الشيخ طه العلواني فقيه ضيّعه سنة العراق ونساه شيعته

د. عبد الجبار الرفاعي

في صمت كما صمت شيخوخته، ونسيان كما نسيانه من أقرب الناس إليه، فقيه ومفكر آخر يمضي راحلاً الى عوالم الملكوت، بعيداً عن ركام ظلام عالمنا. لقد غادرنا الى رحمة الله أمس صديقنا العلامة الشيخ طه جابر العلواني. رحم الله العلامة الصديق العلواني الذي رحل إلى الملكوت الأعلى، وهو في طريقه من القاهرة إلى واشنطن، في 4-3- 2016 وهو اليوم الذي ولد فيه في مدينة الفلوجة في العراق عام 1935.

تعود علاقتي بالصديق المرحوم الشيخ العلواني إلى مايقارب الثلاثين عاماً، حين كنت وقتئذ مسكوناً بهاجس أسلمة العلوم والمعارف في عالم الاسلام، بعد أن تركت العمل الحركي التنظيمي، استهوتني فرضية “إسلامية المعرفة”، ولم أكن أعرف أن هذا الولع الجديد هو انبعاث الهوية بوجه آخر من أعماقي، وتعبيرها عن نفسها هذه المرة بصيغة أيديولوجية تختبئ خلف فكرة “إسلامية المعرفة”.

عثرت على بعض كتابات واصدارات “المعهد العالمي للفكر الاسلامي”، الذي كان يقوده ذلك اليوم د. طه العلواني. وبعد أن طالعتها، رأيتها تتضمن شيئاً من التنظير والتبرير المتأمل تارة، والمبسّط تارة أخرى، لكن ما لفت انتباهي هو كتابات العلواني، التي كان يهتم فيها بالاحالة على التراث، خاصة أصول الفقه، الذي غرقت فيه في الحوزة، تدريساً وتأليفاً، أكثر من الفقه وغيره من علوم الشريعة، بموازاة شغفي المزمن بالفلسفة ومداراتها. واكتشفت أن رسالة الدكتوراه التي قدّمها الشيخ العلواني للأزهر هي تحقيق ودراسة أحد أهم المؤلفات الكلاسيكية في علم الأصول، وهو كتاب الفخر الرازي “المحصول في علم الأصول”، الذي نشره في ستة مجلدات. وجدت العلواني في كتاباته يحرص على المواءمة بين أصول الفقه والمفاهيم المنهجية الحديثة. وهي محاولات فيها شئ من التأمل والجدة، وإن كانت تفتقر للابتكار وصياغة رؤية نظرية دقيقة، إذ تقترب أحياناً من المقاربات والتلفيقات بين مفاهيم متنافرة.

بدأت مراسلاتي مع الشيخ العلواني وهو في واشنطن، رئيساً للمعهد العالمي للفكر الاسلامي، وأنا في الحوزة في قم. وفوجئت بسرعة تفاعله مع رسائلي، وحرصه على تكثيف التواصل وديمومته. كان يرفدني على الدوام بكل جديد من إصدارات المعهد ومطبوعاته. وتطور تواصلنا عبر الهاتف، وظل يحرص على معرفة رأيي بما يكتبه هو، وما يصدره معهدهم. وكان يهتم بما يسمعه من آراء تصدر عن المجال الشيعي في عالم الاسلام، خاصة آراء أساتذة الحوزة ومؤلفيها، والموقف من رؤاه وجماعته في “إسلامية المعرفة”.

لم تتكامل وجهة نظري وتنضج رؤيتي النقدية لدعوتهم إلاّ بعد مضي عقد من السنين، من المطالعة والنقاش والمراجعة التقويمية لما كتبوه ونشروه. أجريت معه والصديق د. عبدالحميد أبو سليمان حوارين نقديين، نشرتهما في عددين من “مجلة قضايا اسلامية”، التي أصدرتها في قم عام 1994 قبل إصدار “مجلة قضايا إسلامية معاصرة” عام 1997. ثم خصصت لاحقاً عدداً نقدياً من مجلة قضايا إسلامية معاصرة لتفكيك وغربلة مقولات “اسلامية المعرفة”، وعنونت محور العدد “اشكاليات التحيز والتمركز في العلوم”. ولم يتردّد المرحوم العلواني في دعم هذه المحاولات النقدية والثناء عليها.

ورغم  أني قدّمت تفسيراً لمنطلقات ووعود جماعة “إسلامية المعرفة” انزعج منه الصديق د. عبدالحميد أبوسليمان وجماعة المعهد العالمي لإسلامية المعرفة، في المؤتمر الذي عقده المعهد بأسطنبول سنة 2006، بعد مرور ربع قرن على تأسيسهم المعهد، لكن الشيخ العلواني كان الوحيد الذي دعم موقفي، فأعرب عن إعجابه في لقاء خاص معه، بعد الفراغ من الجلسة، وشدّد على أنهم ( جماعة اسلامية المعرفة ) في مأزق معرفي، ذلك أن مهمةَ المعهد صياغةُ رؤية اسلامية للمعرفة، وأحال ذلك إلى احتكار الفريق الذي يدير المعهد، بعد اقصائه هو، وغياب المرحوم المؤسس د. اسماعيل راجي الفاروقي، وابتعاد د. عبدالحميد أبوسليمان عن الادارة، فإن هذا الفريق الذي استحوذ على المعهد يضم مجموعة مهندسين، وهم: ” المرحوم د. جمال البرزنجي، د. هشام الطالب، د. أحمد التتنجي”، ومعروف أن التكوين التخصصي للمهندسين لا صلة له بالتراث وعلوم الشريعة، مضافاً إلى افتقارهم للتكوين في العلوم الانسانية. وما ينشده المعهد هو تجسير العلاقة بين العلوم الانسانية والعلوم الشرعية. حسبما قاله الشيخ العلواني.

قلت له: هذه ظاهرة متفشية، تشي بهشاشة التكوين في جماعات الاسلام الايديولوجين سنية وشيعية، ذلك أن منظريهم وكتّاب أدبياتهم معظمهم أطباء ومهندسون، بل حتى عندما تسلموا السلطة قفز لكرسي الحكم بعض الأطباء والمهندسين. واكتفوا بأنفسهم،  وكأنهم يعرفون كل شئ في الاقتصاد والتنمية والحقوق والقانون والحريات والدستور والسياسة والدولة .. إلخ، واستبعدوا الخبراء في بناء الدولة الحديثة، والمتخصصين في مجالاتها المتنوعة.

زارني الشيخ العلواني إلى قم قبل أكثر من عشرين عاماً، ونزل ضيفاً في بيتي. وأعددت له برنامجاً حافلاً، في زيارات لمراجع دين ومراكز أبحاث ومؤسسات فكرية. كما احتفى به الصديق العلامة السيد جواد الشهرستاني الوكيل العام لمرجعية آية الله السيد السستاني في العالم، وأقام على شرفه وليمة غداء، حضرها مجموعة من الفقهاء وأساتذة الحوزة المعروفين. وقبلها في الصباح الباكر التقى على الافطار في منزلي بأبرز الكتّاب العراقيين في قم.

تواصلت لقاءاتي مع المرحوم العلواني وكان آخرها في القاهرة. وفي كل مرة ألتقيه نجلس ساعات طويلة يحدثني فيها عن آماله وآلامه، غير أنه ظلّ يحلم ويجسّد بعض أحلامه في مبادرات ومشاريع ينهض بها بحدود إمكاناته.

كان يحلم بتأسيس “جامعة للحوار الاسلامي الاسلامي في العراق”، واقترح عليّ أن أكون رئيساً لهذه الجامعة، وهو يرأس مجلس الأمناء فيها، واقترحنا معاً جماعة من أكاديميي وعلماء العراق أعضاء في مجلس الأمناء، وأعرب عن أن ذلك هو الحلم الذي يريد أن يتوج به حياته، ويقدمه هدية لوطنه، بعد استعار حرائق الحرب الطائفية، وتسمم فضاء الوطن بدعوات التعصب والكراهية. وأصرّ على تأسيسها في بغداد، وذكر لي أن لديه قطعة أرض يمتلكها قبل نصف قرن قرب القناة، وبيت في منطقة الكرادة، وهو لا يعرف مصيرهما مذ غادر العراق،  وهو مستعد أن يهديهما للجامعة، ويرصد لها ما يجمعه من تبرعات. ولما عدت للعراق تعرفت من وزارة التعليم العالي على شروط الجامعات الأهلية، فوجدت نفسي غير قادر على تأمين متطلبات التأسيس، التي يتعذر على من ينشد العلم والمعرفة تأمينها، لأنها متاحة للرأسماليين خاصة، لا للعلماء والأكاديميين. فاعتذرت منه، وتألم كثيراً ساعتها، لحظة شعر بضياع آخر أحلامه، ببناء الحياة الدينية في فضاء العيش المشترك في وطنه العراق.

حدثني المرحوم الشيخ طه العلواني أن الحرس القومي في حزب البعث طلب منه بعد انقلاب 8 شباط  1963 الدموي، أن يفتيهم بارتداد الشيوعيين واستباحة دمائهم، ممن ساقوهم أفواجاً في قصة “قطار الموت” الشهيرة، غير أنه رفض ذلك ببسالة، وواجههم بشجاعة، ولم يتردد أو يخشاهم، رغم فاشية الحرس القومي وشناعة مجازره الشهيرة، وصرّح لهم: “إن هؤلاء مسلمون، وحتى لو كانوا مرتدين، فإنه مع ذلك لا يفتي بقتل المرتد”.

المرحوم الشيخ طه العلواني (فقيه سنة العراق) فقيه ومفكر جرئ جسور مستنير، ضيّعه سنة العراق، كنبيّ ضيّعه قومه، كما نساه وفرّط به شيعة السلطة في العراق، رغم أنه كان على صلة عضوية بهم، وبمرجعية آية الله السيد محسن الحكيم، وهو المنسّق بين هذه المرجعية وسنة العراق، قبل أكثر من نصف قرن، من خلال صديقه ابن المرجع العلامة الشهيد المرحوم السيد مهدي الحكيم، والذي اشتركا معاً وآخرين بالتخطيط للإطاحة بحكم حزب البعث عام 1969، لكنه بعد اكتشاف المحاولة اضطر وجماعته للفرار من وطنه منذ ذلك الحين، وقال لي إحدى المرات، وهو يسرد مذكراته عن هذه المحاولة: قررتُ مغادرة السياسة ومكائدها منذ تلك الواقعة، والانصراف لعلوم الدين، وهكذا أمضى ما تبقى من حياته حتى توفي رحمه الله.

لا أعرف فقيهاً عربياً معاصراً تجرأ كما هو، فكتب كتاباً هاماً نفى فيه حدّ الردة، وشدّد على أن عقوبة المرتدّ أخروية لا دنيوية، كذلك تناقشنا أنا وهو في الحدود والعقوبات البدنية، فأصرّ هو على نفيها في العصر الحديث، وكان يستدلّ بأدلة فقيه بصير، يتوكأ على القرآن الكريم كمرجعية في استدلاله، بوصفه – كما يرى – قيماً ومهيمناً وشارحاً للحديث الشريف.

تسقط جماعات الإسلام الايديولوجي المفكرين والفقهاء الأحرار في زوايا معتمة، وتقصيهم في كهوف النسيان، ولا تبوح بمنجزهم، ولا تعلن عن أفكارهم وفتاواهم، حتى يموتون. كنت حين أزور المرحوم العلواني في منفاه الاختياري القاهرة، يحدثني بمرارة عن تجاهل الجماعات الاسلامية في مصر له، وتأثيرهم الذي امتد لتجاهل الأزهر له، وأنه ظلّ يتمنى أن تكون له نافذة أسبوعية في الأهرام، يتواصل من خلالها مع قرائه في مصر، التي أمضى فيها سنوات طويلة من عمره، إلاّ أنه لم يظفر بذلك.

 

 

رابط النشر