عبد الجبار الرفاعى: الطريق الثالث

د. حسن حنفى[1]

أثناء زيارة قم بعد قيام الثورة، وبالمصادفة تعرفت على شاب عراقى فى مقتبل العمر في حوزة قم، يجتهد ويفكر فى مدينة الاجتهاد والتفكير. حوّل بيته إلى مكتبة، وحصير غرفه إلى منتدى فكري وقاعات للاستقبال والدراسة، على طريقة العلماء القدماء. هو وأسرته يستقبلون الطلاب. لا فرق بين منزل وجامعة، بين طعام الجسد وطعام الروح.

هو فقيه وعالم من علماء التراث، منفتح على قضايا العصر، مثل عديد من العلماء فى قم الذين يحملون همّ نشر التراث، كما تفعل مؤسسة آل البيت لإحياء التراث للعلامة جواد الشهرستانى، التى أسسها وأنفق عليها، ويعمل فيها المححقون الشبان. ومثل أصحاب مكتبات التراث التى تزخر بها شوارع قم، فالدين والعلم قرينان. كما تزخر قم بعديد من مراكز الأبحاث لتربية العلماء الشبان، إقامة ودراسة،كما كان الحال فى تراثنا القديم، حتى أروقة الأزهر القريبة العهد. لا يحتاج العلم إلى دولة ترعاه، أو مؤسسة تسانده، بل يكفى أن يتطوع عالم بمفرده بكل ذلك، على سنة القدماء أو ما يسمى قطّاعا خاصا أو مؤسسات ثقافية للمجتمع المدنى. فالعلم هو الدولة، والدولة صرح يشيده العلماء.

بدأت الأعداد الأولى لمجلته “قضايا إسلامية معاصرة” فى الصدور، تنبئ بمضمونها واتجاهها، الطريق الثالث الذى يتجاوز السلفيين والعلمانيين. وتفتح صفحاتها إلى عديد من المفكرين الجدد الذين يمثلون هذا التيار، فى شكل حوارات معهم أو مقالات منهم، واضحة ومفهومة، وقادرة على إقناع القراء بما تريد. فما كنت أفكر فيه: في إنشاء مجلة فصلية “اليسار الإسلامى” ها هى تصدر فى قم، بصرف النظر عن العنوان. والأفكار تتوالى بصرف النظر عن المكان، قم أم القاهرة، مما يدل على مدى الحاجة إليها وواقعيتها. فقد آن الأوان لتطوير الفكر الإصلاحى، من الخطاب الأخلاقى الوعظى إلى الخطاب العلمى التحليلى.

 

هو عراقى مهاجر إلى حوزة قم، بعد أن حُكم عليه بالإعدام فى بغداد، أيام حكم الاستبداد السابق، ومطاردة العلماء والقادة الوطنيين. لم تكن الهجرة إلى باريس أو لندن للنضال من بُعد، بل كانت إلى قم مدينة العلم والثورة، والقريبة إلى بغداد. واستمر النضال الثقافى كأساس للنضال السياسى فى أيام الثورة الأولى، التى كانت تمثل أملاً للمسلمين جميعا، خاصة فى فلسطين بعد أن تحولت سفارة إسرائيل المفتوحة أيام الشاه إلى سفارة لفلسطين.

وصدرت الأعداد الأولى لمجلة “قضايا إسلامية معاصرة”، وكأننى أقرأ نفسى، لا فرق بين شيعة وسنة. تحمل نفس الهموم، قضايا “التراث والتجديد”، متجاوزة ما كان يصدر فى العالم الإسلامى، فى الكويت، أو فى ماليزيا. تحمل همومًا ثقافية، وإن لم تشر صراحة إلى العراق أو إيران أو الثورة الإسلامية. وقد تجلى ذلك فى المقابلة مع عبد الجبار الرفاعى، بعنوان “قم تسأل، والقاهرة تجيب”، مما أحزن بعض علماء قم، وكأن قم هى الحائرة، والقاهرة هى التى لديها الخبر اليقين، وهو غير صحيح على الإطلاق.كان يمكن أن يكون العنوان بالعكس “القاهرة تسأل، وقم تجيب”. فالسؤال أحيانا أهم من الجواب.

وفى القاهرة صدر العدد الأول من “اليسار الإسلامى” عام 1980 حاملاً همّ الأمة، فى العراق وفلسطين وكشمير والحجاز. فلماذا لا تتعدد البؤر الثقافية للإسلام التنويرى على مختلف مداخله، فى قم والقاهرة وفى كل مدينة ثقافية إسلامية. فالبحث جار عنه فى أندونيسيا وماليزيا وجنوب أفريقيا، يساهم فى تحرير الشعوب ونهضتها، وإنشاء جيل جديد يشق طريقه بين السلفيين والعلمانيين، بين القدماء والمحدثين، بين التقليديين والتجديديين، مثل “نهضة العلماء” فى أندونيسيا.

وتحويل “قضايا إسلامية معاصرة” من قم إلى بغداد، وعودة مؤسسها إلى موطنه الأصلى، شجاعة كبيرة فى جو العراق بعد نهاية الاستبداد، حيث الاحتلال مازال جاثما بطريقة أو بأخرى، وما يهدد العراق من مخاطر التجزئة. فالتحرر الحقيقى لا يأتى فقط عن طريق المقاومة العسكرية للاحتلال، أو مقاومة التجزئة الطائفية والعرقية، بين الشمال الكردى والوسط السنى والجنوب الشيعى، بل يأتى عن طريق العمل الثقافى على الأمد الطويل، وإعادة تفسير التوحيد بما يحقق وحدة العراق، والعدل بما يحقق العدالة الاجتماعية، والنبوة والمعاد كبعد للتاريخ بين الماضى والمستقبل، والإيمان والعمل هو الحاضر والتأثير فيه. ولا يكفى فقط إعادة قراءة العقائد، بل أيضا الأحكام الشرعية، وإعطاء الأولوية للمعاملات على العبادات. تستطيع “قضايا إسلامية معاصرة”  أن تكون منبرا للحوار الوطنى بين مثقفى العراق وعلمائه، وليس فقط بين ساسته. فالثقافة السياسية لها الأولوية على العمل السياسى.

شارك عبد الجبار الرفاعى فى أعمال الجمعية الفلسفية المصرية فى مؤتمرها بجامعة قناة السويس بالإسماعيلية، وهو أحد أعضائها البارزين.كان سيقدم هذا العام سيرته الذاتية، لولا أن منعته الظروف من الحضور. وهو يمثل تيارا تنويريا فى العراق وإيران. كما يمثل “اليسار الإسلامى” هذا التيار فى مصر. وقد أصبح هذا التيار شائعًا كموضوع دراسة فى الماجستير والدكتوراه.

ومازالت هناك صعوبات أمام التيار الذى تمثله “قضايا إسلامية معاصرة”، و”اليسار الإسلامى”. كيف يمكن تحويل اجتهادات فردية فى بغداد والقاهرة إلى تيار فكرى، له مفكروه وطلابه وأنصاره وتأثيره؟ فمازال الاستقطاب بين التيارين الكبيرين، الإسلامى والعلمانى شديدًا، لدرجة الخصومة والتناقض، بل والعداوة والعدوان. الإسلاميون يكفّرون المدنيين، والمدنيون يخوّنون الإسلاميين، لدرجة قسمة البلاد إلى فريقين متناحرين متنازعين. ونسى كلاهما العداوة الرئيسية للاستبداد فى الداخل، والعدوان فى الخارج، والتبعية لأمريكا، والاستيطان الإسرائيلى. مازال كل فريق يتسابق نحو السلطة، ظانا أنه إذا حصل عليها استطاع أن يحقق برنامجه الدينى أو المدنى: “إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”.

لا تتبنى الرفاعي أية مؤسسة، أو أى حزب، أو أى نظام سياسى. فمازال المنطق السائد هو منطق “إما… أو” على النقيضين، وليس منطق “معًا” أو “سويًا”، تحت تأثير حديث الفرقة الناجية، ووجود الحق من جانب واحد. بل إن الإصلاح الذى حاول التجديد والخروج من مأزق الاستقطاب كبا أكثر من مرة، بسبب اضطهاد الإسلاميين وسجنهم وتعذيبهم، فارتدوا معظمهم سلفيين محافظين.

الكل ينادى بالحل الثالث، وضرورة تجاوز الاستقطاب، لكن الواقع لا أحد يريده أو يفهمه، لأنه لا يطالب بالسلطة مطلب الفريقين المتنازعين. ويعمل على الأمد الطويل، التغيير الثقافى، والانتقال إلى مرحلة تاريخية جديدة. يتهمه العلمانيون بالإسلامية المتخفية، ويتهمه الإسلاميون بالعلمانية المتخفية. ليس له منبر يستطيع التحدث من خلاله. مازال تيارًا فكريًا يتمثله بعض المثقفين. وهو بعيد عن الوسطية التى تنتهجها التيارات الإسلامية المحافظة، لأنه يتطلب أحيانًا الثورة والتطرف فى أخذ حقوق الفقراء من أموال الأغنياء، وحقوق المستضعفين من نهب المستكبرين. لا يتعامل مع نظم سياسية، حتى لا يفقد استقلاله، ويظل تيارًا فكريًا يخاطب المثقفين، لإعادة بناء الثقافة الشعبية. هذا ما تمثله “قضايا إسلامية معاصرة” بإشراف وتوجيه عبد الجبار الرفاعى.

تحتاج المجلة إلى مزيد من التعريف والانتشار خارج العراق. ومازالت فى حاجة إلى تعدد كتّابها، وعدم قصرهم على فئة واحدة. وكل شىء يبدأ صغيرًا وينتهى كبيرًا. و قضايا إسلامية معاصرة بدأت كبيرة ومازالت تكبر، بفضل صاحبها ومؤسسها وراعيها وحاميها من غوائل الزمان عبدالجبار الرفاعي.

نعيد نشر هذه الشهادة تخليدًا لذكرى الصديق العزيز المرحوم الدكتور حسن حنفي، الذي كتبها بمناسبة صدور العدد 60 التذكاري لمجلة “قضايا إسلامية معاصرة”. عندما كانت كتاباته حاضرة بكثافة في المجلة، خاصة في موضوع “علم الكلام الجديد”، الذي خصصت له المجلة ستة أعداد في سنواتها الأولى، وغيره من محاور المجلة في سنوات لاحقة.

[1] مفكر مصري.

 

https://tafker.net/2024/07/11/%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%B1%D9%8A%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%84%D8%AB-%D8%A8%D9%82%D9%84/

“أدلجة التراث” ظاهرة ضخمة تشمل جميع أنحاء العالم الإسلامي لم ينجُ منها إلا قلة قليلة من المثقفين النقديين التنويريين الأحرار

د. هاشم صالح

اطَّلعتُ باستمتاع كبير على كتاب المفكر العراقي المعروف الدكتور عبد الجبار الرفاعي، بعنوان: «مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث»، وفيه يتحدث عن جملة من مشاهير الفكر العربي والإيراني، من أمثال: علي الوردي، وحسن حنفي، وداريوش شايغان، ومحمد عمارة، وجودت سعيد… إلخ. منذ البداية يعيب علينا المؤلف انشغال الفكر العربي كلياً بالفكر الغربي، وإهماله الفكر الشرقي في الهند واليابان والصين؛ بل وإهماله حتى الفكر الإيراني المعاصر والمجاور، ما عدا في الأربعين سنة الأخيرة. ولذلك يحاول سد النقص، والتحدث عن جملة من المفكرين العرب والإيرانيين على حد سواء.

ولكن الملاحظ هو أن حتى المثقفين الإيرانيين مهووسون بالفكر الغربي الأوروبي الأميركي، تماماً كما المثقفين العرب. والسبب هو أن الغرب سيطر على العالم طيلة القرون الأربعة الأخيرة، وبالتالي فجميع مثقفي الأمم الأخرى أصبحوا مضطرين للتموضع قياساً إلى الفكر الغربي غصباً عنهم. وهذا الكلام لا ينطبق على المثقفين العرب والإيرانيين فقط، وإنما ينطبق على جميع مثقفي العالم، من أتراك وروس وصينيين ويابانيين… إلخ. وذلك لأن الحداثة الغربية أصبحت ظاهرة كونية، وتشكل مرجعية كبرى لجميع مثقفي العالم. فمن لا يعرف ديكارت أو كانط أو هيغل أو نيتشه أو ماركس أو فرويد أو هيدغر، أو حتى هابرماس المعاصر لا يعد مثقفاً. هذه حقيقة ينبغي أن نأخذها بعين الاعتبار، إذا ما أردنا أن نفهم ما يجري حالياً؛ بل وحتى منذ مائتي سنة. وسوف يظل الأمر كذلك حتى يظهر فلاسفة كبار لدى الأمم الأخرى، في حجم من ذكرناهم من فلاسفة الغرب.

حسن حنفي

هل يوجد فيلسوف عربي أو إيراني أو تركي، أو حتى روسي أو صيني، في حجم ديكارت أو كانط أو هيغل… إلخ؟ هل يوجد هيغل تركي؟ أقصد مفكراً تركياً في حجم هيغل الألماني؟ هل يوجد كانط إيراني أو ديكارت عربي؟

على أي حال، الفصل الذي لفت اهتمامي في كتاب الدكتور عبد الجبار الرفاعي هو ذلك المخصص للدكتور حسن حنفي، وكذلك الفصل المخصص للدكتور محمد عمارة. فلنحاول أن ندخل في التفاصيل قليلاً هنا. الشيء الغريب العجيب في الدكتور حسن حنفي هو أنه كتب عدة مقالات جريئة جداً في نقد الأصولية الظلامية، بعد مقتل الرئيس أنور السادات. ولكنه في الوقت ذاته كثيراً ما أثنى على جماعة «الإخوان المسلمين»؛ بل وحتى على مفكرهم الراديكالي سيد قطب الذي يصفه بالإمام الشهيد! فكيف يستقيم ذلك؟ كيف يعقل هذا التناقض؟ من أخطر الأشياء لدى حسن حنفي هو الجمع بين المتناقضات؛ أي بين الشيء وعكسه، دون أن يشعر بأي مشكلة. وهذا ما عابه عليه أيضاً، وبقسوة، جورج طرابيشي.

يلخص الدكتور عبد الجبار الرفاعي رأيه في حسن حنفي قائلاً: «لا يكترث حنفي كثيراً بالوظيفة المحورية للدين في إثراء الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية، وتكريس صلة الإنسان الوجودية بالله. ولكنه يشدد باستمرار على ضرورة تحويل الدين إلى آيديولوجيا».

ثم يضيف قائلاً هذا الكلام المهم: «من يقرأ حسن حنفي يندهش من الحضور الطاغي لتأويله الآيديولوجي للدين، وإفراطه في تطبيق آيات القرآن الكريم والنصوص الدينية والتراث بمنطق آيديولوجي على الواقع».

ولكن كل حركات الإسلام السياسي -أو المسيس- قامت بأدلجة الدين والتراث. وهذا ما عابه الفيلسوف الإيراني داريوش شايغان على الثورة الإيرانية. وبالتالي فليس غريباً أن يسقط حسن حنفي في الخطأ ذاته. نقول ذلك، وبخاصة أنه كان من جماعة «الإخوان المسلمين» في بداياته. وبالتالي فأدلجة التراث ظاهرة ضخمة تشمل جميع أنحاء العالم الإسلامي، ولم ينجُ منها إلا قلة قليلة من المثقفين النقديين التنويريين الأحرار.

إنهم لا يقرأون التراث لكي يفهموه ضمن ظروفه وحيثياته ومشروطياته القديمة، كما يفعل محمد أركون مثلاً، وإنما يقرأونه لكي يسقطوا عليه هموم الحاضر وقضاياه، أو لكي يسقطوه عليها. إنهم يستغلونه آيديولوجياً لكي يخلعوا المشروعية الدينية القداسية على أحزابهم السياسية، ولكي ينسفوا مشروعية الأنظمة القائمة باعتبارها خارجة على الدين والشريعة في رأيهم. وبما أن جماهير الشعب متدينة جداً، وبما أنهم يعرفون ذلك، فإنهم برعوا في أدلجة الدين واستخدامه كسلاح فعال وفتاك لتحقيق مآربهم.

وهنا نلاحظ الشيء الغريب التالي، وهو أن حسن حنفي الذي قدَّم نفسه كمثقف حداثي تنويري، هو في الواقع من أشد المدافعين عن «الإخوان المسلمين». ولكن لا ينبغي أن نظلمه أكثر من اللزوم. فهو يبقى حداثياً وتنويرياً، والدليل على ذلك أنه يعترف صراحة أو ضمناً بأن رؤية «الإخوان» للعالم مغلقة أو منغلقة، ويعيب عليهم النزعة الحادة المتطرفة في تفكيرهم. ويستنكر تصنيفهم الخاطئ للمجتمع المسلم إلى إسلام وجاهلية. وهنا تكمن الخطيئة الكبرى لسيد قطب.

ولكن حسن حنفي – كما يقول عبد الجبار الرفاعي – سرعان ما يعود في كتابات عديدة إلى تبجيلهم، ويفتعل دوراً اجتماعياً وسياسياً وثقافياً استثنائياً اضطلعوا به في مصر. فكيف يمكن أن نفسر كل هذه التناقضات؟ هل يريد الرجل أن يجمع بين الماء والنار في يد واحدة؟ هل يريد أن يرضي جميع الناس؟ أم هل يريد أن يثبت أنه حداثي وتراثي في الوقت ذاته؟ ربما كان هذا الحل الأخير هو الأمثل لتفسير شخصية حسن حنفي. فهو لا يستطيع أن يقدم نفسه كمثقف حداثي تنويري تخرَّج في «السوربون» إذا ما اكتفى بكونه من مداح «الإخوان المسلمين»، ولا يستطيع أن يرضي الشارع العربي الأصولي إلا إذا أثبت أنه «إخوان مسلمين»! هنا تكمن مشكلة حسن حنفي. ولذلك فإنه راح يلعب على الحبال. وفي نهاية المطاف خسر الدنيا والآخرة. فلا مثقفو الحداثة يعدونه جزءاً أصيلاً منهم، ولا مثقفو القدامة يعدونه متديناً فعلاً.

كان ينبغي على حسن حنفي أن يحسم أمره: إما من معسكر التنوير والتقدم، وإما من معسكر الرجعية والتأخر. ولكنه أراد أن يلعب على كل الحبال، ويربح على كل الجهات. ولكن هذه ليست مشكلته وحده، وإنما مشكلة كثير من المثقفين العرب، بمن فيهم المقيمون في عواصم الغرب الكبرى، كباريس ولندن وبروكسل وواشنطن… إلخ. هم أيضاً يخجلون من كونهم متعاطفين في أعماقهم مع التنظيمات الإخوانية الأصولية، ولذلك يحرصون كل الحرص على أن يظهروا بمظهر المثقفين الحداثيين العصريين.

الشيء ذاته يمكن أن يقال عن محمد عمارة، الذي خصص له عبد الجبار الرفاعي فصلاً كاملاً بعنوان موفق يلخص مسيرته كلها: «محمد عمارة من الماركسية إلى السلفية». منذ بداية الفصل يقول المؤلف هذا الكلام البليغ: «لأننا محكومون بالتراث وقيمه وأحكامه، ترسخت لدينا تقاليد الاحتفاء المبالغ به بالأموات، والإفراط في الثناء على آثارهم، والإعلاء من قيمة منجزهم، وتجاهل ما أنتجته هذه الآثار من تعصبات وكراهيات وأحقاد وجروح نازفة في حياتهم وبعد وفاتهم».

التعلق الأعمى بالأسلاف تخلَّى عنه اليابانيون كلياً… ولذلك نجحت انطلاقتهم الحضارية وانتصر تنويرهم

هذا المقطع النقدي العميق مهم جداً؛ لأنه يحذِّرنا من الانبطاح أمام القدماء. فهم ليسوا معصومين لمجرد أنهم من الأسلاف والآباء والأجداد. ينبغي أن ننظر إليهم نظرة تاريخية. ينبغي أن نموضعهم ضمن مشروطيات عصرهم القديم الذي لم تعد له علاقة بعصرنا. فمعارفهم وحاجياتهم لم تعد لها علاقة بمعارفنا وحاجياتنا.

هذا التعلق الأعمى بالأسلاف تخلى عنه اليابانيون كلياً، ولذلك نجحت انطلاقتهم الحضارية، وانتصر تنويرهم، كما ذكرنا في مقال سابق.

أخيراً، يقول عبد الجبار الرفاعي عن محمد عمارة هذا الكلام الصائب والدقيق: «لم ينتبه من كتبوا عن محمد عمارة لتحولاته ورحلته الفكرية الطويلة من الماركسية إلى السلفية، ومحطاته الاعتقادية المتعددة، وكيف أضحت آثاره المتأخرة تنقض كتاباته المبكرة. نقرأ كتابات تصنفه على أنه مفكر تنويري وعقلاني ومجدد، وأحد رواد النهضة، وغير ذلك من توصيفات لا ينطبق أي توصيف منها على محطته الاعتقادية الأخيرة».

لا تعليق. الكلام واضح جداً. فقط نطرح هذا السؤال، وبه نختتم: كيف يمكن لمفكر يحترم نفسه أن يلتحق بالحركات الإخوانية الظلامية ويدافع عنها بشراسة، بعد أن كان قد أمضى جُل عمره الأول في الدفاع عن قيم العقلانية والتقدم والحداثة؟

 

https://al-aalem.com/%D8%A3%D8%AF%D9%84%D8%AC%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AB-%D8%B8%D8%A7%D9%87%D8%B1%D8%A9-%D8%B6%D8%AE%D9%85%D8%A9-%D8%AA%D8%B4%D9%85%D9%84-%D8%AC%D9%85%D9%8A%D8%B9-%D8%A3%D9%86/

عبد الجبار الرفاعي مستحضراً تراث المثقفين النقديين

تغريد عبد العال

غابت الثقافة العربية عن جذورها طويلاً، ويبدو أن تواصلها مع الفكر الغربي قد جعل روابطها تضعف تدريجياً بالتراث العربي، ولأن مفهوم الحداثة مولع بأسئلة الغرب ومقولاته، فنادراً ما يشق الفكر العربي درب الفلسفات العربية والشرقية، في الهند واليابان والصين، ولا سيما الفكر الإيراني. وهذا يحيلنا إلى قضية أساسية يبحر فيها المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي، في كتابه «مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث» (منشورات تكوين) هي موضوع العلاقة بين الدين والثقافة عبر تناوله مفكرين نقديين وفقاً لما أسماهم. لم يقطع هؤلاء المثقفون النقديون تلك العلاقة بالدين، بل كانوا نقديين تجاهه ومتمسكين بجذورهم وأصالتهم كالعراقي علي الوردي (1913- 1995). تعرّض فكر الأخير لنوع من الجفاء، ولم تهتم به البحوث والأكاديميات العلمية في وطنه، ولم تتبنَ دور النشر في بيروت إصدار أعماله. كما ذهب الكاتب في عرض رؤية المصري حسن حنفي (1935 – 2021) وفكره، الذي أعاد إنتاج التراث بلغته الخاصة التي تبدأ بالتراث وتنتهي به. واتسع الكتاب لثلاثة مفكرين إيرانيين لم تُدرس تجربتهم وفكرهم كثيراً هم داريوس شايغان الذي تميزت رحلته الفكرية بإعادة النظر في مسلماته وقناعاته وأحلامه، وأحمد فرديد الذي لم ينشر شيئاً في حياته رغم أنه شغل النخبة الإيرانية في زمانه. وفي الفصل الأخير، ناقش الكاتب ظاهرة ثقافية ليست غريبة في الفكر العربي، هي الانتقال من الماركسية إلى السلفية.

يذهب الكاتب عميقاً في سبر الثقافة العربية ونقدها عبر عرضه ومناقشته لفكر هؤلاء المفكرين العرب والإيرانيين. يناقش فكر علي الوردي، الذي يسمّيه المثقف الديني النقدي الأول في العراق الذي خرج من سجون الأيديولوجيات السياسية عبر قراءته للنصوص الدينية، لأنّ البحث في الدين كان مغيباً في الثقافة العراقية، وانحصر فقط في المؤسسات الدينية. وينوه الكاتب بأنّ مفهوم «المثقف» غامض ومشوّش في العراق، فيسارع كثيرون إلى نفي صفة التدين عن المثقف، وهناك عوامل كثيرة لذلك أولها مركزية الشعر في الثقافة العراقية، وارتباط صفة المثقف بالشاعر. والعامل الثاني هو حضور اليسار الأممي والقومي، الذي اتخذ موقفاً من الدين، معلناً القطيعة بين الجامعات والمؤسسات الدينية، ومحذّراً هذه المؤسسات من الانفتاح على الثقافة، والآداب والفنون.

ولأن المثقف العضوي ــ بحسب الكاتب ــ تناغم مع الأيديولوجيات النضالية، خصوصاً اليسارية، أصبح مشغولاً بتغيير العالم من حوله، وهذا المثقف مسكون بالأيديولوجيا أكثر، من دون أن يأخذ في الحسبان أنّ كل رؤية مختلفة للعالم هي فكرة ينبغي له أن يحترمها ولذلك يقوم بمهمة المفتش. وربما لم يركّز الكاتب هنا على قلة من «المثقفين العضويين» الذين آمنوا بالتغيير، وفي الوقت نفسه لم يأسرهم الجمود العقائدي، لذلك انتقدوا الغرب ولم ينظّروا كثيراً لأيديولوجياتهم بقدر ما اهتموا بكل التراث الفكري، أمثال إدوارد سعيد، الذي كان ناقداً للفكر الغربي الاستشراقي وللإمبريالية الفكرية والثقافية. وقد انتقد أيضاً نظرة الغرب للإسلام. ولكن ربما هنا يعطي الكاتب أولوية للمثقف الذي نهل من التراث وفي الوقت نفسه غيّب كثيراً إلى درجة أننا نجهل أعماله البحثية والفكرية، خصوصاً أنّه ركّز أيضاً على شجاعة علي الوردي بالاعتراف بأخطائه، ومراجعته المستمرة لأفكاره، إذ قال: “ما كتبته بالأمس لا يصلح اليوم، كما أن ما أكتبه اليوم قد لا يصلح غداً”.

أما المفكر الثاني الذي تأمّل الكاتب في فكره، فهو المصري حسن حنفي، الذي انتقد الأصولية. كما أن تأويلاته للتراث نهلت من منابع متنوعة، وتخلو كتاباته من التحريض ضد المذاهب. وهو الشغوف بالتراث والتجديد، وكان يتمنى أن ينجز كتاباً عن الثوار في كتابات أميركا اللاتينية، كما أخبر الكاتب حين التقاه. لكن المختلف هنا عن علي الوردي، أن حسن حنفي مثقف رسولي وثائر أيضاً، فقد كان يعتبر نفسه فقيهاً ولكنه في الوقت نفسه، كان يحلم بتغيير العالم بأفكاره. وحين تحدث حنفي في ذكرياته عن رأي الآخرين بكتاباته ومواقفه، قال: «كانت صورتي في الإخوان أنّي شيوعي وصورتي عند الشيوعيين أني إخواني». لقد كان حنفي مسكوناً بيوتوبيا اليسار الإسلامي حيث يلتقي الإسلام بالشيوعية وفقاً لرؤيته، ومن هنا تكمن ثوريته. فهو يصرّ بتساؤل إنكاري: وما عيب الجمع بين العلم والأيديولوجيا، يسارية أو إسلامية؟ ويسأل: هل ينفع تدريس العلم من دون أيديولوجيا؟ وما العيب في أن تؤدي الأيديولوجيا إلى العمل السياسي؟ وما العيب أن يسمع الطالب أيديولوجيات مختلفة ويفكر فيها بدل أن يحفظ كتاباً مقرراً؟ وكان حنفي أيضاً من أكثر المفكرين درايةً بالإخوان المسلمين، فوصف ما تعرضت له الجماعة من اضطهاد، وبرّر نشوء فكر إسلامي معاد للواقع. هكذا، تضمّن تحليله لفكر الإخوان اعترافاً برؤيتهم المغلقة للعالم. ويتحدث أيضاً عن علاقته بسيد قطب الذي تعرّف إليه حين دخل حركة الإخوان المسلمين عام 1951. وسيد قطب أيضاً ـــ في رأي حنفي ـــ هو الذي بدأ ما يسمّى باليسار الإسلامي، فوضع حنفي مشروعه في سياق مشروع قطب، ودافع عن فكره وبرر أخطاءه بإحالتها إلى موضوع السجن والاضطهاد. لكن حنفي يمتلك ــ بحسب الكاتب ـــ مهارة التوظيف البراغماتي للتراث، فقد حاول أن يركب التراث على الواقع والواقع على التراث. وقد تأثر حنفي بالكاهن الكولومبي كاميلو توريس الذي ولد سنة 1929 وقتل مناضلاً سنة 1966. ورؤية توريس الثورية هو لاهوت التحرير الذي هو أيديولوجيا تختلط فيها المسيحية والماركسية، وهكذا كان القرآن بالنسبة إلى حنفي مانيفستو للثورة والتحرير.

وعن المفكر الإيراني داريوش شايغان ( 1935 ـــــ 2018)، يأخذنا الكاتب في رحلة لمعرفة سيرته وميزات فكره. التحق بجامعة «السوربون» ودرس التصوف والديانة الهندوسية، وأصبح أستاذاً مساعداً للأساطير. لعل ما تميز به هذا المفكر هو دراسته للتيارات الفكرية الغربية في موازاة دراسات الأديان والثقافات الآسيوية. عمل شايغان على تطوير ثقافته وتحديث أفكاره، ولم يخجل من المراجعة النقدية، وقد لاحظ أيضاً أن معظم المفكرين الإيرانيين هم شعراء، كجلال الدين الرومي وحافظ الشيرازي. واعتقد شايغان أن جوهر الفلسفة والعلم في الحضارات الشرقية يختلف تماماً عن نظيره الغربي. وتنوعت إحالاته المرجعية، وأمسى قادراً على استبصار تشوهات المجتمعات الغربية والشرقية على حد سواء.

وكذلك كان المفكر الإيراني حسين نصر (1933) الذي نهل من شعراء الفارسية، كحافظ الشيرازي وسعدي الشيرازي وجلال الدين الرومي، وندد بالحداثة الغربية، مشدّداً على أنّ الشرق هو رمز النور والعقل والروحانية. أما المفكر الإيراني أحمد فرديد (1909 ــ 1994)، فقد أعجب بغوستاف لوبون، وانخرط في محفل المثقفين الذين تمحوروا حول القاص الشهير صادق هدايت الذي كان صديقاً له. درس فرديد في «السوربون»، وعاد إلى طهران، ليدرس في جامعتها تاريخ الفلسفة وامتدت مطامحه للحياة السياسية، فاقترب من حزب السلطة وأعلن تأييده للثورة الإسلامية بعد انتصارها. كان هاجس أحمد فرديد هو الهوية والعودة إلى الذات الإيرانية. بعد انتصار الثورة الإيرانية، حرص على ابتكار تفسير ثوري إسلامي لهايدغر، فوجد أن لا تناقض مع تفكير هايدغر والثورة الإسلامية. ويرى فرديد أن الغرب وباء أصاب اليونان القديمة ومصطلح «الإصابة بالغرب» هو وصف لهذا الوباء المتفشي في الشرق المسكون بعقائد الغرب. وعن ظاهرة التحول من الماركسية إلى السلفية، يشير الكاتب إلى فكر المصري محمد عمارة (1931 ــ 2020)، الذي كان ماركسياً ومكث طويلاً في الماركسية ودخل السجن في أيام جمال عبد الناصر. وبعد صعود موجة الصحوة الإسلامية، انتقل إلى السلفية، وتخلى عن وظيفته كأستاذ جامعي، لأنه أراد التفرغ لمهمته الفكرية، فصار يفكر بمنطق مغلق يبدأ بالتراث وينتهي بالتراث. ومع أنه باحث متمرس في التراث، ويكتب بأسلوب ذكي، إلا أن الدين جاء ليحمي الإنسان من الكراهية والعنف والسلفية وفقاً لما يقوله المؤلّف. وهكذا كان جودت سعيد الذي دعا إلى اللاعنف، لكن الكاتب انتقد أيضاً كتاباته التي تفتقر إلى «تفكير متأمل صبور يستخلص رؤية نظرية من النصوص الدينية». أما مالك بن نبي (1905 ـــ 1973)، فكتاباته تنبض بالغيرة على وطنه الجزائر، وتحريره من الاستعمار الفرنسي، والدفاع عن هويته من الاستلاب وحماية دينه وثقافته الإسلامية ويرى القارئ الفطن جروح الاستعمار الفرنسي نازفة في كتاباته التي تمثل الخلفية الفكرية للمقاومة الجزائرية في حرب التحرير. قدّم بن نبي تفسيراً للتخلف والانحطاط في عالم الإسلام في سلسلة «مشكلات الحضارة»، فصاغ معادلة الحضارة من مراحل هي الروح والعقل والغريزة. وكان دقيقاً في توصيف «القابلية للاستعمار»، حيث تكمن مشكلة الإنسان المستعمر.

ولعلّ الأجمل أنّ الكتاب ينتهي بمالك بن نبي الذي ركز على الهوية والمقاومة كأنها دعوة للتفكير في ثورية الإسلام. وهنا نلاحظ أن الواقع وما نعيشه يجعلنا نعيد النظر في فكر الإسلام التحرري المناهض للاستعمار والاحتلال والمقاوم الذي وضع فكره وأيديولوجيته في سبيل مواجهة ذلك الاستعمار. يشكل الكتاب دعوة لإعادة النظر في التراث والفكر الشرقي وعدم الوقوع في فخ الاستلاب الغربي.

 

تغريد عبد العال، كاتبة وشاعرة فلسطينية مقيمة في لبنان  

 

https://al-akhbar.com/Kalimat/382031

 

 

مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث

ميسلون هادي

يقف الدكتور عبد الجبار الرفاعي في الضد من الذين يمزقون النسيج المجتمعي، والعبث بأمنه وسلامته بذريعة الإيديولوجيا، وتقديم المعتقد على الوطنية، وينتقد دفاع حسن حنفي المستميت عن أفكار سيد قطب، التي غرست كراهية عميقة لمجتمعه، ولكل مختلف بمعتقده عنه، بل وصنّفت كل ما حوله على أنه (جاهلية). فدعوة حسن حنفي لتجديد (التراث بالتراث) قد أَهدرتْ، حسب الرفاعي، قرنين من الزمان، لم تحرز فيه نجاحا يذكر. لأن من يحولون الدين إلى أيديولوجيا يختزلونه في قوانين ثابتة وقوالب جامدة لا تلتفت الى الواقع المتحول كشلال متدفق.

يسجل الدكتور عبد الجبار الرفاعي في هذا الكتاب المهم وقفات مستفيضة إزاء بوصلات التفكير لمجموعة من المفكرين الذين خاضوا في مسألة نقد الفكر الديني وتجديده:

  1. علي الوردي، وهو أول مثقف ديني نقدي في العراق، حسب الرفاعي، وكان جسوراً في طروحاته، التي مثلت صرخة جريئة مدوية بالنسبة لزمانها، إذ كتب الدكتور علي الوردي بلغة الناس المحكية البسيطة، فوصلت بساطتها إلى فئات مختلفة من القراء، ووجدت لغته الساخرة والحيوية الآذان الصاغية لها، لأنها ظلت بعيدة عن الوعظ المباشر لرجال الدين. غير أن بذرة المثقف الديني النقدي لم تكتمل، وانصرف الوردي تدريجيا عن الدين، واهتم بدراسة وتحليل قضايا مجتمعية أكثر قربا من اختصاصه. يأخذ عليه الدكتور عبد الجبار الرفاعي أنه كان حماسياً في بعض طروحاته، فثبت على مبدأ التناشر والازدواجية في الشخصية العراقية، مع أن المجتمع قد تغير كثيرا من حوله، كما أنه ركز على جوانب سلبية من الشخصية العراقية، قد يكون وجودها طبيعياً، مثلها مثل باقي البشر، وتجاهل مزايا أخرى تمتعت بها. وقد نقد الوردي نفسه حول ذلك، وقال لاحقا أن النهج العلمي يحتم عليه أن يذكر المحاسن والمساوئ دون مبالغة أو مغالاة.. وأخيراً يتوقف الرفاعي مع الوردي عند مسألة مهمة هي الأخطاء اللغوية التي تعتور كتاباته، وقد اعترف علي الوردي بها، بل ودافع عن تلك الأخطاء، التي يصعب عليه استدراكها، لصعوبة قواعد اللغة العربية ووعورتها. وهنا يعرج الرفاعي إلى ضرورة تيسير اللغة العربية، وتخليصها من القواعد الصعبة التي تؤثر على سلاسة إيصال المعنى، كما يعترف الرفاعي (بتواضع العلماء) أنه يحيل أعماله إلى محرر لغوي، لكي تخرج سليمة من الأخطاء النحوية.
  2. حسن حنفي، الذي نادى باليسار الإسلامي، ويسميه الرفاعي بجامع الفلسفة مع الكهنوت، أي جامع الأشياء المتنافرة مع بعضها البعض، ومع أن كتاباته تخلو من التحريض على المذاهب، واللوثة الطائفية لم تصبها، غير أنه حاول استعارة جلباب التراث وخلعه كغطاء على الأيديولوجيات المختلفة، أي أراد تجديد التراث بالتراث، وهذا تناقض بحد ذاته، لأنه يعزل المجتمع عن العلوم والمعارف الحديثة، كما أنه يقدم توفيقا ملفقا بين الفرق والتيارات والاتجاهات والايديولوجيات المختلفة.
  3. داريوش شايغان، الفيلسوف المغمور الذي حذر من أدلجة الدين، لأنه يحوله إلى شأن دنيوي. بمعنى إهدار الطاقة الرمزية في الشعائر والطقوس الدينية، وبالتالي إنهاك الدين وتفريغه من محتواه المعنوي. يتحمس الرفاعي لشايغان لأن الأيديلوجيا ليست معادية للدين فقط، وإنما معادية للفلسفة.
  4. سيد حسين نصر، وهو من جماعة الحكمة الخالدة، أو المعرفة الأزلية المتعالية على الزمان والمكان، أي أن العالم كله وطنها. وهو أيضا صاحب فرضية العلم المقدس، التي يأخذ عليها الرفاعي هجاء الفكر الغربي، ورفض الحداثة الغربية لأنها مادية.
  5. أحمد فرديد، الفيلسوف الشفاهي، أو الفيلسوف ضد الفلسفة. أي أنه يبدأ بمقدمات منطقية وينتهي بنتائج لاهوتية. ويخلط أيضا بين صوفية مجردة وفكرة فلسفية، فينتزع مفاهيم ابن عربي مثلا من فضائها الروحي، ويقحمها في مجال التاريخ البشري. كما نحت مصطلح (وباء الغرب) أو (الغرب زدكي) ويعني أن الغرب وباء أصاب العالم منذ الحضارة اليونانية وحتى اليوم. ويأخذ عليه الرفاعي هذا الدمج اللامنطقي بين العرفان والفلسفة.
  6. محمد عمارة، المتحول في رحلته الطويلة من الماركسية إلى السلفية، وكيف أصبحت آثاره المتأخرة تنفض آثاره المبكرة، ومن الطبيعي أن يحدث هذا التغيير، كما دافع عن ذلك عالم الاجتماع علي الوردي في تغير مواقفه، عند تحديث المعطيات الاجتماعية المحيطة بنا، لكن عمارة، الذي يعتبر واحدا من رواد النهضة المجددين والعقلانيين، لا ينطبق عليه هذا الحراك الفكري في محطته الاخيرة، أو كيف تحكمت هذه الانتقالات في بوصلته الفكرية، فكان أحد الموقعين على بيان يتهم فرج فودة بالارتداد واستباحة دمه. يأسف الرفاعي لظاهرة الهروب للماضي كلما تقدم العمر ببعض مفكري اليسار الاسلامي أو الفكر العربي المعاصر بشكل عام، فنراهم بعد حياة فكرية تسودها العقلانية النقدية يحتمون بكهف الماضي من قلق الموت الوشيك، ويعودون إلى الأصولية، وكأنها توبة من إثم عقلي ارتكبوه في شبابهم.
  7. مالك بن نبي، مفكر جزائري أصابه ذعر ضياع الهوية بسبب الاستعمار الفرنسي، وبالتالي تنفجر الهوية عنده إلى شقين متلازمين: المقاومة أولا من أجل التحرير، والانغلاق ثانيا على زمن الانتصارات والأمجاد في العصر الاسلامي الأول. لم يخرج ابن نبي كثيرا عن آراء ابن خلدون في تقليد المغلوب وولعه بالاقتداء بالغالب، ولكن الرفاعي يأخذ عليه تورطه بالتعميم، فيختفي عنده التمايز الواضح داخل طيف واسع من التدين التركي والإيراني والعربي والاندونيسي.. الخ. كما أن انتهاك الاستعمار لهويته وهوية أهله في الجزائر وضع ذهنه داخل إطار مغلق لم يتحرر منه، فأصبح التفسير التآمري هو الأداة الوحيدة لتشخيص الفشل في بلاده.
  8. جودت سعيد، رجل دين سوري يتصرف كفلاح، مولع بسقي النباتات وتربية النحل ورعاية الخضرة، وكان صديقا للأرض نابذا للعنف، ومن عاداته كتابة آيات القران على الورق، ويعلل ذلك بقوله : كل نص نفهمه أكثر حين نعيد كتابته بأيدينا. نشر بيانا استثنائيا للسلام في كتابه (مذهب ابن ادم الأول)، فهو يرى أن تهمة الملائكة للبشر في سفك الدماء، لا تزال قائمة في جميع التيارات اليمينية واليسارية، أما تفسيره للجهاد الأكبر فهو تحصيل العلم والمعرفة. وهنا يتساءل الرفاعي: هل يمكن الخلاص من العنف بالنوايا الطيبة، أو بكلمتين فقط هما (موت الحرب)، وهو شعار رومانسي متخيل تبناه جودت سعيد في كتاباته الاخيرة؟. كيف يمكن ذلك والعنف هو من الثوابت الأبدية في الطبيعة الانسانية، كما يقول علم النفس وعلم الأعصاب المعرفي.

هذا السؤال نوجهه بدورنا إلى الدكتور عبد الجبار الرفاعي الذي ينطلق في كتاباته من مبدأ رومانسي أيضاً هو الرحمة، ويشدد على مفهوم روحاني في فهم الدين، فيقول بأن الدين كي يحقق وظيفته في حياتنا اليوم لا بد أن نفهمه بوصفه نظاما لانتاج المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي في الحياة. صحيح أنه يخص النفس المتزمتة بهذه البراءة في نظرتها إلى الدين، ويعلن إنها تحتاج إلى القلب بموزاة العقل لكشف الابعاد الروحية والجمالية العميقة في جوهر الدين، ولكن أين من عيني أولاء الرحماء قبل أن يكونوا عباقرة ومنظرين؟ وما هي المعجزة التي ستجعلهم يغيرون نهجهم هذا؟

الرفاعي أيضا يجمع نقيضين في جملة واحدة وهما اللاهوت والحرية، ويضعهما في مبدأ واحد هو لاهوت الحرية، وفهمت منه دعوة مثالية تجمع بين توحيد الله وتحرير الإنسان من كل أشكال العبوديات. فهو يشدد على أن الايمان بالله والتوحيد هو حجر الزاوية في بناء الحياة الرحيمة في الاسلام، وهذا اليقين الروحاني لم نجد له تمثلات راسخة في عالم الشهادة، بل اعترضته جدران متسلسلة من التزمت والتمذهب والانغلاق، هاجمها المفكر الجزائري أركون وأسماها (الجهل المؤسس). يعزو الدكتور عبد الجبار الرفاعي ذلك إلى عدم تدبر هذا الحضور المكثف لله في القرآن، وما يحيل اليه هذا الحضور من دلالات روحية لا تنضب.

هنا يخالف الرفاعي أغلب المفكرين العلمانيين الذين قرأت لهم، فهم برأيي الشخصي يتحدثون عن الدين، وهم في منطقة الشك أو الإلحاد، لكنهم لا يجاهرون بذلك خشية خدش مشروعهم التنويري وتعريضه لتداعيات اخرى، بينما يُفصح الرفاعي دائما عن إيمانه العميق بالله، ويعتبر هذا الايمان منبعا ملهما للحق والعدل والسلام والخير والمحبة، بل هو المنقذ للانسان من اغترابه الوجودي الذي يمزق سلامه وسكينته الداخلية. وبهذا يكون الدين أوسع بكثير من الكتب المقدسة، ويمتد ليشمل سلوك الانسان وتكريس مواقفه المشرقة من الحياة، وإيقاظ المعاني الروحية والاخلاقية والجمالية في حياته.

لم يصل الرفاعي الى هذه النتيجة بقفزة فكرية مفاجئة، وإنما مر خلال حياته بمراحل متعددة اعتنق فيها مدارس دينية مختلفة وتبنى أفكارها، ثم مع كل بوصلة يتوقف عندها يكتشف أن هناك دائما من يحول الدين إلى أيدولوجيا، وهذا هو أشد ما يعارضه الدكتور عبد الجبار الرفاعي في هذا الكتاب المؤثر والمهم.

 

https://www.almadapaper.net/view.php?cat=313715&fbclid=IwZXh0bgNhZW0CMTEAAR2BlX7_STyjxQJYxCnyowbyzy0aMdVCOB1V8kyROvpg-m7qc76zQXmYLzY_aem_AYsGCqaR7jai6VNe8p-_QNG7QahiiRTDZHu4MKQfqtkN0Ve1kqOvFdnqjmHsB9X2_zqekkObRx4AB6n6DqFCa2fy

مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث: من المركزيةِ الغربية إلى مركزيةٍ إنسانيَّة تصبُّ فيها الرَّوافدِ الثَّقَافيَّة الإنسانية

 عبد اللطيف الحاج اقويدر[1]

أعتقدُ أنَّ الدكتور عبد الجبار الرفاعي يريدُ من خلال مؤلَّفه هذا، أن تكون له مساهمةٌ في تطوير الثقافة العربية وفكرها، فكتابُه “مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتُّراث” أراده جسراً موصولاً بين فكريْن شرقيين متجانسين تاريخيا وجغرافياً: الفكر العربي، والفكر الإيراني، ولعلَّه بذلك يكون قد ربط ماضي هاتيْن الثقافتيْن بحاضرهما، فقدْ تلاقحا ماضياً، بما حقَّق تألُّق الحضارة العربية الإسلامية. يقوم الكاتب بمدِّ حبل التَّواصل بينهما باعتبارهما ثقافتيْن عريقتيْن غنيتين بمحموليْهما، لاعتقاده أوانَ تلاقيهما، لتتشاركا معاً في مصاحبة المسيرة الإنسانية العالمية إلى مصيرها.

يريدُ كتابَه صرحاً جديداً في هذا البناء الفكري العربي المعاصر، وربَّما يكون هذا العملُ حافزاً، فتتفتَّحُ ثقافاتٌ شرقيةٌ أخرى على الفكر العربي من تركية وماليزية، وإندونيسية وباكستانية وغيرها، كما يتفتَّحُ هو عليهم، لِتتوسَّع بذلك الدَّائرةُ الفكرية الشَّرقِيَّةُ، ونخرُجَ من أسار الإبْهار المُزمن لِـ “المركزية الغربية”، ونعملُ على تأسيس “المركزية الإنسانيَّة “، تصبُّ فيها جميعُ الرَّوافدِ الثَّقَافيَّة الإنسانية.

استثمر الرفاعي في مصطلح “المثقف الديني النقدي”، بإثارته في مقال له في صحيفة “الصباح” العراقية، ثمَّ دفع به إلى السَّاحة الفكرية قصد إثرائه، وعمل على إبانته، وبيان الغرض منه، وتحديد إطاره (ص32)، وذكر دوره في ولوج المناطق المعتمة، والمسكوت عنها في التراث أو الفكر الديني، متَّخذاً العقل وسيلةً وآلةً، متسلِّحاً بثقافة الموروث وثقافة الحداثة (ص26)، واشترط أن يظهر المثقفُ الديني النقدي بصورة المتكلم الجديد، أو الفقيه المجدِّد، أو المفكِّر، لا متكلم قديم، ولا فقيه أحكام، ولا داعية (ص27)،  كما أكد الكاتب على ضرورة توفر الضمير الأخلاقي اليقظ، والنزعة الإنسانية عنده (ص303)، ثم مضي بعد هذه الاستفاضة، إلى اختيار نماذج يعمل عليها، قد انتقاها من مجاليْ الفكر العربي والإيراني.

أمَّا الفكرُ العربي، فقد اختار منه نماذج مشرقيةٍ ومغربيَّةٍ، وتتمثَّلُ النَماذجُ المشرقيةُ، في شخصية ثقافية عراقية، ومن مصر اختار مفكِّريْن، وآخر سوري، ومثَّل النَّموذجَ المَغاربي مفكِّرٌ جزائري، بينما مثَّل الثقافةَ الإيرانيةَ ثلاثةُ فلاسفة. كل هذه النماذج يربطها إطار زماني واحد، فقد وُجِدُوا جميعا في النصف الأول من القرن العشرين.

اعتبر الكاتبُ الرفاعي “علي الوردي” أولَ مثقف ديني نقدي (ص21)، عرَّف به وبإنجازاته، وظروف عمله، وبأنَّه صَاحِبُ تكوينٍ أكاديمي ممتازٍ بمقاييس عصره (ص28). حرٌّ جريءٌ، له تأثيرٌ واسِعٌ على الأجيال التي نهلتْ منْ صافي معينه، جمع علي الوردي كنزاً هائلا من المعلومات التي تتعلق بالمظاهر الاجتماعية العراقية، والعادات والتقاليد، والسلوك والأخلاق، معتبراً نفسه ابن المجتمع الشعبي البسيط، يعيش وسطهم، يعرفهم عن قربٍ في معايشهم ومهنهم، وطرائق تفكيرهم وأساليب أحاديثهم.

نقل هذا الواقع نقلاً موضوعياً، ونثره تحت مشرحة طاولته دارساً محللاً، نقدَهُ نقد الحصيف، لم ينجرَّ وراء عاطفة، ولا استسلم لميلٍ ذاتي، مفضلا استخدام منهج ابن خلدون، كأفضل منهجِ تشخيصٍ لمجتمعه، وأوجد لذلك مصطلحات العمل، من مثل: صراع البداوة والحضارة، وازدواجية الشخص العراقي، والتناشز الاجتماعي (ص94).

خرج بنتائج محدَّدة دقيقة، تحفَّظَ الرفاعي على بعضها، بل كانَ له التَّحفظ من المنهج الخلدوني نفسِه معلِّلاً ومستشهداً (ص96)، ويقدِّم الكاتب نقد علي الوردي للمنطق الأرسطي الجامد، الذي يفضل عليه المقاربة السوفسطائيَّة (ص108)، القائمة على الشكِّ، وهو ما يريدُ علي الوردي تحقيقُه على السَّاحة الثقافية العراقية، كما أنَّ هذه المقاربة أيضاً تجعلُ من الإنسان معياراً، وهو مبتغى علي الوردي في الإنسان العراقي.

مع كلِّ هذه البضاعة المزجاة، يؤسفُ الكاتبَ أن يجده مفتقراً إلى ثقافة تراثية رصينة، وهذا الفقد هو إحدى هناته، لأنَّه من دونه يتكئ على عصا دون أخرى (ص28).

ثمَّ قارن الرفاعي بين المثقف الديني النقدي، والمثقف العضوي (ص44)، بين علي الوردي، وعلي شريعتي المثقف الآخر، وشرح أوجه المقارنة (ص47)، وامتاز علي الوردي بمراجعة أفكاره وقناعاته (ص52)، والإقرار بأخطائه، وله مواقف صادمة يخالفُ فيها العرفَ، وما جرى عليه الناسُ والمجتمع، من ذلك موقفه من مركزية الشعر، والفصاحة والنحو (ص68)، أقرَّ الكاتبُ الأسلوبَ المبدع الذي سَوَّقَ به علي الوردي كتاباته، وفي طريقة عرضه وتفسيره، وأسلوبه القصصي المشوِّق، وشجاعته النقدية التي مكنته بنشر ما لا يجرؤ على فعله مفكرو الزمن الحاضر.

أمَّا المثقف الديني النقدي الثاني، فهو حسن حنفي، يشيد الرفاعي بثقافته الموسوعية، وتكوينه الأكاديمي الصارم، الذي ناله من جامعة السوربون (ص121)، يشهد بأنَّه مفكر مدهش (ص139)، تجتمع فيه الموهبة الفذَّة، والذِّهنيَّة المراوغة، والإرادة العنيدة (ص186).

وقف حسن حنفي حياته كلَّها على مشروعه الفكري الذي أطلق عليه عنوان “التراث والتجديد” (ص125)، تضمَّن منهجه “اليسار الإسلامي”، استند فيه على التراث يتدارسه بأدوات عقلٍ معاصر تجديدي، عمل فيه على الجمع بين المتناقضات، يبحث عن طريقٍ ثالثٍ، يضع فيه وطنه على أرضية التقدم والازدهار.

صحيحٌ أنَّه خبير بالتُّراث، لكنَّ خبرته وضعها في خدمة منجزه الأيديولوجي، كان انتقائياً، والعمل الانتقائي يلوي عنق النص المستشهَد به، للواقعة المستشهَد لها (ص137). يصنف حسن حنفي نفسه فقيها، يجتهدُ خارج أصول الفقه، متكلماً يخرج عن مقولات الكلام، فيلسوفاً خارج العقل الفلسفي (ص129ـ130).

أمَّا منجزه الثاني، فيتمثل في تأسيس علمٍ جديدٍ أطلق عليه “علم الاستغراب”، يقومُ فيه بدراسة الغربِ بعين الشرق، كما درس الغربُ في “علم الاستشراق” الشرق بعين الغرب، لكن لم يُكتبْ لهذين المشروعيْن النجاح، فقد سقطا، ولم يجدا انتشاراً ولا صدىً إلاَّ قليلاَ.

خلع الرفاعي على حسن حنفي صفة رجل الأضداد، حتى أنَّه جعل العنوان المتصدر لاسمه هو: “الأضداد في كأس واحد” (ص119)، كان حسن حنفي مفكراً إسلامياً منغلقاً رغم أن مادته العلميَّة التي توفَّرتْ له، كانت باستطاعتها أن تجعل منه أحد أقطاب الفكر العربي البارزين، لكنَّه أغلق نفسه في حصن التراث، فبدأ منه، منتهياً إليه، من هنا كان مشروعه إحيائياً لا تجديدياً (ص177).

المثقف الديني النقدي الثالث هو محمد عمارة، تميز بارتداد مراحله الفكرية، فهي دوماً إلى حركة عكسية، ابتدأ نشاطه الفكري ماركسياً، أي بقناعة أيدولوجية، كانت صرخة العصر زمن شبابه، ذات آلياتِ مبنية على قاعدة فكرية فلسفيةٍ، تتجلَّى في مستوياتٍ سياسيةٍ، واجتماعية اقتصادية، ساحتُها تعجُّ بمختلف المناقشات مع المعادل المقابل، وهو الفكر الرأسمالي، أو في تلك الانشقاقات الإيديولوجية والاجتهادات الداخلية، فهي حركة وعيٍ لا تفترُّ.

انتقل من الماركسية إلى العقلانية الاعتزالية، وهي درجة أقلُّ، لأنَّ مساحة فاعليتها محدودة، تتعلَّقُ أكثرُ مقولاتها بالجانب التاريخي، إذْ نشأتْ منْ واقع الدفاعِ عن العقائد الإسلامية، نتيجة تناحرٍ مذهبي، ثمَّ امتدَّت في جدالات المِلل والنِّحل لأديانٍ أخرى مقابل الدين الإسلامي، ثمَّ انتقل إلى الوسطية الإسلامية، وهي درجةٌ أخرى أقلُّ، باعتبار التَّعامل يكون مع فكر إسلامي محافظ، يعتمد على الموروث النقلي.

ثم انتقل إلى مذهبية سلفية وهي درجة أخرى أقلُّ باعتبار التعامل الانتقائي مع مذهبٍ ديني دون سائر المذاهب الأخرى من نفس الدين، ورفض فتح الأبواب على ما عداها من مدارس ومناهج وأعلام آخرين، (ص318ـ319)، فتفكيرُه بحكم الطبيعة المعرفية السَّلفية يتوقف عند السطح من خلال أحكامٍ عامَّةٍ، أشبه بأحكام القضاء، فقد اتَّهم طه حسين بوقوعه تحت تأثير القسِّيس، عمِّ زوجته الفرنسية (ص321)، وكان المفكر الإسلامي الإشكالي نصر حامد أبو زيد من ضحايا تشدُّده (ص320).

ولا يخفى أنَّ لمحمَّد عمارة تأثيراً كبيراً على شريحةٍ واسعةٍ من الشَّباب، نتيجة الصَّحوة الإسلامية العامَّة، وهو صاحبُ تآليف بلغتْ 250 كتاباً، له وزنٌ معتبرٌ في الفضاء العامِّ للفكر الإسلامي، إذْ كان مستشاراً في “المعهد العالمي للفكر الإسلامي” القائم على أسلمة المعرفة، تقدَّم إليه المفكِّر محمد أبو القاسم حاج حمد سنة 1991، بكتابه “المنهجية المعرفية القرآنية”، ولكنَّ محمد عمارة عارض طبعه، وبقي إلى غاية 2013، حيث نشره “مركز دراسات فلسفة الدين” ببغداد في العراق (322).

المثقف الديني النقدي الرابع، هو جودت السعيد، داعية اللاعنف، يرى أنَّ الحربَ مكتوبة على جبين الإنسانية، والعنف طبيعة إنسانية، قامتْ عليها، وانتهتْ بها حضاراتٌ، وأخطر العنفِ العنفُ الديني (ص341)، لأنَّه في اعتقاد جماعات العنف مُسَوَّغٌ بنص قدسي، وأدرك مبكراً خطره على المجتمعات، خاصّةً الإسلامية، فنشر كتابه “مذهب ابن آدم الأول: مشكل العنف في العمل الإسلامي” عام 1966، دعا فيه إلى نبذ أشكاله (ص333)، ودعا إلى التَّعامل مع الذي يخالفُنا في الفكر، أو المعتقد بوصفِهِ إنساناً، لا بصفته العرقية، أو الهوياتية، أو الدينية، لكنَّ الرفاعي يذهب إلى أنَّ العنف الديني له جذور تكلَّستْ، أسَّس لها الكلام القديم، وما انبثق منه من مدونات فقهية وفتاوى (ص335)،

ويحبِّبُ جودت السعيد إلى المسلمين قراءة القرآن الكريم، لكن بآليات القراءة التي تفتح النص على الإنسان وعلى المطلق، فيقترح أن يُقْرَأ القرآن من حيث هو عملُ الإنسان، ويُقْرَأ مَرَّةً أخرى من حيثُ هو عملُ الله، ليجد القارئ فعلاً بشرياً يتحدَّث عنه القرآنُ، كما يجده فِعلاً إلهياً يتحدَّثُ عنه (ص333).

جميلٌ ما دعا إليه جودت السعيد، لكن الأمر لا يتعلق بأمنياتٍ ورغباتٍ كما أكد الرفاعي، فموضوعا اللاعنف، وموت الحرب حين يتحَّولان إلى عملٍ فكري، يتطلبان تأسيساً نظريا، وهو ما لم يتوفّق فيه صاحبُ الفكرة، فانزوتْ إلى دعوة أخلاقيةٍ إنسانيةٍ نبيلة.

المثقف الديني النقدي الخامس، هو مالك بن نبي، يعترفُ الرفاعي بقدرته في صياغة أفكاره ضمن نسقِ نظريةٍ علمية دقيقة، وأنَّ له موهبةً في صناعة المفاهيم، وفي تركيبها، بما يشبه المعادلات الرياضية (ص347)، ثم يرى أنَّ كتاباته غذَّتها عواطفُه وغيرتُه المشتعلة على وطنه وأوطان المسلمين، يخلص من ذلك الكاتبُ إلى أنَّ الحماسَة إذا اتَّقدت أخمدت العقلَ، وتراجع التفكير النقدي، فالعواطف المتَّقدة في نظره لا تفكِّرُ، ثمَّ يعودُ، فيراه مرَّةً أخرى متميِّزاً ببنية ذهنية تتجلى في معادلاته (ص353)، واستشهد بما قدَّمه من تحليل ظاهرة “التخلُّف” في سلسلته “مشكلات الحضارة، بصياغته تعريفاً للحضارة، ومنْ أنَّها حصيلةُ اجتماع ثلاثة عناصر هي: الإنسان، والتراب، والزمن، كما رسم مراحل دورتها التي تمرُّ بها كلُّ حضارة إنسانيةٍ، وهي: مرحلة الروح، ومرحلة العقل، ومرحلة الغريزة (354)،

ويرى الكاتبُ أنَّ مصطلح “القابلية للاستعمار” ربما يكون صدى لفكر وطرح ابن خلدون، في ولع المغلوب بالغالب (355)، ويرى أنَّ أكثر معادلاته لا تخلو من مثالية لا يمكنُها أن تتحقَّقَ في واقع المسلمين، كحلمه في محورٍ يجمع الأمة الإسلامية، سماه “محور طنجة – جاكارتا” (356)، كما تظهر في كتاباته بصمة لاهوت التحرير، إذْ يرى العنف مكّوَناً أساسياً لماهية الدين، ولاهوت التحرير نسخة من الإسلام السياسي (359).

اختار الرفاعي لتمثيل الفكر الإيراني الحديث ثلاثة فلاسفة: داريوش شايغان، وسيد حسين نصر، وأحمد فرديد، عاشوا في فترة متقاربة. أولهم داريوش شايغان، الذي ابتدأ حياته المعرفية في سن مبكرة من خلال مجالس “حلقة أصحاب التأويل”، التي ضمَّتْ العلاَّمة محمد حسين الطباطبائي وهنري كوربان، وتدارسوا فيها الفلسفة الإشراقية، وفلسفة الحكمة المتعالية، والعرفان (ص199)، ثم حاز على تكوين أكاديمي رصينٍ في جامعة السوربون، توَّجَهُ بإجازة الدكتوراه، ليقوم بعد ذلك بتدريس الفلسفة المقارنة، واللغة والآداب السنسكريتية، والتيارات الفلسفية الغربية في جامعة طهران (ص204ـ205)،

ومرَّت حياته الفكرية بثلاثة محطَّات، تأثَّر في محطَّته الأولى بالفرنسي رينيه غينون، والسويسري كارل غوستاف يونغ، والألماني مارتن هايدغر (ص207)، كان نتيجتها إنكاره المعارف الغربية في عصر الأنوار، وأنَّ الأنوار الحقيقية منبعها الشرق، فدعا إلى الرجوع إلى الذاكرة الذاتية، والهوية الثقافية والقيم الموروثة (ص208)، وكتب في هذه الفترة “الأصنام الذهنية والذاكرة الأزلية”، عام 1976،

وأما محطته الثانية، فتأثَّر فيها بميشال فوكو، وغاستون باشلار، ولويس ألتوسير، وهابرماس… وفيها تمكَّن من تصحيح رؤيته، فلم يعد يرى قدسيةً للذاكرة والهوية، ونادى في هذه المرحلة بتعميم “الرؤية النقدية”، التي هي إعادة تفكيك الموروث، واكتشاف خلله، ومواطن قصوره، ونشر كتابه “ما الثورة الدينية” عام 1982 (ص220)، رأى أنّ قوة الحضارة الغربية آتيةٌ من التشغيل النقدي الدائم، ثم ارتقى إلى محطته الثالثة، حيث نضجت شخصيتُه المعرفية، مضيفاً إليها مقولات جيل دولوز، وفيليكس غاتاري، تبيَّنت له حقيقةُ المجتمعَيْن الإنسانيين الغربي والشَّرقي، وأنَّهما أصلاً قائمين على أساس تناقضاتهما الداخلية، إذ أصل تكوينهما تعدُّدي، ولا يمكنُ أن يكون إلاَّ كذلك، فمن هذ التعدد يأتي التناقض،

وصاغ للتعبير عن رؤيته الجديدة مصطلحاته، من مثل:” أنطولوجيا مهشمة. تزامن الثقافات المتنوعة. العالم في هذا العصر شبحٌ. الهوية أربعين قطعة، هوية مركبة من شبكة ترابطات دقيقة، تعددية ثقافية. اختلاط قوميات. تمازج أفكار. تهجن مضطرد. تمازج لغوي وعرقي تعمل كالريزوم، تكتسبُ شكلا جذموريا ريزومياً، فينبثقُ نموذجٌ مرقع…” (ص231).

توصَّل إلى أنَّ عالمنا المعاصر ذو “هويَّة ريزوميَّة”، وهي هوياتٌ متداخلةٌ، وثقافاتٌ متمازجةٌ، وتلاقحٌ واختلاطٌ دائمان مستمران في الزمان والمكان، فلا وجود لهوية نقيَّة صافية، العالمُ ذاته سائرٌ إلى التمازج، الهويَّة الواحدة قماشٌ من أربعين قطعةً تخاطُ باستمرارٍ (ص233)، فمن هنا، فجميعُ الثقافات من الإنسان وللإنسان أُبْدِعَتْ، بل الإنسان نفسه هو للإنسان، وفي هذه المحطة اعتبر داريوش شايغان منجزات الأنوار إضافةً مهمَّةً للإنسان.

أمَّا سيد حسين نصر، فقد درس مرحلته الثانوية والجامعية في الولايات المتحدة الأمريكية، وحصل منها على إجازاته العلمية، وحضر دروس براتراند رسل، وتأثر برينيه غينو، وشوان، وبوكهاردت، وكان هؤلاء ضمن تيار فكري أطلق عليه الكاتب عبد الجبار الرفاعي “الحكمة الخالدة” (ص255)، وهي في بحث نصر حكمةٌ جوانيةٌ ساريةٌ من الأنبياء إلى الحكماء والفلاسفة (ص257). ولا يولي الغرب هذا العلم أيَّ اهتمام، لذا يرى سيد حسين نصر الشرقَ رمزَ النور والعقل والروحانية، والغربَ رمزَ المادية والانحطاط (273)، إلاَّ أنَّ الرفاعي يرى هذا الطرح دعوةً مبهمةً غامضةً، تقومُ أساساً على رفض المنجز الغربي (ص263)، كما لم تخرج هذه الدعوة من برجها النظري أبداً، وبقي حسين نصر متمسكاً بها حياتَه كلَّها دون مراجعة (ص275)،

وأمَّا أحمد فرديد، فهو صاحب التَّأثير الواسع في الفضاء الفكري الإيراني عبر حلقته الأسبوعية المسمَّاة “الحلقة الفرديدية”، تُناقش فيها تاريخ الفلسفة الإنسانية، والفلسفة الغربية والشرقية، ولمْ يتركْ أحمد فرديد أيَّ أثرٍ مكتوبٍ، بل اكتفى بتعليمه الشفهي، لذا أُطلِقَ عليه “الفيلسوف الشفهي” (ص287). صاغ للتعبير عن رؤاه مصطلحاتٍ غامضةٍ مركَّبة مثل: “الحكمة الإنسية، علم الأسماء التاريخي، وباء الغرب، تجلي أسماء الله في التاريخ… (ص286)، وقد صاغ رؤيته لعلم الأسماء الإلهية من فلسفة هايدغر، وعرفان ابن عربي، وعلم اللغة المقارن، والفيلولوجيا واللسانيات، لكنَّ هذه الرؤية كما يحللها الرفاعي مزيجٌ غيرُ متجانسٍ (ص290)، رآهُ مجرَّدَ نَقْعٍ لغوي لا ينجلي على أيَّة نتيجةٍ ذاتِ قيمةٍ.

يخلُصُ الرفاعي إلى أنَّ أحمد فرديد شخصية إشكالية مؤثِّرةٌ، فقد وقع في شراك غوايته مثقفون كثيرون، وإنْ كانوا قد انفضُّوا من حوله.

يتكوَّن الكتابُ من 367 صفحة، خصَّصها لعرض ثمان شخصيات. اختار لتمثيل الفكر العربي خمس شخصياتٍ، مثَّل الأولى “علي الوردي” بِـ 67 صفحةً في 13 مقالاً، والثانية “حسن حنفي” بِـ 58 صفحةً في 9 مقالاتٍ، والثالثة “محمد عمارة” بِـ 18 صفحةً في 3 مقالاتٍ، والرابعة “جودت السعيد” بِـ 17 صفحةً في 3 مقالاتٍ، والخامسة “مالك بن نبي” بِمقال واحدٍ من 11 صفحةً، الملاحظُ هو العدُّ التنازلي للمقالات وعدد الصفحات، فبين الشخصية الأولى والأخيرة فجوةٌ واسعة.

وتجلى عمل الفكر العربي في هذه الفترة من خلال هذا الكتاب على معالجة أوضاع اجتماعية كالذي ورد عند علي الوردي، أو عرض لأيديولوجية كاليسار الإسلامي، أو طرح لعلمٍ مُجْهَضٍ كما عند حسن حنفي، أو نظرة دينية منغلقة كما عند محمد عمارة، أو رؤية طوباوية في موت الحرب كما عند جودت السعيد، أو عرضاً غير مكتملٍ لطرح نظري كما عند مالك بن نبي، فليس هناك أي مبحث فلسفي، أو تأسيسي، أو فكري، لذا رأى الكاتبُ أنَّ ظاهرة الفكر العربي، تدعو للرثاء، كما لفت انتباهه فيه أنَّ له بداية متفتحة، ونهاية منغلقة (316)، ولا يمكن للعقل العربي أن يقوم بدوره، إذا لم ينهل مرتوياً من عوالم الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع (ص18).

أمَّا الفكر الإيراني، فقد مثَّله ثلاثُ شخصيات، الأولى داريوش شايغان بِست مقالات في 44 صفحةً، والثانية سيد حسين نصر بخمس مقالات في 34 صفحةً، والثالثة أحمد فرديد بسبع مقالاتٍ في 29 صفحةً، والملاحظ هو التوازن النسبي في عرض الشخصيات الثلاثة. عمل الفكر الإيراني في نفس الفترة على مبحثيْن: فكرُ الهويَّة، أو العودة إلى الذَّات، والاهتمام بالروحانيات الشَّرقيَّة، وطريقة إصلاح أو تجديد الفكر الديني على ضوء منجزات العلوم الحديثة (288).

في خلاصة القراءة، يبدو أن عنوان الكتاب له نصيبٌ من اسمه في موضوع الكتاب، فرجعُ اللفظتين “مفارقات”، و”أضداد” تتردَّد بين جنبات الموضوع، نجد الفكر العربي في توظيفه التراث والدين فكر مفارقات، ولفظة أضداد صفةٌ تصدق على الفكر الإيراني.

عبد اللطيف الحاج اقويدر، كاتب جزائري. مراجعة لكتاب: د. عبد الجبار الرفاعي، مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث، ط1، يناير كانون الثاني 2024، منشورات تكوين، الكويت، دار الرافدين، بيروت. [1]

 

https://www.awaser.net/2024/01/20/%d9%85%d9%81%d8%a7%d8%b1%d9%82%d8%a7%d8%aa-%d9%88%d8%a3%d8%b6%d8%af%d8%a7%d8%af-%d9%81%d9%8a-%d8%aa%d9%88%d8%b8%d9%8a%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%8a%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d8%ab-2/

مقدمة كتاب مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث [1]

د. عبد الجبار الرفاعي

الفكرُ العربي الحديث منشغلٌ بالغربِ والفكرِ الغربي منذ أكثر من قرنين، مولَعٌ بما أنتجه، وغارقٌ بأسئلته واهتماماته ومقولاته ورؤاه ومعالجاته وإجاباته، إثباتًا أو نفيًا، أو تلفيقًا وتوفيقًا. نادرًا ما يتعرّف هذا الفكرُ على الفلسفات والفضاء الميتافيزيقي والآداب والفنون الشرقية في الهند واليابان والصين وبلاد الملايو، ولم يعرف إلا القليلَ جدًا عن الفكر الإيراني حتى الأربعين سنة الأخيرة. الفكرُ الإيراني منفتحٌ على الفضاء الغربي بشكلٍ واسع، يحتفلُ بترجمات المتون الأساسية والشروح بالألمانية والفرنسية والانجليزية، بنحوٍ صارت الترجماتُ تتسيّد عددَ العنوانات المطبوعة كلّ سنة. أخبرني وكيلُ وزير الإرشاد أن عددَ العنوانات المطبوعة قبل سنوات بلغ نحو سبعين ألف عنوان باللغة الفارسية في سنة واحدة. يتميّز الفكرُ الإيراني بتفاعله الواسع مع الفلسفات والأديان وعوالم الميتافيزيقيا الشرقية، ويعود هذا التواصلُ والتفاعل إلى العصور القديمة، وتنامى ذلك بالتدريج في العصر الإسلامي، ولم ينقطع في العصر الحديث. يتميزُ الفكرُ الإيراني الحديث غالبًا بغطاءٍ ميتافيزيقي، ‏خلافًا للفكر العربي الحديث الذي يكون متمردًا غالبًا على الميتافيزيقيا. حتى الفكرُ الديني العربي لا يرتدي ذلك الغطاءَ الميتافيزيقي بهالته الرمزيةِ والعرفانيةِ وايحاءاته الفلسفية.

اللافتُ أن لا الفكر الإيراني ولا الفكر العربي حدث بينهما تواصلٌ ديناميكي وتفاعلٌ خلّاق في العصر الحديث، بمستوى تفاعلِ الفكر العربي مع الفكر الغربي، وتفاعلِ الفكر الإيراني مع الفكر الشرقي والغربي. هذا الكتابُ محاولةٌ لفتح نافذة حوارٍ فكري عربي إيراني، بعرضِ ونقدِ مشاغل نماذج من المفكرين المتنوعة والشديدة التمايز في الفضائين. كنا نقرأ في كتابٍ واحد دراسةَ نماذج لمفكرين عرب وغربيين، أو إيرانيين وغربيين، ولم نقرأ كتابًا يتسعُ لأصواٍت عربية بجوار أصواتٍ إيرانية. في هذا الكتاب يتحدث الفكرُ العربي للفكر الإيراني، والفكرُ الإيراني للفكر العربي، كلٌّ منهما ينطلقُ من سياقاته ورؤيته للعالم وطريقة تفكيره المختلفة ولغته الخاصة. وهي محاولةٌ تتطلع أن تكون فاتحةً لكتابات تعيدُ وصلَ ما أحدثت التعصباتُ من انفصالٍ داخل فضاء الإسلام الثقافي المشترَك، وتعكس تنويعاتِه المتعدّدة، بتعدّد اللغات والثقافات والمجتمعات، والإكراهاتِ المتنوعة أمس واليوم. حاولتُ في هذا الكتاب انتخابَ جماعةٍ من مفكري الفضائين العربي والإيراني، يختلفون أكثر مما يتفقون في فضائهم الثقافي الواحد، لكلِّ واحدٍ منهم فرادةٌ في طريقةِ تفكيره، وبصمةِ لغته، وتميزٌ عن غيره في رؤيته للعالم، وتباينٌ في شخصيته الفكرية، وكيفية تذوقه الأشياء، ومعالجته الأفكار، وصياغته المفاهيم.

بدأ الفصلُ الاول في الكتاب بحديثٍ عن علي الوردي، وجاء الاهتمامُ بفكره لأكثر من سبب؛ الأول يعودُ إلى أن كاتبَ هذا الكتاب ينتمي الى جيلٍ بدأ يقرأ كتاباتِ الوردي في المرحلة الثانوية قبلَ نصف قرن، وتشبّع وعيُه ومشاعرُه بآراء الوردي، وظلّ الوردي حتى اليوم يتجدّد حضورُه في وعي هذا الجيل. والسبب الآخر يعود إلى أن الوردي كان ضحيةَ جفاءٍ في وطنه وفي غير وطنه، ففي العراق صمتت وسائلُ الإعلام بأسرها عن أعمال الوردي في المرحلة الأخصب من حياته، وكأنه غيرُ موجود على خارطة الفكر العراقي، وتواصل هذا الصمتُ حتى وفاته. وهو موقفٌ معلَن من السلطة السياسية المستبدّة، بوصف فكرِ الوردي يقوّظ الاستبدادَ بكلِّ تعبيراته في العائلة والمجتمع والسلطات السياسية وغيرها، ويرادف هذا الموقفَ صمتُ اليسار العراقي بتنويعاته الأممية والقومية وتجاهلُه لفكر الوردي في حياته. فكرُ الوردي يرفض الأيديولوجيا، والأيديولوجيا معبودةُ اليسار بكلِّ أنماطه. في العشرين سنة الأخيرة تعرّض فكرُ الوردي الى نوعٍ آخر من الجفاء، إذ لم تهتم به مراكزُ البحوث والأكاديميات العلمية في وطنه، ولم نقرأ دراساتٍ تحليلية نقدية جادة لأعماله، وقلّما صارت هذه الأعمالُ مادةً للدراسات العليا في العلوم الإنسانية، وإن ظهر اهتمامٌ بكتاباته في العشرين سنة الأخيرة على شكل موجةٍ جماهيرية، بنحوٍ صارت كتاباتُه تُطبع وتُباع على الأرصفة، وكأنها قصصُ عنترة بن شداد والسندباد البحري والزير سالم وأمثالها. وخارج وطنه جفاه المثقفون والأكاديميون العرب حتى اليوم، إلا في حالاتٍ استثنائية، وكأن هناك تواطؤًا على نسيانه، في الوقت الذي انشغل الفكرُ العربي أحيانًا بشخصيات هامشية ليست في مكانة الوردي الفكرية. لا تهتم في الغالب أقسامُ العلوم الاجتماعية في الجامعات العربية بأعماله، ونادرًا ما نقرأ مَن يكتب عن فكره في المطبوعات الثقافية، المحتكَرة لجماعاتٍ تتكرّر أسماؤها في المناسبات المختلفة، ولا تسمح لغيرها بالحضور على هذه المنابر. ولم يحدث أن تبنّت دورُ النشر المعروفة في بيروت وغيرها إصدارَ أعماله، ولبثت مؤلفاتُه إلى اليوم تُنشر تجاريًا،كما تُنشر الكتبُ الشعبية وتُباع على عربات الأرصفة.

الفصل الثاني في الكتاب يدرس فكرَ حسن حنفي، وهو مثالٌ ينفرد فيه مفكرٌ متعدّدُ التكوين، خبيرٌ بالتراث، وأكاديميٌّ تخرج في جامعة السوربون. مدهِشٌ في مثابرتِه وصبرِه الطويل، وتدفقِ إنتاجه المتواصل بغزارة. قلّما رأينا كمًا بحجم كتاباته لدى أمثاله في موطنه مصر والبلاد العربية الأخرى، ولعله من أغزر المفكرين العرب في نصف القرن الأخير في حجم إصداراته الموسوعية المتنوعة. خاض حنفي مغامرةً فكرية لم يسبقه إليها كاتبٌ قبله، تراه يخصّص موسوعاتٍ تبدأ بالتراث وتعود للتراث،كلُّ موسوعة منها تتكدّس فيها مجلدات متعددة، يحاول فيها إعادةَ إنتاج التراث بلغتِه الخاصة، ذاتِ الصبغة الشعاراتية التعبوية الشديدة الإيقاع، وبقدرتِه الاستثنائية على التوفيق والمصالحة بين الأضداد. تشعر وأنت تقرأه كأنك داخلَ مكتبة يتحدث فيها المتكلمون واللاهوتيون، والفلاسفة، والمفكرون، من المسلمين والغربيين، تستمع إلى أصواتهم المتنازعة، بصوت كاتبٍ يلفقها بشكلٍ تبسيطي، فتنطق بصوته لا بصوتها، وتتحدث لغتَه لا لغتَها، وتعبّر عن رؤيته لا عن رؤيتها.

وجاء الفصلُ الثالث لينتقل من الفكر العربي ويدرس تجربةَ مفكرٍ إيراني معروفٍ على نطاق محدود في الفضاء الثقافي العربي المشرقي، ومعروفٍ بصورة أوسع في الفضاء الثقافي الفرانكفوني. يكتب داريوش شايغان بالفرنسية، وقلّما يكتب بلغته الأم الفارسية. تتميز رحلتُه الفكرية بثرائِها وكثافتها النوعية، وشجاعةِ عقل هذا الرجل الفذّة على الانتقال عبر محطات، يغادر في كلِّ سابقة منها مُقلِعًا إلى لاحقةٍ لا تكرّرها، وهو يستأنف النظرَ في مسلّماته وقناعاته وأحلامه الماضية، ويدلّل على خطأها بنفسه.

ودرس الفصلُ الرابع فكرَ مواطنه وصديقه حسين نصر، وهو أيضًا مفكرٌ مثير للجدل، تميّز ببصمةِ فكره الميتافيزيقي المركبة، ذات المنحى الغنوصي الغامض. أفكارُه الغريبة هذه لم تجد صدىً لها في الفضاء الثقافي والميتافيزيقي العربي.

واتسع هذا الكتابُ لدراسة فكر أحمد فرديد، وهو المفكر الإيراني الغريب الأطوار، الذي لم يدون أفكارَه، ولم ينشر شيئًا منها في حياته. ظلّ مفكرًا شفاهيًا، غير أنه ملأ الدنيا وشغل النخبةَ الإيرانية في زمانه، بمنحوتاتِه اللغوية ومعجمِه الاصطلاحي الفريد، وأفكارِه الملتبِسة الهجينة، وما أحدثته مقولاتُه من ضجيجٍ وسجالات لم تسكت حتى اليوم، لاسيما بعد رحيلِه وصمتِه الأبدي.

ووقف الكتابُ في فصله الخامس عند ظاهرةٍ فكرية ليست شاذةً في الفكر العربي في زماننا، وانتخب أحدَ أبرز ممثليها، وهو محمد عمارة، الذي رحل من الماركسية إلى السلفية عبر سلسلة من المحطات. وفي الفصل السادس تحدث الكتابُ عن داعيةِ اللاعنف جودت سعيد، وأمانيه الرومانسية بموت الحرب، ونسيانِه أن الحربَ لن تموت مادام الإنسانُ إنسانًا. وفي فصله الختامي تحدث الكتابُ عن هاجس الهوية والصراع الحضاري لدى المفكر الجزائري مالك بن نبي.

 

                                                                                                                                                              بغداد 1.9.2023

 

 

 

[1] مقدمة كتاب: مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث، الصادر حديثًا عن منشورات تكوين في الكويت، ودار الرافدين ببيروت، الكتاب بحدود 400 صفحة.

 

https://alsabaah.iq/87283-.html

                     فكر الدكتور حسن حنفي ملتقى الأضداد

 

                                                                  د. عبد الجبار الرفاعي

 

                                                     – 1

                         نداء الحياة يهتف بالروح رغم وهن الجسد

رحل الدكتور حسن حنفي يوم الخميس 21-10-2021 عن عالمنا بعمر 86 سنة (1935 – 2021). ‏برحيله فقد العربُ مفكرًا غزيز الإنتاج، وخسرت الفلسفةُ معلِّمًا أفنى حياتَه في التعليم، وباحثًا كرّس عمرَه للبحث والكتابة. مشاعرُ فقدان الأصدقاء القريبين موجعةٌ، احتجتُ مدةً طويلة لتبرد مشاعري وأعيد ‏تحريرَ هذا النص وأنا هادئ. أحاول أن أكتبَ عنه وأنا متخفف من مشاعرِ فقدان صديق عزيز، ولئلا يقع تفكيري أسيرَ عواطفي عند الحديث عن أفكاره.

كنا معًا على المنصة في الجلسة الافتتاحية آخر مرة التقينا بمؤتمر النهضة العربية سنة 2018 في الأردن، كان مُقْعَدًا على كرسيٍّ، لكنَّ همَّته وعزيمته وحماسته لم تهدأ، وتوقُّد ذهنه لم ينطفئ.‏ أحترمُ حسن حنفي وأعتزّ بصداقته، ويعجبُني منجزَه الواسع، وأهتمُ بمتابعة ومطالعة كتاباته المتدفقة الغزيرة. تربطنا صداقةٌ تواصلت سنوات طويلة، كان مهذبًا دافئًا ودودًا معي، أحبُّ صوتَ الإنسان الغيور الشهم داخلَه، وإن كنتُ أختلفُ مع تعريفه للدين وقراءته لنصوصه.

تعودُ علاقتي بفكر حسن حنفي إلى أكثر من أربعين عامًا، قرأتُ سلسلةَ مقالاته في نقد الأصولية بجريدة “الوطن” الكويتيَّة بعد مقتل الرئيس المصري الأسبق أنور السادات. في نقده للأصولية للمرة الأولى أقرأ نقدًا بجرأة لم أعرفها في أدبيات الجماعات الدينية. لم تألف هذه الجماعاتُ غربلةً وتمحيصًا في داخلها لشعاراتها ومفاهيمها وقراراتها. كلُّ ما قرأتُه في تقويمها ومراجعتِها ونقدها لكتّاب خرجوا عليها وغادروا تفكيرها، أو كتّاب ينتمون للجبهة المقابلة لها. انتقل حسن حنفي في نقده للأصولية إلى آفاق أوسع من ضيق أفق تفكيرها ومفاهيمها المبسّطة، ونظرتها الأُحادية لواقع شديد التركيب ومتعدّد الأبعاد ومتنوّع الوجوه.

بادرتُ إلى قراءة ما أعثر عليه من مقالات حنفي ومؤلفاته. أرسلتُ له رسالةً بريدية. لم أكن واثقًا من وصولها، فوجئتُ بعد مدة طويلة برسالة جوابية مرفقةً بطرد يحمل مجلة «اليسار الإسلامي» وغيرها، هذه المجلةُ أصدرَ حنفي العددَ اليتيم منها ولم يردفه بعدد آخر. ضمّت «اليسار الإسلامي» مقالاتٍ بعضُها منشور من قبل، منها مقالةٌ للدكتور علي شريعتي مترجمة للعربية. كانت المجلةُ أشبه ببيان تأسيسي لحزب أيديولوجي ثوري. قرأتُ مقدمتَه المسهبة للمجلة أكثرَ من مرة، رأيتها مقالةً تحتشدُ فيها أصواتٌ متنوعةٌ للثوار في تاريخ الإسلام المبكر، تحتشدُ هذه الأصواتُ بموازاة مقولاتِ العدل والحرية في علم الكلام المعتزلي، ومفاهيمَ إنسانية منتقاة من التراث. لم أقرأ من قبل كتابات تتجاور فيها كلُّ هذه التوليفة المركبة من أضداد، يحاول حنفي أن يسكبَ أضدادًا في كأس واحد. بقدر ما أعجبتني براعةُ حسن حنفي في الصياغة اللغوية لشعارات تنادي بأحلام اليسار والحركات الثورية بمختلف تعبيراتها، وخبرتُه الواسعة بحقول التراث المتنوعة، تساءلتُ عن كيفية جمع ثورات تنطلق من مواقف اعتقادية متعارضة وأحيانًا متصارعة، ودمجها بمقولات كلامية تعكس كلُّ واحدة منها رؤيةَ أحد الفرق الكلامية المتنازعة. بدأ ينمو ويتراكم هذا التساؤلُ وأمثالُه بمرور الزمن كلما قرأتُ جديدًا لحنفي، إلى درجة اكتشفتُ فيها عقلًا يدمجُ عناصرَ غريبة وأحيانًا متضادة تنتمي لفلسفات متنوعة وعقائد متصارعة، يدعوها لتنادي بصوته لا صوتها، وتعلنُ غاياتِه لا غاياتها، وتنشدُ أحلامَه لا أحلامها. وقفتُ على بوصلةَ تفكير حنفي منذ أول قراءة لكتاباتِه وتكشّفَ لي بوضوح كيف يجعل الشرقَ يقول ما قاله الغربُ والغربَ يقول ما قاله الشرق، والماركسيةَ تقول ما قاله الإسلامُ والإسلامَ يقول ما قالته الماركسية، والتراثَ يقول ما قاله التنويرُ والتنويرَ يقول ما قاله التراث.

تفرضُ عليك جهودُ حسن حنفي الاهتمامَ بها، سواء كنتَ تتفق أو تختلف مع أفكارِه، أو تثيرك تأويلاتُه للتراث، ومحاكاتُه للاهوت التحرير، وشغفُه باشتقاق الثورة من العقيدة. كتاباتُه وعباراتُه كأنها شعاراتُ ثوار بالغة التأثير على مشاعر مَنْ يقرأها بتعجّل، تراها لأول وهلة كأنها نسيجٌ ينهل من منابع متنوعة، تحيلُ إلى الموروثِ بحقوله الواسعة، وتتكلمُ مصطلحاتِ الفلسفةِ وعلوم الإنسان والمجتمع الحديثة بتياراتها واتجاهاتها المتنوعة، وإن كانت قراءتُها بتريُّث ترى فيها ما لا تقوله قراءتُها المتعجّلة. لا تفتقرُ كتاباتُه إلى إطلالة على الماضي وإن كانت مشدودة بالواقع، تقرأ إعلاناتِه المكررة عن ضرورة الاهتمامِ بالواقع ومتطلباته واستحضارها في التفكير والتعبير. تخلو كتاباتُه من التحريض ضدّ المذاهب، لا تشوبها لوثةٌ طائفية، لم يكن مع مذهب ضدّ مذهب، ولا مع جماعة ضدّ جماعة، ولا مع حزب ضدّ حزب. تشعرك كأنها مع الجميع، في الوقت الذي لا تراه إلا وحده، يحرص على التوفيق بين مختلف التيارات والاتجاهات والفرق والمذاهب والأيديولوجيات، الذي يصلُ حدَّ التلفيق المكشوف بتأليف ما لا يأتلف.

كنتُ مدعوًّا لمؤتمر نظّمه الأزهرُ في القاهرة ربيع سنة 2017، لا أتذكر زيارةً للقاهرة إلا وأبدأها بمهاتفة حسن حنفي، وأقتطع وقتًا مناسبًا لزيارته في بيته مهما كانت الزيارةُ قصيرة، كما هي عادتي في كلِّ مرة أصلُ مصر، وعندما يتسعُ وقتي أزوره أكثرَ من مرة. لم تتجاوز زيارتي الأخيرة أيام المؤتمر الثلاثة، ولم يتسع وقتي للقاء أصدقاء كرام في هذه الزيارة، إلا لزيارة الأخ حسن حنفي إذ فرضتها ضرورةُ الصداقة الأخلاقية. هاتفته فأجابني مرافقُه، وفور إخباره أعرب عن سعادته ورغب بشوق أن أصلَ إلى بيته القريب من منطقة الفندق الذي أقيم فيه. اكتريت سيارةً إلى مدينة نصر حيثُ منزله، وطلبتُ من السائق أن ينتظرني ربع ساعة كي أعودَ لأعمال المؤتمر. عندما دخلتُ عليه رأيتُه مُقْعَدًا واهنَ القوى والحواسّ، أسرع إنهاكُ الأمراض والشيخوخة إلى الفتك بجسده، استنزفتْ طاقةَ عينيه المطالعةُ والكتابةُ حتى كادَ يفقدُ بصره، رأيتُه يكتبُ الكلماتِ بقلم عريض لا تستوعب الورقةُ من حروفه إلا عباراتٍ قليلة، يستعينُ بالبصيص الضعيف لعينيه باستخدام عدسة مكبرة جدًا للقراءة والكتابة. حزنتُ لما رأيتُ جسده بهذه الحالة. على الرغم من وهن جسده وضعف صوته لم ينطفئ حماسُه ولم تمُت أحلامُه. تألَّمتُ كثيرًا للوهن الذي نهش جسدَه، كان مُقعَدًا على كرسي، لا يقوى على القيام. المفاجئ أن الفتور الذي استولى على جسده، لم يعبث كثيرًا بعقله، ولم ينخر مشاعرَه، ولم يطفئ حماسته المتَّقدة، ولم يصيِّر جمرةَ شعاراته رمادًا. استمعتُ إلى نداء الحياة يهتفُ في روحه بصوت يهزمُ نداءَ الموت في جسده. مكثتُ ساعة ونصف تقريبًا، أسأله عن صحته وجديد مشروعه الذي نذر له عمرَه وضحَّى براحتِه وصحته من أجل إكماله، كان يحدثني بثقة العاشق المتيَّم الذي تحقّقت كلُّ أحلامه، وهو يقول جذلًا: تمكنتُ من إنجاز آخر حلقة في مشروع “التراث والتجديد”. ويضيف: لم يعد لديّ ما أحلمُ بكتابته إلا تدوين ذكرياتي، وأتمنى لو أسعفني العمرُ أن أنجزَ كتابًا جديدًا عن الثورة والثوَّار في كتابات مفكِّري أمريكا اللاتينية. سألني ما إذا كانت حقيبةُ سفري تستوعبُ آخرَ أعماله، فقلتُ له: سفرتي سريعة لحضور مؤتمر، وحقيبتي الخاصة بالكتب سأعودُ بها لبغداد فارغة؛ لم يسعفني الوقتُ للذهاب للهيئةِ المصرية للكتاب والمركز القومي للترجمة ودورِ النشر الغنية بإصداراتها المتنوعة في القاهرة. أهداني ما صدرَ من الحلقات النهائية لمشروعه، وهي عدة مجلَّدات في التفسير، تغطِّي الحلقةَ الخاتمة في مشروعه الواسع الطموح. أحبطَ تفسيرُه أَمَلِي مرةً أخرى، تفسيرُه تبهرك عناوينه، وهو الخبيرُ بصياغة العناوين بلغةٍ كأنها لافتات شِعرية، وحين تقرؤه لا تجد مضمونَه يتناغمُ والإيقاع المعلن لعناوينه، يسهبُ في الحديث ويراكمُ كلماتِه وعباراته وشعاراته المعروفة في كتاباته، يفسِّر الآياتِ القرآنية في ضوء رؤيته المهيمنة على كتاباته منذ البدايات المبكرة، إلا أن لغتَه أضحت سائلةً، تفيضُ بالألفاظ وتشحُّ بالمعاني. تألَّمتُ لحظةَ رأيتُ لغتَه تفتقرُ إلى طاقتها ووهجها المعروف في كتاباته السابقة، وكأنّ الوهنَ الذي أدرك جسدَه أدركها هي أيضًا.

 

                                        – 2

                                 كاهن الفلسفة

كنتُ ألتقي الدكتور حسن حنفي، فنذكر في سياق حديثنا آراءَ مفكرين معروفين، ويجري نقاشٌ حول مرجعيَّات رؤيتهم للعالَم، ومواقفهم المتنوعة من ثنائيات: الماضي والحاضر والأصالة والمعاصرة والتراث والحداثة، وتصوُّراتِهم المتعددة لدراسة أسباب التخلف والانحطاط وشروط النهضة، والإحياء والإصلاح والتجديد، وأثرِ فهم الدين وتفسير نصوصه وأنماط التدين في النهضة والبناء والتنمية. حين نتحدث عن كتاباتهم ومواقفهم كان لسانُ حسن حنفي لا يستغرق في ذكر غيره بسوء، وأحيانًا يحاول التهرُّب من الحديث، إذا كان الحديث يتطلب رأيًا سلبيًّا صريحًا، وربما يصمت وينقل الكلامَ إلى شأن آخر، على الرغم من أن هذا الموقف لم ينعكس على كتاباته، خاصة سيرته “ذكريات”.

نشر حسن حنفي فصلًا في أحد أجزاء مؤلفاته كَسِيرةٍ أوَّلية، وأعاد كتابةَ فصل آخر تناول فيه محطات متنوعة من حياته. في كتابه الأخير «ذكريات» وهي المرة الثالثة والأخيرة لكتابة سيرته الشخصية، حاول أن يتحدث عن رحلة حياته ومنعطفاتها المتنوعة من المرحلة الأولى إلى ما انتهت إليه قبيل وفاته. كان فيها أكثرَ تعبيرًا عن ذاته وانفعالاته ومواقفه الصادمة، صوتُه أشد وحديثُه أصرح، وهو يحكي للقرّاء ما تعرّض له من مواجع الحياة ومراراتها، وما كابده من تشرّدٍ وجوعٍ عند وصوله إلى باريس وبؤسٍ لا يطيقه إلا الصَّبور. كان في بداية المشوار يتساءل على الدوام حتى عن البداهات أحيانًا، متمرِّدًا لا يكترث بالممنوعات الاجتماعية ولا تهمُّه البروتوكولات الحكومية، عنيدًا لا يرضخ للترويض، تعيش معه ويعيش لها أحلامُه الكبرى الصادمة لأساتذته وزملائه، ولا يتردّد في إعلانها على الملأ. عند وصوله باريس لإكمال دراساته العليا خريف 1956 لم يكن في جيبه شيءٌ من المال، ذهب إلى بواب السفارة المصرية وطلب منه أن يُؤويه ليلًا ريثما يعثر على سكن، يقول حنفي: «فاستغربت، ألَّا يقبل بوابُ السفارة طالبًا سيغير العالَم بأفكاره»[1]. حين لم يجد مكانًا ذهب إلى مسجد باريس ولم يسمح له بالمبيت فيه، أرشده إمامُ المسجد «إلى أحد الجزائريين، كي ينام معه. وكانت غرفة في فندق في الحي العشرين الذي يقطنه العمال الجزائريون. ستة على سرير واحد»[2]. يتحدث حسن حنفي في ذكرياته عن رأي الآخرين بكتاباته ومواقفه قائلًا: «كانت صورتي في الإخوان أني شيوعي، وصورتي عند الشيوعيين أني إخواني. وصورتي في أجهزة الأمن أني إخواني شيوعي. ولم يكن اليسار الإسلامي قد انتشر بعد، ليحل التناقض بين الإسلام والشيوعية أو الاشتراكية أو الأيديولوجيات العلمانية كالليبرالية والقومية»[3]. حسن حنفي كان مسكونًا بيوتوبيا اليسار الإسلامي، مفهوم اليسار الإسلامي لديه يلتقي فيه الإسلامُ بالشيوعية، وتجتمع الأضدادُ في كأسٍ واحد، بتوظيفٍ براغماتي مكشوف للتراثِ واستعمالِه في إثبات الشيء ونفيه.

حسن حنفي ثائرٌ بالفطرة، لم تتوقف أحلامُ الثورة وشعاراتُها بعد تجاوزه مرحلة الشباب. حسن حنفي كعلي شريعتي مثقّف رسوليّ، وأعني بمصطلح المثقّف الرسوليّ المثقّفَ النبويَّ الذي يرى نفسَه بمثابة النبي المُرسَل إلى أمته لهدايتهم، يشعرُ بمسؤوليته عن معتقدات الناس وأفكارهم. كان حنفي يعلن مرةً أنه مسؤولٌ عن تغيير العالَم بأفكاره، ومرةً أخرى يعلن فيها أنه «إنسان صاحب رسالة، أُعِدّ مشروعًا قد ينقذ الأمة من كبوتها، وذلك يقتضي الجلوس على المكتب طيلة العمر، لا زيارات لأقارب أو أصدقاء، فوقتي كله للعلم ولأداء الرسالة»[4]. واصل إعلانَ مهمته الرسولية في أحاديثه وكتاباته… مثلًا يكتب في مقدمة كتابه «من العقيدة إلى الثورة»: «أنا فقيه من فقهاء المسلمين أجدد لهم دينهم وأرعى مصالح الناس. ليس لنا ألقاب، بل نحن من علماء الأمة، ورثة الأنبياء، والمحافظون على الشرع، كما كان فقهاء الأمة من قبل»[5]. يصنّف حسن حنفي نفسَه فقيهًا من الفقهاء وإن كان يجتهد خارجَ أصولِ الفقه وقواعدِه في المذاهب المعروفة، متكلّمًا من المتكلمين وإن كان يحاول الخروجَ على تراث المقولات والفرق المعروفة للمتكلمين، فيلسوفًا مع الفلاسفة وإن كان يتفلسف خارجَ العقل الفلسفي الذي لا يخضع لمعتقد أو أيديولوجيا أو حكم سابق، يتفلسف حنفي بعقلٍ مشبَع بأيديولوجيا اليسار الإسلامي. ويصرُّ بتساؤلٍ إنكاري: «وما عيب الجمع بين العلم والأيديولوجيا، يسارية أو إسلامية؟ وهل ينفـع تـدريس العلـوم الإنسانية كالاجتمـاع والقـانون والفلسفة دون أيديولوجيا؟ ومـا العـيـب إذا ما أدت الأيديولوجيا إلى العمـل السياسي؟ ومـا الـعيـب فـي أن يسمع الطالب أيديولوجيات مختلفة ويفكر فيها بدلًا من أن يحفظ كتابًا مقررًا؟»[6]. اتسعت اهتماماتُه وتنوّعت أعمالُه بنحوٍ استوعبت مختلفَ حقول التراث، تبدو كتاباتُه للقارئ مؤتلفةً مع كلِّ شيء في الوقت الذي لا يألفها شيءٌ، ويصعبُ تصنيفُها بقراءة متعجلة تحت أيِّ شيء، لا يصدق عليها إلا أنها كتاباتٌ توظِّف التراثَ والفلسفةَ وعلومَ الإنسان والمجتمع أيديولوجيًّا نفعيًا.

كان حسن حنفي أشدَّ توتُّرًا وانفعالًا وحنقًا في ذكرياته وهو يتحدثُ عن بعض تلامذته وزملائه. تسود الشكوى والضجر والألمُ مواردَ متعدّدة من كتاب «ذكريات». عندما يورد موقفًا أو يتحدّث عن زميل أو تلميذ كأنه يستأنف سيرةَ الدكتور عبد الرحمن بدوي التي نشرها في مجلدين، وكان فيها شديدًا على أكثر من عاصرهم، ولم يستثن إلا القليلَ من نقده اللاذع الذي يتمادى فيه أحيانًا إلى الاتهام بلا دليل.

خصّص حسن حنفي نحو 30 صفحة في نهاية ذكرياته لكتابةٍ قاسية عن بعض أساتذة الفلسفة وتلامذته، مثلًا يصف أحدَ أبرز أساتذة الفلسفة المصريين المعروفين عالميًا بقوله: «يعيش على قضيتين: أن ابن رشد ليس مثله من قبل ولا من بعد، وهو ممثل العقلانية. والثانيـة الهـجـوم على الأصولية، والدفاع عـن العلمانيـة الغربيـة. ارتبط بالدوائر الفلسفية الغربيـة أكثـر مـن العربية. ويكتب أسبوعيا في الأهرام ويكرر نفسه. لم يحصل على أي جائزة. وهو الآن مفكر الجامعة للهجوم على الإسلاميين»[7].

يقسو حسن حنفي على أحد تلامذته الأذكياء ويتبرّم منه قائلًا: «كـان يريد الشهرة بسرعة، فالتصق بتلميذي الآخر نصر حـامـد أبو زيد، لأنـه لم يعترض على الشهرة السريعة أو مخاطبـة الإعلام. وبدأ الخروج إلى الإعلام، وكتابة أفكاره في الصحف…كـان القسم يعتبره خير من يخلفني، ولكني اكتشفت باطنه كما عرفت ظاهره، فـقـد كـان يُبدى إخلاصًا لي في الظاهر، ويبطن عداوةً في الباطن. ثـم تـوفي بعـدهـا رحمه الله دون أن ينـال لـقـب باحث أو مفكـر… وتكوّنت حلقة معادية لي من تلاميذي الذين أصبحوا أساتذة بأنني السبب في إجهاضـه بـل ومـوتـه شـهـيدًا للفلسفة بسبب كراهيـة القسـم لـه”[8].

تلميذُه الصديق الراحل د. علي مبروك ظلَّ يشكو بمرارة في رسائله لي من مواقفه الموجعة معه حتى الأيام الأخيرة من حياته، كان مبروك يصفُ أستاذه بـ «كاهن الفلسفة»، وهكذا سمعتُ شكوى من غير مبروك من تلامذة حنفي. أظن علي مبروك يريد من توصيف «كاهن الفلسفة» فضحَ المفارقة المكشوفة في كتابات أستاذه وسلوكه معه وغيره من تلامذته. مبروك يغمز أستاذَه الذي يريد أن يكون فيلسوفًا كاهنًا وكاهنًا فيلسوفًا، وربما يريد أن ينبّهَ القراءَ إلى أن أستاذَه يجمعُ الأضدادَ في كأسٍ واحد، وهذا ضرب من جمع الأشياء المتباينة. الإنسانُ إن كان كاهنًا لن يكون فيلسوفًا، وإن كان فيلسوفًا لن يكون كاهنًا. كلُّ مجتمعٍ يتضاعفُ فيه حضورُ الكهنة ويتضخمُ تأثيرُهم يتضاءل حضورُ الفلاسفة ويضمحلُّ تأثيرُهم.

 

                                                – 3

                                   الدين قربانًا للأيديولوجيا

دعاني الدكتور حسن حنفي للحديث في ندوة الجمعية الفلسفية المصرية مساء الأحد 16 يناير 2011، بحضور نخبةٍ من الأستاذات والأساتذة المعروفين أعضاء الجمعية. أدار هو الندوة، وعقّب عليها الصديقُ المرحوم الدكتور علي مبروك. قدّمتُ في الندوة ورقةً نقديةً لفكرِ د. حسن حنفي وفكرِ د. علي شريعتي، بعنوان: «اختزال الدين في الأيديولوجيا: نقد لاهوت التحرير عند حسن حنفي وعلي شريعتي». لم يظهر الانزعاجُ عليه على الرغم من النقدِ الصريح الذي وجّهتُه لفكرِه. أحترم موقفَه وأعتزّ به في دعوتي وتقديمي للحديث في هذه الجمعية العريقة. أكبرتُ سعةَ صدره في تقبُّل النقد في الندوة، وموقفَه الجدير بالاحترام والتبجيل والثناء، وإعرابَه عن استعداده لاستضافتي في الجمعية أيّ وقتٍ أزور القاهرة. لم يعلن استنكارَه على الرغم من الاختلافِ مع طريقةِ تفكيرِه وفهمِه للدين وعلم الكلام الجديد وتأويلِه للتراث، واختلافِ ‏رؤيتي لعلم الكلام الجديد عن رؤيته، والمعيارِ الذي حدّدتُه لتمييز المتكلم والكلام الجديد، كما ‏شرحتُ ذلك في كتاب «مقدمة في علم الكلام الجديد». ‏علمُ الكلام الجديد عند حسن حنفي يعني لاهوتَ التحرير، وعلمُ الكلام الجديد في نظري يعني لاهوتَ الحرية. الدينُ حياةٌ في أُفق المعنى، ينشدُ إيقاظَ وتكريسَ المعاني الروحية والأخلاقية والجمالية في حياة الإنسان.

قدّمني الدكتور حنفي في الندوة، وفي سياق حديثه الحماسي المستفيض أشار إلى أني أمثّل «اليسار الإسلامي» في العراق. أظنّه كان يريد أن يبلِّغ الحضورَ من أستاذات وأساتذة الفلسفة الكرام، اتِّساعَ الرقعة الجغرافية لليسار الإسلامي في البلاد العربية، وأن دعوتَه هذه تحولت إلى تيارٍ واسع، كما أشار في غير مرة لهذه الأمنية. بعد فراغه من التقديم بدأتُ الحديثَ بالقول: مع احترامي وامتناني للصديق د. حسن حنفي، أودّ أن أوضح: أنا لا يسار إسلامي ولا أيّ يسار آخر، لا يمين إسلامي ولا أيّ يمين آخر، أنا مسلمٌ وكفى. لم يكتم حنفي امتعاضَه وشعورَه بالإحباط للنَّفي الصريح لما وصفني به.

الرجلُ عالمٌ ذكي موهوب، متعددُ اللغات، مثابرٌ صبور، يستحقُ التبجيلَ والثناء. كتبَ وترجمَ وحقَّقَ آلافَ الصفحات، ربما لم يكتب أحدٌ من المفكرين من مواطنيه بغزارة وسعة ما كتبه. كتاباتُ حنفي حول التراث متنكرةٌ بلغةٍ لا تخلو من حماسٍ توقده شعاراتٌ ثورية، ومتنكرةٌ بتوظيفاتٍ كما يشاء لمناهج وأدوات ومفاهيم ومصطلحات مستعارَة من الفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة.

كان محورُ حديثي في الندوة يدور حول ترحيل الأيديولوجيا للدين من وظيفته الأصيلة، بوصفه يروي الظمأَ الأنطولوجي للمقدّس، وكيف تغفل الأيديولوجيا الواقع، وتضع الفردَ والمجتمعَ في مواجهة العالَم، وتفقر الروحَ والقلبَ والضميرَ والعقل. تحدّثتُ عن تشديدِه المتواصلِ على ضرورة تحويل الدين إلى أيديولوجيا، وإعلانِه عن أن ذلك هو الهدفُ المحوري الذي بدأ به مشروعَه وواصل ترسيخَه في كتاباته المتنوعة والغزيرة حتى آخر حياته. يستعملُ حنفي الأيديولوجيا كالملح الذي يستعمل في كلِّ طعام.

لفرط إغواء الأيديولوجيا وتسلُّطها على وعي حسن حنفي، وتسيّدها في تفكيره، واعتمادها معيارًا في أحكامه على أية جماعة دينية أو سياسية، يصرّحُ في كتاباته بأن جماعةَ الإخوان المسلمين هي «الحزبُ النظيف» الفاعلُ والمؤثرُ الذي عمل على تحقيقِ هذا الهدف منذ نشأته. ويكرّرُ هذا الكلامَ بأساليب متنوعة في موارد متعدّدة من كتاباته، فمثلًا يقول: «لقد عرضت الجماعةُ لأول مرة في تاريخنا الإصلاحي الحديث الدينَ باعتباره أيديولوجية. وتربى شبابُ مصر تربيةً فكرية على أساس أيديولوجي، مما جعله معتزًا بما لديه، وقادرًا على الوقوف أمام الأيديولوجيات المعاصرة، وعلى رأسها الماركسية والليبرالية، وظهر الإسلامُ ليس فقط كعقيدة وشريعة، وهما ما ورثناها من القديم، بل كأيديولوجية على مستوى أيديولوجيات العصر. وعرضت على المستوى النظري نظريات الإسلام الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والقانونية والفنية التي كانت تسد حاجة العصر النظرية… ‏فكانت لدينا أيديولوجية وطنية، من طراز الأفغاني من أجل مقاومة المحتل، والقضاء على الإقطاع، ومن طراز السلفية المستنيرة عند ابن تيمية: الدين في مواجهة الصليبيين…كانت جماعة الإخوان تمثل صورة أخرى، وهي “الحزب النظيف”، وقد بقيت الجماعة لهذا السبب حتى بعد قانون حلّ الأحزاب، لأنها ليست حزبًا ككل الأحزاب: “أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ”»[9].

لا يكترثُ حنفي كثيرًا بالوظيفة المحوريّة للدين في إثراءِ الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية، وتكريسِ صلة الإنسان الوجودية بالله. يشدِّدُ باستمرار على ضرورة تحويل الدين إلى أيديولوجيا، بين الواقع والأيديولوجيا في فكره وفكر غيره تناشزٌ مكشوف. الأيديولوجيا قوالبُ ساكنة تلبث على الدوام كما هي، الواقعُ سيَّالٌ في صيرورةٍ مُزْمِنَة، متحولٌ كشلالٍ متدفق لا يتوقفُ ولا يلبثُ كما هو أبدًا. الدينُ أعمقُ من الأيديولوجيا، تحويلُ الدين إلى أيديولوجيا يعني: اختزالَ الإنسان في أحد أبعاده، واختزالَ الروح في القانون، والعقيدةَ في الثورة، واللهَ في الإنسان، والسماءَ في الأرض، والغيبَ في الشهادة، والميتافيزيقا في الطبيعة، والآخرةَ في الدنيا، والروحَ في الجسد، والرّمَز في الحرف، والرؤيا في المحسوس، والمعادَ في المعاش، والعبادةَ في الجسد، والديني في الدنيوي[10].

مَنْ يقرأ حسن حنفي يندهشُ من الحضورِ الطاغي لتأويله الأيديولوجي للدين، وإفراطِه في تطبيق آياتِ القرآن الكريم والنصوصِ الدينية والتراثِ بمنطق أيديولوجي على الواقع بمختلف ظواهره ومتغيراته. بموازاة ذلك يرى القارئ إهمالًا للميتافيزيقا في كتاباته، وكأنَّ القرآنَ كتابٌ لا صلةَ له بالغيب، كأنه كتابٌ أنزله اللهُ ليتحدّثَ عن كلِّ شيء ويستثني اللهَ وعالَمَ الغيب. يحيلُ حنفي الميتافيزيقا إلى الفيزيقا، والغيبَ إلى الشهادة، والسماويَّ إلى الأرضي، يفسّرُ ما هو ميتافيزيقي بالطبيعي، ويرى ما هو أنطولوجي أيديولوجيًّا، وما هو قلبيّ ذهنيًّا، وما هو فردي مجتمعيًّا. لا يرى في الدين تجربةً تتحقّق فيها الذاتُ بطورٍ وجوديّ تتسامَى فيه، لا يحضر اللهُ والغيبُ في فهمه للدين إلا بوصفه يرمز للإنسانِ ونضالِه الطبقي في عالمه الأرضي.

حسن حنفي مولعٌ بمحاكاةِ التراث للواقع وترحيلِ الواقع للتراث، حريصٌ على استعارةِ جلباب التراث وخلعِه كغطاء على الأيديولوجيات المختلفة، ينتخب مثلًا مقولاتِ الكلام المعتزلي في العدل والحرية والمنزلة بين المنزلتين، وينتقي بعضَ الأحكام الفقهية من المذاهب، ويجعلها تنطق لغتَه لا لغتَها، وترتسم فيها صورةُ مفاهيمه لا صورتُها. تبدو المفاهيمُ في لغته مقطوعةَ الجذور من تربةٍ نبتت فيها، ومقتلَعةً من ظروف وعوامل وسياقات نشأتها وتطوّرها في التراث، مغروسةً في تربة غريبة عليها، محاكيةً لواقع متغيّر يتنكرُ لها، لا تنتمي إليه ولا ينتمي إليها. يحاول حنفي الاتِّكاءَ عليها في معالجة المشكلات السياسية والدينية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، ويسعى لحلّ مشكلةِ التفاوت الطبقي وغيرِها في ضوئها.

كتاباتُ حسن حنفي في الوقت الذي تظن أنها تخرجك من المقولاتِ الأصولية وشعاراتِها، تصنع لك من التراث أيديولوجيا تدعوك لاعتناق مقولاتها. يخيّل إليك أنه يخرجك من طوبى التراث، غير أنه يرسم لك طوبى متخيَّلة، شديدةَ الإغواء فاتنةً على وفق رؤيته. يصنّفُ التراثَ على وفق أيديولوجيات ومذاهب ورؤى تصل حدَّ التضادّ أحيانًا. التراثُ لديه يختزن ما يحتاجه الواقعُ اليوم، محترِفٌ في توظيفه بلغته وأسلوبه الخاص، بنحوٍ يجعل التراثَ مصدرًا للعقلانية، مصدرًا للتجديد، مصدرًا للحداثة، مصدرًا للأنوار، مصدرًا للديموقراطية، مصدرًا للاشتراكية وغير ذلك، كأن التراثَ علبٌ فارغة ما عليه إلا إعادةَ قراءته وملئه بما يحسبه دواءً لأمراض الواقع. القراءةُ المتأنية لأعماله يتكشّفُ في طبقاتها ما ينشده الإسلامُ السياسي وما يدعو إليه من إحياءِ التراث وأسلمةِ العلوم والمعارف الحديثة.

                                              –4

              أدلجة الدين تنهك وظيفته الروحية والأخلاقية

حسن حنفي ‏مفكرٌ مدهش، لا يُخرِجُ القارئَ من متاهةٍ إلا ويدخله ‏في متاهات عويصة، ربما يتعذر عليه الخروجُ منها كلَّ حياته. يستطيعُ أن يكتبَ عن معتقدَين متعارضَين بلغةٍ تصالحية توحّدهما، وأحيانًا يكتبُ رأيَين متضاربين عن معتقَد واحد. كتاباتُه متنوعةٌ غزيرة، الجملُ قصيرةٌ، الإيقاعُ سريعٌ، يكتبُ بلغةٍ عاطفية متوترة، بقدرةٍ فذَّةٍ على إيقاد المشاعر قبل إيقاظ العقل، واستعمالِ الدين في إذكاء العواطف وتحريض الضمير، قبل توظيفه في مجاله الروحي والأخلاقي. بالرغم من أن حسن حنفي خبيرٌ متمرّس في التراث، يمتلك تكوينًا ممتازًا في أصول الفقه، واطلاعًا واسعًا على علم الكلام، ‏مضافًا إلى خبرته الجيدة في الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع الحديثة، إلا أن عقلَه لبث حتى وفاته يرى الماضي والحاضر في أفق قراءته الأيديولوجية.

تحويلُ الدين والمعتقد والتراث إلى أيديولوجيا ‏يستنزفها ويعبث بها، كلُّ فكرة ومعتقد ودين وتراث يمكن أن تصيّرها أيديولوجيا. ‏أدلجة الدين تنهك وظيفتَه الروحية والأخلاقية، تفرضُ هذه الوظيفةُ حمايةَ الدين من أن يتحولَ إلى أيديولوجيا، وإلا يمكن أن يصيرَ الدينُ أداةً لممارسة العنف ضد المختلف في المعتقد، كما تفعل الجماعاتُ المقاتلة باسم الله.

الأيديولوجيا مغلقة على نفسها ترى كلَّ شيء وفقًا لمنظورها لا غير. القراءةُ الأيديولوجية تتلاعب بالدين والتراث وتسقِط عليهما رؤيتَها وأحلامَها الرومانسية. الأيديولوجيا تمارس حجْبًا مزدوجًا للماضي والحاضر، ترى الماضي في الخيال كما تتمنى أن تراه، ترى الحاضرَ في الأماني كما ترغب أن تراها. في الأيديولوجيا يقع التفكيرُ أسيرًا للعواطف وتتحكَّم فيه المشاعرُ والانفعالاتُ أكثر مما يتحكمٌ فيه العقل. التفكيرُ عندما يستمدُّ طاقتَه من الخيال فقط من دون أن يمحّصَه العقل، يعجزُ عن رؤية الأشياء بوضوح خارجَ مملكة الخيال الغزيرة المشحونة بالمسلّمات والأحكام والإجابات الجاهزة. الأيديولوجيا تستمدُّ قوةَ تأثيرها من الحماس والعواطف والأمنيات وليس من العقل. الحماسُ متعجّلٌ متحيّز متّقد، لا يلامس الحماسُ شيئًا إلا وأوقده. العقلُ باردٌ متمهل، يتفحّصُ الأشياءَ ويغربلُ الأفكارَ، ويدرسُ المعتقداتِ بتأمل وهدوء وروية. تستمدُّ الأيديولوجيا فاعليتَها من قوة وكثافة الشعارات وإيقاعها السريع وتكرارها المتواصل. عندما تتسيّد الأيديولوجيا، يغرق الذهنُ بالشعارات والأحكام المسبقة والإجابات الجاهزة، ولا تعود للتفسيرِ العميق والتحليلِ العقلي الدقيق حاجةٌ، وقلّما نعثرُ في لغة الأيديولوجيا على أدلة علمية وحجج منطقية وبراهين عقلية.

في تحويله للدين إلى أيديولوجيا، حاول أن يحوّل كلَّ ديني إلى دنيوي حتى اختلطت الحدودُ بينهما، فجري تعميمُ الفهم الدينيّ لكافَّة حقول المعارف البشرية، وتديين المعرفة في خاتمة المطاف الذي ينتهي إلى التَّضحية بالعَقْلِ والخبرة البشرية خارج ما هو ديني.

حسن حنفي بارعٌ في القراءةِ الأيديولوجية للدين والتراث، وتوظيفِها بتلفيقِ مقولات الفِرَق المتصارِعة، ودمجِ الماضي بالحاضر في خلطةٍ غريبة، يخرجُها لفظيًا ببيان آسر أحيانًا، يستطيع أن يحوّل مقولةً واحدةً إلى كوميديا مضحكة مرة، وتراجيديا سوداء مرة أخرى، وربما يجمعهما معًا في مشهد أخَّاذ. لا يغفل القارئُ المتمهِّل عن التلاعب والتمويه الذي تمارسه قراءتُه الأيديولوجية. في بعض المواقف يعلن نواياه وما يعمل عليه، وإن كانت تتضمَّن تهافتًا عمليًا مكشوفًا يتنكر إليه الواقع، فهو يعمل في مصر كما يقول على: «‏الجمع بين شرعية ثورة يوليو، وشرعية الإخوان. بين شرعية الماضي، وشرعية الحاضر… ‏صيغة توحّدُ بين صيغة الخطاب السلفي والخطاب العلماني، فكلاهما ناقص. صيغة يجعل بها الوطن وطنًا للفقير مثلما هو وطن للغني”[11].

كتبَ حسن حنفي عن تجربته في الانتماء للإخوان المسلمين، وتحدّث عن تأسيس هذه الجماعة ودرس أدبياتِها وتاريخَها. قرأتُ كلَّ ما نشره حول الجماعة، رأيتُه منحازًا لا يكفُّ عن تبجيلِها وامتداحِ رجالها والاعتذارِ لمواقفهم الخاطئة، وتوجيهِ دلالات ما تتضمنه أدبياتُها إلى غير وجهتها، وتأويلِ مقاصدها بعكس ما ترنو إليه. يسرف خيالُه في رسمِ صورٍ بديلة للأشخاص والأفكار والكتابات لهذه الجماعة، لا يرى القارئُ الذكي شيئًا من ملامح هذه الصورة في غير كلماته العاطفية.

‏مواقفُ حسن حنفي وكتاباتُه عن جماعة الإخوان المسلمين تكشف عن تواطؤٍ واضح ومراوغةٍ مكشوفة. ‏يكيل لهم المديحَ بمناسبة وغير مناسبة، ويتغافل عن التبسيط في رؤيتهم للعالَم، ووهنِ تفكيرهم السياسي، وعجزهِم النظري عن فهمِ الدولة، ومناهضتِهم للدولة الحديثة ونظمِها، ولا يقف طويلًا عند أحلامَهم باستئناف الخلافة والدولة السلطانية في تاريخنا. لا يُنكَر أن حسن حنفي متعدّدُ المواهب، متنوّعُ التكوين الأكاديمي واللغوي، ولا أظن مفكرًا موهوبًا بقامته تخفى عليه هشاشةُ أدبيات الإخوان المسلمين وسطحيةُ أفكارهم، وأوهامُهم عن الدولة والمجتمع، وعجزُهم عن اكتشاف طبقات الواقع المركب الشائك العميق. لا يحتاج القارئُ إلى الاستقراءِ الواسع والغوصِ في مؤلفات حنفي كي يرى غضَّ نظره وتواطئه المكشوف مع مواقف الإخوان السلبية من العلوم والمعارف والآداب والفنون الحديثة، وتغافلِه عن كتاباتهم التحريضية ضدّ الأدباء والمفكرين الأحرار. يتجاهل حسن حنفي الآثارَ العاصفة لأجهزتِهم المختلفة ومؤسساتِهم العديدة على حياة المجتمع المصري، وكثافةَ تأثير ما يمتلكونه من أجهزةِ تربيةٍ وتعليم وتثقيف ودعوة وإعلام ودعاية، مثل المدارس بمختلف مراحلها، وأئمة الجماعة وخطباء الجمعة من أعضاء الجماعة، والمؤسسات الدعوية، وأخطبوط الشبكات المالية في مصر وخارجها.

يمتدح حنفي هذه الجماعةَ ويشيرُ إلى ما يفتقرُ إليه المجتمعُ المصري بغيابها، قائلًا: «كانت جماعة الإخوان تمثل تيارًا أصيلًا في مجتمعنا. وكانت على وعي بقضايا التراث والتجديد. وكانت تأخذ مواقفَ حاسمة بالنسبة للتراث الغربي، والتبعية للآخرين، وتقليد مظاهر المدنية الغربية، والافتتان بقشور الحضارة… ‏ومنذ توقف نشاط الجماعة والافتتان بالغرب يزداد، والتقليدُ للآخرين يقوى، والتهافتُ على البضائع المستوردة، وعلى البيع والشراء بالعملات الحرّة، والجريُ وراء أنماط الاستهلاك… نشأ الشباب فلم يعرف إلا تقليد الغرب في غياب حركة أصيلة تأخذ موقفًا نقديًا منه، كما كانت تفعل جماعة الإخوان المسلمين»[12]. ويمضي في الحديث عن التأثير الهائل للجماعة في المجتمع المصري، بوصفها ناطقةً باسم «التيار الإسلامي الإصلاحي الأصيل»، وما أنجزته من مكاسب استثنائية لمصر، من أن يذكر أثر هذه المكاسب في البناء والتنمية الشاملة، ويلوم أخيرًا من يحاول أن يجهِض مسيرتَها. يلخصُ ذلك بقوله: «‏تحوّل الدين من عقيدة إلى حركة جماهيرية، وأصبح الإسلامُ غذاء الجماهير اليومي، ولأول مرة في عصرنا الحاضر يجند الإسلام الجماهير بهذه القوة، وهذا الاتساع… أصبح الدين لمصلحة الجماهير، وأصبح الإسلام دين الشعب، ووجد الإسلام في الشارع، فوق الحصير، وعلى المصطبة. وأصبحت الجماهير وريثة العناية الإلهية في القدرة على العمل والحركة… كانت الجماعة دليلًا ومؤشرًا على أن التيار الإسلامي الإصلاحي الأصيل ما زال مستمرًا، وكانت بؤرة يلتف حولها كلُّ مسلم يود جَعْلَ إسلامِه نظامَه في الحياة. وكانت مدرسةً يتخرجُ فيها الدعاة، وكانت جريدةً يتطورُ فيها الفكرُ الإسلامي، وكانت محطًّا لكلَّ زائر إسلامي. كانت معلمًا من معالم مصر، وعلامةً على طريق مستقبلها وماضيها، ومحورًا تدور حوله كلُّ قوانا الإسلامية المبعثره كما هو الحال الآن. لقد كسبت مصر كثيرًا فلماذا تفرط فيما كسبت؟»[13]. يعلنُ حسن حنفي أسفَه على ما خسره الفكرُ الإسلامي عندما: «وقف التطور الفكري للجماعة، وهي خسارة كبيرة على مستوى الفكر الإسلامي الحديث، فقد كان الإخوان المسلمون حركة إصلاحية أصيلة، نابعة من فكرنا الإصلاحي الحديث منذ ابن تيمية، وابن القيم، ومحمد بن عبد الوهاب، والمدرسة السلفية بوجه عام… ‏وامتاز فكرُ الشهيد حسن البناء بالوضوح والإيجاز والتركيز، كما امتاز أسلوبُه بالإقناع. ثم تطوَّر فكرُ الجماعة على يد المفكر الشهيد سيد قطب، وتحول الإسلام إلى: نظرية في العدالة الاجتماعية، والسلام العالمي، والتحرر الإنساني، كما أصبح أيديولوجية شاملة تعطي تصورًا فلسفيًّا للعالم، ونظرية في الفن، ومنهجًا في التفسير. ولسوء الحظ توقف هذا التطور الفكري باستشهاد مفكرنا الأخير. ومن يدري ماذا يدور في عقول مفكرة الإسلام الآن»[14].

يسكتُ حنفي عن نمط التديُّن السياسي المغلق الذي صنعته الجماعة، وجعلته في صدام مع إسلام المجتمع المسالم، وأحدث انقسامًا حادًّا في المجتمع والعائلة الواحدة، ووضعت الجماعةُ هذا النمطَ من التديّن في مواجهة المؤسسات الدينية التقليدية العريقة كالأزهر، ووجهت أعضاءها للانشغال بهموم الغير قبل هموم المواطن المصري، لأن «جنسية المسلم عقيدته» كما يشدِّدُ سيد قطب، وليس وطنه. نشر حسن حنفي «الدين والثورة في مصر» في ثمانية أجزاء في ثمانينيات القرن الماضي، وكتب كثيرًا عن الموضوع بعد هذا الكتاب وقبله. لم أقرأ له بحثًا علميًّا ناقدًا، يستعملُ فيه مناهجَ العلوم الإنسانية الحديثة الملمّ فيها، ويدرسُ في ضوئها الآثارَ السلبية لمنابرِ جماعة الإخوان وأدبياتِهم ومواقفِهم على التربية والتعليم والثقافة والسياسة والاقتصاد والتنمية والهوية الوطنية في مصر، وما أحدثتْه منابرُهم ودعايتُهم من استقطابٍ طائفي حادّ، تفجَّرَ في حوادث عنف مؤسفة، إثر إثارة بعض منابرهم لإحياء أحكام أهل الذمة المنسية وأمثالها، وتصدّع مكونات المجتمع الذي توحّده المواطنةُ والانتماءُ لأرضه وهويته المصرية.

كتاباتُ حسن حنفي تعلن أن هاجسَها تغييرُ الواقع، لكنها تعبّر عن أحلام تغوي مراهقَ التفكير بحديثِها المكرَّر عن العدالة والحقوق، وإعلانِها عن أنها صوتُ المهمّشين والمحرومين، وكلِّ أولئك المعذّبين في الأرض الذين يتجرّعون العلقم، وهي مولعة بأحلام رومانسية بعيدة عن الواقع.

 

                                               – 5

                       اليسار الإسلامي بدأ مع سيد قطب

الإخوان المسلمون هم الجماعة السياسية الأطول عمرًا، والأوسع حضورًا والأشدّ تأثيرًا في مصر والبلاد العربية. حسن حنفي من أكثر المفكرين درايةً بالإخوان وخبرةً بنشأتهم وأدبياتهم ومواقفهم ومسيرتهم العملية، وهو الأغزر كتابةً عن الحالة الدينية في مصر، ربما لا نجد كتابًا له إلا ويتطرق للدين والتديّن وأحيانًا يكتب عن ذلك بشكل مستفيض. في كلِّ ما قرأتُ من كتاباته عن الإخوان كان يتحدث بلغة اعتذارية، تحاول بأساليب ذكية تبريرَ مواقفهم، وإدانةَ خصومهم، وتكرارَ الكلام عن «سيكولوجية الاضطهاد» التي تعرضوا لها كحركةٍ سياسية جماهيرية، شديدةِ الإيقاع واسعةِ الحضور في مؤسسات المجتمع المتنوعة. يصف حسن حنفي تأثيرَ السجن والتعنيف والغبن الذي تعرضتْ له الجماعةُ بقوله: «‏وغلب على فكرها سيكولوجية الاضطهاد، فنشأ فكر إسلامي معادٍ للواقع، غاضب، يبغى الانتقام. يستعمل الإرادة الإلهية، كالسيف على رقاب الناس. وانقسم العالم عندهم إلى أبيض وأسود، إلى إسلام وجاهلية، لا يتعايشان بل يدمر أحدهما الآخر. وتقود هذه العملية الصفوة المؤمنة، عن طريق تغيير السلطة»[15]. هذا الكلام يتضمن اعترافًا صريحًا لحنفي برؤيةِ الجماعة المغلقة للعالَم، والنزعةِ الحادة المتطرّفة في تفكيرهم، وتصنيفِهم الخاطئ للمجتمع المسلم إلى «إسلام وجاهلية»، لكنَّ حنفي يعود في موارد كثيرة من كتاباته ليبجلَهم، ويفتعلَ دورًا اجتماعيًّا وسياسيًّا وثقافيًّا استثنائيًّا اضطلعوا به في مصر. لا يتحدّث حسن حنفي عن استنزافِ الجماعة للتديّن التقليدي وإنهاكِ الحياة الروحية والأخلاقية في المجتمعات المسلمة، وما أحدثته هذه الجماعةُ من ثغرات بنيوية في التربية والتعليم والثقافة والإعلام والسياسة، وهيمنتِها على الجمعيات الخيرية والمساجد ومختلف المؤسسات المجتمعية. تديّنُ الإخوان عمل على تجفيف منابع التديّنِ الشعبي الموروثِ منذ عصر الرسالة، والمتجذّرِ في المجتمعات الإسلامية، والذي استطاعت بنيتُه الراسخة أن تمنح حياةَ الأفراد والمجتمعات معنىً روحيًّا وأخلاقيًّا للدين يواكب إيقاعَ تطور المجتمعات والهويات المحلية، ويتناغم والواقعَ المتغير. تديّن الإخوان ينطلق من عقيدةٍ ترسختْ في وعيهم نشأتْ من آراء سيد قطب الصريحة بـ: «أنه ليس على وجه الأرض اليوم دولة مسلمة ولا مجتمع مسلم، قاعدة التعامل فيه هي شريعة الله والفقه الإسلامي»[16]. والحكم بأنه قد: «ارتدّت البشرية إلى عبادة العباد وإلى جور الأديان، ونكصت عن لا إله إلا الله، وإن ظلّ فريق منها يردد على المآذن لا إله إلا الله»[17]. في هذه السياق يخترع سيد قطب مفهومًا لكلٍّ من المجتمع المسلم والمجتمع الجاهلي، حتى ما نراه مجتمعًا مسلمًا يرى سيد قطب أنه: «يدخل في إطار المجتمع الجاهلي تلك المجتمعات التي تزعم لنفسها أنها مسلمة… لا لأنها تعتقد بألوهية أحد غير الله، ولا لأنها تقدم الشعائر التعبدية لغير الله، ولكنها تدخل في هذا الإطار، لأنها لا تدين بالعبودية لله وحده في نظام حياتهــا… فهي -وإن لم تعتقد بألوهية أحد إلا الله- تعطي أخصَّ خصائص الألوهية لغير الله، فتدين بحاكمية غير الله، فتتلقى من هذه الحاكمية نظامها، وشرائعها، وقيمها، وموازينها، وعاداتها، وتقاليدها… موقف الإسلام من هذه المجتمعات الجاهلية كلّها يتحدد في عبارة واحدة: أن يرفض الاعتراف بإسلامية هذه المجتمعات كلها”[18]. هذه العقيدة دفعت الإخوانَ للعمل على استبدال التديُّن الشعبي الرحيم بتديّن مصطنع، تديّنٌ غطاؤه سياسي مضمونُه سلفي، تديّنٌ أحدث تناشُزًا مع البيئة المجتمعية، واغترابًا للمسلم العضو في هذه الجماعة عن عائلته ومجتمعه وبيئته، تديّنٌ كلامي مغلَق وفقهي متشدّد أفقرَ حياةَ المسلم للمعنى الروحي والأخلاقي، وغاب به المعنى الديني المُتآلف مع اختلافِ المجتمعات وتنوعِ طرائق عيشها وهوياتها الثقافية والإثنية.

لا يقف حسن حنفي طويلًا عند ما أحدثته جماعةُ الإخوان من تشظٍّ في البنية الدينية لمصر ومجتمعات أخرى مسلمة، وتصادم تديّنُهم المصطنع بغطائه السياسي ومضمونه السلفي والتديّن الشعبي التقليدي، والانقسام المجتمعي الذي خلقه هذا النمطُ من التديّن. يتغافل حنفي عن الآثار الموجعة لدعوةِ الجماعة وفكرِهم وانتشارِهم الواسع في مصر وعالم الإسلام، كأنه لا يدري أن المدارسَ ومعاهدَ التعليم والجامعات، من الروضة إلى الدراسات العليا، في السعودية ودول الخليج، وقبل ذلك في مصر وغيرها من الدول العربية، لبثت أكثرَ من نصف قرن خططُها التربوية والتعليمية أسيرةً للإخوان المسلمين. كانوا هم مَنْ يضع أسسَها، ويرسم خارطتَها، ويؤلّف مقرراتِها، ويحدّد مدخلاتِها ومخرجاتِها. يجري ذلك في أفقِ رؤيتهم للعالَم، وتديّنِهم السياسي الذي يظهر في السلوك ومختلف المواقف بتديّنٍ سلفي مغلَق متشدّد، تشبّع فيه مَنْ أقام منهم في هذه البلاد، بعد تفاعلِهم مع المذهب الحنبلي وانبهارِهم بأفكار ابن تيمية وتقليدِهم لمقولاته الاعتقادية وعملِهم بفتاواه الفقهية.

تنامى عاجلًا حضورُ الإخوان في التربية والتعليم في هذه البلاد، بعد هجرة المعلمين والمدرسين وأساتذة الجامعات، أيامَ اضطهادهم زمن الرئيس جمال عبد الناصر، بأعداد ليست قليلة، منذ خمسينيات القرن الماضي فصاعدًا إلى السعودية ودول الخليج، وسقوط العملية التربوية والتعلمية في هذه البلاد بأيديهم. في ذلك الوقت كانت هذه البلادُ تفتقر للمعلمين والمدرسين من مواطنيها، فاضطرت لتسليم كلِّ شيء في المدارس بمختلف مراحلها لهم، وتمت صياغةُ كلِّ شيء ليجسّد أمانيهم ويعبِّر عن غاياتهم ويعكس تفكيرَهم. نتج عن ذلك تفشِّي التيار السلفي بشكل سريع في مجتمعات عالَم الإسلام، منطلِقًا من البلاد التي تحكّم فيها الإخوانُ بالتربية والتعليم، ومستثمرًا شيئًا من فائض الثروة الذي تراكم بالتدريج بعد حرب اكتوبر 1973 وارتفاع أسعار البترول.

لا يكترث حنفي بالكشف عن تناسل الجماعات المسلحة من أدبيات الإخوان، وبخاصة كتاب «معالم في الطريق» ومسؤولية أفكار سيد قطب عن ذلك. في أكثر من مناسبة يذكِّر حسن حنفي القراء باقتران لحظة ارتباطه بالإخوان بسيد قطب. يقول: «دخلت الإخوان سنة 1951 ‏في نفس الفترة التي دخلها سيد قطب تقريبًا. وتأثَّرتُ جدًا بـ “العدالة الاجتماعية في الإسلام” و”معركة الإسلام والرأسمالية”»[19]. في كتابه «الحركات الدينية المعاصرة»، الذي هو الجزء الخامس من سلسلة «الدين والثورة في مصر»، جاء الفصل الرابع بعنوان: «أثر الإمام الشهيد سيد قطب على الحركات الدينية المعاصرة»، واحتلَّ أكثر من 130 صفحة من كتاب لا يتجاوز 342 صفحة. لم أقرأ كاتبًا من مُريدي سيد قطب أو خصومِه يخلع عليه لقبَ «الإمام الشهيد» غير حسن حنفي. «الامام» لقبٌ ديني يُطلق في الإسلام على مؤسِّسي المذاهب ومجتهديها، ويُطلق على أئمة أهل البيت. في تاريخنا القريب حدث توسُّعٌ في إطلاقه، لكن لم أقرأ أو أسمع من يطلقه على أمثال سيد قطب، ممَّن لم يتخرجوا في معاهد التعليم الديني التقليدية والحوزات.

اليسارُ الإسلامي هو لافتةُ مشروع حسن حنفي الذي يختصرُ مضمونَ دعوته وتلتقي فيه كتاباتُه، كما يتحدث عن ذلك: «اليسار الإسلامي ربما ليس أفضل المصطلحات. وأنا أريد لفظًا يعطي الشرعيتين معًا… أنا أريد أن أعطي إسلامًا سياسيًّا، اجتماعيًّا للأغلبية الفقيرة المقهورة… واليسار الإسلامي هو أَخْذُ كلِّ هذه الطاقات، وهذه المشروعيات التاريخية، والفكرية، والثقافية، والحضارية من أجل توجيهها إلى التحديات لكي نُسَايِر العصر»[20].

يؤرخ حنفي لولادة اليسار الإسلامي بسيد قطب، كما يصرح بقوله: «وتراجع الفكر الإسلامي خطوات إلى الوراء‏. وضاعت فرصة اليسار الإسلامي الذي بدأ مع سيد قطب. وقضى على النهضة الإسلامية الجديدة التي حاولها حسن البنا للحاق بالمصلحين الأوائل»[21]. وفي فقرة أخرى يرى اليسارَ الإسلاميَّ قد انتهى بنهاية سيد قطب.

ويضع حسن حنفي مشروعه في سياق مشروع سيد قطب، وكتاباته بوصفها مكملة لكتابات سيد قطب. يخبرنا أن المحاور الرئيسية الثلاثة في مشروعه هي ذاتها محاور فكر سيد قطب، وكأن سيد قطب رسم له خارطة الطريق وجاء هو ليكملها، وفقًا لما جاء في قوله: «‏ظهر سيد قطب معبرًا عن أماني الحركة الوطنية التي عبرت عنها ثورة يوليو 1952، ‏وزاد عليها انبثاقه عن الإسلام، وخروجه من تراث الأمة، وقدرته أن ينشئ تيارًا جديدًا في الفكر الديني عن الإسلام الاجتماعي أو الإسلام السياسي أو الإسلام الاشتراكي أو اليسار الإسلامي… ‏ومن ثم جمع سيد قطب في موقفه المحاور الرئيسية الثلاثة: الموقف من التراث القديم، من أجل إعادة تنقيته وتصويبه نحو حاضر المسلمين وقضاياهم الكبرى، الموقف من التراث الغربي ناقدًا له ومحجمًا إياه وحاميًا لحاضرنا من آثار التقليد والتبعية، والموقف من الواقع الحالي، ونقد النظم القائمة، من أجل المساهمة في قضايا التغيير الاجتماعي وإقامة نظام أفضل. وهي المواقف الثلاثة التي تعبر عن الموقف الحاضر لجيلنا كله… ‏وكان لا يهتم إلا بالجانب الفكري للدعوة، محاولًا صياغة أيديولوجية إسلامية ثورية، بما امتاز به من وضوح الرؤية ودقة الأسلوب»[22].

يقرأ حسن حنفي فكرَ سيد قطب بوصفه تطوَّر في أربعة مراحل، فيقول: «ويمكن التعرف على أربعة مراحل في فكر الإمام الشهيد، تعبِّر عن تطوُّره الروحي: المرحلة الأدبية، والمرحلة الاجتماعية، المرحلة الفلسفية، والمرحلة السياسية»[23]. لم يكن حنفي دقيقًا عندما خلعَ على بعض كتابات سيد قطب عنوانَ فلسفة، ووصف كاتبها بفيلسوف. لم يكن سيد قطب في أيّ كتابٍ أو مقالةٍ فيلسوفًا، كي يصطلحَ حنفي على مرحلة من مراحل إنتاجه الفكري بـ «المرحلة الفلسفية». قرأتُ أكثرَ أعمال سيد قطب قبل نصف قرن تقريبًا، وكنتُ أعود إلى بعضها عندما أناقش أفكارَه، وقرأتُ بموازاتها الكتاباتِ معه أو ضدّه، عن حياته وفكره وسجنه ونهايته المأساوية، ولم أقرأ في أعماله رؤيةً فلسفيةً أو نقاشًا فلسفيًّا أو تداولًا لمصطلح فلسفي. سيد قطب كان أديبًا موهوبًا، وناقدًا ذكيًّا، ومفسّرًا للقرآن الكريم، ومنظّرًا حَرَكِيًّا، ومفكرًا سياسيًا، وكاتبًا يتقن اللغةَ العاطفية الحماسية الآسرة. سيد قطب بوصفه مفكرًا لا يستحق الإعدامَ مهما كانت أفكارُه وكتاباتُه، ومهما كان غريبَ الأطوار. الأفكار تُناقَش وتُنقَد وتُنقَض، ولا تُقاضَى في المحاكم، أو يُسجن صاحبُها ويعذّب، أو يُعدم.

 

                                                – 6

                      كتابات سيد قطب تتقن صناعة الغضب

يمتدح حسن حنفي سيد قطب ويدافع عنه، ويبرّر سلوكَه وأفكارَه، ويخلي مسؤوليتَه عن أفكاره ومواقفه بذريعة السجن والشعور بالمظلومية. يكتب حنفي في سياق تبريره لأفكار سيد قطب قائلًا: «نشأ تيار إسلامي آخر تحت تعذيب السجون. وهنا نشأ لون جديد من الإسلام الغاضب، الثائر، المنتقم من: الاشتراكية، والقومية، ومن العلمانية. ومن هنا وفي هذا الجو النفسي المظلم كتب سيد قطب “معالم في الطريق” عام 1963، وقُبِضَ عليه من جديد على أساس أنه مُنَظِّر التنظيم، ثم أُعدم في عام 1966»[24]. يحاول حنفي الدفاعَ عن سيد قطب بتكرار الحديث عن ظروف السجن القاسية لكتابته، ولا يشير إلى أن الحاكميةَ والجاهلية وغيرَهما من أفكار المركزية كانت منبثَّةً في بعض مؤلفاته وأجزاء تفسيره الصادرةِ قبل سجنه. لا يكترث حنفي بضحايا فكر سيد قطب، يلتمس له الأعذارَ حيثما ذكره، ويُعلِّل آراءَه ومواقفَه بعوامل خارجيَّة يرى أنه كان على الدوام هو الضحية، وإن كان حنفي ينقد الحاكميةَ وغيرَها أحيانًا، لكنه يتراجع في موضع آخر فيشيد بما انتقده. كأنَّ الاضطهادَ الذي يتعرض له الكاتبُ يُخْلِي مسؤوليتَه عن أفكاره، حتى لو كانت تحرّض على العنف والقتال، وتكفِّر الدول والمجتمعات، وتستبدل الانتماءَ للوطن والهوية والثقافة بانتماء لأوطان أخرى باسم المعتقد. ربما يستعير حسن حنفي هذا النوع من الدفاع عن سيد قطب من أولئك الذين يدافعون عن شدّة كتابات ابن تيمية وفتاواه بتكفير المختلف في المعتقد، بذريعة سجنه واضطهاده. المفكرُ وأيُّ كاتب مسؤولٌ عن كتاباته المحرِّضة على العنف، الفقيهُ مسؤولٌ عن فتاواه المكفِّرة للغير. ليس من حقِّ حنفي تبرئةُ سيد قطب من آثار آرائه المتشدّدة، وهو يعرف تغلغلَها في أدبيات جماعات الإسلام السياسي، وتوالدَ جماعات عنيفة منها، وتمزيقَها لنسيج المجتمع الواحد وعبثَها بأمنه وعيشه. السجنُ والاضطهاد والتعذيب يسلبُ حريةَ الإنسان على كثير من أفعاله الخارجية، إلا أنه لا يميت ضميرَه الأخلاقي، ولا يصادرُ إرادتَه الخيرة، ولا يسقط عنه المسؤوليةَ الجزائية عن أية جريمة يرتكبها، فلو قام سجينٌ بقتل إنسان آخر، أو مارسَ التأليب ضد شخص والتهييج على قتله داخلَ السجن أو خارجه، لا يحكم العقلُ الأخلاقي والقانونُ العادل بتبرئته، وإن كان القضاء يراعي ألمه ومعاناته في السجن، وأثرها في انفعاله وقراراته ومواقفه الغاضبة.

السجينُ الذي يتعرَّض للتعذيب والتنكيل، وتحدث لديه عاهاتٌ وجروحٌ وأمراض نفسية عميقة بسبب ذلك، ينبغي أن نحمي المجتمعَ من أفكاره الملوثة بعقدٍ نفسية حادة، لا أن نعلي من مكانته، ونبالغ في تبجيل شخصيته، ونشيد بهذه الأفكار ونبشِّر بها. ‏مثل هذه الحالات المرضية تحتاج إلى مصحة نفسانية تعالج المصابَ وتحدُّ من سلوكه العدواني. ‏ليس من حق أحد أن يتوّجَ صاحبَها إمامًا على الناس في حياته، ويحتفي بأفكاره بعد موته. ‏أفكارُ سيد قطب اختطفت خيرة شباب الإسلام الغَيَارَى، ‏وأغرقتْهم بأوهام متخيلة، وغيَّبتهم عن الواقع، وورَّطتهم بمواقف طائشة، وغذَّت أذهانهم بتعاليم تتنكر لها طبيعتهم البشرية، ولا تطيقها عواطفهم ومشاعرهم إلا بتدجين وترويض متواصل، وغرست كراهيةً عميقة بداخلهم لأهلهم وجيلهم ومجتمعهم ولكلِّ مختلف المعتقد عنهم، وحبستهم طوعيًا في أقفاص نفسية موحشة يعتزلون فيها أهلَهم وجيلَهم ومجتمعَهم.

لا يكفُّ حسن حنفي من الإعلاءِ من كتابات سيد قطب والثناءِ عليه، بلغةٍ لا تليق بمفكرٍ ذكيّ واسعِ الاطلاع من أمثاله. يضع حسن حنفي تبرئةَ سيد قطب غايةً، يحاول أن يتهرّب من ذكر المواقف الصادمة في كتاباته، وعندما يمرّ على «معالم في الطريق» يصف هذا الكتابَ بأنه وليدُ الظروف النفسية العنيفة للسجن، ويجعل الاضطهادَ الذي تعرّض له في السجن ذريعةً لهذا النوع من الكتابة الموتورة اللاذعة. لا يقف حنفي طويلًا عند اشتقاقِ الجماعات الدينية المسلحة لرؤيتها الاعتقادية وتقسيمِها العالَم لفسطاطَين وانغلاقِها ورفضِها للمختلِف في المعتقد وإعلانِها الحربَ عليه بفعل آراء سيد قطب وغيره.

مغالطات حنفي يفضحها فكرُ سيد قطب المغلق العنيف ومواقفُه بعد الانتماء للإخوان، خاصة «معالم في الطريق» الذي وصفه أحدُ الباحثين بـ «كراسة الموت»، التي بثّ فيها سيد قطب فوحًا وفحيحًا يخلط الجمال بالخطر”[25].  يحاولُ حنفي أن يخلع على سيد قطب مقامًا فكريًّا وسياسيًّا وثوريًّا يرفعه إلى مقام شخصيات كبيرة أمس واليوم. يكرّر حنفي فرضيةً غير واقعية في موارد متعدّدة من كتاباته، تجعل من سيد قطب ثائرًا نهضويًّا، لولا أنه كان ضحيةَ صراعِ الإخوان وثورة يوليو 1952، إذ يكتب: «لو كان استمر تطوره على نحو طبيعي لانتهى إلى الاشتراكية العلمية كمرادف للإسلام، ولأصبح من ركائز اليسار الإسلامي في مصر، ومن دعائمه الأولى في العالم الإسلامي»[26]… ‏ولأصبح سيد قطب ليس فقط من أمثال الصحابة الأوائل: عمر بن الخطاب، وأبي ذر الغفاري، بل أيضا من دعائم الثورة التحريرية العالمية من أمثال: ماركس، وماوتسي تونغ، وهوشي منه، وغرامشي، وجيفارا. ‏ولكان حلقةَ الاتصال بين صور من القدماء والثوار المحدثين… ولكنَّ الإمامَ الشهيد راح ضحيةَ هذا الصراع بين الإخوان والثورة»[27].

لا يتحدث حسن حنفي عن الآثارِ الفتاكة لفكرة «الجاهلية» وموقفِ سيد قطب الصريح بالشطب على كل «ما حولنا» وتصنيفِه بأنه جاهلية، والتشديدِ على رفضه «أنصاف الحلول» في الموقف منها. يكتب سيد قطب: «نحن اليوم نعيش في الجاهلية، كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم. كل ما حولنا جاهلية، تصّورات النّاس وعقائدهم، عاداتهم وتقاليدهم، موارد ثقافتهم، فنونهم وآدابهم، شرائعهم وقوانينهم. حتى الكثير مما نحسبه ثقافة إسلامية، ومراجع إسلامية، وفلسفة إسلامية، وتفكيرًا إسلاميًّا، هو كذلك من صنع هذه الجاهلية… ليست وظيفة الإسلام أن يصطلح مع التصورات الجاهلية السائدة في الأرض، ولا الأوضاع الجاهلية القائمة في كل مكان، فالإسلام لا يقبل أنصاف الحلول مع الجاهلية، لا من ناحية التصور، ولا من ناحية الأوضاع المنبثقة من هذا التصور، فإما إسلام وإما جاهلية»[28]. يرسم سيد قطب طريقًا «للعُصْبَة المسلمة» يبدأ بالانفصال «عقيديًّا وشعوريًّا» عن «أهل الجاهلية من قومها». الانفصالُ العقيدي يتضمن الابتعادَ عن المسلم المختلِف في رؤيته الاعتقادية، والانفصالُ الشعوري يعني ضرورةَ الابتعاد عن الأهل والمجتمع على الأقل بالشعور. وذلك يؤسّس للعبثِ بالعواطف داخل العائلة الواحدة، وفرضِ القطيعة العاطفية المريرة بين الأبناء والآباء والأزواج والزوجات والأقارب والأرحام، ومع كلِّ إنسان مختلِف في رؤيته الاعتقادية. يكتب سيد قطب: «لا نجاة للعصبة المسلمة في كل أرض من أن يقع عليها العذابُ إلا بأن تنفصل عقيديًّا وشعوريًّا ومنهج حياة عن أهل الجاهلية من قومها، حتى يأذن الله لها بقيام دار إسلام تعتصم بها، وإلا أن تشعر شعورًا كاملًا بأنها هي الأمة المسلمة، وأن ما حولها ومن حولها ممن لم يدخلوا فيما دخلت فيه جاهلية، وأهل جاهلية»[29]. لا تقتصر دعوةُ سيد قطب على الانفصالِ في العقيدة والشعور، بل تتخطى ذلك إلى الدعوة لاعتزال المجتمع بمكان يبتعد فيه أفرادُ «العصبة المسلمة» حتى عن مساجد المسلمين بوصفها «معابد الجاهلية» ويتخذون بيوتَهم مساجدَ بديلة. يدعو سيد قطب إلى: «اعتزال الجاهلية بنَتَنِها وفسادِها وشرِّها -ما أمكن في ذلك – وتجمع العصبة المؤمنة الخيرة النظيفة على نفسها، لتطهرها وتزكيها، وتدربها وتنظمها، حتى يأتي وعد الله لها. اعتزال معابد الجاهلية واتخاذ بيوت العصبة المسلمة مساجد. تحس فيها بالانعزال عن المجتمع الجاهلي، وتزاول فيها عبادتها لربها على نهج صحيح، وتزاول بالعبادة ذاتها نوعًا من التنظيم في جو العبادة الطهور»[30].

فكرُ سيد قطب تحريضيّ ذو تأثيرٍ موجِع مزدوج، فهو من جهة يُغَذِّي المسلمَ بالنقمةِ والنفورِ الشديد والضجرِ من أهله ومجتمعه ووطنه بوصفه جاهليًّا، ومن جهة أخرى يُشْعِر المسلمَ بالخطيئةِ وعقدةِ الذنب المزمنة والسخطِ الإلهي إن لم يغيِّر الأهلَ والمجتمعَ على وفق معتقده ولو بالقوة، وإلا فمن الضروري أن يعتزلهم إن تعذّر عليه تغييرَهم.

الحاكميةُ أحدُ المقولات المركزية في فكر سيد قطب، وهو وإن كان استعارها من المودودي الذي تلقاها من ابن تيمية، إلا أنه أعاد صياغتَها بلغةٍ مدرسية ميسرة في موارد متنوعة من تفسيرِه ومؤلفاتِه، ولخّصها بقوله: «إفراد الله سبحانه بالألوهية والربوبية والقوامة والسلطان، إفراده بها اعتقادًا في الضمير، وعبادة في الشعائر، وشريعة في واقع الحياة»[31]. في ضوء الحاكمية يحدّد سيد قطب الموقفَ من المختلِف بقوله: «والذين لا يفردون الله بالحاكمية، في أي زمان وفي أي مكان، هم مشركون، لا يُخرجهم من هذا الشرك أن يكون اعتقادهم أن لا إله إلا الله مجرد اعتقاد، ولا أن يقدموا الشعائر لله وحده»[32]. يشرح ما يعنيه بهذا الشرك: «إنما كان شركهم الحقيقي يتمثل ابتداءً في تلقّي منهج حياتهم وشرائعهم من غير الله، [لا عبادة الأصنام تقربًا واستشفاعًا إلى الله]، الأمر الذي يشاركهم فيه اليوم أقوامٌ يظنون أنهم مسلمون على دين محمد، كما كان المشركون يظنون أنهم مهتدون على دين إبراهيم»[33]. شريعةُ الله على وفق ما تتحدّث عنه كتاباتُه تعني مقولاتِ علم الكلام المتشدّدة وبعضَ أحكام الفقه، ونادرًا ما يحضر في أعمال سيد قطب الإسلامُ بمضمونه الروحي والأخلاقي. يعترف حسن حنفي وهو يتحدّث عن «معالم في الطريق» بأن «‏الحاكمية هي الفكرة الرئيسية المسيطرة على الكتاب كله، وقد تم التركيز عليها بناءً على التجربة النفسية للسجن، ثم الرجوع إلى الوراء وأعاده قراءة كتاباته السابقة وانتقاء نصوص الحاكمية منها، مع أنها كانت موجودة متناثرة من قبل داخل أفكاره الاجتماعية والفلسفية، دون أن تكون بؤرة في تفكيره أو محورًا لتأملاته. كما حدث بعد ذلك وهو في السجن الثاني. لا تمثل هذه المرحلة إذا فكرًا واعيًا شعوريًّا، بل تمثل موقفًا لاشعوريًّا، بناءً على الظروف النفسية والاجتماعية التي عاشتْها جماعة الإخوان المسلمين، والتي عاشها الإمام الشهيد من خلالهم»[34]. بعد كلامه هذا عن مركزيةِ الحاكمية في فكر سيد قطب وانبثاقِها من اللاشعور على وفق رأيه، يعود حسن حنفي بعد عدة صفحات في كتابه هذا لينقض كلامَه السابق فيمجد فكرة الحاكمية، قائلًا: «‏ظهرت الحاكمية عند سيد قطب كإعلان تحرري للإنسان، فالحاكمية حركة انطلاق وتحرير وثورة وتغير. حركة إبداعية شاملة من أجل حرية الاعتقاد وحرية الاختيار… ‏لا يفرق هذا التحرير العام بين مسلم وذمي، بل الحاكمية تحرير للإنسان من حيث هو إنسان، بصرف النظر عن عقيدته وجنسه»[35]. التهافتُ ليس حالةً شاذةً تختصّ بهذا الموضوع في كتابات حنفي، بل هي سمةٌ تطبع كتاباتِه، وذلك ليس غريبًا على فكرٍ زئبقي تلتقي فيه الأضدادُ، ‏فكر يقول الشيءَ ونقيضَه ‏في مناسبةٍ واحدة وموضوعٍ واحد. لم يمنع ذكاءُ حسن حنفي أن يجتمع الشيءُ ونقيضُه في كتاباته، وكأنه مسكونٌ بجمع الأضداد، وهذا ما نبّه عليه: فؤاد زكريا، وجورج طرابشي، ونصر حامد أبو زيد. يشكّك فؤاد زكريا بإمكانية قارئ كتابات حسن حنفي: «أن يظل محتفظًا بقواه العقلية سليمة، بعد أن يتراقص مع كاتبنا في حلقة المتناقضات الجنونية التي تدور فيها معالجته للموضوع»[36].

 

                                           – 7

                         استعمال التراث بما هو أوعية

يستعملُ د. حسن حنفي التراثَ بما هو أوعية يملؤها كما يشاء، بوصف التراث معتقدات وقيمًا وأحكامًا راسخة في وجدان المجتمع ويختزنها شعورُه الجمعي. تقرأ في كتاباته ما يدلّل على أنه تراثي وإن كان يحاول أن يظهر ضدّ منطق التراث ورؤيته للعالَم، تراه يتحدث بكلامٍ حداثي وإن كان التأملُ الدقيق بكتاباته يكشف بجلاءٍ أن حداثتَه ضدّ منطق الحداثة ورؤيتها للعالَم. طريقةُ تأويله للتراث غريبةٌ على التراث، يحاول باستمرار إخراجَ التراث من إطارِه التاريخي والفضاءِ الذي تكوّن فيه وسياقاتِه والرؤيةِ الكامنة فيه للعالَم.

يمتلكُ حنفي مهارةَ التوظيف البراغماتي للتراث، بنحوٍ يتخذ منه مرايا تنعكس عليها قناعاتُه، التراثُ في مراياه يتجلى يساريًّا اشتراكيًّا، ويساريًّا إسلاميًّا، وديمقراطيًّا ليبراليًّا. كلُّ مرة يحاول تحميلَه ما لا يتحمله، وتقويلَه ما لا يقوله، ويركّبُ عليه ما يتنكر له. متمرّسٌ في التقاطِ مقولاتِ المتكلمين وبخاصة المعتزلة، وبعضِ فتاوى الفقهاء، وآراءِ الفلاسفة، وشذراتِ المتصوفة، ويقوّلها ما يراه ضروريًّا لنهضة الأمة وتقدّمها اليوم، وكأن تلك المقولاتِ والآراء علبٌ تقبل كلَّ أيديولوجيا وقناعة، وإن كانت مفارقةً لها لا تشبهها بشيء. مقولاتُ المتكلمين ومعتقداتُهم وآراؤهم ليست أوعيةً مفرَغة من المضمون. التراثُ نمطُ وجودٍ ينتمي للماضي، التراثُ رؤىً للعالَم، التراثُ مناهجُ فهمٍ متنوعة، التراثُ أدواتُ نظرٍ مختلفة، التراثُ طرائقُ فهمٍ فلسفية وكلامية وأصولية وفقهية وقرآنية وحديثية وصوفية، يعبّر كلٌّ منها عن منطقِه الخاص للفهم ورؤيتِه للعالَم.

يشدد حنفي في مناسبات متنوعة على أهمية تراث المعتزلة وضرورة إيقاظ عقلانيتهم، لكن كتابه العمدة في تجديد علم الكلام «من العقيدة إلى الثورة» لا تنتمي مقدمتُه إلى نتائجه. ما تُعلِنه آمالُه وأمانيه وأحلامُه الرومانسية شيءٌ، وما ينتهي إليه في بحثه شيءٌ ليس من جنسها. مشروعه الذي يقومُ على إعادةِ بناء التراث لا تجد فيه ما يدلِّل على إعادةِ البناء، ولا تكتشفُ في جوهره عقلانيةَ المعتزلة، بل عند تفحُّصه بعمقٍ تجده يستبطن أشعريةً متنكرة. يصرّ على أنه ينطلق من التراث إلى الواقع، غير أن قراءتَه بتأمل دقيق، وتحليلَ بنيته العميقة، تكشف لك أنه يبدأ من التراث لينتهي بالتراث، وكأنه يستأنف شيئًا من الأحلام الطوباوية للدعوات الأصولية، على شاكلة تفكيره وأسلوب تعبيره، وبإيقاع شعاراته المثيرة للمشاعر. يقول د. جابر عصفور: (مشروع حسن حنفي عن التراث والتجديد، هو في حقيقته ضد مشروع تجديد التراث، فحنفي حين سافر إلى باريس لاستكمال دراساته العلمية، كان عضوًا في جماعة الإخوان المسلمين، وقد التقي هناك بمجموعة من الأساتذة المسيحيين المتأثرين والفاعلين في مشروع لاهوت التحرير المسيحي، وقد حاول استنساخ التجربة فيما يسمى بمشروع اليسار الإسلامي، وأصدر مجلة “اليسار الإسلامي” كمنفيستو لمشروعه الفلسفي، فحنفي يميل إلى المدرسة الظاهرية في قراءة النصوص الدينية والتراثية ليس معتزليًّا يقدم العقل، وإنما أشعريّ أصوليّ)[37].

يشدّد حنفي على أن التراثَ هو الشفاء لو عملنا على إعادةِ بنائه واستئنافِه مجدّدًا. التراث كما يرى يمكنه أن يتحدث لنا بلغةٍ تتكفل دواءَ كلِّ أمراض واقعنا وما نعجز عن معالجته اليوم. إعادةُ البناء التي يعمل عليها، تمثل أحيانًا تلفيقًا مبسَّطًا للتراث مع لغةِ الفلسفة الغربية، ومصطلحاتِ العلوم الإنسانية الحديثة، واللاهوتِ الجديد، والأيديولوجيات الجديدة، والنظمِ السياسية المعروفة اليوم.

يلتقي حسن حنفي وإسلامية المعرفة في التشديد على الهوية المحلية للمعرفة، والتوكيد على ضرورة إنتاج علوم ومعارف تعبر عن ذاكرتنا الحضارية وهويتنا وتراثنا. ليست هناك معرفة مكتفية بذاتها. أمنية حنفي ليست واقعية، إنها أمنية تعكس الحنين للماضي، وانغلاق الهوية على نفسها، والتنكر للتطور التكاملي في العلوم. دائمًا يتغلب المشترك العالمي على بصمة الهوية في التطور التكاملي للعلوم والمعارف، وتتكشف المشتركات كلما نضج العقل وتقدمت المعرفة واتسعت رأسيًّا وأفقيًّا.

إسلاميةُ المعرفة تصرّ على ثنائية ضدّية بين العلوم والمعارف الحديثة والهوية الدينية للمسلمين، وتشدّد على ضرورةِ استدعاءِ التراث وإعادةِ بناء علومٍ ذاتِ هوية دينية مشتقّة من الهوية الإسلامية. حسن حنفي أيضًا يشدّد على ثنائية ضدّية في تصنيفه للعلوم والمعارف والآداب والفنون، فيصنّفها إلى: الأصيل والدخيل، والوافد والموروث، ونظائرهما. هذه الثنائيةُ هي الأساسُ المشتقّة منه إسلاميةُ المعرفة، وهي الباعث للجهود والأموال المهدورة لما يقارب نصفَ قرن، التي بدّدَ فيها المعهدُ العالمي للفكر الإسلامي في واشنطن وأشباهُه في الدول العربية والإسلامية أموالًا طائلة وطاقاتٍ كثيرة بمحاولات عبثية، لم تنتج حتى اليوم علومًا تجد لها طريقًا إلى الواقع. الأساسُ الذي تبتني عليه مثلُ ثنائيات هوية العلوم والمعارف: إما أن يكون جغرافيًا أو إثنيًّا أو ثقافيًّا أو دينيًّا، في حين تجهل أو تتجاهل تلك الثنائياتُ أن معيارَ قيمة أية معرفةٍ يتمثل في عقلانيتِها، وتعبيرِها عن الحقيقة، ومقدرتِها على الإسهام في إسعادِ الإنسان، وحمايةِ كرامته وحرياته وحقوقه بوصفه إنسانًا.

قراءةُ تاريخ العلم والمعرفة بعقلٍ أيديولوجي قراءةٌ ليست علمية، تاريخُ نشأة العلم والمعرفة وتطورُها يكذّب الادعاءَ بأن التراثَ يتكفل حلَّ مشكلات الواقع وتلبيةَ احتياجاته، ولو كانت هذه القضيةُ عمليةً لاستطعنا امتلاكَ العلوم والمعارف الحديثة منذ زمنٍ بعيد. العلومُ الصـرفة والطبيعية والتطبيقية مُشترَك بشـري كوني، ليست هناك رياضيات وفيزياء وكيمياء وطب وهندسة مسيحية، وأخرى إسلامية، وثالثة بوذية، ورابعة هندوسية.

لا تخلو الفلسفةُ وعلومُ الإنسان والمجتمع من بصمةٍ نسبية تطبعها البيئةُ والثقافةُ المحلية، غير أن تأثيرَها يظلُّ محدودًا، لا يلغي البعدَ الكوني فيها الذي يتمحور على الكشف عمّا هو كلّي مشترَك بين الناس، ويتناغم وطبيعةَ الإنسان ومتطلّباته الأساسية الواحدة التي لا تتخلّف ولا تختلف باختلاف البشـر، ولا تتنوّع بتنوّع ظروفِ عيشهم وأديانِهم وثقافاتِهم.

المنطقُ الأرسطي مثلاً، على الرغم من أنه وُلد في أثينا اليونانية، غير أنه كان وما زال يفرض حضورَه ومرجعيتَه في التفكير على العقل في الإسلام، ومازالت قواعدُ التفكير المرسومة منذ المعلّم الأول، والقوانينُ الكلية للفهم في منطقه متغلغلةً في علوم ومعارف الدين. خضع التفكيرُ الديني في الإسلام منذ عصـر الترجمة لمنطق المعلّم الأول، وتوالدت في إطارِ أشكالِ قياساته، وطرائقِ استدلالاته، وصورِ مقدّماته ونتائجه، مختلفُ علوم الدين، وكلُّ العلوم والمعارف لدينا. ومنذ ذلك العصـر كانت الفلسفةُ اليونانية أيضًا ينبوعًا استقتْ منه كلُّ مدارس التفكير الفلسفي في الإسلام.

منذ القرن التاسع عشـر ونحن نحاول أن نحيي التراثَ ونشتقّ ما يتطلبه الواقعُ من علوم ومعارف منه. بعد نحو مئتي عام، لا نحن أنتجنا العلمَ والمعرفةَ الخاصّين بنا، وتحرّرنا من علوم ومعارف الغرب الممقوتة عند أكثر أنصار تحيّز المعرفة وأسلمتها، ولا استطعنا أن نبرهن عمليًّا على صحة هذه الدعوة المكرّرة، فنبني مناهجَنا النابعة من ديننا وتراثنا وتفكيرنا الخاص. الغريب أن أكثرَ المشتغلين بالتراث مازالوا حتى اليوم يردِّدون هذا الكلامَ المبهم، الذي لم نصل فيه إلا إلى مزيدٍ من التخبط والضياع.

لا يبدأ التجديدُ بالتراث لينتهي بالتراث، كما يريد أكثرُ من يكتبون ويتحدثون عن التجديد، ‏ولا يبدأ بالواقع ويرتدّ للتراث ليشتقّ منه حلولًا لمشكلات الواقع، كما يصوّر لنا ذلك حسن حنفي وأمثاله، وكأن التراثَ يستجيب لكلِّ ما يتطلبه الواقع؛ من دون اكتراثٍ بأن أكثرَ ما في التراث يتنكر له الواقعُ، كما برهن على ذلك إهدارُ قرنين من الزمن لم تنجز فيها هذه الدعواتُ أيةَ خطوة ٍعملية جادة تنعكس آثارُها على الواقع. التجديدُ هو إعادةُ التفكير بشكلٍ لا يكرّر التراثَ ويرسّخ حضورَه، ويجتهد في بناء مناهج وأدوات نظر حديثة لفهم الدين وإعادة قراءة نصوصه وتفحّص التراث وغربلته. التجديدُ يتحقّق عندما يتغيّر المجتمعُ كي يخرج من الماضي إلى الحاضر، ومن التمنَّيات والأحلام والأوهام إلى الواقع، ويتصالح مع الزمان والفضاء العالمي الذي يعيش فيه.

ظلَّ حنفي مغرمًا بإعادة بناء كلِّ حقول التراث بمعادلةٍ يغترب فيها التراثُ عن الواقع ويغترب فيها الواقعُ عن التراث. كان يحاول أن يركِّب الواقعَ على التراث والتراثَ على الواقع بشكلٍ غريب، وظل شغوفًا كلَّ حياته بمعادلةٍ طوباوية متهافتة، تعكس وفاءَه للهوية أكثر مما تكشف عن منطقٍ علمي. لا تنتج هذه المعادلةُ ما يرسِّخ أسسَ السلام المجتمعي والعيش المشترك، ولا تبني دولةً حديثة. الدولةُ الديمقراطية الحديثة لا يبنيها إلا عقلٌ يتخلّص من سطوة التراث، كي يستطيع أن يرى الواقعَ قبل أن يرى التراث، ويستفتي متغيرات الحياة قبل أن يستفتي التراث، ويتحدث لغةَ العصر وعلومَه ومعارفَه قبل أن يستعير لغةَ التراث. لا دولة ديمقراطية حديثة من دون تجديد مناهجِ ومقرراتِ وأساليبِ التربية والتعليم، وتجديدِ فهم الدين، وإعادةِ تعريف مهمته في حياة الفرد والجماعة، وتجديدِ مناهج تفسير القرآن الكريم والنصوص الدينية، وإعادةِ بناء علم الكلام وتحريره ‏من مقولات الفرقة الناجية وأشباهها.

كي يحقِّق الدينُ وظيفتَه في حياتنا اليوم لابدَّ أن نفهمه بوصفه نظامًا لإنتاج ‏معنىً روحي وأخلاقي وجمالي للحياة. ‏في ضوءِ هذا الفهم للدينِ ووظيفتِه ينبغي أن يبتني المنهجُ الذي نعتمده في تفسير القرآن والنصوص الدينية. ‏كلُّ ما هو خارج ذلك يستمدّه الإنسانُ مما يقوله العقلُ وإبداعاتُه في العلوم والمعارف، ومما أنجزه تراكمُ خبرات البشر ‏عبر عشرات الآلاف من السنين.

 

                                            – 8

                       الإحياء يبدأ بالتراث لينتهي بالتراث

تسارعتْ كتابةُ حسن حنفي في الربع الأخير من حياته، وتضخّم مشروعُه وتكدّست مجلداتُه، بنحوٍ يشعر معه القارئُ الذي واكب كتاباتِه بشغفٍ حنفي بالكمّ وتعلّقِه ببلوغ خاتمة مشروعه الموسوعي. كان وهو يكتب متعجِّلًا كمن يقرأ روايةً بوليسية يترقّب خاتمتَها بلهفة. وعد أن يغطّي مشروعُه كلَّ حقول التراث الواسعة، وبالفعل وفى بوعده أفقيًّا. لم يتورط في مثل هذا العمل الموسوعي مفكرٌ آخرُ غيرُه، لا من جيله، ولا أجيال أساتذته، ولا تلامذته. لا يمكن إنكارُ مواهبه الفذّة، ولا تكوينه الأكاديمي الرصين، ولا خبرته الممتازة في معرفة الفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة، ولا خبرته الأفقية والعمودية بالتراث، إلا أنه أراد أن يكونَ متكلِّمًا كأئمة الفرق، وفقيهًا كأئمة المذاهب، وأصوليًّا كالإمام الشافعي، ومفسّرًا كأعلام التفسير المعروفين، وعالِمًا بالرجال والحديث كأعلام المحدثين وعلماء الرجال والطبقات، وقبل كلِّ ذلك أراد أن يكون فيلسوفًا كالفارابي وابن سينا وابن رشد وملا صدرا. أظن أن ذلك يتعذّر على إنسان اليوم، مهما كانت عبقريتُه وتكوينُه العلمي ومواهبُه ومعارفُه وصبرُه ومثابرتُه. ضيّع حسن حنفي مواهبَه وطاقاتِه وصبرَه الطويل في متاهات التراث وكهوفه، ولبث في تلك المتاهات ولم يخرج منها بعد أن دفن فيها عقلَه وتكوينَه الأكاديمي الثمين وإمكاناتِه المعرفية. عاش فكرُ حسن حنفي مغترِبًا وسيلبث مغترِبًا، صوتُه لم يكن مألوفًا للكلّ، حاول أن يكونَ إسلاميًّا فتنكّر له الإسلاميون، مثلما حاول أن يكونَ علمانيًّا فتنكّر له العلمانيون.

البيان النظري للمشروع الذي أصدره كخارطة طريق عنوانه: «التراث والتجديد»، لكن مشروعه إحيائي لا تجديدي. الإحياء يبدأ بالتراث لينتهي بالتراث، الإحياء إعادة صياغة لفظية تستبدل كلمات بكلمات، وأحيانًا تنحت مصطلحات بديلة لتملأها بالمعاني التراثية ذاتها. الإحياء غير التجديد، التجديد يدرس البنيةَ العميقة لعلوم الدين، ويعمل على اكتشاف مناهجها ومنطقها الخاص ورؤيتها للعالم، ويستوعبها استيعابًا نقديًّا، ويتجاوزها ليجتهد في إنتاج علوم ومعارف الدين بمعطيات ومناهج وأدوات العلوم والمعارف الحديثة. دراسة التراث ضرورة تفرضها الكيفيةُ التي نريد أن نتحرّر بها من وصايته. تبدأ دراسةُ التراث بالكشف عن البنيةِ الأشعرية وغيرِها من مقولات المتكلمين المؤسّسة لرؤية المسلم للعالم في الماضي والحاضر، هذه الرؤيةُ الكلامية التي يستقي منها التفسيرُ والفقه والأخلاق وتصوّف الاستعباد.

كتب حسن حنفي مقدماتِه النظرية بلغةٍ أكثر تماسكًا وبمنهجٍ أكثر تنظيمًا ورصانة، غير أنه أخفق في تطبيقاته. ظهر مبكرًا أدقُّ نصوصه وأوضحُها وأكثرُها تماسكًا نظريًّا، في تقديمه المطول لترجمة «رسالة في اللاهوت والسياسة» لسبينوزا. كان متمكنًا في ترجماته القليلة، لو لبث في هذا الميدان وراكم تجربتَه فيه لربما أنجز للمكتبة العربية ترجمةَ أثمن النصوص الفلسفية وأغناها قبل أن تشيع الترجمةُ أخيرًا. كان متمكنًا أيضًا في بناء الإطار النظري الصادر بعنوان: «التراث والتجديد» الذي كتبه بوصفه المانفيستو لمشروعه، وهكذا صاغ مقدماتِه النظرية لحقول مشروعه. غير أن محاولاتِه في إعادة بناء علوم الدين بالاغتراف من التراث عجزتْ عن الوفاء بوعودها، وأخفقتْ في تمثّل رؤيتِه النظرية وحضورِها. ضاعت في مشروعه المباني، ولم نرَ من الإطار النظري الذي يرسمه في مقدّماته إلا عنواناتِ الكتب والفصول والمباحث، انشغل بالشعارات من دون أن نقرأ في كتاباته إعادةَ بناءٍ أو تجديدًا ينعكس على البنية التحتية لعلوم الدين. إعادة بناء حقول التراث في أعماله تركز على محتويات المدونات التراثية، وتقدّم مستخلصات عاجلة للعنوانات الأساسية والفرعية في مدونات التراث المرجعية، وأحيانًا باستبدال العنوانات بجملٍ مباشرة كأنها شعارات جماهيرية. انشغل أخيرًا في تلخيصٍ متعجَّل لهذه المدونات، تلخيصاته تفتقر لتحليلِ وتفكيكِ النسيج المعرفي الداخلي لمكونات التراث. أخفق في التفكيك مثلما أخفق في إعادة البناء والتركيب. لبث يتغنى بأحلامه، ظلّ مولعًا بصياغة شعارات كأنها لافتات تعبوية، وأسرف في تكرارٍ مملّ لشعاراته ذاتها، ظل ملازمًا لها ولم يغادرها إلى محطة أرحب أفقًا حتى نهاية حياته. مَنْ يقرأ كتاباتِه بتدبّر يراها تبدأ من التراث وتنتهي بما يتمناه على التراث.

لم يتوقف حسنُ حنفي عند حدود إعادة بناء التراث، بل أوقعَ الفكرَ العربي في عدة التباسات ضبابية عندما حاول أن يدرسَ الغربَ وحضارته ومعارفه، واحدة منها الادعاءُ بتأسيس: «علم الاستغراب» الذي يدرسُ فيه الشرقُ الغربَ كما درسَ الغربُ الشرقَ في “الاستشراق”. ذاع صيتُ عنوان «علم الاستغراب» وأضحى موضةً ثقافية، بعد أن نسخ عنوانَه بعضُ الذين يكتبون بلا تكوينٍ علمي رصين، ومن دون تدبرٍ عميق وتفكيرٍ صبور، فعملوا ضجة إصدارات، تكدّست فيها ألفاظٌ فوق ألفاظ بلا مضمونٍ معرفي دقيق، وكلماتٌ يمكن أن تقول كلَّ شيء من دون أن تقول الشيءَ الذي يبحث عنه القراء.

لافتة «علم الاستغراب» أغوت المسكونين بالتفسير التآمُرِيّ لنشأة العلوم والمعارف الحديثة، ممن يعتقدون أن حضورَها في مدارسنا وجامعاتنا وثقافتنا أحدُ أدوات شباك الإمبريالية للهيمنة على العالم، وهذا الكلام تلتقي منه كتاباتٌ يسارية وقومية وأصولية. أشغلنا «علم الاستغراب» بشعاراتٍ فضفاضة وأحلامٍ غريبة، ترسم خارطةً ذهبية لمستقبل الوعي والتنمية العلمية في بلادنا، خارطة افتراضية تضع مسارَ الحضارة الإسلامية في ثلاث مراحل، كلُّ مرحلة سبعة قرون. السبعة الأولى: مرحلة النهوض والازدهار تبدأ بالقرن الأول للهجرة لتنتهي في السابع، الثانية: مرحلة الانحطاط تبدأ بالقرن الثامن وتنتهي في الرابع عشر الهجري، الثالثة: مرحلة النهضة الحضارية الجديدة تبدأ بالقرن الخامس عشر الهجري وتظلّ تتواصل وتتكرّس سبعة قرون. يتراكم فيها -كما يتنبأ حسن حنفي – تقدّمٌ على تقدم، وابتكاراتٌ مبهرة في مختلف مجالات العلوم والمعارف والفنون والآداب، وبناءُ الدولة المثالية، والتنميةُ الشاملة. إنها المرحلةُ التي يولِّد فيها الإنسانُ المسلم علومَه الخاصة ويستغني عن علوم الآخر ومعارفه. القارئ الذكي يجد هذه السباعيةَ محاكيةً في قالبها للمادية التاريخية شكليًّا، وإن كانت عاجزةً عن البناء النظري للماديةِ التاريخية واشتقاقِها من الرؤية الفلسفية العميقة للمادية الديالكتيكية، بغضّ النظر عن رفضنا للرؤية الفلسفية المادية.

لا معرفةَ مكتفية بذاتها، لا ثقافةَ مكتفية بذاتها، لا حضارةَ حيّة مكتفية بذاتها. كلُّ حضارة حيّة مركب تنصهر فيه عصارةُ حضارات. الحضارة لا تزدهر إلا بولادة تفاعل خلّاق للخبرات الإنسانية العالمية المشتركة، تلتقي هذه الخبراتُ بمركب أكثف لتنتج أثمنَ ما ابتكره وأنجزه الإنسانُ في تطوره الحضاري. موكب الحضارات عالميّ في الوقت الذي هو محلي، ومحلي في الوقت الذي هو عالمي. التكنولوجيا، والعلوم الطبيعية والعلوم الصرفة كونية، العلوم الإنسانية الكوني فيها أكبر بكثير من المحليّ، وإن كانت لا تخلو من بصمةِ ذات العالِم وثقافته وهويته. حين تنغلق الحضارةُ على نفسها تدخل مسارَ انحطاطها وموتها واندثارها. يقول حسن حنفي: «عندما كتبت “موقفنا من التراث الغربي” في يناير 1971، أحدد فيه معالم الاستغراب، رد عليه فؤاد زكريا في نفس العدد بمقال: “دفاع عن الثقافة العالمية”. في حين أنه في ندوة المجلس الأعلى للثقافة عن الكتاب “مقدمة في علم الاستغراب” أتى مهاجمًا إياه مبينًا استحالته. لم يكن من المناقشين، ولكنه حضر خصيصًا، وتكلم من القاعة مع الحضور»[38].

شغلنا حسن حنفي بترويج مصطلح الاستغراب، الذي يدعونا لضرورة الاستغناء عن تفسير الظواهر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والنفسية وغيرها على وفق معطيات العلوم والمعارف الحديثة. لافتة الاستغراب ترفض علومَ الفهم والتفسير، ومعطياتِ العلوم المتنوعة في تفسير السلوك الفردي والمجتمعي، وتشدّد على العودةِ إلى التراث والانطلاقِ منه لبناء علومنا المحلية في ضوء هويتنا وذاكرتنا وحضارتنا. استغناء المفكر اليوم عن الثقافة العالمية ومشترَكات الوعي البشري غير ممكن. عجز حنفي نفسه عن الاستغناء عن المعرفة الغربية. استيعابُه للمعرفة الحديثة واسع، وتوظيفُه للغتها ومصطلحاتها وأدواتها كبير، كلُّ مَن قرأ أعمالَه يرى ذلك بوضوح.

الواقع يكذّب فرضيةَ الشروع بالنهضة الجديدة لعالمنا مطلع القرن الخامس عشر الهجري، على وفق مرحلة القرون السبعة الثالثة. الإنسان اليوم يختنق بالواقع المزري للحقوق والحريات في دولنا الهشة، وهكذا تندثر بالتدريج القيمُ الأخلاقية والإنسانية المشترَكة في مجتمعاتنا، وتتفجر هوياتٌ طائفية مخيفة تمزّق مجتماتنا. بلادنا ودولنا في القرن العشرين الميلادي أصلب منها اليوم، وهكذا كان حال مجتمعاتنا ذلك الزمان. نتمنى أن تحدث المعجزةُ وتتحقّق بشرى حنفي.

يسود دعوةَ الاستغراب إفراطٌ في توهم الاستغناء عن الآخر، وإفراطٌ في التفاؤل بمستقبلٍ مجيد لعالم الإسلام في القرون السبعة القادمة. وبدلًا من التدليلِ على ذلك منطقيًّا يكدّس صاحبُها شعاراتٍ ويحشد عباراتٍ تهيّج مشاعرَ القراء الذين يقرؤون بلا تأمل، ويكرّرها بلغةٍ تثير الوجدانَ وتشحذ العواطفَ وتستفزّ الضميرَ وتستنهض الهوية. يخيل إليك وأنت تقرؤه كأنك تقرأ مدونةَ أحدِ الكتاب الأصوليين المتشدّدين، أو أحدِ مشاهير المنجمين المولعين بالتفاؤل. يصف علي حرب ذلك بقوله: «إنها إمبريالية الكلمات والمقولات نحاول فرضها على الواقع، كما يمارسها المثقف الرسولي الداعي إلى الثورة أو القائم بحراسة الهوية والذاكرة. هذا ما فعله حسن حنفي في كتابه حول الاستغراب، خصوصًا في المقدمة والخاتمة، حيث تصرف في تحليله لوقائع العصر كأنه “سيد الحقيقة مالك الوقت”، إلى حد جعله يجزم بأن الحضارة الغربية ستدخل لا محالة في طور من الانحطاط يستغرق سبعة قرون، وأن حضارتنا ستدخل في المقابل في نهضة ستستمر هي الأخرى سبعة قرون . . . ويُخشى أن ينطوي هذا التحليل بل التقدير على وهم كبير، على افتئات على الواقع والتاريخ، ثمرته إما الإحباط واليأس المفضي إلى الدمار الذاتي، وإما افتعال الأشياء وترجمة المقولات على الأرض عنفًا وإرهابًا»[39].

 

                                                 –9

                        نسيان الله في تفسير حسن حنفي

القرآنُ الكريم هو المنبعُ المُلهِم الذي نشأتْ في فضائه علومُ الدين، واستقتْ منه معارفُ التراث. لم نجد أحدًا من المفسِّرين والمحدثين والفقهاء والمتكلمين والمتصوفة وحتى الفلاسفة في الإسلام يتجاهل الدلالاتِ الميتافيزيقيةَ لعالَم الغيب في القرآن. تبدأ سورةُ البقرة، وهي أولُ سورةٍ بعد الفاتحة في القرآن بالحديث عن الغيب: «الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ»[40]. الإيمانُ بالله هو إيمانُ بالغيب، الله هو «الغيب المطلق»، و«غيب الغيوب» كما يرى العرفاء. «نسيانُ الله» الذي يهيمن حضورُه على القرآن الكريم، والادِّعاءُ بأن «الله هو التاريخ»[41]، محاولةٌ غريبةٌ تورطت فيها كتاباتُ حسن حنفي. القرآنُ يشدّد على الصلة الوجودية بين عالَم الغيب وعالَم الشهادة. مفهومُ الإنسانية في كتابات حنفي يفرِّغُ عالَم الغيب من الدلالات الميتافيزيقية، ويتجاهل المعنى الغيبيَّ لله ويستبدله حيثما ورد بالإنسانِ وشؤونِه وأحوالِه.

في مجلدٍ كبير للتفسير، أصدره حسن حنفي في السنوات الأخيرة من حياته، يتجاوز 1500 صفحة، يمثّل أحدَ الحلقات الأخيرة لمشروعه، يتحدث عن: الإنسانِ، والواقعِ، والتغييرِ الاجتماعي، والنضال، وحقوقِ الإنسان، والمجتمعِ ومؤسساته، والدولةِ ومؤسساتها، والسلطةِ والحكومة، وكلِّ شيء يتصل بالإنسان و«عالَم الشهادة»، غير أنه ينسى «عالَم الغيب» الذي يفرض هيمنتَه بوضوحٍ في القرآن، بشكل يتنبه إليه كلُّ مَن يستمعُ إلى صوتِ الله ونداءِ الغيب من آياته، فإذا أورد حنفي آياتِ الغيب في سياقِ تفسيره أو أعمالِه الأخرى، فإنه يعمد إلى تأويلها بلغةٍ لا نقرأ فيها للغيب أثرًا. لا نترقب من حنفي أن يغرقَ في تفسير باطني للغيب، أو يرسمَ جغرافيا متخيَّلة له، ولا نريد منه أن يحشدَ في تفسيره لوحاتٍ وصورًا ذهنية لعوالم الربوبية، كما أسرفتْ في ذلك الاتجاهاتُ الباطنية والتفسيرُ الإشاري لأكثر المتصوفة والفرق المغالية، لكن لا يمكن قبولُ هذا النوع من إهدار الغيبِ في القرآن والتنكُّر لحضوره المدهش. اختلت المعادلةُ القرآنية على وفق المنطق الأيديولوجي للتفسير عند حسن حنفي، فحجبَ فيها الإنسانُ حضورَ الله، وأخفى عالَمُ الشهادة عالَمَ الغيب. يحضر في اللغة القرآنية اللهُ بتجلياته وأسمائه وصفاته، مثلما يحضر فيها الإنسانُ بوصفه خليفةً لله.

الغيبُ حاضرٌ في القرآن الكريم بكثافةٍ، غائبٌ في كتابات حسن حنفي بشكلٍ يثير الحيرة. يمارس حسن حنفي عمليةَ إكراهٍ لدلالات آيات الغيب في القرآن، فيحيل ما هو سماوي إلى أرضي، ويفسّر ما وراء المادة بالمادي، وما هو ميتافيزيقي بالدنيوي، ويصرّ على دلالات اجتماعية وسياسية لهذه الآيات لا يشي بها مضمونُها. يغيب الغيبُ في كتاباته، وكأن القرآنَ الكريم عندما يتحدث بكثافةٍ عن الله بوصفه «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ»[42] لم يقرأه حنفي.

القرآنُ يركزُ على الغيب بشكلٍ مدهش؛ لا تجد سورةً في القرآن حتى القصار تنسى الغيبَ أو لا يحضر فيها اللهُ وأسماؤه وصفاته. يعمل حنفي على تفريغِ القرآن من دلالاته الغيبية، كأنَّ آياتِ الغيب في القرآن تتحدث عن النضال والكفاح والصراع الطبقي، ولا صلةَ لها بمضمونِها الميتافيزيقي.

لا يكترث حنفي أيضًا بالحياة الروحية في القرآن، وكأن القرآنَ كتابٌ يمكن أن يتحدّث عن كلِّ شيء إلا الله وتوحيده وعبادته. القرآنُ كتابٌ محوره الأساسي التوحيد، وغرضُه رسمُ خارطةٍ لبناء صلةٍ وجودية يقظة للإنسان بالله. قلّما يحضر اللهُ في تفسير حنفي بوصفه إلهَ النور والمحبة والجمال الذي أضاء نورُه كلَّ شيء، كما ترسم صورتَه آياتُ القرآن: «اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ… نورٌ عَلَىٰ نُورٍ»[43]، وردت كلمةُ نور في القرآن 45 مرة، كلُّها بصيغة الاسم. حتى في دراسته للتصوف التي أصدرها في مجلدين ضخمين، بعنوان: «من الفناء إلى البقاء»، لا يحضر فيها اللهُ وعالَمُ الغيب، ولم تحضر الخبرةُ الروحية للعرفاء واستبصاراتُهم المضيئةُ في الكشف عن أسرار لغة القلب، كان حنفي يحاول أن يستنطق القلبَ بلغةِ الرفضِ والكفاح والثورة.

تأثر حسن حنفي بالكاهن الكولومبي كاميلو توريس الذي وُلد سنة 1929 وقُتل مناضلًا وهو يقود عملا مسلحا سنة 1966. لاهوتُ التحرير أيديولوجيا توريس الثورية، وهو رؤيةٌ تختلط فيها المسيحيةُ والماركسية بمركبٍ تتنافر داخله رؤيتان متضادتان أنطولوجيًّا. وهكذا كان القرآنُ عند حسن حنفي مانفستو للثورة، ‏وكأنه نسخةٌ بديلةٌ لـ«البيان الشيوعي» لماركس وإنجلز.

تجتمع في شخصية حسن حنفي ‏الموهبةُ، والذهنيةُ المراوِغة، والإرادةُ العنيدة. ‏تجسدتْ صورةُ الله في ضميرِه بشخصيةِ المناضل في الأرض دون سواه. كان ‏مُنْحَازًا لكلِّ ثورةٍ وانتفاضةٍ ورفضٍ، بغضِّ النظر عن هويةِ هذا الرفضِ الأيديولوجية وأهدافِه ووسائلِ تنفيذه وموطنِه. حسن حنفي لم يُعرَف عنه أنه اشترك يومًا من حياته الطويلة في أية ثورةٍ أو حركةِ مقاوَمة، كان بارعًا بصياغةِ شعارات الثورة وتحريضِ الشباب على الموت، وهو قابعٌ ببيته وجامعته بعيدًا عن الميدان، وظلَّ يحتمي بمراوغاته اللفظية من السلطة، فلم يكن يومًا من ضحايا السجن والتعذيب، كما هو مصيرُ المعارضين أمس واليوم، على الرغم من أنه عاصر أنظمة عبد الناصر والسادات ومبارك ومرسي والسيسي. ‏حسن حنفي وأمثاله يعلّمون المتدين كيف يموت ولا يعلّمونه كيف يعيش. ‏في كلِّ كتاباته عن الدين يتقن حنفي فنَّ تحريض الناس على التديّن بدين الحرب، وقلما تراه يعلّمهم كيف يتدينون بدين السلام. يحرّضهم على اتخاذ الأيديولوجيا دينًا، ولا يهتم بالتديّن الأخلاقي الذي يرسخ أسس العيش المشترك في إطار التنوع والاختلاف. ‏

كنت ضيفًا في منزله بالقاهرة أيام ثورة يناير 2011 فكان متحمّسًا جدًا للثورة قبل انتصارها. أخبرني الصديقُ المرحوم علي مبروك أنه كان يمكث كلَّ ليلةٍ مع الثوار في ميدان التحرير، ولم أسمع بحضور حسن حنفي هناك. بعد الانتصارِ واستيلاءِ الإخوان المسلمين على الحكم، لم أقرأ له شيئًا حول إخفاقات حكومتهم، ولم أقرأ له مراجعةً نقديةً لتجربتهم في السلطة. كنت أتابع ما ينشره أسبوعيًا في صحيفة الاتحاد الإماراتية، ‏وما تنشره له بعضُ الصحف المصرية.

لا يرى حسن حنفي في الدين تجربةً تتحقّق فيها الذاتُ بطورٍ وجودي تتسامى فيه، ولا يحضر اللهُ والغيبُ في فهمه للدين إلا بوصفه يرمز للإنسانِ ونضالِه في عالمِه الأرضي. تنبهتُ مبكرًا إلى إنهاكِ كتابات حسن حنفي وأمثالِه للدينِ بتفريغه من مضمونه الميتافيزيقي، وتجاهلِه للأبعاد الغيبية في التوحيد، وانشغالِه بالإنسان بمعزلٍ عن الله. منطقُ فهم الدين والمقدّس غيرُ منطق فهم العلوم الطبيعية، كما ان منطقَ فهم الأدب والفن مختلفٌ عن منطق فهم العلوم الطبيعية. الاختلافُ في الهوية الوجودية يعني الاختلافَ في منطق الفهم وكيفية اكتشاف الأبعاد والتجليات والتمثلات. لغةُ الغيب مُشبَعةٌ بأنطولوجيا ميتافيزيقية، لغةُ الغيب القرآنية رمزيةٌ بوصفها مرآةً لصوت الوحي. تجاهلُ الغيب في القرآن يعني تجاهلَ حضور الله وأسمائه وصفاتِه وأفعاله المتسيّدة في القرآن.

القرآنُ كتابٌ ميتافيزيقي بامتياز، عند العودةِ إليه والنظرِ فيه بتدبّرٍ نلحظ أن حضورَ الله يتفوّق كثيرًا على كلِّ حضورٍ في هذا الكتاب، وهذا الحضورُ لله لا نراه ماثلًا بهذه الكثافة في أيّ كتابٍ مقدّسٍ آخر غير القرآن في الأديان. ورد ذكرُ اسمِ «الله» 2699 مرّة في آياته، ولو أضفنا لذلك عددَ أسماءِ الله وصفاتِه المتنوّعةِ في القرآن لتجاوز هذا العددَ بكثير، فمثلًا تكرّر ذكرُ كلمة «رب» 124 مرّة. لم يشأ حسن حنفي أن يتدبّر الحضورَ المكثّفَ لله في القرآن، وما يحيل إليه هذا الحضورُ من دلالاتٍ روحية لا تنضب، تنفيها قراءتُه اللاغيبية لآيات الغيب.

الكثافةُ اللافتةُ لحضورِ الله وأسمائِه وصفاتِه المتنوّعةِ تدلّل بوضوحٍ على أن القرآنَ يشدّد على الإيمانِ بالله والتوحيد، ويجعله حجرَ الزاوية في بناء الحياة الدينية في الإسلام، ويؤشر إلى وصلِ نظام القيم في الحياة الفردية والمجتمعية بالله، بالمعنى الذي يصير فيه الإنسانُ مسؤولًا أمام الله، والإيمانُ بالله منبعًا مُلهِمًا للحق والعدل والخير والسلام والمحبة والجمال في العالَم. وتظهر القيمةُ العظمى للإيمان في تحريرِ الإنسان من اغترابه الوجودي. هذا الاغترابُ يُفضي إلى استلابِ ذات الإنسان، لأنه اغترابٌ لكينونة هذا الكائن عن وجودها، ومن هذا الاغتراب يحدث القلقُ الوجودي، إذ بعد أن تنقطعَ صلةُ الإنسان الوجوديةُ بإلهِهِ، تُستلَب ذاتُه ويفتقدها، وعندما يفتقدُ الإنسانُ ذاتَه يمسي عُرْضَةً لكلِّ أشكال التبعثر والتشظِّي، وربما يتردّى إلى حالةٍ من الغثيان الذي يعبثُ بروحِهِ ويمزّقُ سلامَه وسكينتَه الجوانية[44].

نفهمُ من هذه الكثافةِ لحضور الله في القرآن أن هدفَ القرآن يتلخصُ في أن يكونَ اللهُ هو المعبودُ فقط، لا معبودَ سواه، وإن كان ذلك المعبودُ نبيًّا أو صحابيًّا أو وليًّا أو شيخًا أو حاكمًا، أو أيَّ إنسانٍ مهما كان، ومهما كانت مواهبُه وصفاتُه ومكانتُه الدينية والاجتماعية والعلمية. القرآنُ يريدُ تحريرَ الإنسان من كلِّ أشكال العبوديات، ولذلك أصرَّ على محوِ الوثنية بكلِّ أنماطها، وعملَ على خلاصِ المسلم من كلِّ ألوانها، سواء كانت وثنيةَ أحجارٍ أو أشياء أو أفكار أو بشر. اهتمَّ القرآنُ بالقضاء على وثنية البشر خاصة، لذلك تحدّثَ عن أمثلةٍ لأفراد ومجتمعات كانوا ضحيةَ توثين البشر، وذكرَ المتاهاتِ المظلمة التي غرقت فيها حياتُهم، وإنما اهتمَ القرآنُ بها لأنها أشدُّ أنماطِ الوثنية التباسًا، وأكثرُها أقنعةً وحُجُبًا، وأخطرُها على الوعي والروح والضمير. وثنيةُ الحجر منحطةٌ مفضوحة، وقد كانت متفشيةً في الحياة الدينية للعرب عصرَ البعثة النبوية الشريفة، فنزلَ القرآنُ لأجلِ تحرير الإنسان منها ومن غيرها، لكن المؤسفَ أن توثينَ البشر ظهر بالتدريج بعد البعثة في الحياة الدينية عند كثيرٍ من المسلمين، فصارَ في عصورٍ لاحقة جيلٌ بكلِّ أفراده كجيل الصحابة مقدّسًا، لا تجوزُ دراسةُ حياته وتجربته وممارساته ومواقفه بمناهج علم التاريخ، ولا يصحّ الكشفُ عن أخطائهم وخطاياهم وموبقاتهم مهما كانت، على الرغم من أن الصحابةَ تقاتلوا في أكثر من معركة شرسة قُتِلَ فيها عددٌ ليس قليلًا منهم، وقضى ثلاثةٌ من الخلفاء الراشدين الأربعة بالسيف.

تقديسُ البشر والإعلاءُ من مقامهم بما يفوق بشريتَهم ضربٌ من التوثينِ واتخاذِ الأرباب من دون الله. توثينُ البشر ظاهرةٌ نجدها في كلّ الأديان، وقد استنكرها القرآنُ بقوله: «اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ»[45].

تتبدّل أقنعةُ الأوثان وتختلف باختلاف الأحوال والأزمان والأديان والمجتمعات والأفراد غير أن جوهرَها يظلّ واحدًا. لا تختصّ الأوثانُ بما هو مصنوعٌ من الحجر أو الخشب أو الحديد أو الأشياء المادية؛ الوثنُ كلُّ ما يُعبَد، الوثنُ كلُّ ما يلبث معه الإنسانُ فقيرًا في وجوده، ويكون وجودُه مغترِبًا عن الله، لذلك تصير أحيانًا ديانةٌ أو مذهبٌ أو عقيدةٌ أو فكرةٌ أو أيديولوجيا وثنًا، أو قد تتحوّل كلمةٌ أو شعارٌ أو كتابٌ إلى وثنٍ، أو يصبح زعيمٌ سياسي أو عسكريٌّ أو روحيٌّ وثنًا، وربما تمسي سلطةٌ أو حزبٌ أو جماعةٌ أو طائفةٌ أو قوميّةٌ أو قبيلةٌ أو عائلةٌ وثنًا، أو يغدو طقسٌ أو عبادةٌ أو شعيرةٌ وثنًا.

على الرغم من كثافةِ حضور الله في القرآن، إلا أننا وصلنا مرحلةً نجدُ فيها «إسلامًا ينسى الله»، إذ غابَ اللهُ بمرور الزمن عند كثيرين عن الحياة الدينية باحتلالِ بشرٍ مقامَه، وعندما يحتلّ البشرُ مقامَ الله يحتجبُ اللهُ عن الكلّ، من ينسى اللهَ ينسى نفسَه: «نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ»[46].

أكثرُ المفكرين العرب الذين اتخذوا القرآنَ محورًا لمشاريعهم الفكرية أهدروا الميتافيزيقا القرآنيةَ ولم يكترثوا بالغيب، حتى لو تناولوا آياتِ الغيب فإنهم يحاولون أن يلتمسوا لها تأويلًا ينزعُ عنها محتواها الميتافيزيقي. أحيانًا يعمدون إلى توظيف مناهجِ استكشاف الطبيعة في التعرّف على ما وراء الطبيعة. القرآنُ يتحدّث عن الغيب وما وراء الطبيعة أكثر مما يتحدّث عن الطبيعة، ليس من العلمِ تجاهلُ ما وراء الطبيعة في القرآن، أو تأويلُ آيات الغيب تأويلًا بمناهج وأدوات العلوم التي تدرس الطبيعةَ وظواهرَها وقوانينَها وما فيها من كائنات وأشياء. الآياتُ التي تتحدثُ عن الظواهر الطبيعة يمكنُ فهمها في ضوء قوانين الطبيعة، ولا يمكنُ أن تُفهمَ لغةُ آياتٍ تتحدثُ عن الغيب وما وراء الطبيعة كما تُفهمُ لغةُ آياتٍ تتحدثُ عن الطبيعة. لدى المفسّر نوعان من اللغة، الأولى تتحدثُ عن قوانين وظواهر وكائنات وأشياء الطبيعة، الثانية تتحدثُ عن الغيب وما وراء الطبيعة، لكلٍّ منهما مفتاحٌ للفهم والتفسير، ما يمكنُ توظيفه في تفسير الأولى لا يمكن توظيفه في تفسير الثانية.

الهوامش:

[1] د. حسن حنفي، ذكريات 1935 – 2018 ص 82، 2018، القاهرة.

[2] المصدر السابق، 82.

[3] المصدر السابق، 144.

[4] المصدر السابق، 148.

[5] د. حسن حنفي، من العقيدة إلى الثورة، ج1، ص 40 – 41، 1988، دار التنوير، بيروت.

[6] د. حسن حنفي، ذكريات 1935 – 2018 ص 59 – 60، 2018، القاهرة.

[7] المصدر السابق، ص 213.

[8] نفس المصدر، ص 217 – 219.

[9] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج6: ص 300 – 302، مكتبة مدبولي، القاهرة.

[10] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والنزعة الإنسانية، الفصل السادس في هذا الكتاب يتضمن ورقة الندوة بعنوان: “اختزال الدِّين في الأيديولوجيا: لاهوت التَّحرير عند علي شريعتي وحسن حنفي”.

[11] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج5: ص 320، مكتبة مدبولي، القاهرة.

[12] المصدر السابق، ص 296 – 297.

[13] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج6: ص 302 – 303.

[14] حنفي، حسن، الدين والثورة في مصر، ج6: ص 293 – 294، مكتبة مدبولي، القاهرة.

[15] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج6: ص 312.

[16] سيد قطب: في ظلال القرآن. دار الشروق. القاهرة. ج:4. ص: 4122.

[17] سيد قطب. في ظلال القرآن. دار الشروق. القاهرة. ج:4. ص:2009.

[18] سيد قطب. معالم في الطريق. دار الشروق. القاهرة. ص101-103.

[19] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج6: ص323.

[20] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج6: ص 329-331.

[21] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج6: ص 312.

[22] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج6: ص 45 – 47.

[23] المصدر السابق، ص 168.

[24] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج6: ص 324.

[25] هاشمي، محمد، سيد قطب بين لغة الشعر ولغة الشرع: نحو فهم مغاير، مجلة أواصر، ع 3 “2018”.

[26] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج 5: ص 219.

[27] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج5: ص 169. يكرر حنفي هذه الفرضية في موارد متعددة من كتاباته، لاحظ ص 257 من هذا الكتاب.

[28]  قطب، سيد، معالم في الطريق، ص 88، مكتبة وهبة، القاهرة.

[29] قطب، سيد، في ظلال القرآن، ج 4: ص 2122.

[30] قطب، سيد، في ظلال القرآن، ج3: ص 1816.

[31] قطب، سيد، معالم في الطريق، ص 43، دار الشروق، القاهرة.

[32] قطب، سيد، في ظلال القرآن، ج 2: ص 1492.

[33] قطب، سيد، في ظلال القرآن، ج 3: ص 1492.

[34] حنفي، د. حسن، الدين والثورة في مصر، ج5: ص 256 – 257.

[35] المصدر نفسه، ص 290.

[36] زكريا، فؤاد، مستقبل الأصولية الإسلامية: بحث نقدي في ضوء دراسة للدكتور حسن حنفي، مجلة فكر، ع 4 “ديسمبر 1984”.

[37] محمد عبد الرحيم، رحيل المفكر المصري حسن حنفي… المأزق بين اليسار والأصولية، جريدة القدس العربي “لندن”، الصادرة في 22 أكتوبر 2021.

[38] د. محمود محمد علي، شهادة المفكر حسن حنفي في حق فؤاد زكريا، ص 15.

[39] حرب، علي، نقد النص، ص 59، 2005، المركز الثقافي العربي، بيروت.

[40] البقرة، 3.

[41] حنفي، حنفي، في الفكر الغربي المعاصر، ص 223، 1982، دار التنوير، بيروت.

[42] الشورى، 11.

[43] النور، 35.

[44] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، ص 221، 2018، مركز دراسات فلسفة الدين، ودار الرافدين، بيروت.

[45] التوبة، 31.

[46] التوبة، 67.

 

رابط النشر: