لا تكتسب النبوة مقامَها السامي من الأحلام

مناقشة “الرؤى الرسولية” للدكتور عبد الكريم سروش

 

د. عبد الجبار الرفاعي

لكلٍّ من العلم والفن والغيب حقيقةٌ على شاكلته، يمكن التعرّفُ على هذه الحقيقة في فضائها الخاص. للغيبِ حقيقتُه ومظاهرُه وفضاؤه، مثلما للعلم حقيقتُه وفضاؤه وقوانينه، وهكذا للفن حقيقتُه وفضاؤه. التعرّفُ على الغيبِ في القرآن الكريم يكونُ من خلال ما تتحدّث به آياتُه. لا يخضع الغيبُ في اكتشافِ ذاتِه ومعرفةِ حقيقته للعلمِ ومناهجِه المعروفة، وإن كانت العلومُ هي الأداة الأساسية في التعرّف على تأثير الغيب في الواقع ودراسةِ تعبيراته في الحياة الفردية والمجتمعية.

يمكن اعتمادُ مناهج البحث العلمي في دراسة كلِّ شيء ينتمي للطبيعةِ في القرآن، ومن العبثِ تطبيقُ هذه المناهج في اكتشاف ذات الحقائق الميتافيزيقية وما هو خارج الطبيعة. الوحي بوصفه حقيقةً غيبية ينتمي إلى ما بعد الطبيعة، لذلك لا يصحّ تطبيقُ مناهجِ وأدوات علمِ النفس وغيرِه من العلوم في الكشفِ عن ذات الغيب وتحليلِ مضمونه ومعرفةِ حقيقته. عندما تحاول نظرياتُ علم النفس أن تفسِّر الوحيَ فإن أولَ ما تبدأ به هو نزعُ مضمونه الغيبي، والنظرُ إليه على أنّه حالةٌ سيكولوجية يعيشها النبي. أخفقتْ محاولاتُ اكتشاف الغيب بوسائل العلوم المعروفة، وأدخلت الإنسانَ في متاهات تبدأ بالإنكار وتنتهي بالإنكار، كمَن يحاول معرفةَ ذاتِ الله وكنهَه بأدوات العلوم ومناهجها المعروفة. الآياتُ القرآنية تتحدّث عن الغيبيات بلغةٍ رمزية، تستعين أحيانًا بالمحسوسات بغيةَ تقريب ما لا صورةَ له بصور المادي وخصائصه وصفاته. الصورُ المحسوسة يدركها الإنسانُ عبر الحواس، إلا أنه لا يعرف حقائقَ الغيبيات وذواتَها، وإن كان يمكن تقريبُها للذهن عبر التمثيل بالأشياء المادية.

الوحي طورٌ وجودي استثنائي للإنسان، يتسعُ فيه وجودُ النبي ويتكاملُ عبر صلته بالله. ليس الوحي استنارةً ذاتية مقطوعة الصلة بالله، أو صورًا ذهنية مجردة، أو نشاطًا للمخيلة، أو ظاهرةً بيولوجية نشأت عن نشاط هرموني، أو تساميًا للروح من دون صلة بالله.                                                                                                                                    في ضوء ما تقدّم يمكن مناقشةُ رأي الدكتور عبد الكريم سروش في: “الرؤى الرسولية”، الذي يذهب فيه إلى أن ما جاء من مشاهد للقيامةِ في القرآن الكريم وقصصِ الأنبياء وغيرِها لم يكن النبيُّ محمد “ص” فيها ناقلًا لأخبار تلقاها، بل كانت أحلامًا ورؤىً وقعتْ له وشاهدها مباشرةً بنفسه في منامه، يتحدّثُ النبيُّ في القرآن عن مشاهداته ولا يروي عن غيره. يتساءل سروشُ عن المناظرِ والمشاهداتِ المتنوعةِ الواردةِ في آيات القرآن: “‏أين وقعت تلك المناظر والمشاهدات؟” ويجيب بقوله: “‏وقعت في الرؤيا”[1]. وأن ما ورد في القرآن على لسان النبي من مشاهد للجنة والنار والقيامة ‏ويوم الحساب، وما وقع من حوادث للأنبياء، مثل انشقاق البحر لموسى وغيرها، رآها النبيُّ في أحلامه، ‏وتحدّثَ عنها ووصفها كما رآها. يقول سروش: “هو رآها بنفسه وعينه. كان ناظرًا وراويًا لتلك المناظر، رأى أهلَ الجنة يتنازعون الشراب، ورأى أهلَ النار تسلخ جلودهم كلما نضجت”[2].

‏ ينبّهُ الدكتورُ عبد الكريم سروش إلى أن لغةَ الأدب وما فيها من مجازاتٍ وكناياتٍ واستعاراتٍ وتشبيهات غيرُ لغةِ الأحلام. لغةُ الأحلام تتحدّثُ عن مشاهدات مباشرة، مَنْ يرى الرؤيا يشاهدُ الحدثَ ويصف ما رآه، ويصوّر المواقفَ والأحداثَ والوقائع كما شاهدها هو. وذلك يعني أنه لا يتحدثُ لغةَ المجازات والاستعارات والكنايات والتشبيهات. يقول سروش: “‏لغة الأحلام لا تحتوي على المجازات والاستعارات والكنايات، بمعنى أن التصورات التي يراها الحالم في منامه لا تحمل إلا على معانيها الحقيقية، وليست بحاجة إلى مراجعة القواميس اللغوية للوقوف على معاني الألفاظ ودلالتها. ولعل مفسري الأحلام هم القادرون على فهم دلالتها… لغة الأحلام تختلف عن لغة الأدب”[3]. الأحلامُ غيرُ منتظمةٍ في سياقٍ منطقي، ‏ولا تكون بالضرورة محكومةً بنظام السببية المعروف، ولا تنطبق عليها دائمًا قوانينُ الطبيعة المكتشفة. كثيرًا ما ‏يرى الإنسانُ الأحلامَ مشتتة خارجَ إطار التراتبية المعروفة للحوادث ‏في الواقع الذي يعيشه. ‏يقول سروش: “‏لابد من الإذعان إلى أن تلك الفوضوية ليست من فعل الأعداء ولا غفلة الجامعين، ولا هي دون علم صاحب الوحي، وإنما راوي السور المبتنية على الرموز والرؤى غالبًا ما يفتقر إلى المنطق والتسلسل فيفقد الانسجام والانتظام. هذا هو أدب المنام، ولا وجود لليقظة فيه”[4]. ‏وقد يختلط الواقعُ بالأحلام بالخيال، ففي “حديث النبي عن حروب زمانه ‏خلطَ بين الواقع والخيال، حيث ينقل خبرَ نزول آلاف الملائكة لنصرة المؤمنين”[5]. في سياق مناقشة رأي العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان ‏بكون “المراد من السماء التي تسكنها الملائكة عالمًا ملكوتيًّا، ذا أفق أعلى نسبة إلى هذا العالم المشهود”، يجيب سروش بقوله: “‏ولو تنبّه صاحبُ الميزان إلى أن رمي الشياطين بالشهب كان في عالم الرؤيا لما احتاج إلى كل تلك التأويلات، ولذهب إلى خبير في الأحلام والأنثربولوجيا يدله على معنى أن شخصًا في تاريخ وجغرافية الحجاز ومن ثقافة تلك الحقبة، يرى في المنام أن الشياطين تقذف الشهب”[6]. هذا ملخص شديد لما أفاده الدكتور عبد الكريم سروش في “الرؤى الرسولية”.

‏   النبيُّ محمد وغيره من الأنبياء يعيشُون وفقًا لطبيعتهم الإنسانية،كما يعيشُ أيُّ إنسان يحتاجُ أن يتنفسَ الهواء، ويشربَ الماء، ويأكلَ الطعام، وغيرها من الاحتياجات. النبيُّ إنسانٌ يفرحُ ويحزن، يبكي ويضحك، يتألمُ ويرتاح، يشبعُ ويجوع، يصحو ويمرض، يستيقظُ وينام ويرى الرؤيا في المنام. ‏النقاشُ مع الدكتور عبد الكريم سروش ليس في مقام رؤية النبي للرؤيا في منامه، النقاشُ في كيفية تفسيره للوحي وما ورد في القرآن من مشاهدَ القيامة، والقصصِ النبوي، وغيرها، بوصفها أحلامًا شاهدها النبي الكريم في منامه.

‏إن كان الإنسانُ لا يبلغ مرتبةَ النبوة إلا إذا تسامت كينونتُه الوجودية وتحقّق بكمالٍ استثنائي يؤهله لهذا المقام الإلهي، فلا يمكن أن تكون الرؤى في المنام وسيلةً لتكاملِه وبناءِ استعدادِه الوجودي لمقامٍ يؤهله لتحمل الوحي وتلقِّيه. النبوة مقامٌ لا يناله كلُّ إنسان، المرتبة الوجودية للنبوة تتحقّقُ باستعدادٍ وتأهيلٍ بشري واصطفاءٍ إلهي. لم تعرف التربيةُ إعدادَ إنسان وتأهيلَه لأيةِ مهمةٍ حياتية عبر الأحلام، فكيف يمكن افتراضُ إعداد إنسانٍ تُناط به وظيفةٌ إلهية استثنائية، ويصطفيه اللهُ ويوكل إليه أداءَ مهمةٍ عظمى في الحياة، ويؤهله لتحمّل رسالته من خلال أحلامٍ يراها في المنام. الإنسانُ العادي لا يمكن إعدادُه لتحمِّل أية مسؤولية باعتماد الأحلام، فكيف إذا كانت مسؤوليةُ هذا الإنسان إلهيةً وهي أكبرُ من كلِّ مسؤولية، ووظيفتُه أعظمُ من كلِّ وظيفة. وكيف إن أناطَ اللهُ بهذا الإنسان بناءَ أسس التوحيد في مجتمعٍ مُشرِك، وتحمّلَ رسالةَ الله الخاتمة للعالمين. إنها وظيفةٌ لم يكن بإمكانه إنجازُها إلا بعد أن يتحقّقَ بطورٍ وجودي أوسع وأعمق وأغنى وأسمى.

‏   لا تكتسبُ النبوةُ مقامَها السامي من الأحلام، ولا يمكن أن يكتسبَ إنسانٌ إمكاناته الوجودية وقدرته على تحمّل الرسالة الإلهية من المنام. ‏يلزمُ من القول بالأحلام النبوية ‏أن تكونَ مهمةُ النبي في إبلاغِ الرسالة وتلقيها أهونَ من مهمة رجل العلم والسياسة والعسكر والتجارة وأمثالهم، لأن إعدادَ هؤلاء لا يمكن أن يعتمد على الأحلام. يكونُ إعدادُ الإنسان للمهمات الكبيرة من خلالِ برامجَ تربوية وتعليمية، وتراكمِ خبرات عملية تتطلب المواظبةُ عليها إنفاقَ سنوات عديدة من أعمارهم من أجل التأهيل لمثل هذه المهمات، مضافًا إلى توفر مواهب ومؤهلات ذاتية تمكّنهم من التصدي لها.

‏   ‏يمكن تشبيهُ النبوة بحالةِ استضافة الغيب للإنسان واستضافةِ الإنسان للغيب. ‏هذا المستوى الفريد من الضيافة، الذي يكون المُضيّفُ فيه اللهَ والضيفُ النبي، لا يمكن أن تتوفر الإمكانات الوجودية لتنفيذه بكفاءة تتناسب معه عبر رؤى في المنام. الوحيُ ليس شعورًا نفسانيًّا باطنيًّا، وليس حوارًا صامتًا تستبطنه الذات،كي نتعرفَ على حقيقته بقراءةِ مدرسةِ التحليل النفسي للأحلام ونظرياتِ علماء النفس وعلوم الإنسان والمجتمع الحديثة. الوحيُ حقيقةٌ من حقائق الغيب، ‏هذه الحقيقةُ ينكشفُ فيها الإلهيُّ للبشري، ويتجلّى فيها للإنسانِ ما هو إلهي. شهودُ ‏الإنسان للإلهي لا يتحقّقُ إلا إذا تكامل الإنسانُ في طورٍ وجودي يفتقر إليه غيرُه من البشر؛ ‏ذلك ما يؤهله لأن يكون نبيًّا. تظهر تمثُّلاتُ الوحي وآثارُه في لغة وثقافة وتقاليد ومواقف الإنسان ‏فردًا وجماعة، وهذه الآثار تُدرسها العلوم والمعارف البشرية المتنوعة كما تُدرس غيرُها من الظواهر في حياة الإنسان، لكن لا يمكن أن ندرس البُعدَ الغيبي في الوحي بأدوات هذه العلوم والمعارف.

‏تنتمي النبوةُ لذلك الميتافيزيقي الغيبي الذي لا صورةَ له، ولا يمكنُ فهمُه وإدراكُ حقيقتِه بمناهج وأدواتِ العلم. النبوة ذاتُ طابعٍ وحياني، الوحيُ حالةٌ وجودية بالمعنى الأنطولوجي للوجود وليس بالمعنى المادي للموجود، تتحقّق هذه الحالةُ الأنطولوجية عندما تتكامل الكينونةُ الوجوديةُ للإنسان، الإنسان المؤهل وجوديًّا للنبوة هو الوحيد الذي يتلقَّى الوحي. مَنْ يرى النبيَّ كالشاعر والمبدع والمخترع، ويفسِّر مقامَ النبوة كالشعر والإبداع والاختراع لا يرى النبوةَ مقامًا وجوديًّا استثنائيًا للإنسان. الشاعرُ إنسانٌ موهوب يتميزُ بقدرته على الإبداع، مرتبةُ الشاعر الوجودية وهكذا مرتبة الرسّام والمخترع هي مرتبةُ غيرهم من الناس. النبيُّ مثلُ غيره من الناس في حياته ومعاشه وطبيعته البشرية، إلا أن مرتبتَه الوجودية ارتقت فاصطفاه اللهُ للنبوة.

الوحيُ صلةٌ وجودية بين عالَم الغيب وعالَم الشهادة تصيّر ‏النبيَّ شاهدًا للغيب. إنها نحو ظهور للإلهي يتجلّى على مرآة البشري، وإن كان النبيُّ بوصفه بشرًا يلبث على انتمائِه لعالمنا، ولا يفتقد بصلتِه بالغيب كونَه إنسانًا يعيش في الأرض. النبيُّ من جهة الوحي يشهدُ عالمَ الغيب، وبوصفه بشرًا يحتفظُ بحضورِه في عالم الشهادة، أي يحتفظ بطبيعته التي يشتركُ فيها مع الكلِّ وتنعكس فيها بشريتُه. ما هو مرآة عالَم الغيب الوحيُ الإلهي، ‏وما يعكسُ عالم الشهادة الطبيعةُ البشرية، ‏وهذا ما ينكشفُ بوضوحٍ في القرآن: “قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَىَّ”[7].

‏ لا يمتلك كلُّ إنسان إمكاناتِ وجودٍ تمكّنه من شهود الغيب، ‏الإنسانُ الذي ينكشفُ له الغيبُ يحدثُ تكاملٌ في ‏كينونته الوجودية، بنحوٍ يسافر صعودًا ليبلغ مرتبةً يتجلى له الإلهي. يحدثُ لدى النبي تحولٌ أنطولوجي في كيفيةِ وجوده، بالشكل الذي يتّسعُ وجودُه فيتجلى له الحقّ. ‏الإنسانُ الذي يتحقّقُ ‏له هذا الطورُ ‏يصل مقامًا وجوديًّا لا يناله غيرُه من الناس، يكتسبُ وجودُه في هذا المقام غناه بإمكانات إضافية تجعله قادرًا على شهود الغيب. عندما يتحقّقُ الإنسانُ بهذا الطور الوجودي يكون مؤهَّلًا لمقام النبوة، وكلّما اتسع وجودُ الإنسان وكانت مرتبتُه أكملَ اتسعت تبعًا لذلك نبوتُه وصارت رسالتُه بسعة إمكانات وجودِه. يواصل النبي سفرهَ الوجودي ما دام حيًّا، فوقَ كلِّ مرتبةِ كمالٍ ‏للإنسانِ مراتبُ أكملُ منها، ‏وهو ما تشير إليه الآية: “وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا”[8]. ومهما بلغت مرتبتُه يظلُ ‏النبيُّ إنسانًا لا يفارقُ طبيعتَه البشرية.

لا طريقَ للتعرّف على الوحي بوصفه ينتمي إلى عالَم الغيب إلا أن نستنطقَ القرآن، في القرآن الوحيُ يتحدثُ عن الوحي، القرآنُ يحدّدُ نوعَ المعنى الذي تنطقُه لغةُ الغيب. عندما نقرأه نرى عدةَ آياتٍ تضيء مضمونَ الوحي، مثل الآية: “إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا”[9]. القولُ الثقيلُ توصيفٌ يرمز لحقيقةٍ تنتمي إلى عالم الغيب،كلُّ شيءٍ ميزانُه بحسبه وكيفيتُه على شاكلته، “القولُ” هنا ليس ألفاظًا منطوقةً تشبه الألفاظَ المستعملة في اللغات، “الثقيلُ” ليس كميةً يمكنُ أن توزنَ بالمقاييس المادية، ونكتشفَ كيفيتَها بأدوات مادية. ‏تشيرُ الآيةُ إلى أن الوحيَ لا يتحقّق إلا إذا تحقّق طورٌ وجودي للإنسان يؤهله لتحمّل “القول الثقيل” الذي لا يطيقه وجودُ غيره. وصفُ الوحي بـ “القول الثقيل” يتطلبُ سعةً وجودية استثنائية لا يمتلكُها الإنسانُ العادي، أي أن المهمةَ التي يقوم بها النبيُّ مهمةٌ فريدة، لا يطيقها أيُّ إنسان ما لم يتكامل فيصل تلك السعة الوجودية.

آيةٌ قرآنية أخرى تشيرُ إلى أن النبيَّ اختصّه اللهُ بقربٍ لم يختصّ به أحدًا سواه: “ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى”[10]، القربُ أو البُعد في عالَم الغيب ليس إلغاءَ المسافة المكانية. القربُ أو البُعد في الغيب يشاكلُ الغيب. القربُ هنا مقامٌ وجودي يبلغُه الإنسان، إنه تعبيرٌ عن قدراتِ وجودٍ إضافية تمكّن النبيَّ من الاتصال بوجود الله المستغني عن كلِّ وجودٍ سواه.

أما قولُه تعالى: “وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ”[11]، فيصوّر القرآنُ مشهدًا تهتزّ أمامه المشاعرُ. في الآية كنايةٌ عن التجلّي الوجودي للحقّ، وكيف تهشّم الجبلُ وانهار فجأة، تجلّي الله للجبل مشهدٌ أصاب موسى بالذهول وسقط مغشيًّا عليه.

نحتاجُ إلى إعادةِ تعريف الوحي وبيانِ صلته بالغيب بوضوح، وهكذا إعادة تعريف النبوة وبيان الطبيعة البشرية للنبي، ليتضحَ ما ينتمي لعالَم الغيب في النبوة، وما ينتمي للطبيعة البشرية. التعريفُ يدلنا على حدودِ المعرَّف ومجاله، وحقلِ اشتغال أدوات العلوم والمعارف البشرية في المجال الذي ينتمي للطبيعة البشرية، ويدلنا على ما هو خارج حقل اشتغال تلك الأدوات في المجال الذي ينتمي لعالَم الغيب.

الطبيعةُ تخضعُ لقوانين تتحكمُ بأسباب ونتائج الظواهر فيها، سيادةُ الإنسان على الطبيعة تتسعُ باتساع اكتشافاتِه لقوانينها وظفره بوسائل استثمارها. ما وراء الطبيعة لا يخضعُ لقوانين الطبيعة، ولا سبيلَ إلى فهمِه بأدواتها واكتشافِ آفاقه في ضوئها. القرآنُ يتحدّثُ عن الغيب وما وراء الطبيعة أكثر مما يتحدّث عن الطبيعة، ليس من العلمِ تجاهلُ ما وراء الطبيعة في القرآن، أو تأويلُ لغة الغيب وآياته تأويلًا يخضعها لمناهج وأدوات العلوم التي تدرس الطبيعةَ وظواهرَها وقوانينَها وما فيها من كائنات وأشياء. الإصغاء لنداء الوحي هو النافذة الوحيدة للإطلالة على الغيب واكتشاف آفاقه.

كلُّ لغة تتحدثُ عن الغيبِ لا تتحدثُ بلغة العلم، لغةُ الغيب ترسمُ صورةً مألوفة لتقريب ما لا صورةَ له إلى ذهن الإنسان. عالمُ الغيب عالمُ الأسرار، الأنطولوجيا الميتافيزيقية في القرآن فضاءٌ لعالَم الأسرار. في لغة القرآن يمكن تمييزُ نوعين من الدلالات، دلالاتُ آياتٍ تتحدّثُ عن الغيب، لغتُها تمثيلٌ ومجازات وكنايات واستعارات وتشبيهات ورموز تشيرُ لحقيقةٍ لا مرئية ولا محسوسة ولا صورة لها، ودلالاتُ آياتٍ لغتُها تتحدّثُ عن الإنسانِ والكائنات والأشياء والقوانين في الطبيعة، هذه اللغةُ تتبادر لنا دلالاتُها الظاهرة، ونتعرفُ على معاني كلماتها عبر الاستعمال، وفي معاجمِ اللغة، وما تكشفُه العلومُ المتنوعة من عناصرها وتركيباتها وخصائها وآثارها. تنطقُ لغاتُ الأرض بدلالات يرسمُ خارطتَها ويحددُ مجالَها المحيط الذي يعيشُ فيه الإنسانُ، وليس بوسع اللغة أن تطلَّ على ما هو خارج مديات محيطه إلا بتمثيل ومجاز وتشبيه وكناية واستعارة تشير إلى ما وراء المادة. الكلمةُ تبوحُ بالمعنى الذي تتسعُ له، الكلمةُ لا تتسعُ إلا للمعاني المتداولة في موطن ولادتها وفضاء تشكّل دلالتها، يقول فتغنشتاين: “إن حدودَ لغتي تعني حدودَ عالمي”.

للغيب مفاتيحُه الخاصةُ وللطبيعة مفاتيحُها الأخرى، مَنْ يؤمنُ بالغيب يعرفُ أن مفاتيحَ الغيب وما وراء الطبيعة مستودعةٌ في القرآن. من مفارقاتِ كتاب “الرؤى الرسولية” لعبد الكريم سروش ما يظهرُ من تضادٍ بين ما يدللُ بشكلٍ لافت على ايمانه بالله والغيب والوحي والنبوة في مختلف محاضراته وكتاباته، وبينَ تفسيرِه للوحي والنبوة ومشاهد القيامة والقصص في القرآن الكريم في كتابه هذا. مفارقةٌ أخرى في “الرؤى الرسولية” وأشباهها من كتاباته ومحاضراته تتمثلُ في ضيق مرجعية القرآن، وتسيّدِ مثنوي جلال الدين الرومي وحضورِه الطاغي في تفكيره وتعبيره، واتخاذِه أساسًا في تفسير القرآن وتأويل عالم الغيب فيه. جلال الدين الرومي يبتكرُ لغتَه المكتنزة بالمعنى، وهي تتميزُ بالجمال والسهولة في التعبير عن المعاني بحكايات واستعارات وكنايات وأمثال متنوعة، غير أن لغتَه لا تؤسس قواعدَ عامة أو ترسمَ خرائط يمكنُ اعتمادها لفهم الوحي والغيب في القرآن. عندما يتخذُ سروش أبياتَ شعر المثنوي أساسًا لفهم الغيب ويعتمدها في استنطاق آياتِ القرآن فليس بالضرورة أن يهتديَ للطريق الذي تنكشفُ له فيه آفاقُ الغيب. مفتاحُ فهم الغيب في القرآن ما تقوله آياتُه، والمرجعيةُ في تفسير الغيب ما تشي به دلالاتُها. جلال الدين الرومي والعرفاء يفسّرون القرآنَ في ضوء بصيرتهم أحيانًا، حتى لو كانت بصيرتُهم حاذقة إلا أنها قد تشطح. الطريقُ لتفسير القرآن أن نستنطقَ آياتِه بآياتِه لاكتشاف ما ورد فيها من ملامح للغيب. بوسعنا أن نستضيء باستبصارات العرفاء وبما يقوله المفسّرون غير أنها تظل اجتهاداتٍ بشرية، وكلُّ اجتهاد عرضةً للخطأ.

في الوحي بُعدان، بُعدٌ إلهيٌّ وآخرُ بشري، لا يمكنُ دراسةُ البُعد الإلهي الغيبي في الوحي في ضوءِ المناهج العلمية المعروفة لدراسةِ الطبيعة ومَنْ يعيشُ فيها. النبيُّ لا يفقدُ بشريتَه عندما يتلقى الوحيَّ، يمكنُ دراسة البُعدِ البشري في شخصية النبي وحياته الخاصة والاجتماعية والواقع الذي كان يعيشُ فيه في ضوء المعطيات العلمية. إنكارُ البُعد الغيبي في النبوة هو ما يفعله المُنكِر للوحي الإلهي، وإنكار البُعد البشري في شخصية النبي هو ما يفعله الغلاةُ وبعضُ المتكلمين القدماء. محمدٌ نبيٌّ مبعوثٌ برسالة إلهية يُوحى إليه، إنه إنسانٌ يعيشُ حياتَه البشرية كما يعيشُ الناسُ. ‏محمدٌ رسولُ الله “يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ”[12]، ويفرح ويحزن، ويبكي ويضحك، ويتألم وينشرح. محمدٌ إنسانٌ يمتلكُ بصيرةً نورانية، وعبقريةً فذة، ومشاعرَ نبيلة، وخُلُق عظيم: “وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ”[13]. محمدٌ إنسانٌ تجذّرت في ذاته الرحمةُ الإلهية بوصفها ضميرَ النبوة.

[1] سروش، ‏عبد الكريم، كلام محمد رؤى محمد، ترجمة: أحمد الكناني، ص 82، 2021، دار أبكالو، بغداد.

[2] سروش، ‏عبد الكريم، ‏كلام محمد رؤى محمد، ص، 77.

[3] سروش، ‏عبد الكريم،‏ كلام محمد رؤى محمد، ص، 84.

[4] سروش، ‏عبد الكريم، ‏كلام محمد رؤى محمد، ص، 107.

[5] سروش، ‏عبد الكريم، ‏كلام محمد رؤى محمد، ص، 107.

[6] سروش، ‏عبد الكريم، ‏كلام محمد رؤى محمد، ص، 87.

[7] الكهف، 110.

[8] طه، 114.

[9] المزّمِّل، 5.

[10] النجم، 8 – 9.

[11] ‏الأعراف، 143.

[12] الفرقان، 7.

[13] القلم، 4.

 

رابط النشر: