مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث

ميسلون هادي

يقف الدكتور عبد الجبار الرفاعي في الضد من الذين يمزقون النسيج المجتمعي، والعبث بأمنه وسلامته بذريعة الإيديولوجيا، وتقديم المعتقد على الوطنية، وينتقد دفاع حسن حنفي المستميت عن أفكار سيد قطب، التي غرست كراهية عميقة لمجتمعه، ولكل مختلف بمعتقده عنه، بل وصنّفت كل ما حوله على أنه (جاهلية). فدعوة حسن حنفي لتجديد (التراث بالتراث) قد أَهدرتْ، حسب الرفاعي، قرنين من الزمان، لم تحرز فيه نجاحا يذكر. لأن من يحولون الدين إلى أيديولوجيا يختزلونه في قوانين ثابتة وقوالب جامدة لا تلتفت الى الواقع المتحول كشلال متدفق.

يسجل الدكتور عبد الجبار الرفاعي في هذا الكتاب المهم وقفات مستفيضة إزاء بوصلات التفكير لمجموعة من المفكرين الذين خاضوا في مسألة نقد الفكر الديني وتجديده:

  1. علي الوردي، وهو أول مثقف ديني نقدي في العراق، حسب الرفاعي، وكان جسوراً في طروحاته، التي مثلت صرخة جريئة مدوية بالنسبة لزمانها، إذ كتب الدكتور علي الوردي بلغة الناس المحكية البسيطة، فوصلت بساطتها إلى فئات مختلفة من القراء، ووجدت لغته الساخرة والحيوية الآذان الصاغية لها، لأنها ظلت بعيدة عن الوعظ المباشر لرجال الدين. غير أن بذرة المثقف الديني النقدي لم تكتمل، وانصرف الوردي تدريجيا عن الدين، واهتم بدراسة وتحليل قضايا مجتمعية أكثر قربا من اختصاصه. يأخذ عليه الدكتور عبد الجبار الرفاعي أنه كان حماسياً في بعض طروحاته، فثبت على مبدأ التناشر والازدواجية في الشخصية العراقية، مع أن المجتمع قد تغير كثيرا من حوله، كما أنه ركز على جوانب سلبية من الشخصية العراقية، قد يكون وجودها طبيعياً، مثلها مثل باقي البشر، وتجاهل مزايا أخرى تمتعت بها. وقد نقد الوردي نفسه حول ذلك، وقال لاحقا أن النهج العلمي يحتم عليه أن يذكر المحاسن والمساوئ دون مبالغة أو مغالاة.. وأخيراً يتوقف الرفاعي مع الوردي عند مسألة مهمة هي الأخطاء اللغوية التي تعتور كتاباته، وقد اعترف علي الوردي بها، بل ودافع عن تلك الأخطاء، التي يصعب عليه استدراكها، لصعوبة قواعد اللغة العربية ووعورتها. وهنا يعرج الرفاعي إلى ضرورة تيسير اللغة العربية، وتخليصها من القواعد الصعبة التي تؤثر على سلاسة إيصال المعنى، كما يعترف الرفاعي (بتواضع العلماء) أنه يحيل أعماله إلى محرر لغوي، لكي تخرج سليمة من الأخطاء النحوية.
  2. حسن حنفي، الذي نادى باليسار الإسلامي، ويسميه الرفاعي بجامع الفلسفة مع الكهنوت، أي جامع الأشياء المتنافرة مع بعضها البعض، ومع أن كتاباته تخلو من التحريض على المذاهب، واللوثة الطائفية لم تصبها، غير أنه حاول استعارة جلباب التراث وخلعه كغطاء على الأيديولوجيات المختلفة، أي أراد تجديد التراث بالتراث، وهذا تناقض بحد ذاته، لأنه يعزل المجتمع عن العلوم والمعارف الحديثة، كما أنه يقدم توفيقا ملفقا بين الفرق والتيارات والاتجاهات والايديولوجيات المختلفة.
  3. داريوش شايغان، الفيلسوف المغمور الذي حذر من أدلجة الدين، لأنه يحوله إلى شأن دنيوي. بمعنى إهدار الطاقة الرمزية في الشعائر والطقوس الدينية، وبالتالي إنهاك الدين وتفريغه من محتواه المعنوي. يتحمس الرفاعي لشايغان لأن الأيديلوجيا ليست معادية للدين فقط، وإنما معادية للفلسفة.
  4. سيد حسين نصر، وهو من جماعة الحكمة الخالدة، أو المعرفة الأزلية المتعالية على الزمان والمكان، أي أن العالم كله وطنها. وهو أيضا صاحب فرضية العلم المقدس، التي يأخذ عليها الرفاعي هجاء الفكر الغربي، ورفض الحداثة الغربية لأنها مادية.
  5. أحمد فرديد، الفيلسوف الشفاهي، أو الفيلسوف ضد الفلسفة. أي أنه يبدأ بمقدمات منطقية وينتهي بنتائج لاهوتية. ويخلط أيضا بين صوفية مجردة وفكرة فلسفية، فينتزع مفاهيم ابن عربي مثلا من فضائها الروحي، ويقحمها في مجال التاريخ البشري. كما نحت مصطلح (وباء الغرب) أو (الغرب زدكي) ويعني أن الغرب وباء أصاب العالم منذ الحضارة اليونانية وحتى اليوم. ويأخذ عليه الرفاعي هذا الدمج اللامنطقي بين العرفان والفلسفة.
  6. محمد عمارة، المتحول في رحلته الطويلة من الماركسية إلى السلفية، وكيف أصبحت آثاره المتأخرة تنفض آثاره المبكرة، ومن الطبيعي أن يحدث هذا التغيير، كما دافع عن ذلك عالم الاجتماع علي الوردي في تغير مواقفه، عند تحديث المعطيات الاجتماعية المحيطة بنا، لكن عمارة، الذي يعتبر واحدا من رواد النهضة المجددين والعقلانيين، لا ينطبق عليه هذا الحراك الفكري في محطته الاخيرة، أو كيف تحكمت هذه الانتقالات في بوصلته الفكرية، فكان أحد الموقعين على بيان يتهم فرج فودة بالارتداد واستباحة دمه. يأسف الرفاعي لظاهرة الهروب للماضي كلما تقدم العمر ببعض مفكري اليسار الاسلامي أو الفكر العربي المعاصر بشكل عام، فنراهم بعد حياة فكرية تسودها العقلانية النقدية يحتمون بكهف الماضي من قلق الموت الوشيك، ويعودون إلى الأصولية، وكأنها توبة من إثم عقلي ارتكبوه في شبابهم.
  7. مالك بن نبي، مفكر جزائري أصابه ذعر ضياع الهوية بسبب الاستعمار الفرنسي، وبالتالي تنفجر الهوية عنده إلى شقين متلازمين: المقاومة أولا من أجل التحرير، والانغلاق ثانيا على زمن الانتصارات والأمجاد في العصر الاسلامي الأول. لم يخرج ابن نبي كثيرا عن آراء ابن خلدون في تقليد المغلوب وولعه بالاقتداء بالغالب، ولكن الرفاعي يأخذ عليه تورطه بالتعميم، فيختفي عنده التمايز الواضح داخل طيف واسع من التدين التركي والإيراني والعربي والاندونيسي.. الخ. كما أن انتهاك الاستعمار لهويته وهوية أهله في الجزائر وضع ذهنه داخل إطار مغلق لم يتحرر منه، فأصبح التفسير التآمري هو الأداة الوحيدة لتشخيص الفشل في بلاده.
  8. جودت سعيد، رجل دين سوري يتصرف كفلاح، مولع بسقي النباتات وتربية النحل ورعاية الخضرة، وكان صديقا للأرض نابذا للعنف، ومن عاداته كتابة آيات القران على الورق، ويعلل ذلك بقوله : كل نص نفهمه أكثر حين نعيد كتابته بأيدينا. نشر بيانا استثنائيا للسلام في كتابه (مذهب ابن ادم الأول)، فهو يرى أن تهمة الملائكة للبشر في سفك الدماء، لا تزال قائمة في جميع التيارات اليمينية واليسارية، أما تفسيره للجهاد الأكبر فهو تحصيل العلم والمعرفة. وهنا يتساءل الرفاعي: هل يمكن الخلاص من العنف بالنوايا الطيبة، أو بكلمتين فقط هما (موت الحرب)، وهو شعار رومانسي متخيل تبناه جودت سعيد في كتاباته الاخيرة؟. كيف يمكن ذلك والعنف هو من الثوابت الأبدية في الطبيعة الانسانية، كما يقول علم النفس وعلم الأعصاب المعرفي.

هذا السؤال نوجهه بدورنا إلى الدكتور عبد الجبار الرفاعي الذي ينطلق في كتاباته من مبدأ رومانسي أيضاً هو الرحمة، ويشدد على مفهوم روحاني في فهم الدين، فيقول بأن الدين كي يحقق وظيفته في حياتنا اليوم لا بد أن نفهمه بوصفه نظاما لانتاج المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي في الحياة. صحيح أنه يخص النفس المتزمتة بهذه البراءة في نظرتها إلى الدين، ويعلن إنها تحتاج إلى القلب بموزاة العقل لكشف الابعاد الروحية والجمالية العميقة في جوهر الدين، ولكن أين من عيني أولاء الرحماء قبل أن يكونوا عباقرة ومنظرين؟ وما هي المعجزة التي ستجعلهم يغيرون نهجهم هذا؟

الرفاعي أيضا يجمع نقيضين في جملة واحدة وهما اللاهوت والحرية، ويضعهما في مبدأ واحد هو لاهوت الحرية، وفهمت منه دعوة مثالية تجمع بين توحيد الله وتحرير الإنسان من كل أشكال العبوديات. فهو يشدد على أن الايمان بالله والتوحيد هو حجر الزاوية في بناء الحياة الرحيمة في الاسلام، وهذا اليقين الروحاني لم نجد له تمثلات راسخة في عالم الشهادة، بل اعترضته جدران متسلسلة من التزمت والتمذهب والانغلاق، هاجمها المفكر الجزائري أركون وأسماها (الجهل المؤسس). يعزو الدكتور عبد الجبار الرفاعي ذلك إلى عدم تدبر هذا الحضور المكثف لله في القرآن، وما يحيل اليه هذا الحضور من دلالات روحية لا تنضب.

هنا يخالف الرفاعي أغلب المفكرين العلمانيين الذين قرأت لهم، فهم برأيي الشخصي يتحدثون عن الدين، وهم في منطقة الشك أو الإلحاد، لكنهم لا يجاهرون بذلك خشية خدش مشروعهم التنويري وتعريضه لتداعيات اخرى، بينما يُفصح الرفاعي دائما عن إيمانه العميق بالله، ويعتبر هذا الايمان منبعا ملهما للحق والعدل والسلام والخير والمحبة، بل هو المنقذ للانسان من اغترابه الوجودي الذي يمزق سلامه وسكينته الداخلية. وبهذا يكون الدين أوسع بكثير من الكتب المقدسة، ويمتد ليشمل سلوك الانسان وتكريس مواقفه المشرقة من الحياة، وإيقاظ المعاني الروحية والاخلاقية والجمالية في حياته.

لم يصل الرفاعي الى هذه النتيجة بقفزة فكرية مفاجئة، وإنما مر خلال حياته بمراحل متعددة اعتنق فيها مدارس دينية مختلفة وتبنى أفكارها، ثم مع كل بوصلة يتوقف عندها يكتشف أن هناك دائما من يحول الدين إلى أيدولوجيا، وهذا هو أشد ما يعارضه الدكتور عبد الجبار الرفاعي في هذا الكتاب المؤثر والمهم.

 

https://www.almadapaper.net/view.php?cat=313715&fbclid=IwZXh0bgNhZW0CMTEAAR2BlX7_STyjxQJYxCnyowbyzy0aMdVCOB1V8kyROvpg-m7qc76zQXmYLzY_aem_AYsGCqaR7jai6VNe8p-_QNG7QahiiRTDZHu4MKQfqtkN0Ve1kqOvFdnqjmHsB9X2_zqekkObRx4AB6n6DqFCa2fy

كتاب: “مسرات القراءة ومخاض الكتابة فصل من سيرة كاتب”: القراءة والكتابة في مسار سيّري

  حواس محمود

كتاب الدكتور عبد الجبار الرفاعي الذي صدر حديثاً “مسرات القراءة ومخاض الكتابة فصل من سيرة كاتب” (1) من الكتب النادرة – في وقتنا الراهن – التي نعثر عليها أحيانا، ونحن نبحث عن المتعة والفائدة معا في قراءاتنا المتعددة للإصدارات الحديثة؛ فالمؤلف يعكس صورة أي مؤلف آخر من خلال ما يتقاطع وينسجم عليه المؤلفون وبخاصة في بدايات انطلاقتهم القرائية، وعشوائية مطالعاتهم جاهدين للعثور على المفيد والممتع من الكتب، ولكن هذا يستغرق منهم وقتا ثمينا وتذهب جهودهم سدى وهم يقرؤون الكتب الرديئة أو الكتب التي لا تساهم في بناء وتنمية الذائقة الأدبية والثقافية، والكتاب غني بالتفاصيل المهمة الكثيرة التي تتعلق بالكتابة والقراءة وسيكولوجيتهما، وحقيقة أنّ هذا الكتاب سيكون له أثر ثقافي مهم في المشهد الثقافي العربي الراهن، ولدى القارئ الخاص والعام في آن.

مسرات القراءة

في مطلع هذا القسم يتحدث المؤلف عن تعلقه بالقراءة وشغفه بها، فيعد نفسه قارئا قبل كل شيء وأنه لن يترك القراءة ما دام حياً، وأنّ قراءته تتغير بتغير الواقع والوعي وتغير المزاج وعوامل أخرى لا يدركها، تفعل فعلها في انتقاء نصوص واستبعاد اخرى، كما أنّ رفقة الكتب استغرقت معظم أيامه، وأنه أنفق عمره معها أكثر بكثير مما أنفق برفقة البشر، وهو لا يستطيع العيش بلا منبع للمعنى في حياته؛ فالقراءة كانت وما زالت ترفد حياته بأعذب معانيها.

ويبيّن الرفاعي أنه بعد رحلته القرائية هذه، أصبح كاتباً إلا أنّ القراءة ما زالت تلازمه وتفرض حضورها كأولوية على الكتابة؛ إذْ “لا تصمد مواعيد الكتابة وجداولها الزمنية لحظة يتّقد شغف القراءة، حين أضجر من الكتابة أستريح بالقراءة، وحين أفقد التركيز بعد ساعات من القراءة لا يستفيق وعيي إلا بالقراءة” ص 7

ويظهر المؤلف شغفه بقراءة الصحف منذ نعومة أظافره؛ فمنذ الصف الرابع كان يقرأ الصحف والأخبار، ولا يزال على هذه العادة الجميلة؛ إذْ يقرأ الصحف والأخبار عبر الإنترنت، ويستغرق منه ذلك ما لا يقل عن ساعتين من يومه.

إنّ شغف المؤلف بالكتب شغف قديم، يعود إلى مرحلة مبكرة من حياته، والإدمان على حضورها الدائم ترسخ بمرور الأيام، وهو يعيش مع الكتب كأنها كائنات حية تتكلم بلغة يتحسسها ويسكن إليها؛ فوجود الكتاب يشعره بالأمن النفسي، ويؤنسه حين يشعر بوحشة الوجود.

مخاض الكتابة

في هذا القسم، يشير المؤلف إلى أنه قد وجد نفسه منذ بداية العقد الثاني من عمره مولعاً بالمطالعة، وفيما بعد صار يحلم بالكتابة أيضاً، رغم أنّ هذا بدا له أشبه بالمعجزة، واختار أن يكتب حكايات والدته وصاحباتها بلغة تخرجها من العامية إلى الفصحى، ويكتب من نسج خياله حكايات عابرة وقصص قصيرة، وهو لا يتذكر أنّه قد عرض هذه الكتابات على أحد، ويكتفي بكتابتها وحسب، ويشعر بالبهجة والفرح لبرهة، ومن ثم في اليوم التالي يعود لقراءتها ثانية بهدوء وينتابه الشك في ما كتب، ويستمر في هذه المحاولات الكتابية ويتخبط في فوضى التجريب والتكرار الممل، ممزوجين بشغف غريب يلابسه خوف يبلغ حد الذعر أحياناً، ويأس من النجاح في التجارب التالية.

كان المؤلف دائم التفكير للقيام بما يتوجب عليه، لكي تكون خطوته الكتابية الأولى ناجحة، وهذا التفكير قاده إلى ممارسة أشكال متنوعة من الكتابة، فانتقل فجأة إلى الشعر، وكان متعجلا في هذا المسعى، فبدأ بديوان فرغ من وضعه، على ما يظن بعشرة أيام، وقد اتسع له دفتر لا يتذكر عدد صفحاته، تضمن ما لا يقل عن عشرين قصيدة، كان كل وقته مكرساً للشعر في تلك الفترة، يكتب القصيدة ويشطبها، يحذف ويضيف منها هنا وهناك، كل هذا وهو لم يخبر أحداً عن محاولاته هذه، ويحتفظ بدفتره في مكان خاص لكي لا يراه غيره، يأمل أنّ ما يكتبه ضرب من الشعر، ليس بالضرورة أن يمتثل لمعايير الشعر المتداولة.

ويعود إلى قراءة ما كتبه في ديوانه هذا، ويصل إلى نتيجة مفادها أنّ هذه المحاولة ما هي إلا ضربٌ من هراء مراهق لم يخلق للشعر، ويعترف أنه قد استفاق من هذا الوهم الذي مكث في أسره، ومزق ديوانه، ومن ثم أحرقه، لكيلا يعود لمثل هذه المحاولة التي سماها بالعقيمة.

هذا الموقف ربما كان مفتاحاً لأن يقف بشجاعة أمام نفسه، ويمتلك قدرة محاكمتها مبكراً. يذكر المؤلف أنه بدأ تمارين الكتابة في المرحلة الثانوية، ولم تتشكل لغته إلا بمشقة بالغة، ولم تنضج وتصطبغ ببصمتها المميزة إلاّ بعد سنوات من التمارين المتواصلة المملة، وفي الأخير اغتنت لغة كتابته بمعجمها، وصارت تفرض عليه نوع الكلمات وأسلوب التعبير وبناء النص.

الكتابة في نظر المؤلف داء ودواء، فهو قبل الكتابة يقلق، وحين يفرغ منها يهدأ، وبعد النشر يسكن، وفي الأخير ينسى ما كتب لحظة انشغاله بما هو جديد، وإن كان لا يغادره بشكل نهائي؛ إذْ ربما تستجد رؤية موازية أو مضادة لرؤيته، فيعود إلى النص ثانية وباستمرار إضافة أو حذف أو كليهما، من غير أن يتعجل النشر، بل يتركه ريثما يتخلق على مراحل ويرتسم بصورة ترضيه، فهو لا يرى في كتابته نصّاً مقدساً كما يرى بعض الكتاب في كتاباتهم.

ويتحدث الرفاعي عن آلية تشكل الكتابة لدى الكاتب، فيرى أنّ “الكتابة ليست عملاً فردياً بحتاً، كل كتابة حقيقية تختزل سلسلة طويلة من قراءة كتب متنوعة، وكل ما تشبع به وتمثله وعي الكاتب، وترسب في لا وعيه، لا يتكون الكاتب الاّ بعد أن يقرأ كل شيئ وينسى معظم ما قرأ.

الكتابة منجز مشترك تنصهر فيه عناصر مختلفة لأعمال طالعها الكاتب، فتولدت منها مادة مركبة تتكلم بلغته، وتعبر عن تمثله لها وتفاعلاته معها، ويتعرف عليها القارئ لنسخة من صورته الصوتية، في كل نص ترقد طبقات من النصوص، في كل نص تتكلم نصوص متنوعة تحيل إلى معجم الكاتب اللغوي ومرجعياته ورؤيته للعالم، وتنكشف فيه ثقافته وما أنتجته قراءاته وتفكيره وتأملاته”. ص 73

وحول موضوع الكتابة والوصاية، يرى الرفاعي أنّ الكتابة لا تكون صادقة الاّ بالتحرر من الوصايات، وأنه من أشد الوصايات ما تلزم به جماعة أفرادها بالرضوخ لمعتقداتها وقناعاتها وشعاراتها، فتقحم أقلامهم في صراعاتها ومعاركها

حواس محمود كاتب سوري

الكتاب صادر عن منشورات تكوين والرافدين الكويت / بيروت / بغداد ط1 – 2023

https://www.mominoun.com/articles/%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D9%85%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A9-%D9%88%D9%85%D8%AE%D8%A7%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8%D8%A9-%D9%81%D8%B5%D9%84-%D9%85%D9%86-%D8%B3%D9%8A%D8%B1%D8%A9-%D9%83%D8%A7%D8%AA%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8%D8%A9-%D9%81%D9%8A-9171

الإيمان بلا حُبّ ورحمة عنيف

د. عبد الجبار الرفاعي

‏‏‏‏نادرًا ما نشهد محبّةً ليست مشوبةً بالكراهية أو محبّةً تلبث متوهجةً على الدوام، إلا محبّة الله فتنفرد بأنها محبّةٌ صافية، تترسّخ وتتكرّس وتجلو قلبَ المحبّ على الدوام.كلما تغذّت محبّةُ الله تمدّدت وتشبّعت وأعطت ثمراتِها عاجلًا، وأصبح الإنسانُ المحبّ مضيئًا يسطع قلبُه بالأنوار الإلهية، ويستضيء بأنواره مَن يقترب منه. يتنوع الإيمان بتنوع صورة الله، فمَن يؤمن بصورة إلهٍ محارِب يتورط بإعلان الحروب على خلق الله،كما يفعل الصهاينةُ المتوحشون في غزة وفلسطين، ومَن يؤمن بصورة إلهٍ مُحِبّ ورحيم يصبح من صنّاع السلامِ والتراحم والمحبّة والجمال في العالم.

تتشكل الصلةُ بالله على شاكلةِ إيمانِ الإنسان بالله التي يفرضها معتقدُه، ونمطِ حياته الروحية والأخلاقية، وما تحدّده صورةُ الله لديه من كيفيةٍ ترسم صلتَه به، ورؤيتَه للوجود، ووعيَه لذاته، ووعيَه لنمط علاقته بالإنسان الآخر. مَن يتطوعون للانتحار في الجماعات التكفيرية لا يفتقرون للإيمان، إلا أن إيمانَهم بالله واليوم الآخر والجزاء يتشكل على وفق صورةٍ مظلِمة لله، صورةٍ تفتقر للحُبّ والرحمة، صورةٍ لا ترتوي من الدم، لذلك تزجّهم في ولائم القتل الجماعي العبثية للأبرياء، في الأسواق وبيوت العبادة والأماكن العامة. هذا النمط من الإيمان يفتقر للحُبّ والرحمة، لا يرى الانتحاريّ الإنسانَ بنور الله، بل يرى الإنسانَ في الظلام، يراه في إطار صورة الله الخاصة المنحوتة بمقولات التكفير الكلامية لفرقته. يرى صورةَ الله محتكرةً له لجماعته، يراه فيها وكأنه مولعٌ بشربِ الدماء، وإبادةِ البشر ممن يعبدونه خارج إطار تلك الصورة المظلمة.

لم يكن اللهُ في تصورِ اللاهوتِ الصراطي إلهًا للعالَمين ولا إلهًا للنَّاس أجمعين، بل صار إلهًا يختصّ بديانةِ من يعتقد بهذا اللاهوت، وكلّما ضاقت دائرةُ الاعتقادِ ضاقت حدودُ صورة الله تبعًا لها، فصاحبُ الفرقةِ يعتقدُ بأن اللهَ إلهُه فقط دون غيره من الناس، وربما تتشظّى الفرقةُ الواحدة فتصير عدةَ جماعات، كلٌّ منها يعتقدُ بأنه يحتكرُ صورةَ الله له. اللاهوتُ الصراطي يغرسُ في كلِّ الأديان شعورًا عند الإنسانِ بأن رحمةَ الله مختصّةٌ به وبأتباعِ معتقدِه، وأنهم من دون سواهم يفوزون بالنجاةِ والخلاصِ من العذابِ والهلاكِ. ويغذّي ذلك على الدوام اعتقادُه بأنه يستطيع احتكارَ رحمةِ الله، بوصفها من الممتلكاتِ الخاصةِ التي يستحوذ عليها معتقدُه. يظلّ صاحبُ المعتقد الصراطي يتوهمُ بأنه قادرٌ على حصرِ الرحمةِ الإلهية بأتباعِ ديانته، وتضييقِها لدرجة يستطيع معها أن يستبعدَ كلَّ من هو خارج هذا المعتقد من إشراقات رحمة الله.

في داخل ‏الإنسان استعداد لولادة وحش مفترس، لا يروّض هذا الوحش إلا الإيمانُ المشبع بالمحبة، ولا يقي البشرَ منه إلا الأخلاق، ونداء الرحمة في أعماقه، ولا يردعه إلا القانونُ العادل بتطبيقه الصارم على الجميع بلا تمييز. عندما تموتُ الرحمةُ في القلب تموتُ انسانية الإنسان، الرحمةُ هي المنبع لكل حالات تسامي الروح وإشراقها. الحُبّ والرحمةُ كلاهما تجربةٌ من جنس واحد لتذوق الحقيقة. للحُبّ صِلة عضوية بالرحمة، الحُبّ يؤثر ويتأثر بالرحمة، والرحمة تؤثر وتتأثر بالحُبّ. المحبّةُ والرحمة ‏من أثمن ما يلتقي فيه جوهرُ الأديان، وأنفس ما يمكّنها من النطق بلغةٍ عذبة. كلُّ دين يفتقر للمحبة والرحمة يفتقر لما يحمي الإنسانَ من العنف. الحُبّ بلا رحمةٍ لا ينجي الإنسانَ بالضرورة من التورط بالكراهية، وربما تطغى حالةُ الانتقام لديه إلى الحدّ الذي يرتكب فيه العنفَ الرمزي واللفظي وحتى القتل، مثلما قرأنا وسمعنا عن بعض العاشقين الذين كانوا ضحيةَ العنف الانتقامي. الرحمةُ صوتُ الله، ومعيارُ إنسانيَّة الدِّين، لا يؤتي الدينُ ثمارَه مالم يكن تجربةً إيمانية تنبضُ فيها روحُ المؤمن بالرحمة. الرحمةُ بوصلةٌ توجِّه أهدافَ الدين، فكلُّ دين مفرَغ من الرحمة يفتقدُ رسالتَه الإنسانية، ويفتقرُ إلى الطاقة الملهِمة لإيقاظ روح وقلب وضمير الكائن البشري. الرحمةُ حالةٌ عامةٌ لا تُخصَّص، تفيضها الروحُ الرحيمةُ على الكلّ. وكما لا يمكن بناءُ مجتمع سليم بلا محبة ورحمة لا يمكن الاستغناءُ بالرحمة عن العدالة. العدالةُ ضرورةٌ لحماية حقوقِ الإنسان وحرِّيَّاتِه، وهي شرطٌ لازمٌ لكلّ عمليةِ بناءٍ مجتمعيّ سليم، وضمانةٌ للأمنِ والسِّلمِ الأهليّ من كلِّ أشكالِ العُنْفِ والتَّعَدِّي على حقِّ الآخرِ في العيْشِ المُشْترَك، وخلقِ فرصٍ متكافئةٍ للأفراد في الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. لذلك لا يمكن أن يقوم مجتمعٌ سليمٌ من دون قوانين تُنظّم الحياةَ الاقتصادية والسياسيَّة والقضائية والادارية، وتُحَقّق الأمنَ والعدالةَ الاجتماعية، وأنظمةَ عقوبات عادلة تُنصِف المظلومَ وتردع الظالم، بنحوٍ تتَّسم فيه بالإنصاف والتَّوازن، وتحْمِي مصالحَ الفَرْدِ والجماعة، ويتساوى فيها الأفرادُ في حقوقهم وحرياتهم[1].

الحُبّ لغة الإيمان، ‏الحُبّ بلا إيمان فقير، الإيمان بلا حبّ ورحمة عنيف. الفقيرُ للمعنى هو أفقرُ إنسان في العالم، بوصفه مفتقرًا لأثمن شيءٍ في الوجود. قيمةُ الإنسان بمجموعة ما يمتلكه ويمنحه للحياة من المعاني الروحية والأخلاقية والجمالية والمعرفية، وقدرتِه على جعل الحياة على الأرض أسعدَ والعالمَ أجمل. في ضوء تعريفي للدين بوصفه: “حياةً في أُفق المعنى، تفرضُه حاجةُ الإنسان الوجودية لإنتاجِ معنىً روحي وأخلاقي وجمالي لحياتِه الفردية والمجتمعية”، ينفي هذا الفهم للدين إمكانيةَ تأسيس أيةِ صلة بالله لا تبتني على المحبة والرحمة. ذلك ما يجعلني متى ما كتبتُ شيئًا عن الدين تسبقني كلماتُ ‏الحُبّ والرحمة للتعبير عن حضورهما فيه. ‏الحُبّ والرحمة مثلما يطهّران القلبَ يطهّران الأرضَ من الدمِ المسفوح، ويحرسان كرامةَ الإنسان وحرياتِه وحقوقه، ولا يمكن أن يتورط من يتحلّى بهما بالعدوان على الإنسان بذريعة الدفاع عن الله.

الإيمانُ وحُبّ الله كلاهما كيمياءٌ للروح، كلاهما ينبثقان من جوهر واحد. يولدان معًا، ويرتضعان معًا، ويتكرّسان معًا، ويتوحّدان معًا، فحيث ينمو الإيمانُ ينمو الحُبّ، وحيث يذبل الإيمانُ يذبل الحُبّ. إنهما في صيرورة وتفاعل وفوران، يتحوّل الإيمانُ إلى حُبّ، كما يتحوّل الحُبّ إلى إيمان. الإيمانُ عصارةُ الحُبّ، والحُبّ عصارةُ الإيمان، كلا الحالتين تستقيان من الشلّال ذاته، يصبح كلٌّ منهما صورةً لحقيقة واحدة متعدّدةَ الوجوه. حين يصير الإيمانُ حُبًّا والحُبّ إيمانًا تشهد حياةُ الإنسان أنوارَ الأبد. الإيمانُ فرحُ الروح في زمنٍ قلَّما تفرح فيه الروحُ، إذ يتهدّدُ العالَمَ تديّنٌ كئيبٌ يغمر الروحَ بالأسى. ما أجمل التعبير الوارد في مناجاة المحُبّين المروية عن الإمام السَّجَّاد “ع”: “إلـهي مَنْ ذَا الَّذي ذاقَ حَلاوَةَ مَحُبّتِكَ فَرامَ مِنْكَ بَدَلاً، وَمَنْ ذَا الَّذي أنـِسَ بِقُرْبِكَ فَابْتَغى عَنْكَ حِوَلاً”[2].

العرفاء أهل القلب يتذوقون نكهةَ الإيمان والمحبة والسكينة والسلام. يتقنون لغةَ القلب، ويتحدثون عنها بكلماتٍ رقيقة دافئة مشبَعة بنكهة أرواحهم، لغةُ القلب أصفى لغات الأرض وأعذبها. القلبٌ يضيئه الإيمان، ويبهجه الحُبّ، الإيمان والحُبّ يترجمان كلَّ لغات العالم بمعنى واحد. يقول العارف الألماني ميستر إيكهارت (1260 – 1327): “يتجادل اللاهوتيون، لكن عرفاء العالم يتحدثون اللغة ذاتها”. مسارُ العقل غيرُ مسار القلب، العقل المتسائل لن تصمت أسئلتُه، كثيرًا ما يسأل أسئلةً حائرة. يتساءل العقلُ عن ماهية الحُبّ والإيمان وكلِّ شيء، ويحاول أن يعرفَ كيفيةَ إدراكه، ومدى وحدود اكتشاف ذلك الإدراك للواقع. الفلاسفة يتكلمون لغةَ العقل المتسائل، لا تهدأ عقولُهم وإن خلصوا إلى إجابات لأسئلتهم، طالما تناسلت من أسئلتهم أسئلةٌ أعمق منها. الفيلسوف الشهير نيتشه مثلًا كان شقيًا في حياته، إثر الانفجار العاصف لبركان عقله العبقري الذي لم يهدأ. سنواته الأخيرة عاشها في مستشفى المجانين، بعد أن أنهكت ذهنَه وبدنَه وأعصابَه أسئلتُه العميقة مات مبكرًا.

[1] الرفاعي، عبدالجبار، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، ص 25 – 29، ط 3، 2022، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد، دار الرافدين، بيروت.

 

[2] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والكرامة الإنسانية، ص 24، ط2، 2022، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد، دار الرافدين، بيروت.

https://alsabaah.iq/96252-.html

صمتُ الباطن بوصفه ثمرةً لصمت اللسان

د. عبد الجبار الرفاعي

‏الصمتُ موقفٌ حيال الصخب الذي يملأ العالمَ اليوم. ضجيجُ السيارات والمكائن والمصانع الحديثة، والحروب، وإحراق الغابات واستنزاف الطبيعة، يُجهِدُ السمعَ، ويرهق الذهنَ، ويُشعِر المتلقي بضراوةِ الواقع وشراسته. مضافًا إلى استعمال كلماتٍ ذات دلالات عنيفة في اللغة المتداولة في الإعلام والثقافة وتطبيقات وسائل التواصل والتخاطب بين البشر، حتى نبرة الأصوات المرتفعة في الحديث بين الناس لا تخلو من الغلظة والشدة.

نمطان للصمت: صمت اللسان، وصمت الباطن.كفُّ اللسان عن الكلام موقفٌ ينشد سكينةَ الباطن، لا يمكن أن يسكن الباطنُ مالم يكفّ اللسانُ عن فائض الكلام. لا قيمة لصمت اللسان لو لبث القلبُ يحترق بسموم الكراهيات والضغائن والأحقاد. تدريب الباطن على الصمت يتطلب أن يروّض الإنسانُ نفسَه على الهدوء، ويتخلص من الانغمار في المجالس الصاخبة، ويطهّر لسانَه من الكلمات البلهاء، ويقتصد في استعمال الكلمة، ويبتعد ما أمكنه عن الكلام في كلِّ شيء، ويكتفي بما هو نافعٌ وضروري من الكلام، عندما يفرض عليه الموقفُ ولادةَ الكلمة. وقبل تهذيب لسانه وبعده عليه أن يُطهِّر قلبَه من الكراهية، ولا يُطهِّر القلبَ إلا اغتسالُه بالحُبّ.

لا يمكن أن نضع تعريفًا مانعًا جامعًا للصمت، مادام صمتُ الباطن حالةً وجودية، والحالات من هذا النوع عصيةٌ على استكناه ماهيتها، وإن كان يمكن توصيفُها، والحديثُ عن نتائجها وآثارها. ذلك ما يجعل الكلامَ حول الصمت أشبه بتوصيف ما يتذوقه العرفاءُ وذوو التجارب الدينية لحظةَ إشراق وتجلي الروح وصفائها، اللغة تضيق عن التصور الواضح لكيفياتِ التجلي والتعبيرِ عنها كما هي.

من أثمن ثمرات صمت الباطن قوةُ الإرادة وشحذُ فاعليتها، وقدرتها على جعل الإنسان يتسامي ليحمي ذاتَه من الأنماط المتعدّدة للاستعباد، وإنتاجُ طاقةٍ خلّاقة تمكّن إرادةَ الإنسان من التحرّر من كلّ حاجةٍ ورغبة تمتلكه، وتجعله قادرًا على التحكم بكلِّ شيء، من دون أن يتحكم به أيُّ شيء، مهما كان بريقُه وإغواؤه. العرفان في الأديان، خاصة الآسيوية منها، ‏يهتم اهتمامًا ملحوظا بالصمت، ويبتكر رياضاتٍ متنوعة تستقي من الصمت وتستلهم منه طاقتَها. الإرادة تتجذّر وتتصلّب حيثما يكون الصمتُ تمرينًا متواصلًا يفرضه ارتياضٌ روحي، لا سيّما لو التزم المرتاضُ بالصمت يوميًا بشكلٍ منتظم.

‏ أن تعيش الحالةَ غير أن تفكر فيها، الصمتُ يمكّن الإنسانَ من أن يعيشَ حالةَ الايمان والحُبّ والسلام الداخلي ويتذوقها. لا ينشغل مَن يتذوق الحالاتِ بالنظر والتفكير والكلام عنها، كثرة الكلام تفسد التذوق. صمت الباطن حالة يعيشها الإنسانُ في أعماقه، وهو لا يتحقّق بلا ارتياضٍ متواصل، وتدريبٍ لتحرير النفس وخفض حساسياتها وانفعالاتها وغضبها وأغلالها إلى أدنى مستوى ممكن، وتطهيرِ القلب من الضغائن والأحقاد. ‏أما صمت اللسان فهو فعلٌ إرادي تستطيع اتخاذَه الشخصياتُ الصارمة.

‏ صمتُ الباطن يمكن ‏أن يخلّصَ الإنسان من عبوديتِه للمادة، واللهاثِ وراء المتع الرخيصة، والتهافتِ على سرابٍ سرعان ما يتلاشى. عندما يصير الصمتُ نافذةً للتأمل الصبور، يمكن أن يعمل على انبثاق النور في روح الإنسان، ويجعله قادرًا على الإنصات لصوت الله في الوجود.

الصمتُ الباطني حالةٌ تكرّس كينونةَ الإنسان وتثريها بالمعنى. هذا النوعُ من الصمت كان الرصيدَ الذي لن ينضب لشخصياتٍ ملهِمة مؤثرة جدًا في الحياة. من يكتسي هذا الصمتَ يخلع على ذاته هالة، خاصة إن كان ذا مقامٍ ديني أو علمي أو اجتماعي، فيشعر مَن يتعامل معه بسحرٍ خاص في شخصيته، ويطغى حضورُه حيثما يحضر، وتؤثر شخصيتُه الوقورة فيمن حوله، وإن كان لا يتحدث.

وحده صمتُ الباطن ‏يمكّن الإنسانَ من التوغلِ في الذات واكتشافِ طبقاتها العميقة، والتخفيفِ مما يثقل كاهلَها من أعباء تفوق طاقتَها. إنه صمتٌ تأملي يقظ، يحاور الذاتَ ويستبطنها في مونولغ داخلي تتحدث فيه الذاتُ لذاتها. ‏وينبعث فيه الذهن، ويصفو الباطن، وتجد فيه الحياةُ حضورَها الحيوي وتتجدّد قدراتُها. ويصيّر شخصيةَ الإنسان عصيةً على الإغواء، والتهافتِ على الغرق في المتع الحسية الآنية، والتهافتِ على العلاقات الاجتماعية العشوائية. بالصمت التأملي اليقظ أنجز الإنسانُ كثيرًا من الاختراعات والاكتشافات والإبداعات الأدبية والفنية الثمينة.

من مكاسب صمت الباطن صناعةُ الشخصيات الاستثنائية المتفرّدة الفذّة، القادرة على تحمل الوحدة والتكيّف معها، من دون شعورٍ بحاجةٍ للجري وراء شخص أو أشخاص يحتمي بهم الإنسانُ من الشعور المخيف بوحشة الوجود. يمنح هذا الصمتُ الإنسانَ قدرةً خلّاقة، ففي الوقت الذي يكون فيه وحدَه، ‏يشعر بصلةٍ حيّة بما حوله، وكأنه واحدٌ من حيث أنه متعدّد، ومتعدّد من حيث أنه واحد.

صمت الباطن منبع النور والحكمة والسلام، إنه جذوةٌ تنتج طاقةً متقدة تتيح للإنسان السفرَ في رحلة يتوغل فيها للتعرّف على الطبقات الغاطسة لنفسه وما هو مختبئٌ فيها، ومنها ينطلق لاكتشاف الإنسان والعالم من حوله. مَن يعجز عن التوغل في أعماق نفسه، ومعرفة ما يغوص بداخله، يعجز عن اكتشافِ العالم، والتعّرفِ على الإنسان المختلِف من حوله. الصمت نافذةُ ضوء للتأملِ والنظرِ البعيد الغور والتدبرِ في الذات، وانبثاقِ الأسئلة الوجودية الكبرى، وكما تنبثق هذه الأسئلةُ في فضاء الصمت يتوالد شيءٌ من إجاباتها في فضائه. هكذا يصير الصمتُ ملهِمًا للمعنى، ولبعض الإجابات المتناغمة مع الواقع لهذه الأسئلة.

‏‏‏‏ تكسر وسائلُ الاتصال الحديثة والتطبيقاتُ المختلفة الصمت. أينما تذهب اليوم تلاحقك الفضائيات، وتطبيقات وسائل التواصل المختلف، وهي تقصفك، بسيلٍ هادر ليلَ نهار، بكلامٍ مكرّر، مشوبٍ بدعاية مبتذلة. أكثر الأخبار السياسية مريرة، وكثيرٌ ممن يقدمون التحليلات مهنتُهم تكديسُ الكلام على الكلام. بعضهم يتكلم بكلماتٍ بلهاء، وكأن مهنتَه أن يحكي، بغضّ النظر عن مضمون ما يقول وقيمته ومصداقيته. ‏تطبيقات وسائل التواصل أتاحت للجميع التحدثَ للجميع، ‏فعندما يحضر إنسانٌ جاهل ثرثار على منصة تطبيقات تضمّ مليارات البشر، يظل يهذي بطريقةٍ تتسبّب بصداع رأس المتلقي. إن كنتَ تقرأ كلماته، أو تستمع إلى أحاديثه، أو ترى ما ينشره من صور وأشكال تعبيرية، تشعر بالقرف.كان مثلُ هذا الإنسان يتحدث لعدد محدود ممن حوله في مقهى أو مجلس أو مناسبة اجتماعية، أما اليوم فهو يؤذي مَن يتابعه على منصة هذه التطبيقات. ‏الصمت كان أكثرَ من الكلام في حياة الإنسان، تضخّمُ الديموغرافيا اليوم وازدحامُ الأرض بالبشر، وتراكمُ فضلات المنشئات الصناعية المتنوعة، وهستيريا الحروب، والتغييرُ المناخي، مزّقتْ صمتَ الطبيعة، وقدّمت الكائنات الحيّة المتوطنة في الأرض منذ مليارات السنين قربانًا لعبثِ الإنسان واستهلاكِه الفاحش للموارد الطبيعية، واستئثارِه بكلِّ شيء، وإبادتِه المتوحشة للأنواع الحيّة، بمختلف الوسائل الفتاكة. بقايا هذه الأنواع تستغيث فلا تُغاث، فزعًا من قهر الإنسان وإبادته لما تبقى منها في الأرض. أمست آهاتُ الأرض تستغيث من فتك الإنسان، وصار إنسانُ اليوم كثيرَ الهذر، وغارقا في استعمال مختلف الآلات، ومعظمها تصدر أصواتًا، وأغلب تلك الأصوات غريبةٌ على ما يألفه سمعُه. قلّما يجد إنسانٌ اليومَ محطةَ استراحة يحتمي فيها بصمت متأمل من الضجيج والضوضاء والكلمات الخرقاء.كلُّ ذلك لا يسرق العمرَ فقط، بل يسرق أثمنَ شيء في حياة الإنسان وهو سلامُه الداخلي.

واحدة من خطايا الأيديولوجيات المتفشية في بلادنا تجاهلُ التربية على الصمت والتأمل والتفكير والتساؤل، بل تعمل بالعكس على تحريض مَن ينخرط فيها وحثُّه على التحدث في كلِّ شيء وعن كلِّ شيء، بلغةٍ مشبَعة بالوثوقيات والجزميات النهائية. يحفّز الحثُّ على التحدث شهوةَ الكلام بمختلف القضايا، بلا تكوينٍ فكري يوفر غطاءً مناسبًا للحديث.

المؤسسات التربوية والتعليمية، والثقافية والإعلامية، والاجتماعية، والدينية، والحركات السياسية في بلادنا، تنهمك في بناءِ كياناتها بتكرارِ شعارات وكلمات رعناء، وتقيِّم مكاسبَها وتختبر نجاحاتِها في سياق ما تحقّقه من مهرجانات تعبوية واحتفالات ومارثونات وشعارات، وما تراكمه من فائضٍ لفظي لعباراتٍ وكلمات جوفاء، من دون أن ترى فيما تقدّمه منجزاتٍ حقيقية على الأرض لصالح الشعب، وبلا أن تكثّف جهودَها لبناءِ الوطن، وحمايتِه من الأخطار.

https://alsabaah.iq/95481-.html

 

من أسلمة الإنسانيات إلى أنسنة الإسلاميات

الدكتور ضياء خضيّر

يظل الخطاب الديني الذي بدأه الدكتور عبد الجبار الرفاعي منذ أكثر من أربعين عاما مثيرا للاهتمام والمتابعة، بسبب من تميّزه وغزارته وروحه الإنساني المتسامح، وحرارة اللغة التي يجري التعبيرُ بها عنه. وقد شدّني، كما شدّ الكثيرين من الذين تابعوا هذا الخطاب وكتبوا عنه، إعجابي بالرجل، وليس فقط بجِدة هذا الخطاب واختلافه، لأنه يجسّد في خلقه الرفيع وسلوكه العملي أنموذجا للشخصية العراقية المثقفة، والمتحررة من الإلزامات التقليدية التي تميل برجل الدين عادةً نحو هذا الطرف أو ذاك. فنحن هنا أمام رجل دين عراقي آخر، يمتلك خطابا قادرا على اجتياز الحواجز الموضوعة في طريق كل الناس الذين يمارسون حياتهم في مجتمعات إسلامية ما يفتأ رجل الدين فيها يحتكر سلطة المعرفة الدينية والفقهية والتشريعية التي تحدد ما هو محلل، وما هو محرم في سلوك “المكلفين” من أتباعه في هذا المذهب أو ذاك. ومن النادر الوقوف بين ركام هذه الخطابات القديمة والمعاصرة، الشفوية والمكتوبة، على هذا النوع الذي يجعل الدين في خدمة الإنسان، بصرف النظر عن مذهبه ولونه وعرقه، ولا يجعل الإنسان خادمًا لهذا الدين وأصحابه.

عبد الجبار الرفاعي يجعل من نفسه مكمّلا ووريثًا لسلسلة من المفكرين ورجال الدين الذين أنجبتهم أو احتضنتهم الحوزةُ النجفية في عهود مختلفة من عصرنا الحديث مثل محسن الأمين، وهبة الدين الشهرستاني، ومحمد جواد البلاغي، ومحمد رضا المظفر، ومحمد تقي الحكيم، ومحمد باقر الصدر، ومحمد مهدي شمس الدين، ومحمد حسين فضل الله، وغيرهم ممن أشار إليهم الرفاعي نفسه لتميّزِهم ومحاولتهم الخروجَ بفكرهم واجتهاداتهم عن الخط التقليدي الذي يحضر في خطابه النقل أكثر من العقل.

وهو إذ يتفق مع رجال الدين هؤلاء، الذين يخرجون على “خطاب تبجيل كلّ شيء في التراث، وفي سعيهم لاستيعاب شيء من عناصره استيعابا نقديا، والجرأة في نقد بعض المقولات والآراء، وعملهم في البحث عن آفاق لقراءة النص وتفسيره في سياق الواقع ومعطياته واستفهاماته، ومحاولتهم الكشف عن شيء مما هو نسبي في ميراث المتكلمين والفقهاء”، لا يخفي معرفته بأن بعضَ محاولاتهم تلك لم تغادر المناهجَ التقليدية الموروثة بشكل كامل، فيما نجح هو في فعل ذلك، وحاول منذ البدء أن يجعل من خطابه الديني مختلفا، يمدُّ به إلى شريحة أوسع من الناس، كما لو كان  جسرا  يعبُرُ من خلاله نحو أولئك الفقراء مثله في حياته المبكرة، التي تشكلت فيها بوادرُ وعيه الديني ويقظته الروحية الأولى. يستنهض الغنى الكامنَ في نفوسهم، ويحرّك بلغته البسيطة المؤثرة ما ينطوون عليه من عوالم خير داخلية لا حدود لثرائها واستعداداتها الفطرية التي وُجِد الدينُ في الأصل لإرواء ظمئها الأنطولوجي، وتوفير كرامتها، وتخليصها من الاغتراب الميتافيزيقي الملازم لحياتها، وغير ذلك مما يرافق حياتنا جميعًا من قلق وارتباك وجودي ظاهر أو مضمر.

وهو يقول إن أكثر من سبقوه على هذا الطريق كانوا غيرَ قادرين على توظيف مناهج ومفاهيم وأدوات جديدة من الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع الحديث في فهم الدين ونقد التراث، وما هو مستتر من نظم إنتاج المعنى الكامن فيه.

وعلى الرغم من أننا لا نكتفي في هذا الكتاب، كما سيرى القارئ، بعرض ما نظنّ أنه يمثل المفاصل الأساسية في خطاب الدكتور الرفاعي، ونحاول أن نقدم له قراءةً نقدية فاحصة، نعتقد أن لا جدوى من الاكتفاء بعرض جوانب من فكر الرجل من دونها، فإننا ندرك أيضًا أن التناول العقلي أو المنطقي المجرد لهذا الخطاب الموزّع على عدد كبير جدا من الكتب والمباحث، قد لا يتمثل بشكل صحيح روحَ هذا الخطاب، وربما يسيءُ إلى صورته العامة التي تشيع فيها فيها روحُ التسامح والمحبة، وتحيل مجملُ المباحث الكلامية الجديدة فيه إلى رؤية عرفانية صريحة أو مقنعة غير قابلة في نفسها لأي مقاربة نقدية لا تراعي طبيعتها الأخلاقية والروحية، أو المشاعر الوجودية الخاصة لأصحابها. وهي،كما سنرى، مطروحةٌ ضمن تجربة ورؤية واعية ومركبة، ومسلحة بمعرفة تراثية وعصرية تكرهُ الخضوعَ لآليات المناهج الفلسفية والمنطقية التي لا تفصل بين الديني والدنيوي، أو بين المقدس وغير المقدس في موضوعات محددة تقتضي وجوبَ التسليم بنوع من العلاقة الخاصة والاستثنائية بين البشري والإلهي الذي يجسْده الوحيُ النبوي، وقدسيةُ النص القرآني، وما يتصل بذلك من أمور إشكالية يتمّ بحثها باستمرار في كتابات الدكتور الرفاعي، كالعلاقة بين الدين والأيديولوجيا، أو بينه وبين الدولة، والطريقة التي يجري فيها (تحيين) النصوص القرآنية على الطريقة الهرمنيوطيقية التي جرت عند الغربيين للكتاب المقدس منذ زمن طويل. وأسفرت عن نتائج حاسمة في علاقة المجتمعات الغربية بديانتها المسيحية، التي جعلت من عبارة السيد المسيح في إنجيل مرقص التي تقول “أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله” معيارًا ومثالًا للعلاقة المزدوجة بين الديني والدنيوي. وهي، كما نعرف، عبارة تمَّت مناقلتُها من سياقها التاريخي الخاص بسؤال بعض اليهود للسيد المسيح عن جواز دفع الجزية لقيصر، لتكون إجابتُه عليها دليلًا على هذه العلاقة التي لا يجب أن يتدخل فيها الإلهي المقدس في الدنيوي الخاص بمجريات الحياة المدنية، مثلما لا يتدخل الدنيوي في حياة المقدس ذي الطبيعة الروحية المختلفة. في حين ما زالت هذه العلاقة الخاصة ببناء الدولة والسلطة السياسية الحديثة في مجتمعاتنا الإسلامية مختلطة غامضة، على ما أصابها من عدوى التأثر بالنظام السياسي الغربي خلال العهد الاستعماري لبلادنا أو بعده. حيث ينفصل القول النظري فيها عن الواقع العملي، وتكتسب فيه عبارة السيد المسيح السابقة معنى آخر قد يكون فيه “ما لله وما لقيصر لله وحده” في إطار الرؤية الدينية المتسلطة، و”ما لقيصر وما لله كليهما لقيصر وحده” في إطار الرؤية الدنيوية المنفلتة. وكل ذلك يحدث في إطار ما نقرؤه ونشهده من مفارقات وغرائب مرافقة لتكوين الدولة وأمثلتها الواقعية التي يمتلئ بها تاريخنا الإسلامي القديم والحديث.

وفي الوقت الذي لا يجري فيه الاعتراض عندنا على وجود عنوان (الإسلام دين الدولة) من الناحية الدستورية، لا نجد أحدا يبالي بغياب هذا الإسلام أو عدم حضوره، ولو بروحه الأخلاقي والتربوي في مفاصل هذه الدولة. وهو ما يشير إلى جانب من بنية الانفصام العميقة القائمة بين النظرية والواقع لدى نخبِنا الدينية وأحزابها السياسية بشكل خاص، ومجتمعنا العربي الإسلامي بشكل عام.

الدعوة إلى “أنسنة الإسلاميات، لا أسلمة الإنسانيات”، التي أطلقها الدكتور الرفاعي تظل شعارًا لدى المتنورين القلّة من رجال الدين في هذه الدولة، ولكنه شعار غيرُ قابلٍ للاشتغال لدى آخرين غيرهم، ما زالوا يتدخلون في حكم هذه الدولة ويعبثون بمصالح الناس فيها تحت عناوين وشعارات إسلامية وديمقراطية مضلّلة.

وما ينطوي عليه خطابُ الدكتور الرفاعي في هذا الشأن من شفافية وغنى دلالي، وما يوفره لقارئه من عناصر اتزان عقلية ونفسية، هو الذي يحفّزنا على جعل بعضِ جوانبه موضعَ نقاش واستفهام من أجل تعميقه وإثارة الأسئلة المعترضة أو المحفّرة للحوار والنقاش حوله. وصاحبُ هذا الخطاب لا يضيق بالأسئلة، ويقول إنه لا يملك، مثل أصحاب التدين السياسي، إجاباتٍ جاهزة تتكرر فيها الشعارات التي لا معنى لها، ولا قيمة.

ومنطلقُنا في كلِّ ذلك يظل هو الإيمان المشترك بالدين عنصرًا لا غنى عنه في حياة كل إنسان، وبالحق سبحانه وتعالى خالقًا ومدبرًا لهذا الكون، لا ينتج من المواقف والآراء الفكرية التي تتبع القول برفعه من دواخلنا غيرُ أن يصبح كلُّ شيء مباحًا في هذا العالم، كما كان ديستويفسكي يقول.

وكوني أديبًا أو ناقدًا غيرَ متخصص بالشأن الديني لا يكفي للقول بأني أتدخل هنا فيما لا يعنيني، بل ربما يمنحني، على العكس من ذلك، ميزةَ رؤية هذا الخطاب من زاوية أخرى قد لا تتوفر بنفس القدر والدرجة لمتلقي هذا الخطاب من علماء دين ومتخصصين. فالمنهج ونظرية المعرفة الخاصة بنظم التفكير في إطرها العامة ليست حكرا على رجال دين ومثقفين دون غيرهم، لاسيما في خطاب يتعدى الأساليب التقليدية، ويحاول أن يستخدم المناهج العلمية والفلسفية في مقاربة موضوعاته الدينية. إضافةً إلى وجود علاقة خاصة بيني وبين الدكتور الرفاعي قد لا يعرفها غيري وغيرُه، تدفعني إلى إعارة مزيد من الاهتمام لما يكتبه ويقوله دون خوف من التجاوز على النظرة الموضوعية المحايدة. فهذا الرجل الذي هو أستاذ ومعلم في هذا الشأن للكثيرين في العراق وخارجه على نحو مباشر أو غير مباشر، بما في ذلك المتكلم نفسه، كان في يوم ما تلميذا من تلاميذي!

نعم، تلميذ من التلاميذ الكثر الذين لا أعرفهم، ولا يعرفونني أحيانا إلا في وقت متأخر تقود إليه أحيانًا نوعٌ من الصدفة المحض. وليس غريبًا في تاريخ العلم أن يصبح الطالبُ أستاذا لأستاذه في هذا الجانب أو ذاك من العلم. وهو شيء أتشرف به ولا أنكره، لأن قراءتي المتأخرة لعبد الجبار الرفاعي واطلاعي على سيرته الذاتية قد أضافت لي الكثير، وعلمتني درسا آخر من الدروس الأخلاقية والتربوية الجديرة بالتقدير والاعتبار، يقدمها رجلُ دين عرفاني ومثقف استثنائي في واقعنا العراقي والعربي المعاصر. وأنا لا أتردد من الاعتراف بذلك وتقديم الشكر والعرفان بالجميل لصاحبه. فضلًا عن أن تلك التلمذة لم تكن تزيد في الواقع على الصورة الرسمية والشكلية التي لا علاقة خاصة فيها بين التلميذ وأستاذه، حينما كنت أنا وإياه في ثانوية قلعة سكر بمحافظة ذي قار التي انتقل إليها عبدالجبار الرفاعي بعد إكماله الابتدائية في مدرسة القرية القريبة من قضاء الرفاعي نهايةَ الستينات من القرن الماضي، فيما كنتُ قد بدأتُ حياتي الوظيفية مدرسًا للغة العربية، ثم مديرًا لهذه الثانوية الكبيرة خلال الأعوام ١٩٦٧و١٩٧٠ نفسها، ثم في مدينتي ومسقط رأسي (الشطرة) التي أصبحتُ مديرًا لمتوسطتها في نفس السنة التي انتقل عبد الجبار الرفاعي هو الآخر إلى المدينة، التي ألّفت مرحلة تكوينيّة بالغة الأهمية في حياته الفكرية واتجاهه الديني اللاحق، كما في حياتي واتجاهي الأدبي السابق واللاحق. وقد عمدت إلى وضع نص القصيدة التي نشرتها بمجلة الآداب اللبنانية عام ١٩٧٠ أثناء وجودي في مدينة قلعة سكر لأشير إلى أني كنت أنا الآخر مشغولًا منذ ذلك الوقت الذي مضى عليه الآن أكثرُ من نصف قرن بالبحث عن طريق مناسب للإيمان والمعرفة.

كلُّ هذا ونحن لم نلتق ولَم نتعرف على بعضنا بشكل مباشر بعد، مع أن ما قرأناه فيما بعد من سيرة بعضنا البعض في كتب متبادلة كان بالنسبة إليّ على الأقل صادمًا، أحيانًا، فيما يتصل بالظروف المتشابهة لمعاناتنا المشتركة، شأنَ الكثيرين من أمثالنا من أبناء الجنوب العراقي الفقراء؛ وما يواجهونه من ضيق وعَنَتٍ لا يغطي مع ذلك على طموحاتهم الأدبية والفكرية ورغبتهم في الخروج إلى عالَم أوسع من الحياة والفكر، على ما هنالك من اختلافات فردية طبيعية في الأهداف والتطلعات والظروف الشخصية والعائلية المرافقة.

وحين أجرينا أولَ اتصال بالتلفون بيننا بعد سنين طويلة من ذلك التاريخ البعيد، الذي لم نلتق فيه حتى الآن وجها لوجه، لم ينكر الدكتور الرفاعي أن صوتي مألوفٌ بالنسبة إليه، ويكاد أن يعرفه من نبرته كما قال لي. في حين أشعرُ أنني حين أكتب عنه الآن فإنني اكتبُ عن جانب غائب أو مفقود في حياتي نفسِها.

وقد كان لخالي المرحوم عطا القزاز مدرس العربية المعروف في الكرخ أؤخرَ القرن الماضي وبداية القرن الحالي، دخلٌ في هذا التعارف المتأخر الذي حدث بيني وبين الدكتور الرفاعي. فقد أُولعَ هذا الرجل في سنواته الأخيرة بفكر الدكتور الرفاعي الديني على نحو استثنائي، وجعل من قراءة البحوث التي تنشرها مجلته (قضايا إسلامية معاصرة) وكتاباته رفيقا ملازما له خلال قعوده الطويل في بيته، على نحو عجيب تحول فيه من حال إلى حال. وقد كان التبدّل الذي طرأ على حياته وفكره الذي انتقل فيه من يساري ماركسي إلى متدين مؤمن بسبب من تلك القراءات مثيرًا للحيرة والتساؤل بالنسبة إليّ ولكل من يعرف الأستاذ عطا من أفراد عائلته وأصدقائه. وقد أخبرني الدكتور عبد الجبار فيما بعد أنه كان يبعث بكتبه بيد المهندس فراس ابن المرحوم عطا المقعد في بيته في الإسكان غربي بغداد، بعد أن نقل له تحيات أبيه وشغفه بقراءة كتاباته. وينقل إليّ الدكتور عبد الجبار متأثرا كيف أن المرحوم عطا كان يعبر له عن امتنانه وشكره في كل مرة يتصل فيها به عن طريق الهاتف قائلا له: “إنك أنقذتني، وجعلتني أعثر ُعلى نفسي، وعلى المعنى الذي كنتُ أبحث عنه لحياتي”.

وأنا أروي هذه الحادثة الصغيرة التي يظهر من خلالها مدى التأثير الذي مارسه فكرُ الدكتور عبد الجبار الرفاعي الديني الجديد على الكثير من الناس الذين يعرفهم أو لا يعرفهم، لأبيّنَ، كما ذكرت، جانبًا من السبب الشخصي الذي عزّز فيّ الرغبة والفضول للتعرف على الرجل وفكره، ثم الكتابة عنه وأنا في مقامي البعيد في كندا.

وقد سبق للناقد العراقي المعروف الدكتور عبد الله إبراهيم أن التقى قبلي بالدكتور عبد الجبار، وكتب عن تأثيره فيه، على ما بينهما من اختلاف، مقالا في جريدة الصباح وصف فيه ما رآه في شخصية الرفاعي من نبل ونقاء وتواضع وطيبة، وكيف أن تعليم الدكتور عبد الله الدنيوي الحديث لم يمنعه من أن يخصه الدكتور الرفاعي باهتمامة وتكوين علاقة خاصة معه. بعد أن كان كما يقول شديدَ النفور من ذلك النمط من رجال الذين تخمّرت كتلتها في الأروقة المعتمة، وعلى نحو لا يختلف كثيرا عما كنتُ اشعر به، أنا الآخر، إزاءَ بعض رجال الدين قبل أن أتبيّن حقيقة عديدين منهم من خلال هذا الرجل الذي تتلمذ إليهم وعاش بين ظهرانيهم وخرج عن منهج الكثيرين منهم. فللرّفاعي، كما يقول الدكتور عبد الله “شيوخٌ معمّرون، أثقلت رؤوسهم العمائمُ السّود والبيض، وأطالوا المقام في الظّلال، وتلقّف عنهم أصول الفقه، وعلم الكلام، والعقائد، فضلاً عمّا كان يتلقّاه طلبة علوم الدّين عن شيوخهم من دروس المنطق الصّوري، والنّحو القديم، والبلاغة المدرسيّة، بوصفها من الوسائل الضروريّة لمقاربة العلوم الدّينيّة، كما انحدر إليهم ذلك من شِعاب الماضي، فالمرجّح أن يكون قد أوغل في كلّ ذلك حتّى حاز درجة الدكتوراه فيه، وأحسب أنّه تآلف مع تلك الأجواء بفعل المعاشرة، ودوام التعلّم، والتّعليم، والمدارسة، مدّة طويلة، قبل أن ينأى بنفسه عن ذلك”. (د عبد الله إبراهيم، جريدة الصباح، ٢٩/١١/٢٠٢٣)

والدكتور الرفاعي يشير في أحد كتبه إشارةً دالة إلى أن أكثر الباحثين ممن يمتلكون خبرةً بمناهج القراءة الجديدة عندنا في العراق يهربون من توظيفها في قراءة النص الديني، وغالبا ما يوظفونها في قراءة النص الأدبي والأعمال الفنية والإبداعية المختلفة الأخرى.

وتلك حقيقة من حقائق الثقافة العراقية التي يغلب عليها الطابعُ الأدبي والشعري أكثرَ من الطابع الفكري والعقلاني. وعبارة محمود درويش التي تقول “كن عراقيًا لتكون شاعرًا”، لا ينبغي أن تُقرأ وفق جانبها الإيجابي الجميل فقط، بل هناك جانب سلبي لا يجب إغفاله، هو أننا، نحن العراقيين، كثيرا ما نفكر ونتصرف بطريقة شعرية لا تراعي الضرورات الواقعية.

وربما كان واحدٌ من نتائج غياب الكتابات الفلسفية والاجتماعية الفاعلة في المجال الديني في وسطنا الثقافي العراقي قد دفع عديدا من الكتاب والأدباء إلى تولّي زمامِ المبادرة، ومحاولة تناول يوميات الواقع العراقي، وما فيه من إشكالات فكرية واجتماعية ونفسية، وما خلّفته الحروب الخارجية والداخلية في هذا الواقع على الذات العراقية الجريحة من ندوب غير قابلة للشفاء بسهولة.

وهذه الكتابات غيرُ معنية في جملتها بوجود الدين والروح الإيماني، أو عدم وجودهما فيما تكتب. فالمهم والأكثر إلحاحا في سنوات الجمر والجبهات الملتهبة هو وجود البشر أحياء، وتوفر حاجاتهم الأساسية، وليس كيفية ما سيكونون عليه من ماهية في هذا الوجود. والتقى المفاجئُ والعودة إلى الله يمثّل نوعا من ردة الفعل والخوف من المصير المجهول أحيانا أكثر من الإيمان المتولد عن قناعة وتأمل بالموضوع الديني، الذي ما فتئ الدكتور الرفاعي يكافح من أجل البحث عنه والتأكيد عليه ونشره ممزوجا بهذه المسحة الخفيفة من التصوف العرفاني أو ما يقع في دائرته.

وما يضيفه الدكتور الرفاعي إلى عبارته السابقة من تفسير لانصراف الباحثين عن استخدام أدواتهم المنهجية في الكتابة عن الأمور الدينية، يتمثّل في انهم “يبحثون عن ملاذ يحتمون فيه من غضب أنصار التراث” قد لا يكون صحيحًا قدْرَ صحةِ اختلاف التوجهات الناتجة عن نوع التعليم والمواد المقدمة في المدارس والجامعات والمؤسسات الثقافية العراقية التي كان نقلُ المناهج الأدبية التراثية والغربية الحديثة الخاصة بالنقد الأدبي والفني يزيد على ما سواه من برامج ومواد دينية وفلسفية متوفرة. ولم تكن الحوزة الدينية الشيعية في النجف الأشرف، كالأزهر الشريف في مصر، منفتحةً على تعليم ديني ودنيوي يغطي كامل التراب الوطني ويصنع كوادر دينية مثقفة بثقافة دينية وعصرية متوازنة. وقد خرّجت النجف وبقيةُ مدن الجنوب العراقي الشيعية أعدادًا من الشيوعيين أو المنتمين للفكر اليساري الماركسي أكثرَ مما خرجت من رجال دين ومتدينين.

ولذلك فإن الموقف الذي عبّر عنه الدكتور عبد الله إبراهيم في هذا المقال يعبّر بالفعل عن موقف الغالبية العظمى من هؤلاء الأدباء والكتاب العراقيين من ذوي التعليم العام والثقافة الأدبية والنقدية الحديثة، التي يغلب عليها طابعُ الفكر اليساري الذي لا يميل، ولا نقول يعادي، إلى صورة رجل الدين التقليدي كما عرفها هؤلاء الأدباء في تعليمهم المدرسي وحياتهم الثقافية العامة.

وعنوان كتابنا هذا الذي يجمع بين (التصوف العرفاني) و (علم الكلام الجديد) في إطار واحد، ناتجٌ عن طبيعة التركيب أو المزج الذي حاول الدكتور الرفاعي نفسُه إدخاله على مجمل مدونته والفكرية والكلامية التي لم يكتفِ فيها برفض أغلب ما رآه فيها من تراث الفقهاء والمتكلمين القدماء، وإنما أراد أن يضفي عليها مسحةً أخلاقية وروحية متمثلة في ما يسميه تصوف العرفان والعرفاء. وسنكرّس الكلام في الفصل الأول من الكتاب للجانب الفقهي والكلامي وفلسفة الدكتور الرفاعي في النظر إليهما، فيما سيجري تناولُ الجانب العرفاني التصوفي في كل فصل من فصول الكتاب الأربعة، نظرا لحضوره الكثيف في كل منظومة الدكتور الرفاعي الدينية، التي لا شك عندنا في أن التصوف في صورته العرفانية الموجودة في كلّ كتب الدكتور تقريبًا، هو حصيلة شخصية ونتاجٌ لتجربة فردية، وتأثر بقراءات رجال دين وعرفاء آخرين حسب تسميته، مثل محي الدين بن عربي، وجلال الدين الرومي، والعلامة الإيراني محمد حسين الطبطبائي (١٩٠٤ – ١٩٨١)، الذي منحه الدكتورُ الرفاعي على صعيد الدراسة والتدريس قدرًا من الاهتمام لم يمنحه لآخر سواه من المفسرين والفلاسفة والعرفاء المعاصرين. ولعلّ التشابه الذي وجده الدكتور الرفاعي بين حياة هذا الرجل (الإلهي) وبين حياته نفسها أن يكون ملهما ومعينا له على فهمه، والارتباط الصميم بفكره وآرائه الكلامية ومواقفه الصوفية أو العرفانية. فقد عاش الطباطبائي رحمه الله بين تبريز والنجف وقم، مثلما عاش الرفاعي نفسه، في رحلة معاكسة، بين مدينة الرفاعي والنجف وقم، حياةَ نضال وكفاح لا شبيه لها في قسوتها وقدرتها على معاندة الظروف الاجتماعية والسياسة المحيطة. ولكن ذلك لم يثنه، كما لم يثنِ تلميذه العراقي عن موصلة الدراسة والتحصيل العلمي الذي أنتج هذا القدر من الوعي والإحاطة بالمعارف الدينية والفلسفية، التي فتح الله عليهما فيها بما ينير بصيرتهما وبصيرة الكثيرين من بعدهما، ولنرى في حصيلتها هذا النوع من الرجال الذين يعدلون في ثقلهم المعرفي والروحي والأخلاقي الآلافَ من الذين خرجوا من بينهم، فأعانوهم أو وقفوا في وجوههم، ولكن ما أودعه الله فيهم من أدبٍ وسماحة خلق يقتضيهما الدينُ الحق، لا يجعلهم بعيدين عن أن يكونوا في الموضع الذي يكون فيه أيُّ واحد من أولئك الفقراء في المادة والروح من الذين خرجوا من بينهم، ولم يتسنَ لكثير منهم أن يقرأوا أو يسمعوا مثل هذا الصوت الذي يمكن ان يتسرب بيسر إلى أعماقهم.

وتلك، في تقديري المتواضع، هي القيمةُ الأساسية لخطاب الدكتور الرفاعي الروحي والأخلاقي، أعني سعة أفقه وانتشاره وقدرته على ملامسة جوانب حاضرة أو غائبة عن حياة كثير من الناس، بما في ذلك البسطاء منهم.

واللهَ تعالى نسألُ التوفيقَ والسداد.

الدكتور ضياء خضير

تورونتو/ كندا/٢٠٢٤

 

ملاحظة: تنشر هذه المقالة بالتزامن مع نشرها في العدد الجديد من مجلة الأقلام “العدد الرابع، السنة الثامنة والخمسون، ٢٠٢٤”، التي تصدرها دار الشؤون الثقافية في وزارة الثقافة ببغداد.

 مقدمة الدكتور ضياء خضيّر لكتاب: “الرؤية العرفانية والكلامية الجديدة: قراءة نقدية في مشروع عبد الجبار الرفاعي الديني”، تحت الطبع. الدكتور ضياء خضيّر ناقد وباحث وأستاذ جامعي عراقي متقاعد يقيم في كندا حاليا؛ يحمل شهادة دكتوراه دولة في الآداب من جامعة أكس اون بروفانس الفرنسية، وبكالوريوس وماجستير من جامعة بغداد. له أبحاث وكتب أدبية ونقدية عديدة، من بينها ثنائيات مقارنة، والقلعة الثانية، والمقامات العمانية، والتشكل التاريخي الكاذب، والأثر الأجنبي في المسرح العراقي خلال مائة عام.

 

 

 

سيرة توازي بين القراءة والكتابة بدون تفاصيل الحياة: عبد الجبار الرفاعي يكتب عن العلاقة التي ربطته بعالم الكتب

  صدوق نور الدين [1]

يأتي كتاب “مسرات القراءة ومخاض الكتابة: فصل من سيرة كاتب” (تكوين – دار الرفدين – 2023)، للدكتور عبد الجبار الرفاعي، ليضيء جانباً من سيرته الذاتية انطلاقاً من العلاقة التي ربطته بعالم القراءة. وهو الدافع الرئيس لتحديد «فصل من سيرة كاتب». لكن السيرة الذاتية للرفاعي لا تنحصر بالتحديد في هذا الجانب، وإنما تمتد لتشمل فصولاً أخرى يتداخل فيها الحياتي بالثقافي والفكري.

من ثم فـ “مسرات القراءة ومخاض الكتابة: فصل من سيرة كاتب” جزء من حياة دون أن يعني كونه الحياة في كليتها. وهو ما يوحي على السواء بكون هذه السيرة سوف تتشكل من أجزاء أخرى وفق ما طالعنا، مثلاً، في تجربة عميد الأدب العربي طه حسين، وصولاً إلى الأدباء جلال أمين ومصطفى الفقي وغيرهما. ويحق الحديث على أن المفهوم الذي يرسخه الرفاعي للسيرة الذاتية، يتجسد – كما سلف – في الجمع بين عالمين: عالم القراءة وعالم الحياة. وبذلك، فإنه يغاير ويخالف السائد والمتداول في كتابة السيرة الذاتية. ويمكن التمثيل بما كتبه هنري ميللر في «الكتب في حياتي» وكولن ويلسون في «الكتب في حياتي» (والعنوان متداخلان)، وإيتالو كالفينو في «لماذا نقرأ الأدب الكلاسيكي؟»، وألبرتو مانغويل منذ «تاريخ القراءة» إلى «حياة متخيلة». وإذا كان الصوغ في هذه المؤلفات مباشراً، فإنه في غيرها تحقق على نمط كتابة روائية، كمثال «عاشق الكتب» و«جنون كتاب» لهوفر بارتليت. وأما عربياً فيمكن التمثيل بكتابات عبد الفتاح كيليطو في أغلبها، إلى الروائي والقاص لؤي حمزة عباس في كتابة «النوم إلى جوار الكتب»، وبثينة العيسى في «الحقيقة والكتابة»، وطريف الخالدي في «أنا والكتب»، وصفاء ذياب في «أن نحكي»، وحسن مدن في «حبر أسود».

تشكل الوعي

تبدو صيغة الوعي بالقراءة في كتاب «مسرات القراءة ومخاض الكتابة» بسيطة، لتتحول لاحقاً إلى التعقيد. فالبسيطة ترتبط بالفضاء كما الزمن، وهي انتقالات في حياة الشخصية وتكوينها. ذلك أن مرحلة التعليم الابتدائي في حياة الرفاعي لم تعرف سوى الكتب المدرسية، بحكم الارتباط بالواقع القروي وسواد الأمية بين الفلاحين على مستوى القراءة والكتابة. وفي سياق هذه المحدودية، فإن أفق التوسع والاضطلاع لم يمتلك مؤهلات التطوير وروافد الإغناء. من ثم فإن الصورة التي جاءت عليها المكتبة الشخصية الأولى، اتسمت على السواء بالبساطة ما دامت قد ضمت ما يشبه كراسات تتم العودة إليها بين فترة وأخرى في نوع من التكرار وشح الإضافة: «لم أر في المرحلة الابتدائية كتاباً غير الكتب المدرسية، ولا أتذكر أني رأيت كتاباً في بيت أحد في قريتنا، الفلاحون من جيل آبائنا لا يقرأون ولا يكتبون». (ص/13)

«قرأت قصص: المياسة والمقداد والسندباد البحري وغزوة بئر ذات العلم وعنترة بن شداد». (ص/13)

«نشأت مكتبتي بهذه الكراسات وأشباهها، أصبحت أكرر مطالعتها، وأضيف لها ببطء وعلى فترات متباعدة ما أظفر به». (ص/14)

بيد أن الانتقال إلى بغداد بداية السبعينات بهدف الدراسة سيجسد تحولاً مغايراً على مستوى التكوين، ذلك أن ما بدا في السابق بسيطاً، سيغدو معقداً أمام وفرة الكتب وتعدد سبل المعرفة وما يترتب من دهشة وحيرة في الاختيار وتوقاً إلى امتلاك مكتبة غنية تتضمن مراجع معتمدة، علماً بأن هذه المكتبة الشخصية ستخضع لظروف قاسية تتحدد في الإجهاز عليها بالاغتيال – إذا حق – ثم القيام مجدداً بالبناء والإنشاء، وكأن الأمر يتعلق بسيرتين متداخلتين: سيرة تكوين وتكون القارئ، وسيرة نهضة مكتبة – مكتبات لا تتوقف وظيفتها في تشكيل صورة القارئ، وإنما الكاتب على السواء، من منطلق كون كل قراءة عميقة دقيقة موضوعية تقود إلى بناء شخصية الكاتب التي تقولها وفق صيغة خاصة تتفرد على مستوى التفسير والتأويل وترسيخ الفهم المغاير: «أتذكر أولى زياراتي لشارع المتنبي سنة 1973 عندما كنت طالباً ببغداد، لم تكن المكتبات في الشارع بهذه الكثافة وهذا الحضور الواسع المتنوع اليوم». (ص/23)

«بعد انتقالي للدراسة ببغداد سنة 1973، بدأ تراكم الكتب يتنامى ويضيق معه فضاء الصندوق بالكتب المضافة». (ص/ 44)

«تجمع مكتباتي نحو 30000 من الكتب ودوريات الدراسات والمجلات الثقافية». (ص/55)

وتأسيساً على السابق، فإن تشكل الوعي بالقراءة تجسده نوعية المقروء. بمعنى آخر، إنه أمام فيض وغزارة المكتوب تحتم الضرورة انتقاء ما ينبغي قراءته من منطلق كون الزمن والحياة لا يسمحان بالإحاطة الشاملة. ثم إن التخصص المتعلق، سواء بحقل التدريس أو الكتابة، يستدعي القراءة، وبالضبط ضمن حدود المحفل، حيث تتمثل كيفية تصريف المقروء في المكتوب، إلى توظيفه التوظيف الملائم.

يقول الرفاعي في فقرة دالة مكثفة وجامعة تضعنا أمام المفهوم الحق للقارئ: «ليس المهم كمية ما يقرأ الإنسان، المهم نوعية ما يقرأ، وكيفية تلقيه لما يقرأه، وقدرة عقله على تمثله وتوظيفه، وتجلي أثره في نمط تفكيره وشخصيته وسلوكه». (ص/29)

إن ما تقود له/ إليه صورة القارئ، ميلاد الكاتب ونشأته. والأصل أن الميلاد والنشأة يرتبطان بالقراءة. فلا يمكن ولا يتأتى خلق النص في غياب المرجعيات التي يتم الامتياح منها بغاية إنتاج المعنى الجديد الذي لا يقول الشيء نفسه، وإنما ما يغايره ويختلف عنه. وثم تتحقق الفرادة والخصوصية. على أنه ومثلما تحققت ولادة القارئ في زمن مبكر، تسنى أيضاً للكاتب فرض قوة حضوره في المراحل التي قطعها تكوينه التربوي والجامعي، وكأن تمرين الممارسة التعبيرية الإبداعية نصاً وموضوعاً يعلن عن ذات تمتلك مشاعر وأحاسيس قيض لها الاستمرار وليس التوقف كي تغدو بنفسها مرجعاً معتمداً لا يمكن تجاهله أو غض الطرف عنه: «كتاباتي خلاصة مطالعات بدأت في مرحلة مبكرة من حياتي لم ولن تتوقف، وما زالت، كما كانت أول مرة، خلاصة عواصف ذهنية وتأملات فرضها علي عقلي الذي لا يكف عن التفكير، وأوقدتها مشاعري وانفعالاتي، وما ترسب بأعماقي من جراح محطات الحياة المتنوعة، مما لا أراه ولا أدرك تأثيره في فهمي». (ص/69)

ويبرز الاختلاف بين العالمين: عالم القراءة وعالم الكتابة، في كون الأخير كما ورد في التعريف المقتبس عن الروائية الفرنسية آني إرنو: «الكتابة كخنجر»، عالم عذابات ومعاناة ومتعة أيضاً. ذلك أن كتابة نص، أقول ولادته، لا يمكن على الإطلاق استسهالها. على أن أولى هذه العذابات والمعاناة يعكسها مكون اللغة بما هي أداة التواصل والاتصال بين الكاتب والقارئ. إذ الكاتب وهو يخوض مهمة الإنجاز يحلم بأن يكون منجزه دقيقاً من حيث الكتابة والتحرير، وهو ما يفرض عليه انتقاء العناصر المكونة للغته وبناء أفقه الإبداعي الخاص. فلا قيمة البتة لما يكتب بانتفاء القارئ الذي تصنعه الكتابة. وهذا ما يشير إليه الرفاعي بالاشتراك أو المشاركة، بحكم كون بناء النص تتداخل فيه كفاءتان: كفاءة الكاتب وكفاءة القارئ. «اللغة كأداة هي ما يرهقني في الكتابة أكثر من الفكرة، أعيد تحرير النص عدة مرات. حين أكتب أمارس وظيفة تشبه وظيفة المهندس المعماري الذي لا يغفل عن وجه البناء الجمالي». (ص/ 69)

«الكتابة فن الحذف والاختزال». (ص/70)

«لم أجد نفسي خارج الكتابة منذ أكثر من 45 عاماً تقريباً». (ص/74)

«الكتابة اقتصاد الألفاظ وتدبير الدلالات. الكتابة تحرير النص من عبودية الكلمات الميتة، وأساليب البيان المنقرضة. كل كتابة إعادة كتابة كتابة على كتابة». (ص/ 166)

إن ما يمكن استخلاصه من السابق: كون تشكل شخصية القارئ يتداخل وصورة الكاتب كما سلف، اعتبار بدايات الوعي بالقراءة والكتابة، تحقق منذ سنوات التكوين الدراسي والجامعي، والغاية التأسيس لمنطلقات في التعبير وعلى التفكير تتفرد في خصوصياتها وتصوراتها، وهو ما يلمس في الآثار الفلسفية للرفاعي.

في سؤال السيرة

لعل السؤال الذي يفرض نفسه في نهاية هذه الكتابة النقدية: أترى يتعلق الأمر في كتاب “مسرات القراءة ومخاض الكتابة: فصل من سيرة كاتب” بسيرة محض، سيرة ذاتية، أم أنها سيرة ذهنية؟

إن التحديد الذي أقدم عليه المؤلف، والمتمثل في «فصل من سيرة كاتب»، يجسد ميثاق التعاقد الذي يربط بين المؤلف والقارئ. بمعنى آخر إننا أمام سيرة توازي بين القراءة والكتابة دون أن تشمل تفاصيل ترتبط بالحياة أو الذات برمتها كما مر مطلع هذه الكتابة، ومثلما المتداول والمعهود في السيرة الذاتية العربية التي نزع بعض مؤلفيها إلى ضبطها بالتحديد الدقيق، في حين غيب البعض التحديد، ومنهم من اختار تمرير وقائع ذاتية في كتابة روائية يتعامل معها في هذا السياق.

على أنه وإلى ميثاق التعاقد، فإن الإشارة «فصل من سيرة» تؤكد بأن أفق التلقي المنتظر مستقبلاً، سيكون أمام فصول أخرى تستكمل السيرة وتشمل الغائب مما لم يتم ذكره، وآنئذ تستوفي السيرة بعدها الذاتي في شموليته، ولئن كانت بعض الإشارات الذاتية الحياتية وردت في هذا الكتاب وفق تدقيق زمني صارم.

بيد أن اختيار الأستاذ عبد الجبار لهذه الصيغة، وليد قناعة واقتناع بأن المؤلف قارئ وكاتب بمثابة ذات، وجود وكينونة تنتج وعياً بالثقافي والفكري في ثوابته ومتغيراته. والواقع أن الاختيار يهدف في مستوى آخر من الفهم والتأويل إلى الاختلاف عن السائد في كتابة مادة السيرة، إلى التنويع والإضافة، وهو ما جنح إليه أكثر من كاتب ممن ذكرت سابقاً البعض منهم: «كتابة السيرة بهذا الشكل من أمهر أنواع الكتابة وأكثفها وأثراها. كتابة السيرة تعني إعادة بنائها بوصفها طوراً راهناً لوجود الإنسان يبعث في حياته ولادة مستأنفة». (ص/75)

ويحق أن نضيف بأن الاختيار تمثيل عن إضاءة لجوانب من وفي حياة المؤلف. الفضول يتنازع القارئ الذي عرف الرفاعي من خلال دراساته وأبحاثه، والآن انطلاقاً من هذا الكتاب يخبر ما لم يكن يعرفه، وأقصد صورة القارئ والكاتب. ومن ثم، فإن “مسرات القراءة ومخاض الكتابة: فصل من سيرة كاتب” بمثابة المرآة العاكسة لشخصية المؤلف وتكوينه الثقافي والفكري، إلى أن غدا اسماً علماً يتفرد بموقع ومكانة وتعتمد آثاره مراجع في الأبحاث والدراسات: «كتاباتي مرآة سيرتي الفكرية والروحية والأخلاقية، أكتب تجربتي في الكتابة كما تذوقتها بوصفها تجربة وجود. تجربة الوجود فردية، كل ما هو فردي ليس ملزماً لأي إنسان». (ص/75)

 

عن جريدة الشرق الأوسط، الصادرة يوم 3 أبريل 2024 م.  

[1] كاتب مغربي.

يقدّسُ المتخيّلُ الحيوانَ حين ينامُ العقل

د. عبد الجبار الرفاعي

في محاولةٍ للاحتماء من الاغتراب الميتافيزيقي تنشط فاعليةُ المتخيَّل في إنتاج المقدّس، ولا يكفّ المتخيَّلُ الديني عن خلع القداسة على أشياء دنيوية متنوعة، وكأنه كلّما أمعن في هذه الممارسة وأضاف مزيدًا من المقدّسات خفض شعورَ الإنسان المرير بغربته ووحشته في الوجود. أما ما يقدّسُه المتخيَّل فهو: الإنسانَ، والمكان، والزمان، والحيوان، والنبات، وكائناتٍ متنوعة، بل يمكن أن يقدّسَ أيَّ شيء في الأرض والسماء، وفضلات الحيوان، حتى الحيوانات المؤذية كالأفاعي يمكن أن تتقدّس في بعض الأديان.

‏عندما تشتدّ غربةُ الإنسان في العالم، يعيش حالةَ وحشة من الكائنات في الطبيعة، ‏فيلجأ للمتخيَّل الديني ليقدّس هذه الكائنات، خاصة المخيفة منها كالأفاعي مثلًا، ليشعر بالألفة معها، ولا تعود تثير خوفَه واضطرابه واشمئزازه وذعره. بعد تمثّله تخييليًّا يتقدّس الحيوان المخيف، فيشعر الإنسانُ بالأمان لحظة يراه بفضاء مقدّس، ويتمكن عندئذٍ من التناغم والانسجام معه، وان كانت الأفاعي تظلّ بعد تقديسها لا تفتقر لشيءٍ من الهالة والهيبة والرهبة. المتخيَّل يعيد توطينَها وإدراجَها في فضاء يخرجها من وجودها الحقيقي، بعد أن يخلع عليها صورةً تتنكر لطبيعتها السامّة. وكأن المتخيَّلَ يعقد تسويةً بين الإنسان وبينها، يتنازل الإنسانُ لصالحها فيقدّسها ليأمن عدوانيتَها. المتخيَّلُ يفعل ذلك كما لو أنه يعقد تسوية بين غالبٍ ومغلوب، يتنازل فيها الثاني للأول بغية استرضائه واتقاء ما يصدر عنه مما يهدّد حياةَ المغلوب.

الجغرافيا والبيئة المحلية بكلِّ تعبيراتها وتفاصيلها تؤثر في حياة الإنسان العقلية والأخلاقية والروحية، وشكل تديّنه، ورؤيته للعالم، وثقافته. للبيئة والجغرافيا أثرُهما الواضح في كيفية إنتاج المتخيَّل لنمطِ المقدّس وانتشاره، وكيفيةِ تقديس الأماكن والأشخاص والكائنات والأشياء. تنشط فاعليةُ المتخيَّل وتتضاعف قدرتُه على توليدِ المقدّس وتزايدِ نفوذه واشتدادِ حضوره، باستغلالِ مكان مولد مؤسّسي الأديان واحتضانِه لآثارهم وحوارييهم وأتباعهم الأوائل. المكان الذي ينتمي إليه الإنسانُ، إن كان مقدّسًا، يكتسب من يتوطن فيه شيئًا من القداسة بنظر من يؤمن بهذا المقدّس خارج حدود ذلك المكان. إلى ذلك يعود احتفاءُ مجتمعات كثيرة بأشخاص يعيشون في مدن يعتقدون بقدسيتها، بل تكتسب بعضُ الأشياء قدسيتَها من الوقوع في فضاء ذلك المكان.

لم أعاشر الإنسانَ الهندي ولم أتوطن ببلاده، على الرغم من أني قرأت كثيرًا عن هذه البلاد، منذ وقت مبكر في حياتي، ومازلتُ أتابع ما يحدث فيها، الهند طافحة بالتنوع والعجائب والغرائب. يدهشني الاختلافُ الذي يصل حدّ التضادّ بين الأديان والطوائف والمذاهب والإثنيات والثقافات. تتسع الهندُ لأكبر تجمع بشري على الأرض اليوم[1]، يعيش التعدّد والتنوع بأديانه وطوائفه ومعتقداته وثقافاته ولغاته في دولة واحدة، من دون حروب أهلية مزمنة، ولا هشاشة في الدولة. يبهرني حضورُ الهند الخلّاق في إثراء وتطوير التكنولوجيات المتقدمة في الكمبيوتر والبرمجيات والذكاء الاصطناعي وأمثالها، وأقدّر ما يقدّمه العقلُ الهندي للبشرية من مكاسب ثمينة في الاختراعات والاكتشافات العلمية، بنحوٍ فرض هذا العقلُ حضورَه الهائل في الأكاديميات ومراكز البحوث والمصانع في الغرب وبلدان العالم المختلفة، فضلًا عن مكاسبه في التطور العلمي والتكنولوجي في موطنه.

حتى الإسلام الهندي تميّز بمسارين متوازيين،كلُّ واحد منهما له بصمةٌ لافتة في مجتمعات عالم الإسلام. صار الأولُ مرجعيةً لبناء المقولات المحورية في الأدبيات الأصولية. مقولات مثل “الحاكمية” وغيرها على وفق صياغة أبي الأعلى المودودي ومدرسته، ابتنت عليها واشتُقَت منها آراء ومفاهيم متنوعة تغلغلت في أدبيات الإسلام السياسي. في المسار الآخر نرى للإسلام الهندي بصمةً مضيئة وتأثيرا واضحا في دعوات ومقولات التجديد في عالم الإسلام، فقد اعتُمِدت آراء محمد إقبال في “ختم النبوة” و “الوحي” و”التجربة الدينية” و”الاجتهاد بوصفه مبدأ الحركة في الإسلام”، لبناء الرؤية التجديدية لدى مفكري الإسلام في العصر الحديد في إيران وغيرها.

كذلك يدهشني إنسانُ هذه البلاد حين أرى اتساع فضاء المقدس في عالمه، وكأنه يولد وتولد معه نزعةٌ ميتافيزيقية تلازمه كلَّ حياته، ويولد معه شغفٌ بتقديس الآلهة والأشخاص والكائنات الحية والأشياء. الشخصية الهندية مركبة عميقة متعدّدة الوجوه، المجتمع الهندي تلتقي فيه الأضداد، ويتجلى ذلك باختلاف الأديان واللغات والثقافات وتنوّعها في الهند. يحفل الفضاءُ الميتافيزيقيُّ بتنوّعٍ وتعدّد ديني مُدهش، وتقديسِ أماكن كثيرة في مساحتها الشاسعة، وتفاقمِ نشاط المتخيَّل بنحوٍ خلع المقدّس فيه غطاءَه حتى على بعض الحيوانات كالبقر، وبعض النباتات والكائنات المختلفة في هذه البلاد. في الدين الهندوسي لا يُقتل أيُّ حيون، يحتفي هذا الدينُ وغيرُه من أديان ذلك الفضاء الروحي بالكائنات الحية ويحميها من الإنسان، مستجيبًا لأثر هذه الكائنات في الأرض، لكنه يغالي في ذلك بشكلٍ مهول وأحيانًا مبتذل، بنحوٍ تصير فيه حياةُ الإنسان وعيشُه وحقوقُه وأمنُه مهدّدةً من فتك كائنات حيّة مؤذية.

الإنسان كائن مدهش، يتوق للاستعباد والعيش في كهوف الظلام حين ينام عقلُه. المفارقة أن الإنسانَ يحاول الهروبَ من غربته في العالم بتقديس الحيوانات، فيتورط في اغتراب وعي مريع.كأن هذا الإنسانَ مشلولُ العقل والإرادة حين يتنازل عن إنسانيته، ويقدّم نفسَه عبدًا ذليلًا لحيوان أعجم. وهو في ذلك يتطوع ليسقط في إرهاقٍ مضنٍ يشتدّ فيه عبثُه بذاته، عندما يضحّي بكرامته، واحتياجاته الروحية والنفسية والأخلاقية والجمالية، وما يتطلبه جسدُه، ويصبح خادمًا لحيوان، كالبقرة المخلوقة لتلبية حاجته للغذاء، ولا يتوقف الأمرُ عند هذا الحد، بل يعبث بمحيطه، ويفرط بأمنه وسلامه وكلِّ شيء، لأجل حيوانات أخرى مؤذية أحيانًا.

كانت الأديانُ في المجتمعات كلها ومازالت منجمًا لإنتاج الرموز وإثرائها بالمعاني المتدفقة على الدوام، دلالات الرمز تتدفق كسيلٍ بلا انقطاع. تغرق الأديانُ في متاهات عندما تمعن في جعل الكائن الحي المؤذي مصونًا، بذريعة أنه يرمز لتقديس الحياة، ولا تكترث بمصادرة فرص عيش الإنسان وغذائه، وسلب أمنه، وإهانة كرامته، والفتك بحياته. يشطح الإنسانُ عندما ينشغل بتأويل الرمز خارج مرجعية العقل، ويتمادى فينسج أوهامًا غير معقولة تحت غطاء التأويل، وأحيانًا يتعسف في اختراع دلالات تهدر كرامتَه. غياب العقل ينتهي إلى تضخمِ اللامعقول في حياة الفرد والمجتمع، وتعطيلِ الإبداع والابتكار والإنتاج والبناء. لا يحدث تفشي التقديس، وانتشارُه المهول في الفضاء العام الذي يشلُّ الحياةَ، إلا بتغييبٍ للعقل، وتعطيلٍ للأسئلة العميقة، وإيقافٍ للتفكير النقدي.

[1] سنة 2021 بلغ عدد سكان الهند مليار و408 مليون.

https://alsabaah.iq/93775-.html

 

تضخّم المقدّس واتساعه في المتخيّل

د. عبد الجبار الرفاعي

تتواصل الولاداتُ المتوالية للدين في فضاء المتخيَّل، بعد الخضوع لظروف إنتاج المتخيَّل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والروحية، وما تفرضه الولاداتُ المتسلسلة للدين بتضخم المقدّس فيه مع كلّ ولادة. مفهوم الدين غير مفهوم المقدس، وإن تطابقت كثيرٌ من مصاديق المقدس مع ما يتوالد للدين في المتخيَّل بأزمان لاحقة لزمن المؤسِّس. الدينُ حياةٌ في أُفُق المعنى، تفرضه حاجةُ الإنسان الأبديةُ لمعنى روحي وأخلاقي وجمالي في حياته الفردية والمجتمعية. المقدَّسُ سـر غامض، كنهُهُ مجهول. للمقدَّسِ سحرٌ وهالةٌ، يشعرُ معها الإنسانُ الذي يعتقدُ به بهيبةٍ وسطوة، وصمتٍ ودهشة وذهول أحياناً. المقدَّسُ قريبٌ بعيد، المقدَّسُ قريبٌ يشعرُ معه الإنسانُ كأنه حاضرٌ بمعيته، المقدَّسُ بعيدٌ لا يمكن أن يقبضَ عليه الإنسانُ أو يراه أو يتلمس وجوده، لا يتجلّى المقدَّسُ إلا عبرَ آثاره[1]. تغوّل المقدَّسُ يستنزف الدين ويستهلك طاقاته الخلاقة في منح حياة الإنسان المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي الذي تسعى لحصاده من الدين.

الدين في عصر المؤسِّس لا يتقدّس فيه إنسانٌ أو أيُّ شيء، كما نلاحظ في البوذية وغيرها. بوذا “563 ق.م – 483 ق.م”[2] كان بشرًا، انخرط في حياة التأمل والزهد ليستنير روحيًا، لم يعلن عن أن شخصيتَه مقدّسة، ولم يُشِر إلى تقديس أتباعه المعاصرين له، ولا أية كائنات حيّة أو غيرها. بعد غياب مؤسِّس الدين البوذي نشطت فاعليةُ متخيَّل الأتباع، فصار بالتدريج بوذا مقدّسًا، ونُحتت له تماثيل من الذهب والجواهر النفيسة، وبُنيت معابدُ بأنماط معمارية مدهشة، وبدأ تقديسُ أشياء متنوعة، وتراكمت واتسعت عملياتُ التقديس بفاعلية مكثّفة. وبموازة ذلك اضمحلت تعاليمُ بوذا، وأُعيد إنتاجُها في فضاء التقديس، واختُرعت تقاليدُ صارمة لارتياضِ الرهبان وتكريسِ النفس لخدمة بوذا، وخِيطت أزياء لهم، واقترنت تلك التقاليدُ بطقوس خاصة في معابد مهيبة. في فضاء الجغرافيا المقدّسة للبوذية ينبغي أن تُبنى المعابدُ في أماكن تعدّ مقدّسة. فاعليةُ التقديس في هذه الديانة تسري على غيرها، وفقًا لما يتشاكل مع كلّ ديانة وبيئتها. في الديانة البوذية لم يقدّس مؤسُّسها ذاتَه، ولم يقدّس أيَّ شخص ممَن أتبعه، بعد وفاته مارس البوذيون عمليات التقديس للأشياء والأشخاص والأزمنة والأماكن، ووصلوا هذه الديانةَ الأرضية بآلهة لم ينصّ عليهم بوذا أو تشِر إليهم تعاليمُه.

في المتخيَّل تتعاظم قوةُ التقديس وفاعلياتُها المذهلة، ‏وتتمدّد وتنتشر بسرعة، فيبصم على أشخاص وكائنات وأشياء وأزمان وأماكن ذات صلة بالديانة، فيصير إنسانٌ عاش في زمان مؤسِّس الديانة مقدّسًا، وتتسع الجغرافيا المقدّسة لتستوعب أماكنَ مختلفة بمرور الزمان، ويتمدّد الزمان المقدّس ليضيف على الدوام أيامًا جديدة، وهكذا يتقدّس أشخاصٌ وكائنات وأشياء لم ينصّ عليها كتابُ الديانة.كلما اتسعت مساحةُ المقدّس نضبت قدرة الدين وعجز عن توليه المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي الضروري لسلام الإنسان وسكينته، وبناء علاقات إنسانية تضامنية في المجتمع. كما يصادر المقدَّسُ فضاءَ الحرية تبعًا لتضييق مساحة الدنيوي، وينعكس ذلك على رؤية الفرد والمجتمع للعالَم، وعلاقات الإنسان، واقتصاده ونمط عيشه، وثقافته، وسائر شؤونه. ويشتدّ ذلك إن كانت المجتمعاتُ التي تحتضن المقدّس أميّةً فقيرة تخضع لتراتبية طبقية، واستعملته السلطةُ السياسية في منحها المشروعية، ووظّفت إمكانات الدولة ومؤسسات المجتمع للتبشير به وتغذيته وتكريسه.

مقولة الإنسان الكامل في التصوف مثلًا وُلدت وتضخمت في المتخيَّل، بوصف هذا الكامل كائنًا مقدّسًا. ومادام الإنسانُ بطبيعة نقصه غير كامل، يظل يبحث عن صورة إنسانية للكمال الاستثنائي، فيسعفه المتخيَّل بنحتها ورسم صورتها في ضوء احتياجاته النفسية والروحية والعقلية، وما يفرضه شعورُه بالهشاشة، وحاجتُه للحماية بكائنات ميتافيزيقية محايثة للإلهي، وقادرة على الإتحاد بشيء من أسمائه وصفاته اللامحدودة. تشبّع في الصورة المتخيَّلة للحلاج وأمثاله اللاشعورُ الجمعي، وانعكست على آثار المتصوفة المختلفة وغيرهم. صورة الحلاج المتخيَّلة وأمثاله، وإن وُلدت وتضخمت في متخيَّل المتصوفة، وإن أدرك العقلُ النقدي كونَها صورةً غير واقعية، تتنكر لها الطبيعة الإنسانية الناقصة، لكن قلبَ الإنسان يعشق مثل هذه الصورة المجردة العابرة للزمان والمكان والواقع الذي عاشت فيه، الحلاج المتخيَّل وأمثاله يحتاجه القلبُ، وإن كان العقلُ يكذّب وجودَه بوصفه كائنا أرضيا.

الأسئلة اللاهوتية الكبرى على الرغم من أنها أيقظت العقلَ إلا أنها لا جواب نهائي لها، هذه الأسئلة واحدة في بواعثها ومضمونها، لا تختلف جوهريًّا إلا في تعبير الإنسان عنها وصياغتها تبعا للُّغات، والثقافات، والتطور الحضاري، والعصور، وأنماط العيش وظروف الإنسان المتغيرة. تعدّدت وتنوعت الإجاباتُ عن هذه الأسئلة، وتكاثرت الأديانُ بشكل لافت إثر تعدّد وتنوّع تلك الإجابات، وتظلّ الولاداتُ المتواصلة داخل الدين الواحد للفرق والمذاهب والجماعات، مادامت هذه الأسئلةُ داخل الأديان مفتوحة، لذلك تلجأ الأديانُ لإسكاتها في وقتٍ مبكر بعد صياغة إجابات أخيرة لها، ثم غلقها وإصدار أمر تُلزِم فيه السلطاتُ السياسية والروحية أتباعَ الديانة بالكفّ عن تداولها، ومَن يتورط فيطرحها مجدّدًا، أو يتحدث بجواب لها خارج الأسوار المغلقة لمجموعة الإجابات الممضاة من المؤسسة الروحية للدين، يعدّ مُبتدِعًا وزنديقًا.‏ الأجوبةُ النهائية عن هذه الأسئلة أغلقتها، وعطّلت السؤالَ اللاهوتي وأقفلت آفاقَ التفكير العقلاني، الذي ينشغل بطرح الأسئلة وإنتاج إجابات لها تتناغم مع إيقاع الحياة المتغيّر. فرضت السلطاتُ اجتهادًا واحدًا وعدّته هو الصواب لا غير، وشطبت كلَّ اجتهاد مغاير مهما كان عقلانيًّا، فانعكس ذلك بشيوعِ القول بانحصار الخلاص في دين خاصّ أو فرقة أو جماعة داخل فرقة، وغلقِ الطريق على ولادة أيّ اجتهاد مخالِف يجيب عن أيّ سؤال لاهوتي أساسي. ولو تورط متكلّمٌ فأعلن موقفًا يخالف الموقف المعلَن للسلطة السياسية والدينية يقدِّم رأسَه قربانًا لموقفه. وهذا ما حدث في العصر الأموي مع الجعد بن درهم الذي كان ضحيةَ اتهامه بالقول بخلق القرآن، فذبحه خالد بن عبد الله القسري والي هشام بن عبد الملك على الكوفة، يوم عيد الأضحى سنة 124 ه. قال خالد وهو يخطب لصلاة العيد، كلامًا عنيفًا جاء فيه: “أيها الناس ضحُّوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مُضَحٍّ بالجعد بن درهم؛ إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، ولم يكلم موسى تكليمًا، ثم نزل فذبحه في أصل المنبر”[3]. وبعد تولِّيه الخلافة قتل هشامُ بن عبد الملك غَيْلانَ بن مسلم الدمشقي بطريقة شنيعة، لقوله بحريةِ الإرادة، وآراء تخالف ما تقوله سلطةُ الخلافة ومتكلّموها وفقهاؤها. “اعتقل هشامُ غَيْلانَ، وفي مجلس الخلافة زعق فيه: مد يدك، فمدها غيلان، فضربها الخليفة بالسيف فقطعها، ثم قال: مد رجلك، فمدها، فقطعها الخليفةُ بالسيف الباتر .. وبعد أيام مر رجل بغيلان وهو موضوع أمام بيته بالحي الدمشقي الفقير، والذباب يقع بكثرة على يده المقطوعة، فقال الرجل ساخرًا: يا غيلان، هذا قضاءٌ و قدر! فقال له: كذبتَ، ما هذا قضاء ولا قدر .. فلما سمع الخليفة بذلك، بعث إلى غيلان من حملوه من بيته، وصلبه على إحدى أبواب دمشق”[4]. الجهم بن صفوان من المتكلمين الأوائل، وممن صحب الجعد بن درهم،كان يقول بالتنزيه وامتناع رؤية الله، ويحتج بالآية: “لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ”[5]، ويرى بأن كلام الله صفة فعل وهو مخلوق لله، أمر الوالي نصر بن سيار عبد ربه بن سيسن فقتله سنة 128 ه[6].

بعد عصر المأمون الذي احتضن الاعتزالَ ودعمه، أمسى منذ عصر المتوكل، الذي أقصى المعتزلةَ واحتضن أحمدَ بن حنبل والحنابلة،كلُّ متكلّم يدلي بقول خارج عقيدة الخلافة مُبتدِعًا. وظهر أشدُّ هذه المواقف وأكثرها صرامة حين جرى تقنينُ هذا الموقف التسلطي الاحتكاري بنصٍّ معروف كتبه القادرُ بالله “381 – 442هـ” واشتهر باسم “الاعتقاد القادري القائمي”([7]). تَبَنَّى الميثاقُ الاعتقاديُّ رؤيةَ الحنابلة الاعتقادية، وانحاز بإسـراف إلى مواقفهم، في حين استهدف المسلمين الآخرين، واستباح دماءَ بعضهم لمجرد تمسُّكهم بمعتقد يخالف ما جاء فيه، فمثلًا ورد فيه أنَّ “مَنْ قال إنه [القرآن] مخلوق على حال من الأحوال فهو كافر، حلال الدم بعد الاستتابة منه”([8]). وعندما أخرج القائمُ بأمر الله “الاعتقادَ القادري” سنة 432هـ وقُرئ في الديوان بحضور الفقهاء كان “ممن حضـر الشيخ أبو الحسن علي بن عمر القزويني، فكتب خطه تحته، قبل أن يكتب الفقهاء، وكتب الفقهاء خطوطهم فيه: إن هذا اعتقاد المسلمين، ومن خالفه فقد فسق وكفر”([9]). وذكر ابنُ الجوزي أنَّ القادرَ بالله استتاب المعتزلة سنة 408هـ “فأظهروا الرجوع، وتبرؤوا من الاعتزال، ثم نهاهم عن الكلام والتدريس والمناظرة في الاعتزال والرفض والمقالات المخالفة للإسلام، وأخذ خطوطَهم بذلك، وامتثل يمين وأمين الملة أبو القاسم محمود أمرَ القادر باللّه، واستنَّ بسننه في أعماله التي استخلفه عليها، من خراسان وغيرها، في قتل المعتزلة والرافضة والإسماعيلية والقرامطة والجهمية والمشبهة، وصلبهم وحبسهم ونفاهم، وأمر بلعنهم على منابر المسلمين، وإبعاد كلّ طائفة من أهل البدع، وطردهم من ديارهم، وصار ذلك سنةً في الإسلام”([10]).

[1] الرفاعي، عبد الجبار، مقدمة في علم الكلام الجديد، ط 3، ص 193 – 195، 2022، دار الرافدين ببيروت، ومركز دراسات فلسفة الدين ببغداد.

[2] ذهب بعض المؤرخين إلى أن بوذا شخصية منحولة لا وجود لها، نسج وجودها وديانتها ودورها وتعاليمها متخيّل البوذيين الأوائل.

[3] ابن كثير الدمشقي، البداية والنهاية، ترجمة الجعد بن درهم.

[4] ابن عساكر، تاريخ دمشق، ج:48، ص:186-212.

[5] الأنعام، 103.

[6] ابن كثير الدمشقي، البداية والنهاية، أحداث سنة ثمان وعشرون ومئة.

([7]) طرابيشي، جورج، مصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام. بيروت: دار الساقي، 1998، ص95.

([8]) ابن الجوزي، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، بيروت: دارصادر، ج8: ص109 – 110.

([9]) المصدر السابق، ج8: ص109.

([10]) المصدر السابق، ج7: ص287.

https://alsabaah.iq/92966-.html

غياب دراسة المتخيَّل في كتابات الإسلاميين

  د. عبد الجبار الرفاعي

قدّمتُ ورقةً بعنوان: “الوحي عند ابن عربي وتعدد القراءات، أو الخطاب على قدر فهم السامع” في: المؤتمر اللاهوتي السادس، الذي بحث: “النص القرآني والنص الكتابي: التشكل والحقيقة”، المنعقد بكلية العلوم اللاهوتية والدراسات الرعائية في الجامعة الأنطونية “بيروت”، بتاريخ 24-25/6/2011. أشرتُ في ورقتي إلى الخيال في التراث عند الفلاسفة والعرفاء المسلمين، والمتخيَّل في الدراسات الحديثة، فعقّب أحدُ المشاركين في المؤتمر، ممن يُحذّرون من توظيف مناهج وأدوات الفلسفة والعلوم الإنسانية في دراسة وتمحيص التراث الديني، ويظن أن كلَّ شيء مستودَع في تراثنا، ونحن كسالى لم نكتشفه. اعترض بكلامٍ ملخصه: الخيال موجود في تراثنا، فلماذا نستعير العلومَ الإنسانية الغربية الغريبة عن تراثنا ومجتمعاتنا وهويتنا. فقلتُ له: المتخيَّل غير الخيال بمدلوله الميتافيزيقي المعروف في التراث عند الفارابي والفلاسفة ومحيي الدين بن عربي والعرفاء. المتخيَّل الديني الذي أتحدث عنه يعنى دراسةَ تمثّلات الدين من منظور سوسيولوجي وأنثروبولوجي وسيكولوجي وسردي وتاريخي، في ضوء ما أنجزته المعرفة العلمية من مكاسب ثمينة في هذا الحقل.

مناسبةُ هذا الحديث هي غيابُ دراسة المتخيَّل في تفكير الإسلاميين وكتاباتهم بالمعنى المتداول في علوم الإنسان والمجتمع. معجم المتخيَّل بدلالاته ومجالاته ومباحثه الحديثة غريبٌ على العقل التراثي، لم يألفه هذا العقل، ولم يتجذّر في اللاشعور إلا بمعناه التراثي. لم أقرأ عند الكتّاب الأزهريين والحوزويين ومَن تعلّموا في معاهد التعليم الديني التقليدية، ولا غيرهم من الكتّاب الإسلاميين في خارج هذه المعاهد، دراسات للمتخيَّل الديني وآثاره المختلفة في كلّ مجالات الحياة الفردية والمجتمعية. وكيفية تشكّل المتخيَّل المتشدِّد والعنيف والمتوحش، وكيف نتحرر من هذا النوعَ من هذا المتخيَّل المخيف الذي أنهك مجتمعاتنا، واستنزف طاقاتها، وورط شبابها في متاهات مظلمة، غرقت فيها قلوبُهم في كراهية سوداء، وتخبطت عقولُهم في ليل دامس، وضاعت أحلامُهم واضمحلت نهائيًا.

حاولت الكتابةَ عن هذا الموضوع البالغ الأهمية منذ سنوات في كتاباتي المتواصلة عن الدين وتمثلاته المتنوعة في حياة الفرد والمجتمع. وتحدّثتُ عن أهمية المتخيّل الديني بتفصيلٍ أكثر في كتاب: “مقدمة في علم الكلام الجديد”، وشدّدتُ على ضرورة دراسته بوصفه أحدَ المنابع الأساسية المؤسسة لعلم الكلام القديم، وضرورة عبورها لمن يتطلع لبناء كلامٍ جديد، يهتم بدراسة وتحليل المتخيل، ويتعرف على الوسائل اللازمة والمنابع الضرورية لتشكيل متخيّل آخر يواكب الواقع. ففي الحديث عن الركن الثامن من الأركان التسعة لإشادة الكلام الجديد كتبت: “دراسة المتخيّل الديني وتحليل كيفية تشكله وروافد تغذيته ومديات حضوره في انتاج مقولات علم الكلام القديم. المتخيّل الديني منبع كبيرٌ للبنية الأساسية لعلم الكلام القديم. علم الكلام الجديد يجب أن يهتم بالكيفية التي يتشكل فيها المتخيل ويتوالد، ووسائل اعادة بنائه بالشكل الذي يجعله منبعًا للمعنى الديني الروحي والأخلاقي والجمالي الذي يتناغم ومتطلبات المسلم في عالم تتسارع فيه كل يوم وتيرة التغير والتجدد بنحو مهول”[1]. وتحدّثتُ في الفقرة الأخيرة من الفصل الأول من الكتاب الجديد: “مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث”، تحت عنوان: “في المتخيَّل تولد الأديانُ ولادةً ثانية”، في سياق الحديث عن ضعف حضور دراسة المتخيَّل الديني في الجامعات العراقية، مايلي: “ألحقنا هذه الفقرة بهذا الفصل، لتنبيه الباحثين في علوم الدين في وطننا العراق إلى ضرورةِ الاهتمام بدراسةِ المتخيَّل الديني، وأثرِه وفاعلياتِه الواسعة في تشكّلِ السرديات الدينية وقراءةِ النصوص، وولادةِ الأديان ولادةً ثانية، وكيفيةِ نشأة الفرق والجماعات، والكشفِ عن أن كثيرا من النزاعات والحروب الدينية تعود للاستحواذِ على مصادر إنتاج المتخيَّل الديني، فمَن يمتلك تلك المصادر يمتلك حاضرَ أتباع الدين ومصائرهم”[2].

وأخيرًا بدأتُ أنشر سلسلةَ مقالات في جريدة الصباح البغدادية منذ 17-1-2024، حول الولادة الثانية للدين في المتخيّل، لأن تجاهلَ دراسة أثر المتخيَّل في فهم الدين وتفسير وظيفته أحدُ أبرز الثغرات عند الكتّاب الذين مازالوا يفكرون في السياق المغلق للعقل التراثي هذا العصر. اكتشافُ جغرافيا المتخيَّل وفاعلياتِه ضروريةٌ للكشف عن نشأةِ وتطور الأديان، وأثرِ مخيّلة الجماعة في إنتاج المعنى الديني، وكيفيةِ ولادة وتضخّم مخيلتها في سياق: رغباتها، وأمنياتها، وأشواقها، وأحلامها، وأوهامها، ومسعاها للتعويض عن كلِّ ما تعجز عن إنجازه في عالمها الأرضي، بنحوٍ يمسي ذلك المتخيَّلُ شديدَ التأثير في حياة الفرد والجماعة، وربما يطغى تأثيرُه، فيتسلط عليها ويأسر حاضرَها ومصائرَها.

المتخيَّل الديني متجذّرٌ في اللاشعور الجمعي والفردي، مَن يفكّر بتديّن عقلاني أخلاقي جمالي يظلّ عاجزًا عن إعادة إنتاجه في ضوء رؤيته، لافتقاره إلى الوسائل اللازمة لإنتاجه وتشكّله. المؤسساتُ الدينية والسياسية والمجتمعية هي مَن يمتلك تلك الوسائل، ولا يمتلكها إنسانٌ فرد خارج مجالها. المتخيَّل المغلق ينمو ويزدهر في مناخات التدين الشعبي، الذي لا يألف صرامةَ العقل البرهاني، وتتكدس وتنشط في هذا المتخيَّل فاعليةُ الذاكرة الشعبية والفلكلور والقيم الموروثة. روافد تشكّل هذا المتخيَّل لا تخضع للعقل ولا تستفتي حججَه، ولا تحتاج أدواتِ استدلاته بالضرورة. تهرب من العقل، وتعمل على تحصينِ نفسها بوسائلها الخاصة لئلا يفكّكها ويقوّضها، وهي محصنةٌ منه على الدوام، إذ تحتضنها مشاعرُ يختفي العقلُ فيها وراءَ العواطف والانفعالات والهواجس والمخاوف.

تجاهلُ دراسة المتخيّل، وعدم إدراك الحاجة لإعادة بنائه، يجهضُ المساعي الجدية للتجديد. لا ينجز التجديدُ شيئًا من وعوده من دون ذلك، دراسةُ المتخيّل الديني وتحليلُ كيفية تشكله، وروافد تغذيته، ومديات حضوره في إنتاج المعنى الديني، ضرورةٌ تفرضها عمليةُ التجديد. المتخيَّل المغلق عقبةٌ تجهض كلَّ المساعي الجدّية لإيقاظ المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي في الدين. بالإمكان إعادةُ إنتاجِ المتخيَّل، ولا يتعذر تشكّلُ المجتمع المتخيَّل بالذهن في آفاق رؤيةٍ تجديدية طموحة للدين، مواكبةٍ للوقع ومتطلباته وإيقاعه السريع والشديد التغيير. وأيضًا لا يتعذّر العملُ بجدية على تمكين هذا المتخيَّل وحضوره في الواقع المجتمعي، وإن كانت شروطُ إنتاجه تتطلب جهودًا مجتمعية هائلة تخرج عن قدرة الفرد.

كي ينجز التجديدُ شيئًا من وعوده لا خيارَ إلا بدراسة المتخيَّل في ضوء المعطيات الجديدة للعلوم والمعارف، والتعرف على مجالاته وحدوده وآثاره، وتعبيراته الباهضة في الدولة والسياسة والسلطات المتعددة، والقيم والثقافة والعلاقات الاجتماعية، والعمل على بناء متخيَّلٍ رحب، لا يخشى العقلانية النقدية، وتترسخ فيه القيم الروحية والأخلاقية والجمالية، ويحتفي بالكرامة بوصفها جوهر إنسانية الدين. وهي مهمةٌ لا أظن العقلَ الذي هو مرجعية التجديد يتقنها بمهارة إلا بعد محاولات وجهود مكثفة تتواصل سنوات طويلة.

ما هو متراكم وغاطس في البنية اللاشعورية للمجتمعات في العصور المختلفة لا يمكن التحرّرُ من أسره تمامًا. في ضوء ذلك يظل العملُ على بناء متخيَّلٍ رحب في مجتمعاتنا حلمًا صعب المنال جدًا، لأنه يتطلب وعيًا عميقًا بضرورة النهوض بهذه المهمة العظمى، وتضامنًا واسعًا للمؤسسات المتنوعة في المجتمع، وتوظيفًا محترفًا للثقافة والآداب والفنون ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة، وتعاونًا وجهودًا مشتركة للسلطات المتعددة في مجتمعاتنا، وبالذات السلطتين السياسية والروحية.

في الكتابة عن هذا الموضوع وغيره أقترح إجابات، لم أراهن يومًا على أنها جزمية أو نهائية. القارئ الذكي يتنبه إلى أن كتابتي تحاول إثارةَ الأسئلة، أكثر من تقديم الإجابات الجاهزة. هذه الأسئلة أسئلتي الشخصية، فقد كنت ومازلت مشغولًا بأسئلة الوجود، وأسئلة المعنى. في أسئلتي أفكّر عدة سنوات، وألاحق كلَّ كتاب ومعلومة حولها، وأقرأ كلَّ شيء أظفر به يتناولها، وأسعى لاكتشاف الطرق المتنوعة لتفسيرها والجواب عنها، وأحاول أخيرًا تقديم تفسيري وجوابي. من يراقب سيرتي الفكرية يرى كيف عبرَ عقلي عدةَ محطات ولم يتوقف، بفضل تلك الأسئلة. ليست هذه الرحلة الشيقة عبر المحطات إلا سلسلة دحض للأجوبة الخاطئة عن أسئلة الوجود والمعنى في حياتي.

[1] الرفاعي، عبد الجبار، مقدمة في علم الكلام الجديد، ص 137-140، ط 3، 2022، دار الرافدين ببيروت، ومركز دراسات فلسفة الدين ببغداد.

[2] الرفاعي، عبد الجبار، مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث، ص 110، ط 1، 2024، دار تكوين في الكويت، ودار الرافدين ببيروت.

 

https://alsabaah.iq/92553-.html

قراءة النصوص الدينية في سياق الكرامة والحرية في كتاب: “الدين والظمأ الأنطولوجي”

د. وسام حسين العبيدي[1]

لعلَّ كثرة المقالات، التي تجاوزت 200 مقالة حتى اليوم، ودار كتّابها ولهى حول كتاب: «الدين والظمأ الأنطولوجي»، بوصفه من الكتب التي أمتعتْ وأفادت قارئيها، في قراءة المسألة الدينية قراءة معاصرة، لم تدع المزيد من القول لمن يريد الكتابة عن هذا الكتاب، فما يُراد أن يُقال، قد قيل فيها، ولعلَّ هذا التصوُّر صحيح، في ما لو تمّت مراجعتها بدقّة، ففيها الكثير من التوصّلات التي اتّفق أصحابها عليها بشأن هذا الكتاب ومؤلفه عبد الجبار الرفاعي. وقد لا أجد ثمّة موجبا لي يسوِّغ الكتابةَ عن هذا الكتاب، إلا إذا أردتُ الانطلاق من مُمهِّدات تُتيح لي مخرجا من هذا المأزق، من حيث التلقّي، بوصفهِ يتغايرُ من شخصٍ لآخر، حسب المرجعيات المعرفية التي تُحدِّد جنس النص المقروء، وترسيم حدوده الأجناسية بما يُميِّزُه عن سواه. ومن هنا أجد في هذا الكتاب، منطلقات تسمح لي أنْ أصِف متنَ هذا الكتاب، بأنه يمثِّل نصّا في الرحلة، بمعنى أنَّه يدخل ضمن «أدب الرحلة»، ذلك الأدب الذي يدور حول مشاهداتٍ ينقلها لنا الرحّالة عبر مدوّناتهم، والرفاعي في كتابه «الدين والظمأ الأنطولوجي» كان رحّالة لا على النحو المعتاد عند الرحّالة، إذ يدوّنون لنا مشاهداتهم في الأماكن التي حلّوا فيها، أو التي ارتحلوا إليها، ينقلون لنا عادات وتقاليد وقيم الجماعات التي اختلطوا بها، بل كان رحّالة يجوب في فضاء الذات، وأقاليم المعرفة التي حطَّ فيها ركابه، مستخلصا لقارئه في كلِّ تلك الرحلات الذاتية والمعرفية، دروسا يضعها بين يدي قارئه، عسى أنْ يستفيد منها، ولا يعيد الكرّة التي هدرت من عمر المؤلِّف الرفاعي الكثير، فكان له أنْ يجوب في طيات الذاكرة، في مواقف كانت له في مراحل مختلفة من حياته، منذ نعومة أظفاره، وصولا إلى ما انتهى إليه، وقد لا يُخفي ضيق ذرعه مما كان عليه في السابق من تجارب ومواقف لمن مرّ بهم من أشخاص أو مؤسسات، كان لها الأثر في تحجيم الذات وتقييد إرادتها، ما جعله يُمهِّد لهذا الموقف النقدي من تلكم التجارب في حديثه في بداية كتابه عن (نسيان الذات) محترزا ومتحرِّزا في بداية هذا الفصل من سوء الفهم الذي يطال تحديد دلالة الذات، بما يريد الحديث عنه، وهي الذات الفردية «التي هي قوام الحياة الباطنية للكائن البشري، فمن دونها يفتقد كل إنسان ذاته، ويصير نسخة مكرَّرة متطابقة مع نموذجٍ مُحدَّدٍ مُصاغٍ سلفا، وتجري (نمذجة) الكل في سياق صفات ذلك النموذج وسماته وخصائصه، وكأنَّ الجميع يُسكَبون في قوالب مُتماثلة، تُلغى فيها اختلافاتهم وتمايزاتهم، وتُمحى البصمةُ الشخصية لكلٍّ منهم. هنا يتنازل الفرد عن ذاته، ولا يكون سوى بوقٍ يتردَّدُ فيه صدى أصواتِ الآخرين، فيما يختفي صوتُهُ الخاص». في هذا التوضيح أراد الرفاعي من ورائه إيصال رسالةٍ معرفيةٍ توجز كل ما قطعه من أسفار معرفية خاضها في حياته، وهي الحرّية التي ينبغي لها أنْ تتحقّقَ فيها الذات، الذات لا يرى لها وجودا ولا صيرورة إلا عبر ما تُحقِّقهُ من حرِّيةٍ وتتحقّقَ فيه، وهي في منظوره ليست أمرا ناجزا يمكن أنْ يأخذ أثره بمجرّد التعرّف عليه نظريّا؛ لأنَّ «وجود الحرية يعني ممارستها. الحرية لا تتحقّق بعيدا عن مسؤولية الفرد تجاه ذاته. لحظة تنتفي الحرية تنتفي الذات، إذ لا تغتني الذات وتتّسع وتتكامل إلا بالحرّية». وهو إذ يؤكِّد ما للحرية من أثرٍ في تحقيق الذات، فإنه يُدرك في الوقت نفسه ما للعبوديةِ من هيمنةٍ على مسيرة الإنسان بصورةٍ عامة، في جعله مُكبّلا في مواقفه وآرائه لآخرين، معبّرا عن تلك العلاقة الضِدِّية بالجدل الذي لا ينتهي بين المقولتين، إلا أنَ الطريف في نظرته لتلك الجدلية العقيمة، أنّه ذهب إلى ما ورائها، باستنتاجه «أنَّ هذا الجدل هو مصدر الحركة، ومولِّد الطاقة لاستمرار الحياة. وكأنَّ هذا الكائن مجبورٌ في حرّيته، بقدر ما هو مجبورٌ في عبوديّته، ذلك أنَّ الكائن البشري في توقٍ أبديٍّ للحرية، فهو لا يكون إلا بالحرية. لو لم تطارده عبوديته على الدوام فلن يتطلع للحرية، الحريةُ بطبيعتها في صراعٍ أبديٍّ مع العبوديّة»، هذه النظرةُ الإيجابية للعبودية بوصفها واقعا تاريخيّا مر على البشرية وما زال، لا يعني الارتهان إليه، بمقدار الانطلاق منه إلى ما يُحقِّق للذات وجودا وهويّة، وأعني به الحرّية. وهي تُذكِّرنا بالنظرة الإنسانية التي أشار لها الكثير من المدوّنات في الأديان السماوية أو الوضعية، ولعل واحدة من مقولات شمس الدين التبريزي وهي: (لولا المرض ما عرفنا الصحة، ولولا الظلام ما عرفنا النور، ولولا المعاناة ما عرفنا السعادة، ولولا الفراق ما عرفنا الحب)، تُذكِّرنا بفحوى ما أشار إليه الرفاعي في نظرته الإيجابية لتلك العلاقة الجدلية بين مقولتي الحرية والعبودية، إلا أنه لا يكتفي في بيان هذه النظرة الإيجابية، فيضع لنا اشتراطات الحرّية وما ينبغي تمهيده لتحقيقها، وما تؤدِّي إليه من مآلات، وكأنه ينفي مسبقا سوء الفهم لمن يتصوَّر عبر هذه الجدلّية أنَّ كلا المقولتين متوازنتان قوّة وتمثّلا وتأثيرا، وذلك في قوله: «الحريةُ أشَقُّ من العبوديّة؛ ذلك أنّها: إرادةٌ، وحضورٌ، واستقلالٌ، وشجاعةٌ، ومسؤوليةٌ، وخيارٌ إيمانيٌّ، وموقفٌ حيال الوجود. أنْ تكون حُرّا فهو يعني أنَّكَ تُواجهُ العالمَ كلَّهُ، وتتحمَّلُ كلَّ شيءٍ وحدَكَ، العبوديّةُ: هشاشةٌ، وغيابٌ، واستقالةٌ، وخضوعٌ، وانقيادٌ، وتفرُّجٌ، وتبعيَّةٌ، ولا موقف، ولا أباليّةٌ، ولا مسؤوليةٌ. أنْ تكونَ عبدا يعني أنَّكَ لستَ مسؤولا عن أيِّ شيءٍ، حتّى عن نفسِكَ». هذه اللغة البيانية الشفيفة التي تذكِّرنا بخطاب الفرنسي إيتيان دو لابوسي في كتابه الشهير: «مقالة العبودية الطوعية» وهو يفرِّق بين الحرِّية والعبودية، من حيث أثر كلِّ واحدٍ منهما على من يتمثّلهما سلوكا وموقفا في حياته، بقوله: «إنَّ الشجعان لا يهابون الخطر أبدا في سبيل نيل الخير الذي يبتغون، ولا يرفض ذوو الفطنة مكابدة المشقَّة مطلقا، أما الجُبناء والخاملون، فلا يعرفون مكابدة الألم ولا السعي إلى الخير، فيقفون من المكارم عند التمنِّي، أما فضيلة الإرادة فمنتَزَعةٌ منهم بسبب تخاذلهم. وأَمَّا الرغبةُ في الخيرِ فتظلُّ لديهم بفعل الطبيعة، تلك الرغبة، بل تلك الإرادة المشتركةٌ بين الحكماء والأغبياء، وبين الشجعان والجبناء، للتوق إلى كلِّ الأشياء التي تجعلهم، باكتسابها، سعداء ومغتبطين: يبقى شيءٌ واحدٌ لا يقوى الناس على تمنِّيه، ولا أدري لماذا؟ إنه الحرِّية، وهي نعمةٌ كبيرةٌ ومُمتِعةٌ جدّا، فإذا فُقِدَت تتوالى الويلات، وتفقد النِعَمُ بعدها كلَّ طعمها ومذاقها، لأنَّ العبوديّةَ أفسَدَتها».

وعودة إلى ما انتهى إليه الرفاعي أعلاه، نجده يُلخِّص بإيجاز، سبب اختيار العبودية، على ما فيها من مآلات وخيمة على الذات، تعصف بوجودها الواعي المُدرَك، بأنَّ «الناس بطبيعتهم ينفرون من التفكير، ومن كلِّ ما يُوقظ العقلَ من سُباته، لذلك يُفتِّشونَ على الدوام عمَّن يُفكِّرُ عنهم بالنيابة، فيعودونَ في كلِّ شيءٍ يسيرٍ أو خطيرٍ في حياتهم إلى منْ ينوبُ عن عقلهم. من لا يُدرِّبُ عقلَهُ على التفكير لن يتعلَّمَ الاستقلالَ في التفكير. لا نتعلمُ التفكيرَ إلا بالإدمانِ على التفكير»، وهي الحقيقة التي أراد الرفاعي استظهارها في كلِّ ما خاضَ فيه من مواقف وتجاربَ عبر محطّات حياته التي يعرفُها من خبرَ سيرته عن قرب، ما جعله وفقا لتلك النتيجة أنْ يخرجَ من طوق الجماعات التي آمنَ بطروحاتها في المرحلة العمرية المبكرة من حياته، محافظا على ما تبقّى من ذاته، بل مُعيدا صياغتها وفقا لتراكمٍ من التجارب الثريّة بالدروس، مرتحلا إلى خطابٍ إنسانيٍّ داخل المنظومة القيمية الإسلامية، أرحبَ من خطاب تلكم الجماعات، وهو خطابٌ يرحِّلُ فكرة الجماعة/ المذهب/ الفرقة الناجية، إلى غير رجعة من منطلقات أفكاره التي يسعى لترويجها الآن، في ما صدر عنه من مؤلفات، لأنَّه لا يرى في أدبيات الجماعات والأحزاب مهما اختلفت توجّهاتها سوى نسخةٍ واحدةٍ تتكرّر من حيث المضمون الذي يُكرِّس ذوبان الذات في الجماعة: «أما قيمة الفرد، ومكانتُهُ، وحاجاتُه الذاتية، الروحيّة، والعاطفية، والوجدانيّة، والعقليّةُ، فلا أهميّةَ لها، إلا في سياق تموضعها في إطار هذا المركَّب، الذي هو الجماعة ومتطلّباتُها»، وهذا ما يسعى الرفاعيِّ إلى مناهضته بكلِّ ما أوتِيَ من ثراءٍ معرفيٍّ أتاح له الخوضُ بعُمقٍ ودراية في مثابات متنوِّعة في مجالاتها المعرفية لكشفِ الباطن النفسي، والتمظهر الاجتماعي عند ممثِّلي تلك الجماعات في القديم والحديث، فضلا عن استعراض مواقف من سيرته تكشف لنا ما كان لتلك السيرة من أثرٍ عميق في تشكيل الذات وصياغتها، بما جعل كتابه رحلة تجمع بين المعرفيِّ والجغرافي منها، ويُقدِّمُ لنا من خلالها ضروبا من الخلاصات الضرورية لقراءة الدين ونصوصه في سياق يحفظ كرامة الإنسان وحريته، ولا يسحق الذات في التخندق الهويّاتي بعيدا عن روح الدين. لعل هذه الفكرةَ هي الأساس في هذا الكتاب.

[1] أستاذ في كلية الإمام الكاظم / بابل، متخصص في الادب العربي القديم ونقده.