الهادئ البعيد عن الصدام والجدل

د. نصير جابر

في العراق – ولعقود طويلة خلت-  تبدو مهمة المفكر صعبة ومعقّدة للغاية، بل قد تكون مستحيلة، لأنّه سيكون دائما على المحكّ مع “الأفكار” السائدة في المجتمع لحظة حضوره بطروحات حرة قد لا تكون بالضرورة مشابهة ومتناغمة مع غيرها.
ومن هنا سيكون عليه سلوك طريقين – لو أراد البقاء في بلده- أما التخلّي عمّا يؤمن به ومهادنة السلطة و”أفكارها”، وأما الصمت المطبق، وسيكون لحظتئذ قد حكم على نفسه بالموت المعنوي البشع الذي لا يمكن أن يتقبّله أي عقل حركي فعّال، أو اختيار الطريق الثالث الشاق والصعب، لكنه الأسلم وهو الهجرة بما يحمله من آمال وتطلعات معرفية إلى فضاء آمن يستطيع فيه أن يقول كلمته من دون قيد أو شرط.
وهكذا فعل المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي الذي هاجر إلى ايران منذ عقود طويلة، ولم يرجع إلاّ بعد أن تنفس الوطن رائحة الحرية، وصار من الممكن أن تقول ما تؤمن به من دون خوف من رقابة مجرمة صارمة.
ولسنوات طويلة قبل أن أقرأ له كتابا منفردا، كان هذا الاسم يعني لي  مجلة “قضايا إسلامية معاصرة” فقط، فمنذ ظهورها عام 1997 كانت توفر بموادها الرصينة الخصبة مساحة من متعة معرفية راقية لا تقدّر بثمن، ومهما كنت تنتمي إلى حيز فكري بعيد جدا عنها وعن توجهها فلن تجد فيها إلّا مجلة قريبة منك، لأنها تحاول أن تجايل الراهن المعرفي  وتخاطبه بمودة وتَفهم ومن دون عدائية أو انتقاص!
وهذا الانطباع سينسحب على صاحبها ومؤسّسها الدكتور الرفاعي الرجل الهادئ البعيد جدا عن الصدام والعراك والجدل الذي لا طائل منه.
والمتواضع الذي لا تكاد تسمع صوته وهو يتحدث حتى لا يشعرك بفوقانية ما، أو تعال أو تكبّر يصاحب عادة أغلب المشتغلين بهذا المجال بوصفهم مُلاك حقيقة مطلقة، فالرجل عكس ذلك تماما، إذ يرى في الحضور الفعّال هو الغاية من  وجود المفكر وسط  صخب الحراك الثقافي، لذلك عندما رأيته أوّل مرة خلال استضافة اتحاد الأدباء والكتاب له في النجف الأشرف قبل سنوات، شعرت أن انطباعي الأوّل عنه – الذي كونته من خلال المجلة وتوجهها- انطباع صحيح جدا.
فالرجل غارق  بتأمل العالم الرصين ومنشغل بهموم الإنسان المتصالح مع الذات، الباحث عن حلّ ناجع وأسئلة جديدة يمكن أن تسهم في زيادة الألفة بين الناس  وتبتعد عن التعصب المقيت والتطرف الاجرامي أو الخوف والقلق من ماض شائك تعتريه المشكلات الكبيرة والمعضلات المستغلقة ومستقبل  غامض مربك قد تضيع فيه هوية الإنسان وتنمسخ.
لذا بدا لي الرجل غير مكترث تماما بما يمكن أن تفعله الأضواء نحوه كمثقف بارز واسم لامع في ثقافتنا المعاصرة. إذ عاش للكتب والكتابة وكأنها مهمته الوحيدة في الحياة حتى إنه قال في آخر كتبه “مسرات القراءة ومخاض الكتابة.. فصل من سيرة كاتب” الصادر عن دار تكوين- الرافدين في الكويت  عام 2023  «لم أجد نفسي خارج الكتابة منذ أكثر من 45 عاماً تقريباً».
إن الجهد الكبير والشاق الذي بذله الرفاعي يأتي من دقّة اشتغالاته الفكرية  في مساحات الأديان، وما لحق بها من امتداد تأريخي، وتأكيده الدائم على النزعة الإنسانية فيها، وإنّها -أي الأديان-  منظومات روحية أخلاقية عالية  جاءت من أجل الرقي بروح الإنسان نحو مصاف عالية سامية.
ومن يتأمل نتاجه العميق سيرى ذلك واضحا في كتبه مثل “انقاذ النزعة الإنسانية في الدين، تمهيد لدراسة فلسفة الدين، الدين والظمأ الأنطولوجي” وغير ذلك في عشرات المقالات المؤسّسة لهذه الفكرة النقية النبيلة، التي تبدو من الأهمية بمكان لتشكّل علامة  فارقة في مسيرته الفكرية الطويلة.
حاز الرفاعي العديد من الجوائز المحلية والدولية الرفيعة تقديرا لجهوده المميزة. ولكن أزعم إن من بين أهم تلك الجوائز التي استحقها في حياته  هي اتقان دوره التنويري من دون تشتّت وتحديد مجاله المعرفي بدقّة  والاندكاك فيه حدّ التماهي من دون الدخول في صراعات جانبية لا تغني  المعرفة شيئا.
ومن الضروري القول أيضا إن منجزه الفكري كان مادة  خصبة للعديد من الرسائل والأطاريح الجامعية في دول عديدة، بوصفه  رائدا من رواد علم الكلام الحديث ومفكرا عميقا أغنى المعرفة بفكر إنساني خلّاق.

د. نصير جابر، كاتب عراقي.

https://alsabaah.iq/99395-.html

هكذا يكون تجديد الخطاب الديني

مجلة قضايا إسلامية معاصرة

د. نصر محمد عارف[1]

الكل يتكلم عن تجديد الخطاب الديني، الكل يدعو إلى تجديد الخطاب الديني، الكل يوصي بتجديد الخطاب الديني؛ ابتداء ممن لا علاقة لهم بهذا الخطاب علمياً، أو مؤسسياً، أو حتى إيديولوجياً، إلى المرجعيات المسئولة عن المؤسسات الدينية الكبرى كالأزهر، والأوقاق، والإفتاء، الكل يدعو ويوصي، ولكن للأسف لم يقدم أحدٌ نموذجاً لكيفية تجديد الخطاب الديني، وماهية المناهج التي ينبغي اتباعها، والموضوعات التي يتم البدء بدراستها، وإعادة النظر فيها، لم نزل جميعا نقف عند حدود التوصية بالتجديد، أو الدعوة الى التجديد.  حالة من الفكر الإيصائي الذي يستبطن الوصاية على الآخرين فيدعوهم للقيام بما لم يقم هو به، الفكر الإيصائي الوصائي، يا سادتي، لا يجدد خطاباً ولا يصلح فكراً، ولا يحدث تغييراً في الواقع، فقط لأنه لا يفعل شيئاً، ولا يضرب مثلاً، ولا يقدم نموذجاً. تجديد الأفكار والثقافات، وتغييرها عملية معقدة جداً؛ لها وسائلها وأدواتها، سواء أكانت هذه الثقافات دينية، أو غير دينية، من أهم هذه الوسائل المجلات الثقافية والفكرية التي تقدم عبر عشرات السنين رسالة ثقافية تجديدية معينة، فالتجديد عملية تاريخية لا تتم بخطبة جمعة، أو قرار وزاري، أو تغيير منهج دراسي فحسب، ولكن لابد من عملية فكرية ثقافية مستدامة ومستمرة، تعالج مختلف جوانب الثقافة، وعملية التفكير، بصورة زمنية تتناول في كل فترة جانباً أو بعداً معيناً، ولكي نفهم التغيير الثقافي الذي حدث في مصر والشام في بداية القرن العشرين نتيجة للحركة التجديدية التي قادها جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده وتلاميذهما، لكي نفهم هذا التغيير لابد أن نرصد المجلات الثقافية والفكرية والعلمية التي ظهرت في بداية القرن العشرين، حيث كان لكل تيار فكري مجلاته الخاصة التي تحمل رسالته، وفي النهاية حققت أهدافها واقعاً ملموساً لم نزل نعيشه حتى اليوم. وللاسف في مطلع القرن الحادي والعشرين لا يوجد من هذه المجلات الثقافية إلا القليل، إذ إن الغالبية العظمى من المجلات الفكرية الرصينة مخصصة لنشر أبحاث الترقية لأساتذة الجامعات، وغالبا هذه الأبحاث لا علاقة لها بالتجديد، أو الفكر أو الواقع، إذا غالبها صناعة لغوية دائرية لا يخرج منها شيء، أما المجلات الفكرية الرصينة فعددها قليل جداً، والمتخصص منها في الفكر الديني نادر جداً، لعل منها مجلة تكاد تكون وحيدة في مجالها هي “قضايا إسلامية معاصرة” التي يصدرها ويترأس تحريرها الدكتور عبد الجبار الرفاعي المفكر العراقي، صاحب الرؤية التجديدية المتجاوزة لكل حمولات التراث السلبية من تقليد، وانغلاق، وطائفية، هذه المجلة تحمل على عاتقها الفعل التجديدي بمنهجية رصينة تقوم أولاً، على تقدير التراث، والتعامل الجدي معه من خلال البحث، والتحقيق، والتدقيق، والتحليل، والاستنطاق الذي يسهم في فهم مشاكل العصر، وليس إسقاط أفكار الماضي على مشاكل العصر كما يفعل الكثيرون من المتخصصين في الفكر الديني فيزيدون الأمور تعقيداً؛ لانهم يتوقعون من مفكري الإسلام الذين ماتوا من مئات السنين أن يقدموا لنا حلولا وإجابات عن مشاكل واقعنا المعاصر. وتقوم منهجية “قضايا إسلامية معاصرة” ثانيا على ربط قضايا الدين بالواقع المعاصر وقضاياه وإشكالياته، وتعيد قراءة النص الديني في ضوء معطيات العصر، باحثة عن رؤية تصلح الواقع وترتقي به إلى مستوى يتناسب مع مقاصد النص الديني وغاياته وقيمه، بحيث تكون عملية التجديد هي عبارة عن جدلية مستمرة بين النص والواقع، صعودا من الواقع إلى النص، ونزولا من النص للواقع؛ وهنا يدخل العنصر الثالث الذي تعتمده هذه المجلة في منهجيتها وهو الانفتاح على العلوم الإنسانية والاجتماعية المعاصرة والاستفادة من مناهجها، وما تقدمه من أدوات في فهم الواقع، وتحليل النص، من خلال هذه المنهجية الثلاثية: المزج بين التراث والواقع والعلوم الاجتماعية والإنسانية. استطاعت هذه المجلة عبر ما يقارب عقدين من الزمان أن تقدم نموذجاً تجديدياً يصلح أن يكون قياسياً لأي محاولات قادمة. هذا الجهد الفكري المتميز انتظمت في إطاره عقول شابة، وخبرات رصينة من أساتذة مخضرمين منذ ١٩٩٤ حتى اليوم لم تزل تمثل نافذة فكرية تطل من خلالها أفكار أصيلة وجديدة، دينية ومعاصرة، إسلامية وفي نفس الوقت متفاعلة مع العلوم الإنسانية والاجتماعية، هذا النموذج نقدمه للمؤسسة الدينية الرصينة في مصر، إلى الأزهر الشريف ليعيد النظر فيما لديه من مجلات قائمة، ولعله يبادر إلى تجاوز الماضي، وإنشاء من المجلات الفكرية والثقافية ما يستطيع أن يحقق هدف التجديد وغاياته.

[1] أكاديمي وباحث مصري.

https://altanweeri.net/12586/%D9%87%D9%83%D8%B0%D8%A7-%D9%8A%D9%83%D9%88%D9%86-%D8%AA%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86%D9%8A/

التفسير الثالث للدين: خارطة طريق عبد الجبار الرفاعي للجيل الجديد

مشتاق الحلو[1]

أتهيب الكتابة عن عبد الجبار الرفاعي؛ لأني أؤمن بأن التأريخ له تأريخ لمرحلة وحقبة وتجربة ومسيرة، مرحلة طالما تمنيت أن اكتب عنها بإسهاب، وأبين كل تفاصيلها التي شهدتها وعشتها، فأخشى أن اظلمها، أو أجانب الحقيقة في تقييم مستعجل لها. والآن، بمناسبة تسجيل شهادتي عن الرفاعي لا أرى مفرا من الانطلاق منها، والتحدث قليلا عنها، على أمل أن أعود لها ثانية بشكل أكثر تفصيلا وتحليلا.كما أؤمن بأن الاحتفاء بالرفاعي، والاهتمام به، هو اهتمام بمشروع وفكر وتفسير للدين، وعمل على تحرير مجتمعاتنا من “ثقافة هجاء الحياة وتمجيد الموت”، وهو واجب بالنسبة لي يحتّمه الضمير.

قد يلاحظ القارئ ان الحديث في البداية يتمحور حولي / الشاهد، لا حوله/ المشهود له. فللأمر اسباب قد يكون من اهمها: اني حينما أكون عند الرفاعي أحسّ بأني كبير ومحترم، لهذا حينما أتكلم عنه أيضا ينشط عندي الإحساس نفسه.

محطات في اكتشاف الرفاعي

 

المحطة الأولى: 1984 – 1991

في نهاية العقد الأول من عمري جرت أحداث مؤسفة في الكويت، وعلى أثرها هجّر أو هاجر اغلب العراقيين الذين اتخذوا من الكويت مأوى لهم. وكنا في قم في استقبال حصتنا من الشتات العراقي الذي كان يتقاذفه القدر في البراري.

كان الرفاعي أحد العراقيين الذين هاجروا من الكويت إلى إيران، اثر هذه الأحداث. في الأيام الأولى لدخول الرفاعي مدينة قم تعرفت عليه، بوصفه صديقا لبعض الأقرباء، ثم صديقا لوالدي، فكنت أراه في بعض الولائم والاجتماعات العامة.

كنت اسمع والدي يتكلم عنه فيقول: انه أستاذ حوزوي مثقف، لكنهم يضطهدونه، لأنه عراقي، ومن أصول عربية.كان هذا الكلام غريبا بالنسبة لي؛ إن كان أستاذا حوزويا، فلماذا هو حليق اللحية “مقارنة بمن أراهم حولي”، ويرتدي البدلة الغربية، التي لم تكن مرحبا بها في تلك الحقبة بالذات؟!

أما ثقافته فكنت امتلك شاهدا عليها، وهو أني كنت اسمعه يتكلم في الاجتماعات العامة بلهجة مختلفة عن الآخرين، بعربية قريبة من الفصحى، لكن تشوبها لهجة عراقية، لا يمكن تمييز – على الأقل بالنسبة لي آنذاك – المدينة التي ينتسب إليها. غير أن ما هو واضح تماما انه عراقي بامتياز.

كنت أتساءل حين أراه: ماذا يريد أن يقول بحلق لحيته؟ لماذا يتجاهر بخرق الشريعة؟ ولكن في الوقت نفسه كنت اكبر فيه هذه الشجاعة، وهذا الصدق، كونه لا يتظاهر بمظهر لا يحبه، في بيئة ما كان أي إنسان من وسطنا العراقي آنذاك يجرؤ على حلق لحيته فيها.

هذه الشخصية للرفاعي امتزجت في ذهني بشخصية ثانية؛ وهي انه من الكوادر المتقدمة في حزب الدعوة. وان كان لأهلي ووالدي انتماءات سابقة لهذا الحزب، إذ أعدم عمي على يد النظام الصدامي بجريمة انتمائه للدعوة، إلا أني كنت أمتلئ كراهية للمعارضة مع الوقت والنضج… معارضة صدام بكل فصائلها. المعارضة التي كنت أرى رموزها أناسا متكبرين علينا، مستبدين معنا، مستأثرين بخيراتنا، متاجرين بدموعنا ودمائنا، جهلاء بالعلم والمعرفة إلى درجة يصعب تصورها…

وبمرور الأيام حاولت جاهدا أن افصل نفسي، مهما استطعت، عن كل من ينتمي للمعارضة، حتى أصبحت أتمنى أن لا يعرف أحد منهم أني عراقي؛ لأني لا أحب الانتساب لهم. وكبديل عن هذا الفضاء ارمي بنفسي في الفضاءات الإيرانية، وابدأ حربا مستميتة لإثبات ذاتي وفرض نفسي عليهم. كان أكثر ما يستفزني من قبل الإيرانيين سؤالهم عن الجماعة التي أنتمي إليها من المعارضة. فأجيب بانفعال لا يفهم الإيراني سببه: أنا عراقي، لكني لا أنتمي إلى المعارضة.

 

المحطة الثانية: 1991 – 2002

انتهت الحرب العراقية الإيرانية، وبالنسبة لي بدأت مرحلة فقدان الأمل بالخلاص من دكتاتور العراق. وإذا به يقتحم الكويت، فبعث أمل فينا بأن أميركا سوف تخلصنا منه. وجاءت الانتفاضة الشعبانية نذر خير بأن الشعب العراقي بنفسه سوف يطهّر العراق من دنس الدكتاتورية. فهرعت للمشاركة في الانتفاضة، وتركت امتحانات الثلث الثاني من العام الدراسي “حسب النظام الدراسي الإيراني”، وما كانت إلا أيام وانجلت الغبرة وبانت الخيبة.

فعدت أدراجي مثقلا بالحزن، فاقدا للأمل، وبدأت كراهية _ ما تسمى _ معارضة صدام تتصاعد عندي، حتى وصلت إلى الحقد والازدراء الذي لا يمكن وصفه. لأني توصلت إلى قناعة بأن سبب فشل الانتفاضة، ودمار البلد، وإبادة الشعب هو أداء المعارضة. وبشكل تدريجي صرت أؤمن بأن جميع فصائل المعارضة لا يريدون سقوط دكتاتور بغداد قبل تصفية فرقائهم، أي يجب أن يبقى هو البديل الوحيد لصدام، ثم ينتقل لمرحلة التفكير بالتخلص منه.

عدت لإكمال الإعدادية، لكنني حزين على بلدي وشعبي وقد يكون حزني في الحقيقة على نفسي ومستقبلي وكرامتي المهدورة في المنفى الاختياري الذي اختارته الأسرة لي. والنفق المظلم الذي أسرنا فيه.

عشت طفولة من دون طفولة، ومراهقة من دون مراهقة، في بلد وبين أناس لا انتمي لهم ولا ينتمون لي، بلا ذكريات ولا حلم ولا أمل. ثم قررت أن ادخل الحوزة. ولا اعلم لم اتخذت هذا القرار. قد يكون السبب أن نموذج القائد المنقذ الذي كان يحضر في ذهني آنذاك، تجسد في السيد الخميني والسيد محمد باقر الصدر، وهما رجلا دين.

كنت ادرس ثانوية في الفرع العلمي، وأهتم بدروس الحوزة مساء، مستعينا بالأشرطة. فسمعت عددا من الأساتذة، واستقرّ رأيي في نهاية المطاف على اختيار دروس الرفاعي. أشرطة ضبط الصوت التي سجّل بعضها والدي، حين تتلمذ على الرفاعي، فطلب منه وحفّزه على تسجيلها، وما زلت اذكر عبارة الرفاعي الوجلة – في حينها -: “كيف توضع أشرطتي إلى جانب أشرطة أساتذتي؟” انسجمت مع اللغة والأسلوب، ومستوى الشرح المعتدل، لا المسهب، ولا المطنب.

وان كان الرفاعي جزءا من “معارضة صدام”، لكن التربية التي تلقيتها من بيئتي الإيرانية، علمتني أن أتجاوز هذا الحب والكره، واجعل الهدف نصب عيني. فاستمعت لأشرطة كتاب “المنطق” لمحمد رضا المظفر، ثم الحلقة الأولى من “دروس في علم الأصول” لمحمد باقر الصدر، وكتبت كل شاردة وواردة ذكرها الرفاعي، وما زلت احتفظ بها إلى يومي هذا.

في المرحلة التالية، دخلت الحوزة للدراسة المباشرة. لكن رفضي لـ”معارضة صدام” حال دون دخولي الحوزة العراقية، لأن الحوزة العراقية مجموعة مدارس، كل واحدة منها تابعة، أما لشيخ فلان أو سيد فلان، وجميعهم من أقطاب “معارضة صدام”. سألني في حينها أحدهم: كأنك تكره المعارضة أكثر من صدام؟ قلت: نعم! صدام أهانك، لكن معارضته أهانتني.

وان كنت ازدري رؤوس المعارضة، لكني كنت أتابع جميع خلجاتهم لسببين: كنت أفكر أن أثبّته للتاريخ، وأحاول أن أستفيد من كل ما يصدر عنهم، للتعرف على بلدي، واكتشاف ثقافتي العربية، كي أتسلح بها مقابل الآخر الذي يحتقرني، ولم أر أمامي نافذة مطلّة على العراق سوى هؤلاء؛ لأنه لم يتوفر بديل. لم أكن اسمع يومها بكائن اسمه النت أو الفضائيات، وكنا نعاني شحّة المصادر العربية، والمعاصرة منها خاصة. لهذا كنت أحاول رصد كل ما يصدر عن الجالية العراقية،كي اقوي لغتي العربية بها. أنا الذي أمضيت كل حياتي في البيئة الفارسية. لكن الرفاعي كان غائبا بالنسبة لي في هذه السنوات، فهو لا يرتاد الحسينيات العراقية، ولا يلقي الخطب الرنانة فيها.

حتى دخلت كلية العلوم السياسية عام 1995. وحين بدأت بكتابة البحوث، عثرت على كتاب “مصادر الدراسة عن الدولة والسياسة في الإسلام”، 1986. ثم “معجم ما كُتب عن الرسول وأهل البيت”، وهو موسوعة تقع في اثني عشر مجلدا، 1991-1995. ومجلة “قضايا إسلامية”، التي أصدرها عام 1994، وموسوعة “مصادر النظام الإسلامي”، تقع في عشرة مجلدات، 1996. هنا أحسست بأني أمام معجمي عراقي مختلف. موسوعي ببليوغرافي، بينما في الغالب ـ في حدود اطلاعي ـ الإيرانيون هم الببليوغرافيون والموسوعيون.

سرعان ما فوجئت بتوقف مجلة “قضايا إسلامية” سنة 1997، وصدور مجلة “قضايا إسلامية معاصرة” في السنة ذاتها. أثار استغرابي هذا الأمر، فسألت عنه. عرفت أشياء عن علاقته بحزبه السابق. فاكتشفت أن الرجل قطع ارتباطه التنظيمي بحزب الدعوة سنة 1984، أي خرج من “معارضة صدام”. واعتزل السياسة وتفرغ لتجديد الفكر الديني. في الحقيقة كان هذا الخبر بشرى بالنسبة لي. لكنني في حينها كنت أصنّف الخارجين من حزب الدعوة على أصناف ثلاثة:

صنف لم يحصل على الموقع الذي يطمع فيه، لهذا يكتب ويتخذ مواقف مناقضة لما كتبه بالأمس. والشواهد على ذلك ليست قليلة.

والصنف الثاني من يُصدم من الدكتاتورية والاستبداد والاستحواذ والاستفراد والاستئثار لدى قادة المعارضة، ويقرف من سلوكياتهم فيخرج من الحزب.

والصنف الثالث من تتوالد أسئلة في ذهنه، من يتمكن أن لا يبقى في مثل هذه الحركات الدوغمائية، حسب تقديري آنذاك. وهؤلاء أيضا لا يستطيعون التحرر من الدوغمائية الفكرية والبنية الصلبة الداخلية والحنين للماضي. ويبقون يقدسون وثن الحزب. فحسبت الرفاعي من الصنف الثالث وهو أشرفها وأوعاها عندي.

ثم كانت اللحظة “الخاتمية” في إيران، وجيلنا خاتمي الفكر والتوجه… مسلماتي انهارت أمام أسئلة أساتذتي في العلوم السياسية، وأهمهم الدكتور حسين سيف زاده.كنت كالغريق أتشبث بكل قشة، والتفّت نحو كل حدب وصوب، ابحث عن ناصر ومعين يعينني على الوصول إلى إجابة عن الأسئلة الجديدة، ومنجّ يخلّصني من قلق المعرفة. في هذا الوقت، نهاية عام 1997 صدرت مجلة “قضايا إسلامية معاصرة”، واكتشفتها منذ عددها الأول، لأنها كانت ضالتي…المجلة عرّفت نفسها بأنها: “مجلة فصلية فكرية تعنى بالهموم الثقافية للمسلم المعاصر”.

أحسست بأنها هي التي اطلبها، وإنها صدرت بالضبط في الوقت الذي احتاجها فيه، وفي الموضوع الذي اطلبه. حملة خاتمي كانت تحت عنوان “المجتمع المدني الديني” حفّزتني كطالب حوزة يدرس العلوم السياسية، أن اكتب في الفكر السياسي الإسلامي، ووفّرت لي هذه المجلة المادة العربية الكافية، لأنها خصّصت عددها الأول والثاني للفكر السياسي الإسلامي. لغة المجلة عربية معاصرة سليمة، التعاطي معها يقوّي عربيتي. كنت أحسّ بأني أقرأ شيئا مميزا، ما كان أقراني من طلبة الحوزة العراقيين في الغالب يقرؤون مثله.

محور العدد الثالث هو “إشكاليات الفكر العربي المعاصر”، كانت المرة الأولى التي أتعرف فيها على أسماء من قبيل: محمد عابد الجابري، برهان غليون، محمد أركون، هشام شرابي، علي حرب، طه جابر العلواني، حسن حنفي، رضوان السيد، عبد المجيد الشرفي… وغيرهم، من خلال هذه المجلة. القراء العرب اكتشفوا الساحة الثقافية الإيرانية التجديدية، من خلال النافذة التي فتحتها هذه المجلة، لكنني اكتشفت المشهد الثقافي العربي من خلالها.كان المصدر الوحيد للمنشورات العربية بالنسبة لنا هو معرض طهران الدولي للكتاب. وعادة ما اكتشف أسماء المفكرين من خلال هذه المجلة، وأقتني الكتب من المعرض.

توالت محاور المجلة: “اتجاهات جديدة في التفسير: التفسير الاجتماعي والتوحيدي والبنائي والسُنني 1998” و”إشكاليات الفكر الإسلامي المعاصر: قضايا إسلامية المعرفة والمرأة 1999″…وغيرها. في العام نفسه سجلت رسالة ماجستير في العلوم السياسية عن الحركة النسوية والفمنزم، وشكّل لي ملف المرأة مادة مرجعية غنية للمطالعة حول التوجهات الجديدة للمثقفين الدينيين في خصوص قضية المرأة.كنت انتظر صدور المجلة بفارغ الصبر، لتفتح علي آفاقا وعوالم جديدة من المعرفة. وان كانت أصبحت لا تطبع ولا توزع ولا تباع في قم، لكنني احصل عليها بالوسائط.

كنت أتفاعل مع كل محور يصدر فيها: “منهج التعامل مع القرآن،  1999″، “فلسفة الفقه 1999″، “مقاصد الشريعة 1999 -2000″، و”قراءات في فكر الشهيد الصدر 2000″… كلها تشكّل لي مادة للمطالعة والتدبّر، وبعض الأحيان الكتابة باللغة الفارسية.

في العام نفسه (2000) صدر كتاب الرفاعي: “محاضرات في أصول الفقه”، وهو شرح للحلقة الثانية لأصول الشهيد الصدر في مجلدين، وعلى الرغم من أني أنهيت دراسة الحلقة الثالثة، لكنني اقتنيته وقرأته بدقة، واستفدت منه كثيرا، وعرفت أن صاحبي فقيه كلاسيكي أيضا. في العام التالي (2001) صدر له: “مبادئ الفلسفة الإسلامية”، وهو شرح “بداية الحكمة” للعلاّمة الطباطبائي في مجلدين، وكنت في حينها قد فرغت من دراسة “نهاية الحكمة”، اقتنيته وقرأته بدقة، أما مقدمة الكتاب فصرت أعيد مطالعتها، حتى حاولت حفظ معلوماتها ومعطياتها. في العام نفسه، فتحت المجلة محورا جديدا وتوقفت عنده كثيرا، إذ صدرت الأعداد من الرابع عشر إلى الثامن عشر، جميعا تحت عنوان: “الاتجاهات الجديدة في علم الكلام” 2001 – 2002.

حتى ذلك الحين كنت مهتمّا بالفقه والأصول والسياسة والفكر النسوي. ومقتنعا بأن إصلاح المجتمع يتم من خلال إصلاح وضع المرأة، وهو يتم من خلال الفكر النسوي. لكن أستاذتي حميراء مشير زاده، التي كانت تشرف على أطروحتي في الفمنزم، ومن خلال حوارات طويلة أقنعتني أن وضع المرأة ليس منفكّا عن وضع الرجل والمجتمع. ولا يصلح وضعها إلا من خلال تنمية المجتمع. وإذا صلح المجتمع يصلح وضعها تلقائيا. فصارت أولويتي الأولى الاهتمام بفكر التنمية ونظرياتها.

كنت مستغرقا في دراسة الفقه وأصوله والعلوم السياسية، إلا أن معرفتي بأبحاث فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد متواضعة، ولأول مرة ومن خلال هذه المجلة، اكتشفت فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد. وفي مرحلة لاحقة توصلت إلى انه لا تقوم لمجتمعاتنا قائمة إلا من خلال إصلاح الفكر اللاهوتي. ما دام لاهوتنا باقٍ على ما قرّره لنا الأسلاف، الأشعري بالذات، نبقى ندور في الدوامة نفسها، ولا ينفعنا فكر التنمية، ولا الفكر النسوي. حتى المفكرين الإيرانيين الذين كنت احضر في حينها محاضراتهم بشكل مباشر، صرت استرشد آراءهم من خلال مجلة قضايا إسلامية معاصرة.

لم يكن بوسعي قراءة كل ما يكتبون. فكنت أتابع المجلة، وأقرأ الأصل الفارسي لأي من مواضيعهم التي ترجمت إلى العربية، لأني اكتشفت أن انتخاب الرفاعي للموضوعات انتخاب حكيم متفحّص. وأنا حتى هذه اللحظة أتابع المشهد الثقافي الإيراني من خلال مجلة قضايا إسلامية معاصرة. وما زلت إلى الآن اكتشف كتّابا إيرانيين هامين من خلالها، مثل: “أبو القاسم فنائي”. حين تابعت ملف “الاتجاهات الجديدة في علم الكلام” أحسست بشكل تدريجي بانبثاق فكر جديد، وتفسير جديد للدين، على الأقل في قم وفي ساحتنا العراقية.

قبل ذلك كان هناك تياران ومدرستان يتجاذبان ساحة الفكر الديني آنذاك في قم:

التيار الأول: هو تيار الحوزة والمرجعية التقليدية، التي تتبنى التفسير الكلاسيكي للدين، ويمكن اعتباره ممثلا للتوجه “السلفي” في المذهب الشيعي.

التيار الآخر: الأحزاب الإسلامية وأصحاب مشروع الدولة الدينية، وهم أشبه ما يكون بـ”الأصولية الشيعية”، وهو يستلهم أفكاره من تراث سيد قطب، التيار الذي تربع على عرش السلطة منذ 2005 في العراق، وقدّم أتعس نموذج للحكم.

التيار الأول كان يعدّ الثاني مارقا وابنا عاقا له. لكن الثاني ما تعلّم درسا من قمع الأول له، بل هو بدوره مارس قمعا أبشع بحق كل من يفهم الدين بصورة مختلفة عنه.

ومنذ هذا العام بدأت ارصد بزوغ تفسير ثالث وقراءة ثالثة وفهم ثالث للدين – في وسطنا العراقي في حوزة قم – لا هو كلاسيكي أو تسامحا “سلفي”، ولا هو “أصولي”، بل “تيار التنوير الديني”، وهي ظاهرة كنت ارصدها عند الإيرانيين فقط. فظاهرة المثقف الديني التي نمت نواتها الأولى عند الإيرانيين منذ عقود من الزمن، ويمكننا عدّ: نصر حامد أبو زيد ومحمد أركون وعبد المجيد الشرفي…وغيرهم من أعلامها على ساحتنا العربية. لكني لم اكتشف عراقيا في هذا الوادي.

لا أريد أن اظلم الآخرين فكان لأساتذة آخرين دور محترم وجهود مشكورة وكتابات مفيدة في هذا الخصوص، لكن لم أر أحداً يرفع راية التنوير الديني ويتبنى مشروعها غير الرفاعي ومجلته.

تناغم هذا التفسير مع روحي وفطرتي وعقلي أكثر من التفسيرين الآخرين، ذلك أني وجدته أكثر احتراما للإنسان وإنسانيته، وهو أكثر إجلالا وإعظاما وإكبارا لله. لهذا رفعت الحجاب بيني وبينه وقصدته، وكانت بداية علاقتي المباشرة معه، بعد ما استمرت علاقتي الغير مباشرة به ثمانية عشر حولا.

 

المحطة الثالثة: 2002 فما بعد

سجّلت في عام 2002 رسالة ماجستير في أصول الفقه، واخترت الرفاعي مشرفا عليها، وبدأت علاقتي المباشرة به…كان يتحفني بكل غال وثمين من مكتبته، ويجمعني منزله بنخبة المثقفين الإيرانيين والعراقيين…بيته، مكتبته، صدره…كان مفتوحا لي، ولكل طالب علم ومعرفة.

بعد أن انتهيت من الرسالة وناقشتها، توقعت أني سأخفّف عن الأستاذ ولا أتجاوز على وقته، لأن السبب الحقيقي للتواصل المستمر قد انتهى. فوجئت باتصاله بي ودعوتي، وظل يحثني على استمرار الصداقة والتواصل. وهذا الأمر لم أعهده من أي استاذ آخر. لأنه لم يكن بحاجة لي أبدا، بل العكس تماما، أنا كنت محتاجا لأخلاقه وروحه وعقله وعلمه وعلاقاته.

وبالفعل نشطت علاقتنا أكثر، وأصبحنا مقربين أكثر، حتى دخل هو الوظيفة ببغداد عام 2005، وتصدى للعمل الوظيفي “مستشارا ثقافيا في رئاسة الجمهورية”. مرة أخرى انسحبت قليلا إلى الوراء، كي اترك للرجل حريته في اختيار علاقاته الجديدة، كما هو المعهود من اغلب من عرفتهم ودخلوا السلطة. لكن هذه المرة أيضا فاجأني بأنه هو هو. لم يتغير فيه شيء…فشخصيته التي صاغها عبر عمر من التجربة وكسب المعرفة، وتهذيب النفس، ما كانت تتأثر بهذه المتغيرات العابرة.

ومنذ ذلك الحين غير الأمسيات التي كنا نقضيها في منزله بصحبة ثلّة من أهل العلم والمعرفة،كان كثيرا ما يدعونا لتناول العشاء في أفضل مطاعم قم، وتتحول مآدب العشاء إلى حواريات ثقافية، تستمر أربع أو خمس ساعات. وكانت لنا أنا وإياه جولات رياضية. نخرج في مشي سريع نجوب شوارع قم،كنشاط ضروري لحفظ توازن الصحة، وخلالها نتحاور بما هو مسموح وممنوع، وكانت أفضل حواراتي العلمية وأكثرها حرية، أمضينا مئات الساعات معا خلال العقد الماضي، نناقش مختلف القضايا الفكرية والحياتية مشيا. ربما شكّلنا معا نواة المشّائين الجدد من حيث لا نعلم.

مثّل لنا الرفاعي البديل الديني عن الحوزة والإسلام السياسي في قم، وهو ما كان مفقودا عراقيا، لكن فوجئت حينما سافرت إلى العراق بعد تغيير النظام، أن المهتمين بالفكر الديني الحديث كانوا يعرفونه منذ عهد الحكم السابق، وكانوا يتعاطون المجلة ومؤلفاته، من خلال استنساخها في سوق “المتنبي” للكتب، وتداولها بينهم… رأيت أن مشروعه حمل راية التنوير الديني في العراق، حتى قبل عودته للعراق. الرفاعي لم يبق مثقفا دينيا وحسب، بل رفع راية للمثقف الديني، نتفيأ ظلها.

في هذه المرحلة لم تكن علاقتي بالرفاعي من خلال المجلة أو الكتب، بل التعايش والتعامل المباشر. اما المجلة التي واكبتها منذ عددها الأول، فواكبتني وساهمت في صناعة لغتي وثقافتي، حتى تمكنت أن أكون مساهما فيها من خلال الترجمة منذ مطلع عامها التاسع في العدد الواحد والثلاثين (2007) حتى اليوم.

في الحقيقة كنت انهل من علمه في العقد الثاني من تعرّفي عليه، ولكن في هذه المرحلة إضافة للعلم والمعرفة صرت أنهل من شخصه، واكتسب نهج الحياة أكثر من اكتساب المعلومات. أحاول هنا أن أسجّل أهم ملامح الرفاعي الذي اكتشفته خلال هذا العقد الأخير من التعامل المباشر معه.

الرفاعي الإنسان والمشروع

کنت اريد التحدث عن الرفاعي كإنسان، ثم عن مشروعه. لكن كلما فكرت وجدت أن كل صفة فيه منعكسة في مشروعه، وكل ميزة لمشروعه فيه، هو مشروعه ومشروعه هو… يبدو انه حمل هذا المشروع في أحشائه، وغذّاه من روحه، وأنجبه نسخة منه، واستمرارا لوجوده. بحيث يبدو لي كأن الاثنين واحد. لهذا لا أرى التفكيك بينهما سهل، وليس بوسعي إلا أن أتكلم عن الاثنين في آن واحد. فسماتهما واحدة، وخير دليل لفهم مشروعه قراءته هو.

هدف الرفاعي الإنسان والمشروع

هدف الرفاعي ـ الإنسان والمشروع ـ كما يبينه هو في كتاباته: “فتح باب الاجتهاد في علم الكلام، وتحديث التفكير اللاهوتي، ومحاولة بناء لاهوت عقلاني مستنير. ومن الواضح أن تحديث التفكير اللاهوتي يتطلب تساؤلات واستفهامات جديدة، ومراجعات نقدية للتراث الكلامي، تفضي إلى التحرر من الصورة النمطية للإله، التي تشكلت في سياق الصراعات الدامية، والفتن والحروب العديدة بين الفرق والمذاهب. والسعي لترسيخ صورة للإله، تستوحي صفات الرحمة والمحبة والسلام، ونحوها من صفات الرحمن، وتستلهم ما يتحلى به الله تعالى من صفاته الجمالية، وأسمائه الحسنى، مثل: الرحمن، الرحيم، القدوس، السلام، المؤمن، العزيز، البارئ، المصور، الغفار، الوهاب، الرزاق، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الحليم، الشكور، الحفيظ، الكريم، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، الحق، المحيي، البر، التواب، العفو، الغفور، الرؤوف، مالك الملك، الغني، النور، الهادي، الرشيد، الصبور،…الخ”.

البنية الصلبة

قد يتصور البعض أن الرفاعي الذي يتحمل الآخر، ويتيح الفرصة له لطرح آرائه، تحلّلت البنية الصلبة داخله وتحرر منها. إذا كانت البنية الصلبة هي الإيديولوجية فهذا الكلام صحيح، ولكنه ما زال مسكونا ببنية صلبة، وهي القيم الأخلاقية والمعايير القيمية… محبة الآخر، الصدق، الأمانة، الوفاء للصداقة، الكرم، مساعدة الناس، احترام الناس… قيم وأخلاقيات محكوم بها الرفاعي، نتيجة البنية الصلبة التي تسكنه.كذلك هو مشروعه، يتوافر على بنية صلبة، هي التي ساعدته على أن يسلك خطاً واضحا وثابتا منذ العدد الأول والى آخر عدد صدر من مجلته.

فقيه غير معمم

اعتقد بأن دراستي مدة عقدين للعلوم الدينية، العقد الثاني منها (2001 -2011) عند ابرز أساتذة البحث الخارج، وأشهر الفقهاء في حوزة قم، تؤهلني لأن أميز بين المجتهد وغيره. وعليه يحقّ لي أن اشهد لأستاذي بالاجتهاد، حسب التعريف الكلاسيكي للاجتهاد في الحوزة العلمية. فإحدى ميزات الرفاعي التي ساندت مشروعه هو بلوغه درجة الاجتهاد فقهيا، وهذا من النوادر جدا بين الذين ارتادوا هذه الساحة، واهتموا بهذا النهج الفكري. هو فقيه حوزوي، وان لم يعتمر عمامة، فمما يميزه عن المثقفين المهتمين بالبحث والكتابة في الدين في العراق والبلاد العربية انه فقيه محترف.

لقد تكوّن، بشكل تدريجي، تيار من تلامذة وأساتذة الحوزة غير معممين في وسطنا العراقي. بحيث أصبح اليوم وجودا معترفا به داخل الحوزة. رائد هؤلاء وأبرزهم وأشهرهم هو الرفاعي. يمكنني وصف هذا التيار “تسامحا” بـ”الرهبنة الجديدة الشيعية”، بمعنى انه نمط جديد من رجال الدين الشيعة، بزيّ جديد ووظائف مختلفة. انه غير مستعد للتنازل عن هويته الدينية، ولا التخلي عن بيان فهمه المعاصر للدين. حتى لو اختلف اجتهاده وفهمه مع الفقهاء الكلاسيكيين. هذا التيار، الذي اعدّ نفسي احد أفراده، غير موجود على الساحة العربية. فالمثقف المهتم بالبحث والكتابة الدينية في بلادنا في الغالب لم يتخرج من الحوزة أو العلوم الدينية الكلاسيكية بشكل محترف، وحتى الحوزويون منهم وهم قلائل،لم يبلغوا في دراستهم درجة الرفاعي. امتاز مشروع الرفاعي أيضا بالخبرة التراثية، فلا ترى فيه الشطحات التي غالبا ما تسقط فيها سائر مشاريع الحداثة الدينية، نتيجة قلة خبرتها بالعلوم الدينية الكلاسيكية والتراث.

إحدى وجوه أهمية مشروعه أنه تكلم وهو في قلب الحوزة، وطرح فهمه وتفسيره ومشروعه من داخلها، ولم يخرج منها أو يبتعد عنها أو يصطف مع مناهضيها ودعاة القضاء عليها وتقويضها.

العطاء

لطالما شاهدته وهو ينشد المحتاج، ويطلب الصداقة ممن هو أحوج لصداقته منه… إن اكبر رصيد يملكه الرفاعي هو شبكة علاقاته الفريدة. الشبكة التي بذل في سبيلها الغالي والنفيس من روحه وعقله وعلمه ووقته وماله… حتى بناها، يقدّمها بكل كرم وسخاء لأصدقائه. يعرّف هذا على ذاك، ويُقرّب ذاك من هذا. يتوسط لأحدهم عند الآخر، ويحصل على دعم من شخص لثانٍ، ويشغّل بعضهم عند البعض الآخر. ينجز هذه المهمة بحنكة وحكمة واتزان…لا يبسط يده كل البسط، فيندم بعدها، ولا يقبضها.

وطبيعي إن من يعطي أعز ما يملك لأصدقائه، لا يبخل على مشروعه الذي هو ابنه الروحي ووليد نفسه، لذلك أعطى كل وجوده وسخّر ما لديه، حتى تضافرت جهود الأسرة بمجموعها، خاصة زوجته الكريمة الأستاذة انتزال الجبوري لانبثاق هذا المشروع واستمراره.

والمشروع بدوره معطاء أيضا، معطاء للقارئ الذي ينهل منه المعرفة وللمشارك. فكانت تجربة المشاركة فيه معطاءة لكثير ممن شاركوا فيه، إذ ساهم في صناعة اسمهم، وواضح كم هذا الأمر مهم بالنسبة للكاتب غير المعروف.

النظرة الايجابية والأمل

تمتع الرفاعي بنظرة ايجابية للحياة ولأصدقائه، وما يحيط به. ومديحه السريع لأصدقائه بمجرد أن يأتي ذكر أحدهم، نتيجة هذه النظرة الايجابية. تنعكس هذه النظرة على مشروعه بشكل أمل بالإصلاح. ما كان للمشروع أن يصمد لعقد ونصف من الزمن ضمن هذا الواقع الذي نراه، لولا هذه النظرة الايجابية والأمل بالمستقبل.

أسّس الرفاعي مركز “دراسات فلسفة الدين” في بغداد سنة 2003، في ظل ظروف يصعب التفكير بمشروع كهذا فيها، وأعلن أن أهداف المركز هي:

1ـ الدعوة للتسامح، وإرساء قيم الاختلاف وقبول الآخر.

2- إشاعة ثقافة التعايش والحوار بين الأديان والثقافات.

3- ترسيخ العقلية النقدية الحوارية، وتجاوز العقلية السكونية المغلقة.

4- الاستيعاب النقدي للتراث والمعارف الحديثة.

5- تعميم الاجتهاد ليشمل حقول الموروث كافة، واستبعاد العناصر القاتلة والميتة، واستدعاء العناصر الحية منه ودمجها بالواقع.

6- تمثل روح العصر، والانفتاح على المكاسب الراهنة للعلوم، انطلاقا من: الحكمة ضالة المؤمن حيثما وجدها التقطها.

7-  تدريس وتعليم ودراسة الدين والتراث في ضوء المناهج الحديثة للعلوم الإنسانية.

8- تطهير التدين من الكراهية والإكراه.

9- تحــريـر فهم الــدين من المقــولات والأفكار والمــواقــف التعصبيــة والعدوانية.

10- الكشف عن الأثر الايجابي للفهم العقلاني الإنساني للدين في التنمية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية.

11- تبني الرؤى والمفاهيم التي تهدف إلى مواكبة العصر، وتعزز المصالحة بين المتدين والمحيط الذي يعيش فيه.

12- بناء مجتمع مدني تعددي تسود حياته قيم التسامح والعيش المشترك.

13- التثقيف على الحريات وحقوق الإنسان، وتجفيف المنابع التي ترسّخ مفاهيم الاستبداد، وتعمل على صياغة نفسية العبيد في المجتمع.

14- تجلية الأبعاد العقلانية والأخلاقية والإنسانية والجمالية والمعنوية المضيئة في الدين والتراث.

15- تنمية التفكير والتدريس والتعليم والبحث والاجتهاد في فلسفة الدين وعلم الكلام.

وأدى المركز من خلال نشاطاته ومنشوراته دورا هاما في هذا الحقل، وما زال يسعى  لتأسيس كلية (فلسفة الدين) بعد تأمين المتطلبات والإمكانات المادية والعلمية.

الدعوة للنقد وتقبله

نظريا يقول الرفاعي: “النقد مصدر التطور الفكري والاجتماعي، والنقد أساس التقدم، وشريان تحديث كل شئ وتجديده، ولا حياة للتفكير الديني في الإسلام إلا بتواصل المراجعة النقدية واستمرارها، للثقافة والتجربة والتاريخ والتراث والاجتماع الإسلامي. ولا سبيل للخلاص والإفلات من نفق الانحطاط والتخلف إلا بتجذير ملكة النقد وتكريسها”. وعمليا نراه على صعيد مشروعه سنّ سنة “نقد العدد الماضي” في مجلته والتزم به. وكذلك حاول من خلال مشروعه وما نشر، “الاستيعاب النقدي للتراث والمعارف الحديثة” في آن واحد.

هذا الرفاعي المشروع، أما الرفاعي الإنسان، فهو أيضا يتقبل النقد بكل رحابة صدر، وإن كان من اصغر تلامذته.

التدين

يعتقد الرفاعي أن: “الإنسان كائن متدين، والحياة لا تطاق من دون خبرات وتجارب دينية، ذلك أن نزعة التدين تمثل ظمأً انطولوجيا لا يُروى، إلا من خلال التواصل مع المطلق. ويمكن أن تظل تلك الخبرات والتجارب على الدوام منبع الهام للتراحم والمحبة والجمال في العالم، … وليس بوسعنا بناء بلادنا إلا بإشاعة فهم عقلاني متسامح للدين، يبعث الأبعاد التنزيهية العميقة في جوهره، ويعمم صورته الإنسانية”.

لا يسمح المقام هنا للدخول في الحديث عن معنى الدين والتدين. ولكن أرى من المناسب أن أقدم شهادتي من خلال مواكبتي للرفاعي، أنّ الرجل يعيش جوهر الدين في باطنه، وله تجاربه الروحية الفريدة. روى إحداها للقارئ فيما كتبه عن زيارته لمولانا جلال الدين الرومي، أو ما كتبه عن بعض سفراته للحج. وملتزم عمليا بحذافير الشريعة في سلوكه، لا يفارق دينه في مختلف حالاته وسلوكه، وهذه حالة نادرة عند التنويريين.

ومشروعه أيضا لم نره يوماً يهاجم الفكر الديني الكلاسيكي، أو يقدح به ويجرح أتباعه، ويحتفظ بعلاقات طيّبة مع المؤسسة الدينية التقليدية، بل يحاول أن يطرح ما يراه ، من دون هجوم على الآخر وعلى التدين التقليدي.

نبذ التعصب والعدوانية والاستغلال

يعتقد الرفاعي، مثلما ورد في بيانه: “إن السلام هو سبيل الأمن الاجتماعي والعيش سويا، ولا نجاة للعالم إلا بالتشبث بالوسائل السلمية لحل المنازعات، والتخلص من بواعث العنف والحروب. تشدد رسالة الدين ومقاصده الكلية على إشاعة السلم والتراحم والمحبة بين الناس، والسعي لتجفيف منابع العنف والعدوانية والتعصب.”

وفي مشروعه لا يدّعي احتكار تمثيل الفكر الديني. لكن يحاول إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين، بالإعلان عن أبعاده المعنوية والعقلانية والجمالية والرمزية.

فلا نرى في مشروعه ما يمسّ الآخرين أو يجرحهم أو يتجاوز عليهم. ولا يمارس سياسة التهكم على مقدس للناس، ويحذّر من “جرح الضمير الديني للغير”.

كذلك هو كشخص في حياته، لم يشهد له موقف عدائي من سائر التوجهات الفكرية أو أتباعها. ولهذا يجمع بين أصدقائه بين المتدين التقليدي، والمتنور، وغير المتدين، واللاّديني.

لم يدّع التنزه والفوقية

يقول الرفاعي: “لا يعني التدين الذي ننشده اختزال الإنسان في مجموعة مفاهيم وقيم مثالية، تتعالى على بشريته، وتصيّره كائنا سماويا مجردا منسلخا عن عالمه الأرضي، مثلما تريد بعض الاتجاهات الصوفية والدعوات الرهبانية، بل يعني هذا التدين إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين، وإيجاد حالة من التوازن والانسجام بين متطلبات جسده من حيث هو كائن بشري، وإمكانية غرس وتنمية روح التصالح مع العالم، والتناغم مع إيقاع الكون، وتكريس حالة الانتماء للوجود، والتعاطف مع الكائنات الحية والشفقة عليها، وتعزيز أخلاقية المحبة، وتدريب المشاعر والأحاسيس والعواطف على القيم النبيلة، والسعي لاكتشاف روافد ومنابع الهام الطاقة الحيوية الايجابية في هذا العالم، والتواصل العضوي معها.”

وعلى الصعيد العملي لم نرَه يوما ادّعى تنزيه ذاته، وإعلان تفوقه على سواه، أو ادّعى التجرد والمثالية، بل يؤكد دائما على ضعفه، وعمق احتياجاته البشرية، كذلك مشروعه الفكري،لم يعدّه سوى محاولة على سبيل الرشاد. ولم يتصور أو يدّعي يوما أنّ مشروعه سوف يغيّر العالم.

ولم نسمعه يوما يتكلم بلغة التكليف الشرعي، والمتاجرة بالدين، والمزايدة بالوطنية، وإدّعاء التضحية في سبيل الناس، والتنكّر للطبيعة البشرية.

التسامح

يدعو الرفاعي: “للتعددية والتسامح، وإرساء قيم الاختلاف واحترام الآخر. وإشاعة ثقافة التعايش والحوار بين الأديان والثقافات. تحرير فهم الدين من المقولات والأفكار والمواقف التعصبية والعدوانية. تطهير التدين من الكراهية والإكراهات”.

أي شخص يعرف الرفاعي يشهد له أن التسامح من سماته الأخلاقية، وشهدنا مواقف كثيرة من تسامحه وسعة صدره، حتى مع من تجاوز عليه أو حتى خانه، خلال مواكبتنا له، لكنّ المقام لا يسمح بسرد القصص، أو ذكر الأسماء بسوء، فهذا خلاف نهجه التسامحي.

كما إن مشروعه منذ عشرين عاما تقريبا، لم يصطدم بأي مشروع آخر، بل نأى بنفسه عن الصراع والتنافس الذي لا يليق بالعمل العلمي الرصين.

مثلا في بعض الأحيان، يعدّ ملفا للنشر، وينفق عليه العمر والمال، لكن قد يسمع بمؤسسة أخرى تعدّ عملا مشابها، أو قريبا منه، فيتخلى عنه على الرغم من أنه بدأ به قبلهم.

يعلن الرفاعي تبرّمه وأسفه وانزعاجه من أن شطحات بعض طلابه يحسبها بعضهم عليه، على الرغم من رفضه لها، لكنه لم يفرض رأيه يوما عليهم، أو يكرههم على تغيير قناعاتهم، أو سلوكياتهم، أو تصريحاتهم، أو كتاباتهم.

المعاصرة

يعبّر الرفاعي كفرد من خلال سلوكه، وحتى ملبسه، وكمشروع، يعبّر عن: “روح العصر، والانفتاح على المكاسب الراهنة للعلوم، انطلاقا من: (الحكمة ضالة المؤمن حيثما وجدها التقطها). وتبنّي الرؤى والمفاهيم التي تهدف إلى مواكبة العصر، وتعزّز المصالحة بين المتديّن والمحيط الذي يعيش فيه”.

 

الدعوة للمحبة

يدعو دائما للمحبة، والى العفو والمغفرة، والى التجاوز عن الناس، والتسامح معهم… ومن خلال مشروعه حاول: “التثقيف على نفي الإكراه في الدين، وتعميم مبدأ (لا إكراه في الدين)، والاستناد إليه كمرجعية ومعيار قيمي في التعاطي مع الآخر، وإشاعة العفو، والسلام، والعدل، والإحسان، والتراحم، والحوار، والحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، والمحبة، والصبر، والمداراة، والصفح الجميل، والهجر الجميل، وغير ذلك من مقولات ومعاني اللين، واحترام الآخر، والعيش المشترك…وتجذير المفاهيم والشعارات التي تمجد الحياة، وتعمل على تحرير الناس من المقولات الداعية إلى عدّ (الموت أسمى الأماني)”.

يسير مع الجميع لكن لم يتبع أحداً

يعلن على الدوام المبدأ الذي يلخص رؤاه ومواقفه وسلوكه بمقولته: “أسير مع الجميع وخطوتي وحدي .. أتفق مع الجميع وأختلف عن الجميع” . فهو (يتفق مع الجميع)، من دون أن يقلّد، أو يتماهى، أو يحاكي أحدا… و(يختلف عن الجمع)، ذلك أن خطواته مستقلة، ويحاول باستمرار أن  يجترح نموذجه الخاص به.

صادَقَ الرفاعي الجميع، واحتفظ بعلاقات صادقة جادة مع الجميع، وسار مع الجميع، لا لأنه لا لون له، بل لأن له لونه وطعمه وبصمته المتميزة، فالكل يعرفه على أنه الرفاعي ويصادقه. فإذا سار مع أحد لا يصبح تابعا له، بل تبقى خطواته مستقلة.

كذلك هو مشروعه، لا يخاف أن يحمل أفكار المدارس المختلفة، ويبقى على خطه ونهجه.

المشروع من وحي حاجتنا

قد لا يدرك الكثيرون _ وأنا منهم _ أهمية مشروع الرفاعي، وضرورة تأكيده على التسامح والتساهل والتراحم وتحمل الآخر في بادئ الأمر. لأن الاستبداد والدكتاتوريات في بلداننا كانت تمثل قشرة متصلبة غطّت ما تحتها في مجتمعاتنا، لكن اليوم وبعد ما تمزّقت هذه القشرة نتيجة “الفوضى الخلاقة”، وتكشّفت حقيقة ما تحتوي عليه مجتمعاتنا من تناقضات، نرى فائدة التفسير الإنساني للدين الذي دعا له الرفاعي. ففي الزمن الذي كان فيه الذبح علی الهوية أمر غير مستقبح من أية جماعة، حينما لا يتطابق مع الآخر، أصدر في هذا الزمن سلسلة كتاب “ثقافة التسامح” ببغداد عام 2004، صدر منها حتى الآن 20 كتابا، وعرّفها بأنها: “سلسلة كتاب ثقافية شهرية تصدر في بغداد. وتهتم بالتثقيف على: التسامح، ونفي الإكراه والكراهية في الدين، وإشاعة العفو، والسلام، والعدل، والإحسان، والتراحم، والحوار، والحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، والمحبة، والصبر، والمداراة، والصفح الجميل، والهجر الجميل، وغير ذلك من مقولات ومعاني اللين، والسماح، والاعتراف بالآخر، واحترام الآخر، والعيش المشترك. ونقد منابع التعصب، ونفي الآخر، والعنف، والتحجر، والقراءة الفاشستية للدين، واكتشاف الأبعاد العقلانية والأخلاقية والإنسانية والمعنوية السامية في الدين”.

ولطالما شدّد على أن: “الحاجة ملحة إلى دراسة وتحليل منابع اللاتسامح، وبواعث العنف والكراهية في مجتمعاتنا، والاعتراف بأن الكثير منها يكمن في الفهم الخاطئ للدين، والجهود الحثيثة للأصولية السلفية في تعميم هذا الفهم وتعزيزه”.

ولكن من الطبيعي أن لا يسمع صوته، لأن الكلمة أصبحت للمحرّض طائفيا، سواء كان رجل دين، أو سياسة. بينما لو كانت القوى الفاعلة في المجتمع تتبنى هذا الفهم والتفسير للدين لما وصلنا لهذا النفق المظلم الذي سقطنا فيه اليوم ولا يعلم آخره إلا الله.

المجهولية

صحيح أن علاقات الرفاعي النوعية بالنخبة الثقافية في العالم العربي وإيران مميزة جدا، ربما لا يمتلك غيره من أقرانه مثل هذا الرصيد، لكن هذه العلاقات والمكانة مجهولة في بلده، لذلك لم يتبوأ موقعه الفكري الذي يستحقه…ولم يزل يواصل مراكمة جهوده الفكرية ومشروعه التحديثي الرائد وحده. فضلا على أن مشروعه والمجلة بشكل خاص لم تنل حقها من الاهتمام في الدراسات الإسلامية، ولا نجد توظيفا لمحاورها، يتناسب مع عمق وتجديد مضمونها، وكثافة وأهمية موضوعاتها.

لعل ذلك يعود إلى عدم توافر المناخات المطلوبة في بلدنا والعالم العربي لهذا النمط من التفكير الديني. وان كانت هناك آثار غير معلنة، تشي بانطلاقة واعدة في هذا الحقل، وتؤشر إلى تأثير غير منظور لمشروع الرفاعي وكتاباته ومجلته في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد، فمثلا قررت وزارة التعليم العالي العراقية فرض مادة “فلسفة الدين” كمقرر دراسي في أقسام الفلسفة في الجامعات العراقية كافة، كما سُجلت ونوقشت أطروحات عديدة تناولت هذا الموضوع. بينما لم يعرف من قبل حقل في الدراسات الدينية عنوانه “فلسفة الدين” في العراق. كان الجميع يسأل عندما يطلع على المجلة ويقرأ “يصدرها مركز دراسات فلسفة الدين” ما المقصود بفلسفة الدين؟ وكل منهم كان يحسبها ما يسمى بـ”الفلسفة الإسلامية”.

يبدو أن المركز ومطبوعاته ومجلته أدى دوراً هاماً في توجيه الدراسات الدينية في العراق وغيره.

لكن الرفاعي ومشروعه تنبهت له مؤسسات ومنتديات ونخب هامة خارج بلده…فقد وقع الاختيار على مجلة قضايا إسلامية معاصرة دون سواها، بوصفها دورية فكرية جادة ومتميزة ورائدة في تحديث التفكير الديني في الإسلام، في العقدين الأخيرين. حين خصّص “المعهد البابوي للدراسات العربية والإسلامية” في روما كتابه السنوي للعام 2012 لإصدار ترجمات ايطالية وانجليزية وفرنسية لنصوص منتخبة مما نشر في المجلة في مختلف محاورها، وعنون الكتاب بـ”الإشكاليات الراهنة للتفكير الديني وفق مجلة قضايا إسلامية معاصرة”.

ثم تلته مبادرة “حركة أنطلياس الثقافية” بلبنان في تكريم عبد الجبار الرفاعي، وقد كانت محفزاً لمؤسسات إعلامية عراقية للانضمام إلى المبادرة، فأصدرت صحيفة المدى ملحق “عراقيون” حول الرفاعي، وخصّصت احتفالية في المتنبي للمناسبة نفسها. تلاها ملحق صحيفة العالم، ثم احتفالية في النجف وأماكن أخرى داخل العراق. والذي شجّع بعض أصدقائه وتلامذته على القيام بمشروع الكتاب التذكاري.

كان لهذه الجهود دور هام في التعريف بالمشروع، لكنها ما زالت تحتاج للمواصلة كي ترسّخ دعائم هذا الفكر التحديثي في مجتمعاتنا.

“ماركة” الرفاعي

قال لي صديق مثقف خبير: “لو كانت حكومة من حكوماتنا تريد إخراج مجلة بمستوى قضايا إسلامية معاصرة، لاحتاجوا إلى عمارة من ستة عشر طابقا… وفي النهاية ربما لا تخرج بهذا المستوى”. بعد عدة عقود من العمل المضني نحت الرفاعي من اسمه “ماركة” دليل على جودة المنتج الفكري. لهذا اختاره العشرات من طلاب الدراسات العليا كي يكون مشرفا على أطاريحهم.

متصوف خارج التصوف الطرقي لم يكتشف بعد

الكثير من أصدقائه لم يكتشف بعد النزعة الصوفية في شخصيته وجنوحه للفكر العرفاني. صورة ضريح مولانا الرومي، التي وضعها غلافاً للطبعة الأخيرة من كتابه “إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين”، تشير لهذا التوجه. فهو متصوف في رؤيته النورانية للوجود وروحه وأخلاقه، لكنه لا ينكّل الجسد، ولا يحرم نفسه من مباهج الحياة، ولا يتظاهر بالقداسة، ولا يمارس الدروشة، ولا يقدّس شيخ طريقة…انه يغرق في تجربة روحية باطنية، تشي بتصوف فلسفي أخلاقي، لا تصوف طُرُقي.

ما زلت اكتشفه

بعد هذه المسيرة الطويلة لي بمعايشة الرفاعي، والتي شارفت على دخول عقدها الرابع، ما زلت اكتشف الرجل. صفات تبدو للوهلة الأولى متناقضة، لكنه يضع كلا منها في موقعها…شغفه واطلاعه بالأحجار الكريمة، اهتمامه باقتناء المحابس والسبح، ضحكته الصاخبة، عفويته، براءته، عراقيته، بكاؤه، إهتمامه بهندامه وملبسه ومظهره، ذوقه الفني، شغفه بالجمال، هوايته بجمع اللوحات الفنية، زيارته للمتاحف الأثرية والفنية في كل مدينة يزورها، ولعه بالكتب والمكتبات، مشاعره وعواطفه الجيّاشة حيال من يرتبط به بعلاقة، إلحاحه في قضاء الحاجات، الصديق الوفي، فحين يحتاجه احد أصدقائه أو تلامذته يجده بجواره… ربما متحمسا أكثر منه…منضبط بالوقت والمواعيد، مستشار أمين، يذكر أصدقاءه دائما بخير…على الرغم من خبرته الدقيقة بأمزجة البشر وسجاياهم، ومواطن قوتهم وضعفهم، من خلال خبرة واسعة متراكمة عشرات السنين بعلاقات متنوعة مع الناس، وتكوين علمي جيد في العلوم الإنسانية وعلم النفس. وان كان هو يميز بين مراحل مرّت بها مسيرته الفكرية، لكنني في الحقيقة لا اعدها مراحل، بل تدرج وتطور وتكامل، كتلميذ الطب الذي يصبح جراحا حاذقا… الطريق نفسه لكنه تقدم فيه أكثر وتعمق أكثر.

الرفاعي الذي كان صاحب التفسير الثالث والبديل الديني بالنسبة لي، المختلف (عن تفسير الحوزة، وتفسير الجماعات الإسلامية للدين)، في الحقيقة علّمني نهج الحياة أكثر من ما علمني دروسا في الفلسفة أو اللاهوت.

كلمة الختام: كانت بجواره وليست خلفه

لا أطيل أكثر، وأنهي انطباعاتي ببيان حقيقة وهي: أن الرفاعي لم يكن وحيدا في هذه المسيرة وما حققه…أصبح تقليدا أن يقال عن كل رجل ناجح “وراء كل رجل عظيم  امرأة”، ولكن ليس مجاملة كانت السيدة انتزال الجبوري بجواره والى جنبه في هذه المسيرة الطويلة وليست وراءه… وذلك:

حينما تنازلت عن دراستها الجامعية، لرفد مسيرته الحياتية، في الحركة الإسلامية، والحوزة، في المرحلة الأولى من حياته…

حينما تنازلت عن عيشها الرغيد، لتواكب مسيرة شاب مغامر، متهور، حالم، مشرد…

حينما تركت الأهل، واختارت الغربة والمنفى…

حينما تحملت تقشف العيش وقساوة المنفى، واستضافت وخدمت وطبخت للـ”الشباب العراقيين المشردين في المنفى”…

حينما تحملت أعباء المنزل، وحينما أنجبت وربّت وعلّمت أبناءً تفوّقوا في مسيرتهم الأكاديمية والثقافية…ومنهم مدير تحرير المجلة اليوم، الحبيب “محمد حسين الرفاعي”…

حينما قامت بالتصحيح والطباعة والتنقيح اللغوي والتحرير لمجلة فصلية تصدر بحدود 400 صفحة، فضلا على أكثر من 200 كتاب، أصدرها مركز دراسات فلسفة الدين…كانت حوله وبجواره وعضده طوال الطريق، ولم تكن خلفه.

[1] ماجستير شريعة، وماجستير علوم سياسية.

https://al-aalem.com/%d9%81%d9%8a-%d8%b3%d8%a8%d8%b9%d9%8a%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%81%d9%83%d9%91%d8%b1-%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%a8%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%81%d8%a7%d8%b9%d9%8a/

“أدلجة التراث” ظاهرة ضخمة تشمل جميع أنحاء العالم الإسلامي لم ينجُ منها إلا قلة قليلة من المثقفين النقديين التنويريين الأحرار

د. هاشم صالح

اطَّلعتُ باستمتاع كبير على كتاب المفكر العراقي المعروف الدكتور عبد الجبار الرفاعي، بعنوان: «مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث»، وفيه يتحدث عن جملة من مشاهير الفكر العربي والإيراني، من أمثال: علي الوردي، وحسن حنفي، وداريوش شايغان، ومحمد عمارة، وجودت سعيد… إلخ. منذ البداية يعيب علينا المؤلف انشغال الفكر العربي كلياً بالفكر الغربي، وإهماله الفكر الشرقي في الهند واليابان والصين؛ بل وإهماله حتى الفكر الإيراني المعاصر والمجاور، ما عدا في الأربعين سنة الأخيرة. ولذلك يحاول سد النقص، والتحدث عن جملة من المفكرين العرب والإيرانيين على حد سواء.

ولكن الملاحظ هو أن حتى المثقفين الإيرانيين مهووسون بالفكر الغربي الأوروبي الأميركي، تماماً كما المثقفين العرب. والسبب هو أن الغرب سيطر على العالم طيلة القرون الأربعة الأخيرة، وبالتالي فجميع مثقفي الأمم الأخرى أصبحوا مضطرين للتموضع قياساً إلى الفكر الغربي غصباً عنهم. وهذا الكلام لا ينطبق على المثقفين العرب والإيرانيين فقط، وإنما ينطبق على جميع مثقفي العالم، من أتراك وروس وصينيين ويابانيين… إلخ. وذلك لأن الحداثة الغربية أصبحت ظاهرة كونية، وتشكل مرجعية كبرى لجميع مثقفي العالم. فمن لا يعرف ديكارت أو كانط أو هيغل أو نيتشه أو ماركس أو فرويد أو هيدغر، أو حتى هابرماس المعاصر لا يعد مثقفاً. هذه حقيقة ينبغي أن نأخذها بعين الاعتبار، إذا ما أردنا أن نفهم ما يجري حالياً؛ بل وحتى منذ مائتي سنة. وسوف يظل الأمر كذلك حتى يظهر فلاسفة كبار لدى الأمم الأخرى، في حجم من ذكرناهم من فلاسفة الغرب.

حسن حنفي

هل يوجد فيلسوف عربي أو إيراني أو تركي، أو حتى روسي أو صيني، في حجم ديكارت أو كانط أو هيغل… إلخ؟ هل يوجد هيغل تركي؟ أقصد مفكراً تركياً في حجم هيغل الألماني؟ هل يوجد كانط إيراني أو ديكارت عربي؟

على أي حال، الفصل الذي لفت اهتمامي في كتاب الدكتور عبد الجبار الرفاعي هو ذلك المخصص للدكتور حسن حنفي، وكذلك الفصل المخصص للدكتور محمد عمارة. فلنحاول أن ندخل في التفاصيل قليلاً هنا. الشيء الغريب العجيب في الدكتور حسن حنفي هو أنه كتب عدة مقالات جريئة جداً في نقد الأصولية الظلامية، بعد مقتل الرئيس أنور السادات. ولكنه في الوقت ذاته كثيراً ما أثنى على جماعة «الإخوان المسلمين»؛ بل وحتى على مفكرهم الراديكالي سيد قطب الذي يصفه بالإمام الشهيد! فكيف يستقيم ذلك؟ كيف يعقل هذا التناقض؟ من أخطر الأشياء لدى حسن حنفي هو الجمع بين المتناقضات؛ أي بين الشيء وعكسه، دون أن يشعر بأي مشكلة. وهذا ما عابه عليه أيضاً، وبقسوة، جورج طرابيشي.

يلخص الدكتور عبد الجبار الرفاعي رأيه في حسن حنفي قائلاً: «لا يكترث حنفي كثيراً بالوظيفة المحورية للدين في إثراء الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية، وتكريس صلة الإنسان الوجودية بالله. ولكنه يشدد باستمرار على ضرورة تحويل الدين إلى آيديولوجيا».

ثم يضيف قائلاً هذا الكلام المهم: «من يقرأ حسن حنفي يندهش من الحضور الطاغي لتأويله الآيديولوجي للدين، وإفراطه في تطبيق آيات القرآن الكريم والنصوص الدينية والتراث بمنطق آيديولوجي على الواقع».

ولكن كل حركات الإسلام السياسي -أو المسيس- قامت بأدلجة الدين والتراث. وهذا ما عابه الفيلسوف الإيراني داريوش شايغان على الثورة الإيرانية. وبالتالي فليس غريباً أن يسقط حسن حنفي في الخطأ ذاته. نقول ذلك، وبخاصة أنه كان من جماعة «الإخوان المسلمين» في بداياته. وبالتالي فأدلجة التراث ظاهرة ضخمة تشمل جميع أنحاء العالم الإسلامي، ولم ينجُ منها إلا قلة قليلة من المثقفين النقديين التنويريين الأحرار.

إنهم لا يقرأون التراث لكي يفهموه ضمن ظروفه وحيثياته ومشروطياته القديمة، كما يفعل محمد أركون مثلاً، وإنما يقرأونه لكي يسقطوا عليه هموم الحاضر وقضاياه، أو لكي يسقطوه عليها. إنهم يستغلونه آيديولوجياً لكي يخلعوا المشروعية الدينية القداسية على أحزابهم السياسية، ولكي ينسفوا مشروعية الأنظمة القائمة باعتبارها خارجة على الدين والشريعة في رأيهم. وبما أن جماهير الشعب متدينة جداً، وبما أنهم يعرفون ذلك، فإنهم برعوا في أدلجة الدين واستخدامه كسلاح فعال وفتاك لتحقيق مآربهم.

وهنا نلاحظ الشيء الغريب التالي، وهو أن حسن حنفي الذي قدَّم نفسه كمثقف حداثي تنويري، هو في الواقع من أشد المدافعين عن «الإخوان المسلمين». ولكن لا ينبغي أن نظلمه أكثر من اللزوم. فهو يبقى حداثياً وتنويرياً، والدليل على ذلك أنه يعترف صراحة أو ضمناً بأن رؤية «الإخوان» للعالم مغلقة أو منغلقة، ويعيب عليهم النزعة الحادة المتطرفة في تفكيرهم. ويستنكر تصنيفهم الخاطئ للمجتمع المسلم إلى إسلام وجاهلية. وهنا تكمن الخطيئة الكبرى لسيد قطب.

ولكن حسن حنفي – كما يقول عبد الجبار الرفاعي – سرعان ما يعود في كتابات عديدة إلى تبجيلهم، ويفتعل دوراً اجتماعياً وسياسياً وثقافياً استثنائياً اضطلعوا به في مصر. فكيف يمكن أن نفسر كل هذه التناقضات؟ هل يريد الرجل أن يجمع بين الماء والنار في يد واحدة؟ هل يريد أن يرضي جميع الناس؟ أم هل يريد أن يثبت أنه حداثي وتراثي في الوقت ذاته؟ ربما كان هذا الحل الأخير هو الأمثل لتفسير شخصية حسن حنفي. فهو لا يستطيع أن يقدم نفسه كمثقف حداثي تنويري تخرَّج في «السوربون» إذا ما اكتفى بكونه من مداح «الإخوان المسلمين»، ولا يستطيع أن يرضي الشارع العربي الأصولي إلا إذا أثبت أنه «إخوان مسلمين»! هنا تكمن مشكلة حسن حنفي. ولذلك فإنه راح يلعب على الحبال. وفي نهاية المطاف خسر الدنيا والآخرة. فلا مثقفو الحداثة يعدونه جزءاً أصيلاً منهم، ولا مثقفو القدامة يعدونه متديناً فعلاً.

كان ينبغي على حسن حنفي أن يحسم أمره: إما من معسكر التنوير والتقدم، وإما من معسكر الرجعية والتأخر. ولكنه أراد أن يلعب على كل الحبال، ويربح على كل الجهات. ولكن هذه ليست مشكلته وحده، وإنما مشكلة كثير من المثقفين العرب، بمن فيهم المقيمون في عواصم الغرب الكبرى، كباريس ولندن وبروكسل وواشنطن… إلخ. هم أيضاً يخجلون من كونهم متعاطفين في أعماقهم مع التنظيمات الإخوانية الأصولية، ولذلك يحرصون كل الحرص على أن يظهروا بمظهر المثقفين الحداثيين العصريين.

الشيء ذاته يمكن أن يقال عن محمد عمارة، الذي خصص له عبد الجبار الرفاعي فصلاً كاملاً بعنوان موفق يلخص مسيرته كلها: «محمد عمارة من الماركسية إلى السلفية». منذ بداية الفصل يقول المؤلف هذا الكلام البليغ: «لأننا محكومون بالتراث وقيمه وأحكامه، ترسخت لدينا تقاليد الاحتفاء المبالغ به بالأموات، والإفراط في الثناء على آثارهم، والإعلاء من قيمة منجزهم، وتجاهل ما أنتجته هذه الآثار من تعصبات وكراهيات وأحقاد وجروح نازفة في حياتهم وبعد وفاتهم».

التعلق الأعمى بالأسلاف تخلَّى عنه اليابانيون كلياً… ولذلك نجحت انطلاقتهم الحضارية وانتصر تنويرهم

هذا المقطع النقدي العميق مهم جداً؛ لأنه يحذِّرنا من الانبطاح أمام القدماء. فهم ليسوا معصومين لمجرد أنهم من الأسلاف والآباء والأجداد. ينبغي أن ننظر إليهم نظرة تاريخية. ينبغي أن نموضعهم ضمن مشروطيات عصرهم القديم الذي لم تعد له علاقة بعصرنا. فمعارفهم وحاجياتهم لم تعد لها علاقة بمعارفنا وحاجياتنا.

هذا التعلق الأعمى بالأسلاف تخلى عنه اليابانيون كلياً، ولذلك نجحت انطلاقتهم الحضارية، وانتصر تنويرهم، كما ذكرنا في مقال سابق.

أخيراً، يقول عبد الجبار الرفاعي عن محمد عمارة هذا الكلام الصائب والدقيق: «لم ينتبه من كتبوا عن محمد عمارة لتحولاته ورحلته الفكرية الطويلة من الماركسية إلى السلفية، ومحطاته الاعتقادية المتعددة، وكيف أضحت آثاره المتأخرة تنقض كتاباته المبكرة. نقرأ كتابات تصنفه على أنه مفكر تنويري وعقلاني ومجدد، وأحد رواد النهضة، وغير ذلك من توصيفات لا ينطبق أي توصيف منها على محطته الاعتقادية الأخيرة».

لا تعليق. الكلام واضح جداً. فقط نطرح هذا السؤال، وبه نختتم: كيف يمكن لمفكر يحترم نفسه أن يلتحق بالحركات الإخوانية الظلامية ويدافع عنها بشراسة، بعد أن كان قد أمضى جُل عمره الأول في الدفاع عن قيم العقلانية والتقدم والحداثة؟

 

https://al-aalem.com/%D8%A3%D8%AF%D9%84%D8%AC%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AB-%D8%B8%D8%A7%D9%87%D8%B1%D8%A9-%D8%B6%D8%AE%D9%85%D8%A9-%D8%AA%D8%B4%D9%85%D9%84-%D8%AC%D9%85%D9%8A%D8%B9-%D8%A3%D9%86/

عبد الجبار الرفاعي مستحضراً تراث المثقفين النقديين

تغريد عبد العال

غابت الثقافة العربية عن جذورها طويلاً، ويبدو أن تواصلها مع الفكر الغربي قد جعل روابطها تضعف تدريجياً بالتراث العربي، ولأن مفهوم الحداثة مولع بأسئلة الغرب ومقولاته، فنادراً ما يشق الفكر العربي درب الفلسفات العربية والشرقية، في الهند واليابان والصين، ولا سيما الفكر الإيراني. وهذا يحيلنا إلى قضية أساسية يبحر فيها المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي، في كتابه «مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث» (منشورات تكوين) هي موضوع العلاقة بين الدين والثقافة عبر تناوله مفكرين نقديين وفقاً لما أسماهم. لم يقطع هؤلاء المثقفون النقديون تلك العلاقة بالدين، بل كانوا نقديين تجاهه ومتمسكين بجذورهم وأصالتهم كالعراقي علي الوردي (1913- 1995). تعرّض فكر الأخير لنوع من الجفاء، ولم تهتم به البحوث والأكاديميات العلمية في وطنه، ولم تتبنَ دور النشر في بيروت إصدار أعماله. كما ذهب الكاتب في عرض رؤية المصري حسن حنفي (1935 – 2021) وفكره، الذي أعاد إنتاج التراث بلغته الخاصة التي تبدأ بالتراث وتنتهي به. واتسع الكتاب لثلاثة مفكرين إيرانيين لم تُدرس تجربتهم وفكرهم كثيراً هم داريوس شايغان الذي تميزت رحلته الفكرية بإعادة النظر في مسلماته وقناعاته وأحلامه، وأحمد فرديد الذي لم ينشر شيئاً في حياته رغم أنه شغل النخبة الإيرانية في زمانه. وفي الفصل الأخير، ناقش الكاتب ظاهرة ثقافية ليست غريبة في الفكر العربي، هي الانتقال من الماركسية إلى السلفية.

يذهب الكاتب عميقاً في سبر الثقافة العربية ونقدها عبر عرضه ومناقشته لفكر هؤلاء المفكرين العرب والإيرانيين. يناقش فكر علي الوردي، الذي يسمّيه المثقف الديني النقدي الأول في العراق الذي خرج من سجون الأيديولوجيات السياسية عبر قراءته للنصوص الدينية، لأنّ البحث في الدين كان مغيباً في الثقافة العراقية، وانحصر فقط في المؤسسات الدينية. وينوه الكاتب بأنّ مفهوم «المثقف» غامض ومشوّش في العراق، فيسارع كثيرون إلى نفي صفة التدين عن المثقف، وهناك عوامل كثيرة لذلك أولها مركزية الشعر في الثقافة العراقية، وارتباط صفة المثقف بالشاعر. والعامل الثاني هو حضور اليسار الأممي والقومي، الذي اتخذ موقفاً من الدين، معلناً القطيعة بين الجامعات والمؤسسات الدينية، ومحذّراً هذه المؤسسات من الانفتاح على الثقافة، والآداب والفنون.

ولأن المثقف العضوي ــ بحسب الكاتب ــ تناغم مع الأيديولوجيات النضالية، خصوصاً اليسارية، أصبح مشغولاً بتغيير العالم من حوله، وهذا المثقف مسكون بالأيديولوجيا أكثر، من دون أن يأخذ في الحسبان أنّ كل رؤية مختلفة للعالم هي فكرة ينبغي له أن يحترمها ولذلك يقوم بمهمة المفتش. وربما لم يركّز الكاتب هنا على قلة من «المثقفين العضويين» الذين آمنوا بالتغيير، وفي الوقت نفسه لم يأسرهم الجمود العقائدي، لذلك انتقدوا الغرب ولم ينظّروا كثيراً لأيديولوجياتهم بقدر ما اهتموا بكل التراث الفكري، أمثال إدوارد سعيد، الذي كان ناقداً للفكر الغربي الاستشراقي وللإمبريالية الفكرية والثقافية. وقد انتقد أيضاً نظرة الغرب للإسلام. ولكن ربما هنا يعطي الكاتب أولوية للمثقف الذي نهل من التراث وفي الوقت نفسه غيّب كثيراً إلى درجة أننا نجهل أعماله البحثية والفكرية، خصوصاً أنّه ركّز أيضاً على شجاعة علي الوردي بالاعتراف بأخطائه، ومراجعته المستمرة لأفكاره، إذ قال: “ما كتبته بالأمس لا يصلح اليوم، كما أن ما أكتبه اليوم قد لا يصلح غداً”.

أما المفكر الثاني الذي تأمّل الكاتب في فكره، فهو المصري حسن حنفي، الذي انتقد الأصولية. كما أن تأويلاته للتراث نهلت من منابع متنوعة، وتخلو كتاباته من التحريض ضد المذاهب. وهو الشغوف بالتراث والتجديد، وكان يتمنى أن ينجز كتاباً عن الثوار في كتابات أميركا اللاتينية، كما أخبر الكاتب حين التقاه. لكن المختلف هنا عن علي الوردي، أن حسن حنفي مثقف رسولي وثائر أيضاً، فقد كان يعتبر نفسه فقيهاً ولكنه في الوقت نفسه، كان يحلم بتغيير العالم بأفكاره. وحين تحدث حنفي في ذكرياته عن رأي الآخرين بكتاباته ومواقفه، قال: «كانت صورتي في الإخوان أنّي شيوعي وصورتي عند الشيوعيين أني إخواني». لقد كان حنفي مسكوناً بيوتوبيا اليسار الإسلامي حيث يلتقي الإسلام بالشيوعية وفقاً لرؤيته، ومن هنا تكمن ثوريته. فهو يصرّ بتساؤل إنكاري: وما عيب الجمع بين العلم والأيديولوجيا، يسارية أو إسلامية؟ ويسأل: هل ينفع تدريس العلم من دون أيديولوجيا؟ وما العيب في أن تؤدي الأيديولوجيا إلى العمل السياسي؟ وما العيب أن يسمع الطالب أيديولوجيات مختلفة ويفكر فيها بدل أن يحفظ كتاباً مقرراً؟ وكان حنفي أيضاً من أكثر المفكرين درايةً بالإخوان المسلمين، فوصف ما تعرضت له الجماعة من اضطهاد، وبرّر نشوء فكر إسلامي معاد للواقع. هكذا، تضمّن تحليله لفكر الإخوان اعترافاً برؤيتهم المغلقة للعالم. ويتحدث أيضاً عن علاقته بسيد قطب الذي تعرّف إليه حين دخل حركة الإخوان المسلمين عام 1951. وسيد قطب أيضاً ـــ في رأي حنفي ـــ هو الذي بدأ ما يسمّى باليسار الإسلامي، فوضع حنفي مشروعه في سياق مشروع قطب، ودافع عن فكره وبرر أخطاءه بإحالتها إلى موضوع السجن والاضطهاد. لكن حنفي يمتلك ــ بحسب الكاتب ـــ مهارة التوظيف البراغماتي للتراث، فقد حاول أن يركب التراث على الواقع والواقع على التراث. وقد تأثر حنفي بالكاهن الكولومبي كاميلو توريس الذي ولد سنة 1929 وقتل مناضلاً سنة 1966. ورؤية توريس الثورية هو لاهوت التحرير الذي هو أيديولوجيا تختلط فيها المسيحية والماركسية، وهكذا كان القرآن بالنسبة إلى حنفي مانيفستو للثورة والتحرير.

وعن المفكر الإيراني داريوش شايغان ( 1935 ـــــ 2018)، يأخذنا الكاتب في رحلة لمعرفة سيرته وميزات فكره. التحق بجامعة «السوربون» ودرس التصوف والديانة الهندوسية، وأصبح أستاذاً مساعداً للأساطير. لعل ما تميز به هذا المفكر هو دراسته للتيارات الفكرية الغربية في موازاة دراسات الأديان والثقافات الآسيوية. عمل شايغان على تطوير ثقافته وتحديث أفكاره، ولم يخجل من المراجعة النقدية، وقد لاحظ أيضاً أن معظم المفكرين الإيرانيين هم شعراء، كجلال الدين الرومي وحافظ الشيرازي. واعتقد شايغان أن جوهر الفلسفة والعلم في الحضارات الشرقية يختلف تماماً عن نظيره الغربي. وتنوعت إحالاته المرجعية، وأمسى قادراً على استبصار تشوهات المجتمعات الغربية والشرقية على حد سواء.

وكذلك كان المفكر الإيراني حسين نصر (1933) الذي نهل من شعراء الفارسية، كحافظ الشيرازي وسعدي الشيرازي وجلال الدين الرومي، وندد بالحداثة الغربية، مشدّداً على أنّ الشرق هو رمز النور والعقل والروحانية. أما المفكر الإيراني أحمد فرديد (1909 ــ 1994)، فقد أعجب بغوستاف لوبون، وانخرط في محفل المثقفين الذين تمحوروا حول القاص الشهير صادق هدايت الذي كان صديقاً له. درس فرديد في «السوربون»، وعاد إلى طهران، ليدرس في جامعتها تاريخ الفلسفة وامتدت مطامحه للحياة السياسية، فاقترب من حزب السلطة وأعلن تأييده للثورة الإسلامية بعد انتصارها. كان هاجس أحمد فرديد هو الهوية والعودة إلى الذات الإيرانية. بعد انتصار الثورة الإيرانية، حرص على ابتكار تفسير ثوري إسلامي لهايدغر، فوجد أن لا تناقض مع تفكير هايدغر والثورة الإسلامية. ويرى فرديد أن الغرب وباء أصاب اليونان القديمة ومصطلح «الإصابة بالغرب» هو وصف لهذا الوباء المتفشي في الشرق المسكون بعقائد الغرب. وعن ظاهرة التحول من الماركسية إلى السلفية، يشير الكاتب إلى فكر المصري محمد عمارة (1931 ــ 2020)، الذي كان ماركسياً ومكث طويلاً في الماركسية ودخل السجن في أيام جمال عبد الناصر. وبعد صعود موجة الصحوة الإسلامية، انتقل إلى السلفية، وتخلى عن وظيفته كأستاذ جامعي، لأنه أراد التفرغ لمهمته الفكرية، فصار يفكر بمنطق مغلق يبدأ بالتراث وينتهي بالتراث. ومع أنه باحث متمرس في التراث، ويكتب بأسلوب ذكي، إلا أن الدين جاء ليحمي الإنسان من الكراهية والعنف والسلفية وفقاً لما يقوله المؤلّف. وهكذا كان جودت سعيد الذي دعا إلى اللاعنف، لكن الكاتب انتقد أيضاً كتاباته التي تفتقر إلى «تفكير متأمل صبور يستخلص رؤية نظرية من النصوص الدينية». أما مالك بن نبي (1905 ـــ 1973)، فكتاباته تنبض بالغيرة على وطنه الجزائر، وتحريره من الاستعمار الفرنسي، والدفاع عن هويته من الاستلاب وحماية دينه وثقافته الإسلامية ويرى القارئ الفطن جروح الاستعمار الفرنسي نازفة في كتاباته التي تمثل الخلفية الفكرية للمقاومة الجزائرية في حرب التحرير. قدّم بن نبي تفسيراً للتخلف والانحطاط في عالم الإسلام في سلسلة «مشكلات الحضارة»، فصاغ معادلة الحضارة من مراحل هي الروح والعقل والغريزة. وكان دقيقاً في توصيف «القابلية للاستعمار»، حيث تكمن مشكلة الإنسان المستعمر.

ولعلّ الأجمل أنّ الكتاب ينتهي بمالك بن نبي الذي ركز على الهوية والمقاومة كأنها دعوة للتفكير في ثورية الإسلام. وهنا نلاحظ أن الواقع وما نعيشه يجعلنا نعيد النظر في فكر الإسلام التحرري المناهض للاستعمار والاحتلال والمقاوم الذي وضع فكره وأيديولوجيته في سبيل مواجهة ذلك الاستعمار. يشكل الكتاب دعوة لإعادة النظر في التراث والفكر الشرقي وعدم الوقوع في فخ الاستلاب الغربي.

 

تغريد عبد العال، كاتبة وشاعرة فلسطينية مقيمة في لبنان  

 

https://al-akhbar.com/Kalimat/382031