عبد الجبار الرفاعى: الطريق الثالث

د. حسن حنفى[1]

أثناء زيارة قم بعد قيام الثورة، وبالمصادفة تعرفت على شاب عراقى فى مقتبل العمر في حوزة قم، يجتهد ويفكر فى مدينة الاجتهاد والتفكير. حوّل بيته إلى مكتبة، وحصير غرفه إلى منتدى فكري وقاعات للاستقبال والدراسة، على طريقة العلماء القدماء. هو وأسرته يستقبلون الطلاب. لا فرق بين منزل وجامعة، بين طعام الجسد وطعام الروح.

هو فقيه وعالم من علماء التراث، منفتح على قضايا العصر، مثل عديد من العلماء فى قم الذين يحملون همّ نشر التراث، كما تفعل مؤسسة آل البيت لإحياء التراث للعلامة جواد الشهرستانى، التى أسسها وأنفق عليها، ويعمل فيها المححقون الشبان. ومثل أصحاب مكتبات التراث التى تزخر بها شوارع قم، فالدين والعلم قرينان. كما تزخر قم بعديد من مراكز الأبحاث لتربية العلماء الشبان، إقامة ودراسة،كما كان الحال فى تراثنا القديم، حتى أروقة الأزهر القريبة العهد. لا يحتاج العلم إلى دولة ترعاه، أو مؤسسة تسانده، بل يكفى أن يتطوع عالم بمفرده بكل ذلك، على سنة القدماء أو ما يسمى قطّاعا خاصا أو مؤسسات ثقافية للمجتمع المدنى. فالعلم هو الدولة، والدولة صرح يشيده العلماء.

بدأت الأعداد الأولى لمجلته “قضايا إسلامية معاصرة” فى الصدور، تنبئ بمضمونها واتجاهها، الطريق الثالث الذى يتجاوز السلفيين والعلمانيين. وتفتح صفحاتها إلى عديد من المفكرين الجدد الذين يمثلون هذا التيار، فى شكل حوارات معهم أو مقالات منهم، واضحة ومفهومة، وقادرة على إقناع القراء بما تريد. فما كنت أفكر فيه: في إنشاء مجلة فصلية “اليسار الإسلامى” ها هى تصدر فى قم، بصرف النظر عن العنوان. والأفكار تتوالى بصرف النظر عن المكان، قم أم القاهرة، مما يدل على مدى الحاجة إليها وواقعيتها. فقد آن الأوان لتطوير الفكر الإصلاحى، من الخطاب الأخلاقى الوعظى إلى الخطاب العلمى التحليلى.

 

هو عراقى مهاجر إلى حوزة قم، بعد أن حُكم عليه بالإعدام فى بغداد، أيام حكم الاستبداد السابق، ومطاردة العلماء والقادة الوطنيين. لم تكن الهجرة إلى باريس أو لندن للنضال من بُعد، بل كانت إلى قم مدينة العلم والثورة، والقريبة إلى بغداد. واستمر النضال الثقافى كأساس للنضال السياسى فى أيام الثورة الأولى، التى كانت تمثل أملاً للمسلمين جميعا، خاصة فى فلسطين بعد أن تحولت سفارة إسرائيل المفتوحة أيام الشاه إلى سفارة لفلسطين.

وصدرت الأعداد الأولى لمجلة “قضايا إسلامية معاصرة”، وكأننى أقرأ نفسى، لا فرق بين شيعة وسنة. تحمل نفس الهموم، قضايا “التراث والتجديد”، متجاوزة ما كان يصدر فى العالم الإسلامى، فى الكويت، أو فى ماليزيا. تحمل همومًا ثقافية، وإن لم تشر صراحة إلى العراق أو إيران أو الثورة الإسلامية. وقد تجلى ذلك فى المقابلة مع عبد الجبار الرفاعى، بعنوان “قم تسأل، والقاهرة تجيب”، مما أحزن بعض علماء قم، وكأن قم هى الحائرة، والقاهرة هى التى لديها الخبر اليقين، وهو غير صحيح على الإطلاق.كان يمكن أن يكون العنوان بالعكس “القاهرة تسأل، وقم تجيب”. فالسؤال أحيانا أهم من الجواب.

وفى القاهرة صدر العدد الأول من “اليسار الإسلامى” عام 1980 حاملاً همّ الأمة، فى العراق وفلسطين وكشمير والحجاز. فلماذا لا تتعدد البؤر الثقافية للإسلام التنويرى على مختلف مداخله، فى قم والقاهرة وفى كل مدينة ثقافية إسلامية. فالبحث جار عنه فى أندونيسيا وماليزيا وجنوب أفريقيا، يساهم فى تحرير الشعوب ونهضتها، وإنشاء جيل جديد يشق طريقه بين السلفيين والعلمانيين، بين القدماء والمحدثين، بين التقليديين والتجديديين، مثل “نهضة العلماء” فى أندونيسيا.

وتحويل “قضايا إسلامية معاصرة” من قم إلى بغداد، وعودة مؤسسها إلى موطنه الأصلى، شجاعة كبيرة فى جو العراق بعد نهاية الاستبداد، حيث الاحتلال مازال جاثما بطريقة أو بأخرى، وما يهدد العراق من مخاطر التجزئة. فالتحرر الحقيقى لا يأتى فقط عن طريق المقاومة العسكرية للاحتلال، أو مقاومة التجزئة الطائفية والعرقية، بين الشمال الكردى والوسط السنى والجنوب الشيعى، بل يأتى عن طريق العمل الثقافى على الأمد الطويل، وإعادة تفسير التوحيد بما يحقق وحدة العراق، والعدل بما يحقق العدالة الاجتماعية، والنبوة والمعاد كبعد للتاريخ بين الماضى والمستقبل، والإيمان والعمل هو الحاضر والتأثير فيه. ولا يكفى فقط إعادة قراءة العقائد، بل أيضا الأحكام الشرعية، وإعطاء الأولوية للمعاملات على العبادات. تستطيع “قضايا إسلامية معاصرة”  أن تكون منبرا للحوار الوطنى بين مثقفى العراق وعلمائه، وليس فقط بين ساسته. فالثقافة السياسية لها الأولوية على العمل السياسى.

شارك عبد الجبار الرفاعى فى أعمال الجمعية الفلسفية المصرية فى مؤتمرها بجامعة قناة السويس بالإسماعيلية، وهو أحد أعضائها البارزين.كان سيقدم هذا العام سيرته الذاتية، لولا أن منعته الظروف من الحضور. وهو يمثل تيارا تنويريا فى العراق وإيران. كما يمثل “اليسار الإسلامى” هذا التيار فى مصر. وقد أصبح هذا التيار شائعًا كموضوع دراسة فى الماجستير والدكتوراه.

ومازالت هناك صعوبات أمام التيار الذى تمثله “قضايا إسلامية معاصرة”، و”اليسار الإسلامى”. كيف يمكن تحويل اجتهادات فردية فى بغداد والقاهرة إلى تيار فكرى، له مفكروه وطلابه وأنصاره وتأثيره؟ فمازال الاستقطاب بين التيارين الكبيرين، الإسلامى والعلمانى شديدًا، لدرجة الخصومة والتناقض، بل والعداوة والعدوان. الإسلاميون يكفّرون المدنيين، والمدنيون يخوّنون الإسلاميين، لدرجة قسمة البلاد إلى فريقين متناحرين متنازعين. ونسى كلاهما العداوة الرئيسية للاستبداد فى الداخل، والعدوان فى الخارج، والتبعية لأمريكا، والاستيطان الإسرائيلى. مازال كل فريق يتسابق نحو السلطة، ظانا أنه إذا حصل عليها استطاع أن يحقق برنامجه الدينى أو المدنى: “إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”.

لا تتبنى الرفاعي أية مؤسسة، أو أى حزب، أو أى نظام سياسى. فمازال المنطق السائد هو منطق “إما… أو” على النقيضين، وليس منطق “معًا” أو “سويًا”، تحت تأثير حديث الفرقة الناجية، ووجود الحق من جانب واحد. بل إن الإصلاح الذى حاول التجديد والخروج من مأزق الاستقطاب كبا أكثر من مرة، بسبب اضطهاد الإسلاميين وسجنهم وتعذيبهم، فارتدوا معظمهم سلفيين محافظين.

الكل ينادى بالحل الثالث، وضرورة تجاوز الاستقطاب، لكن الواقع لا أحد يريده أو يفهمه، لأنه لا يطالب بالسلطة مطلب الفريقين المتنازعين. ويعمل على الأمد الطويل، التغيير الثقافى، والانتقال إلى مرحلة تاريخية جديدة. يتهمه العلمانيون بالإسلامية المتخفية، ويتهمه الإسلاميون بالعلمانية المتخفية. ليس له منبر يستطيع التحدث من خلاله. مازال تيارًا فكريًا يتمثله بعض المثقفين. وهو بعيد عن الوسطية التى تنتهجها التيارات الإسلامية المحافظة، لأنه يتطلب أحيانًا الثورة والتطرف فى أخذ حقوق الفقراء من أموال الأغنياء، وحقوق المستضعفين من نهب المستكبرين. لا يتعامل مع نظم سياسية، حتى لا يفقد استقلاله، ويظل تيارًا فكريًا يخاطب المثقفين، لإعادة بناء الثقافة الشعبية. هذا ما تمثله “قضايا إسلامية معاصرة” بإشراف وتوجيه عبد الجبار الرفاعى.

تحتاج المجلة إلى مزيد من التعريف والانتشار خارج العراق. ومازالت فى حاجة إلى تعدد كتّابها، وعدم قصرهم على فئة واحدة. وكل شىء يبدأ صغيرًا وينتهى كبيرًا. و قضايا إسلامية معاصرة بدأت كبيرة ومازالت تكبر، بفضل صاحبها ومؤسسها وراعيها وحاميها من غوائل الزمان عبدالجبار الرفاعي.

نعيد نشر هذه الشهادة تخليدًا لذكرى الصديق العزيز المرحوم الدكتور حسن حنفي، الذي كتبها بمناسبة صدور العدد 60 التذكاري لمجلة “قضايا إسلامية معاصرة”. عندما كانت كتاباته حاضرة بكثافة في المجلة، خاصة في موضوع “علم الكلام الجديد”، الذي خصصت له المجلة ستة أعداد في سنواتها الأولى، وغيره من محاور المجلة في سنوات لاحقة.

[1] مفكر مصري.

 

https://tafker.net/2024/07/11/%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D8%B1%D9%8A%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%AB%D8%A7%D9%84%D8%AB-%D8%A8%D9%82%D9%84/

احتفال (مجلة التنويري) بسبعينية الدكتور عبد الجبار الرفاعي،

تحتفل (مجلة التنويري) هذا الشهر – تموز/ يوليو 2024 بسبعينية المفكر العراقي الدكتور عبد الجبار الرفاعي، الذي ولد بجنوب العراق سنة 1954. بدأ الرفاعي قارئا نهما، واستمر راصدا يقظا حاذقا لحركة الفكر في المنطقة والعالم. وأمضى أكثر من أربعين عاما تلميذا وأستاذا ومؤلفا في حوزتي النجف وقم، إلى أن اجتهد في معارف الدين. وبموازاة ذلك تحصل على الدكتوراه في الفلسفة الإسلامية، والماجستير في علم الكلام، والبكالوريوس في معارف الدين.

منذ 35 سنة يعكف الرفاعي على مشروعه في (التنوير)، منطلقا من رؤية تجديدية “لا إحيائية ولا إصلاحية” وفقا لمفهومه للإحياء والإصلاح والتجديد. تذهب رؤيته التجديدية إلى الأعماق ولا تتوقف عند السطح، وتنطلق من الأصول المؤسسة في الدين، فتبدأ بعلم الكلام، بوصفه كما يرى: “نظرية المعرفة في الإسلام”، التي تتأسس عليها الفروع. وضع خارطة طريق لبناء هذا العلم في كتابه: “مقدمة في علم الكلام الجديد”، واقترح “إعادة تعريف الوحي” معيارا لتمييز الكلام الجديد عن القديم. وقبل ذلك وضع تعريفه للدين، بقوله: “الدين حياة في أُفق المعنى، تفرضه حاجة الإنسان الوجودية لإنتاج معنىً روحي وأخلاقي وجمالي لحياته الفردية والمجتمعية”، ومن هذا التعريف انبثقت رؤيته لتجديد معارف الدين. الرفاعي مولع بالتفكيك، لكنه مولع أيضا بالبناء، فهو يفكك ليركب، ويهدم ليبني، ففي كل ما كتبه يؤكد على أنه: “ينشد ايقاظ المعاني الروحية والأخلاقية والجمالية في الدين”، ويحدد هذه المعاني في ضوء منهجه في تفسير القرآن الكريم. في سياق ذلك ولدت أسئلته الضرورية والحاسمة، أكثر بكثير مما أنتج اجابات نهائية وناجزة، لأنه يرى أن: “الأسئلة الميتافيزيقية لا جواب نهائيا لها”. كان الرفاعي ومازال يعمل بجهود وموارد شخصية، وهو يثابر على غرس فسائل العقل بصبر وحكمة ومحبة في أرض وعرة شائكة.

تعد مجلة قضايا إسلامية معاصرة (1997- ) الرائدة، التي صدر منها 80 عددا متخصصا في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد، العلامة الفارقة في مشروع الرفاعي، إذ يمكن اعتبارها سجلا ثريا لرحلته الفكرية من دارس ومدرس ومؤلف في علوم الدين الى مفكر معاصر في فلسفة الدين ومنظر لعلم كلام جديد، يعيد تعريف الإنسان والوحي والدين والشريعة، مشغول بأسئلة الانسان وقلقه الوجودي و(ظمئه الانطولوجي) في عصر التكنولوجيا الرقمية والنانو فيزيك.كما ان المجلة سجل شامل لعقود من الصيرورة الفكرية والمعرفية لمنطقتنا في سياق تجربتها الاشكالية مع (الدين في الاجتماع السياسي والحكم) وفي سياق اتجاهات التفكير الفلسفي العالمية، واسئلة التحديث والحداثة وما بعد الحداثة وصلتها العضوية بالفكر الديني.

ورغم نخبويتها فقد تلقفت أجيال مختلفة كتب الرفاعي، الأخيرة منها خاصة، مثل: (السؤال اللاهوتي الجديد)، (الدين والنزعة الإنسانية)، (الدين والظمأ الأنطولوجي)، (الدين والاغتراب الميتافيزيقي)، (مقدمة في علم الكلام الجديد)، (مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث)، (مسرات القراءة ومخاض الكتابة)، وهي مؤلفات تنتشر بشكل واسع وتعاد طباعتها باستمرار، بنحو أضحت فيه أشبه بالظاهرة الثقافية.

ابتهاجا بهذه الظاهرة الثقافية، واحتفاء بالقراءة والكتابة والتفلسف والأسئلة والأجوبة والتجديد تحتفل (التنويري)، بمعية منصات عربية اخرى، مثل جريدة (الصباح) العراقية، بمسيرة الرفاعي، التي أحيت الفلسفة في زمن الاسلام السياسي، وايقظت النزعة الانسانية في الدين، وعززت المعاني الروحية والأخلاقية والجمالية في التدين.

ستنشر التنويري سلسلة مقالات وشهادات تكريمية كتبت بهذه المناسبة

محرر مجلة التنويري

 

 

 

الهوامل والشوامل

في إيقاظ العقلِ الخاملِ بالتَّساؤُل

د. علي المدَن[1]

افتتاحية العدد الجديد من مجلة قضايا إسلامية معاصرة، العدد 79-80، (2024 م- 1445 ه). المجلة تحت الطبع، تصدر عن مركز دراسات الدين في بغداد قريبا. تنشر هذه الافتتاحية بالتزامن مع صدور العدد الجديد للمجلة.

 

1- ثالثة الأثافي

كتبت قبل عشر سنوات مقالًا عن الرفاعي بمناسبة بلوغه الستين وكان عنوان المقال: (من الإسلام السياسي إلى الإيمان النقدي)، تحدَّثتُ فيه عن انتقالة الرفاعي من تجربة “الداعية الأيديولوجي” إلى تجربة “المؤمن النقدي“، حيث يكون الإيمانُ أوسعَ من مجرَّد لفافة عقائدية مغلقة، بل تجربة روحية منفتحة. ثم عدت في افتتاحية العدد المزدوج من مجلة “قضايا إسلامية معاصرة” (59-60) وكتب مقالًا ثانيًا عن محطَّات الوعي لدينا في العراق في دراسة المسألة الدينية، واتخذت من قصة صدور المجلات البحثية حول القضايا المتعلقة بدراسة الدين منطلقًا لتجييل الدراسين الدينيّين عندنا، فذكرت ثلاثَ مجلات، هي: (العلم، والأضواء، وقضايا إسلامية معاصرة)، واعتبرت أن كل مجلة تمثِّل تيارًا في الوَعي بالسُّؤال الديني، له إشكاليته وأسلوبه في دراسة تلك الإشكالية. وها أنا اليوم أعود بمقالٍ ثالث عن الرفاعي وتجربته وهو على بُعد أشهر من إكمالِ عامه السبعين، حيث يجتمع ميلادُه الشخصيُّ بميلاد العددِ “الثمانين” من مجلته/ مجلتنا (قضايا إسلامية معاصرة).

2- التَّداوي بالتفلسف

هناك سؤال كبير حول مهمة الفلسفة وجدواها في الحياة، وقد طُرح هذا السؤالُ بعدة صيغ، منها الشكل الآتي: ماذا تقدم لنا الفلسفة؟ وكيف يمكن لها أن تسهم في تحسين حياتنا البشرية؟ وبنحو أكثر جذرية: هل بقي للفلسفة ما يمكنها الانشغال به أم أن العلوم تكفَّلت بهذه المهمة ولم يعد للفيلسوف مهنة؟ من المتوقع ألا تعجب هذه الأسئلةُ الفلاسفةَ كثيرًا، فلا أحد منهم يقبل أن يكون عاطلًا عن العمل أو عرضةً للاستخفاف والتَّهكُّم! ومن هنا تنوَّعت ردودُ فعل الفلاسفة؛ البعض منهم كان أكثر تواضعًا فقبل الانشغالَ بالموضوعات التي لم يتبلور فيها بعد رأيُ للعلم، والبعض الآخر حاول اختلاقَ مهمة للفيلسوف هي أشبه بالعمل اللغوي، حيث تقتصر وظيفة الفيلسوف على التأكّد من صحة وسلامة استخدامنا للغة في الحياة العلمية والعامة، وفحص دلالات المفردات في مجال التداول البشري بنحو تكون قابلة للتحقّق والاختبار التجريبي. وهناك فئة ثالثة تتحدث عن وظيفة أخرى للفلسفة، وهي اختراع المفاهيم، ودراسة الخيارات الممكنة التي تستحق أن نعيش وفقًا لها، فنحن في النهاية، وهذه هي تجربة الكائن البشري داخل الزمن، مضطرون أن “نختار”، ضمن مساراتٍ محدودةٍ في الغَالب، ما يرسم الباقي من مستقبلنا. إن دراسة الخيار الأفضل، الملائم لأهدافنا، هو عملُ الفيلسوف الحقيقي، هكذا يقول هذا الفريق من الفلاسفة.

مهما يكن، فالشيء الوحيد الذي تجتمع عليه الآراءُ المتقدمة، ويوجد غيرُها بطبيعة الحال، هو أنَّ “التفلسف” قد كفَّ عن الادِّعاءات الضخمة، فلم يعد مسموحًا، لا للفيلسوف ولا غيرِه، الكلام عن المنظومات الفلسفية الشاملة التي تفسّر كلَّ شيء، وتجيب عن كلِّ شيء، وتضع الحلولَ لكلِّ مشكلة. لقد أصيب العقلُ بصَدع كبير، ولم تبق –مبدئيًّا- ثمة فلسفة لكل الناس، ولا ثمة جواب لكل مشكلة. وإذا ما كان للإنسان من “منقذ من الضلال” فهو يتلخص في التركيز المستمر على تحليل “طريقة التفكير السليم” ودرء أكبر قدر ممكن من الأخطاء المحتملة، والتفكير السليم يبدأ أولًا وقبل كلِّ شيء في السّؤال الصحيح.

3- هوامل وشوامل أبي حيان

أنا من القرّاء الذين لا يدقِّقون في أسانيد منقولات التوحيدي؛ لأنني أرى أن المهم في كلامه ليس ما يحكيه بل ما يريد هو قوله. ثم إن التوحيدي، وفي أحيان كثيرة، يضع بلغته الفخمة وبلاغته الفريدة ما يختاره هو على لسان غيره المنقول عنه. من هنا، فإن منقولات التوحيدي تحظى بنفس أهمية آرائه المباشرة، بل وتعبّر عنها في غالب الأحيان. في واحدة من منقولاته يقول على لسان الخليل بن أحمد الفراهيدي: (لا تجزع من السؤال فإنه ينبّهك على علمِ ما لم تعلم). وفي الليلةِ العاشرة من “الإمتاع والمؤانسة” يخصِّص التوحيديُّ حكاياته لـ”نوادر الحيوان“، ويذكر مصدرَه فيقول: إنها جاءت من سماعي و”سؤالي” للعارفين بهذه الموضوعات. وفي الليلة (التاسعة عشرة) نقل عن إبراهيم بن الجنيد قوله: (أربع لا ينبغي لشريف أن يأنف منهنّ وإن كان أميرًا)؛ عدَّ منها: (وإن سُئل عمَّا لا يعلم أن يقول لا أعلم)، ثم كرر النقل نفسه بصيغة أخرى في الليلة (الواحدة والثلاثين)، فقال: (والسؤال عمّا لا يعلم ممن هو أعلم منه). ومن يتتبع كتابات أبي حيان يجده من أكثر الناس شغفًا بالأسئلة، إلى حدِّ أنْ جعل من السؤال شعارَه المفضل ووصيتَه لقرّائه، فقال (اهتكْ سُتورَ الشكِّ بالسّؤال) (البصائر: 6 / 126).

وكما هو معروف فإنَّ خلاصةَ العملِ الكبير الذي قام به أركون في أطروحته (نزعة الأنسنة في الفكر العربي) كانت حول وجود هذه النزعة في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي)، وبدل أن تكون كتبُ الفلسفةِ ومصنفاتها التقليدية ميدانَ هذه النزعة والمعبّر عنها؛ رأى أركون أنَّ “الأدب” هو من فعل ذلك، ولهذا اتخذ كتبَ مسكويه والتوحيدي مادةً لبحث وتحليل وملاحقة هذه الفرضية. وبخصوص “الهوامل والشوامل” انتهى أركونُ إلى أنَّ مسكويه لم يكن على نفس المستوى من حساسية ورهافة أسئلة التوحيدي، فبينما كان الأخيرُ قلقًا وإشكاليًّا، يبحث عمن “يعرف الفَحْوَى ويَلْحَق المَرْمَى” من هوامله (انظر المسألة الخامسة) نجد أن مسكويه يبدو واثقًا بعدّته العقليَّة التحليلية ويجيب بوثوقية عالية؛ متوقعًا أنْ يُفْضِيَ التوحيديُّ بـ “شَوَامِلِه” إلَى بَرْدِ اليقين.

لم تكن أسئلةُ التوحيدي خاصةً بعصرها، بمعنى أنها لم تكن تعبّر عن حاجة إنسان القرن العاشر الميلادي فقط، فحتى نحن، وبعد أكثر من ألف سنة من رحيل التوحيدي، ما زلنا نتساءل معه نفس الأسئلة. وما يميز أسئلةَ أبي حيان أمران:

(الأول) أنه جعل الإنسانَ محورها دون اعتبار لأي دين أو عرق أو منطقة، فتساءل عن أحواله كلِّها؛ في علاقته بالمعرفة (مسألة 62)، وفي انصرافه عمّا يجهل (مسألة ١٥)، وفي حبه للعاجلة (مسألة ٥٥)، وفي شوقه لما مضى (مسألة ٦)، وفي تواصيه بالزهد ثم حرصه على الدنيا (مسألة ٤)، وفي تَحَاثِّه على كتمان الأسرار ثم هتكه لها بالإفشاء (مسألة ٢)، وفي حيائه من القبيح ثم تبجحه به (مسألة ٨) … إلى غير ذلك من حالات الإنسان النفسية والاجتماعية والمعرفية (سياسته، غضبه، فرحه، إلفته، مديحه، تصابيه، خياله، إشمئزازه، حسده، نظافته ووسخه، انقياده وتمرده، خوفه، خبثه، بذاءته، احتياله، عدوانه، جده وهزله، ضجره وقسوته، تشاؤمه وتهكمه، جبنه ورعونته، عفته وخلاعته، وخفته ووقاره …) إلى ما يفوق العد والإحصاء من الحالات التي تناولها أبو حيان حتى قال هو نفسه عن الإنسان في كلمة خالدة: (إن الإنسانَ قد أُشْكِلَ عليه الإنسانُ) (مسألة ٦٨).

والأمر (الثاني) الذي يميز أسئلةَ أبي حيان هو “أشكلتُه” للقضايا التي جعلها موضعًا للتساؤل، فهو لا يعتبر تلك القضايا مجردَ موضوعاتٍ “بحثيَّة” يمكن الإجابة عنها بالمتوفر من معلومات شائعة، بل يضع نفس تلك المعلومات موضع بحث وتحرٍّ فيدعو إلى (تحديد نظر وتجديد اعتبار) (مسألة ٥٥)، وهو يقصد إعادة تعريف المشكلة محلّ السؤال وتجديد أساليب الاستدلال فيها. أما النتيجة، فستكون كما قال: (وإذا تنفَّس الاعتبارُ أدى إلى طرق مختلفة) (مسألة ٤٩) وهذا ما يبحث عنه التوحيدي: (الطرق المختلفة)، لذا كان آخر سؤال له في “هوامله” عن تنقُّل الإنسان بين المذاهب الفكرية وما يعنيه ذلك أو ما يستلزمه من الخروج عنها جميعًا (مسألة ١٧٥).

٤- هواملُ وشواملُ الرفاعي

على مدى أكثر من سبعة وعشرين عامًا (١٩٩٧ – ٢٠٢٤) احتوت مجلةُ “قضايا إسلامية معاصرة” على (١١٣) حوارًا منفردًا (أقصد بـ “المنفرد” غير تلك الحوارات العامة في الندوات النقاشية المشتركة)، كانت حصةُ الرفاعي وَحْدَه منها (٦٢) حوارًا، أي أكثر من نصف الحوارات. امتازت هذه المادة الغزيرة من الأسئلة بأمور، منها:

أولًا: أنها شيَّدت جسرًا من التثاقف بين نخبة كبيرة من المثقفين في العالم العربي وإيران والغرب (من بين الأسماء العربية نذكر: محمد أركون، حسن حنفي، محمد عمارة، يحيى محمد، عبد المعطى بيومي، محمد حسن الأمين، محمد حسين فضل الله، عبد الهادي الفضلي، محمود البستاني، طه عبد الرحمن، عبد الوهاب المسيري، فتحي المسكيني، علي حرب، رضوان السيد، عبد المجيد الشرفي، وجيه كوثراني، هاني فحص، تركي الحمد، محمد أبو القاسم حاج حمد، السيد ولد أباه، محمد عابد الجابري، احميدة النيفر، نادر كاظم، هشام داود، أبو يعرب المرزوقي، برهان غليون، عبدالله إبراهيم، ماجد الغرباوي، غالب الشابندر … إلخ. ومن الأسماء الإيرانية: مصطفى ملكيان، داريوش شايغان، حسين نصر، صادق لاريجاني، محمد مجتهد شبستري، عبد الكريم سروش، محسن كديور، محمد علي التسخيري، عبد الله جوادي آملي … إلخ. ومن الغربيين: يورغن هابرماس، ريتشارد بورك هوفر، ستيفن ايفانز، محمد ليغنهاوزن).

ثانيًا: أنها وضعت جميع الاتجاهات الفكرية في ندِّية متقابلة؛ فيها الكثير من التعارف والهموم البحثية المشتركة دون قطيعة أو رفض مسبّق.

ثالثًا: أنها تشكل سيرةً لتطور الحياة الفكرية عند جيل كبير من المثقفين العراقيين الإسلاميين، وبنحو خاص سيرة الرفاعي الذاتية، في المنفى الإيراني ثم في العراق بعد ٢٠٠٣. يمكن التعامل مع تلك الأسئلة ليس فقط كاشتغال للعقل في موضوعات إشكالية وتحوّلات هذا الاشتغال وتطوراته بل واستجابة للتحديات التي عاشها هذا الجيلُ في سياقٍ خاص داخل الزمان والمكان، وعلى لسان الرفاعي بوصفه أحدَ أهمّ ممثلي هذا الجيل.

٥ – التساؤل بوصفه سيرةً ذاتية

يوضح الرفاعي علاقةَ الأسئلة بالتفكير الأيديولوجي فيقول: (الأيديولوجيا تقوض الأسئلة المفتوحة؛ لذلك لا يبقى في فضائها أيُّ سؤال مفتوح، وتحرص أن تقدم إجاباتٍ جاهزةً لكل سؤال مهما كان). يعتبر الرفاعي فكرةَ الإجابات الجاهزة عن كل سؤال “منطقًا تبسيطيًّا” للتفكير الأيديولوجي الذي يعطل “التفكيرَ التساؤليَّ الحرَّ المغامرَ“، ثم يشير في المقابل إلى دورِ ووظيفةِ التساؤل في الحياة الفكرية، فيكتب: (لا يتطور المجتمع ما لم يكن تفكيره تساؤليًّا على الدوام. التفكير التساؤلي هو الذي يمكِّننا من الوصول إلى ما هو ممنوع التفكير فيه) (التأكيد في النص مني). ويضيف: (وظيفة الأسئلة وظيفة أساسية: إنها تفتح أفق النقد والمراجعة، وتدعو العقل لفضح الأخطاء، تلك الأخطاء التي كانت لزمن طويل تعد من الحقائق واليقينيات النهائية) (التأكيد في النص مني، راجع “الدين والظمأ الأنطولوجي”، ط٤: ١٧٣، ١٧٤، ١٧٥).

بناء على ذلك يحقّ لنا التساؤلُ حول أسئلة الرفاعي نفسها: إلى أي حد يمكن اعتبارُها “مدخلَه الخاصَّ” للوصول إلى “الممنوع من التفكير فيه“؟ “الممنوع” الذي كان الرفاعي، ومِن خلفه الجيل الذي ينتمي إليه، يعيش فيه ويتحرك في دائرتِه؟ وهل كانت أسئلتُه “فاضحةً” للأخطاء؟ وما هي طبيعة تلك الأخطاء ومجالها؟

في موضع آخر يتحدث الرفاعي عن ارتباط علم الكلام الإسلامي بالعصر الذي ولد فيه، فيرى أن هذا العلم هو تعبير عن أسئلة المجتمعات الإسلامية القديمة وما واجهته من تحديات، ثم يصف تلك المقولاتِ والآراءَ المنبثقةَ عن تلك الأسئلةِ بأنها (لا تعرف أسئلة حياتنا الراهنة، الأسئلة المنبثقة من تحديات وهموم ونمط حياة يختلف عن نمط الحياة الذي انبثقت عنه التحدياتُ الماضيةُ اختلافًا تامًّا) (مقدمة في علم الكلام الجديد، ٢٠٢٣: ٤٩).

والسؤال هنا أيضًا: ماذا تكشف أسئلةُ الرفاعي من “تحدياتٍ، وهمومٍ، ونمطِ حياةٍ مختلف” في تجربة مجلة “قضايا إسلامية معاصرة”، وخصوصًا في مرحلتَي المنفى الإيراني وما تلاه في تجربة العراق بعد ٢٠٠٣؟

أخيرًا، وفي موضع ثالث غير ما تقدم، يتناول الرفاعيُّ علاقةَ المتكلم الجديد بـ”الحسّ التاريخي“، وبالرغم من إيمانه بوجود نمطٍ من الأسئلة يسميها بـ(الأسئلة الميتافيزيقية الكبرى) لا يمكن التوصل إلى أجوبة نهائية بشأنها، وهي تحديدًا ما يختص الدينُ بالإجابة عنها (مقدمة، ٢٠٢٣: ٢١، ١٠٤، ١٩٣)، فإنه ينفي عن الشيخ محمد عبده أن يكون “متكلمًا جديدًا”، والسبب في رأيه هو أن عبده يفتقد لهذا “الحسّ”، الذي يعني الوعيَ بالعصر وتحولاته العميقة في المعرفة ومكانة الوحي فيها، وبالتالي فهم وظائف الدين القديمة، ليقول في النهاية: (ولا يمكن أن يتحرر كلُّ فهم للدين ونصوصه من الأفق التاريخي الذي ينبثق فيه) (الدين والظمأ الأنطولوجي، ٢٠٢٣: ١٣١، ١٤٢).

والسؤال هنا: ما هو “التاريخي” في الدين الذي كشفتْه أسئلةُ الرفاعي؟ وهل تنامى فيها هذا الحس التاريخي؟

٦ – المسكوت عنه في الأسئلة

كأيِّ كاتبٍ محترفٍ يبرع الرفاعي في تجريد المشاكل التي يدرسها. يتمثل التجريد هنا بطرح المشكلة (أي مشكلة كانت) كسؤال نظري تتوارى خلفه المشاكلُ التي بعثتْه في أرض الواقع، حتى يبدو الكاتبُ وكأنه مجرد “عقل محض” يفكر ويتساءل ويحلِّل وينظّر بمعزل عن الإكراهات والإلزامات التي دفعت بتلك المشاكل إلى صدارة اهتمامه وعنايته. إن هذا التجريد يعقّد مهمة الباحث الذي يريد إفراغَ تلك الكتابة من طابعها التجريدي وإنزالها موضعَها التاريخي، لأنه سيكون بحاجة إلى دراية دقيقة بذاك الواقعِ المتواري لكي يفهم ما سكت عنه صاحبُ النصّ. فلنلاحظ هذه الجملة كمثال على الجُمل التجريدية: (تطور الفكر الإنساني في كل العصور يقترن دائمًا بالأسئلة الكبرى، الأسئلةِ الحائرة، الأسئلةِ القلقة، الأسئلةِ الصعبة، الأسئلةِ التي تتوالد من الإجابة عنها أسئلةٌ جديدةٌ) (مقدمة، ٢٠٢٣: ١٠٢). إن هذه الجملة الفخمة تبدو لي عاليةَ التجريد، لأنها لا تبوح بالأجواء التي تخلق تلك الأسئلة (الكبرى، الحائرة، القلقة، الصعبة، الولود).

والآن إذا ما أردنا الإجابةَ عن الأسئلة التي أثرناها في الفقرة السابقة حول قضايا (١- الممنوع التفكير فيه، ٢- هموم ونمط الحياة، ٣- الحس التاريخي) كما تكشفه “هواملُ الرفاعي” في مسيرةِ مجلةِ “قضايا إسلامية معاصرة”، فإن هذا يتطلب منا كتابةَ سيرته الفكرية، وبالتبع سيرة الجيل الذي ينتمي إليه، طيلة المدة التي مهّدت لولادة المجلة وفي جميع المراحل التي مرت بها. وهذه وإن كانت مهمةً جليلةً، خصوصًا في ظل النقص الكبير الذي نعاني منه في مجال الدراسات التاريخية المعنية بتجييل المثقفين الدينيين في بلدنا (العراق)، إلا أنني لن أترك الموضوعَ لغيري تمامًا، بل سأثير عدةَ نقاط مجملة في فهم هذه القضية التاريخية راجيًا أن تساعد هذه النقاطُ الباحثين المهتمين بأمثال هذه الأبحاث في تطوير دراسةِ الموضوع.

1-  ذكرتُ سابقًا أنَّ عددَ حواراتِ المجلةِ بلغتْ (١١٣) حوارًا، وأن حصة الرفاعي منها -إذا ما استثنينا تلك الحوارات المترجمة-في حدود (٦٢). وفي تقديري أن تلك الأسئلة والحوارات تكشف عن وجود ثلاث مراحل؛ وهي: ١- مرحلة التفكير بالتراث من داخل التراث، و ٢- مرحلة أشكلة التراث ومساءلته، و ٣- مرحلة تحويل التراث إلى مادةٍ بحثية تخضع للمتاح من المعرفة البشرية، ومن ثمة القطيعة مع المناهج التراثية كافة.

2- كانت المرحلةُ الأولى من أسئلة الرفاعي مخصصةً للفكر السياسي الإسلامي، ومفهومِ الدولة فيه، وشكل النظام السياسي، وحين تَساءل عن الديمقراطية ربطَها بالبيئة الغربية ومجتمعاتها الداخلية، ولكنه مع ذلك أثار قضيةَ انتخاب الحاكم الإسلامي، ومسألة البيعة وتشكيل الأحزاب، وحدود الحريات في النظرية الإسلامية (انظر: حواره مع محمد باقر الحكيم، ومحمد حسن الأمين في العدد الثاني). وهذه الأسئلة وإن كانت جريئة في ظل نظام سياسي ديني يدير الدولةَ الإيرانية، ولكنها تمثل جزءًا مألوفًا من المشهد الثقافي الإيراني، الذي بدأ حينها بطرح هذه الأسئلةِ (يتضح هذا من حواراتِ العدد الأول الثلاثة المترجمة عن الفارسية؛ والتي تحدّث فيها ثلاثةٌ من أبرز الباحثين السياسيين الإيرانيين عن الموضوع، هم: عباس عميد زنجاني، حسين بشيريه، محمد جواد لاريجاني).

3-  في المرحلة ذاتها نجد ثمة انفتاحًا حذرًا على المشاريع الفكرية العربية في قراءة التراث، ومحاولة التعرّف على المشهد الثقافي العربي (كان هذا مرتبطًا بمطلع عقد التسيعنيات بعد انتهاء “الحرب العراقية/ الإيرانية”، وتدفّق الكتاب العربي على إيران واشتهاره في جامعاتها ونواديها الثقافية)، وفيها بداية التساؤل عن إعادة تعريف الغرب: هل هو استعماري فقط أم أن هناك أشكالًا أخرى للغرب يتمايز فيها التاريخيُّ الاستعماريُّ عن “الديمقراطيِّ المعاصر” (حوارات العدد الثالث، وخصوصًا مع محمد حسن الأمين).

4-  كانت مسألةُ فهم النصوص المقدسة حاضرةً في العدد الرابع المخصص لاتجاهات التفسير، والحوار كلّه مع إسلاميين صميمين (محمود البستاني، وجودت سعيد) ولكن السؤال المركزيَّ هو (ما هو الموقف من اتجاهات التفسير الحديثة التي تربط النصَّ بأفقه وبيئته وقارئه؟).

5-  تستمر أسئلةُ الرفاعي في الأعداد التالية عن التراث ونصوصه المقدسة، محاولًا منحَ النقد والمراجعة مشروعة من داخل التراث؛ فتعدُّد القراءات يقابلها انفتاحُ التجربة الإسلامية على النقد، وشرعية الاتجاهات الحديثة في التَّعاطي مع النصّ يأتي في سياق بلورة نظرية إسلامية للنقد، ونقد الممارسة السياسية يتغذى من تجربة الأنبياء في تقوبم سلوك المجتمعات الغابرة (انظر حوارات العدد الخامس، ١٩٩٩).

6-  حظِيت مسائلُ فلسفة الفقه ومقاصد الشريعة بتغطية موسعة في أسئلة هذه المرحلة (الأعداد ٧ إلى ١٣). ولكن مع العدد ١٤ فصاعدًا يبدأ الانفتاحُ على فئةٍ أخرى من الإسلاميين (حسن حنفي، محمد عمارة، يحيى محمد، محمد حسين فضل الله، طه عبد الرحمن، وغيرهم) حول علم الكلام الجديد والسؤال عن مجاله وإشكاليّاته، والخشية من نزعته “الالتقاطية”. نحتاج أن نصل إلى العدد المزدوج (٢٠-٢١) حتى يبدأ الكلامُ عن (التسامح ومنابع سوء التفاهم) مع محمد أركون، ولكنَّ ذلك لا يمضي دون مساءلةٍ لفكرة “تعدد المناهج” ومخاطر التعمية في التحليل، ومسألة علاقة البحث التاريخي بالتوراة والإنجيل دون القران (تتم الاستعانة هنا بأعمال طه عبد الرحمن)، ونقد التجربة العلمانية، وأمور أخرى كانت بمثابة النقد العنيف لأركون (ينبغي التذكيرُ أن سعيد شبار هو من أجرى الحوار مع أركون، وليس واضحًا مقدار اجتهاده في طرح الأسئلة أو حتى استقلاله الكامل فيها).

7-  تشهد خاتمةُ هذا المرحلة مع الأعداد (٢٣) حيث بقيت الحواراتُ تستضيف المسيري ليتحدث عن “انحيازات المعرفة“، وحديث التحرير (الرفاعي نفسه) عن (استيعاب النقد للتراث والمعرفة الحديثة) والاستيعاب هنا يعني الشمول، وكأن النقد للتراث يصاحبه نقدٌ للمعرفة الحديثة (التي وصفها المسيري بالمنحازة، وفي نفس السياق تأتي الحواراتُ مع عبد الله إبراهيم عن “المركزية الغربية”).

8-  تبدأ المرحلة الثانية من الأسئلة في العدد (٢٤-٢٥) الذي يتزامن مع تغيير النظام السياسي في العراق (صدر العدد في صيف/ خريف عام ٢٠٠٣). تُدشّن هذه المرحلة بالحوار مع الجابري والشرفي (هناك تمييز بين لغة الحوارَين يحملني على تأكيد اجتهادِ سعيد شبار في الحوار مع الجابري، لأنه ما زال يتحدَّث عن “حقيقةِ” الصحوة الإسلامية! وهو ما يختلف تمامًا عن الحوار مع الشرفي الذي أجراه الرفاعي، وينص على نظرة الإسلاميين السكونية ذات الطابع الجدلي، وعدم وجود هويات نقية، ونزعة الأيديولوجيا في تفكير الإسلاميين). أما العدد (٣٣-٣٤) فيصعد بالنقد حدًّا أعلى مع محمد الطالبي حينما يبتدئ في وضع مسألة إمكان حوار المسلم، الساكن داخل ديانته الخاصة، مع الأديان الأخرى موضع تساؤل جذري.

9-  لن تتأخر المرحلة الثالثة من الأسئلة كثيراً، إذ يبدو أن انفجار العنف في العراق قد أتى متزامنًا مع صدور العدد (٣٧-٣٨) الذي حمل حوارًا مع برهان غليون تحت عنوان (حين تنحسر الثقافةُ ينفجر العنف). في هذا الحوار تحديدًا يبدأ الحديثُ عن فشل مشروع التحديث، وعن العنف العدواني الذي نشأ عن هذا الفشل، وضرورة “إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين” وأن الموقف التعبوي في التعامل مع الغرب، وثقافته، ومناهجه، وفكره، وقيمه، وفهمه للحقوق والحريات هو الذي أفضى إلى أجواء الاحتراب التي نشهدها.

10- منذ الحوار الأخير مع غليون، ومرورًا بالحوار الغنيّ جدًّا مع محمد أركون في العدد (٤٣-٤٤) (٢٠١١)، ستنتقل أسئلةُ الرفاعي إلى مرحلة الاكتمال والنضج كما تمثلها مجلة (قضايا إسلامية معاصرة)، وسلسلة مؤلفات الرفاعي حول الدين (الدين والنزعة الإنسانية، الدين والظمأ الأنطولوجي، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، الدين والكرامة الإنسانية … إلخ)؛ تتخلص الأسئلةُ في هذه المرحلة من سطوة التراث ومناهجه (يتزامن هذا مع استقرار الرفاعي في العراق سكنًا ووظيفةً) ولا تتردد في تحويله إلى مادة تاريخية يُعاد تفكيكُها وتحليلها وفقًا للمعرفة البشرية، بل وتتجه المجلةُ إلى نقل حواراتِ الباحثين الغربيين في المسألة الدينية دون غضاضة.

٧ – رحلة استعادة الأسئلة واليقظة العقلية

لقد عكست هذه الأسئلة مراحل شاقة من التفكير والتحرر من ثقل التراث؛ فبعد أن بدأت بالسؤال عن الإصلاح الفكري من داخل التراث وبمناهجه، انتهت المسيرةُ في عام ٢٠٢٤ إلى أن يكتب الرفاعي عن (مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث)؛ الكتاب الذي يمثّل مراجعةً نقديةً للكثير مما كان يتبناه الرفاعي نفسه، بل وتحررًا من الأسئلة القديمة التي كان الرفاعي يطرحها على الأشخاص ذاتهم، الذين ينتقدهم في هذا الكتاب: (حسن حنفي، ومحمد عمارة، وجودت سعيد، وداريوش شايغان، وغيرهم).

يطيب لي أن أختم هذه السطور بثلاثة اقتباسات تختصر تحولاتِ الرفاعي مع الأسئلة، اثنان منهما وردا في الكتاب المذكور، والثالث في آخر مقال كتبه إبان تدويننا هذا البحث؛ في الاقتباس (الأول) يتحدث الرفاعي عن علاقته بـكتابات “سيد قطب” وما تركه كتابُ “معالم في الطريق” في نفسه حول مصير “الأسئلة”، وفي (الثاني) يشير إلى مآلات الرفاعي بعد رحلته مع الأسئلة في المهجر، وكيف استقبله أصدقاؤه القدامى بعد طول انقطاع. أما (الثالث) فيوضح نتيجة هذه الرحلة للرفاعي، وهي الشعورُ العميق بضخامة الكينونة البشرية وضرورة مقابلتها بـ “تواضع” حيث تتحول الأسئلة إلى “مهنة” شخصية تقوم على مهمة “دحض” الأجوبة الخاطئة. ومن الاقتباسات هذه يتضح أن هذه الأسئلة التي سلّطنا الضوء عليها كانت “استعادة” للتفكير النقدي الذي دثرته التنظيرات الأيديولوجية الإسلامية من جهة، ويقظة للعقل السليم وُلدت في أحضان تجربة مؤلمة مع المنفى من جهة ثانية. إنَّ ما يميز انتقالة الرفاعي، التي تحدثت عنها في أول مقال لنا قبل عقد، هو ذاته ما أسميناه حينها بـ “تجربة الإيمان النقدي“، من جهة ثالثة.

وإليكم الاقتباسات الثلاثة:

الاقتباس الأول:

(كنتُ معذبًا محرومًا فاختطفني “معالم في الطريق”. سيد قطب أديب ساحر، يتقن كتابة الأناشيد التعبوية للمراهقين البؤساء أمثالي. أناشيد تذكي العواطف، توقد المشاعر، تعطّل العقل، يتوقف عندها التفكير النقدي، وتموت في كلماتها كلُّ الأسئلة) (مفارقات وأضداد، ٢٠٢٤: ١٦٢).

الاقتباس الثاني:

(في أول زيارة للوطن شهر حزيران ٢٠٠٣، بعد غياب نحو ربع قرن في المنفى، التقيتُ بعد عودتي بأصدقاء من الذين مكثوا مرابطين في العراق. كانوا يسألون كثيرًا في الدين أسئلة متنوعة، فوجئوا بجوابي عن شيء من أسئلتهم، قائلين بأنها لا تتطابق مع ما كنت أقوله لهم سنوات السبعينيات من القرن الماضي. قلت لهم: هذه علامة سلامة عقلية. العقل الذي يواصل إثارة الأسئلة العميقة، ومراجعة القناعات الراسخة، ومساءلة ما يقرأ ويتعلم، هو عقل يَقِظ) (مفارقات وأضداد: 85، مقدمة في السؤال اللاهوتي الجديد، 2005: 5-6).

الاقتباس الثالث:

(في الكتابة عن هذا الموضوع [يقصد المتخيّل الديني] وغيره أقترح إجابات، لم أراهن يومًا على أنها جزمية أو نهائية. القارئ الذكي يتنبه إلى أن كتابتي تحاول إثارةَ الأسئلة، أكثر من تقديم الإجابات الجاهزة. هذه الأسئلةُ أسئلتي الشخصية، فقد كنت ومازلت مشغولًا بأسئلة الوجود، وأسئلة المعنى. في أسئلتي أفكّر عدة سنوات، وألاحق كلَّ كتاب ومعلومة حولها، وأقرأ كلَّ شيء أظفر به يتناولها، وأسعى لاكتشاف الطرق المتنوعة لتفسيرها والجواب عنها، وأحاول أخيرًا تقديم تفسيري وجوابي. من يراقب سيرتي الفكرية يرى كيف عبرَ عقلي عدةَ محطات ولم يتوقف، بفضل تلك الأسئلة. ليست هذه الرحلة الشيقة عبر المحطات إلا سلسلة دحض للأجوبة الخاطئة عن أسئلة الوجود والمعنى في حياتي). (جريدة الصباح البغدادية، الصادرة بتاريخ 28-4-2024).

[1] كاتب وباحث عراقي متمرس في الفلسفة الإسلامية والدراسات الشيعية.

 

https://alsabaah.iq/95683-.html

الصمت بوصفه تغافلًا حكيمًا

د. عبد الجبار الرفاعي

بعض الأشخاص مصابون بما يشبه مرض يدعوهم للكلام المتواصل بلا انقطاع، لحظة يعثرون على من يستمع لهم، يشعر مَن يتحدثون معه كأن مهنة مثل هؤلاء الكلام لا غير. يتكلمون بلا مناسبة عن أي شيء بكلِّ شيء. عندما يهاتفون أحدًا أو يهاتفهم أحدٌ يتورط، يتكلمون بنبرة حادة وصوت مرتفع. يصاب المستمع بالانزعاج من التدفق السريع الغزير لكلماتهم، وعدم تلقي ما يبهج أو ينفع فيها. لا يسمحون لمن يحدثونه بالجواب، يسألونه فيجيبون أسئلتهم، عندما يطلب منهم المستمع السماح له بالكلام ولو بجملة واحدة، يشاكسون بلا ذوق، ويتجاهلونه، من دون رعاية لمقامه وعلمه وعمره، وما تفرضه آداب المجالس من الانصات والتحدث. يشعر من يتحدثون معه كأن مهنة مثل هؤلاء الكلام لا غير، فيكون همّ مَن ينصت البحث عن طريقة لبقة للهروب وانهاء المكالمة.

يتعلم الإنسانُ من الصمت التغافلَ الحكيم، أحيانا يتورط الإنسان في جواب أشخاص لجوجين، بمجرد يتفوه بكلمة، يشغلونه في سلسلة هذيانات مملة، لا يتوقفون لحظة واحدة. هم يبحثون عن الشهرة والفات نظر الغير بأي ثمن، وهو يريد تركيز تفكيره وتكثيف قدراته للانشغال بعمله. بارعون في ترديد شعارات مبتذلة، فلو تورط مَن يصغي إليهم بجواب عقلاني، يواجهونه بردود أفعال عاصفة غير مهذبة. الصمت يعلّم الإنسانَ التغافل، وتجاهل كل مَن يحاول اشغاله بمعاركه الشخصية وانفعالاته وغضبه وهوسه. ‏الصمت يخلق هالة تطرد عن الإنسان الشخصيات الطفيلية، وكلِّ مَن يعتاش على غيره، ويستنزف وقته وأمواله، وطاقته النفسية والعصبية والجسدية.

كثير من المشاكل تحدث في العائلة بين الزوجة والزوج تنشأ في فضاء مساجلات لفظية وأسئلة تافهة مكررة، وإلحاح ممجوج وتقريع بكلمات عشوائية، تصدر عن نوبات توتر عصبي وهيجان غاضب، إثر تأويل موقف أو سلوك أو كلمة خارج سياقها. أحيانًا يحاول كلا الزوجين الخروج من المأزق بمزيد من الكلام، وهو لا يدري أن أية كلمة يمكن أن تتوالد من سوء فهمها سلسلة لا تتوقف من ألفاظ الجدل العقيم، قد يتصاعد إلى سجالات تفوح منها رائحة كراهية منفرة، تنبعث مما هو مختزن ومتراكم لسنوات طويلة من مواقف خلافية مدفونة في أعماق الذاكرة، إلى الحد الذي تفجّر حالة من الصخب،كأنه كرة نار توقدها كلمات عنيفة. ربما تؤول إلى الطلاق، لو لم يبادر أحد الزوجين بإطفاء الحريق والكفّ عن الكلام.

كان أحد الأطباء يقضي يومه بين المستشفى والعيادة، ولا يصل البيت إلا بعد أن يمضي أربعة عشر ساعة، منهمكًا بتشخيص حالات المرضى في العيادة، وكتابة العلاج لهم، واجراء عمليات في المستشفى، تتطلب الكبرى منها ساعات طويلة من اليقظة والانتباه والدقة الحاذقة. لحظة يصل البيت تبدأ زوجته تتكلم بلا توقف، قبل الترحيب بقدومه، وتقديم الطعام له، وتأمين وسائل راحته. يقول: كنت أجيب على أسئلتها المكررة المؤذية، وعتبها على كلِّ شيء، فينطلق لسانُها كشلّال هادر بغضب شديد. أحيانًا نستنزف الليل بجدل عقيم، لا ينتج إلا مزيدًا من الألم والاضطراب في البيت، وتأجيل وقت الهدوء والنوم الذي أنا بأمس الحاجة إليه.  صار ذلك السلوك ينعكس بشكل مقلق على الأبناء، إذ أراهم يغرقون في حالة قلق ووجوم وذعر، مثلما كنت ألمحه حين تنطق فيه عيونُهم، وهي حائرة كأنها مصابة بحول، وتعبر عنه بحرقة آهاتهم المحبوسة. نصحني معالج نفساني، بعد أن عرضت عليه المأزق الذي يختنق فيه بيتي، أن أصمت ولا أجيب عن أي سؤال، ولا أنطق بأية كلمة مع زوجتي بالبيت، وأدعها تهذي إلى أن ينهكها الإعياء. بعد مخاض مرير من المعارك الكلامية الليلية التزمت بتوصية المعالج فورًا.كعادتها زوجتي تترقب وصولي، لتبدأ الكلام لحظة دخولي، وكأنها تبتهج عندما تصطاد طريدتها فتتلذذ وهي ترهقها بهذرها. لم تصدر مني أية إشارة أو كلمة، تشي بالقبول أو الرفض أو الاستنكار لما تقول، وهي تصب كلماتها كسيل متدفق. أنشغلت بشأني الخاص، وحاولت تأمين ما أحتاجه من طعام وغيره، بلا أن أكلمها أو أطلب منها أي شيء. وإن فوجئت زوجتي بهذا الموقف الطارئ، إلا أنها استمرت في الليلة التالية على عادتها، وكانت تطالب بالجواب وأنا جامد كحجر. تنظر لي بعينين ساهمتين، يعلنان الدهشة من سكوتي الغريب. في الليلة التالية لم تتوقف عن الكلام، اشتد إلحاحها على الجواب، وأحدثت صخبًا وضجيجًا، وواصلت سكوتي، فاضطرت أن تتلمس وجهي، وتحرك أطرافي، لم أتفاعل مع ذلك، وافتعلت عدم الاكتراث بما تفعل. انتابها قلق من إصابتي بالبكم، ورأيت عينيها تعرب عن شعور بذنب. في الليالي الخمسة الموالية صار يقل كلامُها بالتدريج. أخيرًا صمتت، التصقت بي وهي تقبلني وتجهض بالبكاء، وتطلب أن أنطق ولو بكلمة واحدة، واصلت الصمت، فأعلنت انها نادمة على عبثها، وعدم اكتراثها بمتاعبي وعملي اليومي المرهق، وطلبت الغفران بتوسل ذليل استمر إلى النوم، وكررت طلب الغفران، والتعهد بعدم العودة لثرثرتها الليلية، وهي تجهش بالبكاء وتولول وتقسم: والله العظيم، أعرف أنا غير مهذبة، أنا عبثت بأمن العائلة وسلامها الضروري للعيش بمودة وتراحم، والله لو فعلت مرة واحدة في أية ليلة يمكنك التخلص مني وتطليقي.

لا أعني بالصمت الخمول، الخمول غير الصمت، الخمول يعكس حالة انهزام، وشعور بفراغ مطلق، وانطفاء للمعنى بباطن الإنسان، ‏وغرق الذات في بحر السأم والضجر والعدمية. كما أن الصمت الذي أتحدث عنه ليس مرضًا عضويًا يحتاج مراجعة طبيب مختص بالنطق، أو نوعًا من المرض النفسي والاكتئاب الذي يتطلب علاجًا، أو الصمت الناشئ من الشعور بالخوف من الأفراد والمجتمعات والسلطات، أو من الشعور بالخجل، أو من الضجر والاغتراب الوجودي والاجتماعي. وهكذا لا أعني الصمت الذي يشوبه هروب من الخارج والانطواء على الذات، ولا هروب الذات من الذات، فهذا نوع من الصمت يعكس حالة خواء واكتئاب، وسأم من كلِّ شيء حتى من الكلام. وهو مرض نفسي يتطلب عيادة نفسانية للشفاء منه.

أحيانًا ضريبة كلمات طائشة خسارة كلّ شيء، يظل الندم يطارد الإنسانَ كلّ عمره لو نطق بكلمات قاتلة في مقام يتطلب الصمت. الصمت ينقذ الإنسان من الهلاك، كما نرى أثره في الخلاص من بعض الخصومات والأحقاد والعداوات والنزاعات والمعارك، وحتى من جرائم القتل، الناتجة عن كلمات متهورة وردود أفعال حمقاء، حين يعجز المتكلم عن التحكّم بلسانه. لو صمت إنسانٌ في بعض الحالات دقائق معدودة لتخلص من التورط بجريمة قتل. استمعت إلى اعتراف يعلن فيه مجرم قتل أحد الشباب الأبرياء، إثر كلمات خرقاء صدرت لحظة غضب عنيفة. يوصي هذا القاتل غيره بتجنب الكلمات النزقة المتهورة، وكظم الغيض، وردود الأفعال الخارجة عن السيطرة لحظة الغليان الداخلي. ‏يقول: عندما استمعت إلى أمرٍ من شخص لديه تخويل حكومي، يطلب مني الامتناع عن ممارسة عمل ممنوع بلا ترخيص من السلطات المسؤولة، اشتعلت أعصابي، وصرخت بكلمات هوجاء، وأنا في هذه الحالة اخرجت مسدسي وأطلقت النار فورًا على رأسه. ثم يعقب هذا القاتل بحسرة ولوعة: لو كنت قادرًا على مسك لساني، والسيطرة على غضبي وكبته بداخلي دقائق معدودة، لتخلصت من ارتكاب هذه الجريمة الرعناء، والغرق في عار أبدي. أدركت بعد قليل أني أزهقت روحي لحظة أزهقت روح الضحية، قتلته إلا أني واصلت قتل نفسي كل يوم مادمت حيًّا، هكذا ضاعت حياتي بفعل فشلي في السيطرة على الصمت مدة قليلة جدًا. مضافًا إلى احتراق ضميري بنزيف الخطيئة المزمن، ضاع حاضري ومستقبلي، وتحملت عائلتي بغيابي الأبدي عنها، وخسرانها لمصدر عيشها، ما لا طاقة لها على تحمله.

https://alsabaah.iq/95072-.html

عبد الجبّار الرّفاعي: أنا أقرأ إذن أنا موجود

بروين حبيب

تفتنني دائما الكتب التي تؤلّف عن القراءة أو عن الكتابة وكأني في بحث دائم عن تفسير هذا الشغف اللامتناهي الذي يصيبنا نحن الكائنات الورقة لأكتشف أسراره، فكنت أجد متعة لا توصف مصحوبة بفوائد كثيرة حين أطالع ثلاثية ألبرتو منغويل «تاريخ القراءة» و«المكتبة في الليل» و«يوميات القراءة» أو أقرأ كتاب برنار بيفو «مهنة القراءة» لذلك سارعت إلى اقتناء كتاب «مسرات القراءة ومخاض الكتابة .. فصل من سيرة كاتب» للدكتور عبد الجبار الرفاعي والصادر قبل أشهر عن منشورات تكوين ودار الرافدين. ولم أكن قرأت للرفاعي سوى مقالات متفرقة كانت تصادفني أو مقالا مطولا عن زيارته لقونية مدينة جلال الدين الرومي حمل عنوان «في حضرة مولانا: سياحة في عالم المعنى».
أما كتابه هذا فهو سياحة فكرية يستحسنها كل مدمن لرائحة الورق من أمثالي، والتي لخصها منغويل مرة قائلا: «عندما قرأت في أحد الأيام أنّ سرفانتس كان يطالع – من فرط حبّه للقراءة- حتى قصاصات الورق المرمية على قارعة الطريق، أحسست بشعور جميل لأنني كنتُ أعرف ماذا يعني هذا».
يقع الكتاب في مئة وثمانين صفحة موزعة على مقدمة وثلاثة وعشرين فصلا، منها سبعة فصول عن القراءة، والبقية عن الكتابة. وقد تداخلت الأفكار بينهما أحيانا لارتباطهما العضوي. وإن كان المؤلف يرى القراءة ممتعة أكثر من الكتابة، لذلك وصفها في عنوانه ب«المسرات» المتعددة المختلفة، في حين أن الكتابة أشبه بالولادة، فهي مخاض عسير موجع، وبخاصة لمن يعتبر الكلمة مسؤولية.
وأول جمل الكتاب تعطينا مفتاح شخصية المؤلف وتلخص لنا فحوى كتابته حين يقول «أنا قارئ قبل كل شيء وبعد كل شيء، لم تمنحني القراءة إجازة ليوم واحد في حياتي. لم أجد نفسي خارج أسر القراءة، وأظن أني لن أتوقف ما دمتُ حيًا». فهذا القارئ المدمن المزمن الذي بدأت علاقته بالكتاب متأخرة نسبيا ما عدا الكتاب المدرسي لأنه ولد في بيئة فقيرة في الأهوار جنوبي العراق تعيش الكفاف في عائلة فلاحين، و«الفلاحون في ذلك الوقت لا يقرأون ولا يكتبون». حينما التقى وهو طالب في الثانوية بالجزء الأول من كتاب «لمحات اجتماعية في تاريخ العراق الحديث» للدكتور علي الوردي وبهرته لغة الكتاب الواضحة المباشرة والجرأة والشجاعة العقلية لمؤلفه بدأ رحلة مع القراءة لا تنتهي. واللافت للنظر أن ثاني كتاب فرض حضوره عليه كان «معالم في الطريق» لسيد قطب. وحين تخلص من فتنته أفرد فصلا كاملا لنقده بعنوان «الكتابة الإيديولوجية» إذ رآه نفقا مظلما ومتاهة خطيرة أضاعت أجيالا، وبعضهم لم يستطع الخروج منها طيلة حياته. أما ثالث ما جرّه إلى جنة القراءة فكانت مجلة العربي، التي لا ينكر فضلها عليه وعلى جيله، لكنه يأخذ عليها فيما بعد ثبات أبوابها واحتكار الكتابة فيها من قبل أقلام مكرسة لا تتبدل.
يعتبر الدكتور الرفاعي إدمانه للقراءة وقوعا في أسر الكتب، كما سمى احد فصوله. ويحلو لي أن أسميه التورط العاطفي مع الكتاب، فهو أشبه بعلاقة حب فيها شوق وعذاب.. ألا يصلح هذا الوصف لحبيب أو حبيبة إذا حذفنا لفظة كتاب.. «وجود الكتاب يشعرني بالأمن النفسي ويؤنسني حين أشعر بوحشة الوجود» بل فيه ما في الحب من وجع وأذى يعطي الرفاعي مثلا على ذلك بقوله «ما يخدعني من العناوين يؤذيني». هي عملية أنسنة الكتب، وصحبة فعلية مع كاتبيها بحضورهم الجسدي عبر الورق وحضورهم المعنوي بأفكارهم، فهم «كأنهم يتحدّثون إليه ويتحدث إليهم يضحكون فيضحك معهم، ويبكون فيبكي، يتألمون فيتألم يكتئبون فيكتئب».
ومن أحب شيئا استكثر من حضوره، لذلك أولع الدكتور عبد الجبار الرفاعي بتأسيس المكتبات أينما كان. لكن مصير مكتباته كان عاثرا، فالأولى التي كوّنها في النجف صودرت ونهبت، والثانية التي جمّع كتبها في الكويت كان نصيبها الحرق، بعد أن خشي مالك البيت من أن تؤدي إلى هلاكه، أما الثالثة فبيعت. ويصف حاله بعد البيع بهذه الجمل الموجعة «اكتأبتِ العائلة واكتأبت أنا، وكأنّ قدرنا الأبدي رثاء مكتباتنا.. عندما يتكرر فقدان المكتبة يغرق الإنسان بكابوس خسرانه كنوزه النادرة». ومآل مكتبات الأدباء والعلماء موضوع جدير بالتأمل بقدر ما فيه من الألم. فكم من مكتبة فيها نوادر صرف صاحبها في جمعها الوقت والمال رماها الورثة في المزبلة لأنها تشغل حيّزا من البيت هم بحاجته.
ورغم أن الرفاعي يرى أن «لا شيء أقسى مرارة على القارئ من ضياع كتب عاش معها وعاشت معه، وأنفق وقته في دراستها ومطالعتها» إلا أنه يلتمس العذر للورثة أو للأبناء. فعالمهم غير عالم آبائهم، وهم يقرؤون إلكترونيا ويفتقرون لحنين الآباء للورق. وهذا يستطرد بنا إلى فكرة أن الدكتور عبد الجبار الرفاعي الذي نشأ في بيئة تقليدية محافظة، وقضى سنوات طويلة من عمره دارسا ومدرسا للعلوم الدينية، وهو حاصل على ماجستير في علم الكلام ودكتوراه في الفلسفة الإسلامية، يملك مرونة فكرية متسامحة مع الجيل الجديد وآليات اكتسابه للمعرفة، فهو لا يرى الكتابَ الورقي الوسيلة الوحيدة للحصول على المعرفة، بل يرى أن الجيل الحالي قارئ من خلال التطبيقات على هاتفه الذكي ف«مفهوم القراءة يواكب تلك التطبيقات ويتكيف وفقا لها». ويدخل ضمن فعل القراءة مشاهدة الصور وسماع التسجيلات الصوتية ومتابعة الفيديو . وكلما اتسع مجال القراءة اتسعت بموازاته الكتابة بأنماطها وأوعيتها المتجددة.
يحفل كتاب «مسرات القراءة ومخاض الكتابة» بالكثير من التأملات حول فعل القراءة وأفكار الكاتب فهو ضد القراءة العشوائية، إذ ليس المهم كمية ما يقرأ الإنسان بل نوعيته، ويرى هذه القراءة غير الممنهجة تبذيرا للعمر بقراءة كتابات تفقر العقل كما عنون أحد فصوله ف«ما يفقر العقل ويشيع الجهل من الكتب أكثر بكثير مما يوقظ العقل ويبعث الوعي». وهو يرى أن كثيرا من الكتب الدينية تدخل ضمن الصّنف الأول لأنّ مؤلفيها بدعوى التعلّم الديني يرون أنهم يمتلكون الحق المقدس في التحدث بكثير من الثقة عن كل شيء يعرفونه ولا يعرفونه، ويكلفون طلابهم الفقراء لينتجوا لهم كتبا كثيرة «من ركام كلماتهم». ويضع ضمن تلك الكتب التي تفقر العقل وتشيع الجهل ما يندرج تحت مسميات «التنمية البشرية» و«تطوير الذات» و«علم الطاقة النفسية» بل يراها، حتى وإن كانت الأكثر مبيعا وانتشارا، مبنية على أوهام وأساطير وشعارات غير علمية تتلاعب بمشاعر الناس، ويعتبر كاتبيها منتحلي صفة فهم يمارسون الطب النفسي دون أن يتعلموه.
في القسم الأكبر من الكتاب فصول متعددة عن الكتابة فيقول عن نفسه بأنه يتهيب الكتابة كثيرا بل يخاف منها واللغة ترهقه فيها أكثر من الفكرة، كما أنه لا يمتلك طقوسا خاصة به للكتابة فلا قواعد ملزمة ولا عادات مستحكمة ولا أوقات صارمة دقيقة، بل طقسه الوحيد هو المراجعة المستمرة لما يكتب، فحتى عندما ينتهي من الكتاب ويصدر مطبوعا يبدي ويعيد فيه ليصبح كما وصفه «تتحول الطبعة إلى مسودة لطبعة لاحقة». ولأنه لم يتدرب على يدي أحد في تعلم الكتابة ولا يتقن تدريب أحد، فهو لا يؤمن أن يتدرب شخص ليصبح كاتبا حيث كتب «لا أعرف كاتبا عظيما ولد في مدارس تدريب ورش الكتابة» وإن كنت لا أتوافق معه تماما في هذه الفكرة فالكتابة صنعة، للموهبة دور فيها لكنْ للتعلم والتدريب والمران المتواصل دور آخر أكيد.
أسلوب الدكتور الرفاعي واضح مباشر مركّز فالكتابة عنده فن الحذف والاختزال وكثير من جمله تصلح للاقتباس مصبوبة في قالب حكمي مثل قوله: «الذكاء الفائق يمحو البراءة» و«رب قارئ ليس له من قراءته إلا النصب والتعب» و«عندما يُكتب الجرح يُشفى الإنسان» و «كلما احترقت مكتبة انطفأ شيء من نور العالم ». وفي الكتاب أيضا فصول عن الترجمة والكتابة والإيديولوجيا والكتابة في عصر الأنترنت والكتابة والقارئ ف«مسرات القراءة ومخاض الكتاب» يفتح آفاقا للتفكير أكثر مما يعطي إجابات يقينية، كُتبت فصوله بقلم قارئ كتب لخص حياته في هذه الكلمات «لو فرضت علي الأقدار أن أختار العيش مع الكتب أو البشر لاخترت العيش مع الكتب».

د. بروين حبيب، شاعرة وإعلامية من البحرين.

 

https://www.alquds.co.uk/%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D9%91%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%91%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A-%D8%A3%D9%86%D8%A7-%D8%A3%D9%82%D8%B1%D8%A3-%D8%A5%D8%B0%D9%86-%D8%A3%D9%86%D8%A7-%D9%85/

المخيال الجمعي لا يخضع للعقل النقدي

د. عبد الجبار الرفاعي

يخلق المخيالُ الجمعي صورةً جذّابة فاتنة غير واقعية لماضي الجماعات. يرسم على الدوام صورةً رومانسية بهيجة للماضي، تحذف كلَّ ما من شأنه أن يحزن الإنسانَ ويثير اشمئزازَه. يضيء المخيالُ الجمعي البؤرَ المضيئة مهما كانت خافتةً فيجعلها أشدَّ لمعانًا، ‏بل يعمل على افتعال صور متخيَّلة فاتنة لم يعرفها ماضي الجماعات أبدًا.

كلُّ مجتمع يصنع مُتخيَّله على شاكلة معتقداته وسردياته ورؤيته للعالَم وتأويله لتاريخه، ليعود المتخيَّلُ فيعيد بناءَ رؤية ذلك المجتمع للعالَم في سياق رغباته وطموحاته وأحلامه وأوهامه عن ذاته والآخر والواقع. أنتج المتخيَّلُ الجمعي للمجتمعات عبر التاريخ قصصَ الهلاك الشامل، تعبيرًا عن رغبات ورُهاب بشري مكبوت، وما يشي بفناء عالم أكلته الشرورُ والحروبُ والطغيانُ والقبح، وشغفٌ لا يكفّ عن أشواق العودة إلى بدايات الخلق الصافية النقية، إذ صارت صورةُ ذلك العالم على وفق المتخيَّل كلُّها خيرٌ وعدلٌ وجمالٌ وسلام.كما يشرح ذلك عالمُ الأساطير ميرسيا إلياد.

خيال الجماعة يتشكّل ويتغذّى بأدواتِه وروافدِه المُلهِمة، وأكثرها لا يخضع للعقل النقدي، وهي بارعة بشحذِ المشاعر وتأجيجِ العواطف وإثارةِ الغرائز. ليس هناك وسيلةٌ لترسيخ المعتقدات أيسر وأسرع وأشدّ تأثيرًا من إثراءِ المتخيَّل وتنميتِه والضخّ فيه باستمرار، وتلك وسيلةُ الأديان والأيديولوجيات، وإن كانت تختلف باختلاف منظورات الأديان وثقافات المجتمعات، ووسائلها وقدرتها على التعبئة والتحشيد.

عندما تتمرد المخيّلةُ على العقل النقدي تتضخم وتعطل الوعي، تنشط الذاكرةُ الجمعية بديناميكية خارج إطار الوعي والتفكير النقدي، فتبرع بتوظيف ما يطال الجماعات من الإقصاء والتهجير والتشريد والمطاردة وانتهاك الكرامة والمجازر الوحشية، وتجعل منها منجمًا يغذّي المخيلةَ الجمعية، ويعطِّل العقلَ من ممارسة التفسير التاريخي للعوامل المتنوعة والظروف ‏السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية للأحداث والوقائع والمعارك والمنعطفات الكبرى المولدة لها، فيجري تزويرٌ مهول للوعي، وتعطيلُ العقل النقدي، والتسلحُ بروحٍ ثأرية انتقامية تتشفى بإهدار كرامة المختلِف في الدين والمعتقَد، وتسفك دماءَ الأبرياء بوحشية مريعة، كما يفعل الصهاينةُ اليوم في غزة.

العقلُ هو المرجعيةُ في إصدار الحكم على أية قضية أساسية في الدين. الأديانُ والمقدّسات تتضخّمُ في المتخيَّل باستمرار، لا يضعُ هذا التضخّمَ في حدوده إلا العقلُ النقدي. يظل العقلُ هو المرجعية الوحيدة في اكتشافِ المتخيَّل وبيانِ حدوده وآثارِه المتنوعة في البناء والهدم. كلُّ حكم يبدأ بالعقل، لا حكمَ بالنفي أو الإثبات يسبقُ العقل.

لكلِّ مجتمع ديانتُه ولغتُه وثقافتُه وتاريخُه وجغرافيتُه، لكن لا ينفرد كلُّ مجتمعٍ بقوانين تطوّره الخاصّة. قوانينُ تطوّر المجتمعات كليةٌ لا يختصُّ بها مجتمعٌ دون سواه. المجتمعاتُ جميعًا تشتركُ في أنها تنمو وتراكم تجاربَها وتتطوّر لو توافرت عواملُ نهوضِها، كما أنها تتخلفُ وتتدهور وتنهار لو لم تتخلّص من عوامل انهيارها. المجتمعاتُ كلُّها تسري عليها قوانينُ البناء والتطور ذاتُها، وتشتركُ في العناصر الأساسيَّة التي يُنتجُ النهوضَ توافرُها والانهيارَ غيابُها. منطقُ التاريخ وقوانينُه شاملة، لكنْ هناك شعورٌ كامن في لاوعي كثيرٍ من الناس في مجتمعنا، بأنه استثناءٌ في حضارتِه وهويتِه ومعتقدِه وثقافتِه وتاريخِه، وكأن تاريخَه لا يخضع لما يخضع له تاريخُ المجتمعات من قوانين، وثقافتُه تتفوقُ على كلّ الثقافات، وتراثُه يختلفُ عن كلّ تراث، وهويتُه تنفرد بخصوصيَّات استثنائية. وظلّ الشعورُ بالخصوصية والاستثناء يغذّي الهويةَ باستمرار، حتى تصلّبتْ وانغلقتْ على نفسها، فبلغت حالةً تتخيّل فيها أنها مكتفيةٌ بذاتها، لأن كلَّ ما تحتاجه في حاضرها ومستقبلها يمدّها به ماضيها. تراثُها منجمٌ زاخرٌ بكلّ ما هو ضروري لكلّ عملية بناء ونهوض، وعلومُها ومعارفُها الموروثةُ تغنيها عن كلّ علم ومعرفة تبتكرها المجتمعاتُ الأخرى، وهي ليست بحاجة إلى استيراد ما أبدعه غيرُها، لأنه منتجٌ لمجتمع أجنبي، ينتهك خصوصيتَها، ويهدّد هويتَها، وتتغرّب به.كانت أكثرُ أدبيَّات الجماعات القومية والأصولية تغذِّي هذا الشعور، وتلحّ على الإعلاءِ من مكانة الماضي، والإيحاءِ بأنَّ بعثَه كما هو يكفل نهوضَ مجتمعنا، ولا حاجةَ للإفادة من علوم ومعارف وثقافات غريبة عنه. وقد بالغتْ هذه الجماعاتُ في التشديد على الخصوصية والاستثناء، حتى انتهى ذلك إلى موقفٍ خائفٍ من كلّ ما ينتمي للآخر ومنجزاته وعلومه ومعارفه وثقافته. تشتدُّ حالةُ اصطفاءِ الهوية ووضعِها فوق التاريخ في مراحلِ الإخفاق الحضاري، وعجزِ المجتمعات عن الإسهام في صناعة العالَم الذي تعيش فيه. لذلك تسعى للاستيلاءِ على المكاسب الكبيرة للآخر، وإيداعِها في مكاسبها الموروثة، من خلال القيام بعمليات تلفيق متنوعة، تتّسع لكلِّ ما هو خلّاق مما ابتكره وصنعه غيرُها. وذلك أبرزُ مأزقٍ اختنقتْ فيه هويتُنا في العصر الحديث.

إن الهويةَ والمُعتقَدَ متفاعلان، لكن تأثيرَ كلٍّ منهما على شاكلته وبطريقته الخاصة. الطريقةُ التي يتلاعب بها المعتقدُ تشاكل شِباكَ المعتقَد وتشعّبه، والطريقةُ التي تتلاعب بها الهويةُ تشاكلُ شباكَ الهوية وتشعّبها.كما يتلاعبُ المعتقَدُ والهويةُ المغلقان بالمعرفة يتلاعبان بالذاكرة أيضًا، إذ تعمل الهويةُ المغلقةُ على إعادة خلقِ ذاكرةٍ موازية لها، تنتقي فيها من كلِّ شيء، في تاريخها وتراثها، ما هو الأجمل والأكمل، ولا تكتفي بذلك، بل تسلب ما يمكنها من الأجمل والأكمل في تاريخ وتراث ما حولها، فتستولي على ما هو مضيءٌ فيه. يجري كلُّ ذلك في ضوء اصطفاء الهوية لذاتها، لذلك تعمد لحذف كلِّ خساراتِ الماضي وإخفاقاتِه من ذاكرة الجماعة، ولا تتوقف عند ذلك، بل تسعى لتشويهِ ماضي جماعاتٍ مجاورةٍ لها، والتكتمِ على مكاسبها ومنجزاتها عبر التاريخ. لكلّ جماعةٍ بشرية شغفٌ بإنتاج هوية خاصة مُصطفاة، على وفق ما ترسمه احتياجاتُها وأحلامُها وآفاقُ انتظارها، وما تتعرّض له من إخفاقات وإكراهات. وكلُّ ذلك يسهم في كيفية بناء معتقدها، ويحدّد ألوانَ رسمها لصورِه المتنوّعة وتعبيراتِه في الزمان والمكان، ثم تُدمَجُ صورُ المعتقَد لتدخل عنصرًا في مكونات هذه الهوية، بجوار العناصر الإثنية والثقافية واللغوية والرمزية وغيرها، بالشكل الذي يجعل المعتقدَ عنصرًا فاعلًا ومنفعلًا داخل الهوية. كذلك تدخل الهويةُ في مكونات المعتقَد، إذ تتغذّى منه الهويةُ ويتغذّى منها، فإن كان المعتقَدُ مغلقًا أدي ذلك إلى انغلاق الهوية، وإن كانت الهويةُ مغلقةً أدي ذلك إلى انغلاق المعتقَد. ويتشكّل مفهومُ الحقيقة على وفقهما. المعتقدُ والهويةُ ينشدان إنتاجَ الحقيقة على وفق رهاناتهما ومطامحهما ومعاييرهما، سواء أكانت تلك الحقيقةُ دينيةً أو غيرَ دينية. الهويةُ في حالة صيرورة، وكلُّ صيرورة هي تحوّل متواصل. الهويةُ علائقيةٌ بطبيعتها، تتحقّق تبعًا لأنماط صلاتها بالواقع، ويُعاد تشكُّلُها في فضاء ما يجري على الهويات الموازية لها، وهذا ما يفرض عليها أن تعيدَ تكوينَها في سياق تفاعلِها، انفعالِها، تضادِّها، صراعِها، تسوياتِها، تساكنِها وتضامنِها، مع كلِّ ما يجري على الهويات الأخرى[1].

[1] الرفاعي، عبد الجبار، الدين والاغتراب الميتافيزيقي، ص 126-131، ط3، 2022، دار الرافدين ببيروت، مركز دراسات فلسف الدين ببغداد.

 

https://alsabaah.iq/91355-.html

عن ندوة د. عبد الجبار الرفاعي في معرض القاهرة للكتاب

د. أحمد سالم، مدير الندوة أستاذ الفلسفة في جامعة طنطا بمصر

بعد فترة انقطاع طويلة عن المشاركة فى أنشطة معرض القاهرة الدولى للكتاب، أعود لإدارة جلسة المفكر العراقى الكبير عبد الجبار الرفاعي، بعنوان: “الدنيوي والديني في ضوء #علم_الكلام_الجديد“… وهو أحد أبرز الأسماء فى العالم العربى. وهو المفكر الذى إرتقي فى رؤيته للدين من الحدود المذهبية الضيقة إلى الأفق الإنسانى الرحب. وهو المفكر الذى رأى المقدس فى الأفق الإنسانى المتعدد الفهم. وهو يؤمن بأن الدين هو معين القيم الأخلاقية الكبرى كالحرية والرحمة والمحبة. عبر العين العرفانية كانت اجتهادات عبدالجبار الرفاعى فى فلسفة الدين. وأهمية الدين فى حياة الإنسان. قبل الندوة التقيت بالمستشار عبد الجواد ياسين وبعض الأصدقاء على كافيه “مقهى” أبو عوف فى معرض الكتاب .. فى الساعة السادسة أدرت حوارا جميلا مع القامة الكبيرة الدكتور عبد الجبار الرفاعى عن رؤيته الإنسانية لتجديد الفكر الدينى. وكان حضور الجمهور ممتازا بالقاعة ..كما شرفت  سفيرة العراق بمصر بحضور الندوة … وسفير اندونسيا بتونس مع مجموعة من التلامذة الأندونيسيين بجامعة الأزهر. وكان أجمل ماسمعت بالأمس هو كلام سفير اندونسيا للدكتور عبد الجبار الرفاعي عن سعي السفير الدؤوب لنقل كل ما يكتبه باللغة العربية إلى اللغة الاندونسيه، لأنه يدرك بعمق قيم التسامح التى يدعو لها فى مؤلفاته، وأهمية دور القيم الأخلاقية فى مشروعه الفكرى. ولقد حضر جمع من التلامذة الاندونسيين الذين يدرسون بالأزهر بصحبة السفير. وكم تشعر بجمال الدين مع مسلمى جنوب شرق آسيا. أدركت كيف أن المفكر ينكفي على عمله سنوات لكى يخرجه مكتوبا بين دفتى كتاب، ولكنه لايدرك حجم تأثير مايكتبه، الا حينما يرى أفكاره قد طارت عبر المكان والزمان لتصل إلى قراءه…حقيقى كنت فخور جدا برؤيتى لمدى تأثير ما يكتبه عبد الجبار الرفاعى فى أناس يختلفون عنه فى العرق واللغة، ويتوافقون معه  فى الدين بروحه المتسامحة … كم هى رسالة الكاتب مؤثرة، حين يكتب بصدق يصل صدق ما يكتبه إلى قلوب الآخرين …نورت مصر دكتور #عبدالجبار_الرفاعي.

https://www.almothaqaf.com/e2/973633-%D8%B9%D9%86-%D9%86%D8%AF%D9%88%D8%A9-%D8%AF-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%B9%D8%B1%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D9%87%D8%B1%D8%A9-%D9%84%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8

 

المخيلة منجم الابداع البشري

د. عبد الجبار الرفاعي

يتنوع الخيالُ بتنوع موضوعه، فهناك الخيالُ العلمي، والخيالُ الأدبي، والخيالُ الشعري، والخيالُ الفني، والخيالُ الجمالي، والخيالُ الديني، والخيالُ الفلسفي، والخيالُ الصوفي، والخيالُ التاريخي، والخيالُ الأسطوري، والخيالُ السياسي، والخيالُ العسكري، والخيالُ المستقبلي… وغيره.كلُّ واحدٍ من هذه الموضوعات يتخذه الخيالُ حقلًا ينتج الصورَ في فضائه، ويعكس تمثلاتِه وكيفيةَ تشكله في الذهن، وآثارَه المختلفة في المعرفة والثقافة والأدب والفن والدين والواقع.

الخيال والمخيال والتخيّل والمتخيَّلُ مصطلحاتٌ تُشتَقّ لفظيًا من كلمةٍ واحدة، إلا أنها تدل على معانٍ غير متطابقة، تتنوع معانيها وتتعدّد بتعدّد حقل المعرفة وزاوية النظر، بل تتنوع وتتعدّد على وفق زوايا النظر المتنوعة بتنوع المدارس والاتجاهات والتيارات والنظريات والرؤى للعالم في داخل الحقل المعرفي ذاته. ففي الفلسفة تُبحث في سياقٍ فلسفي ودلالتُها فلسفية، وفي الميتافيزيقا تُبحث في سياقٍ ميتافيزيقي ودلالتُها ميتافيزيقية، وفي التصوف تُبحث في سياقٍ صوفي ودلالتُها صوفية، وفي علم النفس تُبحث في سياقٍ سيكولوجي ودلالتُها سيكولوجية، وفي علم الاجتماع تُبحث في سياقٍ سوسيولوجي ودلالتُها سوسيولوجية، وفي الأنثربولوجيا تُبحث في سياقٍ أنثروبولوجي ودلالتُها أنثروبولوجية، وفي الألسنيات تُبحث في سياقٍ ألسني ودلالتُها ألسنية. وهكذا في كلِّ حقلٍ معرفي تُبحث هذه المعاني بنحوٍ يتناغم ونوعَ المعرفة وزاويةَ النظر.

الخيالُ ضرورة التربية والتعليم العلمية السليمة، لذلك يختبر نجاحُها بالقدرةِ على بناءِ وإثراءِ مخيّلة التلميذ وتوسيعِها على الدوام، وتدريبِه على التخيّل في العلوم والمعارف والآداب والفنون والمهارات العملية المختلفة. المهمة الأساسية للعملية التربوية والتعليمية هي غرسُ واستنباتُ القدرة على التساؤل والإبداع والابتكار في ذهن التلميذ، وتنميةُ وترسيخُ مخيّلته بممارساتٍ تحفّزه على التخيّل والابتكار، فبدلًا من أن يُلقِّن المعلّمُ التلميذَ كيفيةَ رسم خارطةٍ لأقصر وأسهل طريقة يسلكها مثلًا لحلّ مشكلةٍ معينة ويحثّه على حفظها، عليه أن يطلب منه رسمَ ما يتصوره ويقترحه هو لطريقة يتخيّلها ويراها الأسهلَ لبلوغ الهدف المنشود. على المعلّم الحذرُ من ‏التلقين الذي ينتجُ ببغاوات، وتحفيزُ ذهن التلميذ وحثُّه على استعمالِ خياله، والاعتمادِ على وعيه، وممارسةِ تفكيره الشخصي، وتدريبِ ذهنه على التريث والتأمل طويلًا، وتخيّلِ كلِّ ما يمكنه من مقترحات وفرضيات واحتمالات ترد في ذهنه في أية مسألة. وينبغي ألا يوبخه على أيّ مقترح أو فرضية أو احتمال يقدّمه بصور متنوعة عدة مرات، وإن كان خاطئًا، بل يحثّه على المزيد مما يمكنه تخيّله من تصورات إضافية. المهم هو تنميةُ مساحة الخيال في الذهن وتعزيزُها، وتغذيتُها بما يجعلها رحبةً شاسعةً تتسع بما يثريها من صور باستمرار.

في المخيال يولد الشعرُ والإبداع الأدبي والفني، والعلوم والمعارف والتكنولوجيا. وتولد الأديانُ في المخيال ولادةً ثانية بموازاة ولادتها الأولى على يد المؤسّسين. يتغذّى المتخيَّلُ من شبكةِ الصور الراقدة في اللاوعي الجمعي، المترسّبة مما تنتجه سردياتُ الجماعة، وتأويل الجماعة لكلِّ شيء يتصل بنشأتها وتحولاتها ووقائع تاريخها الديني والدنيوي المختلفة. يتوالد المتخيَّلُ ويتغذّى وينمو ويتجذّر، ويتشعّب كنسيجٍ متشابِكٍ يتراكمُ ويتكثّف على الدوام.

يرسم المخيالُ صورةً للتاريخ في ضوء أفق أحلام وتمنيات الجماعات، لا كما عاشه الناسُ وحدثت الوقائع. تنتج الواقعةُ التاريخية متخيَّلًا بموازاتها، هذا المتخيَّل يعبّر عن تمثلاتٍ للواقعة يرسمها وعيُها ولاوعيُها الجمعي، وأفقُ انتظارها، ورؤيتُها للعالم. يسرد المتخيَّلُ روايتَه للتاريخ، ويرسم صورتَه المُفارِقة للواقع والعابرةَ لحدود الزمان والمكان التاريخي، ويُعاد في هذه الصورة رسمُ ملامح المعتقدات والوقائع والشخصيات والجماعات في فضاء المتخيَّل. طالما انتهى ذلك أخيراً إلى ضياعِ صورة الواقعة كما حدثتْ في الواقع، وإهدارِ معنى التاريخ. هنا يأتي دورُ المؤرِّخ الخبير في علم التاريخ ليمحّص المدونات بحثًا عن وثائق الواقعة وأرشيفِها وآثارِها، فيحاول أن يرسم ملامحَ صورةِ الواقعة كما حدثت، وليس كما تحلم بصورتِها مخيَّلةُ الجماعة.

الهوياتُ المغلقة للجماعات تتلاعب بالذاكرة التاريخية، فتعمل على إعادةِ خلق ذاكرةٍ موازية في ضوء إصطفائها لذاتها، لذلك تعمد لحذف كلِّ خسارات الماضي وإخفاقاته، ولا تتوقف عند ذلك بل تسعى لتشويهِ ماضي الجماعات المنافسة لها، والتكتمِ على مكاسبِها ومنجزاتِها عبر التاريخ. في الهوية المغلقة يعيد متخيَّلُ الجماعة كتابةَ تاريخها، في أفقٍ يتحول فيه الماضي إلى سرديةٍ رومانسية فاتنة، ويصبح العجزُ عن بناءِ الحاضر استعادةً مهووسة بالأمجاد العتيقة، ويجري ضخُّ الذاكرة الجمعية بتاريخٍ يضمحلّ فيه حضورُ وقائع التاريخ الدنيوي، وتُخلَع على شخصياته ورموزه وأحداثه وكلِّ ما يحفل به هالةً أسطورية عابرةً للزمان والمكان ووقائع التاريخ الأرضي.

كما يكون الخيالُ منبعًا للإلهام والعلوم والمعارف والآداب والفنون والطموح والأحلام، وخافضا للقلق الوجودي والملل والسأم والضجر، فإنه منبعٌ للخرافات، وللخوف والقلق، وتقديسِ غير المقدّس، وكلِّ ما يعطّل العقلَ ويعبثُ بالحياة. لا يضع المتخيَّلَ في حدوده إلا يقظةُ العقل ومرجعيتُه في النفي والإثبات والغربلة والتمحيص. مَن يمتلك المنابعَ المغذّية للمتخيَّل الجمعي يتحكم بنظام إنتاج المعنى في حياة الجماعة، ويتحكم بتوجيه حاضرها ومستقبلها.

الأيديولوجي يبرع في تحويل التاريخ إلى أسطورة، ثم يعيد إدراجَ الأسطورة بالتاريخ ويوحّدهما، إلى درجة طمس الحدود الفاصلة بينهما. يخلط الأيديولوجي بأسلوٍب أخّاذ بين التاريخ والأسطورة، فيقوم بترحيل الحياة الواقعية لشخصيات سياسية وعسكرية وأدبية وفنية ودينية عاشتْ في زمان ومكان وبيئة ومحيط تاريخي، وواقع اقتصادي وسياسي واجتماعي وثقافي وديني، كما يعيشها أيُّ إنسان آخر ينتمي إلى ذلك الواقع، ويعيش نمطَ العيش في ذلك العصر، يرحّلها إلى المخيال، ثم يقتبس صورةَ هذه الشخصيات من المخيال المتضخّم عبر العصور، ويعيد توطينَها في التاريخ الأرضي، ويتحدث عنها وكأن هذه الصورة المتخيَّلة كانت متحقّقةً في الواقع بالفعل. لم يتنبه الأيديولوجي إلى أن الهويات والأحلام والأوهام والنرجسيات الجمعية والمطامح الدينية والسياسية والعسكرية تعمل على الدوام على توليد المخيال وتغذيته وتمديده وتوسيعه أفقيًا وعموديًا، وإعادةِ إنتاج صور الشخصيات التاريخية فيه إلى درجةٍ تبتعد فيها كثيرًا عن واقعها، بل تصير بالتدريج مفارقةً لذلك الواقع التاريخي، وربما تتضخمُ هذه الشخصيةُ في المتخيَّل فتنقلب إلى الضدّ منها، بعد توالدِ صورٍ زائفة لمعتقداتها وأفكارها ومواقفها وسلوكها وطريقة عيشها وحياتها.

جيفارا الأسطوري صنعه المتخيَّلُ الشيوعي بوصفه كان ضرورةً لإلهام اليسار الثوري، وهكذا صنع المتخيَّلُ الصوفي الحلاجَ الأسطوري بوصفه كان ضرورةً لإلهام الحياة الروحية في الإسلام، وشخصيات الشاهنامة الأسطورية كان ضرورةً لتجذير الهوية الإيرانية فابتكرها المتخيَّلُ الفارسي. هكذا يصنع المتخيَّلُ الشخصياتِ الأسطوريةَ في الامبراطوريات والدول والمجتمعات والثقافات والأديان والمعتقدات والأيديولوجيات. تنشط المخيِّلةُ وتتضخّم صورُها لحظةَ تخوض في عالَم المجردات، وتتدفق وتنبعث فاعليتُها لحظةَ تغوص في الوقائع التاريخية القديمة، وتحاول أن تتمثّل أحداثَ قصصٍ تنتمي إلى ماضٍ اندثرتْ معالمُه الأثرية، ومُحي أرشيفُه، واختفى مكانُه وزمانُه وواقعُه عن الأنظار.

 

https://alsabaah.iq/90958-.html

 

ينفرد الإنسان بالعقل وبملكة الخيال

د. عبد الجبار الرفاعي

لا يمكن تصورُ إنسان يعيش في الأرض بلا خيال، لا ينفرد الإنسان بالعقل وحده، بل ينفرد بملكة الخيال أيضًا. في الخيال يعيد الإنسانُ بناءَ صورة العالم، ينتج هذه الصورةَ بوصفها ضرورةً لإمكان العيش في عالمٍ يستطيع تمثّلَه بلا خوفٍ منه واغترابٍ فيه. يرى الإنسانُ العالمَ في ضوء ما صنعه خيالُه، ليجعل إيقاعَ حياته متناغمًا والصورةَ المتخيَّلةَ له في ذهنه، فينخفض شعورُه بالخوف والاغتراب. تنعكس الصورةُ المتخيَّلةُ للعالم على لغةِ الإنسان وثقافتِه وفنونِه السمعية والبصرية، وعلى علاقاته ومؤسساته المختلفة، وحياته الفردية والمجتمعية.

الخيال وما ينتجه من الصور والرموز والإشارات والعلامات والخطوط والشعارات والكلمات يعيد إنتاجَ كيفية تذوق الإنسان للعيش في الأرض ويحدِّد نمطَ وجوده. ينشد الإنسانُ في كلِّ أنشطته وأعماله وإبداعاته واكتشافاته وثقافاته وفنونه وكتاباته رسمَ صورةٍ في خياله لعالَمٍ يستطيع العيشَ فيه، ويظلّ يغذّي هذه الصورةَ على الدوام ويرسّخها في ضوءِ ما تصنعه مخيلتُه من لغةٍ ورموز وثقافة وألوان وجغرافيا وحدود لهذا العالم.

المخيلةُ منجمُ الإبداعِ البشري،كلُّ شيءٍ يضيقُ فيه الواقعُ يتمكنُ الإنسانُ من تخيّله. بواسطة التخيُّل أصبح الإنسانُ كائنًا يتطلع للمستقبل، ويرسم خارطةً لتطويرِ أحواله وتحسينِ ظروف عيشه والتقدّمِ للأمام. لولا الخيالُ للبث الإنسانُ يكرّر كلَّ شيءٍ، في طريقة عيشه وطعامه ولباسه وتأمين احتياجاته المتنوعةكما يفعل الحيوان، ولم يتمكن من إنتاج العلوم والمعارف والتكنولوجيا والثقافة والآداب والفنون والحضارات. الاختراعات والاكتشافات العلمية يحتضنها ويولّدها المخيال، لذلك يشدّد غاستون باشلار على “أهمية المخيال والأحلام الشاعرية للعقل العلمي”[1]. التخيّل غير التوهم، والمخيال غير الوهم، المخيال واسعٌ لا حدودَ له، يسمح لحضور الأحلام والتطلعات المختلفة بغدٍ أجمل. الواقع ضيّقٌ محدود جدًا بحدوده المحسوسة، يعجز الإنسانُ عن فرض صورةٍ عليه لا تشبهه، الواقع يتنكر لتغطيته بصور ذهنية لا تتطابق وفضاءَه المحدود. الواقعُ ضحلٌ المخيال عميقٌ، الواقعُ فقير المخيال غنيٌ، الواقع ضيقٌ المخيال واسع جدًا.  لا يستوعب أحلامَ الإنسان، ومختلفَ ما يتطلع إليه من صور لعالم يتمناه ويرغب أن يعيش فيه إلا المخيال. أكثر عمر الإنسان يعيشه في متخيَّله لا في الواقع اليومي، يهرب الإنسانُ باستمرار من الألم والاكتئاب والحزن والأسى إلى الخيال. عجزُ الواقعِ المحسوس عن إشباع احتياجات الإنسان المتنوعة يدعوه للاستعانة بالتخيّل لتعزيزِ الأمن النفسي، وخلقِ تناغم مع ايقاع وجوده في العالم، والشعورِ بإمكانية تأمين تلك الاحتياجات مما هو خارج الواقع.

إن كان الواقعُ مظلمًا يستطيع خيال الإنسان أن يشعره بفضاءٍ مضيء رحب خارج اختناقه بالواقع. السعادة المفقودة في الواقع يمكن أن يشعر الإنسانُ بأنه يتذوق شيئًا منها في المتخيَّل، مباهج الحياة المفقودة في الواقع يمكن أن يشعر الإنسانُ بأنه يتذوق شيئًا منها في المتخيَّل. الواقع لا يطاق، الواقع شديد عنيف موحش، لولا الخيال لمات الإنسانُ مفجوعًا. ما يحمي الإنسانَ هو الخيال الذي يصنع له عالما رحبًا يعيش في فضائه، لا بما يفرضه عليه الواقع، ولا طاقةَ له على تغييره. الواقع مفروض على الإنسان، الخيال يمكن أن يتصرّف فيه الإنسانُ بالخلق والإبداع كيف يشاء. ‏عالم الخيال هو الأوسع والأثرى، يتسع الخيال لما يضيق فيه الواقع. هو موطنُ تشكّل ما يحتاجه الإنسان من المعاني لحياته. المعاني العذبة من صنائع الخيال، لا من صناعة الواقع الموحش.

أفلاطون تحدّثَ عن الخيال بمدلوله الماورائي في عالم المُثُل، وهو عالم يسبق العالم المادي في نظره. باستثناء أفلاطون كان الاتجاهُ العقلي السائد في الفلسفة اليونانية ينظر للخيال بوصفه: “الجانب الخادع في النفس الذي يقود إلى الخطأ والزلل”[2]، كأنه يرادف اللاعقلاني والتوهم. منذ ذلك الوقت ظل الخيال منسيًّا، وكان يحذّر منه الفلاسفةُ بوصفه ضدَّ التفكير العقلي. عزّزت فلسفةُ ديكارت مركزيةَ العقل وكرّست تغييبَ التخيُّل، وتضييقَ آفاق المعرفة وحصرَها في حدود العقل بالمعنى الذي حدّده ديكارت في مؤلفاته وكتابه الأثير: “مقال عن المنهج”. إيمانويل كانط (1724-1804) أعاد للتخيُّل نصابَه، وأخرجه من مدلوله الماورائي عند أفلاطون، واستوعبه في المعرفة، وتنبّه إلى فاعلياته الخصبة في توليد المعرفة وإثرائها. لم يعد التخيُّلُ ضدًّا ولا حتى رديفًا للعقل، بل اتسع به فضاءُ العقل. مع كانط اتسعت مملكةُ العقل لاستيعابِ ملكة الخيال، واكتشافِ مصدرٍ غزير لإنتاج المعرفة، لم تمنحه الفلسفةُ اهتمامًا يتناسب وأهميتَه قبل ذلك. بعد كانط اهتمّ الفلاسفةُ الألمان بالمتخيَّل، وذلك ما نقرأه في أعمال: شيلنغ، وشوبنهاور، وهيغل، ونيتشه، وإدموند هوسرل، وهايدغر، وغادامير، ومعهد العلوم الاجتماعية في فرانكفورت.

كما اهتمّ بالمخيال في فرنسا، هنري برغسون، وسارتر، وميرلوبونتي، وكامو. وجاك لاكان، الذي ألّف كتاب: “اللغة الخيالي والرمزي”[3] وغيره، لدراسة المخيال في سياق قراءة جديدة للتحليل النفسي ومناهجه. وغاستون باشلار، الذي درس الخيال الشعري في كتابه: “شاعرية أحلام اليقظة”[4] وغيره. ودرس اليوناني الفرنسي كورنيليوس كاستورياديس تأسيس المجتمع في المخيال في كتاب “تأسيس المجتمع تخيليًا”[5]. مضافًا إلى الأعمالِه المتعدّدة لبول ريكور حول المخيال والذاكرة والسرد، مثل كتابه: “الذاكرة، التاريخ، النسيان”[6]، الذي درس فيه “تاريخ التمثّلات” في سياق نقده لـ “تاريخ العقليات”، وقبل ريكور نقد ميشيلُ فوكو “تاريخ العقليات” في كتابه “حفريات المعرفة”. وأسس غيلبرت دوراند عام 1966 في جامعة غرينوبل بفرنسا “مركز البحوث الخاص بدراسات الخيال”[7]. وكتب موريس غودلييه: “المتخيل المخيال والرمزي”[8]، وغيره من المؤلفات حول المخيال. ودرس بيير بورديو رأس المال الاجتماعي والثقافي والرمزي في عدة مؤلفات، وكشف عن أساليب الهيمنة الرمزية، وأدوات العنف الرمزي وكيفية توظيفها في انتاج السلطة[9].

وأصدر أندرسون كتابه: “المجتمعات المتخيلة: تأملات في أصل القومية وانتشارها” عام 1983[10]. وكانت مساهمة الأمريكي رايت ميلز في كتابه: “المخيال السوسيولوجي” الصادر عام 1959، من الأعمال الرائدة في اعتماد المخيال بوصفه مفتاحًا لتفسير كيفيةِ تشكّل المجتمع وصيرورته، وفهمِ نمط إنتاج تصوراته ومعتقداته وثقافته وهويته ورؤيته للعالم في فضاء الخيال المجتمعي. وألّفت فالنتينا غراسي أستاذة علم الاجتماع في جامعة بارثينوب في نابولي بإيطاليا كتابها: “مدخل إلى علم اجتماع المخيال: نحو فهم الحياة اليومية”[11]. وأصدر الكندي تشارلز تايلور كتابه: “المتخيلات الاجتماعية الحديثة”[12].

وقبل ذلك فتح سيغموند فرويد في مدرسة التحليل النفسي آفاقًا جديدة للكشف عن جذور تشكّل المخيال في اللاوعي، وجاء كارل غوستاف يونغ واكتشف منابعَ المتخيَّل في اللاوعي الجمعي، ودرس الصورةَ والرمزَ والأسطورةَ والأنموذجَ الأصلي. واتخذت دراسةُ الخيال مكانةً مركزية في الفلسفة الفينومينولوجية منذ إدموند هوسرل، وحضرت الصورةُ والتخيُّل والمتخيَّل والخيال بكثافة في الفينومينولوجيا وتفسيرِها للوعي ومفهومِها الفلسفي للعالم. ألّف سارتر كتابين، درس فيهما ما يمنحه الخيالُ للذهن، وكيفيةَ تحقّق الوعي وتمثّل العالم بالخيال في ضوء الفلسفة الفينومينولوجية. أصدر الكتابَ الأول سنة 1936 بعنوان: “الخيال L’imagination”، والكتابَ الثاني سنة 1940 بعنوان “الخيالي “L’imaginaire”. يقول سارتر: ” إن المخيلة ليست سلطة تجريبية أو مضافة إلى الوعي، بل إنها الوعي بأكمله حين يتحقق، فكل وضعية عينية وواقعية للوعي في العالم تكون مشحونة بالمتخيل حين تتقدم دائما باعتبارها تجاوزًا للواقع”[13].

اتسعت دراسةُ المخيال وتنوعت مجالاتُها في الفلسفة وعلم النفس والاجتماع والأنثروبولوجيا، وتحليل الخطاب، والألسنيات، والتاريخ، واتخذت مدرسةُ الحوليات الشهيرة في فرنسا من “تاريخ العقليات/تاريخ الأفكار” موضوعًا يدرس البنيةَ الذهنية ونسيجَ الأفكار المولّدة لروح المجتمعات، وأثرَها في تشكّلها وصياغة هويتها، وكيف تصير بوصلةً لمسيرتها التاريخية. البنية الذهنية الجمعية منجم ثريّ يختزن الرؤيةَ للعالم وما هو غاطسٌ ولاواعٍ في الدين، والثقافةَ والفن، وروافدَ السلطة وشبكاتها وأنماطها، في ضوء ذلك أضحى البحثُ التاريخي في مدرسة الحوليات يذهب لتمحيصِ ودراسة مكونات هذا المنجم، وتفحّصِ ديناميكيته الداخلية، واكتشافِ فاعليته في بناء الجماعة، وبيانِ الأفق الذي تسترشد به الجماعةُ وتتطلع في ضوئه لصورة مستقبلها.

وأضحت دراسةُ المخيال وفاعلياته الأساسية في إنتاج المعرفة حقلًا أساسيًّا في الفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والألسنيات وعلم اللغة والميثولوجيا. وتطورت دراساتُ علم اجتماع المخيال، وظهرت أبحاثٌ ثمينة حول الكشف عن أثره في ‏تشكّل الأديان والفرق والمذاهب ‏والجماعات وتوالدها.

[1] الخولي، يمنى طريف، مشكلة العلوم الإنسانية تقنينها وإمكانية حلها، ص 16، 2014، مؤسسة هنداوي للثقافة والعلوم، القاهرة.

[2] هلال، محمد غنيمي، الرومانتيكية، ص15، 1955، نهضة مصر للطباعة والنشر، القاهرة.

[3] صدرت الترجمة العربية لهذا الكتاب عن منشورات الاختلاف في الجزائر، سنة 2006.

[4] صدرت الترجمة العربية لهذا الكتاب عن المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر ببيروت، سنة 1993.

[5] صدرت الترجمة العربية لهذا الكتاب عن دار المدى للطباعة والنشر التوزيع، سنة 2003.

[6] صدرت الترجمة العربية لهذا الكتاب عن دار الكتاب الجديد المتحدة ببيروت، سنة 2009.

[7] صدرت الترجمة العربية لكتابه: “الخيال الرمزي” عن المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر في بيروت عام 1991.

[8] صدرت الترجمة العربية لهذا الكتاب سنة 2019 عن دار الفارابي ببيروت.

[9] صدرت الترجمة العربية لكتابه: “الرمز والسلطة” عن دار توبقال في الدار البيضاء بالمغرب، سنة 2007.

[10] صدرت الترجمة العربية لهذا الكتاب سنة 2009 عن شركة قدمس للنشر بدمشق.

[11] صدرت الترجمة العربية لهذا الكتاب عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات عام 2018.

[12] صدرت الترجمة العربية لهذا الكتاب عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات عام 2015.

[13] توفيق، سعيد، الخبرة الجمالية، دار الثقافة، القاهرة، 2002، ص 156.

 

https://alsabaah.iq/90528-.html

الوجه نافذة الدخول إلى قلب الإنسان

د. عبد الجبار الرفاعي

الوجهُ نافذة الدخول الأولى إلى الإنسان، وهو من أهم نوافذ الدخول إلى مشاعره وقلبه. نرى إنسانًا للوهلة الأولى وكأن وجهَه مصباحٌ يضيء باطنَه، أو نرى وجهَ إنسانٍ مُلتبِسًا مبهمًا غامضًا. الوجه مفتاح بوابة شخصية الإنسان، يأخذنا الوجهُ في رحلة اكتشاف شيءٍ من اللامرئي في الإنسان. الوجه بوصلة التفاعل الإنساني والتواصل الأخلاقي بين إنسان وإنسان، الوجه مرآة يرتسم فيها شيءٌ من فرادة كلِّ فردٍ وتميزِه عن غيره. ‏في الوجه يتكشف شيءٌ من المعنى الأخلاقي والروحي الذي يمكن أن يمنحه كلُّ إنسان لغيره، في الوجه نقرأ ما يرشدنا لكيفية التواصلِ الإنساني وإدارةِ العلاقة مع البشر. عندما نلتقي إنسانًا أول ما نلتقي وجهَه قبلَ كلّ شيء، الوجهُ ضوءٌ غالبًا ما يكون الأوضحَ تعبيرًا، والأشدَّ تأثيرًا في العلاقات الإنسانية. الوجهُ مرآةٌ لا يمكن رؤيةُ الإنسان والتوغلُ إلى عالمه الجواني إلا من خلالها. العلاقاتُ الإنسانية العميقة الوجهُ من أسرع مفاتيحها، ‏الحُبّ الذي هو أعذبُ وأغنى علاقة إنسانية الوجه من مفاتيحه الأساسية.

الوجهُ بقدر ما هو قناعٌ يحجب شخصيةَ الإنسان، هو مصباحٌ يضيء ما في داخل الإنسان، التمييز بين الحالتين يتطلب فراسةً وحدسًا وخبرةً لتمييز الوجهِ المخادع المتصنِّع والوجهِ العفوي الصافي الصادق. تعبيرات الوجه تؤثر في قراراتنا حيال مَن نتعامل معه، أحيانًا يكون أثرُها حاسمًا في نوع الموقف الذي نتخذه بالإقدام أو الإحجام. تعبيرات الوجه مختلفة، أحيانًا يعكس تعبيرُ الوجه الفعلَ وأخرى يعكس الترك، أحيانًا يعكس النورَ وأخرى يعكس الظلام، أحيانًا يعكس القبولَ وأخرى يعكس الرفض، أحيانًا يعكس الإعجابَ وأخرى يعكس النفور، أحيانًا يعكس الإقبالَ وأخرى يعكس الإدبار، أحيانًا يعكس السكينةَ وأخرى يعكس القلق، أحيانًا يعكس الطمأنينةَ وأخرى يعكس الفزع، أحيانًا يعكس الوجومَ وأخرى يعكس الإفصاح.

الوجه هو الأفق الأخلاقي للتواصل في رأي الفيلسوف الفرنسي من أصل لتواني (1906-1995) إيمانويل ليفيناس. الأخلاق محور فلسفة ليفيناس، تبدأ فلسفتُه بالأخلاق، فهي الفلسفة الأولى قبل الأنطولوجيا. أعلى من وظيفةِ الأخلاق بنحوٍ احتلت مكانةً تتفوق فيها على كلِّ شيء. جعل الوجهَ مفتاحَها، من ملامحِ الوجه يمكن التعرّفُ على الإنسان واكتشافُ شخصيته وفهمُ كيفية التواصل معه، بنحوٍ صار “شاغله الأساسي هو ترسيم علاقة (الوجه-لوجه) الأخلاقية بالآخر”[1]. يركز ليفيناس على الوجه لفهم العلاقات الإنسانية والتفاعل الاجتماعي، إذ يقول: “فالوجه هو الذي يبدأ كل خطاب، وكل إمكانية للخطاب، بما فيه ذلك الذي يعبر عن المسؤولية التي ستقوم عليها العلاقة الأساسية بين الأنا والآخر”[2].

بعض الناس الباطنيين العاجزين عن التعبير عن مشاعرهم يبدو أحيانًا وجهُهم كأنه ممحوٌ لا تظهر عليه أيةُ ملامح، أو يبدو مظلمًا، أو يبدو كأنه شبحٌ مخيف، لا يعرف هذا الوجهُ الابتسامة، وغالبًا لا تظهر عليه آثارُ التعجب والدهشة والانفعال والتفاعل. الوجه العاجز عن التعبير عن عواطف صادقة يعجز عن بناء علاقات عميقة. العلاقات منبعُها الأساسي العواطف، العواطف الصادقة تنبعث وتتغذى من الكلمات المبهجة وتعبيرات الوجه بالبشرى والابتسامة. ابتسامةُ الوجه من شأنها أن تضىءَ قلبَ مَن تتعامل معه، وتجعل حضورَنا وتأثيرَنا أسرع في حياة مَن نتواصل معه. في: “دراسة أعدتها جامعة تينيسي الأميركية، ونشرت في 2019، أظهرت أن الابتسامة يمكن أن تجعلنا نشعر بالسعادة. حيث قام الباحثون بتحليل نتائج 138 دراسة شملت 11 ألف شخص، وأجريت على مدار 50 عاما الماضية، وتوصلوا إلى أن الابتسامة -وإن لم تكن تلقائية – تولد قدرا من السعادة والفرح أو البهجة. ولا يعني ذلك -حسب المجلة – أن الابتسامة وحدها يمكن أن تخرجنا من حالات الاكتئاب والحزن، إلا أنها خطوة جيدة كمرحلة أولى نحو التخلص من المشاعر السلبية”[3]. و “نشر آلان كوينِ وداشر كيلتنر وكلاهما بجامعة كاليفورنيا في بيركلي بحثاً عام 2018 في مجلة (أميركان سايكولوجست)، خلص إلى أن إشارات الوجه والجسم معا يمكن أن تؤشر على ما لا يقل عن 28 صفة مميزة من المشاعر اليومية على الأقل في البالغين الغربيين. وهذه تشتمل على الكبرياء والخجل والرغبة والتسلية. ويقولان، إن هناك الكثير من أنواع الابتسامة المتنوعة التي تظهر على حالات أكثر تحديداً، مثل التسلية، والرغبة، والحب، والاهتمام، والرهبة، والتعاطف”[4].

يشكو لي إنسانٌ عاطفي من صديق له، يبخل عليه دائمًا بكلمة طيبة، ويستخفّ بمنجزه ولا يكترث به، وعندما يتحدث إليه ينظر إليه بوجهٍ متجهم يشي باستخفاف واستفهامات إنكارية، وينشغل بإظهار تفوقه عليه. يتكلم بنبرةٍ حادة ولغةٍ تسلطية متعالية كالذي يصدر أوامرَ عسكرية، يستعمل كلماتٍ قاسية بلا أن يكترث بمشاعر مَن يصغي إليه. يقول إذا أهديتُ له كتابًا ظهرتْ على وجهه حالةُ سخرية وقرف، ولا يترك هذه الفرصةَ قبل أن يسمعني كلماتِ ازدراء، تشعرني بتفاهة كتابتي وهزالتها وبؤس تفكيري. هذا الإنسان دائم الحديث عن كتاباته وذاته المتورمة، يترقب من الكلِّ تبجيلَ منجزه والاحتفاءَ به من دون أن يبجّل منجزَ أحدٍ أو يحتفي به.

لفراط إعجابي عند قراءتي كتاباتِ كاتبٍ تورطتُ بعلاقةٍ معه في مرحلةٍ مبكرة من عمري، كان الرجلُ غريبَ الأطوار، نادرًا ما يبتسم. وجهُه مظلم مكفهر مكتئب حانق طوال الوقت الذي تجلس معه، لا تسمع منه إلا الشكوى من تضييع مكانته، وتجاهلَ القراء لكتاباته، وتقديمَهم لغيره على الرغم من أنه هو الأعمق والأكفأ والأشد انتماءً لوطنه. لم أسمع منه ذكرًا لإنسانٍ بخير إلا في حالات نادرة، ولو ذكر أحدًا مرة بخيرٍ يعود لينتقم منه بمناسبة وغير مناسبة في مرات لاحقة. يسلق لسانُه كلَّ اسمٍ يرد بخاطره، مسكونٌ بملاحقة الناس بالاتهامات والازدراء، لا يكفّ عن ممارسة تبخيس الناس حقوقهم، كأنه مصابٌ بالإدمان على هجاء الناس، لا يستطيع الخلاصَ من الانشغال بالحديث الممقوت عن غيره مادمتُ جالسًا معه. حين تحتفي به لا تصدر منه أيةُ اشارةٍ للاحتفاء بك، لا يبادلك أيةَ مشاعر تعكس الودَّ والامتنان. متى جلستَ معه لا يعطيك فرصةً للتحدث، وإن قاطعته ينزعج وربما يتصرف بلا تهذيب. بعد مدة غادرتُ هذه العلاقةَ المنهِكة، لم أتخذ موقفًا سلبيًا من الرجل، ولم أعد أذكرُه لا بلساني ولا حتى بذهني، إلا أن يذكرني به غيري. شطبتُه من ذاكرتي إلى الأبد، عندما وجدتُ نفسي متى جلستُ معه أخرج وأنا حزين متذمّر، غاضب من هجائه المبتذل. ينطلق هذا الإنسانُ من مديونيةٍ متوَّهمة له في أعناق الناس، يحسب أن وظيفة الناس اكرامه واحترامه من دون أن يكرم أحدًا بشيءٍ أو يحترمه. لم يعرف عنه يومًا أنه بادر بكلمةٍ طيبة أو موقفٍ جميل. الحياة مديونيات متبادلة، الإنسان محكومٌ باحتياجاته المتنوعة، احتياجُه للمعنى عميق، يترقب كلُّ إنسان من الصلات خارج إطار العمل المهني والوظيفي والتجاري، أن تشبع الصلةُ بغيرة شيئًا من حاجته الأبدية للمعنى. أولئك الذين يحسبون أن لهم مديونيةً على الخلق من دون أن يقدّموا لهم شيئًا ماديًا، ولم يضيفوا لحياتهم أيَّ معنى روحي أو أخلاقي أو جمالي، تجفُّ روافدُ علاقاتهم بغيرهم ويهجرهم أقربُ الناس إليهم بالتدريج.

هناك فرقٌ بين التعاملِ الاجتماعي مع الإنسان، وبين فهمِ الإنسان وتفسيرِ سلوكه وتناقضاته بعمق. فهمُ الإنسان يجب أن يكون في ضوء الفلسفة وعلم النفس والاجتماع والتربية، ومعطيات العلوم والمعارف الحديثة المختلفة. التعامل الاجتماعي مع الإنسان يجب أن ينضبط بالمعايير الأخلاقية، الضمير الأخلاقي يفرض علينا أن نعامل الناسَ بالحسنى، حتى لو كان مَن نتعامل معه لا ينضبط سلوكُه بمعايير أخلاقية، إن كان كاذبًا فكنْ أنت صادقًا، إن كان خائنًا فكنْ أنت أمينًا، إن كان مراوغًا فكنْ أنت مستقيمًا، إن كان مدلسًا فكنْ أنت واضحًا. أعرف أن الصبرَ الطويل لا يطاق على معاملة بعض الناس المصابين بأمراض نفسية وأخلاقية حادة. جربتُ ذلك مرارًا، لكن في خاتمة المطاف تعبتُ، لحظة اكتشفت إصابةَ هذا الإنسان بمرضٍ نفسي حاد، وأحيانًا تكون الإصابةُ مضاعفةً بملازمة المرض الأخلاقي للمرض النفسي.

 

[1] تِد هُنْدرتُش “محرر”، دليل أكسفورد الفلسفي، ترجمة: د. نجيب الحصادي، مراجعة: د. منير الطيباوي، 2021، ج2: ص 1314، هيئة البحرين للثقافة والآثار.

[2] المصري، وفيقة، “وجهًا لوجه أم قناعًا لقناع: ليفيناس والعلاقة الأخلاقية مع الآخر”، معنى، 8 نوفمبر، 2020.

[3] موقع قناة الجزيرة، 11/10/2020.

[4] صحيفة الشرق الأوسط، 2 مارس 2020.

 

https://alsabaah.iq/90160-.html