دعوة لقراءة عبد الجبار الرفاعي

طالب عبد العزيز
بحكم تربيتي وثقافتي البسيطة فانا لست معنياً بأفكار وعقائد الاسلاميين اليوم، لقد تجاوزتُ مع كثيرين سواي فكرة الدولة الدينية، ووجوب قيامتها لتحقيق العدل والحياة الحرة الكريمة وإشاعة روح المواطنة. فالمنقلب العربي الأخير ينفي الفكرة هذه تماما. وتفيدنا الوقائع العربية بعد احداث الربيع العربي باستحالة قيامة الدولة هذه، وبموجب معطيات كثيرة. حتى بات الإيمان بالدولة المدنية مطلباً وبغية لبعض رجال الدين ومن كلا الفريقين، وأحسب أن الحوزة في النجف كانت قد بينت موقفها من هذه، في أكثر من مفصل. وتأتي ممارسات الحكومات والاحزاب الدينية، التي حكمت والتي تحاول وتسعى للحكم، في العراق ومصر وليبيا وسوريا لتؤكد بشكل قطعي على استحالة قيام الدولة هذه، إن لم تكن قد عملت وتعمل هي بنفسها على تقويض الفكرة، ذلك لأن الحياة الجديدة لا تحتمل هذا النوع من الأنظمة.
هل بات الدين ممارسة داخلية، حدودها الجسد والروح، وهل ينصح المفكرون بذلك، وهل نقول بوجوب تقليص فكرة التدين الى أدنى حد، بحيث لا تتجاوز المناجاة الصادقة بين الانسان وربه، بل، ألم تكن فكرة الأديان الأولى هكذا؟ ما الذي يريده الله منا بشكل عام ومجمل؟ ألم تأت التعاليم الدينية لتؤكد للإنسان وجوب أن يكون عاملا على الخير، محباً لأخيه، نافعا في مجتمعه، صادقا، منسجما مع نفسه ومحيطه. أترى أفعالا كهذه بحاجة لنظام وحكومة وجيش وتسليح ومن ثم قتل وتهجير واغتصاب ووو . الحصول على مجتمع كهذا بحاجة الى مفكرين أوفياء لبني جنسهم، تخلصوا من سطوة وقهر النص الى ما هو أبعد من حدود النص نفسه، أما حين يتعارض النص مع فكرة ووجود الانسان فلا وجوب للعمل به.
ثمة تأسيس مهم وواع في الثقافة العراقية، راح يتشكل خارج حيز الأدب والفنون يعمل عليه الدكتور عبد الجبار الرفاعي، من خلال كتبه التي أصبحت بمتناول كثيرين اليوم، وممن يتعاطون المعرفة والفكر والحياة الجديدة، واتخاذ الدين لا بوصفه عبادات وممارسات تقليدية، بعد انقشاع غيمة التشدد والطائفية والفهم القاصر والضيق للدين ومبادئه، أظنه سيزحف (التأسيس) بمنافعه على القراء الثانويين، من خارج طبقة المثقفين، وسيكون تأثيره المجتمعي شاملاً، في القريب من السنوات لا محالة، ذلك لأن الرفاعي لا يعمل على الإطاحة بالدين مثلما يدعو البعض من المفكرين العرب إنما يسعى في مشروعه إلى ما سماه( انقاذ النزعة الانسانية في الدين) وهو عنوان لأحد كتبه. أي أنه يعمل على انقاذ الإنسان من مقصلة النص.
وكأيّ من المتعجلين، الذي أخذوا فهمهم للدين عن الممارسات الشائنة لعناصر القاعدة وداعش والمليشيات أيضاً، ممن يستلون ويتعكزون في تمرير ممارساتهم وتعاليمهم على الكتب والروايات المقدسة(القرآن والحديث وكتب السير) سألته (الرفاعي) ما إذا كانت هناك نزعة انسانية في الدين؟ لم يجبْني، إنما هداني لقراءة كتابه( انقاذ النزعة الانسانية في الدين) ثم أنه تكرم وأهداني نسخة من كتابه (الظمأ الأنطولوجي) وهكذا رحت، مأخوذاً بنوع جديد من الفهم، العابر لحدود النصوص إلى ما هو انساني وحياتي، يمس روح وجسد المخلوق، من غير تشدد وعنت، ومنذ السطور الأولى وجدتني مع رجل مفكر، فيلسوف يخرق الفهم التقليدي للدين بروح صافية، ملقياً بمئات النصوص المتشددة وراء ظهره، غير عابئ بها. وحين سألته ما إذا كان قد قرأ رواية (قواعد العشق الأربعون) لأليف شافاق ؟ قال : طالعتها وقت صدورها، وروجّتها لتلامذتي وزملائي.
واضح أن الدكتور عبد الجبار الرفاعي يسعى بشكل غير مباشر الى تقويض أفكار ابن تيمية وسيد قطب، الأفكار التي تعد المرجعية الرئيسة لداعش والقاعدة والاخوان، ومثل ذلك يمكننا القول بان أفكار الرفاعي الجديدة ومشروعه في التنوير يتجاوز حدود ذلك إلى فك شيفرات تقاليد وتعاليم الحوزات الشيعية، فهو يشير الى ذلك بقوله: ربما لا تتطابق أسفار روحي وقلبي وعقلي من بعض الأحبّة، لكن ما يشفع لي هو أنني أمضيت أربعين عاماً، تلميذا ومعلما في الحوزة.

طالب عبد العزيز، شاعر من الصرة في العراق.

الكرامة الإنسانية في فكر عبد الجبار الرفاعي

هاجر فرزولي[1]

1- تمهيد

مع تزايد موجات انتهاك حقوق الإنسان وما شهده العالم أجمع من حروب وصراعات عبر التاريخ البشري عامة، والتاريخ العربي خاصة، برزت العديد من الحركات والثورات التي طالبت بإعادة صياغة قواعد وقوانين تحفظ كرامة الإنسان. ويعد المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي من مؤسسي علم الكلام الجديد وفلسفة الدين في العالم الإسلامي، وأحد رواد فلسفة الأخلاق، الذين سلطوا الضوء على موضوع الإنسان بدراسته من كل الجوانب أولا، والتأصيل لمبدأ الكرامة الإنسانية ومحاولة تطبيقها على الحياة الواقعية ثانيا.  وهو من أهم المفكرين ليس في العراق فقط بل في العالم العربي، لما يحمله مشروعه الفكري لتجديد الفكر الديني عامة وعلم الكلام خاصة، ولما يتبناه من رؤية ترى أن فهم الدين يتطور تبعا لتطور فهم الإنسان لنفسه. نحاول أن نرصد أبعاد الكرامة الإنسانية في مشروعه، إذ يعد مشروع تجديد الفكر الديني لعبد الجبار الرفاعي نقلة نوعية في الدراسات الإسلامية، ورؤية جديدة مهد من خلالها لتأصيل مسألة الكرامة الإنسانية بطريقة جديدة في الفكر الديني. ومن أجل الوقوف على رؤية عبد الجبار الرفاعي لمسألة الكرامة الإنسانية التي وأولاها النصيب الأكبر في مشروعه التجديدي، أتت هاته الورقة. وللإجابة عن هاته الإشكالية استعنا بالمنهج الوصفي وأرفقناه بألية التحليل. من خلال الوقوف على أرائه وأقواله ومحاولة فهمها وتحليلها. بغية الوقوف على جوهر الكرامة وبيان معالم التجديد فيها في كتاباته.

2- تعريف الرفاعي للإنسان

في ظل التقدم المعرفي الذي يرتبط ارتباط وثيقا بمحور الإنسان، أصبحت تطرح مواضيع وتثار إشكاليات حول :حقوق الإنسان، وحريته، ومركزيته في الكون والتطور الحضاري. ولعل أبرزها في الوقت الراهن إشكالية الكرامة الإنسانية، فتمت دراسة هذا الموضوع من زوايا وخلفيات فكرية متعددة،كل حسب مجاله وتخصصه. ففي ضوء فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد كان سؤال الإنسان في فكر عبد الجبار الرفاعي هو السؤال المركزي، الذي يدور في مداره سؤال الكرامة وكل الأسئلة بشأن الإنسان، وتطوف حوله كل المباحث والمشاغل في أعماله. الرفاعي يستنكر تعريف الإنسان المتداول في التراث الأرسطي، فتعريف الإنسان بـ “الحيوان الناطق” يراه يختزل الإنسان في بعد واحد. الإنسان في نظره: كائن مركب غامض، وما يجري على قوانين الطبيعة لا تنطبق على عقله وعاطفته وروحه، وذلك ما دعاه للقول: “له لو أنفقنا العمر كله باكتشاف الإنسان لا يضيع عمرنا هدرا”.

لا يمكننا أن نعرج إلى موقف الرفاعي من مسألة الكرامة الإنسانية قبل الوقوف على تعريف الإنسان عنده، حيث عرّف الرفاعي الإنسان قائلا: “يمكن أن نعرف الإنسان بأنه كائن عاقل ٌ، عاطفيٌ، أخلاقيٌ، دينيٌ، جمالي ٌ، اجتماعيٌ، تاريخيٌ. الإنسان كائن متفرد ٌ،يتميز عن غيره من الكائنات في الأرض بـ : العقل، واللغة، والعواطف، والمخيلة، وتذوق الفن والاستمتاع بالجمال، ووعي الموت، والشعور بالزمان، والحاجة للأخلاق، والدين، وإنتاج الميثولوجيا، والرموز”.[2] مؤكدا أن هذا ليس تعريفا بمعنى الحد التام المنطقي. وفي ضوء تعريفه شدد الرفاعي على أنه: “لا يمكن أن نفهم الدين قبل أن نفهم الإنسان أولا، وحاجته لمعنى حياته، وحاجته للكرامة والمساواة والحرية، فإعادة تعريف الإنسان في نظره هي المدخل الصحيح لإعادة تعريف الدين وكيفية فهمه وتفسير نصوصه.كل محاولة لإعادة البناء التربوي والتعليمي والثقافي للفرد، وإعادة بناء المجتمع لا تبدأ بإعادة تعريف الإنسان، وإعادة تعريف الدين، وبناء فهم جديد لنصوصه، تموت لحظة ولادتها”[3].

 مبينا الرفاعي أن “الانسان أثمن رأسمال، وأثرى أنماط الاستثمار، الاستثمار في بناء الإنسان ورأس المال البشري لا يضاهيه أي رأسمال، لا رأسمال يتفوق عليه أبدا، مالم يصبح هذا النمط من الاستثمار مقدمة ومادة لكل استثمار، لن تنجز أي تنمية ما تنشده من وعود في بناء الأوطان. مأزق أوطاننا هو فشل الاستثمار في الإنسان”[4]. الإنسان “كائن استثنائي في وجوده، فهو الكائن الوحيد في الأرض الذي لا يتماثل معه أي كائن اخر، فلا نجد دينا عالميا يرى وجود الإنسان شيئا كالأشياء المادية أو كائنا كبقية الكائنات الحية. الإنسان وجوديا كائن ٌاستثنائي، يستحق التكريم الإلهي في حياته وبعد موته. لا يمكن أن ينال المكانة الوجودية للإنسان أو يسمو إليها أي شيء أخر خلقه الله في العالم. وجود الانسان ينفرد بكونه مرآة لوجود الله. أودع الله في كل إنسان روحا منه، إلا أن هذه الوديعة تحتجب متى احتجب الإنسان عن الله”[5].

وفي حديثه عن الرحمة بوصفها أساسا لأنسنة الإنسان يقول “ينشد هذا الفهم للدين الوصول إلى الله عبر الانسان، لذلك تتغلب فيه المقاصد الإنسانية في كل فعل على الفهم الحرفي الذي يتورط في الاستغراق في الشكل ويهدر المضمون”[6] ويضيف: “تجديد الصلة بالله تبدأ بتجديد الصلة بالإنسان. السبيل إلى الله يمر عبر رعاية عيال الله” مستدلا على ذلك بحديث (الخلق كلهم عيال الله، وأحب الخلق إليه أنفعهم لعياله).[7]

يحذِّر الرفاعي من تحويل الدين إلى أيديولوجيا، ويركز على ضرورة الاهتمام بالبعد الأنطولوجي في الدين، والمعاني الروحية والأخلاقية والجمالية التي ينشدها الدين. يحدد لنا الرفاعي الفرق بين دين الأيديولوجيا ودين الأنطولوجيا، بوصفه كامنا في الرؤية المتباينة لماهية الإنسان وماهية الدين بين الأيديولوجيا والأنطولوجيا، ومتجليا في تصورين لله وللعالم والإنسان في الدين متنافرين كل التنافر. ويشرح هذه الرؤية في كتابه الدين والظمأ الأنطولوجي بقوله أن دين الأيديولوجيا (هو الدين الذي يستخدمك، فيسخر حياتك وطاقاتك ومواهبك لتخدمه، ويفرض عليك حدوده وإطاره وأسيجته التي إن تخطيتها يصادر عليك دنياك وأخرتك). ودين الأنطولوجيا (هو الدين الذي يخدمك، إذ يمنح عقلك حرية التفكير، ولا يفرض عليك اقتباس صورة لا تمثلك أو أن تعيش حياتك نيابة عن غيرك، أو تكرر نماذج بشرية تطمس ذاتك). ويرى الرفاعي أن: (دين الأيديولوجيا يفشل في بناء حياة روحية أخلاقية أصيلة، ويطمس الأبعاد الإنسانية في الدين، ويميت الروح والقلب والعقل والضمير. إذ لا إنسانية بلا ضمير أخلاقي، ولا ضمير أخلاقي بلا مصدر إلزام ذاتي)[8].

من هنا تتضح العلاقة التي يلح عليها الرفاعي بين إعادة تعريف الإنسان وإعادة تعريف الدين، فإهمال الأبعاد الجوهرية في وجود الإنسان يؤدي إلى تضاءل حضور الدين إلى مجرد تقنين حركات المسلم الجسدية، وتنظيم فضاءاته المادية مكانيا وزمانيا، وإقامة الحدود الردعية عليه في حال اختراقه المنظومة التشريعية[9].

 

 

3-الكرامة الإنسانية في مشروع الرفاعي

طرق عبد الجبار الرفاعي باب الكرامة الإنسانية في الدين، وعالج هذه القضية الشائكة بمهارة، وجعلها محورا من محاور أفكاره، حيث بيّن الرفاعي أن (الكرامة قيمة أصيلة وأنها أحد مقومات تحقق إنسانية الإنسان، حضورها يعني حضور إنسانية الإنسان، وغيابها يعني غياب إنسانية الإنسان)[10]. الكرامة في نظره قيمة للفرد، (تبدأ الكرامة بالفرد لتنتهي بكرامة الأمة، فلا كرامة لأمة بلا كرامة أفرادها[11].كرامة الدولة والوطن والمجتمع والهوية تبدأ بتكريم الفرد، عندما تنتهك كرامةُ الفرد تحت آية ذريعة، فلا كرامة لأحد، كل مجتمع تكون كرامة الافراد الشخصية فيه مستلبة هو مجتمع مستلب الكرامة)[12].

ويجعل الرفاعي (الإنسان غاية الدين. وكل دين لا تكون غايته الإنسان ليس إنسانيا. جوهر إنسانية الدين حماية الكرامة)، ويرفض الرفاعي كل أشكال التمييز بين الناس: (فكل دين لا يحمي كرامة الإنسان ويصونها ليس إنسانيا. الإنسان وكرامته وسكينته وطمأنينته وإسعاده غاية ما ينشده الدين، ولا كرامة بلا مساواة، الله خلق الناس متساوين في انسانيتهم، فليس هناك إنسان كامل واخر انسانيته ناقصة)[13]. الكرامة عنده هي الأصل، لذلك يقول: (يحتاج الإنسان إلى الحب، والأمان، والحرية، والمساواة، والاهتمام، والعناية، والاعتراف، والمكانة، والشهرة، والنفوذ، والسلطة، لكن احتياج كل إنسان للكرامة يختصر كل هذه الاحتياجات ويتقدم عليها. فالكرامة قيمة أنطولوجية يطلبها وجود الإنسان من حيث هو إنسان. كل رسالة تحريرية في التاريخ البشري تستمد مشروعيتها من قدرتها على استرداد الكرامة الإنسانية المهدورة، الكرامة هي وعي الإنسان بالحرية)[14].

الكرامة عند الرفاعي ذاتية وجودية (الإنسان يوجد مكرما، لا يكتسب الإنسان الكرامة بعد ولادته، الكرامة توجد بوجود الإنسان وتلبث معه أبدا حيثما كان. الكرامة رديفة الإستخلاف، خليفة الله في الأرض جعله قيّمًا وحافظًا ووكيلاً ونائباً عنه في الأرض)[15].كما شرح الرفاعي أن الكرامة لجميع البشر لذلك صار: (الإنسان بوصفه إنساناً لا غير يستحق الكرامة والحريات والحقوق، الإنسانية قيمة كونية عابرة للأعراق والثقافات والأديان، والكرامة هي الإطار الأخلاقي الذي تتوحد فيه قيمة الإنسان ومكانته، وتقديره لذاته وتقدير الغير له. الكرامة تضمن إنسانية الإنسان، وتكريم الإنسان بوصفه إنسانا واجب أخلاقي وليس منة أو تفضلا من أي أحد. الكرامة قيمة انسانية عليا، معناها واحدٌ صريحٌ يتساوى فيه كل الناس، بغض النظر عن دينهم وثقافتهم وجنسهم وموطنهم ولونهم ومهنتهم)[16]. الكرامة عند الرفاعي قيمة كونية، لكل إنسان نصابه فيها، لذلك يفرض الضمير الأخلاقي على الكل حمايتها، (احترام الكرامة الإنسانية مقصد مقاصد الدين وأسمى أهدافه)[17].

الإنسان يستمد قيمته ومكانته ومسؤوليته من كونه إنسانا لا غير. ومعيار المصداقية الأخلاقية والموقف الإنساني لأي دين أو معتقد أو نظام اجتماعي يعتمد في قدرته على النظر للكائن البشري بوصفه إنسانا من دون اعتبار لما هو خارج إنسانيته، والتعاطي معه بعيداً عن أي تصنيفات تفرضها الهوية وحدودها الرمزية التي تضعها الإثنية واللون والجنس والجغرافيا والثقافة والمعتقد[18].

يرى الرفاعي أن الإنسان ينفرد في القران بتكريمه، وذلك من الأثار الوجودية لتكريم الإنسان، وهو ما نصت عليه الآية: “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا”، الإسراء 70، وينفرد كذلك في تعليم آدم الأسماء، وذلك من الأثار الوجودية لتكريم الإنسان، وهو ما نصت عليه الآية: “وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ”، البقرة 31. [19]

وأوضح الرفاعي في موضع أخر (أن الكرامة هي وعي الإنسان بالحرية،كل رسالة في التاريخ البشري تستمد قيمتها ومشروعيتها من قدرتها على استرداد الكرامة البشرية المهدورة، وحماية الحرية. فالمعيار الكلي لاختبار إنسانية أي دين هو كيفية تعاطيه وإعلائه للكرامة الإنسانية، والموقع الذي تحتله الكرامة في منظومة القيم لديه. إنسانية الدين تختصرها نظرته للكرامة بوصفها القيمة التي تستحضر كل قيمة إنسانية،[20] الكرامة هي القيمة المركزية في حياة الكائن البشري، الإنسان الأصيل يضحي بحياته من أجل أن تُخلِد ذاكرة الوجود كرامته. الكرامة مكونٌ لكينونة الإنسان الوجودية، عنوانُ تكريم خلق الإنسان هو كرامته لا شيء أخر سواها، لأن انتهاك الكرامة يفضي إلى انتهاك كل حريات الإنسان وحقوقه)[21]. عبد الجبار الرفاعي ترتبط عنده الكرامة بحرية الفرد فقد ذهب الرفاعي إلى ضرورة الدفاع عن الحرية بما هي قيمة من القيم الضامنة للكرامة الإنسانية، وأن تمهد السبل لها أبستمولوجيا وأنطولوجيا[22]، وذلك في رأيه سبيل التجديد الوحيد لكل مشروع كلامي تحرري. وهو الضامن الأكيد لاستئناف التفكير في ممكنات الإجابة عن سؤال اللاهوت الجديد في ظل صياغة أنطولوجية متعمقة في علاقة بذاتها وبالأخر[23]. الكرامة والحرية من أوضح تجليات رحمة الله بالإنسان، الكرامة وعي الإنسان بالحرية.

خاتمة

نال مبحث الإنسان الذي بني على مبدأ الكرامة الإنسانية اهتماما كبيرا في كتابات عبد الجبار الرفاعي، حيث أصّل لرؤيته وربطها بالدين، محاولا إيجاد مفهوم للإنسان المكرم وفق هذا المبدأ، وفي الختام نخلص إلى مجموعة من النتائج أهمها:

  1. يحضر في مؤلفات عبد الجبار الرفاعي التوكيد على أن الإنسان مكرم وجوديا، كما هي هبة الله له عندما خلقه، لذلك يربط الرفاعي دوما بين هذه العناصر الأساسية: الإنسانية والدين والكرامة والحرية.
  2. الإقرار بأن الإنسان خلقه الله مكرما، ولهذا يواصل مشروع الرفاعي بناء الرؤية التكريمية للإنسان في إطار الدين، والحرص على بناء مفهوم الإنسان وفق هذه الرؤية.
  3. أكد الرفاعي على أن الكرامة شاملة يتساوى فيها كقيمة جميع الناس، بغض النظر عن جنس الإنسان ولونه وعرقه ومعتقده ودينه.
  4. مشروع عبد الجبار الرفاعي تجديدي، لذلك تميزت جهوده بالتجديد على مستوى المنهج، الموضوعات، اللغة، والغاية، كما تتطلب للضرورات التي تفرضها مستجدات العصر.

قائمة المصادر والمراجع

1-عبد الجبار الرفاعي، الدين والظمأ الأنطولوجي، ط04،صدر عن مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد، 2023.

2-عبد الجبار الرفاعي،  مقدمة في علم الكلام الجديد،  ط02، دار المصورات،  السودان،2021.

3-مقال، عبد الجبار الرفاعي، إعادة تعريف الإنسان، الحوار المتمدن، 2022.

4-عبد الجبار الرفاعي، الدين والكرامة الإنسانية، ط02، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد،2022م.

5-عبد الجبار الرفاعي، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، ط03، نشر من طرف مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد.

6-ايمان المخينيني، في تأويلية علم الكلام قراءة زمانية مركبة، ط01، دار زينب، 2023م،  تونس.

7-طه عبد الرحمان، سؤال العمل،ط02،  المركز الثقافي العربي، 2012م،  المغرب..

-بالإضافة إلى اعتماد الحوارات المباشرة عبر الواتساب.

الهوامش:

[1] باحثة جزائرية، ماجستير فلسفة.  .hadjerfarzouli2001@gmail.com ورقة مقدمة للملتقى الوطني حول الكرامة الإنسانية: تحديات وآفاق، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة بجاية، الجزائر، 26 سبتمبر 2024.

[2] – عبد الجبار الرفاعي، إعادة تعريف الإنسان، الحوار المتمدن، 2022.

[3] – عبد الجبار الرفاعي، الدين والكرامة الإنسانية، ط02، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد،2022م، ص15.

[4] –  مرجع سابق،عبد الجبار الرفاعي، الدين والظمأ الأنطولوجي، ص78.

[5] – عبد الجبار الرفاعي، الدين والكرامة الإنسانية، ص50-51.

[6] -عبد الجبار الرفاعي، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، ط03، نشر من طرف مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد، ص67.

[7] -عبد الجبار الرفاعي، الدين والاغتراب الميتافيزيقي،ص67.

[8] -، أنظر، ايمان المخينيني، في تأويلية علم الكلام قراءة زمانية مركبة، ط01، دار زينب، 2023م،  تونس، ص239.

[9] -مرجع نفسه ،ص238.

[10] – عبد الجبار الرفاعي، الدين والكرامة الإنسانية ،ص16.

[11] – المصدر نفسه، ص228.

[12] – المصدر نفسه، ص229.

[13] – المصدر نفسه، ص16.

[14] -عبد الجبار الرفاعي،  الدين والكرامة الإنسانية، ص229.

[15] – انظر: المصدر نفسه،  ص11.

[16] – عبد الجبار الرفاعي،  الدين والكرامة الإنسانية، ص17.

[17] – المصدر  نفسه،  نفس الصفحة.

[18] -المصدر  نفسه،   ص190.

[19] – عبد الجبار الرفاعي،    الدين والكرامة الإنسانية،  ص222.

[20] –  المصدر نفسه،   ص227.

[21] – المصدر نفسه،  ص296.

[22] -مصطلح مرادف لعلم ما بعد الطبيعة،  يبحث في طبيعة الوجود الأولية،   علم الوجود أو علم الكائن.

[23] -المرجع السابق،  ايمان خمينيني،   في تأويلية علم الكلام قراءة زمانية مركبة، ص252.

 

https://altanweeri.net/14708/%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%B1%D8%A7%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86%D9%8A%D9%8E%D9%91%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%81%D9%83%D8%B1-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1/

عبد الجبّار الرفاعي .. مفكرٌ نيتروسوفيٌ إنسانيٌ إنسانيٌ جداً

 د. رائد جبار كاظم[1]

ما يميز عبد الجبّار الرفاعي عن غيره من المثقفين والباحثين والمفكرين انه يؤمن  بتطور وتقدم العقل والوعي وارتقائه في السلّم المعرفي والاجتماعي والثقافي، هذا من جانب ومن جانب أخر انه يؤمن بنسبية المعرفة وانها قائمة على الممارسة والخطأ، فهو يؤمن بأن الحقيقة واحدة إلا أن الطرق إليها طالما أخطأتها، لذلك تكون المعرفة نسبية. وهو يقلب أفكاره ويمحصها ذات اليمين وذات الشمال، ويعترف دائماً في كتاباته ولقائاته بخطأه وتغيرات فكره، وما توصل اليه من أفكار ونتائج رهن ظروفه وأسبابه التاريخية والنفسية والاجتماعية والزمكانية، وهذه هي محركات التاريخ والمجتمع والانسان في كل مكان، ولا يمكن التجرد والانفصال عن تلك المحركات، وعن تلك الثلاثية التي تهيمن بعضها على البعض الآخر. لذلك نجد في فكر الرفاعي ثلاثيات وجدليات مستمرة لا تهدأ أبداً، فهو مفكر (نيتروسوفي) يقف على التخوم، ويقدًر قيمة الاشياء ويغوص في جوهرها، ويحمل من القلق الوجودي الشيء الكثير، بحثاً عن عوالم جديدة تدفعه لمعرفة قيمة الحياة والوجود والمعرفة، وهذا ما يذكرنا بالفلسفة الوجودية الدينية عند بول تيليش (1886 ـ 1965م)، الذي حاول بناء فلسفة تجمع ما بين الديني والدنيوي والوقوف من المشكلات النفسية والاجتماعية والحضارية موقفاً نقدياً معاصراً ينسجم ومتغيرات العصر، وفق نظرة تأويلية للدين وللكتاب المقدس، تنسجم وحاجة الانسان الى دين روحي أخلاقي إنساني وجودي يعالج مشكلاته بحلول واقعية معاصرة، وتهدف فلسفة تيليش الأنطولوجية الى هزّ وزعزعة أساسيات التراث المعرفي والديني الشائع والمتوارث من الآباء دون نقد أو تمحيص، وبناء لاهوت جديد يحرر الانسان ويكرمه في آن واحد، وهو ما عمل عليه الرفاعي في فكره أيضاً.

يذكرنا الرفاعي أيضاً بالتفكير والفلسفة النيتروسوفية، (Neutrosophic philosophy)، وهي نمط معرفي وعلمي وفلسفي جديد، له خصوصيته وفاعليته وخصائصه، وهي تعني الفكر المحايد، والنيوتروسوفيا (Neutrosophy) كلمة مؤلفة من مقطعين Neutro الأول بمعنى محايد، والثاني Sophia  بمعنى حكمة، ومن ثم اصبح معنى الكلمة معرفة الفكر المحايد، وهو فرع جديد للفلسفة التي تدرس أصل وطبيعة ومجال الحياد، بالإضافة إلى تفاعلاته بالأطياف التصورية المختلفة. وهي فلسفة جديدة تم طرحها من قبل فلورنتن سمايرنديكي (Florentin Smarandache)، العالم والمفكر والفيلسوف الروماني الامريكي (1954ـ )  وتتبنى هذه الفلسفة المواقف المحايدة دائماً، وترفض الثنائيات، وتؤمن بالابعاد المتعددة والمتنوعة للافكار والآراء والمواقف وقضايا العلم والفكر والفلسفة والحياة والمجتمع، والاختلاف في الاختلاف، ليعطي لنا رأياً جديداً، قد لا يكون موافقاً ولا رافضاً وانما رأياً ثالثاً ورابعاً وخامساً، وهي ايضاً كما يعبر عنها مؤسسها بأنها فلسفة في الفلسفة وفكر في الفكر، يحاكم جميع الآراء والأفكار المطروحة، أبيضها وأسودها، وكذلك رماديها، ليقدم رؤية جديدة، وأحتمالاً آخراً يضاف الى سلسلة الحقائق، ويوسّع من الحقيقة نفسها، ولا يقرنها ولا يحصرها بحدين فقط، بين حق وباطل، وخير وشر، وجمال وقبح، وصادق وكاذب، بل يوسّع كل الدوائر ويبحث حتى في المستحيلات، فلا شيء يقف أمامه، ولا يوجد مطلق في الفلسفة النيتروسوفية، حتى المطلق نفسه، فكل شيء يخضع لمنطق المعالجة والاحتمال والتعدد، فهي فلسفة ومنهج وطريقة جديدة في التفكير تضاف الى المناهج والفلسفات المتعددة.

الرفاعي لا يخلو من تنويعات في فكره وتغييرات مستمرة، وهذا خاضع لقراءته المستمرة وتجاربه الثرية، وسعة إطلاعه في مجالات العلوم المختلفة وتوظيف ذلك في رؤاه الفكرية، فهو يفلسف الأشياء ويصوّفها في آن واحد، تجده يخضع الاشياء لثقافته الخاصة، ذات الأبعاد المختلفة (قرآصوفي فلسفي). ولعل قائل يقول أن هذا ليس بغريب وعجيب في الثقافة الاسلامية، ولم نعدم من وجود باحثين ومفكرين وفلاسفة وفقهاء سبقوا الرفاعي في طروحاته ومنهجه وطريقته تلك، وهذا ما وجدناه مع أبي حامد الغزالي وفخر الدين الرازي وصدر الدين الشيرازي وآخرين.

كنت قد أعددت هذه الورقة قبل أن أقرأ شهادة المفكر العربي حسن حنفي بحق الرفاعي ومجلته (قضايا اسلامية معاصرة)، التي أعاد الرفاعي نشرها مجدداً في الصحف والمواقع الالكترونية في شهر تموز 2024، ووجدت في هذه الشهادة الشيء الكثير وأضافت لي الكثير، فهي تحمل عنوان (عبد الجبار الرفاعي، الطريق الثالث) وهو خير دليل على فكر وطريق الرفاعي الذي لخصه حنفي في تلك الشهادة المهمة وما تحمله من خط جديد ومفيد مختلف تماماً عن الطرق الفكرية الأخرى ذات البعد الواحد الذي يدعو له بعض المثقفين والمفكرين، ولكن الرفاعي ـ من وجهة نظر حنفي ـ أرتأى طريقاً ثالثاً، ليس طريقاً توفيقياً جامعاً بين الأثنين، وإنما طريق مختلف ينحو منحى ما يسمى بـ (اليسار الاسلامي)، وبعيداً عن هذا التوصيف الذي يراه حنفي والذي يدعو له في فكره ودراساته، والذي لا يحبذه الرفاعي مطلقاً، ولا يرغب أن يوصف به، لأنه يؤمن أنه مسلم وكفى، إلا أنني وجدت في الرفاعي إنه يسير بثلاثيات دائمة في فكره وديالكتيك مستمر، ومراحل ثقافية ومعرفية متنوعة مرت به، فهو في كل مرحلة عمرية يمر بها يتمثل نمطاً معرفياً ينجذب له، في الفقه وعلم الكلام والعرفان والفلسفة، وهناك شواهد ودلائل على تلك المراحل، ومؤلفاته وكتاباته ومحاضراته خير دليل على ذلك. ولا أحسب أن في ذلك تناقضاً أو أزدواجية، كما يحلو للبعض أن يسميه، وإنما هو النضج المعرفي والقراءة المستمرة والوعي النقدي الذي يضاف للرفاعي من كل تجربة يمر بها في حياته وفكره، وهذا ما نلمسه عند الكثير من الفلاسفة والفقهاء والمفكرين في مراحل حياتهم، ونشهد تحولاتهم الفكرية والمعرفية في سلوكهم وفكرهم وتجاربهم، وهو حالة صحية ودليل عافية فكرية لدى المثقف والمفكر والعالم، ما لم تفسده المصلحة الشخصية وضرورات السلطة ومنطقها المتغير.

أتذكر رأي لأحد الفلاسفة، وأظنه لأبن سينا، مفاده: إن الفلاسفة والمفكرين كلما تقدم بهم العمر إتسعت رؤاهم ونضجت ذاكرتهم وثقافتهم، على العكس من البشر العاديين، عامة الناس، الذين تضعف قواهم ورؤاهم وذاكرتهم بتقدم العمر. وهذا الرأي السينوي لعله يصيب مع جماعة ويخيب مع جماعة آخرين، وقد يضيع ويضل بعض الفقهاء والعلماء ويهدي البعض الآخر بحسب توجهات كل منهم، ولكن الذي يعنينا في هذا المجال، مع الرفاعي، إنه قد أرتقى سلماً معرفياً وسلوكاً عرفانياً ساهم مساهمة كبيرة في سعة أفقه وتنور رؤاه، بطريق جديد خطه بنفسه لنفسه يمثل قناعته، ولم يجبر الآخرين على السير عليه، ولكنه سجل تجاربه تلك ودونها في مؤلفاته وكتاباته، وهي تمثل بالنسبة له خطاً بيانياً صاعداً لا هابطاً، كما يحلو للبعض وصفه، وتلك أحسبها شجاعة من الرفاعي في خوض ذلك الغمار الفكري والمعرفي والسياحة الروحية الدائمة، ويخرج بعدها منتصراً قانعاً بما ربح وما خسر من تلك التجارب، المهم أنه جربها وادرك مضمونها وذاق طعمها ليرتقي بعد ذلك سلماً أو طريقاً جديداً عاينه وكُشف له من تلك التجارب والمسالك، وتلك هي سمات العالم الجاد الذي لم يقف عند حد معين وطريق ينتهي له يقول ها أنا وصلت الى تلك الحقيقة فأتبعوني يرحمكم الله، بل إن للرفاعي مسالك ومدارك، وصولات وجولات، ومقامات وأحوال لا تهدأ أبداً، ولا يغلق الباب بعده بل يبقيه مفتوحاً على مصراعيه على حقيقة عرضها السموات والأرض، ومن ألطف الأمور في الرفاعي الشيخ والمجتهد والمعلم والأستاذ، إنه يبقى مريداً الى نهاية العمر، وقد يتبع شخصاً أو تلميذاً أو عارفاً أو إنساناً أو صديقاً، مهما كان عمره ولونه ومعتقده، نحو المعرفة والحقيقة والانسانية، طالما كان الرفاعي يحمل أخلاقاً في يد وفانوساً في يد أخرى، فهو ديوجيني لا يمل ولا يكل عن البحث والقراءة والكتابة وحب المعرفة، ما دام فيه قلب ينبض، وعين تقرأ ويد تكتب.

قرأ الرفاعي تجارب وأفكار فلسفية وعرفانية كثيرة من مختلف الهويات والتوجهات الفكرية، وشخص مثله متفاعل أشد التفاعل مع الأفكار ذات البعد الروحي والوجداني والميتافيزيقي والديني، ولذلك كانت أفكاره تحمل هويته الفكرية، أنها هوية بـ (أربعين وجه) إستعارة من المفكر الأيراني داريوش شايغان (1935ـ 2018م)، لكنها هوية ليست متشظية ضائعة، وإنما هوية متقبلة للآخر بمختلف تنوعاتها، وقد يحلو للبعض وصف هذا النوع بـ (التلون) والتكيف مع الأفكار بإختلاف الأزمنة والأمكنة، لكن الرفاعي ناقد للأفكار والفلسفات، وأول ما ينتقد من الأفكار أفكاره الشخصية التي تبناها في حياته الفكرية والثقافية، والتي رأى تناقض بعضها وخطأها وأضطرابها بعد سنوات طويلة من القراءة والكتابة والتفكير والتراكم العلمي والمعرفي، وهي حالة صحية يمر بها كثير من المفكرين بعد تقدم وعيهم ونضجهم الفكري وكشفهم العلمي الذي يتعرضون له في مسيرتهم المعرفية. لا بأس بهذا التحول والنضوج المعرفي إن كان إيجابياً وكاشفاً لآفاق علمية جديدة، لكن الخشية كل الخشية على الفكر والمفكر من أن يكون متعدد المناهج والطرق والمسالك، وفي كل مرة يرى حقيقة غير التي رآها سابقاً وبالتالي تتعدد الحقائق بتعدد التجارب الذاتية فتضيع عنده حقائق الامور والعلوم هذا من جانب، ومن جانب آخر نخشى من عملية التلفيق الفكري والثقافي، فيكون المفكر فقيهاً ومتكلماً ومتصوفاً وعارفاً ولغوياً وفيلسوفاً …ألخ من حقول العلم والمعرفة، وهذا ما حذر منه المفكر العربي محمد عابد الجابري (1935 ـ 2010م) في مشروعه الفكري (نقد العقل العربي)، من وجود مفكرين ومثقفين يعملون على تلفيق الطرق والمناهج والعلوم، وهو ما أسماه بـ (التداخل التلفيقي)، فالجابري لا يخشى من البياني لبيانه، ولا من العرفاني لعرفانه، ولا من البرهاني لبرهانه، فكل هذه طرق وقطاعات معرفية مستقلة التكوين والتأسيس، ولكنه يخشى من التداخل الذي يحدثه البعض في الطرق والمناهج والقطاعات المعرفية وتفكيك هذه الطرق في طريق واحدة، فيكون البياني عرفاني، والعرفاني بياني، والبياني والعرفاني برهاني، والبرهاني بياني وعرفاني، فنجد الفقيه متكلماً، والمتكلم متصوفاً، والمتصوف فيلسوفاً، والفيلسوف متكلماً ومتصوفاً، …الخ من التوصيفات والتصنيفات، فتضيع عملية التخصص في حقل العلوم والمعارف، وهذا (التداخل التلفيقي) في رأي الجابري هو ما فكك الثقافة العربية الاسلامية وأضاع هيبتها وجعلها في مرحلة أزمة وأنحطاط لم نخرج منها أبداً، منذ لحظة الغزالي الى يومنا هذا، على العكس من لحظة التدوين في الثقافة العربية الاسلامية التي أسست لطرق ومناهج وحقول معرفية علمية مستقلة البناء والبنية والتكوين، أسست لهيأة وهيبة مستقلة عرفت بأسم الحضارة العربية الاسلامية، لها وجودها وحضورها بين الثقافات والحضارات العالمية العالمة.

كنت في سنوات سابقة أنتقد كل من يمر بسلسلة من التحولات الفكرية والثقافية في حياته، وأعده نوعاً من التناقض والأزدواجية الشخصية والتلون الفكري، لكنني بعد ذلك أدركت إنه قد يقع البعض في ذلك الفخ، وقد يلعب البعض من المثقفين على الحبال، ولكن الأمر لا يسري على الجميع، فهناك تحولات فكرية لها ظروفها وسياقها التاريخي والنفسي والاجتماعي والفكري، ومراجعة الأفكار وتمحيصها أمر لا بد منه لكل مثقف وباحث ومفكر واعٍ ولا ينغلق على إطار فكري محدد يموت في سبيله. الأفكار مثل الأزياء والملابس والموظة، تناسب البعض ولا تناسب البعض الآخر، كما أن لها بيئة وبنية ونسق وسياق خاص لكل مرحلة ولكل شخص، وهي شبيهة بما طرحه علي الوردي في الطبيعة البشرية وما يخص الأطر الفكرية التي تحيط بالإنسان (الإطار النفسي والإطار الإجتماعي والإطار الحضاري)، وتختلف طبيعة هذه الأطر من إنسان الى آخر، ومن مجتمع الى آخر، وتتعرض هذه الأطر الى سلسلة من الصعوط والهبوط والإنفتاح والانغلاق، حسب مستوى إدراك ووعي ونضوج الشخص وتطوره الثقافي والمعرفي، وأضيف الى ذلك إن الأمر لا يخلو من حالة الكشف والتجربة الصوفية، فلكل إنسان تجربته الفكرية والحياتية التي يمر بها، ولهذه التجارب مقامات وأحوال فكرية كما هي عند الصوفي والعارف. هذه ليست من سمات التناقض والازدواجية بل من سمات الوعي والثقافة والنضوج، وهذا ما مرّ به الرفاعي أيضاً في حياته الفكرية والروحية، ولم يغلق الباب عند حد ما وصل اليه، بل هو سالك وعارف ومثقف منفتح على أوجه الحقيقة ومصادرها المختلفة. لذلك نجد تنوع وتعدد منابع الرفاعي الثقافية والفكرية والفلسفية، من علوم الدين في الفقه وعلم كلام والتصوف والفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة، فضلاً عن إطلاعه على علم أديان ومناهج فكرية وفلسفية جديدة غربية وشرقية وعربية وإسلامية، شكلت وكونت شخصية الرفاعي الثقافية والعلمية وهويته الفكرية وتنوع طروحاته المعرفية، وهو الخبير والعارف والأستاذ والمجتهد في تلك المسالك والمعارف لسنين طوال. الرفاعي الآن في السبعين من عمره، وما يدرينا لعل سنوات عمره القادمة ستشرق لنا أفكاراً جديدة وفقاً لما يحمله من أفكار وتجارب وكشف معرفي جديد يظهر له، لكنه مهما أختلفت تلك التجارب والكشف المعرفي لدى الرفاعي وإختلافها وفقاً لمرحلته العمرية التي يمر بها، يبقى الرفاعي بهوية اخلاقية واحدة متفق عليها بين الجميع، فهو إنسان يؤمن بالآخر ومحب للتسامح والسلام ومتعايش مع الآخرين ومتصالح مع ذاته، ومن دعاة النزعة الإنسانية والتوجه الديني الرحب بمختلف تنوعاته، وهو ما نشهده في سلوكه وخلقه وفكره ومؤلفاته ومعايشته للناس والمجتمع. الرفاعي إنسانٌ ومفكرٌ نيتروسوفيٌ إنسانيٌ إنسانيٌ جداً.

[1] أستاذ الفلسفة بكلية الآداب في الجامعة المستنصرية ببغداد.

 

https://alsabaah.iq/101903-.html

عبد الجبّار الرّفاعي: الكرامة والنّزعة الإنسانية في الدّين

         د. عبدالله إبراهيم[1]

ندرَ أن التقيتُ مثقّفا عراقيا يحمل بين جنباته صفات النّبل، والنّقاء، والتّواضع، والطّيبة الّتي لمستها في شخص عبد الجبّار الرّفاعي، صفات تضاءلت، مع الأسف، وانحسرت، وكأنّها لم تكن في يوم ما من أخصّ ما يحرص عليه المثقّفون في حياتهم، وفي علاقاتهم بالآخرين. في بداية الأمر خلتُ أنّنا مختلفان الاختلاف كلّه، لاختلاف منابع المعرفة، ومسالكها، وغاياتها، فقد تلقّى الرّفاعي تعليما دينيّا رفيعا، ونال درجة عالية في الفكر الإسلامي، وتوسّع في ذلك، إلى درجة انخرط فيها بتطوير منظور جديد لفلسفة الدّين أراد به نزع الغطاء الثّخين الّذي أطبق على الظّاهرة الدّينيّة في القرون المتأخّرة. أطبق عليها حتّى توارت ملامحها الرحبة، وأمست مصدر فزع لا منبع ألفة، فقد انحبستْ بين دفّتي مدوّنة تجمّعيّة ضخمة يتنفّع بها شيوخ تربّعوا في أروقة معتمة، لا محلّ للهواء والضياء فيها، يقلّبونها ظهرا لبطن، ورأسا على عَقب، في تكرار دائم، كأنّ الزّمن لا معنى له في حسابهم. فلا يهمّهم تداول المعارف حول الظّاهرة الدّينيّة بما ينتهي إلى تطويرها من منظور المؤمنين إليها، بل تقييدها بمنوال تكراري من الشّروح الّتي تخلع عليها الهيبة المخيفة جيلا إثر جيل حتّى أمستْ كالصُمّ الخوالد لا يَبينُ كلامُها.

وعلى خلاف ما كنتُ عليه من تعليم دنيوي حديث، فللرّفاعي شيوخ معمّرون، أثقلت رؤوسهم العمائم السّود والبيض، وأطالوا المقام في الظّلال، وتلقّف عنهم أصول الفقه، وعلم الكلام، والعقائد، فضلا عمّا كان يتلقّاه طلبة علوم الدّين عن شيوخهم من دروس المنطق الصّوري، والنّحو القديم، والبلاغة المدرسيّة، بوصفها من الوسائل الضروريّة لمقاربة العلوم الدّينيّة، كما انحدر إليهم ذلك من شِعاب الماضي، فالمرجّح أن يكون قد أوغل في كلّ ذلك حتّى حاز درجة الدكتوراه فيه، وأحسب أنّه تآلف مع تلك الأجواء بفعل المعاشرة، ودوام التعلّم، والتّعليم، والمدارسة، مدّة طويلة، قبل أن ينأى بنفسه عن ذلك.

أنا، من ناحيتي، كنت شديد النّفور من تلك التّركة الّتي تخمّرت كتلتها في الأروقة المعتمة، وأرى في الدّين نفحة حرّة يتنفّسها المرء في الهواء الطلق، وإذ أُقبل على مناقشة مفكّري الأديان، فإنني أتحاشى الحوار مع رجال الدّين أنفسهم، فأحسب أنّهم في واد، وأنا في واد آخر، فالمنظورات مختلفة، والرؤى متباينة، أما الوسائل المنهجية فمتنافرة، وحتى طرق تحصيل المعارف متفاوتة، فتقطّعت السّبل بيننا؛ فلا أرضية مشتركة تجمعنا، ونجهل قواعد الحوار المتبادل، وكلّ طرف يصِم الآخر بالجهل، أو في أقلّه بضآلة التدبير؛ ذلك أنني تلقّيت تعليما دنيويّا لا صلة له بعلوم الدّين المذكورة، إلّا ما نفذ إليّ منها جرّاء اهتمامي بدراسة الثّقافة العربيّة الإسلاميّة، فقد غصتُ في المنطقة الأدبيّة حتّى ما عدت أعرف سواها إلّا في وقت متأخّر. ولم أحضر، على الإطلاق، درسا دينيًّا بالمعنى المباشر لتلك الدّروس، لا في جامعة ولا في جامع، ما خلا بعض الدّروس التّعريفيّة عن الحضارة الإسلاميّة، كانت مقرّرة على طلّاب الآداب العربيّة في الجامعات العراقيّة في سبعينيات القرن العشرين.

وبقي الأمر على تلك الحال إلى أن حصلت على درجة الدّكتوراه، فزادي الأدب ومناهجه وأجناسه، وبعد أن فرغت من ذلك تنبّهت إلى أهمّيّة التّجربة الدّينيّة، وشرعت في الغوص في سياقاتها الثّقافيّة والتّاريخيّة، وانهمكت في قراءة ما كتبه عنها المفكّرون العرب وسواهم، وإلى ذلك فقد شُغلت بتأويلها تأويلا دنيويّا، إذ كانت موضوعا للبحث أكثر منها موضوعا للاعتقاد، وانتهيت بنقد المسلّمات الشائعة حولها من منظور ثقافي دنيوي، بما في ذلك نقد مفهوم مركزيّة “دار الإسلام”، والصّورة النّمطيّة للعالم خارج تلك الدّار طوال القرون الوسطى، كما تجلّى ذلك في كتابيَّ “المركزيّة الإسلاميّة”، و”عالم القرون الوسطى في أعين المسلمين”. أو دراساتي عن العلاقة الشائكة بين الإسلام والسرد، ومع ذلك، فقد فهي محلّ تقدير بصرف النّظر عن تحليلها.

أردت بذلك الاستطراد توضيح أسباب التّباين الافتراضي بين الرّفاعي وبيني، قبل اللّقاء والتّعارف، والحال، فلا يمكن إنكار العزوف المتبادل بين رجال الدّين ورجال الدّنيا، أي بين المنخرطين بالعلوم الدّينيّة والمنخرطين بالعلوم الدّنيويّة. وهو عزوف راسخ الجذر في الثّقافة العربيّة الإسلاميّة الحديثة والقديمة، ونتج عنه سوء فهم متبادل في دائرتيْن مهمّتيْن من دوائرها، ويتحمّل وزره الطّرفان سواء بسواء. وأنا ممّن توهّم، بتأثير من ذلك، أنّ من المتعذّر أن نتخطّى الهوّة الفاصلة بين الدّين والدّنيا كما ارتسمت ملامحها في حياتنا، وثقافتنا، وعلاقاتنا. لكنّ الرّفاعي بادر إلى ردم الهوّة المتخيّلة بسهولة بالغة، حينما كشف لي عن شخصيّة هادئة، ومتّزنة، ومرنة، ومستوعبة، وخالية من الأحكام القبليّة الجاهزة، شخصيّة أبعد ما تكون عن الخلافات المنطقيّة والدّينيّة والعرقيّة، فأسفر لي عن قدرة إنسانيّة عجيبة على الدّأب في السّؤال عن أصدقائه، وتفقّد أحوالهم، وتوثيق الصّلة بهم، والاطّلاع على مؤلّفاتهم، وإقامة الحوارات المعمّقة معهم، من جانب، والانكباب على تجديد الفكر الدّيني الّذي خاض فيه طولًا وعرضًا، من جانب آخر. وهما وجهان لا ينفصلان في شخصيّة الرّفاعي، وفي أفكاره، وفي سلوكه العام. فعلاوة على صِلاته الوثيقة بالمفكّرين والمثقّفين من دينيّين ودنيويّين، كانت مجلّته “قضايا إسلاميّة معاصرة” خير سفير لثقافة التّسامح والتّفاهم بين الأديان والمذاهب. وأثمرت جهوده عن تأسيس “مركز دراسات فلسفة الدّين”، وهو من أكثر المواظبين الّذين عرفتهم على النّهل من العلوم الإنسانيّة، وشغله الشّاغل إسباغ نِعَم الدّين على الدّنيا، وتغذيته بمكاسبها. أي إنّه يريد أن يغمر الدّنيا بفيض الدّين، ويغمر الدّين بفيض الدّنيا، وهو رهان شاقّ بحقّ وحقيق.

قلب الرّفاعي الصّورة الشّائعة عن رجل الدّين المنكبّ على المتون العتيقة شرحًا، وتعليقًا، وتفسيرًا، وتصنيفًا، وغاية ما يرجوه اختصار شرح، أو الإسهاب في آخر، وأحلّ بمكانها صورة أخرى مغايرة، أحسب أنّها الصّحيحة الّتي ورثها من الأسلاف العظام الّذين عالجوا الظّاهرة الدّينيّة بعدّة دنيويّة متماسكة، دون أن تتقطّع صلتهم بها، وما برحت أفكارهم محلّ تقدير ونفع، وذلك مرمى بعيد المنال لغير المتبصّرين بشؤون الدّين والدّنيا، فغاية ما يرجوه المرء من المعرفة، أيّا كان شكلها، هو انتفاع النّاس بها في حلّهم وترحالهم عبر الأزمان دون إرغام وإلزام، ومن غير قَسْر وقَهْر.

ولا يضيرني الاعتراف بأنّ الرّفاعي هو صاحب الفضل في مدّ حبال الوصل بيننا، على المستويَيْن الشّخصي والفكري، وتوثيق تلك الصّلة وقتما خلتُ ضعفها، جرّاء الابتعاد والانشغال بالبحث والسّفر، وذلك إقرار بحفظ الجميل لأهله، والرّفاعي من أهله. في أوّل الأمر بدأ الرّفاعي بمراسلتي، وأنا في جامعة قطر، وما لبث أن طلب إليّ الكتابة لمجلّته الرّصينة، وفي أحد أعدادها ظهر لي أوّل بحث، جعلتُ عنوانه “المجتمعات التّقليدية في عالم متغيّر”، وفيه نقد صريح لحال المجتمعات الإسلاميّة التّقليديّة، ومناهضتها لمعالم الحداثة، وتأثيم أفرادها، وهو ما دفعني إلى الاصطلاح عليها بـ”المجتمعات التّأثيميّة”، الّتي لا شاغل لها إلّا كبح جماح أفرادها عن الإتيان بالجديد، الّذي تعدّه ضربا من بدع الدّنيا الفانية، وتأثيمهم على ما يرومونه من تغيير وتجديد، ليس في أمر فهم الدّين واستيعابه، فحسب، بل حتّى في شؤون الدّنيا الّتي يعيشونها.

كانت تلك الخطوة الأولى في عمر علاقة ثمينة وطويلة، ثم بادر الرّفاعي إلى إجراء حوار مطوّل معي، ظهر في مجلّته، شتاء عام 2003. ومحوره “المركزيّات الثّقافية” الّتي شُغلتُ بها طويلا، وكتبتُ فيها مؤلّفاتي “المركزيّة الغربيّة”، و”المركزيّة الإسلاميّة”، و”الثّقافة العربيّة والمرجعيّات المستعارة”، و”عالم القرون الوسطى في أعين المسلمين”، ومعظم الموادّ الأوّليّة لتلك الكتب انصهرت في مشروع، وضعتُ مخطّطه العامّ في نهاية ثمانينيّات القرن العشرين، واقترحتُ له عنوان “المطابقة والاختلاف”، وواظبتُ عليه، حتّى ظهر بصيغته النّهائيّة في عام 2018 بثلاثة أجزاء كبيرة. وقد انتهى ذلك البحث عن “المجتمعات التّأثيميّة”، الّذي نشره الرّفاعي في مجلّته، جزءا من مقدّمة المشروع في طبعته الوافية.

يعلم الباحثون أنّه ليس لهم أفضل من المجلّات الرّصينة الّتي لا تُرمى بعد صدورها، بل يحتفظ بها مصادر أساسيّة لا تشيخ بمرور الزّمن، وهي، بالإجمال، قليلة العدد، ومنها مجلّة “قضايا إسلاميّة معاصرة” الّتي سكنها طموح للتّوسّع في معالجة اتّجاهات الفكر الدّيني، واستيعاب أعمال المشتغلين فيه. ولطالما داعب ذلك خيالي باحثا، فداومتُ على الاستجابة لما يطلبه الرّفاعي، وتوالت إسهاماتي في المجلّة بدراسات مطوّلة، منها البحث الافتتاحي لأحد أعدادها، وكان بعنوان “حيرة المجتمعات الإسلاميّة: في القول بأنّ التسامح ليس منّة أو هبة”. ومنذ طرقتُ باب التّسامح في ذلك الوقت، جعلته بيتي، فالتّسامح قرين الصَّفح، وبدونهما لا تتحقّق الشّراكة في حياة الأفراد والجماعات.

ثمّ ما لبث أن اقترح الرّفاعي دعوتي متحدّثا في “مركز حوار الحضارات” بطهران، الّذي كان يرأسه عطاء الله مهاجراني، وزير الثّقافة في عهد الرئيس الإيراني المستنير محمد خاتمي، وكان الرّفاعي، آنذاك، من سكنة قُم، فلبّيْتُ الدّعوة. وكانت تلك زيارتي الأولى لإيران، وألقيت محاضرة بعنوان “نقد التّمركزات الثّقافيّة في العالم المعاصر” بيّنت فيها مخاطر الانكفاء على المعتقدات الدّينيّة والأيديولوجيّة، وجعلت التّنازع في ما بينها من أسباب غياب السّلم الأهلي، بما في ذلك تسميم العلاقات بين الشّعوب والدّول، وكان الرّفاعي أوّل الحاضرين، فالتقينا وجها لوجه أوّل مرة، وعلى إثرها اصطحبني إلى منزله في قُم، فطفتُ في أرجاء المدينة العتيقة، وجمعني بأساتذة الفلسفة في إحدى جامعاتها، ودعاني إلى بيته، وعجبتُ من مكتبته الكبيرة الّتي تحتلّ قبوا أسفل الدّار، جعله مكانًا لاستقبال ضيوفه. ثم جاءت زيارتي الثّانية لإيران عشيّة الاحتلال الأميركي للعراق في عام 2003، كانت الأجواء متوتّرة، فقد خيّم شبح الحرب على المنطقة العربيّة، ولا يمكن لأحد أن ينكر بأنّ غزو بلاد الرّافدين قائم لا محالة، وسرعان ما وقع.

وخلال تينك الزّيارتيْن لازمني الرّفاعي ملازمة الشّقيق لشقيقه، وله الفضل في كشف خارطة الفكر الإيراني الحديث أمامي، فلم يقتصر دوره على مدّ العلاقة مع نخبة من مفكّري إيران الفاعلين في الحياة الثّقافيّة والأكاديميّة، بل ترجم أعمالهم إلى العربيّة، وجعل من مجلّته المكان الأنسب للاطّلاع على أفكار جديدة في غاية الأهمّيّة، ومعظمها غير مطروق في الثّقافة العربيّة. وأيًّا كانت الأسباب، فمجلّة “قضايا إسلاميّة معاصرة” فتحتْ عيون المفكّرين العرب على ما كان يقوم به نظراؤهم في بلاد فارس. ثمّ التقينا في مكّة عام 2005، حينما اختيرت عاصمة للثّقافة الإسلاميّة، وتصادف ذلك الحدث مع موسم الحجّ في ذلك العام، ومكثنا معا نحو أسبوعين، وهو الّذي درّبني على طقوس الحجّ الّتي كنت أجهلها، من الإحرام حتّى التحلّل، وكأنه بذلك أدخلني في حومة الرحمن، ثم دعوتُه إلى الدّوحة في عام 2007 للمشاركة في ندوة أشرفتُ عليها، كانت بعنوان: “الثّقافة والتّحوّلات المجتمعيّة”، حينما كنت خبيرا في وزارة الثّقافة القطريّة، فقدّم بحثا معمّقا بعنوان “قيم التّسامح، وقيم الكراهيّة”. تلك القيم التي نافح عنها طوال حياته.

بعد ذلك كلّه توثّقت صلتنا، حتّى ما عادت تفصل بيننا أيّ فواصل نفسيّة أو ثقافيّة، وساعد في ذلك تطوّر أجهزة الاتّصال الحديثة الّتي تغذّي تواصلنا باستمرار. وتعبيرا عن ذلك النّبل المتدفّق، فاجأني الرّفاعي بزيارته لي في بيتي بالعراق، صيف عام 2010، وكان قد عاد إلى البلاد، وسكن بغداد، وقطع الطّريق الوعر بين العاصمة وكركوك في ظروف غير آمنة، يعرفها العراقيّون جيّدا في تلك الحقبة المظلمة، إذ ثمّة منطقة شبه خالية بين المدينتيْن، يزيد طولها على 100 ميل، لا يتوفّر فيها شيء من الأمن آنذاك، ومع ذلك قصد الصّديق صديقه، متحمّلًا أعباء الخطر، والمشقّة، وحرارة الصّيف. وخلال العقد الّذي تبع ذلك داومنا على اللّقاء في غير مكان، وأحسب أنّني لم أزُر العراق إلّا والتقيتُه، حتّى ما عدتُ إخال وجودي في بغداد بدون الرّفاعي. ما الّذي أدام وقود الألفة بيننا طوال تلك المدّة؟ في ما يأتي أدوّن جوابي باختصار: يتلازم في شخصيّة الرّفاعي أمران لافتان للنّظر: دفء إنساني خصب، وثقافة موسّعة متفتّحة. فلا غرابة أن يتغلغل حضوره في ثنايا النّفس والعقل معا، وهو بارع في إدارة الحوارات المثمرة، وقد جعل من مجلّته ميدانًا لكبار المفكّرين العرب والإيرانيّين، وعلى صفحاتها قالوا قولتهم بشأن تأويل الظّاهرة الدّينيّة من منظورات متعدّدة أثّرت تلك الظّاهرة بفتحها على شؤون الدّنيا.

ولعلّ الرّفاعي المفكّر الدّيني الوحيد الّذي أشرع النّوافذ لتلاقح العرفان الفارسي بالثّقافة العربيّة، حينما ترجم نصوصا تأسيسيّة إلى لغة الضّاد، ولم أعرف غير مجلّته مكانًا لذلك التّفاعل بينهما، ومع أنّ ثمار تلك المثاقفة لم تُقطف بعدُ، فأعوّل على نضجها مستقبلًا في ضوء تنامي الدّراسات التّأويليّة للنّصوص الدّينيّة والدّنيويّة في إيران والعالم العربي. وإلى كلّ ما ذُكر، فإنّ الرفاعي مبشّر صريح، لا يكلّ ولا يملّ، بثقافة التّسامح، ونبذ الكراهيّات المذهبيّة، والدّينيّة، والعرقيّة، وكلّ ضروب التّحيّزات المغلقة الّتي تحبس أهلها عن مجريات الدّنيا، وبذل جهده في تحديث الفكر الدّيني من داخل المنظومة الدّينيّة نفسها بالمشاركة في إحياء النّزعة الإنسانية في الدّين، فقد رأى أنّ رسالة الدّين تهدف إلى “إشاعة السّلم، والتّراحم، والمحبّة بين النّاس، والسّعي إلى تجفيف منابع العنف، والعدوانيّة، والتّعصّب”.

ومع إصراره على المضيّ في ذلك الدّرب غير الممهّد، وفيه كثير من العثرات، وحتّى المخاطر، فقد خلص الرّفاعي إلى أنّ مضمون تلك الرّسالة الدّينيّة قد نُقض “بنشوء جماعات وفرق، لا تقتصر على إعلان انتمائها للدّين، إنّما تصرّ على احتكار تمثيله، وتحرص على مخاصمة أيّ جماعة غيرها تقدّم فهما مختلفا للدين”، وما دام الأمر على تلك الصّورة المتصلّبة، فلا سبيل إلّا بـ”إنقاذ النّزعة الإنسانيّة في الدّين، بالإعلان عن أبعاده المعنويّة، والعقلانيّة، والجماليّة، والرّمزيّة”. ولو تحقّق ذلك الفهم للظّاهرة الدّينيّة على أرض الواقع لتغيّرت علاقة النّاس بربّهم وبأنفسهم، فما يهدف إليه الفكر الأصيل، ليس نقد إله النّاس بذاته، بل نقد تصوّراتهم الضّيّقة عنه، فذلك هو الدّرس الأوّل في تحليل الفكر الدّيني كما ورثه المفكّرون المحدثون عن أسلافهم القدماء، وهو ما يطمح إليه الفكر المستنير، الّذي من أولى غاياته إزالة الحُجُب عن عيون المؤمنين بالله، ليتجلّى في عقولهم ونفوسهم وخيالهم ربّا واسع الرحمة، فيكونون هم من عبّاده لا من عبيده.

ومن نافلة القول بأنّ الرّفاعي في توسّعه لمعالجة الظّاهرة الدّينيّة، قد طرق باب الكرامة الإنسانيّة في الدّين، وعالج تلك القضيّة الشّائكة بمهارة، وجعلها محورا من محاور أفكاره، وذلك حينما أثار سؤالا جوهريّا يحتاج إليه كلّ مؤمن: هل يعزّز الدّين كرامة الإنسان، ويثريها، ويُعلي من مقامها؟ أم أنّه يجرّده منها لصالح معتقد سماوي، فيسلب من المرء ذاته الفرديّة، وكرامته الدّنيويّة؟ وقدّم جوابا وافيا عن ذلك السؤال المركّب بكتابه الجريء “الدّين والكرامة الإنسانيّة”، وهو كتاب، وإن بدا للقارئ سلسا في أسلوبه، ورقيقا في عباراته، فهو عميق المغزى، وقويّ المبنى، ومتين الحجّة، ويغري القارئ بالخوض في موضوعه الشّائق لمعرفة الحدّ الفاصل بين كرامة ثريّة يسبغُها الدّين على المؤمن، وكرامة ضحلة يخلعها التّديّن عليه.

ويلزم ذلك تعليقا منّي على الموضوع: فالإيمان ضربٌ من الفهم العميق لرسالة سماويّة، غايتها تغيير أحوال النّاس في الدّنيا صوب الأفضل، فيكون إيجابيّا بمقدار ممارسة الإنسان للدّين بكرامة تصون هويّته، ويكون سلبيّا إذا أُرغم عليه، وامتثل لتفسير ضيّق الأفق له، وفرّط بهويّته الدّنيويّة بإغراءات وهميّة، فالدّين الحقّ لا يقترح تبعيّة عمياء لإله غامض، وهو لا يرى في المؤمنين قطيعا من الأتباع، بل يشترط فهما لمضمون رسالته، وانفتاحا على السّياق التّاريخي للأديان السّماويّة، ولا قيمة لرسالة دينيّة لا تجعل من كرامة الإنسان رهانها الأوّل والأخير.

أحسبُ أنّ الرّفاعي قد وضع إصبعه على المعنى العميق للدّين، حيث تتمازج فيه أطياف الرّوح والعقل، في تناغم ورعٍ يجعل النّفس مطمئنّة، وآمنة، غير أنّها يقظة، وحيويّة. وكتاب الرّفاعي لا يُحابي التّركة الفقهيّة واللّاهوتيّة والكلاميّة، بل يحرّر المؤمنين من عبئها الثّقيل جدًّا، ويخفّفهم من أحمالها الخشنة، وغايته الصّدق، والاستقامة، فالكرامة الإنسانيّة ليست موضوع محاباة، ولا ينبغي أن تكون كذلك، أيّا كانت الذرائع. وهي تتقوّى حينما يكون الدّين داعما لها، ومعزّزا لقيَمها الجليلة، ونابذا للعنف والفرقة. وكأنّي به في كتابه عن الدّين والكرامة الإنسانيّة ينطق بلسان أبي بكر الرّازي الّذي حذّر من العنف الدّيني، ومن الفرقة الّتي تؤدّي إلى الفتنة بين أهل الدّين نفسه، ودعا إلى الرّحمة، والعفو، والتّسامح، بقوله: “بحكمة الحكيم، ورحمة الرّحيم، أن يُلهم عباده أجمعين معرفةَ منافعهم ومضارّهم في عاجلهم وآجلهم، ولا يفضِّل بعضهم على بعض، فلا يكون بينهم تنازع، ولا اختلاف، فيهلكوا، وذلك أحوط لهم من أن يجعل بعضهم أئمّة لبعض، فتصدّق كلُ فرقة إمامها، وتكذّب غيره، ويضرب بعضهم وجوه بعض بالسّيف، ويعم البلاء”.

ومن أسف أن ذلك التّحذير لم يكبح غلواء التطرّف في كثير من الأديان والمذاهب، وما برحت الجماعات المؤمنة تضرب وجوه بعضها بالسّيوف القواطع، وقد عمّ البلاء في غير مكان، فموقد العنف مملوء بالحطب الجافّ، وهو في انتظار أيّ شرارة ليلتهب. وكما قيل: من الشّرارة يندلع اللّهب. العنف، ذلك الوباء الّذي يستوطن النّفوس، ويحيلها خرابا، ولطالما أكّدت في غير مكان بأنه يلزم مقاومته بالوسائل كافّة، ومنها نزع الشّرعيّة الدّينيّة عنه، ومن أسف أنّه يتربّع في قلب الثّقافات الإنسانيّة، والعقائد الدّينيّة، ولا تكاد تبرأ منه ثقافة، ولا يخلو منه معتقد. ويتجلّى في ممارسة القوّة، بشتّى ضروبها، ضدّ الآخرين، بذرائع شخصيّة، أو وطنيّة، أو قوميّة، أو دينيّة، حتّى يكاد يكون شرطا إنسانيًّا ملازما للنّوع الإنساني، وإلى ذلك يلاقي العنف الدّيني قبولًا عامًّا في سائر المجتمعات البشريّة ومنعطفاتها الحاسمة للتّاريخ، فبه تستفرغ المجتمعات رغباتها الدّفينة عن الآمال المؤجّلة أو الرّغبات المكبوتة. وينبغي أن ينتدب المفكّرون أنفسهم لمقاومة ذلك المدّ الخطير للعنف، الّذي يتجدّد بين عصر وآخر. وتنمية الحسّ بالكرامة الإنسانية ينشّط القوّة الفرديّة في تحاشي اللّجوء إليه. وقد ارتاد الرّفاعي مجاهيل تلك الآفة بالتّحذير الصّريح منها.

لا أغالط نفسي إذ أعترف بأنّني مكثتُ طويلًا في منطقة الدّنيا، وألفتها، وجعلتها موضوعا لأفكاري، وكتبي، وعلاقاتي، ولكنّني حالما ألتقي الرّفاعي أو أقرأ له، ولأمثاله من المفكّرين المستنيرين في شؤون الدّين والدّنيا، حتّى تتبيّن لي منطقة الدّين، مفعمة بالحياة الهادئة، وغير منقطعة عمّا تهفو النّفس إليه، منطقة يمكن إعادة اكتشافها بعيدا عن النّسخة التّفسيريّة القهريّة المعتمة، والّتي أحالت الدّين إلى جملة من الأحكام الصّارمة الّتي تشهر سيوف القتل، وترفع رماح الفتك، وتدفن الرّحمة والطّمأنينة تحت وابل من الارتياب في كلّ شيء، نسخة جعلت من الدّين ضربا من النّواهي والزواجر، فلا يباح فيها إلّا أقلّ ما يحتاج إليه الإنسان في دنياه منذ ولادته حتّى موته، فحياته مؤجّلة إلى زمن آخر.

 

 

 [1]  الدكتور عبدالله ابراهيم مفكر العراقي حاصل على الجوائز التالية:
1. جائزة عبد الحميد شومان للعلوم الإنسانية عام 1997.
2. جائزة الشيخ زايد للكتاب في فرع الفنون والدراسات النقدية عام 2013، وذلك عن كتابه (التخيّل التاريخي: السرد، والإمبراطوريّة، والتجربة الاستعماريّة).
3. جائزة الملك فيصل العالمية في اللغة العربية والأدب في مجال الدراسات النقدية عام 2014، وذلك تقديرا لبحوثه المعمّقة في تحليل الرواية العربية.
4. جائزة سلطان بن علي العويس الثقافية (جائزة الدراسات الأدبية والنقد) الدورة الثامنة عشرة (2022 ـ 2023).

 

https://alsabaah.iq/88050-.html?fbclid=IwAR3P32w6XJ6ZLNfXCf6R1DHupKl36PTqQ_R6ihd-d7odKKz1bJtgoy9ZB1Q

ايقاظ النزعة الإنسانية في الدين

د. عبد الجبار الرفاعي

الإنسانُ بوصفه خليفةً لله نورُ الله في العالَم، لو اختفى الإنسانُ الخليفةُ يحتجبُ نورُ الله ويختنقُ العالَمُ بالظلام. النزعةُ الإنسانية في الدين في كتاباتي هي “الإنسانيةُ الإيمانية”، مفهومُ الدين فيها غيرُ الدين المستلَبةُ فيه إنسانيةُ الإنسان. الإيمانُ في الإنسانيةِ الإيمانية هو الإيمانُ الذي يقترنُ دائمًا بالحرية، يكونُ الإيمانُ حيث تكونُ الحرية. الصلةُ بالله في الإنسانيةِ الإيمانية صلةٌ حيّةٌ يقظة، لا تتأسّسُ على الرضوخِ والاستعباد والانسحاق وإهدار الكرامة، بل تتأسّسُ على الحرياتِ والحقوق. الصلةُ باللهِ لا تأخذُ نصابَها في تشييدِ حياةٍ روحية وأخلاقية إلا إن كانت مبنيةً على حريةٍ واختيار، لا على اكراهٍ وتخويف واستعباد واسترقاق وامتهان واذلال. الدفاعُ عن الله في الإنسانيةِ الإيمانية يبدأ بالدفاعِ عن كرامةِ الإنسان، وصيانةِ حقوقه، وحمايةِ حرياته، إذ لا يمرّ الطريقُ إلى الله إلا من خلال احترامِ الإنسانِ ورعايتِه وتكريمه. لا ترادف “الإنسانيةُ الإيمانية” المصطلحَ الذي ظهر في العصر الحديث تمامًا، وإن كانت تلتقي معه في أكثر دلالاته؛ كالتشديدِ على مرجعيَّةِ العقل، وإعادةِ الاعتبار للآدابِ والفنون والعلومِ والمعارفِ البشرية ومُهِمَّتِها العُظْمَى في بناء الحياةِ وتطوُّرها، واحترام كرامة الإنسان وحماية حرياته وحقوقه.

كان مصطلحُ «الإنسانية» قد نشأ في العصر الحديث إثر احتكارِ الكنيسة للعلوم والمعارف ورفضِها للعقل ودوره في اكتشاف الطبيعة والتعرّف على العالم، وموقفِها السلبيّ من توظيف الخبرةِ التي راكمتْها البشريةُ في مختلف مجالاتِ الحياة. فدعا ذلك بعضَ الأدباء والمفكرين الغربيين في القرنين السادس عشر والسابع عشر للعودة إلى تعلُّمِ لغات المجتمعات القديمة والإفادةِ منها في التنقيبِ عن آداب وثقافات تلك المجتمعات، وكسرِ احتكارِ الكنيسة والخروجِ على موقفها المُتَمَثِّل في رفضِ الاعتراف بكلِّ عِلْمٍ ومعرفة يُنْتِجُهَا الإنسانُ خارج إطار النّصوص الدينية وتفكيرِ رجال الكنيسة ورؤيتِهم المُغْلَقَة. لم تنشغل موضوعاتُ كتاب “النزعة الإنسانية في الدين” بدراسة مصطلحِ «الإنسانية» وتاريخِه وتطورِ دلالته وما واكبها من تحوُّلات حتى اليوم، لأنَّ كثيرًا من الكتابات درستْه في أبعادِه المتنوِّعة، بل حاول الكتابُ أنْ يتناوَلَ الدّينَ ومدياتِ تأثيره في المجال الشخصيّ والمُجتمعيّ، والإفصاحَ عن القِيَمِ الإنسانيَّة التي يمكن أن يمنحها لحياةِ الكائن البشري، ونوعِ الاحتياجات الروحية والأخلاقية والجماليَّة التي يلبِّيها لهذا الكائن.

اهتمَّتْ موضوعاتُ هذا الكتاب بالتدليل على أنَّ الدِّينَ لا يمثِّل مرحلةً من مراحلِ تطوُّر الوعي البشري، لأنَّه كان موجودًا بوجود الإنسان الأول وسيلبث حتى الإنسان الأخير. وشدّد الكتابُ، على وفق المفهوم الذي شرحه لإنسانية الدين، على ضرورةِ العمل بالعقل واعتمادِه مرجعيةً في كلّ شيء، واستعمالِه في تفسير مختلف الظواهر الدينية والدنيوية، والبرهنةِ على كلِّ قضية مهما كانتْ إثباتًا أو نفيًا، والثقةِ بالعقل في فهم الدين ورسم خارطةٍ تحدِّد المجالَ الذي يشغله في الحياة ويحقِّق فيه وعودَه، والكيفيةَ التي يتجلّى فيه أثرُ الدين الفاعلُ في بناءِ الحياة الروحية وإثراءِ المسؤوليَّة الأخلاقيَّة وإيقاظِ العقل وترسيخ الإرادة، والكشفِ عن أنَّ تجاوُزَ الدِّين لحدودِه لا يُفْقِدُه وظيفتَه البنّاءةَ فقط، بل يُمسي معها أداةً لتعطيلِ العقل، وإغراقِ حياة الفرد والمجتمع بمشكلات تتوالدُ عنها على الدوام مشكلاتٌ لا حصر لها.

وشرحتْ موضوعاتُ الكتاب المتنوّعةُ كيف تمكَّنَ الإنسانُ من تجديد مناهج فهمه للدين، وتجديدِ أدوات تفسير نصوصِه، والأهميةَ الكبيرةَ لتوظيف تلك المناهج والأدوات في الدراسات الدينية اليوم. وحثّتْ على ضرورة التمسُّك بالتفكير النَّقدي لاختبار قيمة كلِّ فكرةٍ سواء كانتْ تَتَّصِلُ بفهمِ الدين وتفسيرِ نصوصه أو غير ذلك، والكشفِ عمّا هو حقيقي وتمييزه عمّا هو زائف. وأوضحتْ موضوعاتُ الكتاب أنَّ النقدَ ضربٌ من الاختلاف وليس المحاكاة، وأنَّ النقدَ العلمي للأفكار احتفاءٌ بها وتكريمٌ لكاتبها. وأنَّ النقدَ ضرورةٌ يفرضها تجديدُ حياة الدين وإثراءُ حضوره الحيويّ في الحياة الروحيَّة والأخلاقية والجماليَّة. وأنَّ النَّقْدَ هو الأداةُ العقليَّةُ الوحيدةُ لتصويبِ الأفكار وإنضاجِها. وأنَّ الفِكْرَ الدينيَّ الذي لا يُنقَد يُنسى ويخرج أخيرًا عن التَّدَاوُل.

الدعوةُ إلى إنقاذِ النزعةِ الإنسانية في الدين تعنى بناءَ فهمٍ آخرَ للدين، وتفسيرًا مضيئًا مواكبًا للواقعِ للنصوصِ الدينية، تفسيرًا لا يبوحُ به إلا عبورُ المنظومةِ المغلقةِ للفهمِ السلفي، وتوظيفُ منهجياتِ وأدواتِ ومعطياتِ المعرفةِ الحديثة والعلومِ الإنسانية. إنه تفسيرٌ لا يختزُل الدينَ في المدونةِ الكلاميةِ والفقهية، ولا يقومُ بترحيلِه من حقلِه الروحي والأخلاقي والجمالي إلى حقلٍ يتغلّبُ فيه القانونُ على القيم، ولا يتحوّلُ الدينُ فيه إلى أيديولوجيا صراعية، أيديولوجيا تهدرُ المعنى الديني الروحي والأخلاقي والجمالي. يسعى هذا التفسيرُ إلى اكتشافِ وظيفةِ الدين الأصيلة في إنتاجِ معنىً لحياةِ الإنسان. وهي وظيفةٌ عجزت معظمُ الجماعاتِ الدينية اليومَ عن إدراكِها، وأغرقت نفسَها ومجتمعاتِها في نزاعاتٍ ومعارك، يمكن أن ترى فيها كلَّ شيء إلا الأخلاقَ وقيمَ التراحمِ والمحبة والسلام والسّكينة.

يتساءلُ بعضُ قُرَّاءِ هذا الكتاب عن الإحالات المتكرّرة على نصوص التصوّف المعرفي في مواضع متنوعة فيه وفي بعض كتاباتي، ولتوضيح ذلك أودُّ التذكير بأني باحثٌ حرٌّ أتوكَّأ على العقلِ النقدي. أنا لستُ متصوِّفًا، وإن كنتُ أتفاعلُ مع شيء من مقولات التصوُّف المعرفي، وأوظِّفُ في كتاباتي بعضَ الآراءِ الحيَّة للمتصوّفة. أنا ناقدٌ لتراثِ المتصوّفة كما أنقد غيره من حقول التراث، وقد أعلنتُ موقفي بصراحة أكثر من مرة في سلوك المتصوّفة، وشرحتُ رأيي بقيمة آثارِهم، وشدَّدْتُ على أنَّها تعبّرُ عن اجتهادات بشرية وليست نصوصًا مقدَّسة، لكن يمكننا الإفادةُ مما هو حيٌّ ويتطلبُه زمانُنا منها.

وأشير هنا بإيجاز إلى أني ضدّ كلّ أشكال توثين المعتقدات، والأفكار، والأشخاص مهما كانوا، سواء فعل ذلك التوثينَ المتصوّفةُ أو غيرُهم، فأيَّةُ فكرة تستمدُّ قيمتَها من تعبيرها عن الحقيقة، وأيَّةُ شخصية تستمدُّ مكانتَها من تمسُّكِها بالحقّ، وانحيازِها للإنسان ودفاعها عن كرامته وحقوقه وحريَّاته وقضاياه العادلة. إنَّ المتصوّفةَ بشرٌ تورّطَ أكثرُهم في توثين شيوخهم وأقطابهم، وتمادَى «المريدُ» منهم في سجن نفسه بعبوديةٍ طوعيَّةٍ لشيخِه، وتعالَتْ تعاليمُ الشيخ في وجدانهم فصارتْ مُقَدَّسَةً يرضخُ لها الأتباعُ حدَّ الاستعباد، بنحوٍ تكبّلهم وتشلّ حركتَهم.

بموازاة ذلك وجدتُ بعضَ آثارِ التصوّف المعرفي تغتني بما هو شحيحٌ في آثار علم الكلام وغيره. فقد أعادَ هذا النمطُ من تراث التصوّف بناءَ الصلة بالله فجعلها تتكلمُ لغةَ المحبَّة وتبتهجُ بالوصال مع معشوق جميل. وفاضتْ مدوَّنتُه بمعاني الرحمة والشفقة والرأفة والعطف والتضامُن مع البؤساء والمنكوبين، ويُعلي بعضُ المتصوّفةِ من هذه المعاني بالشكل الذي تصبح فيه مقصدًا محوريًّا للدين برأيهم. مضافًا إلى أنَّ أعلامًا للتصوّفَ المعرفي لا يرفضون العقل، بل يعتمدونه ويتمسَّكون ببراهينه في بناءِ نظامهم المعرفي ورسمِ رؤيتهم للعالَم. وهذا ما نجده في أعمال محيي الدين بن عربي وبعض العرفاء الذين يبتكرون طريقتَهم العقليَّة في الاستدلالِ على مقولاتهم ونقضِ حجج خصومهم.

كما يسودُ آثارَ بعض أعلام التصوّف كجلال الدين الرومي تبجيلٌ للعشق الإلهيّ، ونظرةٌ متفائلةٌ للحياة، واحتفاءٌ بالفن، وكشفٌ عن تجلِّيات جمال الوجود، ودعوةٌ للفرح، وجعلُ المحبَّة مادَّةً الدين، بحيث صار تطهيرُ القلب من الحقد مفتاحًا لطهارة الإنسان، كما ينص على ذلك جلالُ الدين الرومي بقوله: «توضَّأ بالمحبَّة قبل الماء، فإنَّ الصلاةَ بقلبٍ حاقد لا تجوز». وتمكّن بعضُهم من صياغة سلسلة مفاهيم تعمل على تحريرِ الإنسان من اغترابه الوجودي، وإرشادِه لتعاليم تحثُّه على التَّصالُح مع العالَم الذي يعيش فيه. ونعثر في آثارهم على فهمٍ للدين وتفسيرٍ لنصوصه يذهب للتَّعامل مع المختلف بوصفه إنسانًا بغضِّ النَّظر عن معتقده. وتخلو أكثرُ آثار المتصوِّفة من الأحكامِ السلبية حيال المختلف في الدين التي نجدها في آثارٍ أخرى، ولا نجد لدى أعلامهم مفاهيمَ تغرسُ كراهيةَ الأديان الأخرى، وتحظر التعاملَ مع أتباعها، وترسِّخ النفورَ منهم. وبعضُ أعلامهم ينفردون في مقولاتٍ تكسر احتكارَ الرَّحمة الإلهية وتوسّع دائرةَ الخلاص، وتصوغ فهمًا للنجاة في الآخرة لا يجعلها حقًّا حصريًّا لمن يعتنق معتقدًا خاصًّا.

قبلَ أكثر من عشر سنوات صدرت الطبعة الأولى لهذا الكتاب بعنوان: “إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين”، ويُنشَرُ اليومَ بطبعةٍ رابعة مزيدة ومنقحة. عند كلِّ نشرة جديدة لأعمالي تفرضُ عليّ المسؤولية الأخلاقية أمام القراء الكرام أن أعيدَ النظرَ فيها، أقرأها قراءةً ناقدة في ضوء ما يستجد في ذهني، وأعملُ على تحريرها وغربلتها وتمحيصها وتهذيبها.

 

مقدمة الطبعة الرابعة لكتاب: النزعة الإنسانية في الدين، يصدر قريبًا عن دار الرافدين ومركز دراسات فلسفة الدين. هذه الطبعة مزيدة ومنقحة في 378 صفحة.

رابط النشر: