تقديسُ المتخيّل للحيوان إهدارٌ لحقوق الإنسان

د. عبد الجبار الرفاعي

الاحتفاء بالحياة والأحياء والطبيعة وحمايتها شيء، وتقديسُ الأحجار والأشياء والحيوانات شيءٌ آخر. الأول يعكس موقفًا أخلاقيًا وإنسانيًا عظيمًا، والثاني يعكس تضحيةً بالإنسان وإهدارًا لكرامته. عندما يغالي الإنسانُ بقيمة أيِّ شيء غيره ويقدّسه يقدّم منزلتَه قربانًا للشيء الذي قدّسه. أنا شخصيًا من المدافعين عن حقّ الكائنات الحيّة في العيش، وأدرك ضرورةَ حمايتها لحفظ التوازن الحيوي الخلّاق في الطبيعة، وأحترم الأبعادَ القيمية في الأديان الحريصة على حماية حقِّ الكائنات في العيش في الطبيعة والرفق بالحيوان. أتألم من صيد الحيوان، أرى الصيدَ يقترن بالإكراه والمطاردة وتعذيب الحيوان، من أجل أن يلهو الصيادُ ويستمتع بمأساة هذا الكائن الذي يسلبه الحقَّ في الحياة.كذلك تؤلمني مشاهدُ الحيوانات المحنّطة، عندما تُعرض في بعض المحلات أو البيوت كديكور يكتمل به تجميلُ المكان. ‏التحنيط يتمّ بعد القتل العدواني، ‏يثير هذا النوعُ من القتل للحيوانات في داخلي فجيعةَ نهايات الحياة بالعنف.

الإعلاءُ من مكانة الأحجار والأشياء والحيوانات وتقديسُها ينتهي إلى التضحيةِ بمكانة الإنسان والحطِّ من قيمته وإهدارِ كرامته وحقوقه.كانت الحيواناتُ ترمز للآلهة في مجتمعات عديدة في العالم القديم، ففي مصر ارتبطت القططُ بالآلهة “باستت Bastet”، وباستت هى ربّة المرح والسعادة والراحة، والخصوبة والولادة في مصر القديمة. وفي مصر والهند واليونان وروما إلى المكسيك،كان يُنظر للكلاب كـآلهة، ففي الحضارة المصرية يظهر “أنوبيس” على شكل رجل برأس كلب سلوقي، أو برأس وجسم ابن آوى. وهو الاسم اليوناني لإله الموتى القديم، الذي يصّور بمهام متنوعة، فتارةً بوصفه “حارسًا للمقابر”، ودليلًا للموتى المؤخرين وحارس الدنيا السفلى، وأخرى “مرشدًا للأرواح في الحياة”، وثالثة “مسؤولًا عن التحنيط”، وغير ذلك. واتخذت تماثيلُ بعض الآلهة رأسَ البقرة رمزًا لها، “بات “Bat كانت إلهةٌ بقرةً في الديانة المصرية القديمة، تُصوَّر بوجه آدميّ وأذنَي بقرة وقرنيها[1]. ولم يعد يُنظر للبقرة أو غيرها اليوم كحيوان مقدّس إلا في الديانة الهندوسية، فقد “ارتبطت البقرة بأفكار عدة؛ مثل عدم الإيذاء، والنقاء والطهر، والطيبة، والأمومة في وهبها ورعايتها، ليس فقط لِعِجْلِها وإنما للجميع. وفي الفترة الفيدية، كانت تُقدَّم البقرة أحيانًا كقربان، لكن صار أكْلُها جريمة لاحقًا… وأشيرَ إلى الأبقار والنساء – على حدٍّ سواء – على أنهما إلآهات، وإن كانت للأبقار على ما يبدو مكانة أعلى بسبب طهرها وقيمتها كمصدر للعطاء. وفي القرن التاسع عشر … وفي ظل زيادة الوعي الذاتي الديني بين الجماعات الإصلاحية، صارت حماية البقرة رمزًا للهوية الهندوسية. وأصبحت البقرة، شأنها شأن المرأة الهندوسية، تُعرَّف بأنها أم الأمة. وكتب كلٌّ من داياناندا ساراسواتي، مؤسس حركة آريا ساماج، وغاندي عن الأهمية القومية لحماية البقر، وتأسست جمعيات محلية بجميع أنحاء الهند لإشراك عامة الهندوس في الحفاظ على هذا الرمز العظيم… مكانة البقرة في الهندوسية كانت موضع شك أيضًا من الهندوس أنفسهم، وذلك بوصفها رمزًا لهيمنة كبار رجال الدين، ولِمَا تحمله من إشارات ضمنية إشكالية عن المنبوذين الذين تأكدت مكانتهم المتدنية بتمثيل البقرة للطهر”[2].

تقديسُ البقرة في الهندوسية مثلًا، مهما كانت التأويلاتُ لهذا النوع من التقديس، أراه يصادر كرامةَ الإنسان، وينتهك حقوقَه، ويرهق عيشَه بأعباء لا طاقةَ له على تحملها، ويهدّد البيئةَ باستهلاكِ الغطاء الأخضر، ويغرقها بفضلات الأبقار، وما يتسرب من تلك الفضلات للمياه الجوفية ويلوثها. وانبعاثِ غاز الميثان والغازات الدفيئة، الناتجة أثناء عملية هضمها، مما يؤدي إلى تغيّر المناخ وارتفاع درجات الحرارة، إذ يعدّ غاز الميثان أكثر فاعلية بحوالي 25 مرة من ثاني أكسيد الكربون في الاحتباس الحراري، وإن كان يتحلّل أسرع منه[3].كذلك يؤدي الاستيلاءُ على مساحات شاسعة من الأراضي إلى حرمانِ الإنسان والحيوانات الأخرى من استهلاك إنتاجها الزراعي، وتعطيلِ التربة واستنزافِ خصوبتها في المراعي الواسعة للأبقار، وتبذيرِ الموارد المائية، لأن الأبقار تشرب كمياتٍ كبيرة من المياه، وتحتاج مراعيها إلى كميات أكبر. والعبث بالتنوع البيولوجي للطبيعة، ومصادرة الحيز الخاص بالإنسان في المجال العام. وبسبب ذلك ظهرت دعواتٌ في الهند أخيرًا لاستهلاك روث الأبقار في توليد الطاقة.

وفي تقريرٍ لصحيفة لوفيغارو يقول الصحفي إمانويل ديرفيل: إنه التقى بمجموعة من الفلاحين الغاضبين في قرية مارجوبور على بعد تسعين كيلومترا شرق نيودلهي، لأن الأبقار السائبة أفسدت حقولهم. ويضيف أن هذه الأبقار يمكن أن تبتلع في ليلة واحدة محصولا كاملًا، مشيرًا إلى أن بالهند 190 مليون رأس من الأبقار، على وفق إحصاء 2012، وقد تتسيب منها 13 إلى 15 مليون بقرة كلَّ عام، استنادا إلى بيانات صادرة عن ذي إنديان إكسبريس. ويروي أحدُ المسنين في المنطقة أن هذه القطعان تسبّبت في الكثير من حوادث السير الدامية. وفي مارغو بوبور التي تقطنها غالبيةُ مسلمة، تفرض الشرطةُ غرامةَ 50 ألف روبية (630 دولارا) على من قتل بقرة، وتقوم مليشياتٌ متشدّدة بأعمال عنف ضدّ من لا يحترم البقر، ما أثر سلبًا على اقتصاد هذه المنطقة التي تعدّ مركزًا للدباغة والجزارين. وأوضح الكاتبُ أن بعضَ المنظمات الهندوسية تقتل من يعتدي على البقر، مشيرا إلى أن مركزا هنديا أحصى 46 جريمة قتل بين 2014-2018، غالبية ضحاياها من المسلمين والمنبوذين[4].

هوس المتخيَّل الديني وانفلاته من حاكمية العقل النقدي يجعل الإنسانَ يقدّس حيوانات تهدّد عيشَ الإنسان وأمنَه ومحيطَه ومنشآته في الأرض، ففي ولاية “راجستان” بالهند مثلًا يضم معبد “كارني ماتا” أكثر من 20 ألف فأر أسود. “كارني ماتا” امرأة هندوسية عبدها أتباعُها في القرن الرابع عشر الميلادي. يعتقد أتباعُ هذا المعبد بأن الفئران تجسيدٌ حيّ لهذه الإلهة، ويقدّم أتباعُ المعبد الحليبَ والجبن والأطعمة المطبوخة وأنواع الحلوى لها. وتحظى الفئرانُ بالحماية والرعاية وتمنع أذيتَها، ويعاقب مَن يقتل أحدَها في المعبد[5].

ويشيع في الهندوسية تقديسُ حيوانات مؤذية أخرى غير الفئران، إذ يجري الاحتفاءُ بها ورعايتُها على حساب الإنسان وعيشه وأمنه وسلامه وصحته. من الأعياد المعروفة في هذه الديانة مثلًا الاحتفالُ بـعيد “الأفاعي المقدّسة”. يحتفل “الهندوسُ في الهند والنيبال ودول أخرى بمهرجان الأفاعي سنويًا، أو ما يعرف بالـ “ناغا بانشامي”، وهو عيدٌ مخصّص منذ مئات السنين لتكريم الـ “ناغا” وتعني الأفاعي باللغة السنسكريتية. هذا اليوم هو يوم عطلة رسمية في الهند… يُحتفل بهذا المهرجان كلّ سنة، في اليوم الخامس من شهر شرافان الهندوسي القمري، ويحلّ عادةً بين شهري يوليو/تموز وأغسطس/آب، وهو الشهر المخصّص لتكريم أحد أكبر آلهة الهند شيفا. من تقاليد العيد، أن يحتلّ مروّضو الأفاعي زوايا في الساحات العامّة، فيتحلّق الناسُ حولهم لتقديم الحليب لثعابين الكوبرا كي تشربه. وتشمل الطقوسُ أيضًا الصومَ، والامتناعَ عن حراثة الأرض، خشية مُضايقة الأفاعي. وفي هذا المهرجان أيضًا، يرتِّل الناسُ أسامي عددٍ من آلهة الأفاعي المعروفة، طالبين منها الزواجَ والوفرَ المادي والحمايةَ من لدغاتها القاتلة. وتنتشر كذلك تماثيلُ صغيرة لأفاعي الكوبرا، في البيوت والشوارع، وتُضاء لها الشموع.كما يسعى الناسُ لاقتناء رسومات ملونة لبعض أشهر الأفاعي المقدّسة… في رمزيته، يعدّ مهرجانُ ناغا بانشامي، طريقةً للتأكيد على عدمِ الخوف من الموت. تمثّل الأفاعي اللانهايةَ والرغبةَ والطاقةَ والحكمةَ والثراءَ، وترتبط بالأنهر والبحيرات والينابيع. لذلك يقدّم المصلون في هذا اليوم زهرةَ لوتس، ويتركونها تطوف فوق مياه نهر الغانج… ملك الثعابين فاسوكي، رمز مقدس في العديد من ديانات الشرق الأقصى، وليس فقط في الهندوسية. وتقول الأسطورة إنّ الآلهة استخدموه لخضّ محيط الحليب، لاستخراج إكسير الحياة الخالدة، لذلك تُبجَّل الأفاعي بتقديم الحليب لها (مع أنها لا تشربه)”[6].

[1] موسوعة معرفة، نسخة على الإنترنت.

 

[2] نوت، كيم، الهندوسية: مقدمة قصيرة جدًا، ترجمة: أميرة علي عبد الصادق، مراجعة: مصطفى محمد فؤاد، ص 120، 2017، مؤسسة هنداوي.

[3] محمد سناجلة، “زيادة درجة حرارة كوكب الأرض .. ما دور الأبقار في ذلك؟”، موقع فضائية الجزيرة، 15/9/2022.

[4] “لوفيغارو: البقرة المقدسة تعرقل اقتصاد الهند”، قناة الجزيرة الفضائية، (28/1/2019).

[5] صحيفة “الوطن” الكويتية اليوم الأحد (3 يوليو / تموز 2016). وراجع ويكيبيديا، ” معبد كارني ماتا”.

[6] موقع B.B.C NEWS عربي، “الأفاعي المقدسة في الهند: ما رمزيتها وحكاية مهرجانها؟”، بتاريخ 24 يوليو/ تموز 2020.

 

https://alsabaah.iq/94092-.html

بعد تمثلها تخييليًّا تتقدّس الأشياء

د. عبد الجبار الرفاعي

كما أن المتخيَّل هو الحقل الخصب لولادة الأسئلة الوجودية الكبرى، هو حقلُ توالد الأجوبة، والأساطير، والتقديس. تجيب الأساطيرُ في شيء منها عن هذه الأسئلة، لتُطمئن الإنسانَ، الذي لا يفكر بعقلٍ نقدي، وتُشعره بالثقة عندما تصنع له ماضيًا بمقاسات رغباته وأمانيه وأحلامه، وتوهمه بقدرته على امتلاك ما يفتقر إليه في الواقع الذي يعيش فيه،كما كان أسلافُه في الأزمنة البعيدة يمتلكون كلَّ شيء يتمناه اليوم. في الأساطير ينشط المتخيَّلُ لينسج حكاياتٍ مقدّسة، تتكشف فيها أماني الناس وأحلامُهم وطموحاتُهم ورغباتُهم بوضوح لافت. عندما ينضب الواقعُ يتدفق شلّال المتخيَّل بما يفيض فيه من أسرار مدفونة في الأعماق. المتخيَّل أرشيف يختزن أحلامَ الإنسان وطموحاته ومثله العليا، وتتوطن فيه ذكرياتُه بعد إعادة إنتاجها وتمثلها تخييليًّا.

لا يتقدّس الشيء إلا بعد تمثله تخييليًّا. ربما لا يستغني عن المقدّس إنسانٌ، حتى الملحد أحيانًا لديه مقدّساتُه الخاصة، قد يراه في شخصيات استثنائية، يعتقدُ أنَّها خارقةٌ تتجاوز تناهي الكائنِ البشـري وقدراتِه المحدودة وقصوره، ويتخيّلُ أنها عابرةٌ لحدود الطاقة البشـرية. يتخيّلُ رموزًا وأشياء متنوعة يحسبها تعبيراتٍ للمقدّس، وإن كان يُعلِن تنكّره لذلك. لا يقع المقدّس موضوعًا للعقل النقدي، أو موضوعًا للعلم، لأن المقدّس خارج حدود العلم وأدوات كشفه، ولا يخضع لـ “معيار قابلية التكذيب”، فكلّ فكرة لا تقبل الدحضَ والإبطالَ والتكذيبَ لا ينطبق عليها عنوانُ العلم، على وفق “منطق الكشف العلمي” لكارل بوبر[1].

يبدأ التقدّيس عندما يتنكّر المتخيَّلُ لحقيقة الأشياء والأشخاص والكائنات، ويخلع عليها جلبابَ القداسة، بعد سلخِها من كينونتها وغايتها الوجودية، وافتعالِ غايةٍ مقدّسة لها تعطّل غايتَها الحقيقية. التنكّر لطبيعة الحجارة وتكوينها وقدراتها ووظيفتها يمكن أن يحولّها إلى مقدّسة، التنكّر لطبيعة الحيوان وماهيته ووظيفته يمكن أن يحولّه إلى مقدّس،كما في الهندوسية وغيرها من الأديان.

من نتائج تقديس البشر فرضُ تراتبيةٍ هرمية في الهندوسية وأديان أخرى، إذ يجري تكريسُ طبقةٍ نبيلة عليا تتفوق على سواها، وطبقةِ منبوذين سفلى في أحطّ منزلة من أتباع الديانة الهندوسية. الاعتقاد بالتناسخ وحضور الروح في عالَم يسبق هذا العالم في هذه الديانة، هو الذي يعطي الإنسانَ المكانةَ في عالمنا، فيجعله كبيرًا أو صغيرًا. تصنيف السلالات البشرية محفوظ في ذلك العالم قبل الولادة حسب معتقدات الهندوسية. يولد الإنسانُ وتولد معه تلك الروحُ النبيلة أو الوضيعة وترسم له أقدارَه ومصائرَه الأبدية، ويظلّ مسجونًا حتى موته في هذا القدر الوجودي الذي يستلب كرامتَه وحقوقَه كما في طبقة المنبوذين، أو يمنحه كرامةً وحرياتٍ وحقوقًا وامتيازات فائضة، يتفوق فيها على كلِّ إنسان ينتمي لطبقة أدنى منه، من دون أن يبذل أيَّ جهد لينالها،كما تستحق ذلك بالولادة طبقةُ البراهمة.

تصنيفات البشر إلى طبقات في سلّم هرمي، فرضتها الهوياتُ الدينية والإثنية المغلقة، وهي من بقايا ترسبات عصور الاستعباد المريرة. الولادة الثانية للأديان في المتخيَّل خلقت هذه التراتبية. حتى لدى المتصوّفة والعرفاء، كان ومازال مفهومُ الشيخ والمريد مفهوما طبقيًا استعباديًا بقناعٍ ديني. الكرامة مقام وجودي، ليس من حقّ الإنسان أن يتنازل عن كرامته لصالح حجر أو كائن حيّ أو إنسان أو أيّ شيء آخر، بمعنى أن الإنسانَ يولد مكرّمًا، ولا يكتسب الكرامةَ بعد ولادته من الانتماء: لدينه أو جنسه أو إثنيته أو ثقافته أو جغرافيته. الكرامة والمساواة والحرية، يحتاجها كلُّ إنسان بما هو إنسان، بغضّ النظر عن جنسه وعرقه وموطنه وثقافته ودينه. هذه قيم كونية واحدة أبدية لا يستغني عنها أيُّ إنسان، ولا تخضع للأديان والطوائف والهويات والخصوصيات والأزمنة والأمكنة والثقافات والاختلافات مهما كانت[2].

في المتخيل الإسلامي ‏المتخيل الصوفي والشيعى هما الأشد قوة ونشاطًا وفاعلية، ‏يتضخم في هذا النوع من المتخيل تقديسُ الأشخاص والأشياء والأماكن، بشكل يستنزف روحَ الدين وأهدافه الكلية الروحية والأخلاقية والجمالية. التنكّر لطبيعة الإنسان جعل المتصّوفةَ وغيرَهم لا يقبلون بتفسير سلوك شيوخهم بما يتناغم وكونهم بشرًا.كان محيي الدين بن عربي مثلًا إنسانًا كأيِّ إنسان، لديه احتياجاتٌ تفرضها طبيعتُه البشرية العاطفية والجسدية، ويتذوق الجمال كأي إنسان سليم الذوق، ديوانه يكشف عن هذه الطبيعة، المريدون لا يقبلون أن يكون أمثالُ هؤلاء بشرًا. “ترجمان الأشواق” ديوان كتبه محيي الدين حين أحبَّ النظام، وتلقب بـ “قرة العين”، وهي بنت أستاذه في مكة، أنشدَ هذا الديوانَ في عشقها والتغزّل بها. المتصوّفة من أتباعه يعتقدون أن هذا شعرٌ لا علاقة له بعشق المرأة بوصفها جسدًا وجمالًا وعاطفة، يؤولون ما ورد فيه بأنه ضربٌ من التغزّل الصوفي بالله. إلا أن محيي الدين بن عربي يتحدث بوضوح عن تجربة عشقه لهذه الفتاة بقوله: “فإني لما نزلت مكة سنة خمسمائة وثمان وتسعين ألفيت بها جماعة من الفضلاء، وعصابة من الأكابر والأدباء والصلحاء بين رجال ونساء، ولم أر فيهم مع فضلهم مشغولًا بنفسه، مشغوفًا فيما بين يومه وأمسه، مثل الشيخ العالم الإمام، بمقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام، نزيل مكة البلد الأمين، مكين الدين أبي شجاع زاهر بن رستم بن أبي الرجاء الأصفهاني رحمه الله … وكان لهذا الشيخ رضي الله عنه بنت عذراء، طفيلة هيفاء، تقيد النظر، وتزين المحاضر، وتحير المناظر، تسمى بالنظام؛ تلقب بعين الشمس، وإليها من العابدات العالمات السابحات الزاهدات شيخة الحرمين، وتربية البلد الأمين الأعظم. ساحرة الطرف، عراقية الظرف، إن أسهبت أتعبت، وإن أوجزت أعجزت، وإن أفصحت أوضحت إن نطقت خرس قس بن ساعدة، وإن كرمت خنس معن بن زائدة، وإن وفت قصر السموأل خطاه، وأغرى ورأى بظهر الغرر وامتطاه … ثم إني عرفتها بعد ذلك، وعاشرتها فرأيت عندها من لطائف المعارف الأربع ما لا يصفه واصف … ولولا النفوس الضعيفة السريعة الأمراض السيّئة الأغراض، لأخذتُ في شرح ما أودع الله تعالى في خلقها من الحسن، وفى خُلُقها الذي هو روضةُ المزنِ، شمسٌ بين العلماء، بستان بين الأدباء، حُقَّةٌ مختومة، واسطة عقدٍ منظومة، يتيمة دهرها، كريمة عصرها .. مسكنُها جيادٌ وبيتها من العينِ السوادُ ومن الصدر الفؤاد، أشرقت بها تهامة، وفتح الروض لمجاورتها أكمامه … عليها مسحة مَلَكٍ وهمَّة مَلِكٍ … فقلّدناها من نظمنا في هذا الكتاب (ترجمان الأشواق) أحسن القلائد، بلسانِ النسيبِ الرائق وعبارات الغزل اللائق، ولم أبلغ في ذلك بعض ما تجده النفس من كريم ودِّها وقديم عهدِها … إذ هي السُّؤْلُ والمأمول، والعذراءُ البتول، ولكن نظمنا فيها بعضَ خاطر الاشتياق، من تلك الذخائرِ والأعلاق … فكلُّ اسمٍ أذكرُه في هذا الجزء فعنها أكنِّي، وكل دارٍ أندبها فدارها أعني”[3].

[1] الرفاعي، عبد الجبار، مقدمة في علم الكلام الجديد، ط 3، ص 195، 2022، دار الرافدين ببيروت، ومركز دراسات فلسفة الدين ببغداد.

 

[2] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والكرامة الإنسانية، ط 2، ص 231-232، 2022، دار الرافدين ببيروت، ومركز دراسات فلسفة الدين ببغداد.

 

[3] ابن عربي، ذخائر الأعلاق في شرح ترجمان الأشواق، ص 1 – 3، 2006، دار الكتب العلمية، بيروت.

https://alsabaah.iq/93332-.html