تمت يوم الخميس 11-6-2026، مناقشة الرسالة التي قدّمها الطالب مخلوف شمس الدين في كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة عبد الحميد مهري – قسنطينة 2 في الجزائر، بعنوان: “علم الكلام الجديد في فكر عبد الجبار الرفاعي: من العقدية التقليدية إلى الروحانية المعاصرة”. وقد مُنحت الرسالة تقدير “جيد جدًا”.

هذه الرسالة هي الحادية والثلاثون في تسلسل الرسائل المنجزة لدراسة مشروع عبد الجبار الرفاعي في تجديد الفكر الديني في جامعات عراقية وعربية وأجنبية.

 وفيما يأتي قائمة بما تمت مناقشته حتى اليوم:

 أولا. الدكتوراه:

  1. الفكر الإسلامي المعاصر والتجديد في علم الكلام: عبدالجبار الرفاعي أنموذجا، اطروحة دكتوراه، صافية مناد،كلية العلوم الاجتماعية في جامعة وهران بالجزائر، 2020.
  2. النزعة الإنسانية في الفكر العربي المعاصر عند حسن حنفي وعبد الجبار الرفاعي، اطروحة دكتوراه، حسين علي منصور، كلية الآداب بجامعة بغداد، 2024.
  3. في تأويلية علم الكلام: قراءة زمانية مركبة في أعمال يمنى طريف الخولي وباسل الطائي، وعبد الجبار الرفاعي ومحمد إقبال، إيمان مخينيني، أطروحة ما بعد الدكتوراه، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة سوسة في تونس، 2023.
  4. الموقف من التصوف الإسلامي في الفكر العربي المعاصر: من العراق هادي العلوي، وعبد الجبار الرفاعي، ومن مصر زكي نجيب محمود، وعبد الرحمن بدوي، ومن سوريا طيب تيزيني، وأدونيس، ومن المغرب محمد عابد الجابري وطه عبدالرحمن، اطروحة دكتوراه، رغد سليم داود، كلية الآداب في الجامعة المستنصرية ببغداد، 2024.
  5. نقد العقل التراثي، جيل ما بعد محمد باقر الصدر في العراق: “عمار أبو رغيف، كمال الحيدري، يحيى محمد، عبد الجبار الرفاعي”، اطروحة دكتوراه، علي المدَن، جامعة الأديان والمذاهب بقم، 2016.

ثانيا. الماجستير:

  1. التجديد في الفكر الإسلامي المعاصر: الدكتور عبد الجبار الرفاعي أنموذجا، مروة حسن فرحان الأعرجي،كلية الآداب بجامعة الكوفة، 2017.
  2. تفكيك بنية التعصب في الفكر الإسلامي: الدكتور عبد الجبار الرفاعي أنموذجا، علي قاسم محمد، كلية العلو الإسلامية بجامعة بغداد، 2018.
  3. النزعة الإنسانية في علم الكلام الجديد عند عبد الجبار الرفاعي، أحمد لقمان فهمي، المعهد العالي للحضارة الإسلامية، جامعة الزيتونة، 2019.
  4. علم الكلام الجديد عند عبد الجبار الرفاعي: عرض ومناقشة، راضية نوري، وفاء بن قطران، معهد العلوم الإسلامية بجامعة الشهيد حمه لخضر في الوادي بالجزائر، 2020.
  5. الانهمام بالإنسان في علم الكلام الجديد: عبد الجبار الرفاعي نموذجا، بن شليخ مريم،كلية العلوم الاجتماعية في جامعة عبد الحميد بن باديس في مستغانم بالجزائر، 2021.
  6. التجديد الديني في الفكر الشيعي المعاصر: عبد الجبار الرفاعي أنموذجا، طارق أمين، كلية الآداب والفنون والإنسانيات بجامعة منوبة في تونس، 2022.
  7. التجديد في علم الكلام الأسلامي: عبد الجبار الرفاعي أنموذجا، أسعد صباح شنان،کلیة الفلسفة بجامعة الأدیان والمذاهب في قم، 2022.
  8. مسألة الكرامة الإنسانية في علم الكلام المعاصر بين مشروعي عبد المجيد النجار وعبد الجبار الرفاعي، مسعودة الأعور، مروة عـــــزوز، معهد العلوم الإسلامية بجامعة الشهيد حمه لخضر الوادي، 2022.
  9. فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد عند عبد الجبار الرفاعي، سهيلة شريكي، كلية العلوم الإنســـانية والاجتمــــاعية بجامـــــعة محمد بوضيـــــاف – مسيـــلة في الجزائر، 2022.
  10. الإنسان بين علم الكلام القديم وعلم الكلام الجديد: الراغب الأصفهاني وعبد الجبار الرفاعي نموذجا، هاجر فرزولي، كلية العلوم الإسلامية، جامعة باتنة -1 الحاج لخضر، الجزائر، 2023.
  11. تجديد علم الكلام الجديد عند عبد الجبار الرفاعي، حراث أنغام، مشري روفيدة، كلية العلوم الإنســـانية والاجتمــــاعية بجامعة الشهيد الشيخ العربي التسي بتبسة، الجزائر، 2023.
  12. الكرامة الإنسانية في فكر الدكتور عبد الجبار الرفاعي من خلال كتابه الدين والكرامة الإنسانية، زينب بشار أحمد الخفاف، كلية العلوم الإسلامية بجامعة الموصل، 2023.
  13. مبادئ تفسير القرآن عند الدكتور عبد الجبار الرفاعي: دراسة نقدية،كلية العلوم والمعارف القرآنية في جامعة الاديان والمذاهب بقم، 2023.
  14. النزعة الإنسانية في علم الكلام الجديد: دراسة مقارنة بين محمد أركون وعبد الجبار الرفاعي، داود سالم عيسى حسن،کلیة الفلسفة بجامعة الأدیان والمذاهب في قم، 2023.
  15. مفهوم الوحي عند عبد الجبار الرفاعي وحيدر حب الله، سرى مقداد شاكر،كلية الآداب بجامعة بغداد، 2024.
  16. فلسفة الدّين في فكر عبد الجبّار الرّفاعي: أنسنة الإسلاميّات أم أسلمة الإنسانيّات؟، روي روبير عيد، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجامعة اللبنانية، 2024.
  17. التحربة الدينية في علم الكلام المعاصر: عبد الجبّار الرّفاعي أنموذجا، مريم عزيز عبد، كلية الآداب، جامعة واسط بالعراق، 2024.
  18. موقف عبد الجبار الرفاعي من التراث الكلامي الإسلامي: عرض ومناقشة، شروق محمد محمد هاشم بصرة، كلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر، 2024.
  19. الإنسان ومشكلة المعرفة في فكر الدكتور عبد الجبار الرفاعي، منال عوني عبد الخالق غنيم،كلية الآداب بجامعة طنطا، مصر، 2025.
  20. آفاق فلسفة الدين عربيا: عبد الجبار الرفاعي انموذجا، بلبية فريحة، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، بجامعة ابن خلدون، في مدينة تيارت، غربي الجزائر، 2025.
  21. التجربة الدينية دراسة مقارنة بين محمد إقبال وعبد الجبار الرفاعي، فاطمة صالح عزيز، كلية الامام الكاظم ببغداد، 2025.
  22. 27. سؤال التجديد في علم الكلام الجديد: عبد الجبار الرفاعي انموذجا، اعداد: شيماء قدح، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية في جامعة محمد بوضياف المسيلة في الجزائر، 2025.
  23. أثر الهرمنيوطيقا في فهم النص الديني عند عبد الجبار الرفاعي، ميس السراي، كلية التربية للعلوم الإنسانية، جامعة واسط بالعراق، 2025.
  24. تجديد الفكر الفلسفي والديني لدى عبد الجبار الرفاعي”، بلال الحمداني، كلية الإلهيات في جامعة دكوز ايلول في مدينة ازمير، تركيا، 2026.
  25. منهج الدكتور عبد الجبار الرفاعي في كتابه مقدمة في علم الكلام الجديد، محمود الطائي، كلية العلوم الإسلامية، جامعة الموصل، 2026.
  26. علم الكلام الجديد في فكر عبد الجبار الرفاعي: من العقدية التقليدية إلى الروحانية المعاصرة، مخلوف شمس الدين، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة عبد الحميد مهري، قسنطينة 02، الجزائر، 2026.

 

 

 

عبد الجبار الرفاعي .. مفكر أم مثقف؟

أ. د. محمود محمد علي[1]

المفكر والمثقف يبدوان للوهلة الأولى متشابهين، لكن بينهما فروق في الوظيفة وطريقة التعامل مع المعرفة والواقع. المفكر، حسب اعتقادي، هو ذلك الرجل الذي يتمتع بمواهب لا تنكر، وطلاقة فلسفية حقيقية، بحيث يفرض على الجميع أن يكون أحد الأسماء المهمة واللامعة في فكرنا المعاصر، وأن يسهم بقسط وافر في بناء هذا الصرح، بحيث تكون اللبنات الفكرية التي يضعها بمثابة الأساس الذي يبني عليه الكثيرون، وألا يكون مجرد مفكر يدعي أنه نذر حياته للبحث عن الحكمة متذرعًا بمبادئ الحق والخير والجمال، بل لا بد أن يكون إنسانًا في تفلسفه، وفيلسوفًا في إنسانيته.

علاوة على ذلك، فإن المفكر في نظري يجب أن يتمتع بصفات أخرى، منها: أن يكون مغامرًا لا يحده خوف، ومناضلًا لا تتعبه خيبة، ومقاومًا لا تكسره شراسة الأيام، وأن يخوض بمفرده أشرس المعارك الفكرية، وأن يتحمل ما يكفي من معاناة أزهرت فيما بعد كتبًا لم تكن في الحسبان، بحيث يكون سلاحه الاحتراف والاشتغال على الذات، وأن يكون صاحب فكر متقد انتهج النقد سبيلًا، والتجديد أسلوبًا، والكشف عن المنسي هدفًا، وألا يرضى بالبكاء على الأطلال، ولا التغني بنهضة سبقت، إنما يسن قلمه وينهض بنفسه في حراك لا يهدأ، سفرًا وبحثًا وإنتاجًا، وأن تكون له حركة هادرة لا تعرف الراحة، وأن تكون لديه القدرة على الدوران في المعنى، والاستنطاق المستدام الذي لا يعرف السكون، وأن يكون جيشًا من الفاعلين، وأن يكون مبدعًا في أكثر من مجال، وكأنه مركز أبحاث أو خلية نحل.

بينما نجد المثقف يتميز بعدة ميزات من أهمها :

1- المثقف شخص يكوّن عبر سنوات عمره مخزونًا معلوماتيًا يحوي بيانات ومعلومات وأفكار المفكرين والمتخصصين والفلاسفة وغيرهم. فهو شخص يحمل العلم، لكنه لا يصنعه أو يصوغه أو يخلقه أو يبدعه.

2- المثقف وسيط بين المعرفة والمجتمع، يقرأ ويطلع على الفلسفة والأدب والتاريخ والعلوم الاجتماعية، ثم يعيد صياغة هذه المعارف في شكل خطاب موجه إلى الجمهور، مثل المقالات والمحاضرات والدروس المميزة والبرامج الإعلامية والمحاضرات الثقافية وغيرها.

3- المثقف ينشر الوعي ويدخل الأفكار في الفضاء العام، ويحول النقاش النظري إلى قضية رأي عام. قد يكون المثقف مبدعًا في أسلوبه ومناقضًا للواقع، لكنه غالبًا ما يعتمد على رصيد فكري أنتجه آخرون، ثم يعيده في ثوب سياق اجتماعي محدد.

مع ذلك، فالعلاقة بين المثقف والمفكر ليست علاقة قطيعة تامة. في أحسن الأحوال يتداخل الدوران، وذلك حين يخرج المثقف من برجه النظري ليخاطب المجتمع، ويكون المثقف مفكرًا عندما يتجاوز مجرد التعليق على الأحداث إلى إنتاج أسئلة جديدة وهدم بنى فكرية راسخة. لكن التمييز بين المفهومين يبقى مهمًا لكي نفهم أن امتلاك رصيد معرفي واسع، أو الظهور في الإعلام، لا يعني بالضرورة أن صاحبه مفكر، وأن العمل الفكري لا يقاس بعدد المتابعين، بل بقدرة الفكرة على إعادة تشكيل طريقة فهمنا للعالم.

في اعتقادي أن عبد الجبار الرفاعي (مع حفظ الألقاب) مفكر من طراز فريد، ووريثًا لسلسلة من المفكرين العراقيين النوابغ، أمثال: هبة الدين الشهرستاني، ومحمد رضا المظفر، ومحمد باقر الصدر، وغيرهم من الذين آثروا الخروج بفكرهم واجتهاداتهم عن الخط التقليدي الذي يغلب في خطابه العقلي الفلسفي على النقل. وذلك من حيث مناشدته في كل كتاباته التي كتبها لفكرة التغير الجذري الرامية إلى إحداث خلخلة الثوابت الجامدة، وزعزعة الأفكار السائدة، وتأسيس نوع من الانقطاع الإبستمولوجي بين المعارف القديمة من جانب، والمعارف الجديدة من جانب آخر، مستهلًا الجديد الجذري الذي يطرح سؤال المستقبل بقوة على الفكر، نفيًا لتقاليد الأتباع، وتأسيسًا لقيم الابتداع.

لقد كان عبد الجبار الرفاعي بارعًا في ذلك، سيما أنه نجح في تقديم أعسر الأفكار على الهضم العقلي للقارئ العربي في عبارات أدبية مشرقة، وفكَّ أصعب مسائل قضايا العقيدة، وجعلها في متناول قارئ الصحيفة اليومية. واستطاع بكتاباته أن يخرج علم الكلام الجديد من بطون الكتب وأروقة المعاهد والجامعات، ليؤدي دوره في حياتنا الفكرية المعاصرة، وذلك من خلال سعيه إلى تقديم قراءة تأويلية إنسانية للنصوص، بعيدة عن التوظيف الأيديولوجي والسياسي، تهدف إلى استعادة البعد الروحي والأخلاقي والجمالي للدين، وذلك ضمن تجربة ورؤية واعية ومركبة، ومسلحة بمعرفة تراثية وعصرية، تكره الخضوع لآليات المناهج الفلسفية والمنطقية التي لا تفصل بين الديني والدنيوي، أو بين المقدس والمدنس.

لذلك تميز المشروع العقدي عند عبد الجبار الرفاعي، كما قال كاظم عبد النبي لعيبي وعلي عبد الهادي المرهج، برؤية نقدية تتناول جذور الأزمات الفكرية التي أنتجت خطاب العنف، مع تأكيده على ضرورة تجديد آليات التفكير الديني لتكون أكثر انسجامًا مع المتغيرات الحضارية والإنسانية.كما يعد من الأصوات القليلة التي سعت إلى تفكيك العلاقة بين الدين والأيديولوجيا، محذرًا من مخاطر التوظيف السياسي للنصوص في إذكاء الصراعات. ويبرز في فكره اهتمام خاص بالبعد الإنساني للدين، إذ يرى أن الأديان جاءت في جوهرها لترسيخ قيم الرحمة والعدل وصون كرامة الإنسان. ومن هنا تكتسب دراسة مشروعه أهمية خاصة في ظل التحديات الراهنة التي تواجه المجتمعات العربية والإسلامية في التصدي للفكر المتطرف.

عبد الجبار الرفاعي مفكر وفيلسوف عراقي معاصر، ولد عام 1954 في محافظة ذي قار بجنوب العراق. يُعنى بقضايا تجديد علم الكلام والفكر الديني، ويُعرف بدعوته إلى أنسنة الدين وتطوير الفكر الديني ليكون أكثر انفتاحًا على قيم الرحمة والحرية والعقلانية. نشأ في بيئة دينية ريفية، ودرس العلوم الدينية في الحوزة العلمية والجامعات، وله مؤلفات عديدة في الفكر الديني وفلسفة الدين.

والسؤال الآن: ما مبرراتي وإصراري على جعل عبد الجبار الرفاعي مفكرًا من الطراز الأول؟

أعتقد أن ذلك يعود إلى عدة أسباب، من أهمها:

أولا: أن عبد الجبار الرفاعي من المفكرين الذين جعلوا من إنتاج الأفكار مهمتهم الأولى، وذلك حين انطلق في مشروعه في فلسفة الدين بأجزائه المتعددة من أسئلة كبرى حول الإنسان والمجتمع والمعنى، ويشتغل على بناء مفاهيم جديدة أو تفكيك مفاهيم سائدة، مستخدمًا أدوات الفلسفة والنقد والتحليل المنهجي.

ثانيًا: أن ما يميز عبد الجبار الرفاعي أنه لا يكتفي بنقل المعرفة أو تلخيصها، بل يحاول إعادة بناء الإطار النظري نفسه، حيث يبتكر ويشكك ويعيد الصياغة ويقترح رؤى بديلة. لذلك كثيرًا ما نجده في صراع مع السائد واللغة اليومية، ومع البنى الراسخة في الثقافة والدين والسياسة.

ثالثًا: أن عبد الجبار الرفاعي منتج للمعنى، وليس ناقلًا ومنظمًا ومفسرًا له؛ لذلك فهو يهتم بالبنية العميقة للفكرة والأسئلة الأولى مثل: ما الحرية؟ وما الحقيقة؟ وما العدالة؟ ما الدين؟ ما الإنسان؟ وغيرها. لم يهتم بترجمة هذه الأسئلة إلى مواقف وممارسات، مثل: كيف ندافع عن الحرية في هذا البلد، أو كيف نصلح التعليم، أو كيف نواجه الاستبداد والفساد.

رابعًا: أن عبد الجبار الرفاعي غالبًا ما يظهر في كتاباته ومقالاته على المستوى النظري التجريدي، لا العمومي العملي؛ لذلك كثيرًا ما أجد لديه حديثًا عن علاقة بالسلطة والجمهور. الرفاعي غالبًا ما يكون معزولًا، يعمل في صمت، ويكتب نصوصًا قد يصعب على الجمهور الواسع قراءتها، لأنها تفكك المسلمات، وتستعمل لغة مفهومية دقيقة.

خامسًا: إن عبد الجبار الرفاعي يصر دائمًا على أن يجعل دوره كمفكر متصلًا بحركة الحياة، وهداية المجتمع، وتغيير الإنسان وإنضاجه أو تحسين حاله. وفي الوقت نفسه، أراه يتقمص وظيفة المثقف والعالم، الرامية إلى إدارة الحياة، ودفع المجتمع إلى التقدم، وتحصيل القوة والمنفعة والرفاهية، وتحسين أوضاع الإنسان.

سادسًا: أن وظيفة المفكر تتصل بحركة الحياة، وكأن عبد الجبار الرفاعي كان مصرًا على تأكيد قول علي شريعتي في كتابه “العودة إلى الذات” (2006)، بأن السمة البارزة فيه هي معرفة مجتمعه معرفة حقيقية ومباشرة، ويحسن التفاهم مع قومه، ويتقن معرفة عصره، ويعيش الإحساس بآلام العصر، ويدرك في أي مرحلة من التاريخ يعيش مجتمعه، ويكون واعيًا بزمانه الاجتماعي.

سابعًا: إن أهم ما يميز فكر عبد الجبار الرفاعي أيضًا هو ما أسماه علي حرب في كتابه “أوهام النخبة أو نقد المثقف” (1996م) بـ”جبهة الممتنع”، ويقصد به ما يتصل بعالم الفكر والتفكير. لذلك يهتم الرفاعي بتفكيك العوائق الذاتية للفكر، كما تتمثل في عادات الذهن، وقوالب الفهم، وأنظمة المعرفة، وآليات الخطاب، وكأنه في النهاية مفكر صانع أفكار، أو مبتكر مفاهيم، أو خالق بيئات مفهومية. لذلك لم أكن مبالغًا حين نعتُه بأنه: “نحّات المفاهيم الجديدة”.

ثامنًا: من الأمور التي جعلتني أصف عبد الجبار الرفاعي بأنه مفكر من الطراز الأول نقدُه لأدلجة الدين، من خلال قضية ترحيل الدين من مجاله الأنطولوجي العميق إلى سياقات وظيفية ضيقة يُستلب فيها ويُسخَّر لخدمة أهداف محدودة، ما يميت رحمانيته ورحابته الأنطولوجية، ويجعله أكثر عنفًا وانغلاقًا ونبذًا للآخر. ومن هنا جاء نقده لـ علي شريعتي تحت عنوان: “المثقف الرسولي علي شريعتي: ترحيل الدين من الأنطولوجيا إلى الأيديولوجيا”. ونفس الشيء يُقال عن حسن حنفي حين اختزل الدين في الأيديولوجيا.

تاسعًا: كذلك لا ننسى براعة عبد الجبار الرفاعي في تأسيس فهمه للدين على: إعادة تعريف الإنسان، وإعادة تعريف الدين، وإعادة تعريف الوحي والنبوة، وإعادة قراءة نصوصه في أفق العصر، وإعادة تحديد وظيفته في الحياة، والكشف عما يمكن أن يقدمه الدين للإنسان من احتياجات روحية وأخلاقية وجمالية، وما يترقبه الإنسان من عواطف ورفق، وما يمنحه للروح من سكينة، وللقلب من طمأنينة. في ضوء ذلك يعيد الرفاعي تعريفه الخاص للدين، بوصفه شفقة ورحمة تمنحها الأديان للحياة، فيراه في كتاباته: “حياة في أفق المعنى” استجابة لحاجة الإنسان إلى المعنى.

عاشرًا: وأخيرًا وليس آخرًا، أرفع القبعة لـ عبد الجبار الرفاعي في جمال دعوته نحو تعريف منظور حداثي للدين، حيث انتقل فيه الرفاعي من كون الدين منظومة مغلقة من الأحكام والطقوس إلى كونه تجربة وجودية مفتوحة تستجيب لحاجات الإنسان في أبعاده العميقة. فحين يعرف الدين بأنه “حياة في أفق المعنى”، فهو يعيد ربطه بالأسئلة الكبرى للوجود، ويخرجه من أسر الصراعات الأيديولوجية أو التفسيرات الجامدة إلى فضاء أرحب يلتقي فيه الروحي مع الجمالي والخلقي مع الإنسان… وللحديث بقية..

[1] مفكر مصري.

الرفاعي سفير الروح والأخلاق والجمال

بهاء سوادي[1]

أقرأ لعبدالجبار الرفاعي منذ سبعة أعوام، وأنا من أشد المتأثرين به. تلك الإثارة الأولى التي انبثقت في حياتي مع الإلهام العميق لقراءاتي في الدين وقضاياه، ما كانت لتبلغ غايتها في اكتشاف المعنى، لولا ما أتاحته كتابات الرفاعي من أفق رحب، وما فتحته رؤيته الأخّاذة للدين من دروب تقود إلى تجربة أعمق في الفهم والعيش. الرفاعي سفيرٌ معنويٌّ لحياةٍ روحيةٍ، أخلاقيةٍ، جمالية. وأقصد بـ”السفير المعنوي” أنه ينهض بدورٍ يتجاوز التنظير الأكاديمي، إذ يمنح العالم رؤية تفتح أفقًا يُعيد فيه الدين اكتشاف معناه، بوصفه طاقة حب وجمال وأخلاق، بعد أن أثقلته صور التهويل والتخويف. هذه الثلاثية: الروحية، والجمالية، والأخلاقية، تشكّل الأعمدة التي يرتكز عليها مشروعه في إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين، ليغادر به المجال الأيديولوجي إلى الأفق الأنطولوجي، وينتقل من القوالب الشكلانية إلى المعنى الجوهري، ومن التنظير السطحي إلى رؤية نقدية عميقة تُنصت إلى حاجة الإنسان للمعنى.

تتردد كلمات: روح، أخلاق، جمال، معنى، ومعنى المعنى، بكثافة في مؤلفات الرفاعي، كأنها المفاتيح التي يفتح بها أفق رؤيته للدين والإنسان. الإنسان عنده تعبير عما يختزنه في داخله، لذلك يمنح الآخرين الجمال والمعنى بوصف ذلك انفتاحًا لروحه، التي لا تحتمل الاكتظاظ بما امتلأت به، فتفيض به حضورًا في العالم. سألتُه مرة عن هذا الحضور الكثيف لمفردة “المعنى” في كتاباته، فقال: “الدين حياة في أفق المعنى، الدين والحب كلاهما محاولات لإنتاج معنى لحياة الإنسان. لا يستطيع الإنسان العيش من دون معنى لحياته الفردية والمجتمعية.”

يحدثنا عبد الجبار الرفاعي بطريقة يأمل معها أن يُعاد الدين من حقله الأيديولوجي إلى حقله الأنطولوجي، ليُروى بهذه النقلة ظمأ الإنسان إلى المقدس، وتمتلئ روحه بالحب والإيمان والجمال. يقول الرفاعي: “يمكن أن يكون الدين منبعًا للمعاني الجميلة عندما يعود الإنسان إلى البعد الأنطولوجي للدين”، ويرى أيضًا أن “إدراك البعد الأنطولوجي للدين من شأنه أن يضع الدين في حقله الذي يكفل بناء حياة روحية وأخلاقية وجمالية في حياة الفرد والمجتمع”. تتسع آفاق هذه الرؤية حين ننظر إلى الظاهرة الدينية بوصفها تركيبة متنوعة الأبعاد، أساسها لغة الدين بوصفها نواة يتولد منها المعنى، وتتفرع عنها تجليات متعددة للغة الدينية في الواقع؛ فهذه اللغة تتشكل وفق الأرضية النفسية، والوضع الاجتماعي، وأفق انتظار المتلقين الذي يتبدل من زمن إلى آخر ومن مجتمع إلى آخر، ومن واقع إلى أخر. عندما نؤمن بتعدد هذه التجليات، تنفتح أمامنا رؤية جديدة للدين والإنسان والعالم، رؤية تدرك أن التعدد أفق كل معرفة وتجربة، في هذا الأفق تتجدد الحياة الدينية بوصفها إشراقة للمعنى، تعيد لكل شيء دلالته، وتفتح القلب لتقبّل الآخر كما هو، بوصفه شريكًا في البحث عن المعنى لا خصمًا في الاعتقاد.

يعيش الإنسان في فضولٍ معرفي لا يخفت، يتوق به إلى الكشف عن الدلالات الملتبسة التي تتسلل إلى حياته عبر مؤثرات العالم، فتوقظ في أعماقه أسئلة لا تهدأ، أشبه بمشاكساتٍ دفينة تقلق سكونه، وتدفعه إلى البحث عن أجوبة تمنحه معنى لوجوده، وتعيد ترتيب علاقته بنفسه والعالم. هذه الأسئلة لا تنشأ على هامش الحياة، بل تنبثق من صميم التجربة الإنسانية، حين يواجه الإنسان قلق المعنى وغربة الوجود، يندفع نحو ما يروي عطشه إلى الفهم والسكينة. هكذا يغدو الإنسان، كما يقول عبد الجبار الرفاعي، “في توق مستمر للكشف عن معنى المعنى”، إذ لا يكتفي بالمعاني الجاهزة، بل يظل يبحث عن أفق أعمق يهب حياته دلالة تتجاوز العابر والمؤقت.

يعيش الإنسان حياته كأنها رحلة مؤقتة، تتصارع فيها الأضداد وتتعاقب فيها الأحوال؛ طريقها طويل وقصير، سريع وبطيء، هادئ وصاخب، مبهج ومثقل، جميل ومؤلم. في هذا التوتر الدائم بين الأضداد تتشكل حركة الإنسان في العالم، وتتجلى صيرورته التي تنمو من احتكاك التجربة وتفاعلها مع تناقضات الواقع. في قلب هذه الرحلة المفعمة بالصراع والقلق، يندفع الإنسان بقوة نحو كل ما يمنحه الطمأنينة ويعيد إليه توازنه، فيتأمل ويشتاق إلى ما يفيض بالمعنى، وما يشبع عقله وروحه وقلبه من أفق يتلمس فيه أثر الخلود وإيحاءات السلام العميق.

يستكشف الإنسان العالم في هذه الرحلة بحثًا عن مبتغاه، فيخوض في الفنون والأدب والشعر والعلوم الإنسانية والدين، كما يتأمل في المعرفة والعلوم الطبيعية، وينخرط في الواقع المادي الذي يتجلى اليوم في الخوارزميات والبزنس والتطورات الرقمية المعاصرة. في كل واحد من هذه الحقول يلمس الإنسان جانبًا من ذاته، ويجد تعبيرًا عن انشغالاته وأسئلته؛ ففي الفن يتذوق الجمال، وفي الشعر يختبر طاقة الإبداع، وفي العلوم يكتسب خبرة تتطلب التأني والدقة، وفي الدين يستشعر أفق الخلود ومعنى النجاة. وعندما ينغمس في العالم الرقمي بما يحمله من حركة وتدفق وفرص، يتلمس شكلًا من البهجة والاستقرار والأمان، كأن كل حقل من هذه الحقول يمنحه جزءًا من المعنى الذي يظل يسعى إلى اكتماله.

ليس كل إنسان قادرًا على الإحاطة بجميع هذه الحقول والخوض في تفاصيلها، الإنسان يولد بسيطًا هشًا، ضعيفًا جاهلًا، محدود التوهج روحيًا وأخلاقيًا وجماليًا، ثم يرتقي في مدارج التكامل ليغدو كائنًا أكثر تعقيدًا ووعيًا وقدرة. وفي أثناء شق طريقه في العالم، يواجه تضاريس قاسية، ويدخل في صراعات لا تخلو من عنف وهيجان وحروب واضطهاد وعصبيات واستبداد فكري، حيث يضيق أفق المعنى تحت وطأة ما يسميه عبدالجبار الرفاعي “نظام احتكار المعنى”، حين يُرحَّل الدين من حقله الأنطولوجي إلى حقل الأيديولوجيا، فيفقد طاقته على إرواء الظمأ الروحي، ويغدو أداة في صراعات السلطة والثروة. في هذا الأفق، تستوقفني عبارة محمد أركون: “لقد قتلت الأيديولوجيا العرب”، وهي عبارة بدت لي يومًا صادمة وغامضة حين كنت أفهم الأيديولوجيا فهمًا ساذجًا، غير أن معناها انكشف في ضوء قراءة الرفاعي، الذي يرى أن “الأيديولوجيا ليست مجرد أفكار، بل هي نظام لتوليد المعنى ينتج وعيًا زائفًا بالواقع، ويصوغ شبكة سلطة متشعبة تنبثق من أحلام مشبعة بعالم طوباوي متخيل، فتحتكر إنتاج المعنى، وتعيد تشكيل الواقع في صورة تختزل تعقيده وتطمس أبعاده، وتفرض على الإنسان فهمًا مغلقًا للعالم، يحرمه من رؤية غناه وتعدده”.

إذن نحن، في خضم هذا الصراع، ننازل غولًا ضخمًا اسمه الأيديولوجيا، أمسك بالدين وقيده بأغلال ثقيلة تتمثل في وعي زائف، ورؤية مظلمة للعالم، وأسئلة جامدة تتكرر بلا أفق، واحتكار للحقيقة، وإخماد لذلك الاستفهام المتقد الذي يسلكه المعنى في عقل الإنسان، فيضيق أفقه، وينحسر حضوره، ويتحول الدين من طاقة تحرر إلى أداة تسلط واستعباد. لقد “قتلت الأيديولوجيا العرب” فعلًا، ويمكن القول، من منظور ديني، إن الأيديولوجيا قتلت الدين أيضًا. إنها جريمة كبرى تستدعي يقظة كل المنهمكين في حقول الدين، من فقهٍ وأصولٍ وكلامٍ وعرفان، لأن إقحام الدين في الحقل الأيديولوجي يعني إدخال العقل الديني في نفق ضيق معتم، أفقه مغلق، وحركته مغلولة. في هذا النفق يضيق أفق العقل، ويتباطأ فعله، ويبدأ بالتآكل تدريجيًا تحت وطأة ما تراكم فيه من أوهام وسموم فكرية، حتى يفقد الدين قدرته على إنعاش الروح وإيقاظ المعنى، ويتحول إلى منظومة خانقة تُطفئ الحيوية بدل أن تُشعلها.

بتسلط الأيديولوجيا لا نستطيع أن نُدين فاعلًا بعينه، لأن المجتمعات الدينية في عالمنا العربي تتشرب الأيديولوجيا على نحو لا شعوري، إذ يحتل اللاشعور مساحة واسعة في البنية النفسية للإنسان، فتتشكل هذه المجتمعات داخل جهاز مفاهيمي مغلق، تظن أنه الأقدر وحده على الكشف عن الحقيقة والمعنى اللذين يتوق إليهما الإنسان، في حين أن هذا المعنى وهذه الحقيقة يتبدّيان بوصفهما بناءً زائفًا يتولد داخل هذا النسق المغلق. ومع ذلك، يمكن الانتصار في هذا الصراع لا عبر الإدانة، بل عبر فتح أفق آخر للعيش والفهم، أفق لحياة عقلانية مشبعة بالروح والأخلاق والجمال، كما يدعو إلى ذلك عبد الجبار الرفاعي، الذي الخبير بفلسة الدين وعلومه، الذي غاص في أعماقه لأكثر من أربعة عقود، فصار يدعو إلى استعادة الدين بوصفه تجربة تُنير الوجود، لا أيديولوجيا تُغلق أفق المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي.

[1]  طالب في كلية طب جامعة البصرة.

https://almothaqaf.com/qadaya/986780-%D8%A8%D9%87%D8%A7%D8%A1-%D8%B3%D9%88%D8%A7%D8%AF%D9%8A-%D8%B3%D9%81%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%AD%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE%D9%84%D8%A7%D9%82%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A

تحرير الدين من أغلال الأيديولوجيا عند الرفاعي

د. منصور الجمري[1]

سعدت بلقاء المفكر العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي في بغداد. الجلوس معه يمنحك زخماً لفهم الواقع من دون قيود الماضي التي تكبلك وتمنعك من الانطلاق إلى المستقبل. الرفاعي كان متخصصاً في الزراعة، ثم التحق بالحوزة العلمية في النجف، حيث بلغ مراحل عليا في الدراسة الدينية، قبل أن ينتقل إلى حوزة قم، وأكمل دراسته لعلوم الدين حتى بلوغه مرحلة الاجتهاد. إلى جانب ذلك، حصل على شهادة الدكتوراه في الفلسفة الإسلامية، وقدم مؤلفات وبحوثاً رصينة، أصبحت مادة لعشرات من أطروحات الدكتوراه ورسائل الماجستير في جامعات عربية وأجنبية.

يمتاز الرفاعي بتواضعه، رغم عمق فكره، وبمواصلته للبحث العلمي رغم ضغوط الحياة. كما يتميز بجرأته في تقديم أطروحات جديدة في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد. لا يكتفي بالنقد، بل يطرح بدائل واضحة ومؤسسة. فعندما ينتقد علم الكلام الموروث، يقدم مشروع “علم الكلام الجديد”، وحين ينتقد المناهج القديمة لقراءة النصوص الدينية يقدم رؤية بديلة لتفسيرها، وحين ينتقد التقديس المفرط المانع للتفكير، يتخذ المنهج الأكاديمي، ويقدم بحوثاً موثقة تمكن القارئ من تتبع مصادرها وفهم آليات تفكيرها ومساءلتها. الأفكار الحية هي التي تقبل التخطئة، بينما الأفكار المكبلة تنتهي إلى التقديس غير القابل للنقاش. فكر الرفاعي يجمع بين العمق الأكاديمي والاستيعاب للتراث والجرأة النقدية، مع تركيزه على إعادة تعريف الدين كقوة إيجابية تعزز الإنسانية والكرامة والحرية والمساواة. وقد تميزت أطروحاته بتجديد رؤيتنا للدين وتفكيك الخطابات المغلقة. يرى الرفاعي أن علم الكلام التقليدي بات عاجزاً عن مواكبة تحولات العصر، واحتياجات المسلم الروحية والأخلاقية والجمالية، ولذلك يدعو إلى “علم كلام جديد” يتفاعل مع الفلسفة الحديثة والعلوم الإنسانية، ويعيد قراءة النصوص الدينية برؤية إنسانية، تستلهم معطيات الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع.

يشدد الرفاعي على ضرورة الفصل بين الدين ونظم وإدارة الدولة، معتبراً أن الخلط بينهما يشوه روح الدين الأصيلة، ويحول الدين إلى أداة للصراع، ويفسد الدين والدولة. الدين، في نظره، ليس مجرد عقيدة أو طقوس، بل حاجة وجودية عميقة، مرتبطة ببحث الإنسان عن المعنى والخلاص الروحي. ويحذر من تحول الدين إلى أيديولوجيا مغلقة تصادر العقل وتقمع حرية التفكير، ويدعو إلى فهمه بوصفه منظومة من القيم الروحية والأخلاقية والجمالية. ينتقد الرفاعي بشدة الهويات المغلقة، الدينية والعقائدية والطائفية والعنصرية، التي ترفض الحوار وتكرس العنف والتطرف، ويدعو إلى هويات منفتحة قائمة على “الصيرورة والتشكل المتواصل للهوية”، بدلاً من الجمود والانغلاق. ويؤكد على أن “أوهام الهوية والخصوصية” عطلت المجتمعات الإسلامية عن مواكبة العصر.كما يؤكد على ضرورة إعادة قراءة التراث الديني بمناهج نقدية، تحفظ جوهره الروحي والأخلاقي والجمالي، وينتقد القراءات الحرفية للنصوص التي تفضي إلى “لاهوت قشري” يفتقر إلى العمق. ويرى أن القيمة المركزية في الدين هي المحبة والرحمة وحماية الكرامة والحرية، ويندد بالخطابات الدينية التي تروج للعنف والتعصب، داعياً إلى تدين يعزز التعايش والسلم الاجتماعي.

[1] كاتب من البحرين، رئيس التحريرالسابق لصحيفة الوسط الصادرة في البحرين لمدة 14 سنة.

https://altanweeri.net/16119/%D8%AA%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D9%85%D9%86-%D8%A3%D8%BA%D9%84%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A%D8%A7-%D8%B9%D9%86%D8%AF/?amp

   هدايا (الرفاعي)

لطفية الدليمي

    كلُّ كتابٍ ينشره الدكتور عبد الجبار الرفاعي هو هدية حقيقية لقرّائه. أسبابُ هذا كثيرة لعلّ أوّلها هو حفره في أرض صلبة كأنّها الصخر. هو يعرف قبل سواه أنّ هذه التربة الصخرية قد لا تلين وتستوي أرضاً خصبة لزراعة الأفكار وتداولها في زمن قريب؛ لكنّه يعمل ويعمل من غير انقطاع. ليس للمجتهد سوى فضيلة العمل حتى لو بدا أنّ حصيلة عمله ماكثةٌ في أفق بعيد قد لا يبلغه في حياته.

قرأتُ قبل بضعة شهور كتاب الرفاعي (مسرّات القراءة ومخاضُ الكتابة: فصلٌ من سيرة كاتب). لم يخرج الرفاعي في كتابه هذا عن الملامح الجامعة التي صارت خصائص معروفة لكتاباته: النبرة الهادئة المتفكّرة لإنسان يسعى لأن يجد معنى وغاية لحياته من بوّابات معرفية مختلفة. الفارق الأوحد أنّ كتاب سيرته هذا حكى فيه الرفاعي عن جوانب مخصوصة من سيرته، وهي جوانب كان ضنيناً بها في كتبه السابقة لأنّه تناول فيها موضوعات فكرية دسمة بشأن (تثوير) الرؤية النسقية إلى الدين بدلاً من تمركزها على نواة لاهوتية أو فقهية صلبة. سيعرف القارئ بعد قراءة هذه السيرة الفكرية أيّ نوعٍ من البشر هو الدكتور الرفاعي، وأظنُّ أنّ أهمّ ما نتعلّمه من هذه السيرة هو ضرورةُ الإبتعاد عن رسم بروفايلات ثقافية مؤطّرة بحدودٍ خشنة نحن من يضعُ أبعادها وفقاً لأهوائنا ومشتهياتنا. كانت قراءة سيرة الرفاعي باعثة على نمط رفيع من الإثراء الفكري والمعرفة التنقيبية في عقل رأى ما لم نره وولج مناطق لم نلجها، وأعني بهذا تثقّفه وتعليمه في المدارس الدينية. أفضلُ مَنْ يكتب عن هذه المدارس وبيان فضائلها أو مثالبها هو من عايش هذه المدارس وعرف أسرارها وما يجري في باحاتها المغلقة.

كلّما قرأتُ كتاباً للرفاعي تذكّرتُ على الفور شخصيتيْن: واحدة من عصر التنوير والأخرى معاصرة لنا. الشخصية الأولى هي (فريدريك شلايرماخر Friedrich Schleiermacher)، الفيلسوف واللاهوتي الألماني الذي أتمنّى أن يقرأ كل من يستطيع القراءة كتابه (عن الدين: خطابٌ لمحتقريه من المثقفين)، وفيه يصف جمهرة من المثقفين الذين يتقذّرون من كل شأن ديني بسبب علموية ثقلت موازينها لديهم حتى أعمتهم عن كلّ رؤية مخالفة. أبان شلايرماخر بكلّ وضوح أنّ المسألة ناتجة عن سوء فهم مستديم: الدين كميتافيزيقا لا شأن له بسياسات الدين التي هي صناعة دنيوية مدفوعة بمصالح وانتفاعات تتخفّى في شكل ممارسات دينية. الشخصية الثانية هي جون بولكينغهورن John Polkinghorne، الذي عمل سنوات طويلة رئيساً لقسم الرياضيات التطبيقية والفيزياء النظرية في جامعة كامبردج، وكان مفكّراً دينياً وكاتباً وقسّاً أنغليكانياً يقود الصلوات في قدّاس الأحد بالجامعة. كتب بولكينغهورن كتباً عديدة أراد فيها مثلاً التوفيق بين ميكانيك الكم والكاثوليكية!!، ومن البديهي أن تلقى أعماله إنتقادات قوية؛ لكن لا أحد أساء إلى مكانته العلمية أو سمعته الشخصية. أتذكّرُ مساجلاته مع ريتشارد دوكنز، كانت طافحة بالحيوية والجرأة الفكرية، وفي الوقت ذاته كانت مثالاً شاخصاً على قدرة العقول المبدعة على التفاعل الخلاق. لا أظنّ أحداً سينسى الوجه الصبوح للدكتور بولكينغهورن والذي يشي بروح مُحِبّة وعقل متصالح مع أفكاره بعيداً عن الأصولية الدوغمائية أو المصالح الشخصية المتقنّعة بأقنعة لاهوتية. من أراد معرفة شيء معقول عن أفكار بولكينغهورن فربما سيجد في كتابه (ما بعد العلم Beyond Science)، وهو مترجم إلى العربية، إطلالة على فكر الرجل ورؤاه.

التقيتُ الدكتور الرفاعي أوّل مرّة في معرض المدى للكتاب في أربيل عام 2013، وكان بصحبته الراحل (هاني فحص). كان الرجلان ثنائياً متوافقاً في الأفكار والخصال: سماحة وبشاشة وأريحية وانفتاح ثقافي على كلّ العلوم والنظريات والأنساق الثقافية. هذه الخصال أنت لا تفترضها افتراضاً بل تراها متجسّدة في الكلمات المنطوقة والعيون اللامعة ومخرجات العقول وسماحة الوجوه وانبساطها. الضد النوعي لهذه الوجوه تراه في الكثير من رجال دين أو مُدّعي تديّن موصوف بالحركية تمييزاً له عن التديّن التقليدي. تعجبُ من فرط انغلاق هذه الوجوه ويبوستها وتموضع عقول شخوصها على خطاب واحد ومقاربة واحدة تسعى لخلط الاوراق وتغليب الجانب السياسي -الحركي على القيمة الميتافيزيقية في الدين. وما عساها تكون النتيجة؟ المزيد من تنفير العقول وتعكير النفوس وسيادة خطاب الكراهية.

عمل الرفاعي في سنوات عديدة سابقة في أنطقة ثلاثة مترابطة عضوياً: أنسنة الدين، والتأكيد على جوهرانيته الميتافيزيقية المترفعة على السياسات الدينية، ومحاولة جعله نسقاً ثقافياً ذا تداول عام وليس شاناً حصرياً بالمدارس الفقهية التقليدية. أكّدت كتب الرفاعي هذا التوجّه، ثمّ تعاضد جهده التأليفي مع تأسيسه لِـ (مركز دراسات فلسفة الدين) الذي نشط في نشر مجلته التي ضمّت دراسات ثمينة لمفكّرين عالميين.

تلقّيتُ قبل أيام قليلة ثلاث هدايا ثمينة من الرفاعي، مثّلتْ امتداداً لنشاطه الفكري وإن جاوزتها قليلاً بالإنفتاح على موضوعات جديدة كما حصل في كتابه (ثناءٌ على الجيل الجديد). الكتابان الآخران هما: (مفارقات وأضداد) و (الدرس الفلسفي في المدارس الدينية). لو ألقى القارئ العجول نظرة على جداول محتويات هذه الكتب، وأجهد نفسه قليلاً وقرأ مقدّماتها فسيعرف أيّ ثراء فيها، ومستوى الدقّة والإنضباط في صياغة الكلام والأفكار بكيفية تريحُ القارئ المتمرّس الذي يعرف كيف السبيل لتمييز غثّ الكلام عن رفيعه. سنقرأ كلاماً نظيراً لهذه الشاكلة:

“هناك خبراء ممّن يمتلكون تكويناً أكاديمياً جاداً في الفلسفة والمنطق الحديث، لديهم معرفة جيدة باللغات الفرنسية والألمانية والإنكليزية، يتسيّدون المشهد الفلسفي في بعض البلدان العربية، ويحتفي بكتاباتهم الغزيرة جامعيون متديّنون؛ غير أنّهم يتفلسفون على طريقة الغزالي وابن تيمية، فيقدّمون قراءات موهمة ومضللة للفلسفة الحديثة، تلوّنها بألوان مشوّهة، وتقوّلُها ما لا تقول. القارئ الخبير يدركُ أنّهم يتفلسفون ضدّ الفلسفة”

   سنخطئ كثيراً لو تصوّرنا أنّ جهود الرفاعي تندرجُ في سياق ما يعرفُ (تجديد الخطاب الديني). هي أقربُ لرؤية جديدة ومقاربة جديدة تتناغم مع جهد المنظّرين العالميين في موضوعة الأنساق الثقافية- ذلك الجهد الذي تأخرنا فيه كثيراً ودفعنا لقاءه أثماناً قاسية.

الدكتور الرفاعي معروف بكرم روحه؛ لذا فقد أسعدني كثيراً أن أرى معظم مؤلفاته معروضة مجاناً في موقع (هنداوي). من شواخص كرمه أيضاً أنّه أهداني نسخة من رواية عنوانها (زارع الريحان) كتبتها إبنة أخيه (هاجر القحطاني) التي أتمنّى أن نشهد لها بصمات مميزة في الثقافة العراقية.

أقولها ثانية: كُتُبُ الرفاعي هدايا مضمّخة بحبّ العالم والسعي لإشاعة السلام والحسّ الانساني الرفيع فيه. هذه أوّلُ مساعي الرفاعي وأسبَقُها على غيرها؛ أمّا المثابات الفكرية العالية فتلك تستلزم قراءة دقيقة هادئة لعقول بعيدة عن إدمان العنف وصناعة التجهيل المركّب.

الرفاعي يحفر في صخر اللاهوت القشري الصلب سعياً لبلوغ الجوهر الإنساني. لعلّه لن يلقى مكافأة مستحقّة لعمله، ولا أحسبه ينتظر مثل هذه المكافأة. حسبُهُ أنّه يُلقي بذاره في أرض صلبة وينتظر موسم الحصاد البعيد مع كثرة من الطامحين لرؤية الأفق الإنساني حتى لو كان غير مرئي في أيامنا المضبّبة.

        https://almadapaper.net/389512/

 

 

الأبوة في فكر ومنهجية الدكتور عبد الجبار الرفاعي

 منى الصالح

ملأى السنابل تحني بقاماتها

والفارغات رؤوسهن شوامخ

هذا البيت كان ماثلا أمامي ، حين التقيته أخيرا على أرض الواقع ، حيث جمعتني بالدكتور عبد الجبار الرفاعي أخوة وأبوة فكرية وروحية منذ سنوات طويلة ، فكان اليد الحانية التي تطبطب على كتفك، وتهمس لك أنك لست لوحدك حين تشعر بالاغتراب الفكري، وتعصف بك العواصف، فترى في كتبه وبين حروفه الحنون، الشاطئ حيث السلام والاطمئنان، رغم كل الأسئلة التي تثير زوابع فكرية، فهو صاحب العقل المشاكس الذي لم ولن يعرف الراحة والهدوء، فكل سؤال تطرحه تأخذك كتاباته لتشرع النوافذ والأبواب وتبحر في محيطات ليس لها قرار، فتجد نفسك بدل أن تجد عنده الإجابة التي تركن لها فتسمع وتطيع، تتحول إلى فرس جموح تعتلي الهضاب والجبال وتقفز فوق المنعطفات دون هوادة مشرعاً جناحيك لتستقبل النور باحثا وقارئا  بصدر مفتوح وقلب مطمئن .

عبدالجبار الرفاعي أستاذ الفلسفة وخريج المدرسة الدينية، وصاحب مشروع تجديد الفكر الديني الخاص به. القامة الفكرية الذي غمر إنتاجه الفكري ومؤلفاته الساحة الفكرية فاحتضن الشباب وتطلعاته، في الوقت الذي كنت أرى الكثير من جيلنا ممن يصفهم بالضياع وعدم تحمل المسؤولية، وبأنهم شباب تافه منشغل بوسائل التواصل، وبحكم عملي لعقود وسط عالم الشباب، كنت أتلمس حاجتهم لمثل الدكتور يثق بقدراتهم ويثمن منجزاتهم كما يقول في كتابه “ثناء على الجيل الجديد” : عقل الشباب اليوم أنضج ووعيهم للحياة أعمق منا حين كنا في مرحلتهم العمرية، عالمُهم مركّب وعالمنا بسيط. وأن الفجوة بين جيلنا وجيل أبنائنا واسعة بسعة العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي. ويمتدح معرفتهم بقوله: العالَم يحضر في حياتهم بملامحِه وتضاريسِه الجديدة، عبر: اليوتيوب، والفيس بك، وتويتر، والواتس اب، وتطبيقات التواصل الاجتماعي المختلفة)).حين يدافع عنهم ليس من باب التنظير بل هو القريب عن معرفة فأغلب علاقاته وحواراته معهم حيث قضى أربعين عاما في التعليم ، مشخصا واقع التعليم  اليوم((نحن بحاجة للبحث عن جذورِ هذه المشكلة في بنيةِ التربية والتعليمِ الموروثِ منذ عشرات السنين، الذي ينتمي لعالَم الأمس المختلف عن عالَم اليوم اختلافًا جوهريًا، فلم يعد الكتابُ وحده رافدًا لتلقّي المعرفة، بعد أن تراجع موقعُه فأضحى أحد الروافد – ربما ثانوياً – بموازة روافد متدفقة غزيرة متنوعة، ولم يعد التعليمُ على وفق أساليب وطرائق التدريس الموروثة ملائمًا لعالمنا اليوم، بل لم يعد الصفُّ المدرسي بفضائه وأدواته المتعارفة ملائمًا للتعليم، وقبل كلّ ذلك لم تعد ملائمةً اليوم معظمُ المعلومات والمفاهيم والخبرات والمهارات المكدّسة بعشوائية في المقرّرات المدرسية المتداولة، لأن أغلبَ مضامينها لا ينتمي لعالَم الأبناء، ولا يشبه أحلامَهم، ولا يلبي احتياجاته.مواكبته النهضة التكنولوجية جلية واضحة ، لم يمنعه العمر مثل أقرانه ، فكما يشير: (العالم يتغير والرؤية للعالم تتغير وطريقة التفكير تتغير .. ومعيار التفوق فيه يقاس بمدى كثافة الحضور عبر نسيج الشبكات الألكترونية العابرة للقارات) لذلك نراه منذ ثلاثين عاما قارئ الكتب الالكترونية، كاتبا بلا قلم ، يدير صفحاته على وسائل التواصل بلا مساعد، محافظا على تواصله مع قرائه رغم رفضه لأغلب الدعوات واللقاءات التي تطلب منه من مختلف الدول العربية والإسلامية، بلا كبر كما يخبرنا، ويرفض الدخول في مجموعات (الواتساب) ليس ترفعا، بل مطلبه السلام الداخلي الذي يهيئه لأهم وظيفة هي القراءة والتأليف.

كنت دوما وأنا أقرأ له وهو الموسوعة في علم الكلام وعلوم الدين والفلسفة، أجد فيه الكاتب الأبوي الذي لا يبخل علينا بتجاربه التي أنضجته وأكسبته الحكمة، وقلما نجد بمثل علمه وعمره من يعترف بفشله وإخفاقاته على كل المستويات ولا يجد بذلك حرجا، فالخطأ عنده حق بشري وجزء من بناء تجربة الوعي كما يشير لذلك في حق الخطأ وتشكل مفهوم الفرد (الإنسانُ كائنٌ يصيب ويخطئ، الخطأ طريقُ التطور والتكامل. كلُّ مَنْ يفكر يخطئ، مَنْ لا يفكر لا يخطئ. لا يتحررُ الإنسانُ من الخطأ غالبًا إلا بعد وقوعه فيه…. مَنْ يمتلكُ شجاعةَ الاعتراف بالخطأ يمتلكُ القدرةَ على تغيير ذاته. الخوفُ من الاعتراف بالخطأ خوفٌ من التغيير، الخوفُ من التغيير خوفٌ من التطور.

تبدأ التربية بترسيخ الشعور لدى الطفل بحقه في الخطأ، مَنْ لا يعترف بأخطائه لا يتعلم، المجتمعُ الذي لا يتربى فيه الأفرادُ على الاعتراف بالخطأ منذ الطفولة، يشيعُ فيه الكذبُ والرياءُ والازدواجيةُ والنفاقُ السلوكي). وهل نتخيل كم لهذه الرؤية من انعكاسات على أسرنا، ومدارسنا، شبابنا وصحتهم النفسية.

وأنا استمتع بالنقاش معه تذكرت ما ذكره الدكتور جمال الشايع بأن الكبر هو أحد أسماء الله الحسنى ضروري بمقدار، فلولا الكبر ما تطورنا، بشرط ألا يطغى، فالإنسان بفعل الكبر تمكن من الغزو والصيد، اكتشف الزراعة وهكذا، ونحن في كثير نكبر على سلوك ونتحول عنه لآخر أفضل وأرقى منه إذا ما تابعنا عملية البحث والتطوير والتكامل. ويأخذنا المفكر الدكتور الأكثر تواضعا وتمثلاً لقيم السماء حين يكبر على نفسه، ويعترف بخطئها ويتابع حركتها ونموها الفكري والنفسي والروحي، دون أن تهتز ثقته الواضحة، وتقديره لذاته  ووجوده الفكري حين يجيب (إنها نظريتي الخاصة ومشروعي الذي يتبنى رؤيتي الخاصة فأنا لست مقلدا لأحد) ويستطرد (هذا لايعني انني لم أقرأ للسابقين، بل لقد قرأتهم، ودرست نظرياتهم وفلسفاتهم، قديمهم وحديثهم، ومن ثم كنت أنا ولست نسخ أحد منهم) بهذه الكلمات البسيطة والعميقة، رسم منهجية المعلم الحقيقي، الذي يحترم عقله وعقول من حوله، وكما يقال: المعلم الروحي الصادق لا يوجه انتباهك إليه ولا يتوقع طاعة مطلقة، أو إعجاباً تاماً منك، بل يساعدك على أن تقدر نفسك الداخلية وتحترمها، إن المعلمين الحقيقيين شفافون كالبلور، يعبر نور الله من خلالهم.

شكرا لله الذي أنعم علي بهذا اللقاء.

ممتنة للدكتور الذي أحاطنا باهتمامه واتصاله، وخصص جزءا من وقته الثمين لنا، وأثرانا بحلاوة النقاش والاستماع لتجربته فحقا كانت ساعة من الجنة.

 منى الصالح كاتبة سعودية.

  

لفتات من المسرات، وانتباه للمخاضات: مسرّات القراءة ومخاض الكتابة[1]

أ.د. عبدالله بن علي الشهري

بين يدينا كتاب ينتمي إلى كتب السير الذاتية، ولكنها سيرة تكاد تنحصر في قضايا القراءة والكتابة، والكتاب وإن كان قليل الصفحات صغير الحجم، إلا أنه بحق بُغية المنهوم، ومورد العَطِش. شرعت في قراءة الكتاب فور اقتنائه من معرض الرياض الدولي للكتب 2024م، ومع توافد الكتب الكثيرة إلى مكتبتي من حصيلة المعرض وغلّته، إلا أنها لم تستطع أن تنتزع ها الكتاب من يدي، وقاومت مختلف الإغراءات حتى أنهيتُه.

استطاع د. الرفاعي أن يجعلني أسيرا لكلماته وأفكاره. كنتُ قبل البدء به قد توقعتُ ألا أجد فيه شيئا لافتا، وأضمرت في نفسي أنني لن أكمله كعادتي مع بعض الكتب. ومرجع هذا الظن قراءتي لكثير من الكتب مما يمكن أن يملأ قبة الصخرة في شأن القراءة والكتابة، وأنني بتلك الكتب قد أوفيت على الغاية. فما الذي يمكن أن يضيفه هذا الكتاب في هذا الشأن المشبع بالحديث عنه؟

وهل ستتفوق كتابته على عشرات الكتب الرائعة والتي طار ذكرها في الآفاق؟

والحق أن هذا الظن المجحف تلاشى مع أُولى الصفحات، ووجدت أن الكاتب يخاطب القارئ ويمسك بتلابيبه، ويشعره بأنه إنما جوّده وأتقنه وكتبه لأجله فقط! ورد على ذهني وأنا أكتب هذه الكلمات عن كتاب د. عبدالجبار تلك المقولة الجميلة لعبدالفتاح كيليطو: “حينما أقرأ محكيا، يحدث أن أقول لنفسي أمام مقطع: قد عشتُ هذا المشهد، وأحسست بهذه العاطفة، ويتكوّن عندي انطباع بأن ما أقرأه قد كتب لي خصوصا، بل يحدث أن أقول لنفسي بكل سذاجة: كان بمقدوري أن أكتب هذا الفصل، وهذا الكتاب.

وفي حال قصوى، أكاد أحقد على المؤلف لأنه قد اختلس شذرة من ذاتي، وسلبني إياها! “.

أقسام الكتاب

توزعت قضايا هذا الكتاب على 24 موضوعا، بدأها بـ ” محطات القراءة المبكرة” وهو المتوقع، وأنهاها بـ ” لا نتعلم الكتابة إلا بالكتابة ” وهو ما لم أتوقعه.كانت موضوعات الكتاب متماسكة وإن اختلفت، يسلمك الواحد منها إلى أخيه بسلاسة، وأنت في جوع لا يتوقف ونهم مضطرد، تخشى من النهاية التي لا بد أن تأتي قبل أن يكتمل الشبع والرِّي!

كما زاوج د. الرفاعي بين فكرتي القراءة والكتابة بطريقة لا يحسنها إلا د. الرفاعي نفسه، وكنت أظن أن جبرا إبراهيم جبرا في “معايشة النمرة” قد ختم الموضوع وأغلقه.

وهذه بعض اللفتات

 مع الكتب الخالدة

من جميل ما أعجبني في الكتاب حفاوة صاحبه بالنص العالي والكتب الخالدة، وتكراره عن ضرر تلك الكتابات الهزيلة، تأمل معي هذا النص: “أسوأ المتاهات متاهة القراءة العشوائية، نسيان النصوص الخالدة، والغرق في الكتابات الهامشية أحدُ متاهات القراءة. لا يقرأ الفلاسفةُ الكتابات الهامشية والشروحات والتعليقات، يكتفون بقراءة المتون والنصوص الأساسية. يقرأون الأعمال الأساسية في الفلسفة اليونانية والعصر الوسيط والحديث، ويكتفي أكثرهم بذلك ولا ينشغلون بغيرها. يستغرقون في التأمل والتفكير العميق وتوليد الأسئلة الكبرى، واقتحام ما هو منسي للذهن ” ص 43 .

ويبرّر سبب تأكيده على تجاوز هزيل النصوص وسخيف الكتابات،  فيقول : ” العمر قصير، استنزافه بكتب رديئة يثير الأسى والحسرات حين نستيقظ لاحقا. الكتاب الذي يستلب الوعي يثير الحزن ويطفئ بداخل القارئ شغف القراءة ومتعتها. كتبات قليلة وربما نادرة توقظ العقل وتحدث وعيا علميا بالطبيعة الإنسانية، ورؤى عميقة للعالم ” ص 40

قيمة النص العالي:

في الكتاب تأكيد بارز على أن قيمة القراءة ليست العثور على المعلومة، بل إنها تكمن في نوع القراءة وما تنتجه من أفكار وأسئلة: ” رب قارئ ليس له من قراءته إلا النصب والتعب، القراءة بتأمل صبور من شأنها أن تنقل القارئ من يقينيات الأجوبة الجاهزة إلى قلق الأسئلة الحائرة. قيمة كل قراءة قدرتها على أن تكون منتجة. بمعنى أنها تثير الأسئلة في ذهن القارئ، ويرحل معها عقله إلى ما يألفه من فضاء مسكوت في التفكير.” ص 39

تنبّه د. الرفاعي إلى ما غفل عنه كثير من مدمني القراءة، إذ يحسبون أن العيش الكامل مع الكتاب كفيل بارتفاع مستويات الوعي وتطور المهارات، فيقول مصوبا الأمر: ” أدركت متأخرا أن واحدة من ثغرات شخصيةِ مَنْ يعيش معظم حياته في فضاء الكتب هي نسيانُ الواقع، والجهل بأكثر ما يطفو على سطحه، وما هو محتجب في مدياته الواسعة وطبقاته القصية.  لا يتعلم الإنسان من الكلمات إلا قليلا، الواقع معلمٌ عظيم ” ص 57-58

الضمير الأخلاقي بين الغفلة واليقظة!!

أحسن د. الرفاعي حين تحدث عن هذا الأمر، في وقت كاد أن ينسى في كتابات الكَتَبة، ومؤلفات المؤلفين .. ولا غرابة فنحن في زمن اللهاث وراء الشهرة والمال، ومنافسة الأقران وانتزاع الحظوة،  وتوسّد كراسي الملتقيات، والتطلع إلى جوائز الاحتفالات. : “لا يحمي الكتابةً والكاتب والقراء إلا يقظةُ الضمير الأخلاقي عندما يزور قناعاته ، ويظل قلمه معروضا للبيع لمن يدفع أكثر . أسوأ كاتب مًن يعمل كما يعمل البائع المتجوّل، البائع هدفُه بيع بضاعته، والظفر بربح عاجل من أي مصدر كان.”

الكتابة -كما هو رأي المؤلف- ليس من شرطها أن تلقى قبول الجميع، بل الأصل في الكتابة الجيدة أن تجد لها من لا يحتفي بها، لأنها توقظ وعيه، وتنبهه على خطأه: ” الكتابة الحقيقية هي تلك التي تثير نقاشا جديا (مع/ضد) . يكلف الكاتب الإصرارُ على هذا اللون من الكتابة الكثير من الإزعاجات.. لا جديدَ في كتابة لا تخرج على إجابات مكررة وقناعا جاهزة. الكتابة الحقيقية كتابةٌ خلافية، تثير من الأسئلة من الأسئلة أكثر مما تقدّم من الأجوبة، وتتمرد على الكلمات والإجابات المملة، قوة الكتابة في فاختلافها، وفاعليتها في إيقاظ الوعي وتكريس الروح، وإيقاظ الضمير الأخلاقي” ص85.

المؤثرات في النصّ!

يؤكد د. الرفاعي أن النص ليس شيئا جامدا لا يتفاعل مع المؤثرات، بل ” النصّ كائن حي يختلف باختلاف مثابرة وموهبة ولغة عصره وحال من يكتبه. لو كان الكاتبُ يكرّر ما يكتبه غيرُه ويطابقه؛ لأصبحت الكتابة نسخة واحدة، ولما تمايز كتبٌ عن كاتب وإبداع عن إبداع، ولصار كل الروائيين ديستويفسكي، وكل الفلاسفة إيمانويل كانط … ” ص106

خاتمة: الكتاب مليء بالأفكار واللفتات المهمة، وذكر شيء وترك أشياء ليس مما يُحمد، والحق أننا لن نوفي مثل هذا الكتاب حقّه، إلا إذا أعدنا نسخه ثم لصْقه بكليّته .. وهذا متعذّر.

ولعله يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق!

 

أ.د. عبدالله بن علي الشهري، أستاذ العقيدة ومقارنة الأديان في جامعة الأمير سطام -الخرج / السعودية

28 جمادى الآخرة 1446هـ 30 نوفمبر 2024 م/ الرياض

[1] مسرّات القراءة ومخاض الكتابة، تأليف: د. عبدالجبار الرفاعي، 182 صفحة – الطبعة الأولى 2023م ، منشورات تكوين – الكويت.

 

https://altanweeri.net/15117/%D9%84%D9%81%D8%AA%D8%A7%D8%AA-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%B1%D9%8E%D9%91%D8%A7%D8%AA%D8%8C-%D9%88%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%A8%D8%A7%D9%87-%D9%84%D9%84%D9%85%D8%AE%D8%A7%D8%B6%D8%A7%D8%AA/

الحُبّ ضرب من انكشاف الوجود

د. عبد الجبار الرفاعي

ليس هناك ما يُشعِر الإنسانَ بمتعة وجوده في العالَم كالحُبّ والإيمان. أجمل ما يتجلى في الإنسان الحُبّ، وأجمل ما يتجلى فيه الإنسانُ الحُبّ، وأعذب صلة وجودية بين إنسان وإنسان تتحقّق بالحُبّ، وأعذب طور وجودي للإنسان الحُبّ. الحُبّ ضربٌ من انكشاف الوجود وتجلي ما هو مضيء في الإنسان، واحتجاب العناصر المظلمة، واضمحلالها إلى أدنى مرتبة ممكنة. الحُبّ الأخلاقي بلا شروط ولا قيود نعمة إلهية، لا يظفر بها إلا الأخلاقيون النبلاء. كأن الإنسان يغيب في الحُبّ عن الزمان والمكان والمادة ويختفي ظلامها، وكأن الزمان يتحول إلى صفر، ‏عندما يحضر هذا النوع من الحُبّ. لا ينكشف النورُ إلا بمرآة يتجلى فيها، ‏الإنسانُ الأخلاقي يتجلى فيه نورُ الله، الأخلاق مرآة نور كائن مضيء. الحُبّ الأخلاقي ليس حالة شعورية مؤقتة أو عابرة، إنه رحلة وجودية يعيد الإنسانُ تعريفَ ذاته فيها ويوجد بطور جديد.

مادام الحُبّ رحلة وجودية، فكلّ رحلة وجودية يخوضها الإنسان لن يعود بعد خوضها لما كان هو عليه قبل ذلك.كلُّ ما هو وجودي في الحياة منبع إثراء وتكريس لكينونة الإنسان، سواء أكان من نوع مبهج أو من نوع موجع، وإن كان كل منهما يحدث أثره من جنسه وبكيفية تشاكله. الذي يعيش الحب بوصفه تجربة وجود يولد ولادة جديدة، بالحب يولد الإنسان بطور وجودي أغنى. الذي لا يحب من هو جدير بالثقة والمحبة يبذر مشاعره. الحاجة للحُبّ والإيمان من الاحتياجات الوجودية العميقة التي لن يستغني عنها وجودُ أي إنسان، وكلما ازداد عدد المحبين تزداد محبته لهم، وتشتد حاجته إلى التواصل معهم وتحذير محبتهم. يتذوق الإنسان عذوبةَ الحُبّ بوصفه رحلة وجودية يتحقّق بها، وان كان لا يستطيع التحدث عنها إلا بحدود ما تتسع له الكلمات، تضيق اللغة عن التعبير لرسم صورة واضحة للوجود. ليست هناك لغة مكتفية بذاتها، ‏اتساع أفق المعاني يخنق الكلمات.

الكائن المحب مضيء يفرض حبه على من يكون حوله. الحُبّ ضوء حيثما كان يبهج القلوب.‏ الحُبّ يطهر الروح من الظلام. مَن يستثمر في الروح يفرض حبّه حتى على القلوب القاسية. الحب الاستثنائي الأصيل يتحقق فيه الإنسان بطور وجوديّ أجمل وأثرى. يتذوق الإنسان الحب بوصفه رحلة وجودية يتحقّق بها، ولا يستطيع التحدث عنها إلا بحدود ما تتسع له الكلمات، تضيق اللغة عن التعبير لرسم صورة لما يتحقّق به الإنسان من أطوار وجودية. يحتاج كلُّ إنسان الحُبّ وربما تزداد حاجته للحُبّ لو ازداد عدد المحبين في العائلة والأصدقاء ومَن يتواصل معهم، يرى الإنسان كلما ازداد عدد المحبين ازدادت محبته لهم وتضاعفت حاجته إلى محبتهم.

في الحُبّ خاصية عجيبة يتميّز بها، وهي قدرته على إعادة إنتاج مكونات ولادته ومنابع إثرائه من داخله؛ لذلك يتجذّر الحُبّ ويصفو ويُثمر عندما تتّسع مساحةُ محبّة الإنسان لغيره، ثمرة الحُبّ هي الحُبّ لا غير.كلُّ حُبٍّ يتكرس وينمو على شاكلته، إذ يتفاعل كلّ إنسان مع الحُبّ بما يتناسب مع نمط الحُبّ ونمط شخصيته. إن إعادة إنتاج الحُبّ وإفاضته ترتبط بنمطه وكيفيته، ودرجة تفاعل الروح واستلهامها له.

مكافأة الحُبّ هي الحُبّ، ما يطلبه الحُبّ هو الحُبّ، لا يرتوي الحُبّ إلا بمزيد من الحُبّ. يتسع القلب ويضيء ويبتهج كلما اتسع فضاء الحُبّ فيه. بهذا المعنى يتجاوز الحُبّ كونه تجربة عاطفية، فيصير نافذةً لانكشاف أعمق لوجود كينونة الإنسان. الأثر الخلّاق للحُبّ يظهر بإثراء الهوية الوجودية للإنسان، وشعوره بتوكيد الذات، وكأن وجوده امتد فاستوعب مَن يحبّه. معادلة الحُبّ تؤثر وتتأثر بطرفيها وقدرتهما على البناء الرصين للصلة الوجودية. يتعذر أن تنهار صلةٌ وجودية راسخة يلهمها الحُبّ، ويحميها ضمير أخلاقي يقظ.

الحُبّ استراحةُ الروح حين تأوي إلى ما يشاكلُها من أرواح. الحُبّ ‏الأصيل راحةُ الأرواح المتعبة بوصفه أعذبَ معنى يتذوقُه الإنسانُ في حياته. مهما كان الانسانُ ‏صغيرًا أو كبيرًا يحتاج الحُبَّ والدعمَ العاطفي. دورُ العاطفة في التربية والتعليم أكبرُ من دور العقل، إذا أراد المعلّمُ التأثيرَ الفَعَّال في أذهان تلامذته ومشاعرهم عليه أن يبدأ بتحفيز عواطفهم. الخلطةُ السحرية لمعادلة التربية والتعليم تغذّيها العواطفُ قبل العقل. متى ازدادت العواطفُ ازدادَ تحفيزُ المواهب وايقاظُ الوعي وإثراءُ المهارات، الاعترافُ بمنجز التلميذ والاعجابُ بجهوده وتشجيعُه إكسيرُ التربية والتعليم. ‏التاريخُ البشري صنعته العواطف مثلما صنعه العقل، بل كانت مساحة العواطف وتأثيرها أوسع.

عندما يُحبّ الإنسان عائلته ومَن يعيش ويتعامل معهم، فإنّهم ينجذبون للالتحام به، ويحفزهم على المبادرة بالعطاء؛ وتأمين المزيد من تضامنهم وتكافلهم، من دون حاجة إلى طلب أو رجاء. الحُبّ يتحكم بالإنسان، ولا يتحكم الإنسان بالحُبّ، وغالبًا ما يحدِّد الحُبّ خيارات الإنسان ويرسم مسارات حياته ويصنع مآلاته. الحُبّ حالةٌ لا تخضع خضوعًا قهريًا للعقل والإرادة، لا ينبثق الحُبّ دائمًا بطول المعاشرة، ولا بتمارين أو ارتياضات خاصة. كلُّ ذلك يمكن أن يساعد على تنمية الحُبّ وتجذيره، لكن لا يوجده إن لم ينبثق بذاته. للحُبّ طاقة تنصهر فيها عناصرُ نفسية وعاطفية وروحية قابلة للانصهار في مركب واحد، يثري الحُبُّ حياةَ الإنسان ويعزّز ثقته بنفسه، ويجعله قادرًا على خلق طموحات وأحلام جميلة تضيء آفاق غده اللامرئية.

الحاجة لإيقاظ الشعور بالأمان والمحبة والتقدير من أعمق الاحتياجات في النفس الإنسانية. المحبّةُ أقلُ بكثير من الكراهية، عواملُ صناعة الكراهية متعددةٌ ومتنوعة وكثيرة داخل النفس الإنسانية وفي المحيط الذي يعيش الإنسانُ فيه، لا تصنعُ المحبّةَ إلا الأنفسُ النبيلة. قوة الإنسان في قدرته على توليد المعاني الروحية والأخلاقية والجمالية لحياته وتنميتها وتغذيتها، المحبّة والإيمان من أغزر الروافد لتوليد هذه المعاني.كما لا يستغني الإنسان عن حاجات الجسد الأساسية لاستمرار حياته، لا يستطيع أن يستغني عن المعاني الضرورية للشعور بالأمان والحماية من وحشة الوجود وهول غربته.

الحُبّ الأصيل لا ترتقي إليه إلا القلوب السليمة من الأمراض. الاستثمار في الحُبّ يجعل الحياة تتسع لقبول المختلف والعيش معه بسلام. تضيق الحياة كلما ضاقت مساحة الحُبّ في قلب الإنسان، مثلما تكتئب الحياة كلما ضاق فضاء الأمل والحلم والمتخيل في ذهن الإنسان.

الحُبّ الذي أتحدث عنه هو حُبّ صاحب الضمير الأخلاقي الصادق. هذا النوع من الحُبّ قوة لا ضعف، ثمرة حُبّ الأبوين للأبناء الرعاية والإيثار والتضحية. لا كنزَ أثمنُ في الحياة من محبّة قلب تصفو مودته. الحُبّ بلا ثقةٍ متبادلةٍ ولا شعورٍ بالأمانِ المتبادلِ زائفٌ. مَنْ كان صادقًا مع نفسه، صادقًا مع الناس، صادقًا مع ‏الله، ينبض قلبه بالمحبة والرحمة والحنان، وتتذوق الأرواحُ الصافية المحبةَ الإلهية في كلماته.

القلبُ الذي يعيشُ الحُبَّ لا تدركه الشيخوخة، حيثما يكونُ الحُبُّ يكونُ معنى الحياة. الحُبُّ يغيّر مادام متوهجًا. في الحُبّ يتجلى أجملُ ما في الإنسان، وتنبعثُ منابعُ الخير المودَعةُ في أعماقه. في التربية والتعليم الحُبُّ يغيّر، يوقظُ العقلَ، ويروي المواهبَ، ويطوّر المهاراتِ، ويفجّر الطاقاتِ الكامنة. الحُبُّ يتكفلُ حمايةَ الإنسانِ من الشر الأخلاقي، عندما تتحدثُ لغةُ الحُبّ تصمتُ لغةُ الشر.

 

https://alsabaah.iq/106670-.html

 

تحية للمعلم عبد الجبار الرفاعي في سبعينيته

علي عبد الهادي المعموري[1]

لا أذكر بالضبط متى قرأت اسم الدكتور عبد الجبار الرفاعي، في مجلة او على متن كتاب، لكن الاكيد انني قرأت له أول الامر بعد ٢٠٠٣، لعلي قرأت مجلته قضايا اسلامية معاصرة، او قرأت له دراسة منشورة في مجلة جدل، لا اذكر بالضبط. تباعا صرت اقرأ له كل ما يقع تحت يدي، واتتبع اعداد مجلته المهمة بشغف، واتابع كل ما يكتبه على صفحته في الفيسبوك، لتظل معرفتي بالمعلم معرفة قراءة ومعرفة سماع ممن يشيدون بفضله، او يذكرون اخلاقه الاستثنائية.

يحرص على أن يخص متابعيه بالكتابة لهم بانتظام، داعيا بأن يكون النور نمير أيامهم، والمحبة والايمان حليف خطاهم، وكنت من بين هؤلاء الذين يفيض عليهم محبة بانتظام، بلغته الملكوتية الرضية، وكان يسأل عن أموري بين حين وآخر، حتى اخبرته بانتقالي الى العمل ببغداد ومحل عملي، فسألني عن صاحب له كاتب ورفيق درب وكتابة يثمن منجزه ويحبه كثيرا، كان في ذات المكان معي وطلب ان ارتب موعدا معه حين يكون موجودا. حين تم اللقاء كانت المرة الاولى التي ألتقيه، ليسحرني بحضوره العامر بالمعرفة والمترع بالطمأنينة، بابتسامته الرضية التي تشي بمكنونه المحب، وخلال تلك الجلسة ومع انسياب صوته السكين، ونقاشه الهادئ عكس صاحبه المقاتل، ازدادت مكانته في الروح وتعمق موضعه في القلب.كلما التقيته بعدها كنت ازداد معرفة ودرسا أخلاقيا، وهو الذي يؤكد على السلوك الاخلاقي بوصفه نهر الدين الذي يروي السالك. على الرغم من فكره النقدي، فإنك تزداد بمعرفته معرفة ايمانية، وتصالحا مع الذات والآخر، وتتعرف على المزيد من مضان المعرفة وسبلها، والكتب وغثها من سمينها، فكنت كلما خصني بلقاء في مجلسه أطير جذلا وتشوقا للمزيد من المعرفة من المعلم الذي أثّر في أجيال وأجيال ولا يزال.

بالقدر الذي تصدرت فيه مجلته قضايا إسلامية معاصرة المشهد الفكري الديني، بتحملها مسؤولية البحث المعمق في فلسفة الدين وتجلياتها المتنوعة، فضلا عن التركيز على علم الكلام الجديد، عبر استكتاب خيرة المفكرين والباحثين من كل القوميات والديانات والمذاهب، فإنه بذاته لم يكن قليل أثر في الفلسفة التي درسها ودرّسها طويلا وأنجز فيها مجموعة أعمال، منها كتابه المبكر: (مبادئ الفلسفة الإسلامية)، الذي صدر في تسعينيات القرن الماضي، وصار من الكتب الأساس التي يستعين بها طالب العلم وهو يدرج في فهم الفلسفة وتفهمها كرافد في الحياة الفكرية.

تدريسه للفلسفة ترك آثارا بينة حاضرة لليوم، فبين تلامذته مَن لا يزالون يثيرون الجدل، وإن ابتعدوا عن منابعهم، لكنهم في الوقت ذاته يمحضون الأستاذ احتراما واجلالا لافتين، دلالة على عمق تأثير سلوكه الأخلاقي في شخصياتهم. لقد تلمست هذا بيدي في الندوات التي اشتركت فيها كمتحدث، وكان لبعض تلاميذه فيها الحديث، فكانت ردوده غيث يطفئ ما يوشك أن يلتهب من النار، على أنه دائم الاحتفاظ بلغته النقدية، الدافئة التي تعلم وتستثير السؤال، وترفد العلم، دون أن تزرع البغضاء أو توري للشقاق لهيبا يحرص على تجنبه واطفائه حيث يجده.

تجد منهجه الاحتوائي النقدي هذا حاضرا في سلوكه الشخصي، فهو لا يسمح لنقد أن يتحول الى عداوة، ويلقي بأخلاقياته العالية ظلا منيفا على أي نقد لا يكون فيه من العلم ما يكفي، لتجده موجها الى سبل النقد بالمحبة، والتسامح. لا يستصغر شأن أحد ولا يستنكف من نقاش، أو يعرض عن الإجابة على سؤال، لتكون بركة حضوره مزيج من العلم والسلوك الأخلاقي المنضبط.

وهذه الاخلاقيات والمحبة التي تطبع شخصه، انعكست على طبيعة علاقاته المعرفية قبل الاجتماعية، فتجد أصدقاء الفضل والمعرفة في طريقه حيث التفت، بمختلف مشاربهم الفكرية والدينية والمذهبية، ويحاط بالاحترام الذي يستحقه حيث يحل من محافل المعرفة.

وما يؤسفني الآن أن هذا المقال لا يسع أن يحيط بمنهج الرفاعي في تجديد الفكر الديني، الذي دُرس خارج بلده العراق بشكل مكثف، بينما لا يزال في العراق بمستوى مؤسف، فتذهب الرسائل والاطاريح تجاه من لا يدنون من شأنه العلمي، ولا يضارعون منجزه، إلا أن هذه العجالة لا تمنع الإشارة الى مذهبه في الكتب والكتابة، ولو بعجالة شديدة.

إن قارئ كتبه ومقالاته يدرك من أول البدء أنه أمام مفكر مجدد، لا يخجل من مراجعة أفكاره، ونقد متبنياته القديمة مرارا وتكرارا، فهو يردد دائما أن “الكاتب الحقيقي يكتب في حياته كتابا واحدا، ما قبله تمارين، ما بعده تنويعات عليه”. أذكر أنه قال عن كتابه (مقدمة في علم الكلام الجديد) انه كتابه المركزي، ولكن منذ صدوره سنة 2021، حتى صدور طبعته الإلكترونية الرابعة هذا العام 2024 عن مؤسسة هنداوي، دأب الرفاعي على العودة إلى الكتاب، وإصدار طبعات مزيدة ومنقحة منه، الطبعة الأولى ثلاثة فصول والطبعة الرابعة الصادرة خمسة فصول، وتلك دلالة على صبره ومراجعاته المستمرة لما يفكر فيه ويكتبه.

وحاله مع المعرفة عبر القراءة لا يكاد يحيط به وصف، فهو عاشق للكتاب، لا يتوقف عن القراءة، كما نقرأ في كتابه الأخير الصادر نهاية العام الماضي 2023 بعنوان: “مسرات القراءة ومخاض الكتابة: فصل في سيرة كاتب”، حيث يقول: “أنا قارئ قبل كل شيء وبعد كل شيء. لم تمنحني القراءة إجازة ليوم واحد في حياتي، لم أجد نفسي خارج أسر القراءة، وأظن أني لن أتوقف مادمت حيا”. مما يتصف به الرفاعي أنه متابع مثابر لما يكتب، فهو يقرأ للشباب بشغف القراءة للكبار، ولا يتوانى عن الاشادة بما يكتبونه، ويشير الى عملية التعلم المستمرة، وإن العلم لا يقف عند أحد، ولا يطلب من عمر محدد او من مذهب فكري محدد.

اختم هنا بالإشارة الى ركيزة اجدها مركزية في كل اعماله، وهي الانسان، وأذكر مرة أنني سألته عن الحال الحاضر للإنسانية، والنموذج الغربي الذي يقدم على أنه ذروة ما صار إليه الانسان، كيف يمكن ان يستقيم هذا الحكم عند النظر الى حال الانسان الغربي الذي تحول الى ترس في ماكنة؟

أجابني بالرضا المعهود في لغته أن هذه المعضلة ناقشتها مدرسة فرانكفورت الفلسفية، وإن ضمور الانسان لصالح المادة يضمر في ذاته محق الإنسانية واضمحلال المحبة والايمان ومعنى الحياة، وهي تشكل رافد تصب في نهر فلسفة المعنى في أعمال الرفاعي، وتتجلى في سلوكه ومنهجه.

هذه تحية للمعلم في سبعينه، ودعاء بأن يدوم وجوده المبارك.

[1] طالب دكتوراه في العلوم السياسية بكلية العلوم السياسية في جامعة بغداد.

https://altanweeri.net/14778/%D8%AA%D8%AD%D9%8A%D9%8E%D9%91%D8%A9-%D9%84%D9%84%D9%85%D8%B9%D9%84%D9%90%D9%91%D9%85-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A-%D9%81%D9%8A/

سوسيولوجيا القراءة وسيكولوجيا الكتابة

في رحاب السيرة الفكرية لعبد الجبار الرفاعي

د. محمد همام

يواصل نادي أبعاد، بدار الحي، بالبلدة الطيبة (المزار الشريف)، في أكادير بالمغرب، رحلته في القبض على الجمر الفكري، وفي التشبث بالكتاب خير جليس، وبالكتابة تعبيرا وجوديا مؤلما وممتعا. قضينا في هذا النادي أكثر من عشر سنوات (ومازالت الرحلة متواصلة)، متعلمين ومعلمين، محاضرين ومستفيدين، في جلسات مسائية لقراءة الكتب وتدارسها والحوار حولها، مرة في قر الصيف وأخرى في برد الشتاء. يجتمع في جلسات القراءة المعلم والتلميذ، والأستاذ والطالب، والموظف، والتاجر، والفلاح، والمتعلم وغير المتعلم، ننصت للنقاش، مرة بالإعداد، ومرة بالعصف والتعليق والسؤال. ويكون محور النقاش كتاب محدد، تعلن عنه إدارة نادي أبعاد بوقت كاف، وترسل نسخا منه لرواده ولضيوفه. لا تتجاوز الحصة القرائية الجماعية الساعة والنصف، وإذا طالت تكمل الساعتين. قرأت في هذه الحلقات كتبا كثيرة، واستمعت إلى نقاش مستفيض حول أخرى لم أقرأها، ولكن كونت عنها صورة من خلال النقاش، ومن خلال الحاضرين المحضرين والمطلعين، سواء كانت كتبا في الفكر، أو في الدين، أو في التحقيق، أوفي التاريخ، أو كانت روايات، أو سيرا ذاتية…

كانت جلسة هذا السبت2نونبر2024، حول كتاب: (مسرات القراءة ومخاض الكتابة: فصل من سيرة كاتب) للمفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي. وهو كما يذكر في عنوانه جزء من سيرة ذاتية شاملة لم تصدر بعد. وعبد الجبار الرفاعي مفكر وفيلسوف عراقي معاصر، متخصص في فلسفة الدين والكلام الجديد، ويقدم أطروحة جديدة في التفكير الديني وفي فلسفة الدين وتجديد الخطاب الديني. اشتهرت خماسيته الفكرية: الدين والاغتراب الميتافيزيقي، و: الدين والظمأ الأنطولوجي، و: الدين والنزعة الإنسانية، و: الدين والكرامة الإنسانية، و: مقدمة في علم الكلام الجديد. وهو مدير أشهر المجلات الفكرية الإسلامية، وأكثرها انتظاما في الصدور، ومازالت، منذ قرابة ثلاثين سنة، وهي: مجلة قضايا إسلامية معاصرة، بلغت الآن العدد80، وتصدر عن مركز فلسفة الدين ببغداد.

قدمت في القراءة الجماعية بنادي أبعاد مداخلة حول كتاب: (مسرات القراءة ومخاض الكتابة)، بعنوان: سوسيولوجيا القراءة وسيكولوجيا الكتابة. واستعملت مصطلحي سوسيولوجيا وسيكولوجيا باعتبار القراءة فعل قادم من الخارج إلى الذات، وأما الكتابة فهي فعل نابع من الذات ومنبثق عنها، ثم إن القراءة سرور ومسرات تبرز ملامحهما علينا، وأما الكتابة فألم ومخاض لايحس بهما إلا الكاتب، لذلك قال بعض الكتاب: أنا لا أكتب ولكن أنكتب، وقال شاعر: أنا لا أقول الشعر ولكن الشعر (يقولني).

يقع الكتاب في 182صفحة من القطع المتوسط، ويتضمن 24 فصلا، سبعة في القراءة، وستة عشر في الكتابة. يقدم الكتاب خلاصة تجربة الرفاعي ورحلته الطويلة مع القراءة وممارسة الكتابة، من خلال تقنيات: التذكر، والحكي، والسرد، والوصف، والنقد، والسجال. وهو يقر في البداية أن الكتابة تتعلم بالكتابة، ولا يتكون الكاتب بالتوصيات الساذجة والجاهزة، ولا يعرف كاتب عظيم تخرج من مدارس التدريب على الكتابة. الكتابة مسبوقة بالقراءة، لذا فتجربة القراءة، وتجربة العلاقة بالمقروء، والكتاب أبرزه، هي تجربة حياة، لذا مازال الرفاعي يتذكر نصوصه القرائية المبكرة، من خلال قصص: المياسة والمقداد، والسندباد البحري، وعنترة بن شداد… ويذكر أن أول قصة قرأها أشعرته بسحر غريب للقراءة يسري في كيانه، وأغرقت ذهنه برحلة خيالية مدهشة بمعية بطل الحكاية. وهيمنت القراءة على مشاعره منذ تلك الفترة المبكرة. تشكلت مكتبته الأولى من قصص الأطفال ومن الكراسات. كان يحفظها، وكانت قليلة بالمناسبة، ويتقمص شخصية الحكواتي ليحدث بها أفراد أسرته وأصدقاءه. وكانت مدينته (الرفاعي) في الستينيات تفتقر إلى مكان لبيع الكتب. وعندما انتقل في تعلميه الثانوي إلى مدينة (الشطرة، جنوب العراق) بدأت ولادته الثقافية الفعلية الأولى، إذ كانت تتوفر على مكتبة عامة. وكان أول كتاب احتك به مباشرة هو: (لمحات اجتماعية في تاريخ العراق الحديث- ج1) لعالم الاجتماع العراقي علي الوردي، ولم يكن قد سمع به من قبل، وهو في مستوى الثانوي. ولكن ستتوطد علاقة الرفاعي طوال حياته العلمية بالمتن الفكري لعلي الوردي على أكثر من مستوى، وسيكون من أكثر المفكرين الذين استلهم منهم النقد والانفتاح على العلوم الاجتماعية، والرفاعي ابن المدارس الدينية (الحوزة). وبعد اطلاع الرفاعي على كتاب الوري بسنة سيصطدم بكتاب آخر هو (معالم في الطريق) لسيد قطب، فأخذه، وهو التلميذ، إلى وجهة أخرى ستطبع حياة الرفاعي لسنوات، وستترك آثارا وندوبا عليها، لذلك يقول الرفاعي عن كتاب معالم في الطريق: (أدركت متأخرا أن “معالم في الطريق” كان نفقا مظلما ومتاهة خطيرة. ضعت في تلك المتاهة مدة، وضاعت قبلي وبعدي أجيال في متاهات مخيفة، لم يستطع بعضهم الخروج منها كل حياته “.  لذلك كان الرفاعي قاسيا على كتابات سيد قطب، فهي بنظره، مسرفة بالأدلجة، وتغوي بشعاراتها. فنصوص (معالم في الطريق) بارعة في رسم صورة جذابة، للرغبات والمتمنيات والأوهام، تصورها كأنها واقع مجسد في متخيل المراهقين، وتخدعهم بضرورة العمل على استئناف مجتمع الصحابة، ولو بالعنف. (ص115). وانتقد الرفاعي المفهوم التفسيري الذي اشتقه سيد قطب من صلب محنته ومواجهته لديكتاتورية جمال عبد الناصر، وهو (الجيل القرآني الفريد). فهذا المفهوم، بنظر الرفاعي، ليس إلا محصلة متخيل ديني تضخم خارج الزمان والمكان والواقع الذي عاش فيه الصحابة، بوصفهم بشرا اختصموا وتقاتلوا في مرحلة لاحقة. وتشبت قسم من المتدينين بمفهومه سيد قطب هو تشبث بصورة وهمية نحتتها متمنيات فرضها حلم الإنسان الأبدي بصناعة فردوس أرضي. لذلك انغرس المفهوم في ضمير الشباب المتدين، من خلال مقولات اعتقادية مغلقة، أصبح اعتناقها عنده وعندهم شرط الإسلام الصحيح الذي يحلمون به. هذا نوع من النقد الذي يتخلل السيرة الفكرية للرفاعي، في نقد كتاب وقع الرفاعي نفسه في فتنته وغوايته. وفي سيرة الرفاعي أمثلة كثيرة لوقوعه في أسر الكتب، ولكنه أسر إيجابي، لأن وجود الكتاب في حياة الرفاعي، كما يحكي، مازال يشعره بالأمن النفسي، ويؤنسه حين يشعر بوحشة الوجود. (ص22).

ويحكي الرفاعي علاقته الأولى بالكتاب عندما يشتريه أو يهدى إليه، فيقرأ مقدمته ومحتوياته، ويتعرف عليه بالتدريج كما يتعرف على أصدقائه، فإن لم تكن فيه فائدة، يشعر بعبئه في مكتبته كما لو أنه يحمله على أكتافه، ثم يطرده من المكتبه في أول فرصة مواتية. وكم ورط الشغف بالكتب الرفاعي في مواقف محرجة ذكر بعضها في سيرته الفكرية. وحذر من (القراءة العشوائية) لأنها تنتج قارئا عشوائيا، يمضي كل وقته في التهام الكتب بشغف، ويسهر الليالي من أجل ذلك، لكنه يفتقد إلى ناظم فكري أو نموذج معرفي، ولذلك يتحول ذهنه إلى مخزن واسع مكتظ بمعلومات مكدسة، كأنها مطمورات تحت ركام معتم، لا تنتظم بسياق منطقي، ولا ينبثق منها ضوء يبدد عتمتها، بل يتحول القارئ الفوضوي إلى وحش كاسر، فكلما ازداد قراءة ازدادا انغلاقا وتشددا ومعاندة واحتقارا للآخرين. يتمركز حول ما كدسه في ذهنه من معلومات لا رابط بينها، بل يطور كفاءة إماتة بذرة أي سؤال، ويسكت أي صوت غير مألوف في قراءاته، ويغلق النوافذ أمام كل ما يمكن أن يزلزل شيئا من أحكامه النهائية وقناعاته الصارمة. وعندها لا تغير القراءة الواسعة طرق تفكيره، ولا تنقله من طور أدنى إلى طور أعلى في النضج والإبداع، بل تتحول إلى شاهد على البنية اللاواعية لتفكيره، وآفاق انتظاراته ومتمنياته وأحلامه ورغباته، فتنشأ من قراءاته الواسعة هوية مغلقة ومتجذرة في أعماقه، تحصن ذهنه بأسوار منيعة، وبقوة رهيبة قادرة على إجهاض أية محاولة لإيقاظه، أو التصدي لغريب يمكن أن يخترقه، وهو في كل الأحوال يشعر بالأمان في التشبث بكل يقينياته. (ص30-31).

وانتقد الرفاعي ظاهرة الكتبة المتكلمون، أو المثقفون الشفويون، فهم، بنظره، يتحدثون كثيرا بثقة عن كل شيء يعرفونه ولا يعرفونه، وحين تتراكم تحت أيديهم أموال لم يبذلوا جهدا في اكتسابها، يجندون طلاب العلم المحتاجين إلى قوت يومهم، لينتجوا لهم كتبا من ركام كلامهم الشفوي، فيباغتون القراء بعد سنوات قليلة بعشرات الكتب والمجلدات بأسمائهم، وهم الذين لم يعرفوا كتابا ولا باحثين، ولكن عرفوا وعاظا ومتكلمين. (ص32). كما حذر الرفاعي من كتب النصب الفكري التي تسمى: (التنمية البشرية)، و(تطوير الذات)، و(علم الطاقة النفسية). فأغلب مضامينها أوهام وأساطير ومفاهيم غير علمية، وعبارات مستعجلة، وشعارات مبسطة، وتلاعب بمشاعر الناس، وخاصة المحبطين، والكسالى، والحيارى …

وقدم الرفاعي وصفا نفيسا لمكتباتنا بما يحيي وعينا بها، وبما يجعلها جزءا من نسيجنا العاطفي والعائلي، وليست عبئا على فضاء البيت. فمكتباتنا أرشيف ذكرياتنا، فكل كتاب يحمل معه قصة، ويؤرخ لمناسبة. ومكتبتنا إحدى مكونات هويتنا الشخصية، وهي أرشيف ذاكرة وذكريات من أنشأها، لا يشعر بقوة حضورها إلا صاحبها. فمن خلال تشبع الكاتب بمناخات مكتبته، ومكوثه الكثير بين كتبه، تحدث صلة عاطفية حية بينه وبينها، وعند موته تكتئب مكتبته ولا تطيق الحياة بدونه، وتلتحق به لفرط صدمتها بفراقه، وقد يكون موتها انتحارا، أو اعتداء من الورثة الذين يتخلصون منها في أول مناسبة، ويبيعونها بثمن بخس دراهم معدودات، لينطفئ شيء كثير من نور البيت، ولكن أكثر الورثة لا يعقلون ولا يعلمون. لذلك نصح الرفاعي الكتّاب بتدبير أمور مكتباتهم قبل موتهم، بتوقيفها أو إهدائها، للجامعات والمؤسسات التعليمية ودور الشباب والخزانات البلدية، قبل أن تسقط في يد ورثة جشعين لا صلة لهم بالعلم والمعرفة ولا جليس لهم إلا الدينار والدرهم. وللرفاعي قصص طريفة مع مكتبته، فقد باع ستة آلاف كتاب منها للحاجة لتغطية مصاريف إصدار مجلة (قضايا إسلامية معاصرة، سنة1997)، وقد حكى لحظة خروج الكتب من بيته، وكيف ودعتها زوجته أم محمد، وهي تجهش بالبكاء، بل اكتأبت بسبب ذلك، وقد قالت عن تلك اللحظة: شعرت كأن روحي انتزعت مني، وهرولت بعيدا عسى أن أدرك المكتبة. كنت أقتر على نفسي بكل شيء غير أساسي، لفرط شغفي حد الهوس بالكتب، كنت أغفل فأقدم شراء الكتاب على تسوق الفاكهة لأولادي. (ص54).

وبرغم هذا الحدث المؤلم، أي الاضطرار إلى بيع المكتبة، وإلى أمثاله، فقد استمر الرفاعي وأهله في شراء الكتب، لتتكون مكتبة أخرى أضخم، فقد باع ستة آلاف، وضاعت منه 800كتاب عند إقامته في الكويت، لكن مكتبته وصلت اليوم إلى أكثر من 30000 كتاب. وكان الرفاعي واعيا بأزمة الكتاب اليوم في زمن الصورة ومواقع التواصل الاجتماعي، إذ لم تعد الحاجة للكتاب اليوم، كما نتصور، كما كانت من قبل. ولكن ظل الكتاب صديقه الأبدي الذي مكث معه بعد مغادرة أحبته وأصدقاءه إلى الدار الآخرة، أو هاجروا إلى بلاد بعيدة.

الكتابة عند الرفاعي مران متواصل، ابتدأ بالشعر ثم لما لم يتطاوعا افترقا بعنف بعد أن مزق ما نظمه من قصائد. وبقيت، برغم ذلك، روح الشعر ورهافة أحاسيس الشاعر، تظلل كتابات الرفاعي الفكرية والفلسفية، مما لا تخطئه عين المتتبع الحصيف لمتن الرفاعي وللغته. ويحكي الرفاعي أنه تعلم من الكتابة ما تعلمه من القراءة وأكثر. ويحكي عن فعل الكتابة أنه يتهيبه، ويتهرب منه، ويتذرع بمبررات شتى، ويحصل له وجع عند الرغبة في الكتابة. وكان ارنست همنغواي صريحا وقاسيا عندما سأله سائل كيف يتدرب من يريد أن يصبح كاتبا، فقال له: عليه أن يذهب ويشنق نفسه، ثم ينزل عن المشقة، ويفرض هو على نفسه أن يكتب على أفضل ما يستطيع للبقية من عمره. عندها ستكون لديه قصة شنقه كبداية. (ص67).

كتابة الرفاعي منهكة، كما يحكي، تعذبه وتنهكه، وقد تنقله إلى منطقة الخطر.  تشكلت لغته بمشقة بعد تمارين متواصلة ومملة. ثم امتزجت بنمط تفكيره. وهي خلاصات مطالعاته من مراحله المبكرة الأولى ومازالت مستمرة. هي علامات على عواصفه الذهنية وتأملاته العقلية، وما ترسب في أعماقه من جراح محطات الحياة المتنوعة. لذلك فالكتابة عنده داء ودواء، يقلق قبل الكتابة، ويهدأ حين يفرغ منها، ويسكن عند النشر. النشر هو الذي ينقذه مما كتب، وإلا فهو ينشغل به ولا يغادره، ويعود إليه بضغط نفسي مالم ينشر، لانه يظل يحلم بكمال يعانده الاكتمال. كما ترهقه اللغة أكثر من الفكرة، لذلك يعيد التحرير أكثر من مرة. وهو ميال إلى الايجاز في التعبير، ويعتبر الكتابة فن الحذف والاختزال. ثم إن الكتابة عند الرفاعي ليست عملا بحثيا، وليست منهجا أكاديميا معقدا ومثقلا بالقيود، قيود الإحالة والتوثيق، وهي في المحصلة ليست عملا فرديا، إنها ممارسة تختزل، بنظر الرفاعي، سلسلة طويلة من قراءة كتب متنوعة، وكل ما تشبع به وتمثله وعي الكاتب، وترسب في لاوعيه. فالكاتب لا يتكون إلا بعد أن يقرأ كل شيء وينسى معظم ما قرأ. فالكتابة، عند الرفاعي، منجز مشترك، تنصهر فيه عناصر مختلفة لأعمال طالعها الكاتب فتولدت منها مادة مركبة تتكلم بلغته، وتعبر عن تمثله لها وتفاعلاته معها، ويتعرف عليها القارئ من صورته الصوتية(ص72). النص الذي يكتبه الكاتب هو طبقات من النصوص يرقد بعضها في أحشاء بعض. وفي كل نص تتكلم نصوص متنوعة تحيل إلى معجم الكاتب اللغوي وإلى مرجعياته وإلى رؤيته للعالم، وتتكشف فيه ثقافته، وما أنتجته قراءاته وتفكيره وتأملاته. في كل نص نستمع لألحان عدة وكأنها نغم واحد، أو ما سمّاه إدوارد سعيد بالقراءة الطباقية للنصوص. ويخلص الرفاعي لمعالجة التنوع والكثرة في الكتابة بالقول إن كل كاتب يكتب، في الحقيقة، كتابا أساسيا، واحدا، ما قبله تمارين وما بعده تنويعات. والكتابة، من منظور سيكولوجي عند الرفاعي، تمارين على وعي الحياة، عبر اكتشاف أسرار الذات، وما يخفيه الإنسان، والهروب من الهوس وصخب الحياة، والغطس في بحر السلام الداخلي للإنسان. لذلك يعتبر الرفاعي الكتابة علمته أكثر من القراءة، ولكنه يحب القراءة أكثر منها، لأن ألم الكتابة أشد على النفس وعلى دواخلها، برغم أنها تجربة وجودية تتحق أطوارها بأفقها وتجيب عن أسئلتها. ومادامت الكتابة ممارسة حالة وجودية فإن الرفاعي لا يتقيد بأية خطة في الكتابة، ولا يقيد طلابه في الماجستير والدكتوراه.

ويتحدث الرفاعي عن الكاتب الصادق، وهو الذي ترتسم سيرته الفكرية والأخلاقية في كتاباته، تختزل إيقاع صوته. ولا تتحقق الكتابة الصادقة إلا بيقظة الضمير الأخلاقي للكاتب، فالكتابة في إحدى مقاصدها هي امتحان للضمير الأخلاقي، وهي مسؤولية أخلاقية تجاه القراء. ولا مكان في هذا السياق الأخلاقي للكاتب المرتزق، والكاتب تحت الطلب، وكاتب السوق، يكتب لمن يدفع أكثر. والكتابة تجربة فريدة، نمارس بها اختلافنا، ولا وجود لكتابة مستنسخة، فكل كاتب عليه أن يشتق لغته وأسلوبه من تجربته الخاصة، وتجربة الكتابة لا تورث ولا توهب ولا تقلد. فالكتابة مطالعة مكثفة وتجربة خاصة مكثفة أيضا ومؤلمة كثيرا. والكتابة بلا قراءة عملية عبثية واجتراح لمستحيل.

حذّر الرفاعي من الكتابة عندما تتحول إلى سلطة وتمنح الشرعية لمن لا يستحقها، سواء باسم السماء أو باسم الأرض. وحذر من التهام الكتابات الأيديولوجية لأنها تقود إلى الاغتراب، وتحكم قبضتها على قراء دراويش في زنازن من الغضب والسخط والاكتئاب الوجودي. إن الكتابة الأيديولوجية تتقن ايقاد مشاعر المعذبين المستضعفين، لكنها تعذبهم في وجودهم وفي حياتهم، وتحرق دواخلهم.

يقدم كتاب الرفاعي: (مسرات القراءة ومخاض الكتابة) فرصة لكل كاتب أو عازم على الكتابة أو متردد متخوف منها، لاقتحام عالمها من خلال هذا الحكي والسرد والتذاكر والسجال، من خلال تجربة غنية ومؤلمة لكاتب لم يعرف إلا بالقراءة والكتابة، ومنذ صغره وهو يحترق بها وتحرقه، ولكنه يظل ممعنا وعنيدا بالغطس في نارها، بحثا عن قبس من روحه وموجوده، وبحثا عن أجوبة عن أسئتله المحرقة التي لاتنتهي.

المزار الشريف، السبت2نونبر2024.

د. محمد همام، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، أكادير – المغرب

https://altanweeri.net/14843/%D8%B3%D9%88%D8%B3%D9%8A%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A7%D8%A1%D8%A9-%D9%88%D8%B3%D9%8A%D9%83%D9%88%D9%84%D9%88%D8%AC%D9%8A%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%A7/