يلتقي الدينُ بالمقدّس، لكنهما لا يتطابقان مفهومًا، ولا يتحدان مصداقًا دائمًا، إذ تتقدّس أشياءُ خارجَ الدين، كما أن هناك أشياءَ في الدين ليست مقدّسة. المقدّسُ والدين أحيانا تتحد وظيفتُهما، ويلتقيان ببعض مصاديقهما، وأحيانا تتنوع وظيفتُهما، ويختلف كلٌّ منهما عن الآخر في مصاديقَ أخرى.

ليس كلُّ مقدّس دينًا، وليس كلُّ ما في الدين مقدّسًا. في كلِّ دينٍ ما هو مقدّسٌ وما هو غيرُ مقدّس. حضورُ المقدّس الحقيقي محدودٌ جدًا في الأديان أو نادرٌ لحظةَ نشأتها، لكن المقدّسَ يتوالد بالتدريج بمرور الأيام، تبعًا لتضخّمِ المخيلة، وتوسع الميثولوجيا لدى أتباع الدين. كلما اتسع فضاءُ الميثولوجيا في الدين اتسع فضاءُ المقدّس، وكلما غاص الدينُ في باطنيةٍ غائمة تنامى فيه حضورُ المقدّس، لذلك نرى لدى الفرق الباطنية في الأديان تضخمًا للمقدّس وابهامًا والتباسًا في الرؤية، إلى الحدِّ الذي يصل أحيانًا إلى أن يبتلعَ المقدّسُ الدينَ كلَّه، فلا نجد شيئًا في الدين الباطني إلا مقدّسًا.

عندما نعودُ إلى التاريخ ونتفحصُ لحظةَ ظهور الأديان السماوية، خاصة الإسلام، وهو الدينُ الذي لم يتأخر تدوينُ السيرة والسنة فيه كثيرًا عن البعثة النبوية، في تلك اللحظة لا نعثر بوضوحٍ على غزارة في حضور صور المقدّس وأشكاله. مَنْ يبحث عن المقدّس لا يرى له حضورًا لافتًا له في إسلام عصر البعثة. كان الصحابةُ يتعاملون مع النبي محمد “ص” بشكل عفوي، بوصفه بشرًا مثلهم، بلا كُلفةٍ أو خوفٍ أو رهبة. يعيشُ النبي الكريم كما يعيشون، يأكلُ كما يأكلون، يلبسُ كما يلبسون، ويتحدّثُ كما يتحدثون. يتعاملُ معهم كأحدهم، ويرفضُ التعاملَ معه مثلما يتعامل الأتباع مع ملوكهم. لم يجدوا في تعامله بروتوكولًا، ولم يروا من حوله حاجبًا أو حارسًا أو حاشية أو بلاطًا، مثلما كان يفعل الملوكُ والسلاطينُ والزعماء في زمانه وفي أزمنة أخرى. ومن التبس عليه الأمرُ وتخيّل أن النبي الكريم “ص” ليس بشرًا نبهّهُ القرآنُ الكريم بقوله: “قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ”، الكهف، 110. “قلْ لا أقولُ لكم عندي خزائِنُ الله ولا أعلمُ الغيبَ ولا أقولُ لكم إنِّي مَلَكٌ إن أتَّبِعُ إلاَّ ما يُوحى إليَّ”، الأنعام، 50. “قلْ لا أملكُ لنفسي نَفعاً ولا ضرَّاً إلاَّ ما شاءَ الله ولو كنتُ أعلمُ الغيبَ لاستكثرتُ من الخيرِ وما مسَّنيَ السُّوءُ إن أنا إلاَّ نذيرٌ وبشيرٌ لقومٍ يؤمنون”، الأعراف، 180. شدّد القرآنُ على بشرية النبي، مع إشارته إلى اختصاصه بالوحي من دونهم. متخيّلُ المسلمين بعد عصر البعثة ظلّ يطمح لتضييق حدود بشرية النبي باستمرار، بنحوٍ انتهى بعضُ المسلمين بعد عدة قرون إلى تضخيم البعد الغيبي في شخصيته، إلى الحدّ الذي تلاشت معه حدودُ بشريته، وتحوّلت صورته إلى ميتافيزيقية، انطمست فيها بشريتُه.

لحظةَ ظهور أكثر الأديان في آسيا، كالبوذية والكونفوشيوسية وغيرها، لا نرى فيها ما هو مقدّس، كان مؤسّسوها حكماء، لم يقولوا أنهم يتصلون بالغيب، تعاليمُهم أقرب لحكمة الثقافة منها إلى روح الدين. لم يكن أشخاصُ المؤسّسين مقدّسين: بوذا أو كونفوشيوس، ولا كتبُهم، ولا إرشاداتُهم ووصاياهُم وتعاليمُهم، ولا رفاقُهم، ولا أيُّ شيءٍ ينتسب إليهم. إلا أن ذلك لم يستمر طويلا، فكلّما ابتعد الدينُ عن لحظة التأسيس لم يعد الواقعُ كافيًا لإشباع مخيلة الأتباع، لأنهم يرون الواقعَ ضحلًا واضحا لا يبوح بسرّ، ولا لغز فيه، والإنسانُ الديني مولعٌ بالأسرار، وبما هو ساحرٌ ملغز، ينجذب لما ينطوي على غموضٍ وحيرةٍ وابهام.

المقدَّسُ سرّ، المقدَّسُ مبهم، كنهُهُ مجهول. للمقدَّسِ سحرٌ وهالةٌ يشعرُ معها الإنسانُ الذي يعتقدُ به بهيبةٍ وسطوة، وصمتٍ ودهشة وذهول أحيانًا. المقدَّسُ قريبٌ بعيد، المقدَّسُ قريبٌ يشعرُ معه الإنسانُ كأنه حاضرٌ، المقدَّسُ بعيدٌ لا يمكن أن يقبضَ عليه الإنسانُ أو يراه أو يتلمس وجودَه حسيًا، لا يتجلّى المقدَّسُ إلا عبرَ آثاره.

المقدَّسُ يشعرُ القلبُ بهيبته ورهبته وقوته، ويتلذّذُ مَنْ يعتقد به بالتواصل معه وتحسّس حضورَه. المقدَّسُ تجاوزيٌ، عابرٌ للزمان والمكان. وإن كان العقلُ يجهلُ ماهيةَ المقدَّس، غير أنه يكتشفُ تجلياتِه وتمثلاتِه، وشيئًا من فاعلياته في إثارة عواطف الناس، وطاقته المثيرة بتأجيج مشاعرهم وإيقادها.

مَنْ يعتقد بمقدّسٍ معيّن يراه متجاوزًا للمادة، ولكلٍّ حدودها وأبعادها وكيفياتها وأشكالها وأحوالها. فضاءُ المقدّس رحبٌ لا يخضع لشيءٍ من قيود ومضايق المحسوس. المقدَّسُ عابرٌ للمتناهي والمحدود والحّسي.

يتقدّسُ: الإنسانُ، والمكان، والزمان، والحيوان، والنبات، وكائنات أخرى، بل يمكن أن يتقدّسَ أيُّ شيء في الأرض والسماء. مَنْ يعتقد بمقدّس يفتّشُ عن ماهيته خارج حدود المكان، خارج حدود الزمان، خارج حدود الواقع المحسوس، خارج حدود التاريخ. يحتفظ المقدّس بقداسته الأبدية، ويظلّ مبهمًا عصيًا على الفهم. المقدّس متلفّع بالغموض، كأنه سرٌّ أبدي، يتغلب على الهشاشة والفناء.

ربما لا يستغني عن المقدَّسِ إنسانٌ، حتى الملحد أحيانًا لديه مقدّساتُه الخاصة، أحيانًا يراه في شخصيات استثنائية، يعتقدُ أنها خارقةٌ تتجاوز تناهي الكائنِ البشري وقدراتِه المحدودة، ويتخيّلُ أنها عابرةٌ لحدود الطاقة البشرية. يتخيّلُ رموزًا وأشياء متنوعة يحسب فيها تمثّلاتٍ للمقدّس، وإن كان يُعلِن عن تنكّره لذلك.

يمكن أن يتقدّسَ الإنسانُ والحيوانُ والنباتُ والمكانُ والزمان وكلُّ شيء، ‏وكثيرًا ما يغدو رجلُ الدين مقدسًا في أديان سماوية وأرضية، وأوضحُ مثال على ذلك ما نراه في الأديان الهندية، وأديان متنوعة في آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية، وغيرها في مجتمعات مختلفة.

أكثرُ الملوك والأباطرة والزعماء في التاريخ خلقوا لأنفسهم هالةً مقدّسة، إذ صوّروا أنفسَهم وهم يقفون بمحاذاة الآلهة، فمثلًا نرى حمورابي ملك بابل “1792 ق.م – 1750ق.م” يقف بمحاذاة إله الشمس “شمش” الجالس، ليتسلم منه الشرائع المدونة على المسلة المعروفة باسمه، والمشهورة بأنها أقدم وأوسع وأثرى شريعة مدونة ذلك العصر في تاريخ الحضارات البشرية.

لم تتبدّد هالةُ الملوك والأباطرة والزعماء التي يصنعونها لأنفسهم حتى اليوم، فما زال بعضُ الناس يشعرُ بهالة ورهبة وسطوة زعماء سياسيين، مثل: لينين، وماو تسي تونغ، وهتلر، وغيرهم، ويشعر كثيرٌ من أتباع الزعماء الروحيين في الأديان السماوية والأرضية بأن هؤلاء الزعماء شخصياتٌ استثنائية مقدّسة.

يزحف المقدَّسُ على ما هو دنيوي، فتتقدّسُ أشياءٌ وأيامٌ وأماكنُ وكائناتُ غيرُ مقدّسة بمرور الأيام، ويطمسُ المقدَّسُ الزائف ما هو أخلاقي في الدين، وتنضبُ منابعُ إلهام الروح فيه. لحظتها ينامُ العقل، وتتفشّى ظاهرةُ تقديس أشخاص لا يمتلكون الحدَّ الأدنى من طهارةِ الروح، وسلامةِ القلب، وصحوةِ الضميرِ الأخلاقي.

إذا غابت العقلانيةُ النقديةُ تقدَّس غيرُ المقدَّس وتملّكَ مشاعرَ الناس، واستحوذَ على عواطفِهم، واستعبدَ عقولَهم. وتزامن مع ذلك تفشي الجهلِ في المجتمع، وانهيارُ أنظمة التربية والتعليم، وتجفيفُ روافد العلم والمعرفة. تضخّمُ المقدَّس وتغوّله، وتمدّدُه أُفقيًا ورأسيًا، يفرضُ سطوتَه بضراوة على الحياة، بنحوٍ يسقطُ كلُّ شيء في قبضة المقدَّس، ويستحوذ عليه مَنْ ينطق باسم المقدَّس. يستنزف تقديسُ غير المقدَّس طاقاتِ الفرد والمجتمع، ويستعبدُ العقلَ، ويعطّلُ قدراتِ الابداع، والتفكيرَ الخلّاق، ويطفئ جذوةَ الروح، ويستلبُ الضمير.

لا يقع المقدّس موضوعًا للعقل النقدي، أو موضوعًا للعلم، لأن المقدَّسَ خارج حدود العلم وأدوات كشفه، ولا يخضع لـ “معيار قابلية التكذيب”. كلُّ فكرةٍ لا تقبل الدحضَ والإبطالَ والتكذيبَ لا ينطبق عليها عنوانُ العلم، على وفق “منطق الكشف العلمي” لكارل بوبر.

أكثرُ الكلماتِ والمصطلحات المتداولة في الكتابات العربية تبدو بنظرة سطحية عاجلة ‏واضحةً جدًا، لكن بنظرة تغور في الأعماق ترى هذه الكلماتِ والمصطلحات غامضةً مبهمة. عدمُ التحديد الدقيق للمعنى والفوضى في الاستعمال تتسبب في كثير من الاختلافات والنزاعات والمعارك. أحيانًا بعد أن يتصالحَ الخصمان يكتشفان أن الالتباسَ والغموض في بيان المعاني المتداولة للكلمات والمصطلحات هو الذي ورّطهما في نزاع تتفق فيه الكلماتُ والمصطلحات لفظًا، لكنهما لم يتنبها إلى أنها تتغاير دلالة. التعريفُ الواضح والكشفُ عن المضمون بدقة يرسمُ خارطةً لحدود المعنى المقصود، ويخلّص الكلماتِ والمصطلحات من الاضطراب والتشويش والخلط بغيرها.

ورد التجديدُ في المعاجم العربية بمعنى: “الإتيان بما ليس مألوفًا أو شائعًا، كابتكار موضوعاتٍ أو أساليبَ تخرج عن النمط المعروف والمتفق عليه جماعيًّا، أو إعادة النظر في الموضوعات الرائجة، وإدخال تعديل عليها بحيث تبدو مُبْتَكَرةً لدى المتلقِّي”.

أعني بالتجديد إعادةَ فهم الدين وتحديد وظيفته المحورية في الحياة، وإعادةَ بناء مناهج تفسير القرآن الكريم والنصوص الدينية، وبناءَ علوم الدين ومعارفه في ضوء الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع ومختلف المعارف الحديثة.

منطلقُ التجديد هو الوعي بأن‌ متطلباتِ العيش في عصرنا وتحديات الواقع لا يمكن أن نستجيب لها بما نطق به المتكلمون والمفسرون والفقهاء والمتصوفة في عصور سابقة.كلُّ عصر ينطق بفهمه الخاص للنصوص المقدّسة، وكثيرٌ من الفهم التراثي يفتقر لتلبية احتياجات عقل وروح وقلب المسلم اليوم، ويعجز عن تأمين مصالحة بينه وبين ما يتطلع إليه الواقع الذي يعيش فيه، وإنتاج رؤية روحية وأخلاقية وجمالية للعالَم، تواكب متغيرات الحياة المتواصلة وإيقاعها السريع، وتستجيب لأشواق عقل وقلب وروح الإنسان.

يتحقّق التجديدُ بإعادةِ النظر في البنية العميقة للتراث، وكشفِ ما هو حيّ ومحيي فيه، وعبورِ ما سواه، وإنتاجِ فهمٍ للدين ونصوصه يحرّره من إكراهات التاريخ ويحرّر المسلم من غربته عن عصره.

مناهجُ التفكير ونظريةُ المعرفة وأدواتُ النظر هي المكوِّنُ العميق لبنية التراث التحتية، وهي ما يتحكّم بصناعة رؤيته للعالَم، لذلك فإن إعادة بناء علوم ومعارف الدين لابد أن تنطلق من هنا.

التجديد يتطلّب اكتشافَ نظرية المعرفة في الإسلام التي تشكّلت في ضوئها علومُ الدين. علم الكلام في رأيي يمثل نظريةَ المعرفة المؤسِّسة للبنى اللاشعورية في التراث، وفي ضوئها تشكّل كل من علم أصول الفقه وعلوم القرآن والتفسير وعلوم الحديث وعلوم اللغة العربية ومعاجمها، وحتى التصوّف تحكّمت في رؤيته للعالَم لاحقًا المقولاتُ الاعتقادية للكلام الأشعري وغيرها من مقولات الكلام القديم، الذي اصطلحت عليه “تصوّف الاستعباد” مقابل “تصوّف الحرية” الذي أعني به التصوّف المعرفي الخارج على الرؤية المغلقة للكلام القديم، الذي صنع رؤيته الروحية والأخلاقية والجمالية للعالَم. تصوّفُ الاستعباد تشبّع بتقاليد الاسترقاق في الزوايا والتكايا والخانقاهات، وكان يصطاد الأرواح المهشّمة والقلوب المنكسرة، وقد تفشى في عصور متأخرة لدى الطرق الصوفية. تصوّفُ الاستعباد يُدجَّن فيه المتصوف على الاستسلام والرضوخ والطاعة العمياء لشيخ الطريقة.

علمُ الكلام القديم، وأصولُ الفقه، وعلومُ القرآن والحديث وقواعدُ تفسير القرآن الكريم والنصوص الدينية، وقواعدُ السير والسلوك في التصوف، هي التي تفرض علينا نمطَ الفهم الذي تنتجه، وفي ضوئها تتشكّل رؤيتُنا للعالَم، ويعود إليها أثرٌ ليس بالقليل في توجيهِ سلوكنا، وتحديدِ مواقفنا من الماضي والحاضر والمستقبل، والتحكّم بطريقة تعاملنا مع الغير. وكلُّ هذه العلوم أنتجها مجتهدون أذكياء نطقوا بما واكبَ زمانهم والمجتمع الذي عاشوا فيه، وبرعوا بتوظيف المنطق والفلسفة والعلوم والمعارف المتاحة لهم.

أستعملُ مصطلح “التجديد”، ولا أستعملُ مصطلحات: “الإحياء أو الإصلاح أو السلفية”. البعض لا يميز بين هذه المعاني الثلاثة و”التجديد” فيخلط بينها ويستعملها كلَّها بمعنى واحد وكأنها مترادفات.

لا يدعو التجديدُ الذي أعنيه إلى استئناف التراث حيث هو كما يشي بذلك معنى “الإحياء”، ولا بترميم معارف الدين شكليًا والاحتفاظ بمناهج التفكير وأدوات النظر حيث هي كما يشي بذلك معنى “الإصلاح”، ولا يدعو التجديد لقبول القديم من دون غربلة وتمحيص والحذر والتحسّس من كلِّ جديد مهما كان كما يشي بذلك معنى “السلفية”.

التجديد في رأيي يتأسّس على هذه الأركان:

الشيخ جمال الدين الأفغاني 1838-1897

الركن الأول: دراسةُ وفهم واستيعاب ونقد علوم ومعارف الدين في التراث، واستكشافُ مداراتها ومدياتها وآفاقها المتنوعة، والاهتمامُ بالميراث العقلي في المنطق والفلسفة وعلم الكلام، والميراث الروحي والأخلاقي والجمالي في التصوّف المعرفي، والتقاط ما هو حيّ ومحيٌ في التراث، والتحرّرُ من المواقف التبسيطية الساذجة في التعاطي معه، والنظر إليه بوصفه كمية من النصوص التي يجب استظهارُها وحفظُها وتكرارُها، وتوقّف التفكير عند تنظيمها وترتيبها وتصنيفها، بلا تدبّر وتحليل وتأويل ومراجعة وغربلة وتمحيص.

الركن الثاني: الاستيعابُ النقدي للعلوم والمعارف البشرية الحديثة، مثل: الفلسفة، علم النفس، الاجتماع، الأنثروبولوجيا، الألسنيات، والهرمنيوطيقا، وغيرها من مكاسب العصر الحديث، وتوظيفُ ما يصلح منها كأدوات في قراءةِ النصّ الديني وتحليلِه، والإفادة منها في تفسيرِ تمثّلات الدين في حياة الفرد والمجتمع، واكتشافِ أنماط التجارب الروحية الفردية.

الركن الثالث: تجديدُ فهمِ الدين يتطلبُ مقارنةَ الأديان ونصوصها المقدّسة، ومعرفةَ كيفية تشكل مؤسّساتها الدينية، وصلة السلطة بتشكل التراث الديني وتنوع العلوم والمعارف الدينية.

الركن الرابع: تجديدُ فهم الدين يحتاجُ دراسةَ مساراتِ الدين عبر التاريخ، والكشفَ عن اختلاف وتنوّع تمثلاته وأنماط التدين في مختلف العصور والمجتمعات، واكتشافَ تعبيرات التديّن وأشكاله في حياة الأفراد والجماعات، وصلةِ ذلك بتشكل علوم ومعارف التراث ووسائل إنتاجها للمعنى الديني.

الركن الخامس: يبدأ التجديدُ بإعادة بناء أدوات إنتاج المعرفة في الإسلام، بمعنى ان تجديد فهم الدين لا يتحقّق إلا بتجديد مناهج الاجتهاد في الدين، وذلك يتوقف على الذهابِ عميقًا إلى البنية التحتية المنتِجة لعلوم ومعارف الدين، وغربلتها وتمحيصها وتفكيكها، وإنتاج مناهج اجتهاد لمختلف علوم ومعارف الدين مواكبةٍ لإيقاع الحياة المتسارع.

الركن السادس: بوصلةُ التجديد اعادةُ تعريف الدين، واعادةُ تحديد وظيفته في حياة الفرد والمجتمع، وما يمكن أن يقدّمَه الدينُ للإنسان من معانٍ روحية وأخلاقية وجمالية، وما يترقبه الإنسانُ من رفقٍ وشفقة ورحمة يمنحها الدينُ للحياة، وما يلهمه للروح من سكينة وللقلب من طمأنينة.

الركن السابع: لا ينجز التجديدُ وعودَه إلا بالتحرّر من التفسيرات الحرفية المغلقة لآيات القرآن الكريم والنصوص الدينية، والانفتاحِ في التفسير على المناهج الحديثة في علوم التأويل والألسنيات، وعلى كلِّ ما يمكن الإفادة منها من معطيات الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع.

الركن الثامن: دراسةُ المتخيّل الديني وتحليل ُكيفية تشكله وروافد تغذيته ومديات حضوره في انتاج المعنى الديني ضرورةٌ تفرضها عملية التجديد، فمَنْ يمتلكُ وسائلَ انتاج هذا المتخيّل يمتلكُ السلطةَ ويمتلكُ التحكُّمَ بحاضر الناس ومستقبلهم في مجتمعاتنا. المتخيلُ الديني يُستثمَر لترسيخ السلطة الروحية وتمدّدها، ويُستغَل لإضفاء المشروعية على السلطة السياسية ويعمل على تضخُّمِ هيمنتها وتغوّلها. حضورُ المتخيّل الديني كبيرٌ في تكوين المقدس واتساعه، وانعكاسِه المباشر على حياة الإنسان وسلوكه، وهو عاملٌ مؤثر في بناء ثقافة الأفراد والمجتمعات، وتجذّرِ البنى اللاشعورية في الوعي، وتوجيه بوصلة مصائر المجتمعات المسلمة وأقدارها التاريخية. للمتخيّل الديني سلطةٌ واسعة على العقل في مجتمعاتنا، ربما ينتهي تمدّدُ سلطته إلى تغييب العقل وتعطيله. لا يسترد سلطةَ العقل إلا التفكيرُ النقدي الذي يضعُ المتخيلَ الديني في حدوده، ويعملُ على توظيفه بشكل فاعل في البناء والتنمية.

الركن التاسع: لا يبدأ التجديد بالتراث لينتهي بالتراث كما يفعل بعض من يكتبون ويتحدثون عن التجديد، ‏ولا يبدأ بالواقع ويصور لنا التراثَ وكأنه يستجيب لكلِّ ما يتطلبه الواقع من دون اكتراث بأن أكثر ما في التراث يتنكر له الواقع،كما يدلّل على ذلك نحوُ قرنين من إخفاق هذه الدعوة وتهافتها. مَنْ يدعو للانطلاق من التراث والعودة إليه، وبتعبيره “إعادة بناء التراث”، لبث حائرًا يكرّر نفسَه، لم يستطع الغوصَ في التراث والتقاط كنوزه، ولم يتبصر أفقًا مضيئًا يغادر فيه ما هو ميتٌ ومميتٌ من التراث.

إعادة بناء التراث كما قرأتها في بعض المشاريع الفكرية لم تكن بناء جديدًا يستلهم العقلاني والروحي والأخلاقي والجمالي الحيّ والمحيي في التراث، ويقوم بتركيبه وسكبه في مركب بديل في ضوء متطلبات الواقع، معتمدًا على معطيات الفلسفة والعلوم والمعارف الحديثة، بل كان أحيانًا مجردَ عملية استئناف للتراث بكلماته ومصطلحاته وعباراته ومضمونه كما هو، وإن كان يجري وضعُه تحت عناوين جذّابة ولافتات برّاقة. تحدثت عن ذلك بتفصيل أوسع في مقالة نقدية لمشروع الصديق الدكتور حسن حنفي تنشر قريبًا.

‏   قلما نجد من يفكّر بنظام بديل لإنتاج المعنى الديني من النصوص المقدسة خارج فضاء أدوات النظر ومناهج الاجتهاد في التراث. ما يصدر من الأزهر وغيره من معاهد التعليم الديني التقليدية كثيرٌ منه كلام تكراري عن الإحياء والإصلاح، ‏لا يجد مَنْ يصغي إليه خارج معاهد التعليم الديني. وأكثر تلك الكتابات يتكدّس فيها لفظٌ على لفظ، ويتراكم فيها فائضُ القول، وكلماتٌ من دون مضمون أحيانًا، يشعر القارئ اليقظ بالضجر منها.

‌  نحتاج إلى مراجعة نقدية عميقة لمسار الإصلاح الديني التكراري في الإسلام منذ جمال الدين الأفغاني إلى اليوم، الذي مازال ‏يصادر كلَّ دعوة للتجديد تحت لافتته. ‏النقد العميق للتراث واكتشاف بنيته التحتية ونظم إنتاج المعنى الديني فيه يصدر أحيانًا من خارج هذه المعاهد، لكن مازال التفاعل معه هامشيًا، وأكثر الناس لا يصغون إليه مالم يصدر عن المؤسسة الدينية المكرسة.

‏ كي يحقّق الدينُ وظيفتَه في الحياة اليوم لابدّ أن نفهمه بوصفه حياةً في أُفق المعنى. ‏في ضوء هذا الفهم للدين ووظيفته في الحياة ينبغي أن يتأسسَ المنهجُ الذي نعتمده في تفسير القرآن الكريم والنصوص الدينية، والكشف عن المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي في القرآن وهذه النصوص، الذي تحتاجه حياةُ الإنسان في الأرض.كلُّ ما هو خارج ذلك يستمدّه الإنسانُ مما يقوله العقلُ والعلوم والمعارف البشرية، وما أنجزه تراكمُ خبرات الإنسان ‏عبر عشرات الآلاف من السنين.