الهوية الوطنية بمعنى والهوية العقائدية بمعنى آخر

د. عبد الجبار الرفاعي

الهوية الوطنية بمعنى، والهوية الأيديولوجية العقائدية بمعنى آخر. نصاب الهوية الوطنية يتأسس على الانتماء إلى رقعة جغرافية، ومصير مشترك، ومصالح يلتقي فيها الجميع، وتاريخ تتوالى فيه التجارب، وذاكرة جمعية تتشكل في وعي الناس، وتتجسد في ثقافة جامعة ورموز مشتركة تتحذر في اللاشعور السياسي، لا تلغي الاختلافات الدينية والمذهبية والقومية، بل تحتضنها في أفق عيش مشترك. وتتكشف ملامح هذه الثقافة فيما يتراكم في العقل الجمعي من سرديات تستحضر منعطفات نشأة الوطن، وتؤرخ لتحولاته، وتعيد وصل الحاضر بجذوره الممتدة في الزمن، بحيث تغدو الهوية الوطنية إطارًا جامعًا يمنح المعنى للانتماء، ويصون كرامة الإنسان بوصفه مواطنًا قبل كل انتماء آخر.كما تتجلى الهوية الوطنية في الشخصيات المؤسسة، وفي كل شخصية استثنائية تركت بصمة مضيئة في بناء الوطن وتجذير الانتماء إليه عبر التاريخ، وأسهمت في تشييد كيانه السياسي والثقافي والرمزي والديني والقيمي. وتنعكس الهوية الوطنية في اللغة والآداب والفنون السمعية والبصرية، وفي الأديان والمعتقدات، والأساطير والأمثال، والعلوم والمعارف المتنوعة. كذلك يكون الشعار الرسمي للدولة مرآة لهذه الهوية، مضافًا إلى النشيد الوطني، والمناسبات والأعياد، والفلكلور، والأماكن الأثرية والمعمارية التي تستفيق فيها الذاكرة، وتستعيد ما هو جميل في الماضي حضورًا متجددًا في وعي الجماعة. وتتكشف الهوية الوطنية في المطبخ وأنواع الأطعمة، واللباس والأزياء، والأذواق، والرياضات الجماعية، مثل كرة القدم اليوم، وفي كل ما يسهم في توليد الشعور بالاستمرارية التاريخية، ويغذي الإحساس بالارتباط العاطفي العميق بالوطن، ويعيد ترميم أواصر الألفة والتضامن، في إطار كيان سياسي يلتقي فيه المواطنون بوصفهم جزءًا حيًا من نسيجه، وأمناء على ذاكرته، ومشاركين في مصيره، ومسؤولين عن تنميته وحمايته.

الهوية الوطنية هوية جامعة، لا تنغلق على مكون واحد، ولا تسمح باحتكار الوطن لهوية فرعية دينية أو طائفية أو قومية دون سواها. إنها هوية تتسع لمختلف المواطنين، بتنوع أديانهم ومذاهبهم وقومياتهم ولغاتهم، وتؤمن بأن العيش المشترك لا ينهض إلا على الاعتراف بحق المواطن أن يكون مختلفًا في إطار كيان سياسي واحد، وعلى شراكة الجميع في بناء الوطن وحمايته.

تبتني هذه الهوية على المواطنة الدستورية، التي تعلي من قيمة الإنسان بما هو إنسان، وتؤسس للمساواة في الحقوق وتكافؤ الفرص بوصفهما شرطًا للكرامة والعيش المشترك. وتستند هذه الرؤية إلى مبدأ “العدالة بوصفها إنصافًا”، كما بلوره جون رولز (1921–2002) في كتابه “نظرية في العدالة”، حيث لا تتحقق العدالة إلا حين تُصان حقوق الجميع على قدم المساواة، وتُوزع الفرص بما يضمن لكل إنسان إمكانات متكافئة في بناء حياته والمشاركة في صناعة مصيره. وتخضع الجميع لسلطة القانون، وترفض التمييز بكل أشكاله، مهما كان تبريره. إنها هوية تصغي إلى صوت العقل، وتحتكم إلى عقد وطني يضمن التعدد ويحمي السلم الأهلي، ويعيد تنظيم العلاقة بين الدولة والمواطنين على أسس تعيد بناء الانتماء للوطن، وتحرر الولاء من أسر الانتماءات الفرعية الضيقة التي تعزل الإنسان في مضايق القومية أو الطائفة، وتعيد توجيه بوصلته نحو الوطن بوصفه الإطار الأوسع الذي ينتظم فيه التنوع، وتتكامل فيه الخصوصيات، من دون أن تتنكر للانتماءات الدينية أو المذهبية أو القومية، بل تعيد إدماجها في أفق الهوية الوطنية الجامعة، ليغدو الانتماء للوطن أصلًا، وما عداه من انتماءات فروعًا تلتقي جميعها فيه.

أما الهوية الأيديولوجية العقائدية، فهي انتماء إلى معتقد ما، حين يتحول هذا المعتقد إلى أيديولوجيا مغلقة، سواء أكان دينيًا أم دنيويًا. تتسم هذه الهوية الأيديولوجية بالانغلاق، إذ تنبني على يقين مغلق يختزل العالم في ثنائية حادة: مَن ينتمي إليها، ومَن يقع خارجها. في أفقها يتضخم وهم الاصطفاء، ويتشكل وعي متعالٍ يستمد شرعيته من شعور بالتفوق المتخيل، فتغدو الهوية الجمعية مشروطة بنفي الآخر وإقصائه، لا بالانفتاح عليه أو الاعتراف بحقه في أن يكون مختلفًا. في هذا الواقع، لا يعود الانتماء للوطن مرجعية جامعة، إذ يتراجع لصالح ولاء ضيق يستمد معناه من الجماعة العقائدية، فتتآكل فكرة الدولة بوصفها إطارًا مشتركًا، وتختزل في كيان هش لا يحتمل التعدد. ومع هذا الاختزال، تُهمَّش المصلحة الوطنية، ويعاد ترتيب سلم القيم على نحو يجعل الولاءات الفرعية مقدمة على كل أفق جامع، فينحسر المعنى الإنساني للسياسة، وتفقد الجماعة قدرتها على إنتاج معاني العيش المشترك الذي يؤسس للسلم والعدالة.

تنتج الهوية الأيديولوجية العقائدية خطابًا تعبويًا مشحونًا باليقين المغلق، لا يعترف بالتنوع، ولا يحتمل الاختلاف، ولا يقر بحق الآخر في العيش المشترك. ينظر إلى الحقيقة بوصفها ملكًا حصريًا لا يقبل القسمة، فتتحول اللغة في هذا الواقع إلى أداة تعبئة، وتغدو الهوية سورًا يحاصر المعنى ويمنع انفتاحه، فيُختزل الإنسان في انتمائه، ويُختزل العالم في صورة واحدة لا ترى إلا ذاتها. في مقابل ذلك، تمثل الهوية الوطنية مشروعًا لبناء كيان سياسي يتسع للجميع، يقوم على العيش معًا بكرامة في ظل دولة القانون، حيث تكون المواطنة أساس الانتماء، والعدالة شرط الشرعية، وأفقًا مفتوحًا تتعايش فيه الاختلافات وتتكامل فيه الخصوصيات دون أن تفقد وحدتها في إطار جامع. أما الهوية الأيديولوجية العقائدية، فهي مشروع احتكار للمعنى والسلطة والوطن والمواطن، تختزل الحقيقة في تفسير واحد، وتختطف الوطن لحساب جماعة، فتقوض وحدة المجتمع، وتزعزع أسس الدولة الوطنية، لأن الكيان السياسي لا يستقر إلا حين يقوم على الاعتراف المتبادل، لا على الإقصاء، ولا على ادعاء امتلاك الحقيقة باسم العقيدة.

حين يتحول الدين إلى أيديولوجيا أصولية، يجري ترحيله من مجاله الروحي والأخلاقي والجمالي، ويُعاد توطينه في حقول الصراع على السلطة والثروة، كما جرى في تجارب الأيديولوجيات القومية واليسارية. في هذا التحول يفقد الدين رسالته بوصفه أفقًا للمعنى، ويتحول إلى أداة للاستحواذ، ويُختزل في تنازع النفوذ والسيطرة، وتُسخَّر لغته لتعبئة الأتباع وتجييش مشاعرهم باسم الدفاع عن العقيدة. عندئذ تهبط رسالة الدين من غايتها في إرواء الظمأ الأنطولوجي، وتحرير الإنسان من الاغتراب الميتافيزيقي، وإيقاظ الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية، إلى وظيفة أيديولوجية مغلقة لا ترى في العالم إلا ساحة صراع. في هذا الواقع، لا تعترف الأصوليات بالهوية الوطنية بوصفها إطارًا جامعًا، ولا تُقر بشرعية الدولة التي تقوم على هذه الهوية وتكفل استيعاب التنوع والاختلاف في فضاء العيش المشترك، إنما تعمل على تجاوز حدود الوطن، وتقصي كل من لا ينتمي إلى حدودها الأيديولوجية، فتفكك المجال العام، وتُقوّض إمكان بناء دولة تحتضن الجميع على أساس المساواة والعدالة والمواطنة وحق كل مواطن أن يكون مختلفًا.

https://alzawraapaper.com/content.php?id=385190

لا مفهوم للمواطنة في دول الخلافة

د. عبد الجبار الرفاعي

ليس بوسعنا بناء تفسير علمي لنشأة الهوية السياسية في مجتمعنا من دون العودة إلى تجربة دول الخلافة وأمثالها، الممتدة عبر مراحل تاريخ الإسلام المختلفة منذ القرن الأول الهجري حتى القرن الرابع عشر، والكشف عن الكيفية التي جرى فيها استثمار الميراث الرمزي للخلافة في صناعة الهوية السياسية للمسلم، بوصفها استمرارية عميقة لذلك الميراث العريق في الذاكرة، وتجسيدًا لهوية متخيلة، تتغذى على سلطة الماضي، وتستأنف حضورها عبر مقولاته ورموزه وتمثلاته، وما نتج عنه من مشاعر وأحلام ربما تتوارى في أزمنة لكنها لا تموت. تشكلت الهوية السياسية في سياق دولة الخلافة، لا بوصفها مؤسسة للسلطة فحسب، بل بما هي منبع للمتخيل الذي تشكل وتضخم في فضائها، وصاغ مقولاتها حول المشروعية السياسية وغيرها، وولد فيه وتجذر وعي الإنسان المسلم السياسي ولاوعيه الفردي والجمعي، وتوالد داخله تعريفه لهويته السياسية، وللسلطة، والحكومة، وشكل الدولة.

يتحول الإنسان في دولة الخلافة وأمثالها إلى رعية خاضعة، لا إلى مواطن معترف بكرامته وحريته وحقوقه، ويفرض عليه السمع والطاعة المطلقة للخليفة مهما كانت أفعاله وقراراته. في هذا النمط من الحكم لا يُعامل الإنسان بوصفه قيمة في ذاته، وإنما يستعمل أداةً للسلطة وتأبيدها. تنتقل الخلافة داخل العائلة الحاكمة منذ لحظة التأسيس الأولى، ويُمنح هذا الانتقال غطاءً دينيًا يوهم الناس أن شرعية الحكم مستمدة من الله، لا من إرادتهم الحرة أو اختيارهم الواعي. ويتشكل لاهوت سياسي للطاعة كآلية لاحتكار الحديث باسم الله، حيث يجري استدعاء السماء لتبرير القهر في الأرض، ويُوظف الدين لإسكات الضمير، وتعطيل السؤال، ومصادرة حق المواطن في المشاركة والمراقبة والمحاسبة. في هذا الواقع تتحول الطاعة من التزام أخلاقي نابع من القناعة إلى خضوع مفروض بالقوة والقداسة المصطنعة، ويُستعمل الدين ذريعة لإلغاء كرامة الإنسان وحرياته وحقوقه. الرؤية التي تنتصر لإنسانية الدين تقوم على الاعتراف بحق الإنسان في الاختيار، ومسؤوليته عن مصيره، ورفض أي سلطة تدعي تمثيل الله، وتنكر على البشر حقهم في أن يكونوا شركاء في تقرير شؤون حياتهم العامة في إطار مصالحهم ومصائرهم.

الخلافة وأمثالها، في ضمير أكثر المسلمين تنبثق مشروعيتها من السماء، وهي وحدها ما يتخيلون أنها تعبر عن هويتهم السياسية، وقد تكرست صورتها في المتخيل الجمعي بوصفها الهوية الجامعة للأمة المسلمة، عبر رمزية الخليفة الواحد. وإن كانت خلافة الخليفة متصدعة متآكلة، لكنه يظل رمزًا ما دامت تلقى خطبة الجمعة على المنابر بوصفه خليفة، والدعاء يرفع له، والنقود تسك باسمه، ذلك ما أسهم في تجذر هوية الخلافة وترسيخها في الذاكرة السياسية للمسلم. يتجلى حضور الخلافة في اللاشعور الجمعي بوصاية الماضي على الحاضر، وامتدادها بوصفها سلطة رمزية لا تزال تنتج تأثيرها عبر نظام رمزي وشبكة متشعبة من المفاهيم، تستمد قوتها وفاعليتها من صور رومانسية للخلافة، كما تشكلت في المتخيل الجمعي، فتعيد إنتاج عناصر حياتها في الوعي واللاوعي، وتؤطر تصورات الإنسان المسلم عن السلطة، والهوية السياسية.

في دول الخلافة وأمثالها، كان بإمكان المسلم أن يتنقل من بلد إلى بلد بحرية، ويقيم في أقاليمها المختلفة، الممتدة من الأندلس إلى الهند، من دون أن يشعر بالغربة، ما دام انتماؤه إلى دار الإسلام، وهويته السياسية هي عقيدته. هذا الانتماء الرمزي رسخ في اللاشعور الجمعي عدم التمييز سياسيًا بين أرض وأخرى، ما دامت في إطار دول الخلافة وأمثالها، وما دام الإسلام هو العقيدة السائدة لأهلها. هذه العوامل لا تزال تمارس ممانعة صلبة في تقبل مفهوم الوطن، والمواطنة، والمشروعية السياسية الشعبية، والسلطة، والحكومة، والدولة، بمعانيها المعروفة في الفكر السياسي الحديث.

الذاكرة السياسية المشبعة بالصور الرومانسية المتخيلة لدولة الخلافة وأمثالها ما زالت تشكل أرضية خصبة ذات تأثير فعال في التمهيد لولادة أحلام الدولة الدينية في المتخيل السياسي لعدد غير قليل من المسلمين اليوم. لم تسقط الدولة العثمانية، آخر تجليات الخلافة في عالم الإسلام، إلا عام 1924، وهذا يعني أن المسلم لم يمض عليه سوى قرن واحد في التعايش مع المفاهيم الحديثة للدولة، ولم يدخل المفهوم الحديث للوطن والمواطنة بوصفه مكونًا أساسيًا للهوية السياسية. معنى “الوطن” في تراثنا يختلف عن معناه في الفكر السياسي والدساتير الحديثة، التي تؤسس للمواطنة بوصفها علاقة قانونية وحقوقية، تربط الفرد بالدولة على أساس الانتماء لأرض وتاريخ وثقافة ومصالح ومصائر مشتركة.

ما زال سقوط دولة الخلافة العثمانية يمثل جرحًا نرجسيًا غائرًا للهوية السياسية لعدد غير قليل من المسلمين، ممن كانت الخلافة تمثل لهم شعورًا بالتماهي مع كل مسلم يقطن أرضها، وتغذي خيالهم بوحدة عقائدية ورمزية تتجاوز الحدود الجغرافية. ظل المتخيَّل الجمعي، الذي تراكم واتسع عبر قرون، يعمل على ترسيخ صورة الخلافة بوصفها مكونًا أصيلًا في هوية المسلم السياسية، وبعد انهيارها استمر حضورها الرمزي في الذاكرة السياسية الجمعية. الخلافة لم تكن مجرد نظام سياسي، بل غدت رمزًا مشحونًا بالدلالات، يتوارى فيه التاريخ خلف الأسطورة، وتتداخل فيه الوظائف السياسية بالدلالات الدينية. المتخيَّل السياسي أسهم في بناء صورة مثالية مضيئة للخلافة، لا تعكس واقع المظالم التي وقعت في زمانها، ولا تكشف عن جور السلاطين وبطشهم، وما كان يعيشه رعاياهم من تمييز واضطهاد. جعلها هذا المتخيَّل تمثل ذروة اندماج السياسة بالدين، وملاذًا آمنًا لهوية سياسية مأزومة، تلجأ للماضي حين تعجز عن بناء الحاضر.

بعد انهيار آخر دولة خلافة، لم تتبدد صورتها، بل ظل ميراثها الرمزي وشبكة مفاهيمها حية في اللاشعور الجمعي، تتجدد حضورًا في الذاكرة، وتعيد إنتاج نفسها في وجدان لم يتحرر من قبضة الماضي، ولم يغادر الحنين إلى سلطة يتخيلها ضامنًا لوحدة شاملة على أساس الدين الواحد. ظل المتخيَّل الديني يعمل على مدى قرون على ترسيخ صورة الخلافة بوصفها عنصرًا أساسيًا من مكونات هوية المسلم السياسية، فتشبع بها اللاشعور الجمعي، وأمست ملاذًا يستحضره المسلم كلما عجز عن تحقيق أحلامه في الواقع السياسي، وصار المتخيَّل وسيلة يعيد بها الإنسان إنتاج ما فشل في إنجازه في الواقع. ما يزال عدد غير قليل من المسلمين إلى اليوم عاجزين عن الانفصال عن الصورة المثالية للخلافة، والتحرر من سلطتها الرمزية، وهيمنتها على الذاكرة السياسية، ذلك ما جعلهم يقرأون المستقبل بعيون الماضي، ويقيسون الدولة الحديثة بمقاييس دولة الخلافة، ويحاكمون السياسة والدولة الحديثة بأحكام تلك الدولة.

من أبرز آثار الجرح النرجسي للهوية السياسية، الذي نتج عن سقوط آخر دولة للخلافة، انبعاث أول حركة للإسلام السياسي في العصر الحديث، إذ لم تمض سوى أربع سنوات على نهاية الخلافة العثمانية حتى بادر حسن البنا، في مدينة الإسماعيلية، إلى تأسيس جماعة الإخوان المسلمين عام 1928، بوصفها مشروعًا يطمح إلى استعادة مجد المسلمين السياسي عبر إعادة بعث دولة الخلافة. وصارت الخلافة ركنًا من أركان الإسلام، كما يصرح حسن البنا في رسالة المؤتمر الخامس: (الإسلام يجعل الحكومة ركنًا من أركانه… فإن قعود المصلحين الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمة لا يكفرها إلا النهوض واستخلاص قوة التنفيذ من أيدي الذين لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف… أما الخلافة فهي رمز الوحدة الإسلامية، والخليفة مناط كثير من الأحكام في دين الله، ولهذا قدم الصحابة رضوان الله عليهم النظر في شأنها على النظر في دفن النبي صلى الله عليه وسلم. والأحاديث الواردة في وجوب نصب الإمام كثيرة. لذلك فالإخوان المسلمون يجعلون فكرة الخلافة والعمل على إعادتها في رأس منهاجهم، وهم – مع ذلك – يعتقدون أن ذلك يحتاج إلى كثير من التمهيدات الضرورية). لم أجد فقيهًا أو متكلمًا في تاريخ الإسلام قبل حسن البنا يقول إن “الحكومة ركن من أركان الإسلام”، أو إن الدولة ركن في الإسلام. أركان الإسلام معروفة لدى المذاهب المتنوعة والفرق المختلفة. الماوردي “ت 450هـ” يرى أن الإمامة، أو الخلافة، أو الحكم، واجب شرعي من واجبات الدين، لا من أركانه. ويذهب الجويني “ت 478هـ” إلى أن الإمامة ضرورة لحفظ الشريعة، لا ركنًا من أركان الدين. لكن في العصر الحديث جعل أكثر من منظّر من منظري الإسلام السياسي الحكم من أركان الدين.

في سياق أدبيات هذه الجماعة وشعاراتها وأهدافها تشكلت رؤية تمجد الماضي السياسي، وتدعو للعودة إلى نموذج الحكم الذي ساد قرونًا عديدة في دول الخلافة. في فضاء هذا المتخيَّل السياسي توالدت سلسلة من الحركات الإسلامية في شتى أنحاء العالم الإسلامي، استلهمت نموذجها من الإخوان، وواصلت الأحلام السياسية ذاتها ببعث الخلافة، كل منها على شاكلتها، بوصف دولة الخلافة رمزًا لوحدة المسلمين، ومصدرًا للهوية السياسية، وأفقًا لاستعادة السيادة والكرامة المهدورتين. غير أن ما لم يدركه الوعي المؤدلج أن الخلافة، بوصفها مشروعًا سياسيًا تاريخيًا، لا يمكن استعادتها إلا في المتخيَّل السياسي، وأن إحياءها لا يعني سوى إعادة إنتاج ماضٍ لم يعد صالحًا لبناء دولة قائمة على المواطنة الدستورية، والقانون، والعدالة، وحقوق الإنسان وحرياته. حين يتحول الحنين للماضي السياسي إلى مشروع للخلاص، يفقد الحاضر قدرته على توليد معنى سياسي، ويُختزل المستقبل في صورة مثالية لماضٍ متخيَّل، لا حضور له خارج الذاكرة.

https://alzawraapaper.com/content.php?id=384689

المواطنة شراكة متكافئة

د. عبد الجبار الرفاعي

مفهوم “مسلم” الذي تتأسس عليه الدولة الدينية يختلف عن مفهوم “مواطن” الذي تتأسس عليه الدولة الحديثة. المفهومان ينتميان إلى سياقين متغايرين، ويتحدثان لغتين مختلفتين، لا يلتقيان في رؤيتهما للعالم، ولا في شبكة دلالات كل منهما. الدولة الدينية تستند إلى التفسير الكلامي والفقهي للدين، الذي يصنف الناس إلى مراتب وفئات، ويمنح كلًا منهم موقعًا في تراتبية الراعي والرعية، على وفق نظام هرمي، يجري فيه تمييز في القانون والحقوق والحريات، إذ يصنف الرعية حسب دينهم، وجنسهم، وكونهم أحرارًا أو رقيقًا، مضافًا إلى منح الراعي “الخليفة” حريات مطلقة غير مقيدة بدستور ولا قانون، وسلبها عن الرعية. أما دولة المواطنة الحديثة فتقوم على القانون والحقوق والحريات، وتتأسس على مبدأ المواطنة، لا على الانتماء الديني أو الطائفي أو العرقي. لا تسأل الفرد عن إيمانه، ولا تحاكم ضميره، ولا تمنح امتيازًا لانتمائه الديني، بل تقوم على عقد اجتماعي تصونه القوانين، وتضبطه المؤسسات، وتكفل فيه الحرية والعدالة والمساواة لجميع المواطنين، وتكفل الحق لكل مواطن في أن يكون مختلفًا. لا رعية فيها بل مواطنون أحرار، متساوون في الكرامة والحقوق والحريات والمسؤوليات، كل على وفق إمكاناته ووظيفته. لا يساءل أحد عن دينه أو معتقده أو مذهبه أو قوميته. المواطنة تعني شراكة متكافئة في الانتماء إلى الوطن، يمتلك فيها كل مواطن النصاب الكامل في المواطنة، بوصفه إنسانًا له الحق في أن يعامل بالمساواة، وله الحق أن يكون مختلفًا، ومع ذلك تصان حريته وحقوقه، وتكفل كرامته بلا تمييز ولا تفضيل.

المجتمع كائن مركب، متعدد، متنوع، عميق، تطفو على سطحه اختلافات لا تنتهي في الفهم والمصالح والمواقف. تحقيق العدالة في هذا المجتمع لا يعني معناها الفقهي، بل يتطلب وعيًا سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا بالواقع، وتدبيرًا عقلانيًا لما يسهم في صيانة حقوق الإنسان وحرياته، وترسيخ سيادة القانون، وتكافؤ الفرص. مَن يفكر في بناء دولة مواطنة في مجتمعاتنا، على وفق أفق الفكر السياسي الحديث، لا بد له من استيعاب مفهوم “المجتمع” بمعناه السياسي الحديث، الذي يتأسس على رؤية لدولة حديثة تقوم على المواطنة، لا على الانتماءات الموروثة. المجتمع بهذا المعنى هو كيان سياسي يتوحد في إطار دولة واحدة، يعيش على أرض محددة، وينتظم تحت قانون واحد، حتى لو لم تتشارك مكوناته دينيًا أو مذهبيًا أو قوميًا أو في اللغة أو التراث الواحد. ما يجمع أفراد هذا المجتمع هو إرادة العيش المشترك، والتضامن في المصالح والمصائر، والالتزام بعقد اجتماعي ينظم العلاقة بين المواطنين والدولة، على قاعدة المساواة القانونية الكاملة، والحقوق المتكافئة التي لا تختزل في جماعة بعينها، ولا تشاد على هويات ما قبل الدولة. أما مفهوم “الأمة” في تراثنا فيحيل إلى جماعة يوحدها الإيمان بعقيدة دينية مشتركة، الهوية السياسية التي يتأسس عليها الانتماء إلى الأمة، في ضوء هذا التصور، هي الإيمان بالدين. في حين يرتكز المفهوم السياسي للمجتمع الحديث على وحدة الوطن، وسيادة القانون، والمساواة في الحقوق، والمصالح العامة المشتركة، لا على وحدة الدين أو العقيدة.

سألت أحد كتّاب الدولة الدينية في بلد عربي: ما شكل الدولة التي تدعو لها، وتبشر في كتاباتك بضرورتها لحل مشكلات بلدك وبلادنا؟ فقال: إنها دولة الدين، لأن الدين، كما يرى هو، يحل كل مشاكلنا إذا طبقناه بإخلاص كما ينبغي. قلت له: ما المقصود بدولة الدين؟ قال: إنها دولة يتأسس نظام حكمها وسياساتها ومؤسساتها السياسية والاقتصادية والمالية والإدارية والتربوية والتعليمية على أساس إسلامي، على نحو تكون أنظمتها كلها وقوانينها ومعاملاتها منبثقة من الدين. سألته: ماذا تعني بمنبثقة من الدين؟ قال: أعني أن تشريعاتها وقوانينها ونظمها منبثقة من الفقه وعلم الكلام. قلت له: الدولة التي تدار بالمقولات الاعتقادية لعلم الكلام القديم وأحكام الفقه التقليدي لا تعترف بمبدأ المساواة بين المواطنين، ولا تقوم على تكافؤ الفرص، بل تميز بين المسلم وغير المسلم، والحر والعبد، والرجل والمرأة، في الحقوق والحريات والمسؤوليات في دولة واحدة. هذا التمييز يفضي إلى نفي المواطنة الدستورية، ويقصي الانتماء إلى الأرض والمصالح المشتركة والمصير الواحد، بوصفها محددات لهوية المواطنة في الدولة الحديثة، ولا يتأسس على المساواة في الحقوق والحريات، ولا على فصل السلطات، ولا على التداول السلمي للسلطة.

ثم شرحت له بوضوح: إن الدولة التي تحلم بها أنت وغيرك لا تمتلك مقومات بناء الدولة الحديثة وركائزها، ولا تتأسس على مفهوم المواطنة، بوصفها رابطة قانونية تكفل المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات. لا تغير االتوصيفات المراوغة التي يتخذها بعضهم قناعًا لدولة دينية، بوصفها دولة إنسان، أو دولة حضارية، أو أية تسمية أخرى جذابة، من مضمون الدولة الدينية، مادامت تعتمد على مقولات علم الكلام القديم وأحكام الفقه التي تنفي الحقوق والحريات والمساواة بين المواطنين.

فلت له: أنت تحلم بدولة تنتمي إلى عصور انتهت وصار الظلم والاضطهاد فيها تنزفه ذاكرة جريحة. تلك دولة ما قبل الدولة الوطنية الحديثة، تلك الدولة لا تدري بأسئلة الإنسان اليوم ومتطلبات حياته المركبة المتنوعة، لأنها تستلهم أنظمتها من مقولات أنتجتها سياقات معرفية ودينية وسياسية واقتصادية واجتماعية غريبة على الواقع الذي يعيشه مواطن هذا العصر، فضلًا عن أنها تعكس رؤية سياسية لا تعترف بإرادة المواطن، ولا ترى الشعب مصدرًا للشرعية. الدولة التي تدار بعقل كلامي وفقهي تقليدي لا تؤمن بقيم الحرية والمساواة وحقوق الإنسان، وحق الإنسان في أن يكون مختلفًا، ولا تتسع لاستيعاب التحولات الهائلة في هذا العصر، ولا تستجيب لتطلعات الإنسان المسلم واحتياجاته المتنوعة اليوم. إنها لا تبني وطنًا يتسع للمختلفين، ولا تقيم مؤسسات تضمن العدالة، ولا تنتج قانونًا يتساوى أمامه الجميع. دولة كهذه لا تؤسس دولة مواطنة حديثة، بل تكرس الانقسام، وتزيد من الاغتراب عن الزمن والواقع. أجابني بقوله: لدينا تراث ثري في الأحكام السلطانية والاقتصاد والأموال والإدارة والحسبة وغيرها، وراح يستعرض عنوانات مؤلفات كتبت في لإدارة وتدبير الخلافة ومؤسساتها. سألته: كيف يمكننا بناء دولة حديثة بتراث جرى تدوينه ليجيب عن أسئلة الماضي، ويحاول أن يقدم حلولًا لمشكلات وقعت في سياق دول الخلافة قبل قرون، وكان مؤسسًا على ثنائية الراعي والرعية، ويقصي ما أنتجه العلم والمعارف الحديثة، وما أنجزته البشرية من نظم وتشريعات تضمن الحقوق والحريات، وعلوم في الإدارة والسياسة والسلطة وخبرات في بناء الدولة وأنظمتها.

بعد كلام طويل، لم أجد عنده جوابًا، بل لجأ إلى التحدث بكلمات زئبقية تتخفى وراء ركام من الألفاظ المكررة، توحي بأنها تقول كل شيء، لكنها لا تقول شيئًا محددًا، ولا تفصح عن أي تصور واضح لدولة مواطنة حديثة، تضمن كرامة الإنسان وحقوقه وحريته ومساواته، وتكفل له الحق في أن يكون مختلفًا. تأملت في كلامه فلم أعثر فيه على جواب لأي سؤال من أسئلتي، كان حديثه غارقًا في التباس وغموض لغوي وكلامي وفقهي، يفتقر إلى أي تصور واضح يمكن أن نحتكم إليه في معنى الدولة، أو صورة نظام حديث يتناغم مع متطلبات حياة الإنسان في هذا العصر.

https://alzawraapaper.com/content.php?id=384068

في شراك الأيديولوجيا.. أزمة الهوية الوطنية في فكر عبد الجبار الرفاعي
فاطمة أبو ناجي، كاتبة صحفية مغربية.
تعيش الهوية الوطنية في العراق مأزقاً مركّباً، إذ لم تعد رابطة الانتماء إلى الأرض والمصير المشترك قادرة على الصمود أمام الولاءات الأيديولوجية التي تمزّق النسيج الوطني. هذه الإشكالية يتتبعها عبد الجبار الرفاعي في كتابه الجديد: “الهوية الوطنية في شِراك الأيديولوجيا”، الصادر حديثاً عن دار الرافدين، بوصفها أزمة وعي قبل أن تكون أزمة سياسة، إذ يرى أن اختلال ترتيب الولاءات؛ حين تتقدّم الطائفة أو العقيدة على الوطن، هو ما أنتج هشاشة الدولة الحديثة، وأفقد المواطن قدرته على تعريف ذاته في فضاء عام يتّسع للجميع.
يستعيد الرفاعي مفهوم الهوية الوطنية بمعناه المدني الحديث، فيعرّفها بأنها كيان جامع يقوم على الذاكرة المشتركة، والثقافة المتراكمة، والرموز التي توحّد أبناء البلد؛ وهي اللغة والأدب والفنون والمناسبات والأمكنة والرموز المؤسسة، وكل ما يعيد وصل الحاضر بجذور التاريخ. وهي هوية تتسع لمختلف المكونات الدينية والقومية والمذهبية، ولا تُبنى على الإلغاء أو الاصطفاء، وإنما على المواطنة الدستورية التي تُعلي من قيمة الإنسان بما هو إنسان، وتُخضع الجميع للقانون وتكفل العدالة في الحقوق والفرص، على نحو ما صاغه جون رولز في مفهوم “العدالة بإنصاف”.
في مقابل ذلك، يضع الرفاعي الهوية الأيديولوجية العقائدية تحت مجهر النقد، بوصفها هوية مغلقة تُقصي الآخر وتستبدل الوطن بالجماعة. فحين يتحوّل الدين أو القومية أو المذهب إلى أيديولوجيا، يصبح الانتماء السياسي انعكاساً للعقيدة، لا للأرض أو المصلحة المشتركة. هذه الهوية، كما يرى الرفاعي، تُنتج وعياً زائفاً بالانتماء، وتشيّد ولاءات موازية للدولة، فيتراجع مفهوم المواطنة أمام العصبية، ويغدو الوطن مجرد مساحة تُستغل لترسيخ سلطة الجماعة.
ويعود الكتاب إلى الجذور التاريخية لهذه الأزمة، فيحلّل الدور الرمزي الذي أدّته الخلافة الإسلامية في تشكيل الوعي السياسي، إذ لم تكن مجرد نظام حكم، بل منظومة رمزية استقرت في اللاشعور الجمعي للمسلمين، فغذّت الخيال السياسي بوهم وحدة تتجاوز حدود الجغرافيا. بعد سقوط الدولة العثمانية، تحوّل فقدان الخلافة إلى جرح نرجسي عميق، أنجب حركات الإسلام السياسي التي جعلت الحكم ركناً من أركان الدين، كما فعل حسن البنّا في تأسيس جماعة الإخوان المسلمين. يرى الرفاعي أن هذا الانزياح من الدين الروحي إلى الدين المؤدلج كان أحد أخطر تحولات الوعي السياسي.
ويتوقف الكتاب عند اضطراب سلّم الانتماءات في التجارب الحديثة، من الشيوعية والقومية إلى الإسلام السياسي، حيث كان الولاء للأيديولوجيا يتقدم على الولاء للوطن. فالمنتمي إلى الحزب الشيوعي كان يوالِي الاتحاد السوفييتي أكثر من بلده، والقومي العربي كان يرى في العروبة السياسية وطناً بديلاً، والإسلامي يجد في الأمة العقائدية بديلاً عن الدولة الوطنية. تلك الاختلالات عمّقت الانقسام وأضعفت فكرة الدولة بوصفها كياناً سياسياً جامعاً للمواطنين جميعاً.
وفي مواجهة هذا الارتباك، يدعو الرفاعي إلى إعادة ترتيب الوعي الوطني وفق تسلسل قيمي واضح: العراقي أولاً، ثم العربي أو الكردي أو التركماني، ثم المسلم أو المسيحي، ثم الانتماء المذهبي. بهذا التدرّج وحده يمكن استعادة الوطن بوصفه الإطار الذي يحتوي التنوّع ويحميه، بعيداً عن كونه ميداناً لصراع الهويات الفرعية.

ثرثرات السياسة تفسد الوعي

د. عبد الجبار الرفاعي

ورد في الفصل الثالث من “فن الحرب” للحكيم الصيني المعروف سون تزو Sun Tzu: “الانتصار في مئة معركة ليس من أسمى مهارات المجد، إنما أسمى مهارة أن تقهر عدوك بلا قتال”. يتغلب وعي السياسي الواقعي حين يدرك أن أعلى مراتب النصر هو الانتصار بلا حرب، وأنه يجب ألا يهدر الفرص، ويغرق في الأوهام، لأن توهم القوة لا يصنع القوة، وتوهم الانتصار لا يصنع الانتصار. السياسة في أصلها فن للعيش المشترك، ومجال عام تتجسد فيه مسؤولية الإنسان عن تنظيم حياته مع الآخرين. عند أرسطو كانت السياسة أرقى صور الأخلاق، لأنها تعنى بسعادة الجماعة لا بمصلحة الفرد وحده. وفي الفكر الحديث صارت السياسة فن إدارة الصراع بالعقل لا بالعنف، وإدارة المصالح بواقعية.

السياسة الواقعية هي علم إدارة المصالح والمصائر المشتركة للمواطنين. السياسة التي تبني الأوطان تستثمر في التنمية، ولا تتورط في الاستثمار في الأيديولوجيات التعبوية، وتتفادى الحروب بكل الوسائل. هذا المعنى الواقعي للسياسة فقد حضوره في الأنظمة الثورية في بلادنا العربية وغيرها، حين تغلبت الثرثرة على التفكير، وصار الكلام في السياسة شغفًا عامًا يمارسه من لا معرفة له بها، فغدت السياسة على ألسنة هؤلاء مثل مرآة مهشمة لا تعكس الواقع بل تشوهه.

يتحدث أكثر الناس في مجتمعنا بالشأن السياسي، وكأنها حفلة للتفاخر اللفظي لا مجالًا للفهم والمسؤولية. بعد ضمور الوعي السياسي صار الحديث في الشأن العام موجة من الأصوات المندفعة التي تملأ المجال العام بضجيج لا ينتج فهمًا ولا يبني وعيًا. أفسدت أصوات المتحدثين غير الخبراء في السياسة المجال العام، ممن يتحدثون بلا وعي سياسي بالواقع، وأجهضت التفكير النقدي، وعطلت القدرة على الإصغاء، وجرى من خلالها استبدال الفكر بالشعارات والضوضاء الصاخبة، والعقل بالمشاعر، وإثارة المكبوتات التاريخية. وسائل التواصل اليوم منحت كل إنسان منبرًا بلا مسؤولية، فصار الحديث السياسي مسرحًا للانفعال والخصام المبتذل، يتكلم فيه الجميع ليعلنوا عن أنفسهم لا ليكشفوا الحقيقة.

صار الحديث في السياسة هواية من لا هواية له، وملاذًا لمن يهرب من مسؤوليته الفكرية والأخلاقية والوطنية، حتى صارت كثرة الكلام مهارة للتعويض عن الفهم الدقيق والعمل. بتضخم هذه الظاهرة، غابت المفاهيم المحورية في السياسة؛ كالدولة والحكومة والسلطة، والوطن والمواطنة، والقانون، والحرية والمسؤولية، والقيم والعدالة والحقوق، وغدت كلمات مستهلكة تستعمل من دون وعي بمعانيها التاريخية والفكرية والسياسية. لم يعد المتكلمون في السياسة يسألون: ما الدولة؟ ما الحكومة؟ ما السلطة؟ ما الدستور؟ ما العدالة والحقوق والقانون؟ ما الحرية والمسؤولية؟ ما الوطن والمواطن والمواطنة؟ لأن السؤال اختبأ تحت ركام الشعارات، وتحول النقاش إلى حلبة للصراخ، والاختلاف إلى خصومة.

كلما ارتفع صخب الثرثرة خفت صوت الفكر، وذبلت السياسة بوصفها فنًا للعيش المشترك، وتحولت إلى حلبة للإثارة والغضب والانقسام والتمزق. بالكلمات والشعارات الساذجة التي تقال في السياسة، يتسع الخرق في نسيج الوعي الجمعي، ويضطرب الرأي العام، وتزداد المسافة بين المواطن ومعنى الوطن، فيغدو الانفعال بديلاً عن الفعل، والصراخ بديلاً عن الحجة، والوهم بديلاً عن المعرفة. مَن لا يملك وعيًا سياسيًا لا يستطيع أن يخدم وطنه بالكلام، لأن السياسة ليست لعبة للكلام بل صناعة للمعنى. الوعي السياسي ليس حفظًا للمواقف ولا تكرارًا للكلمات، إنما هو إدراك للعلاقة بين الإنسان والدولة، بين الحرية والمسؤولية، بين العدالة والكرامة. لا يستقيم القول في السياسة إلا إذا صدر عن عقل يزن الكلمة بميزان القانون والقيم، وقلب يرى في الخلاف طريقًا إلى الفهم لا ساحة للصراع. السياسة من غير وعي سياسي تنقلب إلى عبث يهدر الطاقات، ويزرع الكراهية، ويبدد الأمل في البناء. حين يغيب الوعي السياسي، تصبح الثرثرة بديلاً عن العمل، ويغدو الصمت هو الملاذ هروبًا من هذر الكلام. الصمت هنا ليس انسحابًا من الشأن العام، بل هو إنصات للمعنى قبل النطق به، وتأمل في الكلمة قبل استعمالها.

السياسة لا تبني الوطن بالهذيان، ولا تبني الوعي بالكلام غير المسؤول، بل تتكرس بالمسؤولية، وتترسخ حين يتكلم مَن يفكر بصمت وتريث قبل أن تصدر منه أية كلمة، ويصغي مَن يريد أن يفهم. السياسة فعل وعي وبصيرة، لا ارتجال وانفعال وشعارات طائشة. حين يعاد الاعتبار للوعي السياسي ولفن الإصغاء، تستعيد الكلمة معناها، وتستعيد السياسة وظيفتها الواقعية، ويستعيد الوطن الانتماء إليه الذي يجتثه االتهريج والصراخ والأوهام. السياسة لا تبنى على ضجيج الحناجر، إنما تنبثق من يقظة العقول، ولا تنهض بالأكثر كلامًا، إنما بالأنضج وعيًا. حين يتكلم الإنسان في ما لا يعرف يهرب المعنى، وتفقد الكلمات محتواها المؤثر، ويغدو القول هذرًا ييستنزف الوعي. الثرثرة السياسية من غير خبرة ولا معرفة تشبه مَن يرسم خارطة لبحر لم يره، ولا يعرف عمقه، ولا يدرك تياراته. في زمن طغت فيه الأصوات على الفكر، غدت السياسة ميدانًا لمن لا دراية لهم بها، وصار الجدل السياسي تسلية يومية يمارسها مَن يظن أن السياسة انفعال لا مسؤولية، وكلام لا بناء، وشعار لا وعي.

مادامت السياسة في مضمونها فن لإدارة الحياة المشتركة، وموازنة دقيقة بين شبكات المصالح المتنوعة، وصيغة للعدل تحفظ كرامة المختلفين، فحين تتحول إلى ثرثرات فإنها تعني العجز عن الفهم، ومرآة للغرور تزين الجهل وتخفي الحقيقة. يتحدث بعض السياسيين عن الوطن كأنه غنيمة، ممن لا ينبض في ضميرهم الوطن،  وعن الدولة كأنها إرث خاص، وعن الحرية كأنها صراخ في الهواء، لا التزام ولا وعي بمسؤولية الكلمة. عندئذ يتلاشى المعنى، وتغدو الألفاظ والشعارات أداة للهدم لا أفقًا للبناء.

في هذا الفضاء يعاد انتاج الأمية السياسية، ويتكلم السياسيون كثيرًا من غير أن يعرفوا قليلًا، ويظنون أن تكرار الكلمات وصخب الشعارات علامة نضج، فيما هو وجه آخر للفراغ. الأمية السياسية ليست جهلًا بالنظريات ولا نقصًا في الثقافة العامة، إنما هي فقدان الحس بالواقع، وضعف البصيرة بالمصالح العليا، والعيش في انفعال دائم يستنزف العقل، ويقود إلى نزاعات لا تهدأ. الذين يثرثرون في السياسة من غير وعي يطفئون نور الفهم في العقول، ويشوشون على الناس إدراكهم لما يجري، فيختلط الوهم بالحقيقة، والعاطفة بالحجة، والشك بالمعرفة، وينشأ من ذلك ضجيج لا يفتح طريقًا للوعي ولا يخلق ادراكًا للواقع وشدة تعقيده. كلما ارتفع صوت الثرثرة انحسر صوت الفكر، وصارت السياسة وسيلة للخصومة والاحتراب، وغاب حضورها بوصفها فنًا لإدارة المصالح والمصائر المشتركة.

السياسة لا تستقيم إلا إذا كانت فعل وعي واقعي يربط الكلمة بالمسؤولية، والفعل بالقيمة، ويستمد منطقه من المعرفة لا من الانفعال. لا تصلح السياسة حين تمارس كعرض مبتذل في منابر الفضائيات والتواصل، أو كصراع في ساحات الغضب والانفعال. الوطن لا يبنى بالصراخ، إنما بالعقل الهادئ والضمير الوطني اليقظ، وتقديم الولاء للوطن على الولاء للعشيرة والطائفة. الوعي السياسي ليس تكديس معلومات غير دقيقة عن الأحزاب والزعامات، إنما هو إدراك للعلاقة بين الإنسان والمجتمع، بين الحرية والعدل، بين المصلحة والوطن والمواطن.

حين يغيب الوعي السياسي تستنزف السياسة في جعجعة الألفاظ، ويتحول النقاش إلى سوق للمزايدات، وتغدو الكلمة صدى بلا أثر. في تلك الحالة، يكون الصمت أصدق من الادعاء، والإنصات أعمق من الكلامة. السياسة تحتاج إلى عقل حاذق واقعي، يرى في الاختلاف طريقًا إلى الفهم لا ميدانًا للعداء، وتحتاج إلى إنسانٍ يدرك أن إصلاح العالم لا يتم بالنوايا وحدها، بل بالفكر الذي يضيء الطريق، وبالضمير الذي يصغي إلى نداء استغاثة المعذبين والضحايا في الوطن. السياسة عمل إنساني قبل أن تكون خطابًا أيديولوجيًا، ووعي بالإنسان قبل أن تكون صراعًا على السلطة والثروة. حين يستعيد الإنسان هذا المعنى، تستعيد السياسة وظيفتها، وتستعيد الكلمة حرارتها، ويستأنف الوطن حضوره في ضمير المواطن.

https://alsabaah.iq/124095-.html

 

الهوية والمواطنة

د. عبد السلام فاروق[1]

لا يفتأ الجدل حول الهوية يشتد في عالمنا العربي، حتى ليخيل إلينا أننا أمام معضلة وجودية تهدد كياناتنا الوطنية الناشئة. وفي كتابه “الهوية في شِراك الأيديولوجيا”، الصادر مؤخرا، يقدم الدكتور عبد الجبار الرفاعي رؤية نقدية عميقة لهذه الإشكالية، منطلقاً من واقع العراق بوصفه نموذجاً لحالة مجتمعية زاخرة بالتنوع والتحديات.

يبدأ الرفاعي من مسلمة أساسية: الانتماء إلى العراق شرف وطني. لكنه لا يقتصر على هذه العبارة الإنشائية، إنما يغوص في أعماق التاريخ ليستخرج جذور هذه الهوية المتشابكة. إنه يذكرنا بأن أرض الرافدين لم تكن فقط مهداً للحضارات السومرية والبابلية والآشورية، بل كانت أيضاً منارة للحضارة الإسلامية في عصورها الزاهية. وهذا التراكم الحضاري ليس تراثاً من الماضي فحسب، إنه كائن حي ينبض في حاضرنا. وهنا تكمن عبقرية الرفاعي في تجاوزه للرؤية الأحادية للهوية. فهو لا ينكر الهويات الفرعية، لكنه يراها منبعاً للثراء والحيوية المجتمعية. فالهويات المتعددة – الدينية والمذهبية واللغوية – تبدأ بالتكون مع ولادة الإنسان، وتنمو في البيئة التي ينشأ فيها. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول هذه الهويات من عناصر إثراء إلى أدوات صراع.

 معادلة المواطنة

يطرح الرفاعي معادلة دقيقة: الهوية الوطنية يجب أن تكون الإطار الجامع، تتفرع منه الهويات القومية والدينية والمذهبية، دون أن تطغى عليه. وهنا نجد أنفسنا أمام سؤال محوري: كيف نوفق بين الانتماءات المتعددة دون أن نفقد الإحساس بالانتماء الوطني الجامع؟

إن انقلاب هذه المعادلة – بتقديم المذهب أو الديانة أو القومية على الوطن – هو الذي يجهض الوحدة المجتمعية، ويمنع إقامة الدولة الحديثة. فالدولة الوطنية هي فضاء سياسي وقانوني وأخلاقي يتسع للتنوع ويعترف بحق المواطن في أن يكون مختلفاً.

يذهب الرفاعي إلى جوهر المشكلة حين يؤكد أن معنى المواطنة لا يتحقق إلا بتحقيق معنى المواطن. والمواطن الحقيقي هو الذي يتمتع بالحقوق ذاتها التي يتمتع بها غيره، ويطالب بالمسئوليات ذاتها. أما عندما تفرض عليه المسئوليات دون أن يمنح الحقوق الكاملة، لأن انتماءه الديني أو المذهبي أو القومي يعتبر “أدنى” من غيره، فإن معنى المواطنة ينهار.

هنا نجد أنفسنا أمام مفارقة خطيرة: كيف يمكن بناء دولة المواطنة في مجتمعات تتنازعها هويات متصارعة؟ الجواب يكمن في أن الهوية الوطنية يجب أن تكون هي النصاب، لا الهوية العرقية أو المذهبية أو الدينية. فحين تكون الهوية الوطنية هي الأساس، تصبح ضامناً للعيش المشترك وشرطاً للتعايش السلمي.

يقدم الرفاعي تحليلاً دقيقاً لواقع العراق عندما يحذر من تحول الوطن إلى “غنيمة يتقاسمها المنتصرون”. هذه العبارة تختزل مأساة العديد من المجتمعات العربية، حيث تتحول الدولة إلى غنيمة للجماعة الغالبة، ويستبعد منها من لا يشاركها انتماءها.

إن تحويل الوطن من غنيمة إلى ملك مشترك يتطلب ثورة في التفكير والوعي. فالدولة الحديثة ليست ملكاً للغالبية، هي بيت للجميع. والمواطنة لا تعني الانصهار في بوتقة واحدة، بل الاعتراف بالتنوع واحترام الاختلاف.

إن تحديات بناء الهوية الوطنية في مجتمعاتنا العربية لا تحل بالإنكار أو بالقمع، بل بالاعتراف الواعي بالتنوع، وبناء مؤسسات تضمن المساواة الكاملة بين المواطنين. كما يقول الرفاعي، فتنوع الهويات مصدر قوة لا ضعف، لكن هذه القوة لا تتحقق إلا في ظل دولة المواطنة التي تحترم حقوق الإنسان وتضمن المساواة بين جميع أبنائها.

الهوية الوطنية كائن حي يتطور ويتجدد. وهي ليست نقيضاً للهويات الأخرى، إنها الإطار الذي يحتضنها جميعاً. وبناء هذه الهوية يتطلب جهداً فكرياً وأخلاقياً وسياسياً، يبدأ بالاعتراف بإنسانيتنا المشتركة، وينتهي ببناء وطن للجميع. فهل نستطيع أن نتحول من ثقافة الغنيمة إلى ثقافة الوطن المشترك؟ هذا هو التحدي الحقيقي الذي تواجهه مجتمعاتنا العربية في راهنها ومستقبلها.

الأيديولوجيا وسياسات الهيمنة

تمثل الهوية في عالمنا العربي حقل ألغام، لا تكمن خطورته فقط في تناقضاتها الداخلية، إنما في كيفية توظيفها سياسيًا وأيديولوجيًا. فالهوية لم تعد مجرد انتماء طبيعي، فقد باتت أداة في صراع القوى وتنافس النخب. في هذا السياق، يبرز ما يمكن تسميته “صناعة الهوية” – وهي عملية تحويل الانتماءات العفوية إلى مشاريع سياسية. فالنخب الحاكمة تارة، والمعارضة تارة أخرى، تستخدم ورقة الهوية كأداة للاستقطاب والحشد. وهنا تتحول الهوية من كونها تعبيرًا عن الذات إلى أداة للهيمنة.

المواطنة المشروطة

أحد أخطر إشكالياتنا العربية هي تحول المواطنة من حق مكفول إلى امتياز مشروط. ففي العديد من مجتمعاتنا، تمنح المواطنة الكاملة فقط لمن ينتمون للجماعة المسيطرة – سواء كانت عرقية أو مذهبية أو قبلية. أما الآخرون، فيتحولون إلى مواطنين من الدرجة الثانية، يحملون كل الواجبات ولا يتمتعون بكل الحقوق.

هذه “المواطنة المشروطة” تخلق نظامًا طبقياً سياسياً، حيث يتحدد مركز الفرد في الدولة ليس بناء على كفاءته أو إنسانيته، بل بناء على انتمائه العرقي. وهذا بدوره يخلق دوامة من الاستياء والاحتقان، تنتظر فقط شرارة صغيرة لتنفجر.

الدولة الوطنية بين الماضي والمستقبل

تواجه الدولة الوطنية العربية تحدياً وجودياً من اتجاهين: من فوقها بواسطة العولمة والتدخلات الخارجية، ومن تحتها بواسطة الهويات ما دون الوطنية. وفي مواجهة هذه التحديات، تظهر استجابات مختلفة:

– نموذج القمع: محاولة كبت الهويات الفرعية بالقوة

– نموذج الاستيعاب: محاولة إذابة الهويات الفرعية في بوتقة واحدة

– نموذج التعددية: الاعتراف بالتنوع في إطار المواطنة المتساوية

والتجربة التاريخية تثبت أن النموذجين الأولين طريق للفشل، بينما النموذج الثالث – رغم صعوبته – هو الوحيد القادر على بناء سلام اجتماعي دائم.

 الثنائية المنسية

قلما يناقش العلاقة بين إشكالية الهوية ومشاريع التنمية. فالمجتمعات المنقسمة عرقيا لا تنجح في بناء اقتصاد قوي. والسبب بسيط: الطاقة التي يجب أن توجه للبناء والإنتاج، تستهلك في الصراع وتنافس الهويات. كما أن غياب المساواة يخلق بيئة طاردة للكفاءات، ومعيقة للإبداع، ومضيعة للطاقات. فكيف يمكن لمجتمع أن ينهض، وهو يستثني أجزاء مهمة من طاقاته البشرية فقط بسبب انتماءاتها؟

 من منطق الغنيمة إلى منطق الشراكة

إن تحول الوطن من “غنيمة” للجماعة الغالبة إلى “شركة” بين جميع مواطنيه، هو التحدي الأكبر الذي نواجهه. وهذا التحول يتطلب ثورة في الوعي، وإصلاحاً في المؤسسات، وتجديداً في الخطاب. فالهوية هي خيار نصنعه يومياً. وبناء وطن للجميع ليس حلماً، إنه ضرورة وجودية لمستقبل أفضل. والسؤال الذي يظل معلقاً: هل نملك الشجاعة الكافية لاختيار المستقبل على الماضي، والوطن على القبيلة، والإنسان على الانتماء الضيق؟

[1] كاتب مصري.

https://almothaqaf.org/readings-2/984331