كتاب مسرّات القراءة ومخاض الكتابة

غفران سعد[1]

أُتابع باهتمام كتابات الدكتور عبد الجبار الرفاعي مُنذ عامين وربما أكثر، قرأتُ لهُ مما يُنشر على حساباته وبعض كُتبه أيضاً، ولطالما انتابني الفضولُ لمعرفة رحلته مع القراءة والكتابة. حريٌّ بي وبغيري ممن يعرف الدكتور الرفاعي أن ينتابه هذا الفضول، فمثل هذه القامة الفكرية الفذة تُعدّ كنزاً معرفياً لنا نحنُ الجيل الجديد. أتممتُ قراءةَ كتابه الصادر مؤخراً عن داري “منشورات تكوين في الكويت، ودار الرافدين في بيروت”: “مسرّات القراءة ومخاض الكتابة” هذا العنوان الذي أراه وصفًا دقيقًا لرحلة القارئ مع القراءة وبَهجتها وملذاتِها، والكتابة وآلامها.

يكتب لنا الدكتورُ الرفاعي رحلتهُ – الثرية معرفيًا – مع القراءة، هذه الرحلة بكل مسرّاتها ومشاقّها ألهمتني وأسرتني، واستني ومنحتني دفقةً معنوية كبيرة لرحلتي أيضًا في عالم القراءة والكتابة. يذكر الرفاعي في سيرته كيف للقراءة الحقيقية والجادّة أن تصنع المعنى لحياة الفرد القارئ، هذا المعنى الذي لا يكون واحدًا مُطلقًا للجميع بطبيعة الحال، فلكلّ واحدٍ منا معناه الذي صنعته رحلتُه وتجرِبتُه. يكتب بلغةٍ كما قال عنها قُرّاؤه، وأقولها أنا أيضًا، إنها: “لغةٌ شهية” تجعلك تتلذذ ببلاغة كلماته، وتسكن النفس لمُلامستها القلب والروح بحُسن معانيها وصدقها، ومخاطبتها لما يعتملُ داخل النفس الإنسانية من تساؤلاتٍ وتطلعات وآمال. يصف الرفاعي رحلتَه مع القراءة في تقديمه لكتابه بقوله: “أنا قارئٌ قبل كلِّ شيء وبعد كلِّ شيء. لم تمنحني القراءةُ إجازةً ليومٍ واحدٍ في حياتي، لم أجد نفسي خارجَ أسرِ القراءة، وأظن أني لن أتوقفَ مادمتُ حيًا. أنفقتُ من سنوات عمري معها أكثرَ بكثيرٍ مما أنفقتُ برفقة البشر. بعد هذه الخبرة في القراءة أصبح القارئُ كاتبًا، غير أن القراءةَ مازالت تلازمه وتفرض حضورَها كأولويةٍ على الكتابة، لا تصمد مواعيدُ الكتابة وجداولها الزمنية لحظة يتّقد شغفُ القراءة. حين أضجر من الكتابةِ أستريحُ بالقراءة، وحين أفقدُ التركيزَ بعد ساعاتٍ من القراءة، لا يستفيق وعيي مجددًا إلا بالقراءة”.

محطات القراءة المبكرة في حياة الرفاعي لها أثرٌ بالغُ الأهمية فيما هو عليه الآن، منذ كان طفلاً وحتى بدايات الشباب لم يتوانَ عن قراءة كلّ ما يقع بين يديه من الكراسات وغيرها، كان مُستمعًا جيدا لصوت الفضول في داخله لاكتشاف العالم من حوله، نما هذا الفضولُ المُحبب لديه، وهكذا كبُر على هذا المنوال في درب القراءة كمن يلتمسُ فيها غذاءَ روحه وعقله، فلا يستطيعُ عنها انفكاكًا.

يحدّثنا مؤلف “مسرّات القراءة ومخاض الكتابة” أيضاً عن أهمية أن تكون لدى القارئ منهجيةٌ واعية فيما يقرأ، ذلك لأن القراءةَ قبل كلّ شيء متعلقةٌ بالمنهجية والتوجيه، أن تكون قارئًا فهذا لا يُحتّم عليك قراءةَ كلّ كتابٍ مهما كان، المنهجية تُشكّل نظامَك المعرفي بدقة ورسوخ، أما القراءة العشوائية فليست إلا حائلا أمام تطورك المعرفي، ولا تضيف لك إلا التشتت والضياع.

“المكتبةُ متحفٌ يكتنزُ أثمنَ ما يمتلكه الكاتبُ بحياته” هكذا يصفها الرفاعي، وأجد أن هذا أدقّ وصفٍ لمكتبة القارئ الفذّ، القارئ الذي حُرِرَ عقله بمكتبته، مكتبته التي تحمل نجاَته المعنوية من أغلال الوجود وعذابات تساؤلاته، يرى القارئُ في هذه الكتب والأوراق حياةً غير الحياة، فيها وصفٌ لشخوصه وتطلعاته وسير نموه المعرفي. ويوجز عبد الجبار الرفاعي نمطَ حياته في فضاء الكتب بقوله: “يعرف مَن يعيش في فضاء الكتب ما تتحدث إليه لوحاتُ أغلفتِها وألوانها وأشكالها، وما تحكيه خطوطُ عناوينها، وإخراجُ صفحاتها وحروفُ كلماتها، وما تبثّه روائحُها ونكهةُ أوراقها. المولعون بالكتب يشعرون بالهدوء والأنس لحظةَ تحدّثهم وينصتون إليها بعيدًا عن أيّ شيء سواها”.

ولأجل ألا نحصر سُبل المعرفة بالقراءة فقط على الرغم من كونها من أعمق و أهمّ السُبل، إلا أن مصادر المعرفة تنوعت و تعدّدت في هذا العصر كما يرى الرفاعي، فاليوم تُستقى شتى أنواع المعارف من خلال المسارح و الأفلام ووسائل التواصل، وما تحمله من رسائل للمتلقي في طياتها، بل وخوض التجارب باختلافها، و الترحال في الميادين المتنوعة، كما أن الواقع مدرسةٌ تعلمك ما لا يمكن للكتب أن تعلمك إياه، يجبرك على خوض ما لم تتوقع، إن هذا التنوع في تلقي المعارف يمنحك إحساسًا جليلاً بالتوسع والحرية في كيفية بناء وعيك بتنوع مصادر هذا البناء. يتحدث لنا المؤلف عن أهمية الواقع بقوله: “تجارب الحياة علّمتني أن بعضَ الأشخاص، ممن لا يعيشون بين أوراق الكتب؛ يعرفون الإنسانَ جيدًا من خلال تفاعلهم اليومي مع الواقع، ربما أكثر مما نعرفه نحن جماعة الكتاب والقراءة، رأيتُهم أكثرَ قدرةً على التكيّفِ مع الواقع، وبناءِ علاقات وثيقة بغيرهم، منا معشر الكتّاب والمثقفين”.

أما عن الكتابة عند الرفاعي؛ فهي كما يصفها تجرِبةُ وجود، وتحقيقٌ للذات بطورٍ أعمق، هي خلاصةٌ لكونك لا يمكن أن تكون كاتبًا عميقًا ما لم تكن قارئًا حاذقًا، تواصل مِران الكتابة وتنغمس فيها حتى تخرج كتاباتُك في أبهى تجلياتها، وأعمق معانيها، الكتابة اِختبارٌ أخلاقيٌ لضمير الكاتب. يقول مؤلف “مسرّات القراءة ومخاض الكتابة”: “أعيشُ الكتابةَ بوصفها أُفقًا أتحَقّق فيه بطور وجودي جديد. الصدقُ في التعبير عن الذات هو البدايةُ الحقيقية للكتابة. أنا مشغول بالذات وأنماطِ تحقّقها، وليس في إصدار الأحكام على الناس والخوض في شؤونهم وخصوصياتِهم”.كتاباته تمنحك من الشجاعة ما يكفي لتُنصت لصوت تساؤلاتك، ألا تخافها ولا تقمعها، تحثّك على التفكير الهادئ، ومراجعة القناعات وسبر أغوار النفس. في الحديث عن القارئ والكاتب نرى الرفاعي يتناول حالاتهما السيكولوجية بمهارة مَن يعرف أعماقَ النفس الإنسانية وتذبذباتها وقلقها وحالاتها المتقلبة، يشرح لنا كيف تكون القراءةُ أفراحا ومسرات وابتهاجا، وكيف تولد الكتابة بمشقة تكاد تزهق روحَ الكاتب المبدع بمكابدتها أحيانًا.

سيرة الرفاعي في القراءة والكتابة باهرةٌ زاهرة، تستحق التأمل، والإنصات لما بين السطور، هي بستانٌ وارف تنهل منه ولا تكتفي، أقترح على مَن يهمّه التعرّف على تجارب القراء والكتّاب بقراءة كتاب: “مسرّات القراءة ومخاض الكتابة” ليتعرف على فصلٍ شيّق من سيرة كاتب كّرس كلَّ حياته لقراءة الكتب، وخاض مشقةَ الكتابة بشجاعة، واستنزفته تمارينُها المنهكة. وأخيرًا أقترح قراءةَ مؤلفات الرفاعي الأخرى، التي لا تقلّ ثراءً عن هذا الكتاب القيّم. أقول ذلك عن تجربة قراءة متوالية لها، وقد أعانتي في التغلّب على متاعب حياتية متنوعة، وأيقظتْ وعيي، وعملتْ على إثارة عقلي بأسئلةٍ عميقة وإجابات مبتكرة.

[1] كاتبة عراقية.

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=812377