المخيال والأحلام الشاعرية للعقل العلمي”[1]. التخيّل غير التوهم، والمخيال غير الوهم، المخيال واسعٌ لا حدودَ له، يسمح لحضور الأحلام والتطلعات المختلفة بغدٍ أجمل. الواقع ضيّقٌ محدود جدًا بحدوده المحسوسة، يعجز الإنسانُ عن فرض صورةٍ عليه لا تشبهه، الواقع يتنكر لتغطيته بصور ذهنية لا تتطابق وفضاءَه المحدود. الواقعُ ضحلٌ المخيال عميقٌ، الواقعُ فقير المخيال غنيٌ، الواقع ضيقٌ المخيال واسع جدًا.  لا يستوعب أحلامَ الإنسان، ومختلفَ ما يتطلع إليه من صور لعالم يتمناه ويرغب أن يعيش فيه إلا المخيال. أكثر عمر الإنسان يعيشه في متخيَّله لا في الواقع اليومي، يهرب الإنسانُ باستمرار من الألم والاكتئاب والحزن والأسى إلى الخيال. عجزُ الواقعِ المحسوس عن إشباع احتياجات الإنسان المتنوعة يدعوه للاستعانة بالتخيّل لتعزيزِ الأمن النفسي، وخلقِ تناغم مع ايقاع وجوده في العالم، والشعورِ بإمكانية تأمين تلك الاحتياجات مما هو خارج الواقع.

إن كان الواقعُ مظلمًا يستطيع خيال الإنسان أن يشعره بفضاءٍ مضيء رحب خارج اختناقه بالواقع. السعادة المفقودة في الواقع يمكن أن يشعر الإنسانُ بأنه يتذوق شيئًا منها في المتخيَّل، مباهج الحياة المفقودة في الواقع يمكن أن يشعر الإنسانُ بأنه يتذوق شيئًا منها في المتخيَّل. الواقع لا يطاق، الواقع شديد عنيف موحش، لولا الخيال لمات الإنسانُ مفجوعًا. ما يحمي الإنسانَ هو الخيال الذي يصنع له عالما رحبًا يعيش في فضائه، لا بما يفرضه عليه الواقع، ولا طاقةَ له على تغييره. الواقع مفروض على الإنسان، الخيال يمكن أن يتصرّف فيه الإنسانُ بالخلق والإبداع كيف يشاء. ‏عالم الخيال هو الأوسع والأثرى، يتسع الخيال لما يضيق فيه الواقع. هو موطنُ تشكّل ما يحتاجه الإنسان من المعاني لحياته. المعاني العذبة من صنائع الخيال، لا من صناعة الواقع الموحش.

أفلاطون تحدّثَ عن الخيال بمدلوله الماورائي في عالم المُثُل، وهو عالم يسبق العالم المادي في نظره. باستثناء أفلاطون كان الاتجاهُ العقلي السائد في الفلسفة اليونانية ينظر للخيال بوصفه: “الجانب الخادع في النفس الذي يقود إلى الخطأ والزلل”[2]، كأنه يرادف اللاعقلاني والتوهم. منذ ذلك الوقت ظل الخيال منسيًّا، وكان يحذّر منه الفلاسفةُ بوصفه ضدَّ التفكير العقلي. عزّزت فلسفةُ ديكارت مركزيةَ العقل وكرّست تغييبَ التخيُّل، وتضييقَ آفاق المعرفة وحصرَها في حدود العقل بالمعنى الذي حدّده ديكارت في مؤلفاته وكتابه الأثير: “مقال عن المنهج”. إيمانويل كانط (1724-1804) أعاد للتخيُّل نصابَه، وأخرجه من مدلوله الماورائي عند أفلاطون، واستوعبه في المعرفة، وتنبّه إلى فاعلياته الخصبة في توليد المعرفة وإثرائها. لم يعد التخيُّلُ ضدًّا ولا حتى رديفًا للعقل، بل اتسع به فضاءُ العقل. مع كانط اتسعت مملكةُ العقل لاستيعابِ ملكة الخيال، واكتشافِ مصدرٍ غزير لإنتاج المعرفة، لم تمنحه الفلسفةُ اهتمامًا يتناسب وأهميتَه قبل ذلك. بعد كانط اهتمّ الفلاسفةُ الألمان بالمتخيَّل، وذلك ما نقرأه في أعمال: شيلنغ، وشوبنهاور، وهيغل، ونيتشه، وإدموند هوسرل، وهايدغر، وغادامير، ومعهد العلوم الاجتماعية في فرانكفورت.

كما اهتمّ بالمخيال في فرنسا، هنري برغسون، وسارتر، وميرلوبونتي، وكامو. وجاك لاكان، الذي ألّف كتاب: “اللغة الخيالي والرمزي”[3] وغيره، لدراسة المخيال في سياق قراءة جديدة للتحليل النفسي ومناهجه. وغاستون باشلار، الذي درس الخيال الشعري في كتابه: “شاعرية أحلام اليقظة”[4] وغيره. ودرس اليوناني الفرنسي كورنيليوس كاستورياديس تأسيس المجتمع في المخيال في كتاب “تأسيس المجتمع تخيليًا”[5]. مضافًا إلى الأعمالِه المتعدّدة لبول ريكور حول المخيال والذاكرة والسرد، مثل كتابه: “الذاكرة، التاريخ، النسيان”[6]، الذي درس فيه “تاريخ التمثّلات” في سياق نقده لـ “تاريخ العقليات”، وقبل ريكور نقد ميشيلُ فوكو “تاريخ العقليات” في كتابه “حفريات المعرفة”. وأسس غيلبرت دوراند عام 1966 في جامعة غرينوبل بفرنسا “مركز البحوث الخاص بدراسات الخيال”[7]. وكتب موريس غودلييه: “المتخيل المخيال والرمزي”[8]، وغيره من المؤلفات حول المخيال. ودرس بيير بورديو رأس المال الاجتماعي والثقافي والرمزي في عدة مؤلفات، وكشف عن أساليب الهيمنة الرمزية، وأدوات العنف الرمزي وكيفية توظيفها في انتاج السلطة[9].

وأصدر أندرسون كتابه: “المجتمعات المتخيلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها” عام 1983[10]. وكانت مساهمة الأمريكي رايت ميلز في كتابه: “المخيال السوسيولوجي” الصادر عام 1959، من الأعمال الرائدة في اعتماد المخيال بوصفه مفتاحًا لتفسير كيفيةِ تشكّل المجتمع وصيرورته، وفهمِ نمط إنتاج تصوراته ومعتقداته وثقافته وهويته ورؤيته للعالم في فضاء الخيال المجتمعي. وألّفت فالنتينا غراسي أستاذة علم الاجتماع في جامعة بارثينوب في نابولي بإيطاليا كتابها: “مدخل إلى علم اجتماع المخيال: نحو فهم الحياة اليومية”[11]. وأصدر الكندي تشارلز تايلور كتابه: “المتخيلات الاجتماعية الحديثة”[12].

وقبل ذلك فتح سيغموند فرويد في مدرسة التحليل النفسي آفاقًا جديدة للكشف عن جذور تشكّل المخيال في اللاوعي، وجاء كارل غوستاف يونغ واكتشف منابعَ المتخيَّل في اللاوعي الجمعي، ودرس الصورةَ والرمزَ والأسطورةَ والأنموذجَ الأصلي. واتخذت دراسةُ الخيال مكانةً مركزية في الفلسفة الفينومينولوجية منذ إدموند هوسرل، وحضرت الصورةُ والتخيُّل والمتخيَّل والخيال بكثافة في الفينومينولوجيا وتفسيرِها للوعي ومفهومِها الفلسفي للعالم. ألّف سارتر كتابين، درس فيهما ما يمنحه الخيالُ للذهن، وكيفيةَ تحقّق الوعي وتمثّل العالم بالخيال في ضوء الفلسفة الفينومينولوجية. أصدر الكتابَ الأول سنة 1936 بعنوان: “الخيال L’imagination”، والكتابَ الثاني سنة 1940 بعنوان “الخيالي “L’imaginaire”. يقول سارتر: ” إن المخيلة ليست سلطة تجريبية أو مضافة إلى الوعي، بل إنها الوعي بأكمله حين يتحقق، فكل وضعية عينية وواقعية للوعي في العالم تكون مشحونة بالمتخيل حين تتقدم دائما باعتبارها تجاوزًا للواقع”[13].

اتسعت دراسةُ المخيال وتنوعت مجالاتُها في الفلسفة وعلم النفس والاجتماع والأنثروبولوجيا، وتحليل الخطاب، والألسنيات، والتاريخ، واتخذت مدرسةُ الحوليات الشهيرة في فرنسا من “تاريخ العقليات/تاريخ الأفكار” موضوعًا يدرس البنيةَ الذهنية ونسيجَ الأفكار المولّدة لروح المجتمعات، وأثرَها في تشكّلها وصياغة هويتها، وكيف تصير بوصلةً لمسيرتها التاريخية. البنية الذهنية الجمعية منجم ثريّ يختزن الرؤيةَ للعالم وما هو غاطسٌ ولاواعٍ في الدين، والثقافةَ والفن، وروافدَ السلطة وشبكاتها وأنماطها، في ضوء ذلك أضحى البحثُ التاريخي في مدرسة الحوليات يذهب لتمحيصِ ودراسة مكونات هذا المنجم، وتفحّصِ ديناميكيته الداخلية، واكتشافِ فاعليته في بناء الجماعة، وبيانِ الأفق الذي تسترشد به الجماعةُ وتتطلع في ضوئه لصورة مستقبلها.

وأضحت دراسةُ المخيال وفاعلياته الأساسية في إنتاج المعرفة حقلًا أساسيًّا في الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والألسنيات وعلم اللغة والميثولوجيا. وتطورت دراساتُ علم اجتماع المخيال، وظهرت أبحاثٌ ثمينة حول الكشف عن أثره في ‏تشكّل الأديان والفرق والمذاهب ‏والجماعات وتوالدها.

[1] الخولي، يمنى طريف، مشكلة العلوم الإنسانية تقنينها وإمكانية حلها، ص 16، 2014، مؤسسة هنداوي للثقافة والعلوم، القاهرة.

[2] هلال، محمد غنيمي، الرومانتيكية، ص15، 1955، نهضة مصر للطباعة والنشر، القاهرة.

[3] صدرت الترجمة العربية لهذا الكتاب عن منشورات الاختلاف في الجزائر، سنة 2006.

[4] صدرت الترجمة العربية لهذا الكتاب عن المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر ببيروت، سنة 1993.

[5] صدرت الترجمة العربية لهذا الكتاب عن دار المدى للطباعة والنشر التوزيع، سنة 2003.

[6] صدرت الترجمة العربية لهذا الكتاب عن دار الكتاب الجديد المتحدة ببيروت، سنة 2009.

[7] صدرت الترجمة العربية لكتابه: “الخيال الرمزي” عن المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر في بيروت عام 1991.

[8] صدرت الترجمة العربية لهذا الكتاب سنة 2019 عن دار الفارابي ببيروت.

[9] صدرت الترجمة العربية لكتابه: “الرمز والسلطة” عن دار توبقال في الدار البيضاء بالمغرب، سنة 2007.

[10] صدرت الترجمة العربية لهذا الكتاب سنة 2009 عن شركة قدمس للنشر بدمشق.

[11] صدرت الترجمة العربية لهذا الكتاب عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات عام 2018.

[12] صدرت الترجمة العربية لهذا الكتاب عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات عام 2015.

[13] توفيق، سعيد، الخبرة الجمالية، دار الثقافة، القاهرة، 2002، ص 156.

 

https://alsabaah.iq/90528-.html