“دروب المعنى” للرفاعي كتاب يعلمك التواضع أمام المعنى

د. مجتبى الحلو[1]

يمتاز كتاب “دروب المعنى في الفلسفة والدين والحب والحياة”، الصادر في جزئين، للدكتور عبد الجبار الرفاعي بأسلوب مميز. يشبه في حركته طائر الفلامنغو حين يبدأ طيرانه قريبا من الأرض، ثم يأخذ بالارتفاع شيئا فشيئا حتى يحلق بعيدًا. هكذا بدا لي أسلوب الرفاعي في هذا الكتاب: يبدأ بأفكار قد تبدو، للوهلة الأولى، بسيطة ومألوفة، أفكار يمكن لأي إنسان أن يفكر فيها أو يقول شيئًا قريبًا منها، لكنه لا يلبث أن يأخذ القارئ معه إلى مسافات أبعد، حتى يجد نفسه أمام أسئلة وأفكار لم يكن يتوقع أن تقوده إليها تلك البداية الهادئة.

يذكرني هذا الأسلوب بشعراء المدرسة الرومانسية، وعلى رأسهم ويليام ووردزورث، الذي أراد أن يجعل الإنسان العادي وحياته اليومية ولغته البسيطة مادة جديرة بالشعر والتأمل. جاءت الرومانسية في سياق ثقافي كان لا يزال متأثرًا بهيبة العقلانية ولغة التنظير الفلسفي في عصر التنوير، لذلك بدت بساطتها، في أحد وجوهها، نوعًا من التمرد على اللغة التي تجعل المعرفة حكرًا على طبقة محدودة من القراء. لم تكن المسألة أن فلاسفة التنوير جميعا تعمدوا إقصاء الناس بلغة معقدة، بقدر ما أن الخطاب الفكري السائد كان قد اكتسب لغة اصطلاحية ونخبوية يصعب على القارئ العادي الدخول إليها.

ولهذا كان ظهور الرومانسية بلغتها القريبة من التجربة اليومية تحولا لافتًا في المشهد الأدبي الأوروبي، ولا سيما في إنكلترا. وقد دافع ويليام وردزورث “1770 – 1850” الشاعر الرومانسي الإنجليزي عن هذا الاختيار في مقدمته الشهيرة لـ “القصائد الغنائية” حين تحدث عن الاقتراب من اللغة التي يستخدمها الناس في حياتهم الفعلية، وعن البحث في المشاعر الإنسانية الأساسية بعيدًا عن الزخرفة المصطنعة. لم تكن البساطة عنده فقرًا في الفكرة، وإنما كانت محاولة لجعل العمق كامنًا تحت سطح يبدو صافيًا ومألوفًا. وربما هنا تحديدًا أجد الصلة بينه وبين الرفاعي: الفكرة لا تحتاج دائمًا إلى أن تبدو معقدة كي تكون عميقة، وأحيانًا يكون بلوغ البساطة أصعب من إنتاج التعقيد.

لا أعرف إن كان الرفاعي قد تعمد في هذا الكتاب العمل بهذه المنهجية أم أنها حالة طبيعية من أسلوبه في الكتابة والتفكير، لكنني وجدت شبهًا واضحًا بين طريقته وبين ذلك التحول الذي أحدثته الرومانسية في مفهوم الكتابة. القارئ لا يشعر منذ البداية أنه يدخل إلى معركة فلسفية أو إلى شبكة ثقيلة من المصطلحات، وإنما يدخل من باب تجربة إنسانية مألوفة، ثم يكتشف، بعد صفحات، أنه أصبح في قلب سؤال فلسفي أو ديني شديد التعقيد.

كنت أنوي في البداية قراءة المقدمة فقط لأتعرف على هوية الكتاب والموضوعات التي يتناولها في جزأيه، لكنني انتبهت، وأنا أقترب من نهاية الجزء الأول، إلى أنني واصلت القراءة من دون أن أشعر. ثمة هدوء خاص في طريقة الرفاعي في طرح أفكاره. وأجد كتاباته عموما، وهذا الكتاب على وجه الخصوص، أشبه بمحطة استراحة من الضجيج الفكري والصراع النظري الذي يكاد يرافقني منذ اليقظة حتى النوم.

لا يعني هذا أن الكتاب خال من الأسئلة الصعبة، بل العكس؛ غير أنه يطرحها بطريقة لا تحول التفكير إلى خصومة، ولا تجعل الفلسفة استعراضا للمصطلحات. ثمة فرق بين كتاب يدفعك إلى التفكير وكتاب يجعلك تشعر بأنك في امتحان مستمر لإثبات قدرتك على فهمه، والرفاعي ينتمي، في هذا الكتاب، إلى النوع الأول.

أما المقطع الذي شدني أكثر من غيره، وعدت إلى قراءته عدة مرات، فهو النص الثامن، الذي ورد فيه: “الدين لا يموت، ما يموت هو الصور المتوحشة العنيفة لله التي صنعها الإنسان. ما يموت هو كل شيء يصنعه الإنسان، ويضع الدين في مواجهة الاحتياجات الأساسية للروح والقلب والعواطف والضمير الأخلاقي والعقل والجسد. الله حيّ لا يموت، ما يموت هو ما يصنعه الإنسان من صورٍ لله، يستعملها في خدمة مصالحه واحتياجاته للاستحواذ على المال والثروة والسلطه باسم الله”. لم أجد من قبل تفسيرًا بهذه الصياغة لمسألة الله وصورة الله في أذهان البشر. يرى الرفاعي أن الذي يتغير عبر التاريخ ليس الله، وإنما تصور الإنسان عن الله. وهذه الفكرة، على بساطتها الظاهرة، تفتح بابًا واسعًا لفهم تاريخ الأديان والخلافات المذهبية والثقافية حول المقدس.

وقد أثارت هذه الفكرة لدي تداعيًا لاكانيًا. لا أقول إن الرفاعي يستخدم مفهوم جاك لاكان عن “الواقع” أو الـReal  بالمعنى الاصطلاحي نفسه، فالمفهومان ينتميان إلى نظامين فكريين مختلفين، لكن ثمة تشابها يمكن أن يكون مثمرًا في القراءة. هناك دائمًا مسافة بين الشيء وبين الصورة التي يبنيها الإنسان عنه داخل اللغة والرموز. عند لاكان، لا يمكن للنظام الرمزي أن يستوعب الـReal  استيعابًا كاملًا، فهو ما يقاوم الاكتمال داخل اللغة والتمثيل. ومن هنا يمكن، على سبيل المقاربة لا المطابقة، قراءة فكرة الرفاعي على أن الله يتجاوز الصور التي تنتجها الأديان والفرق والثقافات والجماعات عنه، لان تصورات البشر تنتمي إلى عالم اللغة والتاريخ والثقافة والمتخيل، لذلك تظل متغيرة ومتعددة.

بهذا المعنى، يشير الرفاعي بصورة ضمنية إلى قدر من العبث في الصراعات الدينية التي يحاول فيها كل طرف أن يحول تصوره التاريخي والثقافي عن الله إلى صورة نهائية مطلقة، ثم يطالب الآخرين بالخضوع لها. وهو يصرح في المقطع اللاحق بأن “تصورات الإنسان عن الله لا حصر لها، تتنوع وتتعدد هذه التصورات بتعدد وتنوع المجتمعات والأديان والفرق والثقافات والعصور”. تكمن أهمية هذه الفكرة في أنها تنقل النقاش من السؤال: مَن يمتلك الصورة الصحيحة لله؟ إلى سؤال أكثر تواضعًا وأشد تعقيدًا، وهو إلى أي حد يستطيع الإنسان أصلًا أن يفصل بين الله وبين الصورة التي صنعها عنه داخل ثقافته ولغته ومتخيله وتاريخه؟ وهنا تتحول المسألة من خلاف عقائدي فقط إلى سؤال في المعرفة واللغة وحدود الإدراك الإنساني.

ويرتبط بذلك نقاشه لمسألة لاتاريخية الدين، خلافًا لتصور شائع يتعامل مع الدين وكأنه حقيقة تدخل التاريخ من خارجه وتبقى، في جميع العصور، بالصيغة نفسها؛ تؤثر في المجتمعات ولا تتأثر بها. لكن ما يحدث تاريخيا أكثر تعقيدا من ذلك. فحتى عندما يعتقد المؤمن بثبات الأصل المقدس، تبقى قراءة هذا الأصل وفهمه وتأويله وتطبيقه خاضعة لشبكة واسعة من المؤثرات الثقافية والسياسية والقومية والاقتصادية والاجتماعية. ولذلك لا يكون التاريخ مجرد مسرح يتحرك عليه الدين، بل يدخل التاريخ نفسه في تشكيل الصورة التي يفهم الناس الدين من خلالها.

في ضوء ذلك يمكن التمييز بين الدين بوصفه إيمانًا أو وحيًا في تصور المؤمن، وبين الدين بوصفه تجربة بشرية وتاريخًا ومؤسسات وتأويلات. الأول يمكن أن يعتقد المؤمن بثباته، أما الثاني فلا يمكن عزله عن التاريخ. ولعل جزءًا كبيرًا من الالتباس في النقاشات الدينية يأتي من الخلط بين المستويين، أي اعتبار التفسير البشري المتغير امتدادًا مباشرًا ومطابقًا للمقدس الثابت.

وأثناء القراءة كنت أجد ظلالًا لفلاسفة ومفكرين مختلفين أمثال كيركغورد وكانط وهايدغر وكارل يونغ وجاك لاكان ودولوز. لا أعني بذلك أن الرفاعي يكرر هؤلاء أو يستعير أنظمتهم الفلسفية بصورة مباشرة، وإنما أن بعض الأسئلة التي يطرحها تفتح لدى القارئ الذي يعرف هذه الفلسفات مسارات للمقارنة معها. لكن الاسم الذي كان حضوره بالنسبة إلي أوضح من الجميع هو سورين كيركغورد، ذلك الفيلسوف الدنماركي الذي جعل الإيمان تجربة وجودية فردية مرتبطة بالقلق واليأس والاختيار والمفارقة، ولم يتعامل معه بوصفه منظومة عقلية مغلقة يمكن البرهنة عليها كما تبرهن المسائل المنطقية. وكان الرفاعي قد خصص العدد المزدوج “55 – 56” الصادر سنة 2013، من مجلته “قضايا إسلامية معاصرة” لدراسة هذا الفيلسوف بمناسبة مرور 200 سنة على ولادته، في محور بعنوان: “الإيمان الوجودي وديانة الضمير الفردي: سورين كيركغورد 1813 – 1855″.

سبق أن قلت للرفاعي مرة إنه يمثل في بعض جوانب مشروعه امتدادًا إسلاميًا يمكن أن يذكرني بكيركغورد. ولا أعرف طبيعة تقبله لهذه القراءة، أكانت إيجابية أم سلبية. لكن المؤلف، مهما حاول أن يحدد مسارات قراءة نصه، لا يستطيع أن يتحكم تمامًا في الصورة التي تتشكل في ذهن القارئ. فالكتاب بمجرد خروجه من يد مؤلفه، يدخل في خبرات قرائه ومكتباتهم الفكرية الخاصة. وأنا لا أقرأ الرفاعي من فراغ، وإنما أقرأه من خلال ما تراكم لدي من جاك لاكان وكيركغورد وهايدغر وغيرهم. لهذا قد أجد في نصه قرابات فكرية لم يقصدها هو أصلًا.

وما يجمع كيركغورد والرفاعي في تجربتي كقارئ ليس العبث بمعناه العدمي، وإنما الاعتراف بحدود العقل أمام بعض الأسئلة الميتافيزيقية الكبرى. كلاهما، بطريقته الخاصة، يعيد الإنسان من صخب الأنظمة الكبرى إلى تجربته الفردية مثل: إيمانه وقلقه وهشاشته وحاجته إلى المعنى وعلاقته بذاته وبالآخر وبالله. وربما لهذا أجد هذه المساحة الوجودية لذيذة عند كيركغورد والرفاعي معًا. فهي لا تقدم إجابات جاهزة بقدر ما تخفف من وهم ضرورة الإجابة عن كل شيء.

في عالم مزدحم بضجيج الأفكار وبالصراعات التي يريد كل طرف فيها أن يثبت امتلاكه للحقيقة، تبدو الكتابة التي تعلم الإنسان شيئًا من التواضع أمام المعنى أكثر أهمية من الكتابة التي تضيف نظرية جديدة إلى نظريات الصراع. وهذا ما وجدته في “دروب المعنى”. لا يطلب الكتاب من قارئه أن يتوقف عن التفكير، بل يحاول الكتاب هنا أن يمنح القارئ وسط التفكير، مساحة للتنفس.

[1] باحث وأستاذ جامعي عراقي.

 

https://al-aalem.com/%D8%AF%D8%B1%D9%88%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D9%86%D9%89-%D9%84%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A-%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8-%D9%8A%D8%B9%D9%84%D9%85%D9%83-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88/

 

أين أصبحت الأنسنة في الفكر العربي المعاصر؟

وقفة مع محمد أركون وعبد الجبار الرفاعي

 

د. نايلة أبي نادر[1]

وسط الشعور بالغربة، غربة الإنسان الواعي عن نفسه، عن بلده، عن مجتمعه، هذه الغربة التي ترمي به في دوائر الأسئلة المؤرقة، الأمر الذي يزيده اغتراباً، يكثرُ الكلام على موت الإنسان الطبيعي، أو عن تراجع قيمته وكفاءاته في مقابل نموٍّ متزايد للإنسان الآلي. فالذكاء الطبيعي بات في انحسار أمام مدّ الذكاء الاصطناعي، وتضاعفِ ميزاته وانتشارِ أعماله.

بات التوقّف عند الأنسنة والبحث في تجليّاتها إن في الفكر الديني أم في الفكر الفلسفي ضرباً من التشبّث بسلالة مهدّدة بالانقراض، أو بجوهرة محفوظة في متحف التاريخ، نخشى عليها من السرقة أو الضياع. إن المشهدية الدامية التي تحيط بنا تضعنا في مواجهةٍ شرسةٍ مع الأسئلة المُرهقة: لماذا كلّ هذا الدمار؟ أإلى هذا الحدّ انهارت قيمة الإنسان مقابل قيمة الصفقات أو المشاريع العالميّة؟ أإلى هذا الحدّ بات البشر على الأرض مجرّد عملة على طاولة البورصة، ترتفع قيمتها أو تنخفض وفق العامل الجغرافيّ، أو القوميّ، أو السياسيّ، أو الدينيّ؟ هل فعلاً كلّ ما قيل عن العدالة والمساواة مزاحٌ، أو كلامٌ فارغٌ لا مضمون له يمتّ إلى الإنسانيّة بصلة؟ هل كلّ هذا الحبر الذي سال والصفحات التي عبقت بالمعاني كان مجرّد مواكبة لما هو رائجٌ في الغرب، أم هو نوعٌ من اللجوء إلى زاوية آمنة بعيداً عن واقعٍ مؤلمٍ خائبٍ يحمل في طيّاته أسباب تفجيره من الداخل؟

الكلام على الإنسان في السياق العربي المعاصر يضعنا أمام أسئلة محرجة تدفعنا إلى البحث عن موقعه في ما يتمّ إنتاجه من خطابات إن في المجال الفلسفي أو السياسي أو المجتمعي، من دون أن نغفل عن المجال اللاهوتي. لماذا التوقّف عند الإنسان؟ ما هو التصوّر الراسخ في الذهن حول مفهوم الإنسان؟ إلى أيّ مدى يمكننا التحدّث عن تيّار إنسيّ عربيّ معاصر؟

أسئلة تشغلني منذ مدّة، وهي تواجهني بإلحاح، بخاصة بعد أن لحظنا تراجع الخطابات التي تنهمّ بشأن الإنسان على حساب القضايا الكبرى، والصراعات المحتدمة، وتعاظم الأزمات التي تضرب المنطقة. هل الكلام على الإنسان يعدُّ اليومَ ضرباً من الهروب من مواجهة الواقع وتحدّياته؟ هل هو انكفاء في اتجاه التأمّل وبناء عالمٍ نظريٍّ تسود فيه معايير مختلفة تسمح بالتفرّغ للتفكير بالإنسان؟ بتعبيرٍ آخر، هل هو انفصامٌ عن الواقع؟ هل ما طرحه التوحيدي في كتابه “الهوامل والشوامل” حول الإنسان ما زال يحثّ الباحث على التفكير في عمق هذا القول: “الإنسان أشكل عليه الإنسان”؟

 

انطلاقاً من انشغالي بدرس نصوص محمد أركون اخترت التوقّف عند تصوّره للإنسان، وكيفيّة مقاربته لعمق معنى الأنسنة. كذلك، إن من يقرأ نصوص عبد الجبار الرفاعي لا بدّ من أن يلفت انتباهه هذا الإصرار على الأنسنة، والكرامة الإنسانية، والنزعة الإنسانية. من هنا، يهدف هذا المقال إلى إعادة تسليط الضوء على مفهومَي الإنسان والأنسنة في الفكر العربي الإسلامي المعاصر انطلاقاً من علٍَمين اثنين عملا بجهد على إرساء نظرة إنسيّة تقارب موضوعات عدّة من زاوية تعيد الاعتبار للإنسان، ولكرامته ودوره وقيمته في المجتمعات العربية المعاصرة.

في أهميّة الأنسنة عند أركون والرفاعي.

في ما يتعلّق بمحمد أركون، نلحظ عند قراءة كتبه أنه نادراً ما نجد واحداً منها لم يذكر فيه الأنسنة، بشكلٍ أو بآخر. فالأنسنة عنده تعني إعمال العقل، والتجرّؤ على التفكير بما هو مستحيلٌ التفكير فيه، وهي ركنٌ من أركان التنوير، تقوم على ممارسة التفكير النقديّ. وهي تجربة فكرية منفتحة على عالم المعرفة، تنهمّ بكلّ ما يُنتجه العقل البشريّ من دون تمييز ولا تهميش.

تأثّر أركون بشخص أبي حيّان التوحيدي، وتوقّف عند درس فكره، وما تركه من أثر من بعده. عمل بجهدٍ مميّز على إبراز نزعة الأنسنة في القرن الرابع الهجري، مشيراً إلى أن هناك تأصيلاً عربيَاً ما لهذه النزعة، وهي ليست بالتالي غريبة عن الفكر العربي. إن التركيز على اختبار الأنسنة في الفكر العربي يهدف، حسب ما نعتقد إلى تسليط الضوء على الجهد الكبير الذي قام به مفكرون مثل الجاحظ والتوحيدي ومسكويه وغيرهم في حقبة مفصليّة من تاريخ الفكر العربي الإسلامي. لم يغفلوا عن الإنسان، ولا عن قوّة عقله في الاستدلال. لقد التزموا بعمق في معالجة قضايا الإنسان كإنسان.

أشار أركون إلى أن “الأنسنة كما فهمها وجسّدها التوحيديّ مثلاً تثور على الإنسان عندما يصبح العدوّ الأخطر للإنسان”.[2] يعكس هذا التوجّه نقداً واضحاً لممارسة العنف التي تنزع عن الإنسان إحدى أهمّ خاصيّة لديه، وهي إنسانيّته. فالعنف، للأسف، ممارسة عرفتها مختلف المجتمعات البشرية، عبر التاريخ، وعلى وسع الجغرافيا. من هنا يأتي عدم الاكتفاء بما عُرِف بـ”الأنسنة الشكليّة” التي تشير إلى الانفصام بين الكلام على القيم الإنسانية، والتغنّي بالفنون، من جهة، وبين السكوت عن الظلم والاضطهاد والاستعباد، من جهة أخرى. هذه الأنسنة الشكليّة التي عرفتها أوروبا مثلاً، وهي غريبة عن واقع ما يحدث في المجتمع، أدّت في نظر أركون إلى الإعلان عن “موت الإنسان”. فالغرق في تنظير الفلاسفة المثاليين والأدباء واللاهوتيين أدّى إلى الابتعاد عن واقع العنف والظلم الذي ما زال مستمرّاً حتى اليوم. إن كلّ ممارسة للعنف باسم الحقيقة أو الهوية أو القيم أو الدين أو الاصالة أو القومية هي غرق في الإيديولوجيا، ونكرانٌ للأنسنة.

في سياق كلامه على الدين والأنسنة يقول أركون: “إن الدين الذي يهمل الاجتهاد الفكري المبدع والنقّاد لجميع ما ينتجه العقل يصبح لا محالة آلة خطرة يستغلّها المتلاعبون بالنفوس والقامعون للحريات الأساسيّة التي يتطلّبها كلّ إنسان لكي يرتقي إلى درجة الأنسنة”.[3] واضحٌ في ما تقدّم التركيز على أهميّة إعمال العقل والاجتهاد الفكري وممارسة النقد بحريّة من أجل الارتقاء إلى مستوى الأنسنة. واضحٌ أيضاً التصدّي للسلطة الدينية التي تقمع أبرز تجليّات أنسنة الإنسان، ألا وهي التفكير المبدع الذي يمارس النقد لمختلف ما سبق الفكر البشريّ أن أنتجه. إن اعتماد المنهج النقدي ليس ضرورة فقط بالنسبة إلى التفكير الفلسفي، إنما هو من صلب تحقّق إنسانيّة الإنسان، أيّاً كان مجال عمله وانشغاله الفكريّ.

أما في ما يتعلّق بعبد الجبار الرفاعي، فيمكن أن نقول إنه من الصعب جداً التحدّث عن الأنسنة عنده خارج الكلام على الدين، فهو يصرّ على الربط بين جوهر الدين وبين الأنسنة، بين كرامة الإنسان وبين الوحي، بين الظمأ الأنطولوجي الذي يختبره الإنسان وبين الدين. نجده يؤكّد في أكثر من مناسبة على أن “الإنسان غاية الدين، وليس وسيلة للدين، ولا أداة للسلطة أو المؤسّسة أو الجماعة”. كذلك نجده يشدّد على أن “كلّ دين لا يتّخذ الإنسان غايته، ولا يجعل صون كرامته بوصلة له، ليس ديناً إنسانيّاً. جوهر إنسانيّة الدين أن يحمي الكرامة، ويرفض كلّ أشكال التمييز بين الناس، على اختلاف أعراقهم، وأديانهم، وثقافاتهم، وأوطانهم”.[4] هذا الكلام يشير إلى وضع الإنسان في صلب التفكير الديني، وإلى أن احترامه واجبٌ، والإنسان هنا، ليست له هوية محدّدة، ولا قوميّة معلنة، ولا انتماء محصور بوطن معيّن.

كلام عبد الجبار يعبّر عن توقٍ إلى العالميّة ولا يرضى بالتقوقع داخل السجون التي يفرضها بعض الماسكين بمفاتيح العلم والمعرفة والسياسة. نجده ينحاز بوضوح إلى الإنسان، ويدافع عن كرامته، إذ من دونها سوف يفقد قيمة أيّ عمل يقوم به، حتى ولو كان هذا العمل يصنّف في إطار التديّن. كلّ دين لا يسعى أتباعه إلى مناهضة العنف، ومنع إذلال الناس، والحفاظ على حرياتهم، فهو دينٌ لا يمكنه تحقيق الرحمة على الأرض. يؤكّد على أن الله خلق”الناس متساوين في إنسانيّتهم، لا تفاضل بينهم في أصل الخلق، ولا يكتمل المعنى الروحي الأخلاقيّ للدين ما لم يحمل هذا الوعي، ويترجمه في الواقع”.[5]

ينتقد الرفاعي بشدّة، وفي أكثر من موضع، عمليّة تحويل الدين إلى إيديولوجيا، ويعتبرها خيانة لجوهر الدين ولقيمة الإنسان وكرامته على حدّ سواء. إن احترام حرية الإنسان تكمن في احترام الحقّ في الاختلاف في المعتقد، لذا، إن أيّ إكراهٍ على تبنّي تعاليم محدّدة أو عقائد معيّنة من دون سواها، فهو يُعتبر طعناً في كرامة الإنسان، وبالتالي إنه طعنٌ في جوهر الدين الذي ينظر إليه كـ “رسالة روحيّة أخلاقيّة تنشد السلام والسكينة والطمأنينة للناس جميعاً، لا لجماعة دون أخرى”.[6]

هذا الربط بين الدين والكرامة الإنسانيّة يمكن اعتباره تجلّياً واضحاً وصريحاً للنزعة الإنسانيّة عند الرفاعي، وهو يشير في الوقت عينه إلى وسع الرؤية لديه، وإلى انهمامه بالإنسان، أيّ إنسان. فالنقد الذي يوجّهه إلى عمليّة الانغلاق الإيديولوجيّ والتقوقع داخل جدران هويّة محدّدة “مصطفاة” يتمّ رفعها إلى ما فوق الهويات الأخرى، يٌعتبر إشارة واضحة إلى البعد الأخلاقي الذي يشكّل محوراً رئيساً في فلسفة عبد الجبار الرفاعي. لا يكتفي بالمناداة بالبعد الأخلاقي، والإشارة إلى أهميّة البعد الروحي في الدين، إنما نجده يسعى إلى ترجمة ذلك على أرض الواقع من خلال العمل على ترسيخ قيم “الكرامة والحرية والمساواة والعدالة”، وغيرها بهدف تحرير الإنسان من مختلف أشكال الاستعباد وحمايته من الإذلال والاستعباد.

نجد في هذا الإصرار الظاهر بوضوح في كتبه نوعاً من الشهادة لحقيقة الإنسان، ولحقيقة الدين في آن معاً. هذا الإصرار يحمل القارئ على أن يجد في الدين طريقاً إلى السلام بدلاً من الاحتراب، وملاذاً آمناً للكرامة الإنسانية بدلاً من الإذلال والاستعباد والقهر والاستغلال. إنها دعوة صريحة للتحرّر من كلّ ما يهين الإنسان، باسم ايّ سلطة كانت. هناك كرامة إنسانيّة يجب التوقّف عندها، احتلااماً لها، لأنه عند احترامها تُحترم كرامة كلّ إنسان، وفي انتهاكها، تُنتهك كرامة كل إنسان.

أما في ما يتعلّق بمحمد أركون فنجد أنه كان مهتمّاً في سياق كلامه على الأنسنة بأن يشدّد على الجانب الفكري للفظ “أدب” كما كان متعارفاً عليه بالمعنى الكلاسيكي. فالأدب كان يشمل، في زمن التوحيدي، البعد المعرفي والفكري والأخلاقي والروحي والشرعي والجمالي والسياسي الذي يتّصف به الأديب. كانت هناك متابعة واضحة لمختلف نشاطات الإنسان وإبداعاته بما فيها الصالح والضّار. يشير أركون إلى أهميّة هذا الجانب الفكري لكلمة أدب وذلك بهدف “حماية الإنسان من عدوان أخيه الإنسان، وباطله، وغطرسته، وفرعونيّته، وعنفه”. كذلك فهو يلفت الانتباه إلى “الشروط العقليّة التي يجب ان يحترمها -الإنسان- أو يتقيّد بها في معاملته لنفسه أو معاملته مع الآخرين في الحياة الاجتماعيّة”.[7]

عمل أركون على لفت الانتباه إلى الفرق بين ذهنيّة التعاطي مع كلمة أدب في العصر الكلاسيكي زمن الجاحظ ومسكويه والتوحيدي وغيرهم، من جهة، وبين واقع الحال في معظم المجتمعات العربية الإسلاميّة المعاصرة، من جهة أخرى. كان هناك التزامٌ كاملٌ، في نظره، “بقضايا الإنسان كإنسان”، إذ تمّ وضعه في صلب الانهمام الفكريّ للمشتغلين بالأدب، في معناه الواسع. أما ما يحدث في الفترة المعاصرة، فهو، حسب رأيه، “يدلّ دلالة واضحة على غياب النزعة الإنسانيّة”، إن في الخطابات اليوميّة، أو في كتب علماء السياسة المتعلّقة بالدساتير الرسميّة.

يقول بأنه اقترح مصطلح الأنسنة لكي يشير إلى الأبعاد الفكرية الغائبة بعد أن ازدهرت في العهد الكلاسيكي، عهد الأدب والأدباء العرب والمسلمين. أراد مكن خلال التحدّث عن ذلك أن يدعو إلى “إحياء الموقف الفلسفيّ في الفكر العربي خاصة، والفكر الإسلاميّ عامة”. وهو لديه اعتقادٌ راسخٌ “بأنه لا سبيل إلى الاعتناء بمصير الإنسان اعتناءً شاملاً، نقديّاً، منيراً، محرّراً، بدون التساؤل الفلسفيّ عن آفاق المعنى التي يقترحها العقل ويدافع عنها”.[8]

من هنا يبرز واضحاً هذا الجمع بين العقلانية والأنسنة، إنها عمليّة بناءٍ ذهني ترتكز على العقل الفلسفيّ الذي يبحث عن المعنى بحرية، ويضع قضايا الإنسان في صلب انشغالاته. ميّز محمد أركون بين التفكير الفلسفيّ في الإنسان والتفكير الدينيّ فيه. فالموقف الديني يهتمّ بالإنسان من أجل الهداية نحو الطريق الصحيح. وكأن لدينا أنسنة فلسفيّة وأخرى دينيّة، لكلّ منهما السبيل الخاص في طرح ومعالجة قضايا الإنسان. تربط الأنسنة الأولى، أي الفلسفية، مصير الإنسان بخياراته، بمسؤوليّته، وبالقرارات التي يتخذها بوعيٍ ودراية. بينما تربط الثانية، أي الإنسنة الدينيّة، مصير الإنسان بما تبشّر به التعاليم الالهيّة المنزلة. يرتكز حال العقل في الأنسنة الأولى على التفاعل مع العقول الاخرى المتعدّدة من حوله، ضمن الإطار السياسيّ الديمقراطيّ، في ظلّ دولة القانون والمؤسّسات، في إشارة واضحة إلى العقل التواصلي عند هابرماس. لفت الانتباه إلى “أن الاعتراف بالتعدّدية المذهبيّة والثقافيّة واللغويّة هو صفة من الصفات الأساسيّة والتأسيسيّة للموقف الإنساني. وكانت هذه التعدّدية سائدة، مقبولة، معرَّفاً بمنافعها في فجر الإسلام وضحاه”.[9] أما ما جرى في ما بعد فكان مغايراً لنهج الانفتاح وتقبّل الرأي الآخر، بخاصة ما يتعلّق بالقضايا اللاهوتيّة والشرعيّة.

أشار أركون في أكثر من مناسبة إلى العلاقة التي جمعت بين السلطة الدينيّة والسلطة السياسيّة في التاريخ الإسلامي، واعتبر أنه كلّ ما ساد “التضامن الإيديولوجي” وقوي الاتفاق بينهما، كانت النزعة الإنسانيّة في تراجعٍ ملحوظ، والتفكير الفلسفي يسير نحو التهميش، والفكر النقدي نحو التغييب. إن التكافل بين الدولة والسلطة الدينيّة أدّى إلى انتشار ذهنيّة التحريم والتقديس في المجتمعات، وفق ما بيّن ماكس فيبر. إن الفكر النقديّ مبنيّ على حريّة التفكير والتعبير والنشر، وهو يفتح المجال أمام تعدّد الجمعيّات في المجتمعات المدنيّة. 

في النظر إلى الدين من زاوية الأنسنة.

يرى عبد الجبار الرفاعي أن الإنسان لا يصنع حاجته للدين لأن “الحاجة للدين مستودعة في أعماق الكينونة الوجودية لهذا الكائن، ما يصنعه هو أشكالُ تديّنه في حياته الفردية والمجتمعيّة. ويدلّ على ذلك حضور الدين ورموزه وتعبيراته المتنوّعة في حياته منذ ظهوره على الارض حتى اليوم”.[10]   نلحظ أن الرفاعي يتكلّم على الدين انطلاقاً من الإنسان، من الشعور بالقلق والاغتراب الوجوديّ. هذا الكائن الضعيف والهش الذي يعجز عن إنقاذ نفسه من الموت. أنه يقع باستمرار ضحيّة جهله بنفسه كما بمصيره. من هنا نجده يتوقّف عند أهميّة السلام الداخلي باعتباره منبعاً للحياة المطمئنّة التي تتغلّب على الكآبة والمعاناة المنهكة. إن هذه الحال التي دفعت الإنسان الواعي إلى الاعتراف ببعض ضعفه وقدرته المحدودة التي تحول دون حصوله على ما يتمنّاه. فالوضع النفسي للإنسان وما يعاني منه من اضطراب وقلق واغتراب وجوديّ، كلّ ذلك لعب دوراً، برأي الرفاعي، في اللجوء إلى الإيمان والدين. هذا ما أمّن له الحماية وغذّاه بالمحبة والرحمة والقيم السامية، وأسعفه في الاستمرار التاريخي.

من ناحيته، ينظر أركون إلى الدين مميّزاً بين التركيبات اللاهوتيّة التي تضعها السلطة الدينية بالتنسيق مع السلطة الرسميّة، وبين الوظيفة الروحانيّة للدين. يستعين بميشال ميسلان الذي عرّف الدين باعتباره “التجربة البشريّة لما هو الهي”، مشدّداً على المعنى الروحي المنزّه والمتعالي الذي يتمّ تحريفه أو استغلاله من قبل السلطات الرسميّة. فالدين بالعنى الروحاني هو بمثابة “الرعشة الدينيّة العالية والمنزّهة” التي عاشها الأنبياء كما كبار المفكرين والعلماء. نجده بالتالي يفرّق “بين معنيين للدين: المعنى الروحي المنزّه والمتعالي/ والمعنى القانوني، الرسمي، السلطوي، أو الذي يخلع المشروعيّة على السلطات السياسيّة”.[11]

ملفت جداً هذا التعاطي مع الدين وعدم حصر لحظة الوحي بالأنبياء من دون سواهم، نلحظ أن أركون وسّع من دائرة الكشف والاختبار الروحي لكي تشمل أيضاً العلماء عندما يأتون بما هو جديد في سياق بحثهم عن الحقيقة. كما أنه كان قد شدّد على تاريخيّة الفكر الديني، أي على البعد الإنساني لهذا الفكر، ومحدوديّته في الزمان والمكان، وعلى الشروط الاجتماعية والسياسية والثقافية المحيطة به، والتي أدّت إلى تبلوره في الشكل الذي ظهر فيه. فالتركيز على التاريخية أمرٌ يحيل بالضرورة إلى الأنسنة، وفق نظرنا. كذلك التركيز على العلمنة في كتابات أركون باعتبارها “الموقف الحر والمفتوح للروح أمام مشكلة المعرفة”[12] يمكن اعتباره بمثابة إشارة واضحة إلى أهميّة الأنسنة والمقاربة الإنسانيّة للمسائل السياسية والاجتماعية والفكرية.

نودّ أن نشير، في ما يتعلّق بنظرة الرفاعي للدين إلى أنه ينتقد بشدّة كل تلك المحاولات في تشويه الدين، والتي تقوم بها السلطات الدينية في مجال تعليم مبادئ الشريعة، في مختلف المؤسّسات. لا يمكن بالنسبة إليه أن نقدّم مفهوماً إنسانيّاً للدين ما لم نتوقّف عند الأخطاء التي اقترفتها السلطات الدينيّة  من أجل نقدها بعمق. فالأنسنة تقتضي هذا النقد وتفرضه على الباحث الرصين الذي يتحلّى بالموقف الأخلاقيّ. يعلن بوضوح ما يأتي: “يملي علينا الموقف الأخلاقيّ أن نفضح منابع الكراهية والتعصّب والتمييز بين البشر في تراثنا ومواقفنا وسلوكنا، كما نفضحها في تراث غيرنا ومواقفه وسلوكه، وأن نعترف بأخطاء تاريخنا وخطاياه، مثلما ندين اخطاء تاريخ غيرنا وخطاياه. ليس من الإنصاف أن نمارس الانتقاء، فنبرّئ تراثنا مما لا نرضاه من غيرنا، وندين سلوك الآخر في حين نتغافل عن سلوكنا، ونتحدّث عن القيم وننسى فقرنا الأخلاقيّ”.[13]

إن مجرّد التأمّل في مضمون هذا النص كفيلٌ في أن يوضح للقارئ أهميّة الأنسنة وعمق تجذّرها في مقاربة الرفاعي للدين، وللفكر الديني. وما تشديده على البعد الأخلاقيّ إلا خير دليلٍ على ذلك. فالمعاملة بالمثل، والبدء بتطبيق النقد على الذات تماماً كما نطبّقه على الآخر، وتعرية الذات من أوهامها، كلها خطوات منهجيّة تفيد في التأسيس للأنسنة المعاصرة على مبادئ راسخة.

يصرّ الرفاعي على أهميّة المراجعة النقدية للتراث الديني، وعلى إبراز الأخطاء التي أدّت إلى تشويه صورة الدين، هذه الأخطاء والممارسات التي أبعدت الدين عن جوهره فحوّلته إلى “أداة للهيمنة وشرعنة الظلم والاستعباد، بدل أن يكون منبعاً للرحمة والمحبة والكرامة والحرية والمساواة”. من الجدير ذكره في هذا السياق أن الدين كما يفهمه الرفاعي “هو طاقة روحيّة وأخلاقيّة مُلهمة، تستنهض في الإنسان ضميره الحي، وتوقظ فيه الشعور بالمسؤوليّة تجاه نفسه وتجاه الآخر، أيّاً كان دينه أو انتماؤه”.[14]

في الختام، يمكن القول إن هذا الكلام كفيلٌ في تظهير صورة مشرقة عن الأنسنة في الفكر العربي المعاصر، وهو يلتقي بعمق مع طروحات محمد أركون الخاصة بالدين والتنوير والعلمنة والأنسنة. لذا، في خلاصة هذا المقال، يمكن أن نتلمّس، من خلال ما سبق من فقرات، نهجاً إنسانيّاً واضح المعالم في مقاربة قضايا الدين والمجتمع، وهو يقدّم أسساً صلبة يمكن البناء عليها، ومتابعة ما بدأ به كلٌّ من أركون والرفاعي من أجل إستعادة المبادرة، والعمل على إرساء تفكيرٍ إنسانيٍّ يخفّف من هول التحدّيات الراهنة، ويشقّ طريقاً نحو الأمل بمستقبلٍ إنسانيٍّ أفضل، يقينا شرّ الفراغ واللامعنى والعنف المستفحل الذي يستبيح كلّ شيء من دون رادع.

 

[1]  أستاذة الفلسفة في كلية الآداب بالجامعة اللبنانية.

[2] – محمد أركون، معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلاميّة، ترجمة هاشم صالح، بيروت، دار الساقي، ط1، 2001، ص 8-9.

[3] – محمد أركون، معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلاميّة، م.س. ص 8.

[4] – عبد الجبار الرفاعبي، الهويّة في شِراك الإيديولوجيا، بغداد، الرافدين، ومركز دراسات فلسفة الدين، ط1، 2025، ص 111.

[5] – عبد الجبار الرفاعي، الهوية في شراك الإيديولوجيا، م.س. ص 111.

[6] – عبد الجبار الرفاعي، الهوية في شراك الإيديولوجيا، م.س. ص 111.

[7] – محمد أركون، معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلاميّة، م.س. ص 12.

[8] – محمد اركون، معارك من اجل الأنسنة في السياقات الإسلاميّة، م.س. ص 12-13.

[9] – محمد أركون، معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلاميّة، م.س. ص 14.

[10] – عبد الجبار الرفاعي، الدين والكرامة الإنسانية، بغداد، دار الرافدين ومركز دراسات فلسفة الدين، ط2، 2023، ص 42.

[11] – محمد أركون، قضايا في نقد العقل الديني، كيف نفهم الإسلام اليوم؟، ترجمة هاشم صالح، بيروت، دار الطليعة، ط1، 1998، ص 237.

[12] – محمد أركون، الفكر الإسلامي نقدٌ واجتهاد، ترجمة هاشم صالح، بيروت، دار الساقي، ط1، 1990، ص 296.

[13] – عبد الجبار الرفاعي، الهوية في شراك الإيديولوجيا، م.س. ص 116.

[14] – عبد الجبار الرفاعي، الهويّة في شراك الإيديولوجيا، م.س. ص 117.

 

https://taqueen.com/%D8%A3%D9%8A%D9%86-%D8%A3%D8%B5%D8%A8%D8%AD%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%86%D8%B3%D9%86%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%83%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9/

احياء حسن حنفي وتجديد عبد الجبار الرفاعي

بهاء سوادي[1]

تتوالى الدعوات إلى تجديد الفكر الديني منذ أكثر من قرن، واتخذت مسارات ومناهج متنوعة. فمنذ انطلاق مشروع الإصلاح الإسلامي الحديث في القرن التاسع عشر، برزت أسماء جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، وغيرهم من المصلحين الذين سعوا إلى التوفيق بين الإسلام والحداثة، وإحياء الاجتهاد، وتحرير العقل الإسلامي من الجمود الفقهي والانغلاق المعرفي. غير أن هذه المشاريع لم تكن متجانسة في رؤاها ومناهجها وغاياتها؛ فقد انشغل بعضها بإصلاح التعليم والمؤسسات الدينية، واهتم بعضها بإعادة تفسير النصوص، فيما سعى بعضها الآخر إلى بناء وعي ديني يستجيب لتحولات العصر وأسئلته. ومع تنوع هذه المحاولات، ظل التجديد مهمة مفتوحة، تتطلب مراجعة مناهج فهم الدين، والكشف عن تاريخية المعرفة الدينية، وإعادة النظر في صلتها بالإنسان والعالم المتغير.

ثم شهد النصف الثاني من القرن العشرين مرحلة جديدة اتسمت بالنقد المعرفي والمنهجي، برز فيها مفكرون أمثال محمد أركون، وحسن حنفي، ومحمد عابد الجابري، ونصر حامد أبو زيد، وعبدالمجيد الشرفي، وغيرهم. اتجه هؤلاء، على اختلاف مرجعياتهم ومناهجهم، إلى مساءلة التراث الإسلامي، وتحليل آليات إنتاج المعرفة فيه، وإعادة النظر في مناهج قراءته وتأويل نصوصه، مستعينين بمناهج الفلسفة الحديثة والعلوم الإنسانية. وهكذا انتقل سؤال التجديد من الدعوة إلى الإصلاح وإحياء الاجتهاد إلى نقد بنية العقل التراثي، والكشف عن سياقاته التاريخية والثقافية، وفحص أثرها في تشكيل الوعي الديني.

أما المرحلة المعاصرة، الممتدة من أواخر القرن العشرين إلى اليوم، فقد برز فيها عبد الجبار الرفاعي بوصفه احد المفكرين المنشغلين بإعادة بناء الفكر الديني، عبر استرداد الأبعاد الروحية والأخلاقية والجمالية للدين، وإعادة تعريف مفاهيمه الأساسية في ضوء مركزية الإنسان وكرامته وحاجته الوجودية إلى المعنى. وإلى جانب الرفاعي، يواصل عدد من المفكرين اشتغالهم على فلسفة الدين، والهرمنيوطيقا، ونقد الخطاب الديني، للكشف عن تعدد دلالات النصوص، وتاريخية المعرفة الدينية، وتجديد مناهج فهم الدين وآليات التفكير فيه.

غير أن تجديد الفكر الديني، على أهميته، مشروع شديد القابلية للتشويه والاستغلال؛ إذ غدا كل خروج عن المألوف في قراءة النصوص أو التراث يقدم، لدى بعض القراء والمهتمين، على أنه تجديد، حتى وإن لم يتجاوز إعادة إنتاج البنى الفكرية القديمة بصيغ ومصطلحات جديدة. من هنا تبرز ضرورة التمييز بين نمطين من التجديد: الأول مراجعة جذرية للتراث، ولبنية العقل الإسلامي، ولمناهج فهم النصوص وآليات إنتاج المعرفة الدينية، بما يفضي إلى إعادة بناء المفاهيم وتغيير طرائق التفكير، أما الثاني فلا يتجاوز الإحياء أو الإصلاح الجزئي، وقد يتخفى وراء شعارات التجديد، فيما ينتهي إلى ترميم المنظومة الموروثة وإعادة إنتاجها، أو تضخيم الخطابات الأيديولوجية المفتقرة إلى الحس النقدي والعمق الفلسفي. التجديد الحقيقي لا يقاس بحداثة المصطلحات وجرأة الشعارات، وإنما بقدرته على إحداث تحول عميق في بنية التفكير الديني، وتحرير العقل من أنماطه المغلقة، وفتح آفاق جديدة لفهم الدين ووظيفته في حياة الإنسان.

في ضوء هذا التمييز بين التجديد والإحياء والإصلاح، يمكن النظر في مشروعي حسن حنفي وعبد الجبار الرفاعي، للكشف عن اختلاف منطلقاتهما ومناهجهما وغاياتهما، وتحديد المسافة الفاصلة بين التجديد والإحياء والإصلاح. التجديد في الفكر الديني عملية معرفية خلاقة، تقوم على النقد والابتكار، وتستند إلى رؤية فلسفية عميقة. لا تكتفي بإعادة قراءة التراث أو تحديث لغته، وإنما تسائل المنظومة الدينية ومفاهيمها ومناهجها وآليات إنتاج المعرفة فيها. تبدأ بتحليل التراث وتفكيك بنيته والكشف عن سياقاته التاريخية، ثم تبتكر مناهج جديدة لقراءته، وصولًا إلى بناء فهم للدين يستجيب لهموم الإنسان المعاصر وأسئلته الوجودية والأخلاقية. التجديد الحقيقي لا يبدأ بالتراث لينتهي إليه، وإنما يتخذه نقطة انطلاق، ثم يغادر آفاقه المغلقة نحو فضاءات معرفية جديدة.

يعني التجديد إعادة النظر في المفاهيم الدينية والمناهج والموضوعات والبنى الفكرية والاجتماعية والثقافية، ومساءلة البداهات والمسلمات التي ترسخت عبر التاريخ واكتسبت سلطة تحول دون نقدها. لا يكتفي المجدد باستعادة الأفكار الموروثة أو إعادة صياغتها، وإنما يعيد بناءها ويبتكر طرائق جديدة لتوظيفها في أفق علمي وفلسفي مغاير. ينطلق التجديد من نقطة معرفية، لكنه لا يعود إليها، بل يتجاوزها إلى نتائج جديدة تولدها رؤية مختلفة ومناهج أكثر قدرة على استيعاب تحولات المعرفة وأسئلة الإنسان. ومن ثم فإن كل مشروع يبدأ بالتراث وينتهي إليه، من دون أن يتجاوزه إلى إعادة بناء المعرفة الدينية ومفاهيمها، يظل مشروع إحياء، مهما استعار من لغة التجديد ومصطلحاته.

أما الإحياء في الفكر الديني، فيقوم على استعادة القديم وإعادة إنتاجه؛ تراثًا وفكرًا ورؤية للعالم. لا ينطلق من نقد المنظومة الدينية وتحليل بنيتها وتفكيك آلياتها، ولا يثير الأسئلة القادرة على إحداث تحول عميق في الفكر الديني، وإنما يتلقى القوالب التراثية الجاهزة، بأفكارها ومفاهيمها وشعاراتها، ويعيد توظيفها في الواقع المعاصر حفاظًا على الفكر الديني الموروث واستمرارًا لفاعليته.

في ضوء هذا التمييز، يبدو مشروع حسن حنفي أقرب إلى الإحياء منه إلى التجديد؛ فهو يبدأ بالتراث ويظل مشدودًا إلى مرجعياته، ولا ينجز تحولًا معرفيًا يتجاوز بنيته العميقة. كما يستمد رؤيته من منبع أيديولوجي تعبوي، يجعل التراث مركزًا تدور حوله حركة الفكر، ويعيد بناء الحاضر بأدوات الماضي ومفاهيمه، حتى حين يعيد تأويلها بلغة ثورية معاصرة.

من أبرز الإشكالات التي وجدتها في كتابات حسن حنفي محاولته الجمع بين الأيديولوجيا والفلسفة، مع أن بنيتيهما ووظيفتيهما متغايرتان. يقول حنفي: “لقد أصبح الإسلام أيديولوجية شاملة تعطي تصورًا فلسفيًا للعالم”. غير أن الأيديولوجيا، في صورتها المغلقة، نظام لاحتكار المعنى؛ تقدم تصورات جاهزة وأجوبة نهائية، وتصوغ قوالب فكرية جامدة تنفر من السؤال المعرفي والتعددية الفكرية والدينية والاجتماعية. أما الفلسفة فتمنح الإنسان رؤية للعالم لا تستقر في يقين مغلق، وتفتح أمامه أفق السؤال والنقد والمراجعة المستمرة. الإنسان الذي يفكر فلسفيًا يسأل ويبتكر ويطور، ويمارس النقد المعرفي والفكري والثقافي والاجتماعي، فيما يظل الإنسان الأيديولوجي أسير رؤية دينية وسياسية وعقدية وفقهية مغلقة، تحول دون مراجعة المسلمات وطرح الأسئلة الكبرى المتصلة بالمفاهيم الدينية الأساسية، ولا تتيح له تنقيح أفكاره وإعادة بناء ذاته في أفق تساؤلي مفتوح. من هنا يصعب الجمع بين الأيديولوجيا والفلسفة؛ فالأولى تسعى إلى تثبيت اليقين وحشد الناس حوله، والثانية تخضعه للمساءلة والاختبار. تعمل الأيديولوجيا على حجب الرؤية الفلسفية عن الإنسان، وتمنحه أجوبة عاطفية جاهزة، وتبقيه داخل بنية مغلقة تقاوم النقد والتجديد.

نقد الفكر الديني أحد أبرز ثمار فلسفة الدين؛ ففلسفة الدين ليست منظومة من الأجوبة الجاهزة، وإنما أفق مفتوح للتساؤل لا يعرف الاكتمال. لا تغلق ملفًا من ملفات الفكر الديني، ولا تخضع للتبرير أو التوظيف الأيديولوجي، وتواصل مساءلة المفاهيم والتصورات والمعتقدات الدينية في ضوء العقل النقدي والخبرة الإنسانية، من دون أن تتعامل مع الفهم البشري للدين على أنه حقيقة نهائية أو دلالة جزمية مغلقة.

في هذا السياق، يمثل مشروع عبد الجبار الرفاعي مشروعًا شاملًا لتجديد الفكر الديني؛ فهو يبدأ بإعادة تعريف المفاهيم الدينية الكبرى، مثل: الإنسان، والدين، والوحي، والنبوة، والشريعة، والتكليف. يعتمد الرفاعي على الفلسفة الحديثة وعلوم الإنسان والمجتمع، ويستعين بمناهج بحث تتجاوز المناهج التقليدية، سعيًا إلى بناء أفق جديد للمعنى، يعيد اكتشاف الإنسان كائنًا أخلاقيًا وروحيًا وجماليًا، ويجعل كرامته محورًا لفهم الدين وتأويل نصوصه وتحديد وظيفته في الحياة.

وعلى الرغم من التشابه الظاهري بين المشروعين، لا سيما حين يقرآن قراءة سطحية عابرة، تكتفي بالمصطلحات والشعارات، إلا أن القراءة المتأنية تكشف عن تباين جوهري في منطلقاتهما ومناهجهما وغاياتهما. ينتمي مشروع عبد الجبار الرفاعي إلى التجديد بمعناه المعرفي والفلسفي؛ إذ يتجاوز استعادة التراث إلى إعادة بناء المعرفة الدينية وتعريف مفاهيمها الكبرى في ضوء الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع. أما مشروع حسن حنفي فيظل أقرب إلى الإحياء بصيغته الأيديولوجية، حيث يستعيد التراث ويعيد توظيفه في مشروع تعبوي جماهيري. ومن ثم فإن إدراج المشروعين تحت عنوان واحد هو “التجديد الديني” يحجب الفوارق المنهجية والمعرفية العميقة بينهما، ويساوي بين مشروع يغادر التراث إلى أفق جديد، ومشروع يعيد إنتاجه بلغة حديثة.

[1] طالب في المرحلة السادسة بكلية طب جامعة البصرة.

https://al-aalem.com/%D8%A5%D8%AD%D9%8A%D8%A7%D8%A1-%D8%AD%D8%B3%D9%86-%D8%AD%D9%86%D9%81%D9%8A-%D9%88%D8%AA%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7/

 

عبد الجبار الرفاعي ومحمود محمد طه: دراسة مقارنة للاختلافات الأساسية بين مشروعيهما

 عبد الحفيظ المدني[1]

تبدو المقارنة بين الفيلسوف العراقي عبد الجبار الرفاعي والمفكر السوداني محمود محمد طه (1909–1985) ممكنة للوهلة الأولى؛ فكلاهما اشتغل على تجديد الفكر الديني، ونقد الفهم الموروث للدين، والدفاع عن الحرية والكرامة والمساواة، ومواجهة توظيف الدين في الاستبداد والعنف. غير أن التشابه في هذه العناوين العامة قد يحجب اختلافًا عميقًا في طبيعة المشروعين ومرجعياتهما ومناهجهما وغاياتهما.

مشروع محمود محمد طه مشروع تأويلي تشريعي عرفاني، يسعى إلى استنباط شريعة جديدة من داخل القرآن، في حين أن مشروع عبد الجبار الرفاعي مشروع فلسفي كلامي إنساني، يعيد بناء المعرفة الدينية، ويحرر الدين من الأيديولوجيا، ويعيد تحديد وظيفة الدين في حياة الإنسان.

 

  1. نقطة الانطلاق

انطلق محمود محمد طه من سؤال تشريعي سياسي: كيف يمكن للإسلام أن يقدم نظامًا صالحًا للإنسان الحديث، يستوعب الديمقراطية والاشتراكية والمساواة والحرية الفردية؟ قادته الإجابة إلى التمييز بين مستويين للرسالة الإسلامية: “الرسالة الأولى” التي تجسدت في تشريعات القرآن المدني، و”الرسالة الثانية” التي تمثلها أصول القرآن المكي. رأى أن التشريع المدني كان ملائمًا لطاقة مجتمع القرن السابع، فيما تمثل الآيات المكية المستوى الأصيل والنهائي للإسلام، الذي صار الإنسان الحديث مؤهلًا لتلقيه.

أما عبد الجبار الرفاعي فانطلق من سؤال معرفي وجودي: لماذا عجز علم الكلام القديم عن فهم الإنسان وأسئلته، وكيف يمكن للدين أن يستعيد وظيفته الروحية والأخلاقية والجمالية؟ لم يبحث الرفاعي عن شريعة ثانية، ولم يقسم القرآن إلى رسالة أولى ورسالة ثانية، واتجه إلى نقد البنية المعرفية التي أنتجت الفهم الديني الموروث. يبدأ التجديد عنده بإعادة بناء علم الكلام، فهو يمثل نظرية المعرفة الدينية والأساس الذي تتوالد منه علوم الدين.

يتجه طه من النص إلى التشريع والمجتمع والدولة، في حين يتجه الرفاعي من الإنسان وحاجته الوجودية إلى الدين، ثم يعيد في ضوء ذلك النظر في علم الكلام وفهم النص ووظيفة الدين.

  1. طبيعة المشروع

مشروع محمود محمد طه ذو بنية رسالية دعوية واضحة. لم يقدم نفسه مؤرخًا للأفكار أو باحثًا أكاديميًا في تجديد التشريع، وإنما صاحب دعوة دينية مجتمعية، يعتقد أن البشرية دخلت طورًا جديدًا يؤهلها للانتقال من شريعة الرسالة الأولى إلى شريعة الرسالة الثانية. اقترن فكره بحركة منظمة هي “الإخوان الجمهوريون”، وتحول المشروع إلى جماعة ذات تربية روحية وممارسة اجتماعية وموقف سياسي.

مشروع الرفاعي فلسفي معرفي، لا يؤسس دعوة دينية، ولا يبني جماعة أو طريقة أو حركة سياسية. يتحقق مشروعه في الكتابة والتعليم وإنتاج المفاهيم وتأسيس فضاء فكري للحوار، خاصة عبر مؤلفاته ومجلة “قضايا إسلامية معاصرة”. الرفاعي ليس داعية، لذلك لا يدعو إلى الانتساب إليه أو التتلمذ الروحي عليه، ولا يقدم مشروعه باعتباره الصيغة النهائية للدين. إنه يدعو إلى التفكير النقدي، وتعدد القراءات، والانفتاح على الفلسفة الحديثة وعلوم الإنسان والمجتمع.

طه صاحب رسالة إصلاحية ذات أفق جماعي، والرفاعي مجدد صاحب فلسفة في الدين والمعنى والإنسان.

  1. المرجعية المعرفية

تتشكل مرجعية محمود محمد طه من القرآن، والسنة، والتصوف، وتجربته الروحية الخاصة. يحتل القرآن مركز مشروعه كله، فيما يستمد منه رؤيته للحرية والاشتراكية والديمقراطية وتطور التشريع. يتعامل مع التاريخ الإنساني من خلال تصور ارتقائي يرى أن البشرية تنتقل من طور الوصاية إلى طور الحرية والمسؤولية الفردية.

تتعدد مرجعيات الرفاعي وتتنوع، فتضم علم الكلام والفلسفة الإسلامية والعرفان، إلى جانب الفلسفة الحديثة، وفلسفة الدين، والهرمنيوطيقا، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، والأنثروبولوجيا، والألسنيات وعلوم اللغة. لا يستخرج الرفاعي مفاهيم الدولة والمواطنة وحقوق الإنسان من النصوص الدينية، وإنما يرى أنها منجزات تراكمت في التجربة التاريخية للعقل البشري.

يميل طه إلى رد القيم الحديثة إلى المستوى الأصيل للقرآن، في حين يعترف الرفاعي بالاستقلال الكامل للعقل والخبرة الإنسانية في إنتاج الدولة والنظم السياسية والإدارية والاقتصادية والحقوقية والقانونية.

  1. فهم الوحي والقرآن

يقيم طه تمييزًا حاسمًا بين القرآن المكي والقرآن المدني. الآيات المكية عنده آيات أصول، تقوم على الحرية والمساواة والمسؤولية الفردية، أما آيات المدينة فهي آيات فروع، تنزلت إلى مستوى المجتمع التاريخي الذي لم يكن مؤهلًا لتطبيق الأصول. التجديد يعني الانتقال من فروع القرآن المدني إلى أصول القرآن المكي، وتطوير التشريع على هذا الأساس. وقد صرح بأن النبي شرح الرسالة الأولى تفصيلًا، ووضع الخطوط العامة للرسالة الثانية، وأن شرحها في العصر الحديث يتطلب فهمًا جديدًا للقرآن.

لا يتبنى الرفاعي هذه الثنائية، ولا يقبل تفسير محمود طه للوحي، ولا يمنح ترتيب النزول سلطة تحديد ما هو نهائي وما هو مرحلي. الوحي في فهم الرفاعي كما يقول: “فهمي للوحي يتلخص في أنه حالة وجودية، إلهية بشرية/ بشرية إلهية؛ حالة ينكشف فيها الإلهي للبشري عندما يتجلى فيه، ولا تتحقق فيها هذه الدرجة من الانكشاف لغير النبي. حالة يصير فيها البشري مرآة يتجلى فيها الإلهي بأجلى وأجمل ما يتجلى في الوجود. حالة تمثل طورًا وجوديًا يختص به النبي، وتحظى فيها روحه بمنزلة وجودية لا تدركها غيرها؛ إذ تسمو الروح في هذه المنزلة لتصير نورًا لا يشوبه ظلام”. في ضوء تفسيره الوجودي يرى الرفاعي: “الوحي حالةً أنطولوجية، وليس مشاعر نفسية، الوحي طور وجودي يتسع فيه وجود النبي ويتسامى ويتكامل. ليس الوحي استنارة ذاتية لا صلة لها بالغيب، أو صورًا ذهنية، أو نشاطًا للمخيلة، أو ظاهرة بيولوجية تنشأ عن اضطرابات هرمونية … في ضوء هذا الفهم يكون للقرآن الكريم وجه إلهي ووجه بشري؛ فهو من حيث اتصاله بالغيب إلهي، ومن حيث تلقي النبي له وتعبيره عنه بلغته وثقافته والواقع الذي كان يعيش فيه بشري، أي تظهر فيه حدود لغة النبي وقيودها ومدياتها، وطبيعة حياته الشخصية، وملامح عصره ومجتمعه وثقافته”. راجع: عبد الجبار الرفاعي، مقدمة في علم الكلام الجديد، الفصل الثالث: “علم الكلام الجديد هو الفهم الجديد للوحي”، مؤسسة هنداوي، القاهرة، 2024.

لا يتطلب التجديد عند الرفاعي إعلان نسخ تشريعي جديد داخل القرآن، وإنما يبدأ بتحديد وظيفة الدين، وتجديد أدوات قراءة النصوص الدينية، وقراءة النص في أفق الكرامة والحرية والقيم الأخلاقية.

طه يطور التشريع عبر إعادة ترتيب السلطة داخل النص، والرفاعي يجدد فهم النص عبر إعادة بناء نظرية المعرفة الدينية في ضوء الفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة.

  1. مفهوم الدين ووظيفته

يرى طه الإسلام منهاجًا شاملًا لتحرير الإنسان، يبدأ من العبادة وتهذيب النفس، ويمتد إلى الإقتصاد والاجتماع والسياسة والتشريع. الدين لديه طريق فردي وجماعي يقود إلى تحقيق الحرية الفردية المطلقة والعدالة الاجتماعية الشاملة. لهذا ظل مشروعه مشغولًا بتقديم نظام إسلامي حديث للحياة العامة.

يعرّف الرفاعي الدين بأنه: “حياة في أفق المعنى، تفرضها حاجة وجودية لإنتاج معنى روحي وأخلاقي وجمالي لحياة الإنسان الفردية والاجتماعية”. لا يعني الرفاعي بالوظيفة الاجتماعية للدين في تعريفه أن الدين يدير الحياة الاجتماعية ومجالاتها السياسية والإدارية والاقتصادية وغيرها؛ مقصوده أن الإنسان، حين تمتلئ حياته بالمعنى الروحي والأخلاقي والجمالي، يغدو حضوره الإنساني مؤثرا في ترسيخ بنية القيم في المجتمع.

من هنا تتمثل الوظيفة الأصلية للدين لديه في إرواء الظمأ الأنطولوجي، ومعالجة الاغتراب الميتافيزيقي، وإيقاظ الضمير الأخلاقي، وإغناء الحياة بالمعنى. يفقر الدين الحياة ويفسد الأخلاق حين يتحول إلى أيديولوجيا سياسية أو نظام شامل لإدارة الدولة والمجتمع. يتسع الدين عند طه ليشمل بناء النظام السياسي والاقتصادي، بينما يحرص الرفاعي على حماية المجال الديني من التمدد الذي يحوله إلى أيديولوجيا تستولي على الدولة.

  1. الإنسان والحرية

يمثل الإنسان محورًا مشتركًا بين المشروعين، غير أن كل مشروع يبني مركزيته بطريقة مختلفة. يعتقد طه أن الغاية النهائية للإسلام هي الحرية. الإنسان ينتقل بالتربية والعبادة وتحمل المسؤولية من الخضوع للقانون الخارجي إلى الانضباط الداخلي. الحرية عنده حق يقابله واجب حسن التصرف فيها، وتتسع كلما ارتقى الفرد أخلاقيًا وروحيًا. وقد قرأ قوله تعالى: “فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر” بوصفه أصلًا للديمقراطية، ونفي الوصاية على حرية الإنسان.

يضع الرفاعي الكرامة الإنسانية في مركز فلسفته الإنسانية. الكرامة قيمة أصيلة سابقة على الدين والمعتقد والجنس والعرق والهوية، الكرامة تولد مع الإنسان. يستحقها الإنسان لكونه إنسانًا، ولا تتوقف على إيمانه أو سلوكه أو درجة نضجه الروحي. الحرية شرط لتحقق الكرامة، والتدين الأخلاقي يحمي الكرامة. الإيمان بالإكراه لا يصنع إنسانًا مؤمنًا، والدين الذي يهدر الحرية يهدر المعنى الأخلاقي للإيمان.

الحرية عند طه غاية في مسار ارتقاء روحي وتشريعي، أما الكرامة والحرية عند الرفاعي فهما حقان غير مشروطين ببلوغ الإنسان مرتبة روحية أو أخلاقية خاصة.

  1. مفهوم الكمال الإنساني

يستلهم طه بوضوح التصوف بلا رؤية نقدية، خاصة فكرة الإنسان الكامل. الإنسان في تصوره مشروع تطور لا ينتهي، وتتيح له العبادة وتقليد النبي والرياضة الروحية أن يرتقي من الانقسام الداخلي إلى الوحدة، ومن الجهل إلى المعرفة، ومن الإرادة المحدودة إلى التوافق مع الإرادة الإلهية. تتداخل في لغته مفاهيم الشريعة والطريقة والحقيقة، ويكتسب السلوك الفردي منزلة مركزية في المعرفة.

يعترف الرفاعي بالحاجة إلى الحياة الروحية، ويمنح التصوف المعرفي مكانة في اكتشاف الأبعاد العميقة للدين، بالرغم من أن الرفاعي ناقد شديد للتصوف، فهو لا يتبنى نظرية الإنسان الكامل، ولا يجعل الرياضة الروحية مصدرًا للمعرفة العامة. يميز الرفاعي بين التجربة الدينية الشخصية، والمعرفة التي يمكن مناقشتها واختبارها في المجال العام. التجربة الروحية تمنح صاحبها معنى، لكنها لا تمنحه سلطة على الآخرين.

النزعة الروحية عند طه طريق إلى كمال الإنسان وتطوير التشريع، وعند الرفاعي استجابة للظمأ الأنطولوجي وحماية للإنسان من القلق الوجودي والاغتراب.

  1. الشريعة والتشريع

يحتل التشريع قلب مشروع طه. يرى أن أحكامًا مثل الرق، والجهاد القتالي، وعدم المساواة بين الرجل والمرأة، وتعدد الزوجات، والطلاق بصورته الموروثة، والحجاب والفصل بين الجنسين، ليست أصولًا نهائية في الإسلام. كانت حلولًا انتقالية فرضتها ظروف المجتمع القديم. حين تطورت البشرية صار من الضروري الانتقال إلى آيات الأصول المؤسسة للحرية والمساواة.

لا يقترح الرفاعي نظرية متكاملة لتطوير الشريعة على غرار طه. ينصب اهتمامه على الأسس الكلامية والأنثروبولوجية والأخلاقية التي ينبغي أن توجه فهم الأحكام. يقرر أن كل تفسير يهدر كرامة الإنسان يحتاج إلى مراجعة، وأن القيم الأخلاقية الكونية يحكم بها العقل العملي وليس النصوص الدينية، لذلك لا تخضع هذه القيم لإرادة الفقيه أو المتكلم. ويميز الرفاعي بين ما هو ديني وما هو دنيوي، ولا يطالب باشتقاق القوانين الحديثة من القرآن.

طه يريد الانتقال من شريعة تاريخية إلى شريعة إسلامية أرفع، أما الرفاعي فيعيد تحديد مجال الدين، ويفتح المجال أمام العقل البشري لإنتاج الدولة ونظمها القوانين والمؤسسات المناسبة للعصر.

  1. الدولة والسياسة

كان طه فاعلًا سياسيًا منذ تأسيس الحزب الجمهوري سنة 1945، ودعا إلى جمهورية ديمقراطية اشتراكية فيدرالية. لم يفصل مشروعه الديني عن تصوره للنظام السياسي والاقتصادي، وعمل على اشتقاقهما من “الرسالة الثانية”. هاجم قوانين سبتمبر 1983 التي فرضها نظام جعفر النميري باسم الشريعة، ودفع حياته ثمنًا لموقفه، إذ أعدم في 18 يناير 1985.

مر الرفاعي بتجربة العمل الحزبي الديني، ثم غادرها نهائيًا سنة 1984، بعد أن اكتشف أن الأيديولوجيا تستلب الفرد وتحول الدين إلى أداة للصراع على السلطة والثروة. الرفاعي فيلسوف دين يعترف بالاستقلال الكامل للعقل والخبرة الإنسانية في إنتاج النظم السياسية والإدارية والاقتصادية والقانونية. ويرى أن الإنسان هو من يضع هذه النظم بعقله، وفي ضوء تراكم تجاربه وخبراته ومعارفه. فإذا دخل الدين في بناء الدولة أفسدها، وإذا تدخلت الدولة في الدين أفسدت وظيفته الروحية والأخلاقية والجمالية. يدافع الرفاعي عن الدولة الحديثة والمواطنة المتساوية وأولوية الهوية الوطنية، ويرفض الدولة الدينية التي تحتكر تفسير المقدس، ولا يرى القرآن كتاب دولة، ولا يبحث في النص الديني عن نموذج جاهز للحكم.

يعمل طه على تأسيس نظام ديمقراطي اشتراكي مستمد من “الرسالة الثانية”، في حين يفصل الرفاعي بين الدين والدولة، من دون أن يفصل الدين عن حياة الإنسان وقيم المجتمع. طه يؤصل نظام الدولة في فهمه الخاص للدين.

أما الرفاعي فيرد بناء الدولة ونظمها إلى العقل والخبرة الإنسانية، ويحصر وظيفة الدين في إرواء الظمأ الأنطولوجي، وبناء الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية للإنسان. يرى الرفاعي أن اشتقاق حقوق الإنسان وحرياته والقوانين الحديثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ومن تطور المنظومات الحقوقية والقانونية وتراكم الخبرة الإنسانية، لا من القرآن والنصوص الدينية.

  1. الديمقراطية والاشتراكية

يعد طه الديمقراطية والاشتراكية مكونين أصيلين في الرسالة الثانية. الديمقراطية عنده ليست الشورى؛ الشورى مرحلة وصاية يقود فيها الفرد الرشيد في الجماعة، أما الديمقراطية فتقوم على الحرية الفردية والمسؤولية. والاشتراكية تعبير عن العدالة الاجتماعية والمشاركة في الثروة. جمع طه بين الحرية الفردية المطلقة والمساواة الاقتصادية، وعد هذا الجمع الغاية السياسية للإسلام في مرحلته المقبلة.

يتعامل الرفاعي مع الديمقراطية والدولة الدستورية وحقوق الإنسان باعتبارها مكاسب أنتجها العقل البشري، وراكمتها تجارب المجتمعات وخبراتها التاريخية، ولا يرى حاجة إلى إثبات أن القرآن سبق إلى صياغتها. ويؤكد أن بناء الدولة ومؤسساتها، ووضع نظمها السياسية والإدارية والاقتصادية والقانونية، مهمة بشرية ينهض بها العقل في ضوء تطور المعرفة وتراكم التجارب، وتظل هذه النظم خاضعة للنقد والمراجعة والتعديل. ويطالب الرفاعي باشتقاق حقوق الإنسان وحرياته والقوانين الحديثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ومن تطور المنظومات الحقوقية والقانونية، لا من القرآن. الدين برأي الرفاعي لا يقدم نظامًا للدولة، ولا برنامجًا لإدارة السلطة والاقتصاد والقانون، وتتمثل مهمته في إرواء الظمأ الأنطولوجي، وحماية الكرامة الإنسانية، وإيقاظ الضمير الأخلاقي، وإغناء حياة الإنسان بالمعاني الروحية والأخلاقية والجمالية. تستطيع القيم الدينية أن تغذي الضمير الأخلاقي للإنسان في النظام الديمقراطي، من دون أن تتحول إلى تشريعات تفرضها الدولة أو إلى أيديولوجيا تستولي على مؤسساتها. إذا دخل الدين في بناء الدولة أفسدها، وإذا تدخلت الدولة في الدين أفسدت وظيفته الروحية والأخلاقية والجمالية.

يؤصل محمود محمد طه الحداثة السياسية دينيًا، ويشتق الديمقراطية والاشتراكية والمساواة من “الرسالة الثانية”، في حين يعترف الرفاعي بالمصدر الإنساني للدولة الحديثة ونظمها، ويحدد صلة الدين بها في إلهام الضمير بالأخلاق، لا في إنتاج مؤسساتها وقوانينها وإدارة سلطاتها.

  1. المرأة والمساواة

دافع محمود محمد طه عن مساواة الرجال والنساء، ورأى أن التفاوت بينهما في بعض أحكام الميراث والشهادة والزواج والطلاق والحجاب ينتمي إلى شريعة مرحلية، استجابت لأوضاع المجتمع في عصر الرسالة، ولم تمثل المستوى النهائي للإسلام. ودعا إلى الانتقال من آيات الفروع المدنية إلى آيات الأصول المكية، التي رأى أنها تؤسس للمساواة الكاملة. شاركت “الأخوات الجمهوريات” بفاعلية في حركته، وكان حضور المرأة في مشروعه متقدمًا قياسًا إلى البيئة السودانية المحافظة آنذاك.

ينطلق الرفاعي من أصالة الكرامة الإنسانية وشمولها، فالمرأة والرجل متساويان في الإنسانية والكرامة والحقوق والحريات، ولا يجوز تحويل الاختلاف البيولوجي بينهما إلى تراتبية وجودية أو أخلاقية أو حقوقية. ويرفض كل تفسير ديني ينتقص من إنسانية المرأة، أو يكرس تبعيتها، أو يسلبها حقها في تقرير مصيرها. لا يبني الرفاعي المساواة على الانتقال من آيات الفروع إلى آيات الأصول، ولا يستخرجها من إعادة ترتيب مراتب الآيات، وإنما يؤسسها على مركزية الإنسان، وتاريخية المعرفة الدينية، واستقلال القيم الأخلاقية الكونية التي يحكم فيها العقل العملي، بالكرامة الإنسانية والحرية والمساواة والعدل، وما انتهت إليه الخبرة الإنسانية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمنظومات الحقوقية والقانونية الحديثة.

ينتهي المشروعان إلى الدفاع عن مساواة المرأة بالرجل، غير أن الطريق إلى هذه المساواة يختلف بينهما؛ إذ يسلك طه طريق تطوير التشريع من داخل القرآن، فيما يسلك الرفاعي طريق الكرامة الإنسانية والحرية والمساواة ونقد المعرفة الدينية، ويستند إلى تطور الوعي الأخلاقي والحقوقي للبشرية. طه يبحث عن الأصل القرآني الذي يشرعن المساواة، أما الرفاعي فيرى المساواة حقًا إنسانيًا أصيلًا، يحكم به العقل العملي، ولا تتوقف مشروعيته على العثور على سند له في النص الديني.

  1. الموقف من التصوف

التصوف مكون تأسيسي في مشروع محمود محمد طه؛ فخلوته وتجربته التعبدية وتفسيره الباطني للقرآن ليست عناصر هامشية في فكره، والمعرفة الدينية لديه ثمرة مجاهدة وروحية، لا تنفصل فيها النظرية عن السلوك. لهذا اكتسبت شخصيته منزلة روحية خاصة لدى تلامذته، وغدا المعلم الروحي محورًا في تلقي مشروعه وفهم رسالته.

أما الرفاعي فيتعامل مع التصوف والعرفان برؤية نقدية، ويميز بين “تصوف الحرية” و”تصوف الاستعباد”. تصوف الحرية يحرر الإنسان من عبودية الأهواء والأشياء والأشخاص، ويوقظ روحه، ويثري حياته بالحب والرحمة والجمال، ويحمي فرديته وكرامته واستقلاله. أما تصوف الاستعباد فيسلب المريد إرادته، ويذيب شخصيته في شخصية الشيخ، ويمنح الشيخ وصاية مطلقة على عقله وضميره وحياته، ويحول التربية الروحية إلى طاعة عمياء، والطريقة إلى جماعة مغلقة تحتكر الحقيقة والنجاة. ينتقد الرفاعي كل تصوف يعطل العقل، ويمحو الذات، ويكرس الخضوع، ويستبدل عبادة الله بالعبودية للشيخ، مثلما ينتقد الشطح حين يتحول إلى معرفة ملزمة للآخرين، والكشف حين يقدم نفسه مصدرًا للحقيقة لا يقبل النقاش والمراجعة. ويفرق الرفاعي بين التجربة الروحية الشخصية والحجة المعرفية المشتركة؛ فالإلهام والكشف يمنحان صاحبهما يقينًا ذاتيًا ومعنى روحيًا، لكنهما لا ينتجان برهانًا ملزمًا لغيره، ولا يمنحان صاحبهما سلطة دينية أو أخلاقية على الناس.

يستفيد الرفاعي من التصوف المعرفي في بناء رؤيته للحب والرحمة والحضور الإلهي، وفي تأكيد تعدد الطرق إلى الله، وتنوع سبل النجاة والخلاص، ورفض احتكار الحقيقة الدينية والرحمة الإلهية في دين أو مذهب أو فرقة. يرى الرفاعي أن طرق الوصول إلى الله تتعدد بتعدد تجارب البشر الروحية واستعداداتهم وصورهم عن الله، وأن رحمة الله أوسع من الحدود التي ترسمها العقائد المغلقة. غير أن هذه الاستفادة لا تعني تبني المنظومة الصوفية، إذ يعيد الرفاعي قراءة ميراثها في ضوء العقل النقدي والكرامة الإنسانية وحرية الضمير والمساواة.

روحانية طه طريق للمعرفة والتشريع والارتقاء نحو الحرية الفردية، في حين تمثل الروحانية عند الرفاعي أفقًا للمعنى، ومصدرًا للحب والرحمة وتعدد طرق النجاة، من دون أن تستغني عن العقل أو تهدر فردية الإنسان وحريته وكرامته.

  1. الموقف من الحداثة

يحاول محمود محمد طه إثبات أن أسمى قيم الحداثة كامنة في أصل الإسلام، وأن الحرية والمساواة والديمقراطية والاشتراكية تمثل المضامين المؤجلة للرسالة الثانية. ويعتمد تصورًا تطوريًا للتاريخ، يرى أن ما تعذر تطبيقه في القرن السابع، بسبب محدودية طاقة المجتمع آنذاك، أصبح ممكنًا بعد تطور وعي الإنسان الحديث واستعداده لتحمل مسؤولية الحرية. هكذا يستوعب طه الحداثة داخل تأويله للقرآن، ويمنح قيمها مشروعية دينية من خلال الانتقال من آيات الفروع المدنية إلى آيات الأصول المكية.

أما الرفاعي فلا يرد الحداثة إلى أصل ديني سابق، ولا يبحث في القرآن والنصوص الدينية عن الديمقراطية والدولة الدستورية وحقوق الإنسان ومناهج العلم الحديث، ولا يرى حاجة إلى أسلمة المكاسب التي أنتجها العقل البشري. يعترف الرفاعي باستقلال الحداثة ومصدرها الإنساني، ويتعامل معها بوصفها مسارًا تاريخيًا متنوعًا وغير مكتمل، لا كتلة مغلقة تقبل كلها أو ترفض كلها. يتعلم الرفاعي من الفلسفة الحديثة وعلوم الإنسان ومناهج التأويل والنقد، ويستثمر مكاسب الحداثة في مراجعة علم الكلام ونقد المعرفة الدينية والكشف عن تاريخيتها وحدودها. في الوقت نفسه ينقد النزعات المادية والعدمية في الحداثة، وما تفضي إليه من اختزال الإنسان في حاجاته المادية، وافقار حياته الروحية، وتعميق اغترابه الميتافيزيقي. يقيم الرفاعي حوارًا نقديًا متبادلًا بين الدين والحداثة؛ يستعين بمكاسب الحداثة لتحرير فهم الدين من الوثوقيات والوصايات، ويستدعي المعاني الروحية والأخلاقية والجمالية للدين لمعالجة فقر المعنى والقلق الوجودي في العالم الحديث.

يدمج طه الحداثة في تأويله للقرآن ويشتق مشروعيتها من الرسالة الثانية، في حين يعترف الرفاعي باستقلال منجزها الإنساني، ويتفاعل معها نقديًا، فيتعلم من مكاسبها من دون أن يغفل تناقضاتها وحدودها.

  1. منهج إنتاج المعرفة

يعتمد محمود محمد طه التأويل الإشاري، والتمييز بين الظاهر والباطن، والأصل والفرع، والشريعة والحقيقة، ومستويات الخطاب تبعًا لتطور المتلقي واستعداده الروحي. ويتعامل مع القرآن باعتباره نصًا متعدد الطبقات، تتكشف معانيه العليا كلما ارتقى الإنسان في المعرفة والسلوك، ويجعل التجربة الروحية والمجاهدة مدخلًا إلى اكتشاف هذه المعاني. تتسم منظومته بقدر كبير من الاتساق الداخلي، غير أنها تقوم على مقدمات عرفانية وتأويلية تستمد مشروعيتها من تجربته الروحية وقراءته الخاصة للقرآن، ويصعب إخضاعها للبرهنة العقلية المشتركة خارج تجربته ومدرسته.

أما الرفاعي فيعتمد فلسفة الدين، والهرمنيوطيقا، وتحليل المفاهيم، والنقد التاريخي، ويستفيد من معطيات علم الاجتماع والأنثروبولوجيا وعلم النفس والألسنيات وعلوم اللغة الحديثة في دراسة الدين وتفسير أنماط حضوره في حياة الإنسان. المعرفة الدينية بشرية، ينتجها الإنسان في أفق لغته وثقافته وذاكرته وأسئلته ومصالحه وأحكامه المسبقة. لهذا لا يطابق الرفاعي بين الوحي وفهم الإنسان للوحي، ولا يمنح أي تفسير حصانة من النقد والمراجعة. لا يدعي الوصول إلى تفسير أخير للنص، ويرى أن فهم الدين يتجدد بتجدد الإنسان ومعارفه وأسئلته وتحول نمط معيشته وعلومه ومعارفه وثقافته. يحافظ الرفاعي على التمييز بين الإيمان والمعرفة؛ فالإيمان تجربة وجودية وروحية تمنح حياة المؤمن معنى، أما المعرفة الدينية فهي فهم بشري قابل للفحص والنقد والتصويب.

يقوم منهج طه على اكتشاف المستوى الأعلى الكامن في النص من خلال الارتقاء الروحي والانتقال من الفروع إلى الأصول، فيما يقوم منهج الرفاعي على كشف تاريخية الفهم، وحدود القارئ، وأثر قبلياته في إنتاج المعنى، وتعدد آفاق القراءة. يبحث طه عن المعنى النهائي الذي تنطوي عليه “الرسالة الثانية”، بينما يفتح الرفاعي النص على تعدد الفهوم، ويرفض احتكار تفسيره أو تحويل قراءة بشرية إلى حقيقة مقدسة ملزمة لكل إنسان.

  1. اللغة وبناء المفاهيم

لغة محمود محمد طه قرآنية صوفية، تستمد مفرداتها وصورها وبنيتها الحجاجية من القرآن وميراث التصوف، وتتحرك داخل نسق من الثنائيات: الأصول والفروع، الرسالة الأولى والرسالة الثانية، الإسلام والإيمان، الشريعة والحقيقة، الظاهر والباطن، الحرية المقيدة والحرية الفردية المطلقة. تمنح هذه الثنائيات مشروعه تماسكًا داخليًا، وتتيح له بناء رؤية كلية تنتظم فيها العبادة والأخلاق والتشريع والسياسة والاقتصاد ضمن مسار واحد لارتقاء الفرد والمجتمع. تخاطب لغته القارئ بلهجة المعلم الروحي وصاحب الدعوة الواثق من اكتشافه، وتميل إلى الحسم والتقرير، ولا تترك مسافة واضحة بين تجربته الروحية الخاصة والحقيقة التي يقدمها إلى أتباعه.

أما لغة الرفاعي ففلسفية تأويلية إنسانية، تنفتح على لغة فلسفة الدين والهرمنيوطيقا وعلوم الإنسان، وتعيد بناء مفرداتها في ضوء أسئلة الإنسان المعاصر. لا تكتفي لغته بشرح المفاهيم الموروثة، وإنما تنتج مفاهيمها الخاصة، مثل: “الظمأ الأنطولوجي”، و”الاغتراب الميتافيزيقي”، و”النزعة الإنسانية في الدين”، و”التدين الرحماني”، و”التدين الشعبي”، و”التدين الشعبوي”، وغيرها. تنبع هذه المفاهيم من تجربته المعرفية والروحية والأخلاقية وسيرته الذاتية، غير أنها لا تقدم التجربة الشخصية مصدرًا لحقيقة ملزمة للآخرين، وتخضع نفسها للمراجعة والنقد وإعادة النظر. لغة الرفاعي لا تنغلق على لغة الوعظ أو الدفاع العقائدي، وتستفيد من الفلسفة الحديثة وعلوم الإنسان، من دون أن تذوب في لغتها أو تستنسخ مقولاتها. لا تعلن امتلاك تفسير أخير للدين، ولا تقدم مشروعها باعتباره منظومة، وإنما تسعى إلى إيقاظ الأسئلة وفتح آفاق جديدة لفهم الدين والإنسان.

يبني طه بلغة تقريرية منظومة مترابطة ومكتملة نسبيًا، بينما يكتب الرفاعي بلغة تساؤلية مفتوحة، ترى التفكير مسارًا لا يتوقف، وتدرك أن كل فهم بشري يظل محدودًا وقابلًا للمراجعة والتجاوز.

  1. موقع المؤلف في مشروعه

يحتل محمود محمد طه موقع المعلم الروحي وصاحب “الرسالة الثانية”، وقد ارتبطت مشروعية المشروع لدى أتباعه بمكانته الروحية وتجربته التعبدية وقراءته الخاصة للقرآن. لم يكن في نظر تلامذته مفكرًا يقدم اجتهادًا قابلًا للأخذ والرد فقط، بل كان معلمًا يكشف مستوى جديدًا من الرسالة الإسلامية، ويقود أتباعه في طريق التربية والتحقق الروحي. أنتج هذا الموقع طاقة أخلاقية كبيرة، ومنح طه شجاعة استثنائية في مقاومة الاستبداد والدفاع عن الحرية، وجعله نموذجًا حيًا لوحدة الفكر والموقف والسلوك، لكنه ربط المشروع بشخص المؤسس، وجعل كثيرًا من مقدماته الروحية والتأويلية تستمد قوتها من الثقة بمقامه أكثر مما تستمدها من برهنة عقلية مشتركة.

أما الرفاعي فلا يمنح نفسه سلطة دينية أو مقامًا روحيًا، ولا يقدم مشروعه في صورة رسالة جديدة، ولا يؤسس جماعة أو طريقة أو تنظيمًا يطالب أتباعه بالطاعة والامتثال. تحضر ذاته في كتاباته من خلال السيرة الفكرية والاعتراف والتحولات والمراجعات ونقد تجاربه السابقة. يتحدث الرفاعي عن ذاته باعتبارها ذاتًا مفكرة، تكشف مسار تعلمها وأخطاءها وتحولاتها ومراجعاتها، لا ذاتًا تؤسس للطاعة أو تحتكر الحقيقة. يكتب الرفاعي من داخل تجربة إيمانية وفكرية شخصية، لكنه لا يحول تجربته إلى معيار ملزم للآخرين، ولا يجعل منزلته أو سيرته مصدرًا لمشروعية أفكاره. تستمد الفكرة قيمتها لديه من قدرتها على التفسير والحوار والإقناع، وما تفتحه من أفق للفهم، وما توقظه من أسئلة، وتظل خاضعة للنقد والمراجعة بصرف النظر عن مكانة قائلها.

يتمحور مشروع طه حول شخصية المعلم الذي يكشف الرسالة الثانية ويجسدها في حياته، فيما يتمحور مشروع الرفاعي حول الإنسان المفكر الحر، الذي لا يحتاج إلى شيخ أو وصي كي يفهم ذاته ويتلقى ايمانه ويصوغ معنى حياته. ولهذا ظل مشروع طه وثيق الصلة بمؤسسه وجماعته، في حين يسعى مشروع الرفاعي إلى إنتاج فضاء فكري مفتوح، لا يتطلب الانتماء إلى جماعة، ولا يقوم على التلقي والطاعة، ويترك للقارئ حرية الحوار معه والاختلاف عنه وتجاوز أفكاره.

  1. أعمق نقطة افتراق

محمود محمد طه مصلح ديني وصاحب دعوة، أما عبد الجبار الرفاعي فهو فيلسوف دين ومتكلم جديد. ويتجلى أعمق اختلاف بين المشروعين في السؤال الآتي: هل يتطلب التجديد اكتشاف المستوى الأعلى من الشريعة الكامن في القرآن، أم يتطلب إعادة النظر في طبيعة الدين ووظيفته وحدود المعرفة الدينية؟

يجيب طه بأن الإسلام ينطوي على مستوى نهائي لم تطبقه المجتمعات الإسلامية تاريخيًا، وأن البشرية بلغت من التطور ما يؤهلها لبعثه في صورة “الرسالة الثانية”. يقوم التجديد لديه على الانتقال من آيات الفروع المدنية، التي استجابت لطاقة مجتمع القرن الأول الهجري، إلى آيات الأصول المكية المؤسسة للحرية والمساواة.

أما الرفاعي فيرى أن الدين ليس برنامجًا شاملًا للدولة والتشريع والاقتصاد والإدارة، ولا يستبطن نظمًا سياسية وحقوقية وقانونية جاهزة تنتظر من يستنبطها من النص. تتمثل مهمة الدين لديه في إرواء الظمأ الأنطولوجي، وتحرير الإنسان من اغترابه الميتافيزيقي، وحماية كرامته، وإيقاظ ضميره الأخلاقي، وإغناء حياته بالمعاني الروحية والأخلاقية والجمالية. أما بناء الدولة ووضع نظمها السياسية والإدارية والاقتصادية والحقوقية والقانونية، فهي مهمة ينهض بها الإنسان بعقله، وفي ضوء تراكم تجاربه وخبراته وتطور وعيه الحقوقي.

يجدد طه الإسلام من داخل بنية الشريعة، ويبحث في القرآن عن شريعة المستقبل، في حين يجدد الرفاعي التفكير الديني عبر نقد الأسس الكلامية والمعرفية التي حولت الدين إلى شريعة شاملة وأيديولوجيا سياسية. يريد طه توسيع الإسلام ليقدم نظامًا حديثًا للحياة والدولة، أما الرفاعي فيعيد تحديد مجال الدين لحماية وظيفته الوجودية، ويحرر الدولة من سلطة المقدس، ويحرر الدين من استحواذ الدولة والجماعات السياسية.

خاتمة

يشترك عبد الجبار الرفاعي ومحمود محمد طه في الانحياز إلى الإنسان، والدفاع عن الحرية والمساواة، ونقد التدين القسري، ومقاومة توظيف الشريعة في الاستبداد وإهدار الكرامة. يرى كلاهما أن الفهم الديني الموروث لا يستجيب لتحولات عالم الإنسان الحديث، وأن الدين يفقد رسالته حين يتحول إلى خوف وعنف ووصاية. غير أن هذا الاشتراك في الغايات الإنسانية لا يعني وحدة المنطلقات والمناهج والنتائج، فلا يمثل مشروع الرفاعي امتدادًا لمشروع طه، ولا يمكن إدراجهما في اتجاه فكري واحد. محمود محمد طه مصلح ديني متصوف، وصاحب دعوة ونظرية في تطوير التشريع، أراد تأسيس مجتمع ديمقراطي اشتراكي عادل يستمد نظامه السياسي والاقتصادي والقانوني من “الرسالة الثانية في الإسلام”.

أما عبد الجبار الرفاعي فهو فيلسوف دين ومتكلم جديد، يعمل على تحرير الدين من الأيديولوجيا، وإعادة بناء علم الكلام ليشبع حاجته الإنسان الوجودية إلى المعنى. وتفسير مركزية الإنسان في الأرض بوصفها امتدادًا لمركزية الله في الوجود، بمعنى استخلاف الله للإنسان ونيابته الشاملة عنه في الأرض. يبحث طه عن شريعة المستقبل داخل القرآن، فيما يبحث الرفاعي عن معنى الدين ووظيفته في الحاضر والمستقبل. يريد طه نقل المجتمع من آيات الفروع المدنية إلى آيات الأصول المكية، ويريد الرفاعي نقل التفكير الديني من نسيان الإنسان إلى مركزية الإنسان، ومن احتكار الحقيقة إلى تعدد الفهم، ومن لاهوت الخوف والطاعة إلى إيمان الحب والرحمة والحرية والكرامة.

يدمج طه الروحي والتشريعي والسياسي والاقتصادي داخل رسالة دينية شاملة، في حين يميز الرفاعي بين هذه المجالات حماية للدين والإنسان والدولة؛ فالدين لديه لا ينتج نظام الحكم أو الإدارة أو الاقتصاد أو القانون، وتتمثل مهمته في إرواء الظمأ الأنطولوجي، ومعالجة الاغتراب الميتافيزيقي، وإيقاظ الضمير الأخلاقي، وإغناء حياة الإنسان بالمعاني الروحية والأخلاقية والجمالية.

يقدم طه تصورًا مكتملًا نسبيًا لما ينبغي أن يكون عليه الإسلام، ويمنح تجربته الروحية وقراءته للقرآن موقعًا مركزيًا في هذا التصور، أما الرفاعي فيقدم أفقًا نقديًا مفتوحًا لتجديد فهم الدين، ولا يدعي امتلاك تفسير نهائي أو حقيقة تلزم الآخرين. يؤصل طه الديمقراطية والاشتراكية والمساواة دينيًا، بينما يعترف الرفاعي باستقلال العقل والخبرة الإنسانية في إنتاج الدولة الحديثة ونظمها وحقوقها وقوانينها.

هنا تتجلى فرادة كل مشروع: شجاعة محمود محمد طه في إعادة بناء التشريع من داخل القرآن، ودفاعه عن الحرية والمساواة في مواجهة سلطة انتهت إلى إعدامه، وفرادة عبد الجبار الرفاعي في إعادة تعريف الإنسان والدين والوحي والنبوة وتنوع الطرق إلى الله والشريعة والتكليف، انطلاقًا من حاجة الإنسان إلى المعنى، وتحريره من احتكار الدولة والجماعة والأيديولوجيا، مع ترك بناء الدولة ونظمها وقوانينها وبرامجها وإدارة شؤونها للعقل البشري وتراكم تجاربه وخبراته.

 [1] كاتب من السودان، ود مدني.

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=926112

ابن قِبَة الرازي وعبد الجبار الرفاعي

لماذا تعجز بيئتنا عن إنتاج العقل الكلامي الحي؟

   ستار الزهيري[1]

كثيرًا ما شغلت ذهني شخصية ابن قِبَة الرازي، الذي عاش في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، وتوفي في أوائل القرن الرابع الهجري، وجعلتني أتساءل: لماذا لا تعيد الإمامية إنتاج شخصية مماثلة لها في هذا العصر؟ ولطالما وجدتُ في عبد الجبار الرفاعي شيئًا من هذه الروح، لا من حيث التطابق الكامل بين الشخصيتين، وإنما من حيث الجرأة على فتح الأسئلة المؤجلة، ومحاولة إعادة بناء التفكير الديني بلغة تتجاوز التكرار والانغلاق. فظاهرة ابن قِبَة لم تكن مجرد موهبة فردية عابرة، وإنما كانت ثمرة بيئة علمية حيّة تضجّ بالجدل والأسئلة والاحتكاك الحقيقي بين المدارس الفكرية المختلفة، فقد خرج من وسط كانت فيه المعتزلة والإمامية والفلاسفة وأهل الحديث يتناظرون علنًا، من غير حساسية مفرطة ولا خوف من السؤال، وكان الانتقال بين المدارس الفكرية يُنظر إليه على أنه تحوّل معرفي، لا خيانة للهوية.

تميّز ابن قِبَة بقدرته على الجمع بين العقل والنص، فلم يكن أسير النقل الجامد، ولا أسير التأمل العقلي المنفصل عن التراث. كما عرف خصومه من الداخل، لأنه مرّ بتجربة الاعتزال واطّلع على مناهجه الكلامية، لذلك جاءت ردوده دقيقة وعميقة، لا تقوم على التشويه أو الكاريكاتير الفكري للطرف الآخر.كان يمتلك شجاعة فكرية في مناقشة القضايا الحساسة، مع لغة جدلية قوية ومنهج استدلالي منظم، جعله من أوائل من منحوا للكلام الإمامي طابعًا عقليًا متماسكًا.

وهنا يكمن أحد أهم وجوه الالتقاء مع عبد الجبار الرفاعي؛ فكلاهما انطلق من داخل المعرفة الدينية، لا من خارجها، وكلاهما حاول أن يفتح نافذة على الفكر الإنساني الأوسع، من غير أن يتعامل مع التراث على أنه كتلة جامدة مغلقة. كما أن الرفاعي، مثل ابن قِبَة، لا يكتفي بالتكرار أو الشرح، وإنما يسعى إلى مساءلة البنى الفكرية السائدة، وإثارة الأسئلة التي يتجنبها الخطاب التقليدي.

كما استفاد ابن قِبَة من أدوات المعتزلة والمنطق الكلامي في بناء رؤيته والدفاع عنها، ينفتح عبد الجبار الرفاعي على الفلسفة والعلوم الإنسانية ليدرس التجارب الروحية، ويستثمر المناهج الحديثة وأسئلتها في إعادة فهم الدين وقراءة نصوصه، والسعي إلى تحريره من الانغلاق الكلامي والفقهي، ليستعيد لغته الروحية والأخلاقية والجمالية، في أفق أكثر إنسانية وعمقًا.

كذلك يشترك الاثنان في أن كليهما أثار حساسية داخل بيئته؛ لأن العقل النقدي يوقظ الأسئلة المؤجلة، ويكشف ما تستتر عليه البنى الفكرية الموروثة، لذلك يُقلق أكثر مما يُطمئن، خاصة في البيئات التي اعتادت اليقين السريع، وأَلِفَت تكرار الأجوبة الجاهزة.

الشخصيات المؤسسة لا تُستقبل بسهولة، لأن المجتمعات المعتادة على اليقين السريع تضيق غالبًا بمن يعيد فتح الأسئلة، أو يدعو إلى مراجعة طرائق التفكير الموروثة، ذلك أن السؤال النقدي يربك الطمأنينة التي تسكن إليها الذهنيات المغلقة، ويكشف هشاشة كثير من المسلّمات التي ترسخت مع الزمن.

لقد كان علم الكلام في عصر ابن قِبَة علمًا حيًّا، يتصل بأسئلة الإنسان والوجود والمعرفة والسياسة، ويتفاعل مع التحولات الفكرية الكبرى في عصره. أما اليوم فكثيرًا ما ينحدر إلى دفاع عاطفي، أو إعادة تدوير لشروح قديمة، منفصلة عن قلق الإنسان المعاصر وأسئلته الوجودية العميقة.

لهذا نحن بأمسّ الحاجة إلى شخصيات تمتلك روح ابن قِبَة وجرأة عبد الجبار الرفاعي؛ شخصيات تنتمي إلى التراث من داخله، من غير أن تستسلم لسلطته المغلقة، وتنفتح على العقل والفلسفة والعلوم الإنسانية وأسئلة الإنسان المعاصر من غير خوف أو ارتياب. شخصيات تجمع بين الإيمان والشجاعة النقدية، وبين الوفاء للمعنى الروحي للدين والقدرة على مراجعة البنى الكلامية والفقهية الموروثة. ذلك أن نهضة الفكر لا تتحقق بالحفظ والتكرار وحدهما، وإنما تبدأ حين يستيقظ السؤال، ويتحرر العقل من رهبة المألوف، ويغدو التفكير مغامرة لا تكرارًا لما قاله الأسلاف.

[1] كاتب عراقي.

https://almothaqaf.com/aqlam/987769-%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B2%D9%87%D9%8A%D8%B1%D9%8A-%D8%A7%D8%A8%D9%86-%D9%82%D9%90%D8%A8%D9%8E%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A7%D8%B2%D9%8A-%D9%88%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A

مكافأة الحب الحب ذاته

د. عبد الجبار الرفاعي

المحبة مطلوبة لذاتها. توالد المحبة يتحقق باتساعها وتكثيفها. يحتاج الإنسان محبةَ كلِّ إنسان أخلاقيّ نبيل. تكمن قوةُ الحب في قدرته على إيقاظ مشاعر الطفولة بحميميَّتها وإيقاد وهجها. لا يتعلم الإنسانُ الحُبّ إلا بالحُبّ، لا رافد يستقي منه الحُبّ خارج الحُبّ. الحُبّ محبوب لذاته وليس لأي غرض آخر، مكافأة الحُبّ هي الحُبّ ذاته. لا يعني هذا القول الاكتفاءَ بالكلمات،كما يفعل بعض من يغرقون غيرهم بكلمات المحبة بلا أيّ تعبيرٍ عملي. الحُبّ حالة تُحدِث فاعليات خلّاقة، تتجلى بهبات ومبادرات ومواقف نبيلة تُهدِي المسرات، وتعبّر بلطف وتهذيب عن الصدق والامتنان والثقة والإخلاص.

بعضُ المحبين يُفسِد حبه بالمنّ والأذى، يظل يؤذي مَن يُحِبّ بابتزازه بمكافأة استثنائية، ولا يتقبل أية مكافأة ما لم تكن استعبادَ مَن يحُبّ، وتسخير كل شيء في حياته لمصالحه الشخصية. الرحمةُ حالةٌ، الشفقةُ حالةٌ، المحبة حالةٌ،كلُّ حالةٍ تتجسّد في موقفٍ وفعلٍ يعبّر عنها. مكافأة الرحمةِ التحقّقِ بالرحمة، مكافأةُ الشفقةِ التحقّق بالشفقة، ومكافأة المحبةِ التحقّقِ بالمحبة؛ ذلك ما يسمو بالإنسان ويرتقي به إلى عوالم الأنوار.

‏الحُبّ نورُ المعرفة، يوقظ الحُبّ في الإنسان بصيّرةً تلهم المعرفة. الحُبّ يري الإنسان محبوبَه ضوءًا يبهج القلب. الحُبّ بعد أن يطهِّرَ القلب يطهِّر العلاقات الإنسانية. ما أجمل أن تكون رسالة الإنسان في الحياة تكريسَ إيمان المحبة والرحمة، وإنقاذَ الأرواح المنكسرة من الغرق في الظلام.‏‏ الحُبّ كيمياء تصهر عناصرَ متنوعة في حياة الإنسان فتنتج منها توليفةً مبهرة، كأنها إكسيرُ يحوّل كلَّ عنصر إلى كنزٍ ثمين. ‏

مَن يقع في ‏ الحُبّ يقبض عليه بقوة، يكبّل إراداتَه ويسلب اختيارَه. الحُبّ ضربٌ من تسامي الإنسان وشعوره بالامتنان، وإن كان لا يخلو من إكراهٍ على ما لا طاقة للإنسان بالخلاص منه. أخطر أنماط ‏ الحُبّ عندما يتحول إلى استعبادٍ للعقل والروح والضمير. تحتجب الأسبابُ ويغيب الزمان والمكان في ‏ الحُبّ، يتجلى الحُبّ كضوءٍ يعيشه الإنسانُ خارج الزمان والمكان. الشعور بوطأة الزمان يهدّد الأمنَ الداخلي للإنسان ويهدر سكينتَه. الزمن الماضي تظلّ ذاكرةُ شيء من جروحه مريرة، الزمان المستقبل يكتئب الإنسانُ لحظة التفكير فيه بعمق، ‏أقسى ما يقلق الإنسانَ غموضُ الأيام الآتية، وما هو مباغتٌ ولا متوقع مما يفاجؤه فيها.

المحبة الصافية ضوء يكشف تجليات جمال المحب والمحبوب. المحبة من أعظم وأجمل النعم الإلهية. الحُبّ الأصيل يعتق الإنسان من الانزواء والعزلة في حياته. أن نحب إنسانًا جديرًا بالحُبّ يصيّرنا هذا الإنسانُ إنسانًا جديدًا. جوهر الحُبّ الأصيل لا يمكن أن يستغني عنه الإنسانُ يومًا في حياته. لغة الحُبّ مشبعة بالعواطف الدافئة والتراحم. لغة الحُبّ الأصيل صادقة، لا تخشى المكاشفة والبوح والغفران، ‏تغفر حتى الخطايا الكبيرة. ‏الإنسان كائنٌ يصنع اللغةَ وتعود اللغةُ لتصنع علاقاته وصلاته بغيره من الأشخاص والأشياء والعالم من حوله. باللغة يستطيع الإنسان أن يحدّدَ نمطَ وجوده، لو أراد أن يعيش الحُبّ بوصفه طورًا وجوديًّا يتحقَّق به ويحققه، فهو بحاجة ماسَّة إلى توظيف لغة الحُبّ الأصيل وكلماته بشكل واسع في حياته اليومية، واستثمار هذه اللغة في العائلة والمجتمع والعلاقات العامة. يتجلَّى الحُبّ بأصفى مصاديقه بالاهتمام الأقصى بالمحبوب.

لا قليل في الحُبّ، قليل الحُبّ كثير. الحب يتشكّل على شاكلة المحبيَن، حُبّك لأيِّ إنسانٍ يتحقّق على وفق ذات الإنسان المحبوب، حُبّ الأم يتشاكل مع الأمومة، وهو ضربٌ من الحُبّ غير المشروط، حُبّ الأب يتشاكل مع الأبوة، وهو ضربٌ من الحُبّ المشروط. حُبّك لبناتك يتشاكل مع طبيعة الأنوثة وحنانها، حُبّك لأولادك يتشاكل مع الرجولة. حُبّ كلِّ واحد من البنات أو الأولاد يتشاكل مع ذاته وذات الأبوين، ونمط صلته بأبويه.

معنى الحُبّ خنقته بعضُ الأعراف المتشددة، وتقاليدُ كبت العواطف، والأحكامُ المغلقة، وحظرُ البوح بالمحبة، والعبث باحتياجات الطبيعة الإنسانية. الحُبّ الطارئ الذي يعكس توهجًا عاطفيًا مؤقتًا غير الحُبّ الأصيل، الحُبّ الأصيل يمكث طويلًا، بعد أن يتحقق فيه الإنسانُ بطور وجودي أكثف وأصفى. تشوّه الحُبّ بمصاديق منحطة أحيانًا، طالما بدأ الحُبّ مشبعًا بالأحلام الرومانسية المبهجة، وطالما انتهي مليئًا بالخيبة والندم والجروح النازفة. من لوازم الحُبّ المسؤولية الأخلاقية تجاه مَن تحب، الحُبّ بلا شعور بمسؤولية حيال من نحب كذبة. لا يتحقق الحُبّ الأصيل إلا أن يكون محكومًا بسياج أخلاقي يضمن الوفاء. ‏الوفاء قيمة أخلاقيه أصيلة، مَن لم يكن وفيًّا لمحبة ‏الناس وعطائهم ‏المعنوي، لن يكون وفيًّا لمحبة الله وعطاياه.

المحبة فضلًا عمّا تتطلبه من كيمياء مشتركة بين إنسانين، تتطلب وعيًا بطبيعة الإنسان، واكتشافًا لتذبذبات شخصيته وتقلباتها وتناقضاتها المزمنة. يمكن التعرّفُ على شيءٍ من أعماق النفس الإنسانية، والتعلّمُ من أخطائنا وأخطاء غيرنا، والتربيةُ الصارمة للذات، والحذرُ من أن تُفسِد الكراهيةُ المحبة، والسعي لتجفيف منابع الكراهيةَ بالمزيد من المحبة. الكراهيةُ مرض، يحتاج القلبُ الاغتسالَ منه بالمحبة على الدوام لئلا يمرض. تربيةُ الذات على المحبة شاقةٌ جدًا، وأشقُّ منها التدريبُ على أن يغتسلَ القلبُ كلَّ يوم بالمحبة. لا تتجذّر المحبة إلا بسلسلة مبادراتٍ تبهِج القلب.

التسابقُ والتزاحمُ والتنافس والمحاكاة والغيرة ضروريةٌ في الحياة، من دونها لا تحدث عمليةُ خلقٍ وإبداعٍ وابتكارٍ وتطور، ما لم يتحول ذلك إلى صراعٍ عنيف. ما يفسد المحبة تحوّلُ الحُبّ إلى استعبادٍ تام، فقد تصل الغيرةُ على المحبوب لحالةٍ مرضية حادّة تحاول استملاكَ كلِّ شيء في حياته، والاستحواذَ على ماضيه وحاضره ومستقبله. الغيرة على المحبوب ربما لا تتوقف على ملاحقة كلماته وأفعاله وسلوكه ومواقفه فقط، بل تصل إلى التلصص على أفكاره ونواياه. هذا الضربُ من الحُبّ يتحول أحيانًا إلى سمّ يشلّ المحبوبَ ويمحق الحُبّ.

أتحدث عن الحُبّ بوصفه نمطَ وجود لحياة الإنسان، ‏يتحقّق كلُّ إنسان فيه بنمط وجوده الأسمى على شاكلته. الإنسان لا يستطيع أن يتنكر أو يخرج على طبيعته الإنسانية. الحُبّ معنى آسر، تجلياته متنوعة ومتناغمة الإيقاع في الحياة. الحُبّ عندما تتوفر شروط تحققه لا يتحقّق فيه الإنسانُ بقرار اختياري. تتنوع وتتعدد تجليات الحُبّ الحقيقي بثراء شخصية الإنسان وتعدد تجلياتها وتنوعها.

الحاجة لإيقاظ الشعور بالأمان والمحبة والثقة بالنفس من أعمق احتياجات النفس الإنسانية. أحيانًا يصير الحُبّ قناعًا يختبئ خلفه احتياج عاطفي شديد أو مادي، فإذا استطاع الإنسان تأمين هذا الاحتياج عبر شخص آخر أو أية وسيلة أخرى يستغنى عن الذي يحبه. وربما يكون الإنسان بحاجة ماسَّة إلى ملاذ يحتمي فيه، فيرى أحدَ الأشخاص يمكن أن يوفر له ذلك. أحيانًا يمارس أحدهم ابتزازًا عاطفيًّا مضجرًا لمن يحب، يتخطى كلَّ حدود الذوق والأخلاق. وأحيانًا تلتقي دوافع متنوعة، وحتى متضادة، للحُبّ. في كلّ هذه الحالات وأمثالها سرعان ما ينهار الحُبّ، وكثيرًا ما يؤول إلى كراهية ممقوته. الإنسان الحكيم يعيش وهو يستثمر في الحُبّ. ويتلذذ بتجلياته الآسرة وتعبيراته الجميلة. حُبّ من يحب يتحقّق بوصفه طهورًا يغتسل فيه القلب، ولؤلؤة متوهجة تضيء الأعماق. السفيه مَن يخسر كنزًا كالحُبّ يُداوي جراح قلبه، وأشد سفاهة منه مَن يخسر الحُبّ الأخلاقي،كلُّ حُبّ أخلاقي نبيل يتوطن القلب لن يغادره. حتى لو أساء المحب وأزعج مَن يحبّه يمنحه فرصة ويمهله، ولو قرر مقاطعته يحترم موقفه. الحكيم لا يخسر حبّه، مادام الحُبّ مطلوبًا لذاته في حياته، وسرعان ما يغتسل القلبُ بالحُبّ من الأذى.كلما تزايد عدد من يحبّهم الإنسان اتسع قلبُه وأضاء بالحُبّ، حتى يصير كأنه مرآة صافية.

الحُبّ الزائف يبدأ وينتهي باستعباد إنسان لإنسان. الهاربون من الذات وبعض المرضى الذين يعانون من اضطرابات نفسية يفتشون عن ملاذ يأويهم، لحظة يعثرون على مَن يلوذون به يبتزّونه عاطفيًا، ويتهافتون على استنزاف حنانه وشفقته ورعايته واحتضانه. الحُبّ لا يبلغ نصابَه الحقيقي، ولا يستوفي الإنسانُ منه احتياجَه إلا بالتكافؤ في المحبة. الاستعمال البراغماتي للحُبّ أخطر تهديد يقوِّض الحُبّ. ‏عندما لا يجد الإنسانُ ذاتَه إلا بأن يظفر بعطف وحنان واهتمام وشفقة غيره، يحاول أن يغويه، ويغرقه بكلمات تبالغ بإفراط بمحبته وعدم الاستغناء عنه، لأجل استدرار محبته وابتزازه عاطفيًا. ‏لا يمكن أن يتواصل ويتكرس الحُب الأصيل بهذه الوسائل، وكثيرًا ما يتقنع بقناع زائف.

‏ أحيانًا يتحول الحُبّ إلى قناع لصعلوك بارع بالابتزاز والخدع العاطفية، يمكن أن أعبر عنه بـ “المتسول للعطف والشفقة”، الذي يختبئ خلف قناع الحُبّ، وهو لا يحُبّ أحدًا حبًّا حقيقيًا. هو يترقب من الآخرين احترامه وإكرامه ومحبته، وكأن تلك وظيفة الناس حياله، من دون أن يبادر هو بموقف عملي يدلل على العطاء العاطفي في حياته. ينبغي ألا نترقب من الإنسان الآخر أن يحبنا ويحترمنا ويكرمنا من دون أن نبادر بالمحبة والاحترام والإكرام. مَن يبادر بالإحسان والتراحم والمحبة ينبغي إكرامه ولو بكلمة محبة صادقة. الإحسان المبادرة بالإحسان، التراحم المبادرة برحمة خلق الله، الاحترام المبادرة باحترام الانسان، المحبة المبادرة بالمحبة. لا يدوم الحب إلا بالتواضع، والتكافؤ في المحبة، والحق في الخطأ، والحق في الاختلاف، والاعتراف بالخطأ، والاعتذار.

 

https://alsabaah.iq/101406-.html

‏

 

 

 

فلسفة الدين عند عبد الجبار الرفاعي

 د. عبدالبشير فكرت[1]

عندما كنت أكتب بحثي عن “العقل والإيمان في العصر الجديد”، تتبعت الأعمال المكتوبة باللغة العربية حول هذا الموضوع، فوجدت أن معظم هذه الأعمال كانت ذات طبيعة کلامیة وليس فلسفية. الكُتّاب العرب تناولوا هذه القضية بشكل أساسي برؤية کلامیة، بينما كان تفسيري لها ذو طبيعة فلسفية. في هذا السياق، قرأت أعمال الدكتور عبد الجبار الرفاعي، فرأيته يتناول هذه القضية بشكل أساسي من منظور فلسفة الدين. إسهامات الرفاعي أضافت بعدًا فلسفيًا قيمًا للموضوع، حيث لم يكتفِ بالتطرق إلى الأبعاد الکلامیة فحسب، بل عمق النظر في الأسس الفلسفية لتحليل الظاهرة الدينية وبيان الصلة بين العقل والإيمان. تظهر الرؤية الفلسفية في مؤلفات الرفاعي عن الدين في تعريفه للدين باعتباره “حاجة وجودية” كما يعبر عنه، وفي عناوين كتبه عن الدين، التي ورد فيها مصطلح الأنطولوجيا الفلسفية، كما في “الدين والظمأ الأنطولوجي”، وفي مصطلح الاغتراب الميتافيزيقي الفلسفي في كتابه: “الدين الاغتراب الميتافيزيقي”، وكثرة استعماله للتفسير الأنطولوجي الوجودي الفلسفي للدين، حتى عندما تحدث عن الكرامة في كتابه: “الدين والكرامة الإنسانية” وصف “الكرامة بقوله “مقام وجودي” منحه الله للإنسان عند خلقه، لذلك لا يمكن تجريده منها، ومصطلح “مقام وجودي” فلسفي، وهكذا فسّر الرفاعي الوحيَ بوصفه “طورًا وجوديًا يتسامى إليه النبي. الوحيُ حقيقةٌ أصيلة تعكس تكاملًا في وجود مَنْ يتلقاه، وتكشف عن صلة وجودية استثنائية للنبي بالله”.

الدكتور عبد الجبار الرفاعي هو أحد الاستثناءات النادرة، حيث يتركز فكره على علم الكلام الجديد والتجديد الفلسفي للدين بشكل أساسي. يعتمد الرفاعي على البعد الفلسفي للحداثة الدينية، الذي واصل العمل على اشاعته في العالم العربي منذ أكثر من 30 سنة، من خلال مؤلفاته في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد، ومجلته قضايا إسلامية معاصرة التي أصدرها منذ نحو 30 سنة، وصدر منها 80 عددًا مرجعيًا في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد. عبد الجبار الرفاعي لبث سنوات طويلة في حوزة قم بعد انتقاله إليها من حوزة النجف، وتعلم اللغة الفارسية، مما أضاف أبعادًا جديدة لتكوينه الفلسفي. الرفاعي يعتبر جسراً يختصر المسافة الناجمة عن الاختلاف اللغوي بين خطاب الحداثة الدينية في العالم العربي والحداثة الدينية في إيران. أصدر الرفاعي في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد عدة مؤلفات، وهي: “الدين والظمأ الأنطولوجي” و”الدين والاغتراب الميتافيزيقي” و”مقدمة في علم الكلام الجديد” و”الدين والكرامة الإنسانية” و”الدين والنزعة الإنسانية” و “مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث”، وتصدر في هذه السنة 2024 موسوعة فلسفة الدين في 8 أجزاء من إعداده وتحريره. وعلى الرغم من ذلك، لم تحظ أعماله بالاعتراف الكافي حتى الآن، وإن كان من المرجح أن يصبح منهجه الفلسفي مؤثراً في خطاب الحداثة الدينية في العالم العربي في المستقبل القريب.

في تأسيسه لمشروعه للتجديد على فلسفة الدين يختلف عبد الجبار الرفاعي عن أكثر المفكرين الدينيين في العالم العربي. یقول الأستاذ مصطفی ملكيان: “إن منطلق الحداثة في إيران يقوم على انفصال الإنسان عن التراث، سواء في مقام الثبوت أو الإثبات. كلما زاد هذا الانفصال، أصبح الشخص أكثر حداثة. أما في العالم العربي، فالحداثة لا تقترن بالانفصال عن التراث، بل تعني قراءة جديدة ورواية جديدة له. المثقفون العرب يعيشون في برزخ بين العالم القديم والجديد، وينظرون إلى خلفيتهم الثقافية بمنظور جديد، بينما المثقفون في إيران انعزلوا تماماً عن التراث وتوجهوا نحو العالم الجديد. ربما ينبع هذا التمييز من كون تيار الحداثة في إيران – بما في ذلك الحداثة الدينية – ذا طابع فلسفي، مشابه للحداثة الأوروبية، في حين أن الحداثة في العالم العربي تعتمد بشكل رئيسي على العقل اللاهوتي وتُعتبر استمراراً للتراث العربي الإسلامي”[2].

كلام ملكيان في التمييز بين الاتجاه الحداثي في ​​إيران والعالم العربي يحتاج إلى مزيد من التأمل، وذلك: أولاً وقبل كل شيء، فإن تيارات التجديد في العالم العربي وفي إيران المعاصرة عديدة ومتنوعة. وقد تحدث ملكيان نفسه عن أشكال التجديد المختلفة في إيران، مثل: الهايدجرية، والوضعية، والماركسية، والحداثة الدينية وغير ذلك. وهكذا توجد في العالم العربي مدارس فكرية مختلفة، مثل: اليساريين، والليبراليين، والقوميين وغيرها، مما يدل على تنوع الحركة الحداثية في العالم العربي. إن اتساع الوطن العربي، من المغرب إلی مصر ومن الشرق إلی الغرب، عامل آخر أدى إلى تنوع حركة التجديد فيه. ونظراً لتنوع وتعدد حركات التجديد في إيران والعالم العربي، يبدو أن إصدار حكم عام في هذا المجال أمر يحتاج إلى مزيد من التفكير. وبدلاً من ذلك، يبدو أن أسلوب التفکیک هو الأكثر ملاءمة في سياق الحقيقة، لأنه يتجنب إصدار حكم عام ويتم مقارنة کل من الاتجاهات الحديثة في إيران وفي العالم العربي بشكل منفصل.

ثانياً، كانت حركة التجديد في إيران بدایة، مثل العديد من البلدان الأخرى، مصحوبة بنوع من الشعور بالهزيمة الذاتية أمام الحضارة الغربية. واعتبر عدد من مفكري الجيل الأول في إيران، الحداثة سلعة تجارية غربية، وزعموا أنه إذا دخلت السلع والتكنولوجيا الغربية إلى إيران، فيمكن أيضًا استيراد القيم الحديثة مثل الفردية والحرية والحقوق الطبيعية وغيرها. وفي مقابل هذه المواجهة التي يمكن تفسيرها على أنها غربية متطرفة ومتجذرة في العقل المجرد الكانطي- الديكارتي، ظهر تيار آخر يعتبر كل ما يأتي من الغرب مرفوضاً واستعمارياً. في هذا الوسط، يمكن وضع تيار المثقفين الدينيين في الوسط، لأن هذه الحركة حاولت ایجاد التوافق بين التقليد والعالم الحديث، بحيث لا تنقطع عن التقليد الذي اعتبر الدين عنصره الأساسي، ولا تتجاهل الواقع الحديث.

بشكل عام، يمكن القول أن حركة المثقفين الدينيين في إيران أصبحت أكثر فلسفية منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي، وقد ابتعد الجيل الجديد من المفكرين الدينيين فی إيران عن التراث أكثر من الماضي. ويكفي لإثبات هذا الادعاء الرجوع إلى مؤلفات محمد مجتهد شبستري، ومصطفي ملكيان، وعبد الكريم سروش، ولا سيما رؤيته الأخيرة للحقيقة والمنهج، والدكتور سروش دباغ[3]، والدكتور آرش نراقي.

في حين أن كبار مفكري الوطن العربي مثل: الدكتور حسن حنفي، والدكتور طه عبد الرحمن، والدكتور أبو يعرب المرزوقي، وغيرهم ما زالوا يقفون على أرض التقليد، ويحاولون إعادة فهم التراث الديني وانتاجه بلغة جديدة، يفكرون في التراث لإعادة بناء التراث. القراءة الفلسفية للدين ليست شائعة بين أكثر المفكرين العرب. من النادر أن نجد موضوعات في فلسفة اللغة، والفلسفة التحليلية، والتأويل الفلسفي المعاصر في خطاب الحداثة الدينية العربية.

 [1] أكاديمي من أفغانستان، آستاذ بجامعة کابول، کلیة الشریعة، مقيم اليوم في ألمانيا.

[2] مصطفی ملکیان: جریان‌شناسی فرهنگی معاصر ایران، ص10-11، سال 1376-1377 ش/ 1999 – 2000 م.

[3] الدكتور سروش دباغ ابن دكتور عبدالكريم سروش.

 

https://altanweeri.net/12851/%D9%81%D9%84%D8%B3%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D8%B9%D9%86%D8%AF-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A/

في سبعينية عبد الجبار الرفاعي … شيخ الشباب

 د. ياسر عبد الحسين[1]

  لمدة ليست بالقصيرة.. كانت ومازالت ترتيب مكتبتي يعبر عن شخصيتي، كانت الكتب التي أكثر من مراجعتها، والاطلاع عليها هي الأقرب للرفوف القريبة لمنضدة الكتابة واوراقي المبعثرة، بينما الأقل أهمية تبتعد في الرفوف العليا، حيث اراجعها في حالات نادرة، تلك الكتب التي تحتاج الى سلم للصعود من اجل ان المسها وأقلب اوراقها، لمدة ليست بالقصيرة كانت الكتب الإسلامية والفقهية هي الأقرب.. وتحديدا الكتب والمراجع الأًصولية التي تدور حول النص المقدس وأهميته من مختلف المذاهب الاسلامية، ولكن بمرور الأيام أصبحت هذه الكتب تبتعد قليلا.. قليلا الى الأعلى وصولا الى الرفوف التي تجاور السقف.. كان يدور في بالي عدة أسئلة.. وفي طي مراجعتي المستمرة التي اعشقها بحثا عن ذاتي، لماذا بدأت الكتب التي كانت تجاورني لسنوات طويلة تبتعد، ولماذا اختفت كتبي الدينية الخاصة التي كانت تحت الوسادة خوفا من اكتشاف والدتي ماذا أقرا من كتب ممنوعة آنذاك.

ولعل ردة الفعل التي صاحبتني على سلوك أحزاب الإسلام السياسي هي السبب، وانا اشاهد البون الشاسع بين النظرية والتطبيق في أتون المعبد، وان الشعارات التي كنا ننظر لها بقدسية وحماس بدأ توهجها بالانطفاء بسب غياب عنصر التحدي الذي كان موجودا أيام النظام السابق، ولعل أيضا كتب العلوم السياسية التي تشجع على التفكير المادي هي السبب، والبحث عن التفكير الواقعي… وغير هذا وذاك.. لا بد للروح من استراحة.. ولا بد للقلب من محطة حب وامتزاج العشق بطريقة تحترم العقل وذاته.

في خضم التحولات الحادة التي ترافقني وترافق الكثير من أقراني الذين يعانون ذات المشكلة بدأت بالاطلاع على فكر انساني إسلامي تنويري، يحترم كرامة الانسان ويقدم لهويته وروحه بلسما آخر مختلف غير غارق بالتفاصيل التي تكمن فيها الشياطين، وبدأت تلك الرحلة القلقة من كتاب استاذنا الدكتور عبد الجبار الرفاعي (الظمأ الأنطولوجي)، ليروني من ظمأ عانت منه روحي الطامحة للبحث عن السكينة الخاصة، وهو بتعبيره (الظمأ للمقدس، أو الحنين للوجود لأنه ظمأ الكينونة البشرية، باعتبار أن وجود الإنسان وجود يحتاج إلى ما يثريه)، وهكذا بدأت رحلتي المميزة الى عالم آخر من فهم مختلف للدين والنص والوحي وعلم الكلام، وبدأت بنهم أقرأ لهذا الكاتب الروحي الأخلاقي العقلاني المميز قبل التعرف على شخصيته وميزته، وما ان بدأت حياتي الشخصية بالاختبار، كان الرفاعي الأقرب فهما وتصوفا وجمالا في السؤال عني وعن ما يشغلني، ليكون مصداقا لما يكتبه من نص وما يسلكه في تعامله الأخلاقي الرفيع مع أبنائه ومحبيه وطلبته.

مشكلة الجيل هو ذلك الخاطب الفاقد لروح عصره، كما يقول الإمام علي: (لا تقسروا أولادكم على آدابكم فإنّهم مخلوقون لزمان غير زمانكم)، عالج العلامة عبد الجبار الرفاعي هذه المسألة ليقدم رؤية مغايرة تقترب من هذا الجيل الحالي وهمه، لهذا فهو حقا شيخ الشباب، حينما يرى الآخرون هذا الجيل الفاقد لهمته. يرى الرفاعي ان عقل الشباب اليوم أنضج ووعيهم للحياة أعمق من سابقيه، ويقارن بين عالمين أحدهما مركب والآخر بسيط، بين عالم متنوع واخر أُحادي، عالم تتفاعل فيه الهويات والثقافات، وعالم داخل الحدود وآخر رحب تتسع له الآفاق، بل يعترف الرفاعي في مقالة أعدها أكثر من رائعة تحت عنوان: (ثناء على الجيل الجديد) بقوله: (لفرط رومانسيتِنا ضعنا وضيّعنا الأوطان، ولفرط واقعيتهم ما زالوا يفتشون بعناد عن دروب للخلاص لا تكرّر متاهاتنا)، هذا الاعتراف غير المجامل يقرب المسافات البعيدة بين الخطاب المتعالي بين الدين والمجتمع، ليدخل ثنايا عالم الشباب الباحث عن البوصلة الأقرب لفهم هويته وروحه.

الرفاعي أراد ان يحقق لذاته فهما مغايرا، ويقدم تجربة جديدة في المسرح الاجتماعي بعيدا عن الصنميات، ويدعو هذا الجيل لمواجهة الأصنام البشرية، ويرى في هذا الجيل قدرة بما يمتلكه من نزعة فردية في شعوره عصيا على الاستعباد، كما يقول شاعرنا الكبير أبي فرات الجواهري:

سينهض من صميم اليأس   جيلٌ مريـد البـأسِ جبـارٌ، عنيد

يقـايضُ ما يكون بما يُرَجَّى   ويَعطفُ مـا يُراد لما يُريد.

حتى هذا التمرد الشبابي الذي يريده الرفاعي ان يكون منتظما قائما على بارادايم معرفي وتواصل بناء، وهو بذلك يواجه مشكلة العصر في عالم البناء التربوي والملازم لحالة فشل لغة الآباء في التواصل مع الأبناء، ولأن مرحلة البناء مستمرة في حياة الانسان رغم خصوصية مرحلة الشباب كما يقول أرسطو (تصنع العادات الجيدة المكتسبة في سن الشباب الفارق كله).

عبد الجبار الرفاعي يريد ان يجعل الآباء، سواء كانوا آباء الدين او السياسة او المجتمع، ان يتخلصوا من نظرتهم الدونية تجاه الشباب، لأن عنصر التغيير هو حاسم اجتماعيا في هذه المسألة، وخصوصا اذا ما اقترن هذا التغيير بالاجيال المجتمعية الراهنة، وفي هذا السياق يقول الفن توفلر Alvin Toffler  في كتابه ( الثروة واقتصاد المعرفة) بأنه اذا كان الجيل الناشئ يهتدي برسالة التغيير، فأن التحولات القادمة أخطر ما تكون على المؤسسات القائمة حاليا لأنها ليست في حد ذاتها لا يمنية أو يسارية، ديمقراطية أو مستبدة، فرسالتها الضمنية العليا هي ان مجتمعاتنا كافة، وكل أساليب حياتنا، هي مؤقتة بطبيعتها، وكما يقول الفيلسوف اليوناني هيراقليطس: “لا يمكن للمرء أن يستحمّ في النهر نفسه مرتين”.

جيل التطبيقات والتواصل الاجتماعي هو جيل اشد حضورا من جيل الكاسيت بكل ملامحه وتضاريسه، وبالتالي فان صياغة العلاقات الاجتماعية وإعادة تشكيلها في سياق حياة ورغباتِ وأحلامِ جديدة، يجب على المجتمع احترامها، بل الاعتراف بها. الاجمل ان نقرا نصوصا يطابق صاحبه بها سلوكا، لا كما جاء في حالة جان جاك روسو الذي ألف كتابا في التربية وله نظريته الخاصة في هذا المجال، لكنه يقول في كتابه (الاعترافات) أنه أنجب خمسة أطفال وقام بإيداعهم في الملجأ وفشل في تربيتهم.

النظرية غير التطبيق، وهذه فرصة للإشارة بان مدرسة الرفاعي انتجت ولده الدكتور محمد حسين الرفاعي منظرا ومفكرا شابا مميزا، أصدر اخر أربعة من الكتب مميزة جدا، في موضوعات خطيرة مثل أزمة الهوية والأخلاق، والمواطنة والديمقراطية، وعن المنهج والبحث والعلمي، ولولا ان مطربة الحي لا تطرب لطرز اسم نجل الرفاعي في جامعاتنا بشكل يليق بفكره واناقة طرحه.

يبقى للشباب دور رائد في صناعة هذا العالم، ويدعو الدكتور الرفاعي الى الاهتمام ببنية النظام التعليمي الذي أنتج وعيَ الأباء ومازال يعيد إنتاجَ وعي الأبناء على حد تعبيره، فالجيل الذي وضعت نظريته في أطار علم الاجتماع السياسي، وضع أسسها العالم كارل مانهايم  Karl Mannheim الذي يرى أن الأشخاص بشكل عام يتأثرون بالبيئة الاجتماعية التاريخية التي تسيطر على شبابهم وخصوصا في قمة نشاطهم، وبمرور الوقت يكون على أساس تلك التجربة الاجتماعية تتولد أجيال يكون لها عوامل للتغيير، رغم ان الثقافة السائدة تميل الى حالة الحذر من الشباب، بسب صفة الاندفاع ، ولهذا ترى على سبيل المثال ينقل أن رئيس وزراء الهند نهرو عندما وجد جمال عبد الناصر في أحد الاجتماعات يعلو صوته قال له: ( تحتاج كثيرا إلي الشعر الأبيض)، أي أنه يحتاج إلي العقلانية والخبرة والكثير من النضج السياسي، وبغض النظر عن رؤية الحكمة او الاندفاع والتهور في السياسة التي يقوم بها الشباب فانه عموما بعد ان هرم (الحرس القديم)، نحتاج الى التصالح الحقيقي مع هذا الجيل، وهذا ما يدعو اليه الرفاعي الذي يفكر بعقلية الشباب المتزن، وكما يقول فرانسيس بيكون  Francis Bacon  (تكمن الشيخوخة في الروح أكثر ما تكمن في الجسد) . العمر البايلوجي لم يكن بحد ذاته عائقا في الخير او الشر، ماذا يعني ان يكتب محمد باقر الصدر أشهر كتبه الفلسفية وعمره 26 عاما وسط أساطين الفقهاء.

ان منح الثقة والاعتراف مدخل مهم لدعم هذا الجيل في مهمته التاريخية التي يجب ان تكون مدعومة بالثقة من قبل الإباء والاعتراف بالأخطاء ومنح مساحة لتقديم هذا الرونق بروح شبابية عصرية تواجه زخم التحديات بثقة وثبات.

ولأهمية ما قدمه الرفاعي من أطار تربوي واخلاقي ومعرفي للجيل الحالي سررت وانا أكتب هذه الكلمات سوف يخرج للنور قريبا كتابه الذي يرى فيه ضوء الحاضر والمستقبل في عيون الجيل الجديد كما يقول، عن منشورات الرافدين ببيروت وتكوين في الكويت، فألف تحية للعلامة الرفاعي في ميلاده السبعين الممتدة بالعطاء والنتاج الزاخر، ولقلمه المملوء ايمانا ورحمة وحبّا ومعرفة آلاف التحايا. وأقول له كما يقول العلامة الراحل السيد محمد حسين فضل الله في ديوانه (أشعار في السبعين):

أستلهم الذكرى فيلهب خاطري   فكر يشق الى السماء سبيلا

والفكر في لغة السماء عقيدة    طافت لتخلق من هداها الجيلا

[1] دكتوراه علوم سياسية، دبلوماسي في وزارة الخارجية العراقية.

 

https://altanweeri.net/12858/%D9%81%D9%8A-%D8%B3%D8%A8%D8%B9%D9%8A%D9%86%D9%8A%D9%8E%D9%91%D8%A9-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A-%D8%B4%D9%8A%D8%AE-%D8%A7/

عبــد الجبــار الــرفاعي ووعيه الاعتدالي لمعادلة الوطن والدين

د. محمد نعناع[1]

هو “كائــن ميتــافيزيقي”، لذلك عنده المعنى أهم من الحس، ولهذا يعيش هادئاً، ليس منزويا بل هادئا في خارجه وعاصفا في داخله، ومنبع عواصفه الداخلية يأتي من إدمانه القراءة وشغفه بها حد الظن بأنه يساويها مع العبادة، هو متطور في فكره بموازاة ثباته في التزامه بدينه، مضيء في فكره أيضا، لذلك يُحب أن يرى الله نورا على نور، يعشق العمق لأنه يُنتج الجرأة، وكاره للرثاثة، لإنها تُشوه العلم وتُعزز الكراهية.

هو أحد الرافضين للمنبهرين بالزبد، لأنه يهتم بما يمكث في الأرض، وأكبر المعترضين على مروجي الدوغما، فهو يمقت التبعية والطاعة العمياء، وبهذا انتقل من كونه مفكرا دينيا عبر تحولات موضوعية إلى أن يكون منظرا إنسانيا خلّاقا، وإن صيرورته منصة إبداعية ذاتية تحفيزية وليست تلقينية، جاء بسبب حساسيته من الواقع واستجابته لمتغيراته، وهذا ما سيجعل منه حالة فريدة في الفكر الإسلامي، وفي معادلة الوطن والدين، أو ثنائية الجغرافيا والمعتقد.

أبدع الرفاعي في مجال التطور الاعتدالي بين أن يرسخ “الظمأ الانطولوجي” ويغادر “الاجترار الفقهي” التقليدي، لقد أثبت لنفسه ثم للآخرين بأن التفوق يمر عبر التطور المعرفي، فهو يُضيف ويعدل باستمرار على كل ما يكتبه، وكل طبعة جديدة من كتبه تجد فيها تغييرا وإضافة بما نسبته أكثر من 20% من مضمون الكتاب، وهذا ما سيجعل منه مفكرا ديناميا مؤثرا، وما بدأه من (الدين وجوديا) فقد أنهاه بانصهار (الدين في الكرامة)، وما بينهما رفدنا “بـــــــالغربة الميتافيزيقية” و”بـالنزعة الإنسانية”، فهذا هو الدين في وعيه، وهو ما يجعله يتطور ويعتقد بأنه يُطور الآخرين، على الرغم من أنه ليس تبشيريا بل منطقيا إقناعيا.

في بواكيره كان متعلما على سبيل نجاة، وأصبح الآن باحثا على سبيل نجاة، ولذلك أراد أن يصنع [علم كلام جديد] فهو يعتقد بأن الكلام القديم ليس إنسانيا بل لاهوتيا محضا، وفي (مفارقاته وأضداده) و(مسراته ومخاضاته)، وهما خواتيمه الفكرية والشخصية، انبعث منه دفق اعتدالي يمكن وصفه بأنه فتحُ لأفق أوسع، أرحب من الأيديولوجيا.

حاجة الواقع المليء بالمنغصات المعيشية المهيمنة على العقليلة الشبابية لمفكرٍ كالرفاعي ستبدو حاجة في صميم الوعي، وإن أي محاولة لصناعة رأي عام معتدل متجاوز للمقولات الطوائفية ومفارق للتبعيات الدوغمائية يجب أن نجد في قلبها عبد الجبار الرفاعي وأمثاله، فهم الضرورة المُطورة لأجيال المتحفزين المقيدين بقيود المجتمع وللمحبطين المتلكئين في منتصف الطريق.

  [1] كاتب عراقي

https://altanweeri.net/12799/%D8%B9%D8%A8%D9%80%D9%80%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D9%80%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%80%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A-%D9%88%D9%88%D8%B9%D9%8A%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B9%D8%AA%D8%AF%D8%A7/

الهادئ البعيد عن الصدام والجدل

د. نصير جابر

في العراق – ولعقود طويلة خلت-  تبدو مهمة المفكر صعبة ومعقّدة للغاية، بل قد تكون مستحيلة، لأنّه سيكون دائما على المحكّ مع “الأفكار” السائدة في المجتمع لحظة حضوره بطروحات حرة قد لا تكون بالضرورة مشابهة ومتناغمة مع غيرها.
ومن هنا سيكون عليه سلوك طريقين – لو أراد البقاء في بلده- أما التخلّي عمّا يؤمن به ومهادنة السلطة و”أفكارها”، وأما الصمت المطبق، وسيكون لحظتئذ قد حكم على نفسه بالموت المعنوي البشع الذي لا يمكن أن يتقبّله أي عقل حركي فعّال، أو اختيار الطريق الثالث الشاق والصعب، لكنه الأسلم وهو الهجرة بما يحمله من آمال وتطلعات معرفية إلى فضاء آمن يستطيع فيه أن يقول كلمته من دون قيد أو شرط.
وهكذا فعل المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي الذي هاجر إلى ايران منذ عقود طويلة، ولم يرجع إلاّ بعد أن تنفس الوطن رائحة الحرية، وصار من الممكن أن تقول ما تؤمن به من دون خوف من رقابة مجرمة صارمة.
ولسنوات طويلة قبل أن أقرأ له كتابا منفردا، كان هذا الاسم يعني لي  مجلة “قضايا إسلامية معاصرة” فقط، فمنذ ظهورها عام 1997 كانت توفر بموادها الرصينة الخصبة مساحة من متعة معرفية راقية لا تقدّر بثمن، ومهما كنت تنتمي إلى حيز فكري بعيد جدا عنها وعن توجهها فلن تجد فيها إلّا مجلة قريبة منك، لأنها تحاول أن تجايل الراهن المعرفي  وتخاطبه بمودة وتَفهم ومن دون عدائية أو انتقاص!
وهذا الانطباع سينسحب على صاحبها ومؤسّسها الدكتور الرفاعي الرجل الهادئ البعيد جدا عن الصدام والعراك والجدل الذي لا طائل منه.
والمتواضع الذي لا تكاد تسمع صوته وهو يتحدث حتى لا يشعرك بفوقانية ما، أو تعال أو تكبّر يصاحب عادة أغلب المشتغلين بهذا المجال بوصفهم مُلاك حقيقة مطلقة، فالرجل عكس ذلك تماما، إذ يرى في الحضور الفعّال هو الغاية من  وجود المفكر وسط  صخب الحراك الثقافي، لذلك عندما رأيته أوّل مرة خلال استضافة اتحاد الأدباء والكتاب له في النجف الأشرف قبل سنوات، شعرت أن انطباعي الأوّل عنه – الذي كونته من خلال المجلة وتوجهها- انطباع صحيح جدا.
فالرجل غارق  بتأمل العالم الرصين ومنشغل بهموم الإنسان المتصالح مع الذات، الباحث عن حلّ ناجع وأسئلة جديدة يمكن أن تسهم في زيادة الألفة بين الناس  وتبتعد عن التعصب المقيت والتطرف الاجرامي أو الخوف والقلق من ماض شائك تعتريه المشكلات الكبيرة والمعضلات المستغلقة ومستقبل  غامض مربك قد تضيع فيه هوية الإنسان وتنمسخ.
لذا بدا لي الرجل غير مكترث تماما بما يمكن أن تفعله الأضواء نحوه كمثقف بارز واسم لامع في ثقافتنا المعاصرة. إذ عاش للكتب والكتابة وكأنها مهمته الوحيدة في الحياة حتى إنه قال في آخر كتبه “مسرات القراءة ومخاض الكتابة.. فصل من سيرة كاتب” الصادر عن دار تكوين- الرافدين في الكويت  عام 2023  «لم أجد نفسي خارج الكتابة منذ أكثر من 45 عاماً تقريباً».
إن الجهد الكبير والشاق الذي بذله الرفاعي يأتي من دقّة اشتغالاته الفكرية  في مساحات الأديان، وما لحق بها من امتداد تأريخي، وتأكيده الدائم على النزعة الإنسانية فيها، وإنّها -أي الأديان-  منظومات روحية أخلاقية عالية  جاءت من أجل الرقي بروح الإنسان نحو مصاف عالية سامية.
ومن يتأمل نتاجه العميق سيرى ذلك واضحا في كتبه مثل “انقاذ النزعة الإنسانية في الدين، تمهيد لدراسة فلسفة الدين، الدين والظمأ الأنطولوجي” وغير ذلك في عشرات المقالات المؤسّسة لهذه الفكرة النقية النبيلة، التي تبدو من الأهمية بمكان لتشكّل علامة  فارقة في مسيرته الفكرية الطويلة.
حاز الرفاعي العديد من الجوائز المحلية والدولية الرفيعة تقديرا لجهوده المميزة. ولكن أزعم إن من بين أهم تلك الجوائز التي استحقها في حياته  هي اتقان دوره التنويري من دون تشتّت وتحديد مجاله المعرفي بدقّة  والاندكاك فيه حدّ التماهي من دون الدخول في صراعات جانبية لا تغني  المعرفة شيئا.
ومن الضروري القول أيضا إن منجزه الفكري كان مادة  خصبة للعديد من الرسائل والأطاريح الجامعية في دول عديدة، بوصفه  رائدا من رواد علم الكلام الحديث ومفكرا عميقا أغنى المعرفة بفكر إنساني خلّاق.

د. نصير جابر، كاتب عراقي.

https://alsabaah.iq/99395-.html