سبينوزا العراقي: إعادة بناء مفهوم الوحي عند الرفاعي

 د. ياسر عبد الحسين[1]

(إن الفكرة يجب أن لا تنقصها حرارة الرغبة، كما أن الرغبة يجب أن لا ينقصها ضوء الفكرة). باروخ سبينوزا.

ظاهرة الأسماء المستعارة في أوساط الكتّاب والمفكرين ليست بجديدة، ربما كان السبب محاولة التحرر من القيود السياسية والدينية والاجتماعية في تلك الحقب التي غلب عليها القيود والحواجز الفكرية في التعبير عن المفاهيم والآراء، وخصوصا تلك التي تقترب من المعبد ورجاله، وخوفا من مقصلة الأفكار والتحريم، لذلك عندما نشر الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا Baruch Spinoza الذي يعد من أهم فلاسفة القرن السابع عشر، كتابه الشهير (رسالة في اللاهوت والسياسة) بدون ذكر اسمه، كما نشره لدى ناشر وهمي ونُسب الكتاب في حينه لكاتب يهودي ملحد، وسبب في ذلك الوقت وإلى يومنا الحاضر، نقاشات حادة في مسار الفهم الديني، وهو ما عبر عنه سبيونزا بنفسه أن الهدف الأساس من كتابه هو تحول الدين إلى اعتقادات خرافية، بدافع الخوف الهذياني من القوى الطبيعية والإنسانية والدوغمائية المصلحية للكنائس، وهو الأمر الذي يؤدي إلى اندلاع الحروب الأهلية، العلنية منها والضمنية وسيطرة الحكام والسياسيين على انفعالات العامة، وحسب تعبيره فقد تحولت المؤسسة الدينية إلى مسارح لا يسمع فيها الفرد، بل علماء ليس لديهم الرغبة في تعليم الناس، بل يفرضون تعاليم جديدة، والأساس في كتابه يقوم على رفض القراءات اللاهوتية المبنية على أحكام مسبقة دون السماح بأي مراجعة نقدية، بالمقابل ثمة محاولات صريحة للإصلاح والتجديد الديني ذهبت خلفها روؤس مفكريها ومنظريها وخصوصا في جدل الحداثة الأوروبية.

اقتصرت محاولة سبينوزا في جوهر الحداثة بعد نشره كتابه اللاهوت السياسي عام 1670 على تحديد العلاقات بين الدين والسياسة، أو بين رجال الدين ورجال الحكم وتوسع في حلقات ليست بعيدة عن هذا الإطار، لكن يبدو أن المشكلة أعمق من هذين المسارين (الدين – السياسة) خصوصا في عالمنا الراهن. اليوم ثمة محاولة مشرقة في إطار الفهم الإسلامي، يقدمها المفكر العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي، محاولة جريئة في كسر التكلس الفكري. إنها ثورة في المعنى والفهم بإطار إنساني يستهدف عدم استغلال القراءة الدينية التراثية وتوظيفها سياسيا أو مجتمعيا. في كتابه (مقدمة في علم الكلام الجديد) يعيد الرفاعي بناء مفهوم الوحي في علم الكلام الجديد، ويجعله نقطة البداية في تجديد علوم الدين. اطلعت على الطبعة الثالثة الصادرة أخيرا عن دار الرافدين ومركز دراسات فلسفة الدين في بغداد، وهي طبعة مزيدة ومنقحة، مزيدة فصلا إضافيا، كما يفعل الرفاعي بإعادة نشر مؤلفاته بطبعات جديدة، إذ يعيد العمل عليها بالتفصيل “وكأنه يؤلفها من جديد” حسب تعبيره. هذه الطبعة فيها من الأبحاث العميقة والنادرة والجريئة حول فهم حاجات الإنسان غير المادية مثل الدين، بوصفه “حياة في أفق المعنى، وحاجة الإنسان الأبدية لمعنى روحي وأخلاقي في حياته الفردية والمجتمعية” حسب تعريف الرفاعي، تأتي أهمية الموضوع من منظار إعادة تعريف الدين، ووجهة التجديد الذي يختلف عن مفهوم الإصلاح والإحياء في رأيه، وهنا يؤطر الرفاعي قضية التجديد كإطار فكري متميز عن غيره من المفكرين. يبدأ التجديد في رأيه من إعادة بناء مفهوم الوحي كمنطلق للكلام الجديد.

وإن كان علم الكلام قديم، فإن الرفاعي يعتقد أن الأخير لا يلبي حاجة الإنسان الروحية والأخلاقية والجمالية في حياة المسلم اليوم. يقول الرفاعي: علم الكلام الجديد يدرك أن الحقيقة واحدة في ذاتها، إلا أنها نسبية في معرفتها لتعدد وجوهها وطرق الوصول إليها، بعكس علم الكلام القديم الذي يرى الحقيقة الدينية بوجه واحد ويحتكر الوصول إليها بطريق واحد. ولا يرى الكلامُ القديم الإنسانَ المختلف في معتقده مساويا لغيره؛ وذلك يولد العنف والخصومات والصدامات، بينما يحتاج العالم اليوم عبر علم الكلام الجديد إلى المساواة في الإنسانية واحترام الكرامة، ومنح الحريات والحقوق على أساس المواطنة.

استثمارُ الدين الإيجابي

كانت محاولة سبينوزا الأساسية وليدة اللحظة الأوروبية وصراع الأفكار منذ عصر النهضة حول الكتاب المقدس وجدل الفيلولوجيا، بعد محاولة بعض التيارات إلى إجراء عملية تحقيق في الكتاب المقدس من الناحية التاريخية فضلا عن اللغوية من أجل الوصول إلى نسخة أقرب إلى الصحة، وسط رفض الكهنة والتيار المحافظ، لذلك حاول سبينوزا أن يفتح بمشرطه الفكري هذه المناقشة من أجل عدم استغلال الدين مجتمعيا وسياسيا. وبذات السياق يشير الرفاعي إلى أن: “الدين يمكن أن يكون عاملًا أساسيًّا في البناء، كما يمكن أن يكون عاملًا أساسيًّا في الهدم، ويعود الاختلاف في ذلك إلى الاختلاف في طريقةِ فهم الناس للدين، ونمطِ قراءتهم لنصوصه، وكيفية تمثلهم له في حياتهم”. وعلى حد قوله: “من يريد أن يعلّم الناسَ الحياة يمكنه، كما يمكن استغلال الدين ممن يريد أن يعلم الناسَ الموت، وهو ما تفعله الجماعات المتشددة العنيفة في كل الأديان، من يريد أن يعلم الناس السلامَ يجد الدين منجما يمكنه استثماره فيه، كذلك يمكن استغلال الدين في الحروب، مثلما حدث في الماضي ويحدث في الحاضر”، وبالتالي يتقارب هدف الرفاعي مع ما أشار إليه سبينوزا في كتابه اللاهوت والسياسة: (النور الفطري لم يوضع موضع الاحتقار فحسب، بل إنه كثيرا ما أُدين باعتباره مصدرا للكفر، وأصبحت البدع الإنسانية تعاليم إلهية).[1]

وحيث إن للدين في مجتمعنا سلطةٌ على الأرواح لا يضاهيها نفوذ أية سلطةٍ أخرى، لذلك يمكن أن تكون كيفية فهم الدين وطريقة قراءة نصوصه فاعلة في إحداث تحول أساسي إيجابي أو سلبي في اقتصاد المجتمع وتنمية كافة مجالات حياته، وكما يقول الرفاعي إن: الدين يمكن أن يكون حافزًا خلاقًا للعمل والإنتاج والتنمية الاقتصادية؛ وذلك ما كشف عنه ماكس فيبر Max Weber، حين فسر كيفية تأثير البروتستانتية والقراءة الكالڤينية للكتاب المقدس في بناء فهم يكتسي فيه العمل والإنتاج معنى دينيا، وكيف بعثت الكالڤينية تديّنا ينشغل فيه المسيحي بحياته الدنيا، لينال الخلاص ورضا الله في الآخرة، حيث إن الأخلاق البروتستانتية الكالفينية بخاصة كانت أحد أهم العناصر التي أسهمت إسهاماً كبيراً في تطور الروح الرأسمالية الحديثة؛ إذ إن تلك الأخلاق قد أنتجت قيماً ومعايير شجعت العمل الحر والتنسك والادخار، وبذلك خلقت مناخاً ذهنيا ساعد بدوره على تطور المشروع الاقتصادي الحر، وبالتالي على نمو وتطور الرأسمالية في الغرب[2].

تناول كتاب الدكتور الرفاعي في فصله الأول نشأة علم الكلام وتسميته، وحضور الرؤية الكلامية وتغلغلها في العلوم الدينية وبداية الدعوة لتجديده في هذا العصر، أما الفصل الثاني فقد تناول الإحياء والإصلاح والتجديد وأوضحَ الاختلاف في بين هذه المفاهيم وغاياتها، فيما يقدم الفصل الثالث خارطة لعلم الكلام الجديد بوصفه الفهم الجديد للوحي حسب المعيار الذي وضعه، أما الفصل الرابع فيكشف عن بوادر الدعوة لتجديد علم الكلام، وولادة الفهم الجديد للوحي لدى مفكري الإسلام في الاسلام الهندي من خلال اراء ولي الله الدهلوي، وأحمد خان ومحمد إقبال وفضل الرحمن، فيما تحدث الفصل الخامس عن إيقاظ المعنى الروحي والأخلاقي للدين في علم الكلام الجديد، وكما هي عادة الرفاعي في تشديده على الأبعاد الروحية والأخلاقية والانسانية في كتبه الاخرى.[3]

في نشأة علم الكلام الجديد

تجاوز الطالب أستاذه حالة نادرة، طبقت سبينوزا حينما ناقش مسائل كان أستاذه ديكارت قد تحاشاها قبل أربعين سنة خوفاً من المحافظين، على الرغم من كونه أحد تلامذة الفلسفة الديكارتية لكن برع في المنهج العلاقاني، وكما الحال مع الرفاعي الذي تجاوز في رؤيته الجديدة أساتذته في دراسته في الحوزة العلمية بالنجف وقم، أو في دراسته الأكاديمية، فهو يعد اليوم من المفكرين البارزين في العراق والعالم العربي في حقل التجديد الفكري والديني.

علم الكلام الجديد عند الرفاعي يعيد صياغة علم الكلام في ضوء إعادة تعريف الدين، حيث إن وجهة التجديد ومنطلقاته وأسسه وأركانه تختلف عن الإحياء والإصلاح اللذين يلتبسان بمفهومه، لكون التجديد يعني إعادة فهم الدين وتحديد وظيفته المحورية في الحياة، بينما مؤلفات الفرق الكلامية ومقولاتها تفتقر لتلبية أكثر ما يبحث عنه الإنسان من معنى في الدين، ويشير إلى أن مقولات الكلام القديم الاعتقادية لا تورث الروح سكينتها، ولا القلب طمأنينته، وهذا التصريح العلني من الرفاعي يحمل من الجرأة السبينوزية الخاصة، وإن كانت بشفرات ناعمة، كما الحال مع سبينوزا الذي هو فيلسوف وصوفي مفعم القلب بمحبة الله، ديدنه الحقائق الأزلية.[4]

تاريخيا بدأت فكرة علم الكلام نتيجة الحروب الأهلية في مرحلة لاحقة الجدل بين المسلمين، فظهرت استفهامات متنوعة في فضاء الصـراع السياسي، وما انفكت هذه الاستفهامات تترسخ وتتشعب وتتوالد في صيغ جديدة بمرور الأيام، وقد كان للحروب الداخلية في ذلك العصـر أثر مهم في تطوير النقاش في الموضوعات العقائدية، ثم تغذى علم الكلام في حقبة لاحقة بالمنطق الأرسطي والفلسفة التي تدفقت من مراكز الترجمة في العصـر العباسي بعد أن انفتح المسلمون على الميراث الثقافي للحضارة اليونانية، ومدرسة الإسكندرية، ومعارف الهند، وبلاد فارس، واستهواهم المنطق الأرسطي، والفلسفة اليونانية.

فاخترقت مقولاتها مباحث علم الكلام الذي تفاعل تدريجيا مع هذه المقولات، لهذا كانت السياسة وراء ولادة الكثير من الأسئلة والمعتقدات والآراء الكلامية وتفاعلاتها في الحياة الإسلامية، مثل ولادة أسئلة الخوارج حول الحاكميَّة بعد معركة صفين، وولادة القول الجبر والقدر في العصـر الأموي، وأيضا هنا يقترب الرفاعي العراقي من سبينونزا الهولندي في ربط الفكرة الدينية بالسياسة وتفسيرها، فقد عمل سبينوزا على ثلاث مجالات هي: نقد دور المؤسسة الدينية في الشأن السياسي، ونقد البناء العقائدي اللاهوتي، ونقد البناء الأخلاقي اللاهوتي.[5]، وكما تولدت معارضة لأفكار الفيلسوف الهولندي لهذا البناء النقدي، فقد ذكر الرفاعي أن التيار المناهض لعلم الكلام تغلل لدى عامة المسلمين، فبدأ كثير منهم ينظر بارتياب للفكر الكلامي، بل تنامت هذه الحالة، وأُشيع مناخ مشبع بالتهمة حول العلوم العقلية، حتى اضطر ذلك بعض المهتمين بها للتمسك بالتقية والتكتم على معارفه، لكن بعد توفر هامش حرية للتفكير أثر بالغ في نمو وازدهار مدارس كلامية عديدة، من أبرزها الشيعة والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية. ويذكر الرفاعي بانه لم يسجل تاريخ الإسلام أن فيلسوفا أو متصوفا كان سببًا في سفك دماء الفقهاء أو غيرهم من علماء الإسلام، لكن من صلب أو قتل من الفلاسفة والمتصوفة مثل الحلاج وشيخ الإشـراق السهروردي وغيرهما، كانوا ضحية فتاوى فقهاء، وظل بعض الفقهاء أقرب للسلاطين والخلفاء من كل الفلاسفة والمتصوفة، وكان بعضهم يتنعمون في بلاطهم، فيما كان الفلاسفة والمتصوفة في الغالب فقراء، بل إن المتكلمين أيضاً كانوا يكابدون ظروفًا معاشية غير مريحة في حياتهم.

نقد علم الكلام القديم

يرى سبينوزا أنه لا يمكن التوفيق بين الدين والعقل، فهما شيئان مختلفان كليا، فالمعرفة الدينية تتناول جانب الطاعة عكس العقلية، وبذلك فكل شخص حر في تفسيره للنصوص الدينية، حيث يقول: (قد بينا بالعقل أن الكتاب لا يعلم الفلسفة بل يدعو إلى التقوى وحدها، كما بينا أن مضمونه كله مهيأ على قدر فهم العامة وأحكامهم المسبقة).[6]، وحاول تفسير اخر ومراجعة نقدية لهذا الاطار، فيما يحدد عبد الجبار الرفاعي أن أبعاد العجز في التراث الكلامي، بغية اكتشاف مبررات تجاوز الكلام التقليدي، وإعادة بناء التفكير الكلامي في إطار أسئلة العصر ومعارفه، تتمثل فيما يلي:

المنطق الأرسطي بوصفه مرجعية للتفكير الكلامي: على الرغم من رفض المتكلمين للفلسفة وطرائق تفكير الفلاسفة، لكنهم قبلوا المنطقَ الأرسطي، وتعاملوا معه كمسلمات أساسية في البحث الكلامي، واستندوا إليه في بناء علم الكلام، وركزوا على القياس الأرسطي وأشكاله، كقوالب أساسية في الاستدلال على المقولات والمسائل والآراء، وصار هذا المنطقُ هو المرجعية في التفكير الكلامي، حيث أضحى الخصمان يحاول كل منهما نقض حجّة الآخر، بالاستناد إلى أساليب المحاججة الأرسطية ذاتها، فقاد ذلك إلى خطأ المتكلمين في استعمال هذا المنطق، فجعلوا حكم الحدود الحقيقية وأجزائها مضطردًا في المفاهيم الاعتبارية، رغم أن المنطق الأرسطي انسحب بالتدريج من الحياة العقلية، وعجز عن مواكبة طرائق التفكير للعقل الحديث مع أفكار فرنسيس بيكون وديكارت وإيمانويل كانط وهيغل، ونلاحظ أيضا تأثر سبينوزا بديكارت بشكل بارز.

النـزعة التجريدية أو الفصام بين النظر والعمل: تغلبت بالتدريج النزعة التجريدية الذهنية على المنحى الواقعي في التفكير الكلامي، وتحوّل علم الكلام إلى مشاغل عقلية تتوغل في صناعة آراء ومفاهيم ومقولات لا علاقة لها بحركة حياة الإنسان وشجونها ومواجعها حسب الرفاعي، حيث كان إيغال العقل الإسلامي في التجريد منشأ لتغليب النظر على العمل؛ فمثلًا كان ملا صدرا الشيرازي يعيب على الشيخ الرئيس ابن سينا استنـزاف جهوده في مثل هذه العلوم، حتى إنه أرجع ما ظهر له من أخطاء ابن سينا في الإلهيات إلى صرف وقته في هذه العلوم الثانوية غير الضـرورية.

تراجع دور العقل وشيوع التقليد: على الرغم من أن كلا من الكلام والفلسفة يصنف في خانة المعارف العقلية، إلا أن هناك فرقًا شاسعًا في نوع المنهج الذي يتعاطاه المتكلم، والمنهج الذي يتعاطاه الفيلسوف.

إهمال الإنسان ونسيان كرامته وحرياته وحقوقه: لم يدرج المتكلمون في مؤلفاتهم مبحثًا خاصا بالإنسان، يتناول تأصيل موقف نظري يحدّد موقع الإنسان في سلم المخلوقات، أي منزلة الإنسان وقيمته بالنسبة إلى غيره، والهدف من وجوده، وحقوقه وكرامته وحرياته، وهذا ما تميز به المؤلف عن غيره في وضع بصمات مهمة عن ارتباط الكرامة والإنسان بالدين.

تفريغ علم الكلام من مضمونه الاجتماعي: أراد القرآن الكريم للتوحيد أن يكون صبغةً لحياة الإنسان بقوله تعالى: (صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً) بمعنى أن حياةَ الإنسان ومواقفه وسلوكه اليومي ينبغي أن تصطبغ وتتلون بالتوحيد.

التربية على الخوف وترسيخ العبودية الطوعية: يرى الرفاعي أن صورةُ الله في علم الكلام القديم لا تقترن بالرحمة والعدل، إنها صورة السيد المخيف المرعب، المتمرس في البطش والتنكيل والعقاب والعذاب، الإنسان عبدٌ مسترقّ خانع ذليل حقير. صورة الله في علم الكلام الأشعري لا تقترن بالعدل، لله أن يفعل بخلقه ما يشاء، بلا أن يوصف أيُّ فعل يصدر من الله مهما كان بالقُبح أو الحُسن، فله أن يعذّب العادل، ويثيب الظالم.

ويصف أسبابا نقدية أخرى مثل ترسيخ “اللاهوت الصراطي” حسب المصطلح الذي يقترحه الرفاعي، حيث يجادل المتكلم لإثبات حقانية مقولات فرقته الاعتقادية، والتدليل على عدم حقانية ما سواها، حيث تشكل هذه المقولات بمجموعها منظومة اعتقادية واضحةَ الحدود، بنحو يمكن الاستناد إليها بوصفها معيارًا للتعرف على كل ما يقع في إطارها من مفاهيم وآراء، وما هو خارجها، وكذلك إهدار الروح والقلب والعاطفة، حيث لم ترد آيات القرآن بأسلوب رياضي أو منطقي أو فلسفي أو علمي، ولم يتحدث القرآن وكأنه كتاب في العلم أو الفلسفة أو المنطق أو الرياضيات، هو كتاب لا يخلو من محاججات ونقاشات متنوعة، لكنها تنتظم في سياق آياته، بنحو يتعاطى مع انفعالات وأحاسيس النفس البشـرية ببيان يتغلغل في أعماق روح وقلب الإنسان، وكما يتحدث الدكتور الرفاعي عن افتقار علم الكلام للمضمون الأخلاقي، حيث إن مباحث علم الكلام القديم تنتمي إلى ما يصطلح عليه بالحكمة النظرية لا الحكمة العملية، والأخلاق تنتمي للحكمة العملية، ناهيك عن مشكلة الخلط بين النصّ المقدس وتفسيراته حدث خلط بالتدريج بين النص الأول المؤسس والنصّ الثاني الشارح، ويعني بين القرآن الكريم، وما هو ثابت من السنّة الشـريفة على اختلافات في حدودها، وكذلك تجاهل ظروف وعوامل ولادة وتشكل الفرق.

التجديد والإحياء والإصلاح ليست مترادفة

هذه أكثر الكلمات والمصطلحات المتداولة في الكتابات العربية تبدو بنظرة سطحية عاجلة، لكن الرفاعي ينظر لها بنظرة عميقة، حيث يعتقد أن عدم التحديد الدقيق للمعنى والفوضى في الاستعمال يتسببان في كثير من الاختلافات والنزاعات، حيث يلتبس مفهوم التجديد بمفهومي الإحياء والإصلاح في اللغة العربية، وتتعدد معانيه بتعدد أساليب توظيفه في الاستعمال، فالسلفيون يفسرون الإصلاح على ضوء منظورهم الذي يرى الإصلاح مرادفا للإحياء، بمعنى استئناف ما كان كما كان، وأيضا فإن الجماعات الدينية تفهم الإصلاح بوصفه خفضا لمنابع المعنى الديني الميتافيزيقي، وتمددا واتّساعا لحدود الدين الدنيوية وهو يعني دخول كل شيء في الدنيا في الدين، أو ما يسميه الرفاعي بـتديين الدنيوي واستيعاب الدين لأفكار وأقوال ومواقف وأفعال الإنسان كلها، حتى العلوم والمعارف تتحول إلى دينية، خاصة الفلسفة والعلوم الإنسانية والفنون والآداب، وهو ما شاع في الأدبيات الإسلامية بعنوان (إسلامية المعرفة).

أما الإصلاح الديني عند رواد النهضة العربية، فله أكثر من معنى، وإن كانت تلتقي على رفض التعصب والتحجر، ومحاكاة شيء من حركة الإصلاح الديني اللوثري في المسيحية، وفتح باب الاجتهاد في الفقه بالعودة إلى أدوات النظر وأصول الفقه الموروثة، بينما يستعمل الدكتور الرفاعي مصطلح التجديد، وليس الإحياء أو الإصلاح؛ لأن معنى التجديد لا يلتبس بغيره، فالتجديد الذي يراه الرفاعي في نظريته لا يدعو لإحياء التراث كما هو، ولا إصلاح معارف الدين وترميمها، بل يعني بالتجديد إعادةَ فهم الدين وتحديد وظيفته المحورية في الحياة، وإعادةَ بناء مناهج تفسير القرآن الكريم والنصوص الدينية، وبناءَ علوم الدين ومعارفه في ضوء الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع ومختلف المعارف الحديثة، وبالتالي فإن منطلق التجديد هو الوعي بأن‌ متطلبات العيش في عصرنا وتحديات الواقع تختلف عن الماضي، ولهذا يعتقد الرفاعي أن التجديد يتأسس على هذه الأركان:

الركن الأول: بوصلةُ التجديد إعادةُ تعريف الإنسان، وتعريف الدين، وتحديد وظيفته في حياة الفرد والمجتمع.

الركن الثاني: دراسةُ وفهم واستيعاب ونقد علوم ومعارف الدين في التراث، واستكشافُ مداراتها ومدياتها وآفاقها المتنوعة، والاهتمامُ بالميراث العقلي في المنطق والفلسفة وعلم الكلام.

الركن الثالث: الاستيعاب النقدي للعلوم والمعارف البشرية الحديثة، مثل: الفلسفة، علم النفس، الاجتماع، الأنثروبولوجيا، الألسنيات، وغيرها من مكاسب العصر الحديث.

الركن الرابع: تجديد فهم الدين يتطلبُ مقارنةَ الأديان ونصوصها المقدسة، ومعرفة كيفية تشكل مؤسساتها الدينية، وصلة السلطة بتشكل التراث الديني وتنوع العلوم والمعارف الدينية.

الركن الخامس: تجديدُ فهم الدين يحتاج دراسةَ مسارات الدين عبر التاريخ، والكشف عن اختلاف وتنوّع تمثلاته وأنماط التدين في مختلف العصور والمجتمعات.

الركن السادس: يبدأ التجديد بإعادة بناء أدوات إنتاج المعرفة في الإسلام، وإعادة قراءة نصوصه في أفق العصر، بمعنى أن تجديد فهم الدين لا يتحقق إلا بتجديد مناهج الاجتهاد في الدين؛ وذلك يتوقف على الذهاب عميقا إلى البنية التحتية المنتِجة لعلوم ومعارف الدين، وغربلتها وتمحيصها وتفكيكها.

الركن السابع: لا ينجز التجديد وعودَه إلا بالتحرر من التفسيرات الحرفية المغلقة لآيات القرآن الكريم والنصوص الدينية، والانفتاحِ في التفسير على المناهج الحديثة في علوم التأويل والألسنيات، وعلى كل ما يمكن الإفادة منها من معطيات الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع.

الركن الثامن: دراسة المتخيل الديني وتحليل كيفية تشكله وروافد تغذيته ومديات حضوره في إنتاج المعنى الديني ضرورة تفرضها عملية التجديد.

الركن التاسع: لا يبدأ التجديد بالتراث لينتهي بالتراث كما يفعل بعض من يكتبون ويتحدثون عن التجديد، ‏ولا يبدأ بالواقع ويصور لنا التراثَ وكأنه يستجيب لكلِّ ما يتطلبه الواقع من دون اكتراث بأن أكثر ما في التراث يتنكر له الواقع، كما يدلل على ذلك نحوُ قرنين من إخفاق هذه الدعوة وتهافتها.

ولهذا يعتقد الرفاعي أننا نحتاج إلى مراجعة نقدية عميقة لمسار الإصلاح الديني التكراري في الإسلام منذ جمال الدين الأفغاني إلى اليوم، الذي مازال ‏يصادر كل دعوة للتجديد تحت لافتته، وأن ‏النقد العميق للتراث واكتشاف بنيته التحتية، وكذلك الإصلاح عند سبينوزا يرى أن الكتاب المقدس كلام الله الذي يستهدف تعليم الناس السعادة الحقيقية، غير أن تفسيرات الناس ابتعدت عن الجوهر الحقيقي للدين، وأن الدعوات الأصلاحية في هذا المسار ليست جادة في تحقيق هذه السعادة.

الوحي: وحدة الانطلاق

عمل سبينوزا على خارطة فهم الوحي، حيث كان يرى أن الكتاب المقدس يمثل وحيا إلهيا لا يحتوي معرفة عقلية وفلسفية، بل معرفة إيمانية بالله تدعو إلى الطاعة، فالخلاص في الآخرة لا يكمن في العقل، بل في الوحي، وبهذا فإن الكتاب المقدس لا يقدم معرفة معينة أو محاولة للوصول إلى حقيقة عقلانية، بل معرفة تتلخص حول ما يجب فعله حتى يطيع المؤمن بذلك إلهه عبر الأخلاق والصفات الحميدة واتباع الصدق والعدل والمحبة، وما على المؤمن إلا طاعة وصاياه من دون استعمال العقل لكون الله لم يوحِ للأنبياء بأمور فلسفية عميقة، بل بأفكار يسيرة للغاية[7]

يقول سبينوزا: (قد بيّنا بالعقل أن الكتاب لا يعلم الفلسفة بل يدعو إلى التقوى وحدها كما بينا أن مضمونه كله مهيأ على قدر فهم العامة وأحكامهم المسبقة)، ولاحقا انتقد سبينوزا ابن ميمون الذي أخضع الدين للعقل وسعى للتوفيق بينهما.[8] الدين بالنسبة إلى المسيحي العادي كان عبارة عن طقوس وشعائر وأسرار ربانية غيبية، وبالتالي فالمفهوم العقلاني الذي قدمه سبينوزا عن الدين ما كان بإمكانه أن يواجه المفهوم التقليدي الراسخ منذ مئات السنين سوف ينتصر مفهومه عن الدين، ولكن لاحقاً أي بعد مائتي سنة بعد أن تتقدم الشعوب الأوروبية وتتعلم، وتستنير.[9] وبهذا، فإن سبينوزا يرى في الكتاب المقدس وحيا يمنح بدوره المؤمنين معرفة بأهم ما يريده الله لأتباعه.

ينطلق الرفاعي بعلم الكلام الجديد من الوحي، حيث يرى أن الكلام الجديد يبدأ بإعادة بناء مفهوم الوحي، كما يقول: (ولما لم أجد خارطة طريق تكشف لنا بوضوح معنى علم الكلام الجديد، والمعيار الذي نحدد على وفقه المتكلم الجديد، أقترح الفهم الجديد للوحي هو المعيار الذي أراه لتمييز علم الكلام الجديد عن علم الكلام). ويعتقد الرفاعي أن تجديد الدين يبدأ بتجديد علم الكلام، وأية بداية للتجديد في الإسلام لا تبدأ بعلم الكلام، ومسلماته المنطقية والفلسفية، فإنها تقفز إلى النتائج من دون المرور بالمقدمات، فمثلا تجديد الفقه مثلًا يبتني على تجديد أصول الفقه، والأخير يبتني على تجديد علم الكلام؛ ذلك أن قبليات ومسبقات أصول الفقه، الذي يبتني عليه الاستنباط الفقهي، ليست سوى مسلمات ومقولات لاهوتية، حقلها هو علم الكلام، ومما لا شك فيه أنه لا يمكن تخطي القراءة السلفية المغلقة للنصوص، وإنتاج قراءة تواكب العصـر، ما لم يعد النظر بالبنية التحتية العميقة لإنتاج تفسير النصوص، تتخطى آليات النظر والفهم المتوارثة، حيث يرى الرفاعي بأن علم الكلام الجديد يعتمد العقل قبل النقل، وتخضع فيه مختلف المقولات والقضايا لأحكام العقل وأدلته، لكون العقل هو المرجعية لاختبار الخطأ من الصواب، والمعيار الذي نقيس به صدق كل قضية أو كذبها، على الرغم من كل النقد الذي صوبه له الفلاسفة منذ نيتشه، وجماعة مدرسة فرانكفورت، ومفكرو ما بعد الحداثة في الغرب، فإن العقل الحديث يضـيء لنا كل يوم أفقا جديدًا في مختلف مجالات العلوم والمعارف المختلفة.

علم الكلام الجديد عند الرفاعي ليس مستودعا لتكديس عناصر متنوعة، وربما متضادة، تعود لموضوعات مختلفة، علم الكلام الجديد يقوم على الفهم الجديد للوحي الذي تتأسس عليه عدة أركان تتمثّل في الآتي:

–  علم الكلام الجديد يفسر الوحي تفسيرًا ديناميكيا؛ بمعنى أنه لا يرى النبي منفعلًا سلبيا حالة الوحي، كما يرى علم الكلام القديم الذي يفسـر تلقي النبي للوحي، وكأنه قناة تمر من خلالها كلمة الله للناس من دون أن يكون النبي متفاعلًا معها.

–  الإنسان بطبيعته ينفر ممن يخاف منه، ولا يحاول الاقتراب إليه، لهذا فان علم الكلام القديم رسم صورة مخيفة لله، وفي سياقها تشكّلتْ علاقةُ المسلم بالله، فعلم الكلام الجديد ينشد إعادة رسم هذه الصورة بشكل يجعل صلةَ المسلم بالله لا خوف فيها، صلة مشبعة بالسلام الروحي.

–  ينشد علم الكلام الجديد إيقاظَ المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي في الدين، بما يتواءم وحاجة حياة الإنسان للمعنى الديني في زماننا، ويسعى لاكتشاف القيم الكونية المشتركة في الإسلام مع الأديان الأخرى.

–  لا يعرف الكلام الجديد الدين بوصفه يتسع لكل شيء في الحياة، وبكونه بديلاً للعقل والعلوم والمعارف والتجربة وتراكم الخبرة البشـرية، كما يعرف الدين بذلك أكثرُ الذين ينطلقون من تفسير علم الكلام القديم للوحي والنبوة، في ضوء تعريف الوحي في علم الكلام الجديد يعاد تعريف النبوة، ويعاد تعريف الدين، بالشكل الذي يكون الدين منبعًا لما يثري حياة الإنسان بالمعنى الذي يتطلبه وجوده.

في ضوء هذا الفهم للوحي، يرى الرفاعي أنه يمكننا قراءة السنة والسيرة من منظور مختلف، يحررنا من مأزق القراءة اللاتاريخية لهما، التي تسـرف في تأبيد دلالات كل ما هو ظرفي محلي خاص بثقافةِ الجزيرة العربية ونمط عيش الناس عصـر البعثة، ولهذا يشير إلى مسارين في علم الكلام الجديد خارج المسار الموروث، الأول: مسار يفسـر الوحي بوصفه ظاهرة وقعت في التاريخ، فانعكست عليها الثقافة واللغة والبيئة، وظهرت ملامحها فيها بوضوح، مثلما انعكس الوحي على التاريخ فتفاعل معه وأعاد صياغته على وفق رؤيته، وهذا التيار يرى الوحي مُنتَجاً ومُنتِجاً ثقافياً، وهذا مسار يرى موقفه ملتبسا غامضا حيال المضمون الميتافيزيقي للوحي، كما نقرأه في بعض كتابات محمد أركون، وحسن حنفي، ونصر حامد أبو زيد، وعبد المجيد الشـرفي، وغيرِهم.

أما المسار الثاني، فيفسـر الوحي بوصفه ظاهرة ميتافيزيقية غيبية، فالوحي في مفهومه حالة يعيشها النبي من خلال اتصاله بالله تتشبع بها روحه، وتمتلئ بها مشاعره، وتتشكل بها رؤيته للعالم، وينشغل هذا التيار بتفسير حقيقة الوحي وبيانِ ماهيته في عالم الغيب، وخلافا للمسار الأول يعتمد هذا التيار آثارَ العرفاء في تفسير البعد الميتافيزيقي للوحي، لكنه يعتمد الفلسفة وعلومَ الإنسان والمجتمع في تفسير البعد البشـري للوحي، وتحقّقه في التاريخ وانعكاسه على الواقع، كما نراه في بعض كتابات أحمد خان، ومحمد إقبال، وفضل الرحمن، ومحمد مجتهد شبستري، وعبد الكريم سـروش، وغيرهم.

ويرى الرفاعي أن المعيار الذي يمكن على أساسه أن تصنف مفكر بأنه متكلّم جديد هو تعريفه للوحي خارج مفهومه في علم الكلام القديم، بوصف الوحي هو المفهوم المحوري الذي تتفرع عنه مختلف المسائلِ الكلامية. وبناء على ذلك، فإن كل من يقدم تفسيرًا جديدًا للوحي، إن كان مؤمنا بالبعد الغيبي للوحي يمكن أن يصنف تفسيره على أنه علم كلام جديد، أما من يقدم تفسيرًا جديدًا للوحي، لكنه لا يؤمن بالله ولا يؤمن بالبعد الغيبي للوحي فهو ليس متكلما جديدًا. المتكلم غير فيلسوف الدين، المتكلم يفكر في إطار الإسلام، كاللاهوتي في كل دين الذي يفكر في إطار ذلك الدين، وإن كان يستعير مناهج بحثه وأدواته مما أنجزته العلوم والمعارف، وهذه رؤية جديدة تسجل للرفاعي في وضع أساس لتمييز علم الكلام الجديد عن علم الكلام القديم.

الإسلام الهندي

يقول باروخ سبينوزا: (هل اختبرت كل هذه الديانات قديمها وحديثها التي تعلم هنا وفي الهند وجميع أنحاء العالم ولو اختبرتها جميعها فمن أنبأك أنك اخترت أفضلها). ويقول الرفاعي: تمرست الأديان في الهند في قبول المختلف في المعتقد، بعد أن تخلصت منذ مدة طويلة من حروبها وصراعاتها، لذلك أصبحت أكثر خبرة في العيش المشترك، لا يقصي بعضها بعضها الآخر في أكثر مراحل التاريخ، فضلا عن أن هناك ميراثا روحيا ورمزيا في هذه الجغرافيا الميتافيزيقية الدينية، وتلك ميزة الفضاء الميتافيزيقي والثقافي الهندي الحافل بالتعدد، فهناك تفاعل وتأثير وتأثر متبادل متواصل بين ثقافات الأثنيات والأديان في الهند، حتى إن الرموز والشعائر في هذه الأديان تتوارث وتتناغم فيما بينها، وذلك ما تفتقر إليه السياقات الدينية والثقافية في الجزيرة العربية وتضاريسها الصحراوية، لذلك ظل الفضاء الميتافيزيقي فيها فقيرا يمهد لإنتاج بيئة إسلام أحادي ينمو ويترعرع فيها التيار السلفي، الذي كان وما زال فقيرًا ميتافيزيقيا، كافتقار الصحراء وطبيعتها وتضاريسها لتنوّع الكائنات والبشـر والأديان والثقافات كما يرى الدكتور الرفاعي. أما في الإسلام الهندي فيتنافس تيّاران: تيار إسلام تعددي، يستقي من رؤى العرفاء، ويسترشد برؤية الشيخ محيي الدين بن عربي في (تعدد الطرق إلى الله)، وعدم احتكار الطريق إلى الحقانية والنجاة والخلاص، وعدم اختصاص النجاة بديانة أو فرقة أو مذهب أو طائفة أو جماعة؛ لأنها ضرب من احتكار رحمة الله، وهذا تيار تعددي في الإسلام الهندي، وتيار آخر أُحادي في الإسلام الهندي، غير متفاعل مع الفضاء الديني المتنوع، ولا يتقبل بروح إيجابية تنوع المعتقدات والمقدسات والطقوس بتنوع الأديان، ولا يتفهم تعدد التجارب الدينية، وهو تيار شديد الوفاء للرؤية الكلامية ولأحكام المدونة الفقهية، تسلطت على ذهنية تيار الإسلام الأحادي مدرسة الحديث، فاضمحل حضور العقل في تفكيره، وصار لا يفهم النصوص إلا فهما حرفيا.

ويأخذ الرفاعي نموذج أبي الأعلى المودودي بوصفه الأعمق أثرا في أدبيات الجماعات الدينية العربية، وإن كان لا يظهر أثر مفاهيمه بوضوح، بنحو صارت مفاهيمه إحدى البنى الأساسية لهذه الأدبيات، حيث كتب أبو الأعلى المودودي رسالة (المصطلحات الأربعة في القرآن الكريم)، ونشرها على شكل مقالات متسلسلة في مجلة (ترجمان القرآن) تلخص هذه المصطلحات قراءةَ المودودي السياسية لعقيدة التوحيد، وكيف فرضت هذه القراءة فهمًا لا يرى في التوحيد شيئًا خارج الدولة المتخيلة في ذهنه، وتسرّبت رؤيتُه لأدبيات الجماعات الدينية بمختلف مذاهبها وتسمياتها، حيث أعاد المودودي إنتاج دلالات مصطلحات (الإله، والرب، والدين، والعبادة) سياسيا خارج سياقها القرآني، وفرغها من مدلولها الميتافيزيقي والقيمي، وفسرها في ضوء أحلامِه بتأسيس دولة تنبثق من تأويله لهذه المصطلحات، ويعتمد دستورها ونظمها وقوانينها المتنوعة على التراث، كما يشير الرفاعي في كتابه إلى: أن المودودي ذهب إلى أن إنشاء الإنسان لدولة في الأرض من دون العودة إلى الله وبتفويض منه، وبلا وضعه هو تعالى لخرائط السلطة والحكومة والدولة، ضرب من الشرك والعدوان على الله، وكما يفتعل المودودي، بسبب فهمه السياسي للتوحيد، مغالطة تضاد بين حاكمية الله وحاكمية الإنسان، فيعد ذلك عدوانًا على الربوبية، حيث استقى المودودي المضمون الاعتقادي للتوحيد من ابن تيمية، وأفرغه من مضمونه الميتافيزيقي وأشبعه برؤيته السياسية، حيث رأى المودودي صورةَ الله في السلطة والحكومة والدولة، ولم ير تجلياتها في الوجود، واحتجب عليه حضورها في الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية. ويضيف الرفاعي: إن المودودي يستأنف صورة الإله السياسي الذي اخترعه الحكام في وقت مبكر من نشوء الدولة في المجتمعات البشرية، لتسويغ تسلط الحاكم على الناس. تسيّدت صورةُ الإله السياسي في دولة المدينة في بلاد سومر القديمة، وهو النمطُ الأسبق لظهور الدولة في التاريخ، وترسّخت هذه الصورةُ واتَّسعت واتخذت صيغتها اللاهوتية المركبة في الحكم الثيوقراطي.

وهذا التفسير السياسي للدين، يشير له مفكر آخر وهو ولي نصر، الذي يرى أن حياة المودودي وأفكاره تعتمد على أن التجديد الإسلامي لم يكن مجرد ردة فعل ناتجة عن الرفض الثقافي للغرب، فقد يرتبط بأمور مثل السياسة الطائفية وتأثيرها على تشكيل الهوية ومفهوم القوة في المجتمعات التعددية والقومية، وعلى الرغم من أن حجج المودودي كانت مناهضة للغرب، إلا أنها كانت نابعة من صميم تنافس إسلامي وهندوسي على السلطة في الهند البريطانية، وقد سعى المودودي لتفسير الإسلام تفسيرا يحد من التعايش الثقافي الذي كان يبشر به حزب المؤتمر الوطني الهندي.[10]

لقد تناول الرفاعي العديد من الشخصيات الفكرية المهمة التي ناقش أفكارها بكل علمية وحيادية مثل وحيد الدين خان، وولي الله الدهلوي، وسيد أحمد خان، ومحمد أقبال، وفضل الرحمن، ثم أضاف لاحقا عبد الكريم سروش، وكل هذه المحطات الفكرية تحتاج إلى دراسات مفصلة أجاد فيها مفكرنا ببراعة وإتقان كما هو معهود ومشهود له في الرصانة الفكرية في طريق وضع معالم تأسيس مدرسة جديدة تستحق الإشادة.

الطريق الطويل                                                                       يقول الرفاعي إن: (الدعوة لتوطين علم الكلام الجديد في الدراسات الدينية والكتابة فيه، والكشف عن أسسه وأركانه وأهدافه وخرائط سيره وما يهتدي به، هي خطوة أولى على طريق طويل لا تطوى محطاته سـريعا، ولا يمكن بلوغ أقصـى مدياته، أو الوصول لنهاياته في وقت قريب)، فأمامنا طريق شاق، ينبغي أن تتضافر فيه جهودُ أكثر من جيل من الباحثين الخبراء بالتراث والفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع لنيل ما ننشده من سعادة البشرية. منذ بداية صدوره أصبح هذا الكتاب منهجا علميا في كثير من الجامعات العراقية والعربية والإسلامية في أقسام الفلسفة والمعارف الإسلامية. كتاب “مقدمة في علم الكلام الجديد” يستحق ان يتنبه له الباحثون والأساتذة لأنه يضع منهجا تأسيسيا لعلم الكلام الجديد.

المراجع:

[1] باروخ سبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، مصدر سبق ذكره، ص 125

[2] للمزيد انظر: إبراهيم الحيدري، (جدلية الحوار حول أطروحة ماكس فيبر الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية)، مجلة العلوم الاجتماعية، المجلد 18، العدد الاول، 1990، ص 159

[3] عبد الجبار الرفاعي، الدين والكرامة الإنسانية، دار التنوير، مركز فلسفة الدين، بيروت- بغداد، 2021.

[4] فاطمة حداد الشامخ، الفلسفة النسقية ونسق الفلسفة السياسية عند سبينوزا، ترجمة جلال الدين سعيد، ، مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، ط2، الرباط، 2017، ص 22 وما بعدها.

[5] المصدر نفسه.

[6] باروخ سبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، مصدر سبق ذكره، ص 355

[7] حول الموضوع انظر: جلال الدين سعيد، سبينوزا والكتاب المقدس الدين والأخلاق والسياسة، مؤمنون بلا حدود، بيروت، 2017، ص 17 وما بعدها.

[8] باروخ سبينوزا، رسالة في اللاهوت والسياسة، مصدر سبق ذكره، ص 355

[9] هاشم صالح، سبينوزا بين الدين والفلسفة، انفاس، 22 تموز 2017

[10] ولي نصر، المودودي وصناعة التجديد الإسلامي، دار جداول للتوزيع والنشر، بيروت، 2018.

[1] باحث عراقي متخصص في العلوم السياسية.

رابط النشر: