عن ندوة د. عبد الجبار الرفاعي في معرض القاهرة للكتاب

د. أحمد سالم، مدير الندوة أستاذ الفلسفة في جامعة طنطا بمصر

بعد فترة انقطاع طويلة عن المشاركة فى أنشطة معرض القاهرة الدولى للكتاب، أعود لإدارة جلسة المفكر العراقى الكبير عبد الجبار الرفاعي، بعنوان: “الدنيوي والديني في ضوء #علم_الكلام_الجديد“… وهو أحد أبرز الأسماء فى العالم العربى. وهو المفكر الذى إرتقي فى رؤيته للدين من الحدود المذهبية الضيقة إلى الأفق الإنسانى الرحب. وهو المفكر الذى رأى المقدس فى الأفق الإنسانى المتعدد الفهم. وهو يؤمن بأن الدين هو معين القيم الأخلاقية الكبرى كالحرية والرحمة والمحبة. عبر العين العرفانية كانت اجتهادات عبدالجبار الرفاعى فى فلسفة الدين. وأهمية الدين فى حياة الإنسان. قبل الندوة التقيت بالمستشار عبد الجواد ياسين وبعض الأصدقاء على كافيه “مقهى” أبو عوف فى معرض الكتاب .. فى الساعة السادسة أدرت حوارا جميلا مع القامة الكبيرة الدكتور عبد الجبار الرفاعى عن رؤيته الإنسانية لتجديد الفكر الدينى. وكان حضور الجمهور ممتازا بالقاعة ..كما شرفت  سفيرة العراق بمصر بحضور الندوة … وسفير اندونسيا بتونس مع مجموعة من التلامذة الأندونيسيين بجامعة الأزهر. وكان أجمل ماسمعت بالأمس هو كلام سفير اندونسيا للدكتور عبد الجبار الرفاعي عن سعي السفير الدؤوب لنقل كل ما يكتبه باللغة العربية إلى اللغة الاندونسيه، لأنه يدرك بعمق قيم التسامح التى يدعو لها فى مؤلفاته، وأهمية دور القيم الأخلاقية فى مشروعه الفكرى. ولقد حضر جمع من التلامذة الاندونسيين الذين يدرسون بالأزهر بصحبة السفير. وكم تشعر بجمال الدين مع مسلمى جنوب شرق آسيا. أدركت كيف أن المفكر ينكفي على عمله سنوات لكى يخرجه مكتوبا بين دفتى كتاب، ولكنه لايدرك حجم تأثير مايكتبه، الا حينما يرى أفكاره قد طارت عبر المكان والزمان لتصل إلى قراءه…حقيقى كنت فخور جدا برؤيتى لمدى تأثير ما يكتبه عبد الجبار الرفاعى فى أناس يختلفون عنه فى العرق واللغة، ويتوافقون معه  فى الدين بروحه المتسامحة … كم هى رسالة الكاتب مؤثرة، حين يكتب بصدق يصل صدق ما يكتبه إلى قلوب الآخرين …نورت مصر دكتور #عبدالجبار_الرفاعي.

https://www.almothaqaf.com/e2/973633-%D8%B9%D9%86-%D9%86%D8%AF%D9%88%D8%A9-%D8%AF-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%81%D8%A7%D8%B9%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%B9%D8%B1%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D9%87%D8%B1%D8%A9-%D9%84%D9%84%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8

 

معيار الرفاعي لتمييز علم الكلام الجديد

براء ريّان[1]

يبدأ كتاب “مقدمة في علم الكلام الجديد” بالحديث عن نشأة علم الكلام، وأسباب النشأة ودوافعها، إن كانت داخلية أو خارجية. علم الكلام لم ينشأ كنوع من الترف الفكري كما يعتقد البعض، بل نشأ تلبية لحاجات فرضها الواقع الاجتماعي والسياسي والديموغرافي والثقافي والعقدي. يوضح د. عبدالجبار الرفاعي في هذا الكتاب المخاوف التي أصابت الفقهاء من هذا العلم الذي يحاول عقلنة أصول الدين وإثباتها بطرق عقلية. عارض كل من الإمام مالك والشافعي وأحمد بن حنبل هذا العلم، وهذا التعاض يعكس البنية السوسيولوجية والمعرفية التي لم تتهيأ في تلك اللحظة التاريخية لاستيعاب التفكير العقلاني الفلسفي بطريقة شبيهة لمن يرفض العقلانية الحديثة. مثّل علم الكلام في تلك اللحظة قمة الفكر العقلاني في الإسلام بجرأته ومقولاته المتنوعة وأسئلته. يقول الدكتور عبد الجبار الرفاعي: ان تراجع علم الكلام بدأ عندما نُقلت الحوارات الكلامية من دور العلم إلى بلاط السلطان وخضعت للسياسة،كان الاعتزال ضحية هذا الانتقال من التفكير خارج حدود عقلانية السلطة. عندما تأدلج علم الكلام وتوقف التفكير العقلاني فيه دخل مرحلة السبات، وصار ضحية الوثيقة القادرية ( ٤٠٨ هـ ) التي فرضت مذهباً رسمياً واحداً لا يحق لأحد الخروج عليه وهو المذهب الحنبلي، وحرّمت التفكير الاعتزالي، فكانت هذه ضربة موجعة للتفكير الكلامي العقلاني، بعد أن تحول لمقررات ومراسيم وأوامر تفرضها السلطة السياسية. لم يستسلم الفكر الكلامي كليا لهذه التحولات، بل نهض علم الكلام مجدداً بعد زمان على أيدي متكملين كبار كنصير الدين الطوسي وفخر الدين الرازي، وغيرهما، وهو ينهض اليوم مجددا في علم الكلام الجديد.

كان لنشأة الفكر الكلامي في عالم الإسلام دور هام بتوليد الأسلئة العقلانية التي تبحث قضايا الاعتقاد لتولد منه تساؤلات ومقولات متنوعة. حضور العقل في التفكير الكلامي وعقلنة العقائد الدينية، وبحث كبرى الأسئلة العقلية كالجبر والاختيار والتوحيد والعدل وغير ذلك، تسبب بمحاربة التفكير الكلامي من تيارات رأته يشكل تهديداً لأصول الشريعة. نضج علم الكلام ليشكل الرؤية الكونية في الإسلام، وليشكل نظرية المعرفة في الفكر الإسلامي كما يرى أستاذنا عبد الجبار الرفاعي.كل ذلك كشفه الرفاعي في علم الكلم القديم، فأدرك سطوته على العقل الإسلامي، بل أدرك أنه المنبع العميق لأصول الفقه والآراء والمواقف الفقهية وتفسير القرآن الكريم وشرح الحديث الشريف.

تحدث الرفاعي عن محاولات التأسيس الحديث لعلم الكلام وتجديده منذ أيام ولي الله الدهلوي مروراً بسيد أحمد خان ومحمد إقبال وفضل الرحمن، وانتقالاً للمدرسة الإيرانية في مشروع القراءة الهيرمونيطيقية عند محمد مجتهد شبستري، إلى القبض والبسط وبسط التجربة النبوية عند عبد الكريم سروش، والعقلانية والمعنوية عند مصطفى ملكيان، ثم المدرسة العربية المتمثلة بالقراءة الألسنية عند نصر حامد ابو زيد، والإسلاميات التطبيقية عند محمد أركون، والتراث والتجديد عند حسن حنفي، وغيرهم. كتابات كثيرة مر عليها أستاذنا الرفاعي واستوعبها استيعاباً نقدياً وناقش أصولوها ومرجعياتها، مما جعلته يضع جهده الأكبر في رسم ملامح علم الكلام الجديد، ووضع مقدمة هذه كي تحاول رسم حدود هذا العلم وموضوعه ومنهجه، محاولاً تمييز الكلام الجديد عن الكلام القديم من جهة، والكشف عن المحاولات الشكلية لتجديد علم الكلام.

يرى الرفاعي ان علم الكلام القديم لبث يفكر في إطار العقلانية القروسطية، وفي ظل منطقها وفلسفتها، وفي ظل نظامها المعرفي، والعلوم الطبيعية السائدة آنذاك. نشأ علم الكلام ليجيب عن أسئلة المسلم في تلك القرون، فمع تطور المنطق والفلسفة ونشوء علوم الإنسان والمجتمع الحديثة، وتطور العلوم الطبيعية لدرجة القطيعة الابستمولوجية مع الطبيعيات القديمة، وتطور أسئلة المسلم المعاصر، نشأت حاجة يفرضها الواقع، لنشوء علم كلام جديد، يستوعب الطفرات الفلسفية الحديثة والعلوم الإجتماعية والمناهج الإبستمولوجية، ليخلق حواراً فكرياً ينطلق من واقع المسلم. وعلى هذا الساس تسقط بعض الدعوات التي ترى علم الكلام الجديد نوعا من الترف الفكري والإدعاءات، فنظرة سريعة لما نحن فيه ندرك فيها الحاجة الماسة التي فرضها الواقع لإنشاء علم الكلام الجديد. لا يمكن مثلاً بناء حياة متصالحة مع العصر للمسلم في ظل مقولات الولاء والبراء والفرقة الناجية وتكفير المسلم المختلف في عقيدته التي ترسخت في علم الكلام القديم.

معيار علم الكلام الجديد عند الرفاعي

يضع الرفاعي معياراً واضحاً لتمييز الكلام الجديد عن الكلام القديم، والمعيار يتمثل كما يرى في الفهم الجديد للوحي. يرى الدكتور الرفاعي أن كل شيء يحدد فهمه تعريفنا للوحي، إذ يقول: (يبدأ علمُ الكلام الجديد بإعادة تعريف الوحي بنحو لا يكرّر تعريفَه في علم الكلام القديم كما هو. اقترحتُ في هذا الكتاب معيارًا يمكن على أساسه أن نصنِّف مفكرًا بأنه “متكلم جديد”، ويتمثل هذا المعيارُ في كيفية تعريف المتكلم للوحي، فإن كان التعريفُ خارجَ سياق مفهوم الوحي في علم الكلام القديم، يمكن تصنيفُ قوله كلامًا جديدًا، لأن طريقةَ فهم الوحي هي المفهوم المحوري الذي تتفرّعُ عنه مختلفُ المسائلِ الكلامية، ومن أبرزها مسألةُ “الكلام الإلهي” وغيرُها من مقولات كانت موضوعًا أساسيًا لعلم الكلام القديم. إن كيفيةَ تعريف الوحي والنبوة والقرآن يتفرع عنها ويعود إليها كلُّ شيء في الدين، لا يبدأ تجديدُ فهم الدين إلا بإعادة تعريف هذه المفاهيم المحورية الثلاثة، في سياق متطلبات الإنسان اليوم للمعنى الديني، واحتياجه لما يثري حياتَه الروحية والأخلاقية والجمالية. في حدود تعريف الوحي يتحدّد مفهومُ النبوة، ويتحدّد حضورُ الإلهي في القرآن في حدود فهم النبوة، ويتحدّد معنى الكلام الإلهي).

مسألة فهم الوحي أخذت مسارين في الفكر الإسلامي المعاصر، كما يقول الدكتور الرفاعي:

1- مسار يرى الوحي بتعبير د. نصر حامد ابو زيد (منتَج ومنتِج ثقافي) حيث يكون في فترة التكوين مرآة للثقافة، وما بعد التكوين يتحول لموجِّه للثقافة. يعتمد هذا المسار علوم الإنسان والمجتمع والفلسفة في تفسير تمثلات الوحي وأصله، فيقعون في بعض الأحيان في إنكار البعد الغيبي للوحي، ونرى في بعض الأحيان عبارات لهم يعترفون بها بالأصل الغيبي للوحي، وإن كانوا يرون أن الوحي مرآة انعكس فيها واقع عصر البعثة الشريفة ولغة ذلك العصر. ويرى الرفاعي هذا في كتابات: نصر حامد ابو زيد ومحمد اركون وحسن حنفي وعبد المجيد الشرفي.

2- مسار يتعامل مع الوحي بكونه ظاهرة ميتافيزيقية غيبية، ويبحث في أصل ونشأة الوحي أكثر مما يبحث في تمثلاته في الحياة الإجتماعية، ويعتمد هذا التيار آثار العرفاء والفلاسفة في دراسة أصل الوحي، وعلوم الانسان والمجتمع في تفسير تمثلات الوحي في الواقع، ويرى الرفاعي هذا في كتابات: محمد اقبال وفضل الرحمن ومحمد مجتهد شبستري وعبد الكريم سروش.

فهم الرفاعي للوحي

يقول الرفاعي: (الفهم الذي أتبناه للوحي لا يهدرُ البُعدَ الإلهي الغيبي المتعالي على التاريخ الذي ينطقُ به الوحيُ، على الرغم من توظيف هذا الفهم لشـيء من أدواتِ فلسفة الدين وعلمِ الأديان المقارن وعلومِ الإنسان والمجتمع، للكشف عن البُعد البشـري التاريخي في تمثلات الوحي في الواقع. البُعد الإلهي في الوحي لا يقعُ في إطار صيرورة التَّاريخ وسياقاته، البُعد البشـريّ في الوحي يقع في إطار صيرورة التاريخ وسياقاته. كلُّ ما هو تاريخي بشـري وكلُّ ما هو بشـري تاريخي،كلُّ ما هو إلهي بوصفه إلهيًّا خارج التاريخ، وكلُّ ما هو خارج التاريخ لا يخضع لمعادلات دراسة الواقع وأدوات فهمه وتفسيراته). فهم الدكتور الرفاعي للوحي يشدد على مضمونه الميتافيزيقي الغيبي، ولا يتجاهل البُعد البشري في شخصية النبي “ص”. يفهم الرفاعي الوحي بطريقة ديناميكية وهي تختلف عن الطريقة الميكانيكية التي ترى النبي “ص” مجرد وعاء مر من خلاله الوحي من دون أي تفاعل منه. الرفاعي يرى أن النبي متفاعل إيجابي مع الوحي. للوحي جانبان كما يرى الرفاعي: إلهي / بشري، بشري / إلهي، الإلهي يتمثل بعقيدة التوحيد والقيم الكبرى التي نطق بها القرآن الكريم الأبدية التي تنطبق على كل إنسان مهما تغيرت الظروف والأحوال والأزمان، والبشري يتمثل بانعكاس حياة النبي الخاصة “ص” والظروف الخاصة بمجتمعه وواقع عصر البعثة الشريفة على الوحي. وبهذا لا يكون النبي متفاعلا سلبيا مع الوحي، بل يكون متفاعلا إيجابيا تظهر شخصيته وحياته بوضوح في الوحي. في ضوء فهم الرفاعي يتضح أن كل من لا يفهم الوحي فهماً ديناميكياً لا يمكن أن يصنف متكلماً جديداً. ويعلن الدكتور الرفاعي عن فهمه للنبوة وصلة النبي بالغيب، والفرق بين النبي وبين غيره ممن لا صلة له بالغيب، عندما يقول الرفاعي: (النبي ليس شاعرًا، ولا كاهنًا، ولا متنبئًا، ولا متأملًا يقوده تفكيره لمقام النبوة، النبيُّ نبيٌّ وكفى. لا يتمثل الوحيُ بمشاهدة النبي لأحلام في حالة النوم، أو صورٍ ينسجها خيالُ النبي، أو حالة نفسية، أو محصِّلة ارتياض صبور، أو تأمُّلات عقلية. التفسيرات من هذا النوع تهبط بمقام النبي، ولا تتنبه للتكامل الوجودي الذي تسامى إليه النبي وانفرد فيه. الوحيُ حقيقةٌ أصيلة تعكس تكاملًا في وجود مَنْ يتلقاه، وتكشف عن صلة وجودية استثنائية بالله).

يصنف البعض خطأ بعض الكتابات التي تكتب بلغة جديدة وتنحت مصطلحاتها الخاصة على أنها كلام جديد، لكن هذه الكتابات لا يمكن ان تصنف كلاماً جديداً وفق معيار الدكتور عبد الجبار الرفاعي، لهذا يرفض الرفاعي أن يصنف الدكتور طه عبد الرحمن على أنه متكلم جديد ولا يصنف كتاباته كلاماً جديداً، لأن د. طه وفيٌّ للتراث والمدونة الكلامية ومقولات الاشعري والغزالي وابن تيمية تماماً، وإن نحت معجمه اللغوي الاصطلاحي المبتكر. العقل التراثي عقل مقيد بالتراث لا يجرؤ الخروج على مسلماته. د. طه عبد الرحمن حلقة تأخذك لكل مسارات اللغة والفكر ولكنها تعيدك في نهاية المطاف للتراث. المشكلة اننا لا نجرؤ على نقد التراث، ونقد العقل والمناهج والوسائل التي توالد من خلالها. المشكلة في عدم تحررنا من النظام المعرفي والقيمي الحاكم على المنظومة التراثية، لا نعرف سوى أن نقول تجاه العلوم الحديثة أنها نشأت في ظل نظام معرفي وقيمي معين لكي نرفضها، ثم ننسى أن نطبق هذا على علومنا التي نشأت في ظل نظام معرفي وقيمي قائم على العقلانية الأرسطية والرؤى التراثية. نحن نعي جداً أن هذا النظام المعرفي والقيمي كان حاكماً على كل المعارف الإسلامية، لكننا نرفض أن نفكر في ضوء العقلانية الحديثة ولوائح حقوق الإنسان. تربينا على كراهية عصرنا ومنجزاته، هكذا تعيش أجسادنا في العصر الحديث، لكن فكرنا مازال في القرون الهجرية الأولى، تشكله مقولات الشافعي والأشعري والغزالي وابن تيمية وغيرهم.

 

مناقشة الرؤى الرسولية للدكتور عبد الكريم سروش

يقول د. عبد الكريم سروش في بسط التجربة النبوية (تحدثنا في كتاب القبض والبسط عن بشرية وتاريخية المعرفة الدينية، وفي هذا الكتاب “بسط التجربة النبوية” نتحدث عن بشرية وتاريخية الدين والتجربة الدينية نفسها)، ثم إنتقل عبد الكريم سروش في كتابه الاخير ( كلام محمد، رؤى محمد) للحديث عن فهم للوحي بوصفه أحلاما يشاهدها النبي “ص” في المنام.

في سياق نقده للدكتور سروش ينطلق الدكتور الرفاعي من رؤية يؤسس عليها نقده، إذ يقول: (لكلٍّ من العلم والفن والغيب حقيقةٌ على شاكلته، يمكن التعرّفُ على هذه الحقيقة في فضائها الخاص. للغيبِ حقيقتُه ومظاهرُه وفضاؤه، مثلما للعلم حقيقتُه وفضاؤه وقوانينه، وهكذا للفن حقيقتُه وفضاؤه). مادام لكل شيء حقيقته الخاصة التي يتم التعرف عليها من خلال فضائه الخاص، ومادام لكل من الفن والعلم والغيب حقيقته، ويتم التعرف على هذه الحقيقة من داخلها، لذلك لا يمكن تفسير البعد الغيبي للوحي بمناهج علم النفس، لأنها مناهج تتعاطى مع ما يدور في النفس الإنسانية بمنطق علم النفس الحديث، ولا صلة لها بما يدور في الغيب وما وراء الطبيعة، فأي دراسة للغيب في الوحي تعتمد مناهج علم النفس سترى أن الوحي حالة سيكولوجية يعيشها النبي “ص” تخطئ الطريق كما يرى الرفاعي، إذ ستبدأ بالإنكار وتنتهي بالإنكار. يمكن دراسة كل ما ينتمي لعالم الطبيعة في الوحي من خلال المناهج العلمية لعلوم الانسان والمجتمع أو العلوم الطبيعية، لكن ما يتعلق بالبعد الغيبي في الوحي فهو بحث يقع خارج الإطار البحثي لعولم الإنسان والمجتمع أو العلوم الطبيعية، في ضوء هذه الرؤية يناقش الدكتور عبدالجبار الرفاعي نظرية الدكتور عبد الكريم سروش في الرؤى الرسولية، حيث يرى الدكتور سروش أن الوحي عبارة عن رؤى عرضت في المنام للنبي، وللرؤى لغتها الخاصة حيث لا تخضع لقوانين المجاز والكناية، فلغة الاحلام تحتاج لتفاسير الأحلام، وبهذا ربما نحتاج للجوء لتفسير الوحي سيكولوجياً. في سياق نقده لسروش ورفضه لاعتماد اعتمادُ مناهج البحث في العلوم الطبيعية والانسانية في تفسير البعد الغيبي للوحي يقول الرفاعي: (يمكن اعتمادُ مناهج البحث العلمي في دراسة كلِّ شيء ينتمي للطبيعةِ في القرآن الكريم، ومن العبثِ تطبيقُ هذه المناهج في اكتشاف ذات الحقائق الميتافيزيقية وما هو خارج الطبيعة، دراسةُ الميتافيزيقا وما بعد الطبيعة أحدُ حقول الفلسفة. الوحي بوصفه حقيقةً غيبية ينتمي إلى ما بعد الطبيعة، لذلك لا يصحّ تطبيقُ مناهجِ وأدوات علمِ النفس وغيرِه من العلوم في الكشفِ عن ذات الغيب وتحليلِ مضمونه ومعرفةِ حقيقته. عندما تحاول نظرياتُ علم النفس أن تفسِّر الوحيَ فإن أولَ ما تبدأ به هو نزعُ مضمونه الغيبي والنظرُ إليه على أنّه حالة سيكولوجية يعيشها النبي. أخفقت محاولاتُ اكتشاف الغيب بوسائل العلوم المعروفة، وأدخلت الإنسانَ في متاهات تبدأ بالإنكار وتنتهي بالإنكار،كمَن يحاول معرفةَ ذاتِ الله وحقيقتَه وكنهَه بأدوات العلوم ومناهجها المعروفة. يمكن التعّرفُ على شيءٍ من ملامحِ الغيبيات وصفاتِها ومظاهرِها وتجلياتِها بما تتحدّث به آياتُ القرآن. الآياتُ تتحدّث عن الغيبيات بلغةٍ رمزية، تستعين أحيانًا بالمحسوسات، بغيةَ تقريب ما لا صورةَ له بصور المادي وخصائصه وصفاته. الصورُ المحسوسة يدركها الإنسانُ عبر الحواس، إلا أنه لا يعرف حقائقَ الغيبيات وذواتَها لأنها لا صورةَ لها، وإن كان يمكن تقريبُها للذهن عبر التمثيل بالأشياء المادية). النبوة عند الدكتور عبد الجبار الرفاعي مقام وجودي يحتاج الإنسان إلى تكامل وجودي واصطفاء إلهي يؤهله لتلقي الوحي، كما تشير الآية: (إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً)، التأهيل لتلقي هذا القول الثقيل لا يمكن أن يكون من خلال الرؤى، النبوة هي الطور الوجودي الذي يكون أكمل طور وجودي ومقام وجودي يرتقي إليه الإنسان كما يرى الرفاعي.

يؤكد الدكتور عبد الجبار الرفاعي: إن كانت عمليات إعداد قادة العسكر والفكر والسياسة تحتاج لبرامج تعليمية لسنوات طويلة، فكيف يمكن لإنسان يؤهل لمقام تلقي الوحي الذي يصفه القرآن الكريم بـ (القول الثقيل) أن يتحقق من خلال الأحلام. يقول الرفاعي: (إن كان الإنسان لا يبلغ مرتبة النبوة إلا إذا تسامت كينونته الوجودية وتحقق بكمالٍ إستثنائي يؤهله لهذا المقام الإلهي الفريد، فلا يمكن أن تكون الرؤى في المنام وسيلةً لتكامله وبناءِ إستعداده الوجودي لمقامٍ يؤهله لتحمل الوحي وتلقيه. تنتمي النبوةُ لذلك الميتافيزيقي/ الغيبي الذي لا صورةَ له، ولا يمكنُ فهمُه وإدراكُ حقيقتِه بمناهج وأدواتِ العلم، لأن النبوةَ ذاتُ طابعٍ وحياني. الوحيُ حالةٌ وجودية بالمعنى الأنطولوجي وليس بالمعنى المادي للوجود، تتحقّق هذه الحالةُ الأنطولوجية عندما تتكامل كينونةُ الإنسان، الإنسان المؤهل وجوديًا للنبوة هو الوحيد الذي يتلقَّى الوحي. مَنْ يرى النبيَّ كالشاعر والنبوةَ كالشعر ينفي كونَ النبوة مقامًا وجوديًا يبلغه الإنسان، الشاعرُ إنسانٌ موهوب يتميزُ بقدرته على إبداع الشعر، مرتبةُ الشاعر الوجودية هي مرتبةُ غيره من البشر. النبيُّ مثلُ غيره من الناس في حياته ومعاشه وطبيعته البشرية، إلا أن مرتبتَه الوجودية ارتقت، ولذلك اصطفاه اللهُ للنبوة).

تمييز علم الكلام الجديد عن فلسفة الدين

يضع استاذنا الرفاعي معياراً للفصل بين علم الكلام الجديد وفلسفة الدين، المتكلم الجديد مؤمن بالوحي والنبوة، ويبحث تحت سقفهما، أما فيلسوف الدين فمن الممكن ان يكون مؤمناً أو غير مؤمن ويبحث في كل شيء بحثاً حراً من دون سقف معين. فلسفة الدين فلسفة، الفلسفة حكم العقل لا غير كما يقول الرفاعي: (‏الفلسفة تعني حكم العقل لا غير. الفلسفة مرجعية العقل في كل قضية إثباتًا أو نفيًا). وفي هذا السياق يرفض الرفاعي محاولات “أسلمة الفلسفة” ويراها ضرب من التفلسف ضد الفلسفة، يقول بصراحة: (لا يكون التفكير فلسفيًا إلا أن يقع خارج إطار المعتقدات والأيديولوجيات والهويات المغلقة. كل الأُطر المقيدة للتفكير العقلي تمارس تمويهًا بعناوين مراوغة عبر الأدب والفن، وأخطر أشكال التمويه عندما تتخفى المعتقدات والأيديولوجيات والهويات وتفرض أحكامها وراء قناع الفلسفة والعلم والمعرفة. محاولات “أسلمة الفلسفة” ضرب من التفلسف ضد الفلسفة. كتبت عن ذلك أكثر من مرة في مقالاتي ومؤلفاتي). وهذا تمييز واضح يرفع الالتباس الذي وجد مع الشيخ مصطفى عبد الرازق حيث عد علم الكلام هو الفلسفة في الاسلام، الفلسفة يفترض أن تكون بحثاً عقلياً محايداً، وعلم الكلام ينحاز لجملة من المسلمات الاعتقادية. أي فكرة ترى في الفلسفة خصوصية ستنتهي بأدلجة الفلسفة. العلم ربما ينحاز، لكن لا يمكن للفلسفة أن تنحاز.

 

استعادة المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي في الكلام الجديد

غاب الإنسان عن المدونة الكلامية القديمة، وتخصصت هذه المدونة في ذات الله عز وجل وصفاته وما يتفرع عنها، ونست الإنسان الذي كُلف بأعظم مهمة في الوجود وهي الاستخلاف. علم الكلام الجديد يستعيد للإنسان مركزيته في الوجود التي اكتسبها من كونه خليفة الله في الأرض. يرى الرفاعي انه لا تعارض بين مركزية الإنسان في الكلام الجديد مع مركزية الله عز وجل وهو رب الإنسان كما حصل في بعض الفلسفات المعاصرة، بل يكتسب الإنسان هذه المركزية نتيجة ما وهبه الله: (إني جاعلٌ في الأرض خليفة). لا يدرس الدكتور عبد الجبار الإنسان وحاجاته بمعزل عن الله كما حصل في رؤية حسن حنفي التي وصلت إلى ما أسماه الرفاعي (نسيان الله في تفسير حنفي للقرآن) فنسيان الله ينتهي إلى نسيان الإنسان (نسوا الله فأنساهم أنفسهم).

يرى الرفاعي ان اخراج الدين من حدوده الأنطولوجية وترحيله لحدود أيديولوجية انتهى إلى نزع المضمون الروحي والأخلاقي والجمالي للدين، وتحويله من وسيلة لإنتاج المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي إلى أداة أيديولوجية يصبح فيها وسيلة للوصول إلى السلطة والثروة. هذا الترحيل من الفضاء الأنطولوجي للفضاء الأيديولوجي رصده علم الكلام الجديد، لذلك يبحث عن سبيل لإستعادة الدين إلى فضائه الأنطولوجي ليكون حسب تعريف د. الرفاعي: “الدين حياة في أفق المعنى، تفرضه حاجةُ الإنسان لإنتاجِ معنىً روحي وأخلاقي وجمالي لحياتِه الفردية والمجتمعية”. ويشتق الرفاعي “من ‏هذا التعريف كل شيء يكتبه ويقوله عن الدين”. في كتابات الدكتور الرفاعي إنقلاب مضمر مستتر على تيارات فكرية معاصرة، أخرجت الدين من دائرة الأنطولوجي إلى دائرة الأيديولوجي، فأخضعت النصوص القرآنية لمقولاتها الخاصة، وأصبح النص ينطق عندهم بما تتضمنه مقولات مثل “الحاكمية” ، “بناء فوقي وبناء تحتي” ، “ديالكتيك صاعد هابط” والخ، من مقولات إسلامية مختلطة بماركسية أُلبسب على النص، لذلك أخذ الكلام الجديد عنده مهمة إعادة الدين لفضائه الأنطولوجي ليكون منبعا للمعنى الروحي والأخلاقي والجمالي في الحياة. يشدد الرفاعي على أن “أي معرفة لا يعرف فيها الدين حدوده فهي معرفة غير منتجة”.

العقلية الكلامية القديمة

لم يستطع أكثر من يكتبون في الدين الخروج على العقلية الكلامية القديمة، والتفكير بآفاق علم الكلام الجديد.كتابتهم تولد فجوة عميقة بين جيل نشأ على كتابات صنعت متخيلهم نحو الحياة والمختلف في المعتقد وبين جيل الشباب المسلم.كتابات تضع الذات في قفص وهاجس “الهوية”، ككتاب (جاهلية القرن العشرين)، تضعهم مقابل الجيل الجديد من أبناء الإسلام، الذي لا يُغذي متخيله هذه الكتابات بل إشتق له طريقاً آخر. لا تفضيل لمتخيل جيل على جيل آخر، فلكل جيل خصوصيته التي أحترمها. شعر جيلٌ كامل بالخيبة، آمن تارةً بحلم الدولة الوطنية، وتارة بشعارات ناصرية قومية، ثم بالخيبة الكبرى بدولة الإسلام السياسي، التي سجنت إيمانه بقفص “الأيديولوجيا” وفشلت ببناء الدولة. غذت متخيله كتابات العقلية الكلامية القديمة بمصطلحات لا وجود واقعي لها: (كالجيل القرآني الفريد، والعزلة الشعورية عن المجتمع، والدولة الإسلامية، والجاهلية، والنظام الإسلامي، والخ). صدمات متتالية وتجارب باءت بالفشل، جعلت كثيرون يرون في نصوص جلال الدين الرومي ملاذاً، حيث لا قفص للإيمان، ولا كراهية للآخر، طريق الإيمان لديه هو طريق الحب. ما الضير في هذا، أيُلام جيل تحمل صدمات الفشل المتكررة التي زعزت كل شيء عنده، ثم لجأ للكنوز الروحية حفاظاً على المعنى الذي يتولد عنده من الإيمان. ينزعج البعض من الاهتمام المعاصر بشخصيات كالتوحيدي والرومي وابن عربي أكثر من الاهتمام بأبي حامد الغزالي وابن تيمية. الإهتمام بالتوحيدي والجاحظ ومسكويه وابن سينا وابن رشد وابن طفيل يفوق الإهتمام بالغزالي وابن تيمية والإمام الشافعي، هذه حقيقة لا يمكن إنكارها. لماذا هذا الانزعاج من تحول الاهتمام بشخصيات معينة إلى شخصيات أخرى؟ العقل الإسلامي تغذى على كتاب تهافت الفلاسفة للإمام الغزالي ونسوا كتاب تهافت التهافت لفيلسوف قرطبة ابن رشد. لم نقرأ نزعة الأنسنة عند الجاحظ والتوحيدي ومسكويه، حتى قدوم الفيلسوف محمد أركون ليحيي هذه النزعة ويقدمها لنا. إن الاهتمام الحالي في جيلي بالشخصيات المعاصرة كالجابري وأركون ونصر حامد ابو زيد وناصيف نصار ومحمد إقبال وفضل الرحمن وعبدالجبار الرفاعي يفوق الإهتمام بالندوي والمودودي وسيد قطب ومحمد قطب وأبو يعرب المرزوقي وطه عبد الرحمن. ينتمي كل جيل منا لكتّابه الذين يخاطبون عقليته ويعرفون احتياجاته. لن نحاكم ما تقرؤون، ولا تحاكمون ما نقرأ، قد وُلد كلٌ منا لزمان مختلف وتحدياتٍ ورهاناتٍ مختلفة.

وأخيراً هذه جهود مهمة، سيكون لها نتائجها في يوم ما، وعلينا ألا نظلمها ونحملها فوق طاقتها، فما زال الفكر الكلامي الجديد لم يتجاوز المئة وخمسين عاما، ويحتاج إلى وقت للتبلور والنضوج مثله مثل أي علم آخر. شكراً لاستاذنا الدكتور عبد الجبار الرفاعي على هذه الرحلة الممتعة في هذا الكتاب الرائع.

[1] براء ريّان، كاتب عراقي.

 

رابط النشر:

فلسفة التديّن

د. عبد الجبار الرفاعي

أكثرُ ما يُكتَب تحذفه عاجلًا أو آجلًا ذاكرةُ الكتابة، وتتنكر لحضورِه المكتباتُ الرصينة، ويطارده القراءُ المحترفون، ويفضح النقّاد زيفه. أقرأ كتاباتٍ في الفلسفة والكلام القديم والجديد تتحدّث عن كلّ شيء وتحاول أن تقول كلَّ شيء من دون أن تقول شيئًا، يكتبها أناسٌ يفتقرون إلى أدنى تكوينٍ تراثي أو أكاديمي أو لغوي، يكدّسون كلماتٍ صاخبةً مقعّرة لا تبوح بدلالاتٍ مفهومة، يورّطون أنفسَهم بحرفةٍ صعبة لا يمتلكون موهبتَها، تغويهم سهولةُ النشر اليوم فيُغرِقون المكتباتِ بأكداسٍ من الورق، تسرقُ أعمارَ القرّاء غير الخبراء، وتعبثُ بذائقتهم، وتهتكُ تقاليدَ الكتابة الجادة.

هذا كتابٌ من النوع الذي يمكث في ذاكرة المكتبة، وأظنّ أن حضورَه سيتجدّد لدى الخبراء مهما تقادم زمانُه. في كتابِ “فلسفة التديّن” استطاع الدكتور حبيب فياض أن يكتب الكثيرَ من سيرته المعرفية والأخلاقية وتجربتِه الروحية. أعرف حبيب منذ ثلاثةِ عقود، وكلّما اختبرت الأيامُ صداقتَنا تجلّى حبيب كأعذب ما يتجلّى فيه إنسانٌ شجاع عاطفي صادق، العاطفةُ المتدفقة غير المشروطة هي ما يغويني في كلِّ صداقاتي. حبيب متصالح مع نفسِه، يقول قناعاتِه الفكرية بجرأة، وإن كانت لا تشدو ما يقوله أكثرُ الناس. ‏أعرف التكوينَ الرصين لحبيب فياض، وتلمذتَه على فلاسفةِ دينٍ ومتكلمين كبار نهلوا من منجمِ التراث الفلسفي والعرفاني ومعطياتِ الفلسفة والعلومِ الإنسانية الحديثة، وأعرف جيدًا الذكاءَ الفائق الذي يلتمع في ذهنِه، ومثابرتَه وجَلَدَه في مراحلِ التكوين الجامعي، وأعرف مواقفَه وشهامتَه وغيرتَه على الإنسان. هذا الكتابُ مرآةٌ مضيئة ارتسمتْ فيها صورةُ حبيب الباحثِ الدقيق، وصورةُ مشروعِ المفكر الذي يحاول أن يبتكر منهجَه ويحدّد خارطةَ تفكيره المرسومةَ بعناية واحتراف، خارطة لا تشبه إلا ذاتَه، وكأنها لوحةُ فنانٍ مزج فيها ألوانًا متناغمة لتكون مرآةً مضيئة لفرادتِه. يحاول حبيب أن يعيد بناءَ أسسِ التفكير الديني في الإسلام في سياقٍ مختلِف، لا يقف كثيرًا عند الدينِ بمفهومِه النظري، لا يذهب إلى الأفكارِ المجردة والتأملاتِ العقلية وقراءاتِ النصوص الدينية، يذهب مباشرةً للواقع يسائل تجلياتِ الدين وحضورَه العملي، يدلّ القارئَ على التديّن الذي هو صوتُ الله في ضميرِ الإنسان، وصورةُ الدين في حياةِ الإنسان ومواقفِه وسلوكِه الفردي والمجتمعي.

عشتُ أيامًا عديدة مع مخطوطةِ هذا الكتاب، كانت رحلتي معه شيّقةً شاقة. شيّقة بوصفها معايشةَ كاتبٍ أعرفه عن قرب، وأعرف تكوينَه العميق في الفلسفةِ ومدرسةِ الحكمة المتعالية خاصة، وفي الإلهياتِ بشكل عام، واطلاعَه الواسع على الفلسفةِ وعلومِ الإنسان والمجتمع وعلومِ الألسنيات ومناهجِ التفسير الحديثة. وشاقة بوصفها كتابةً ابتكرت طريقتَها الخاصة في بناءِ المفاهيم والتعبيرِ عنها وإنتاجِ رؤيتها الاجتهادية، وكلُّ كتابةٍ من هذا النوع لا يمكن أن تستوعبها إلا بقراءةٍ متأنيةٍ متريثة. ربما لا تتفق مع حبيب في شيءٍ من رؤاه وطريقتِه في تركيب الأفكار، وما يسوقه من حجج، وأسلوبِ تعبيره عنها، غير أنه يفرض عليك كقارئٍ أن تنصت بهدوءٍ للمتن الذي ينسجه بإحكامٍ وتأملِ دقيق وتفكيرٍ صبور.كما يعرف تلامذةُ حلقات العلم التراثية أن قراءةَ المتون العرفانية بقدر ما هي شيّقةٌ هي شاقةٌ أيضًا، لا يستسيغها إلا قارئٌ قراءتُه عابرةٌ لأبعد من حدودِ الكلمات وآفاقِها الضيقة، قارئ تخترق استبصاراتُه ما وراء الكلمات.كلّما توغلتُ أكثر شعرتُ بحاجةٍ إلى قراءةِ هذا الكتاب أكثر من مرة. هذا كتابٌ نتعلّم منه كيف نفكر تفكيرا عقليًا في الدين، وهذا النوعُ من الكتب قليلٌ جدا اليوم.

هذا كتابٌ يعلّمنا كيف نتفلسف في الدين والتديّن لا على نموذجٍ متداوَل سابقًا، ولا على رؤيةٍ مقرّرة سلفًا. لم أجد عقلي ينصاع لكلِّ رؤى المؤلِّفِ ومنهجِه، غير أن قوةَ الكتاب فرضتْ عليّ كقارئٍ متخصّص أن أعود لمسائلةِ مناهجِ الكتابات الأخرى في هذا الموضوع، وحججِها وقناعاتِها المفارِقة في كثيرٍ منها لما جاء في الكتاب، واختبارِها في تقويضِ قناعاتِ المؤلف. مادامت الأسئلةُ الميتافيزيقة الكبرى تختبر إجاباتِها وتجّددها على الدوام، فهذا كتابٌ يضعنا أمامَ إعادة النظر في إجابات تعلّمناها أو ابتكرناها، إنه كتابٌ يجعلنا نكرّر طرحَ هذه الأسئلة، ويدعونا أن نفكر مجدّدًا في أجوبتِنا.كلٌّ منا أنا وحبيب يفكِّرُ في الدين ويقرأ نصوصه على شاكلته، إلا أني وجدتُ نفسي وأنا أقرأ هذا الكتابَ بتأملٍ أتعرّف على حبيب مجدّدًا، حبيب الذي ينشد اللحن الروحي والأخلاقي في الدين الذي أنشده، لكن بمنهجَين غير متطابقين، وبرؤىً متوازيةٍ لا تتكرّر معالجاتُها، وإن كنا معًا نعمل على تكريسِ الروح وإيقاظِ الضمير الأخلاقي وتنميةِ الحسِّ الجمالي في التديّن.

بدءًا بعنوانِ الكتاب: “فلسفة التديّن” يثير في عقلِك المؤلِّفُ سؤالًا تحير في جوابه، أنت تعرف أن مصطلحَ “فلسفة الدين” هو المتداوَل حتى اليوم في الفلسفةِ الحديثة، منذ العملِ الرائد “محاضرات في فلسفة الدين” للفيلسوف هيغل “1770 – 1831″، أما “التدين” فهو يحيل إلى العلومِ الإنسانية الحديثة، بما أنه تعبيرٌ عن تمثّلاتِ الدين وانعكاسِه في حياة الفرد والمجتمع، وهو ما يرتسم من صورةِ الدين في حياة الإنسان ووعيه وضميره، وهذا شأنٌ يتصل عضويًا بالواقع، ومداخلُ دراسة التديّن بوصفه واقعةً فردية ومجتمعية هو علومُ النفس والاجتماع والأنثربولوجيا والميثيولوجيا، وعلومُ الألسنيات والسيميائيات والهرمنيوطيقا الحديثة. حاول حبيب نقلَ التفكير الفلسفي إلى الواقعِ الذي يحقّقه الدين، وسعى إلى أن يشرحَ موقفَه بتمييزٍ دقيق بين: المباحثِ الداخلدينية، والخارجدينية، ومضى نحو تحديدِ مصطلحاتِه وأدواتِه المنهجية بدقّةٍ وصرامةٍ في الفصلِ الأول من الكتاب، وجهد في التدليلِ على ما أثاره من أفكار، لدرايتِه بالأسئلةِ المتنوعة المتوالدة من هذا الضربِ من الكتابةِ المفارِقة للمألوف.

يجادل حبيب فياض في فلسفةِ الدين، ويضع عقولَنا أمامَ أسئلةٍ مختلفة حول “فلسفةِ التديّن”، وهو المصطلحُ الذي يصرّ على تضمينِه عنوانَ كتابه، ويحاول أن يخوض فيه من مداخلَ متنوعة، لا يستوعبها إلا قارئٌ صبور ذو تكوينٍ فلسفي وديني مزدوج. مقارباتُ التديّن المتنوعة تتسع لتوظيفِ علم النفس وعلمِ الإنسان والاجتماع والألسنيات، غير أن حبيب فياض عمل على زحزحةِ التديّن وإدراجِه في حقل الفلسفة، وهي محاولةٌ دلّل عليها منذ بدايةِ الكتاب حتى نهايتِه، محاولةٌ تفرضُ عليك أن تنظرَ فيها بتريث، سواء اقتنعت بها أم لم تقتنع.

لا تظهر قيمةُ الكتابةِ الفلسفية بمقدار ما تنتجُه من إجاباتٍ جديدة، ولا فيما تكرّره من إجاباتٍ جاهزة. قيمةُ هذه الكتابة في براعتِها بوضعِ عقل القارئ أمامَ مشكلاتٍ عميقة يتطلب الخوضُ فيها الكثيرَ من التأمل والتفكير غير المتعجِّل. لم أجد عقلي في بعضِ إجابات المؤلِّف وآرائه، بل وجدتُ لديه ما يحرّضني على التفكيرِ ويستحثّ عقلي على توليدِ أسئلةٍ موازية للأسئلةِ التي شغلتني أكثر من أربعةِ عقود، وحاولتُ أن أكتب إجاباتي عنها في مؤلفاتٍ متعدّدة.

لا أريد أن ألخصّ مادةَ الكتاب الثرية الواسعة، فهذا يتطلب كتابةً موسعة. الكتابُ لا يترك عقلَ القارئ الذي يقرأه بهدوءٍ يهدأ، إنه كتابٌ لا يرضى عنه السلفيون، مثلما لا يرضى عنه بعضُ دعاة الإحياء والإصلاح والتجديد، إنه كتابٌ يشدو لحنَه الخاص، ويبتكر رؤاه، ويعمل على تعزيزِ حججه. قليلٌ من الكتب ذلك الذي يضيف للذهن مادةً جديدة للتفكير، وأقلُّ منها ما يثير لديه الأسئلة، لم يضِف لي هذا الكتابُ معلوماتٍ جديدة في الدين، على الرغم من وفرتِها فيه، بقدر ما حرّض ذهني على إعادةِ طرح أسئلةٍ وتعميقها كنت بحاجةٍ شديدةٍ لمواصلة التفكير فيها. أنا إنسانٌ يتغذّى تفكيري ويتجدّد بالأسئلة، ولا يكفّ ذهني عن العودةِ إلى الأسئلة الميتافيزيقية الكبرى كلّما تقدم بي العمر. لا يستقرّ الذهن لمدةٍ إلا بتقديمِ إجاباتِه لها، ثم سرعان ما يعود إليها كلّما قرأ كتابًا من هذا النوع، أو واجهه موقفٌ لافت، أو رأى شيئًا مثيرًا، أو أنصت بعمقٍ لغابة أسئلة الوجود.

شكرًا دكتور حبيب فياض على هذا الكتابِ الذي استحثّ ذهني على التفكيرِ معه وضدّه. ما ينقل الذهنَ للتفكير خارجَ الأسوار المغلقة على الدوام هو الكتابُ الذي يدعوك للتفكير ضدّه. أتطلع أن يأخذ هذا الكتابُ الثمين مكانتَه المناسبة في الدراسات الجامعية بتخصّصات الفلسفة وعلوم الدين، وأن يحضر في الدراساتِ الدينية في الحوزة ومعاهدِ التعليم الديني التقليدية، وأظنّها الأشدَّ حاجةً لهذا الكتابِ وأمثالِه، والأشدَّ حاجةً إلى تلك الكتب القليلة جدًا المنشغلة بإيقاظِ الذهن وبناءِ الحياة الروحية والأخلاقية.

 

تقديم كتاب فلسفة التديّن، تأليف: د. حبيب فياض، يصدر قريبًا عن مركز دراسات فلسفة الدين ببغداد، ودار الفارابي ببيروت.

 

رابط النشر:

الخلاصُ من احتكارِ الخلاص في علم الكلام الجديد

د. عبد الجبار الرفاعي

ينطلق كتابُ: “مقدمة في علم الكلام الجديد” من رؤيةٍ تبتني على أنه مادام هناك إنسانٌ فهناك أسئلةٌ ميتافيزيقية كبرى، وهذا النوعُ من الأسئلة لا جوابَ نهائي له، وهو ما يقوله لنا تعدّدُ وتنوّعُ إجابات الفلاسفة واللاهوتيين والمتكلمين المتواصلة لهذه الأسئلة في مختلف الأديان والثقافات، وتجدّدُها في مختلف مراحل تطور الوعي البشري، وفي منعطفات الفكر الفلسفي واللاهوتي والكلامي.

علمُ الكلام الجديد يدرك أن الحقيقةَ واحدةٌ في ذاتها، إلا أنَّها نسبيَّةٌ في معرفتها. نسبيةٌ بمعنى تنوّعِ وجوهها، وتعدّدِ الطرق إليها، واختلافِ تصوّرِها باختلاف الطرق الموصِلة إليها، وكثرةِ وجوهها بتنوّعِ زوايا النظر إليها. المقولاتُ الاعتقادية في علم الكلام القديم لا ترى للحقيقة الدينية إلا وجهًا واحدًا، وتختزل كلَّ الطرق إلى معرفة الله بطريقٍ واحد، ولا تقبل إلا زاويةَ نظر الفرقة الكلامية القائلةِ بها، وترى لغةَ تعبيرها عن مقولاتها هي اللغة المشروعة، ولا تتقبل بالضرورة اسلوبَ تعبير وكلمات فرقةٍ غيرها. هذا النوعُ من احتكارِ الحقيقة الدينية واحتكارِ معنى الخلاص كان ومازال حاكمًا على الضمير الديني، وهو الذي تسببَ في خصوماتِ وصدامات عنيفة للفرق والمذاهب في التاريخ. عبرّت هذه المقولاتُ عن الواقع المرير الذي عاشه المسلمون في ماضيهم، وذلك يؤكد على أنها ليست صالحةً للواقعِ الذي يعيشه المسلمُ اليوم.

يحتاجُ المسلمُ اليومَ لعلم الكلام الجديد كي يُشبعَ حاجته للمعنى الذي يمنحه الدين للحياة، ويتحرّرَ من الشعور بالتفوق على المختلِف، ويقبلَ المساواةَ في المجتمع الواحد على أساس إنسانية الإنسان، ويحترمَ التكافؤَ في الحقوق والحريات في وطنٍ واحد على أساس المواطنة. في علم الكلام الجديد يُعاد تعريفُ الإنسان بالشكل الذي يذهب إلى أن إنسانيتَه لا تتحقّق إلا عند تحقّق كرامته. الكائنُ البشـري يستمدّ قيمتَه من إنسانيته، ويستمدّ إنسانيتَه من كرامته، أية محاولة لإهدار كرامة الإنسان تنتهي إلى إهدار إنسانيته. الكرامةُ الإنسانية قيمةٌ إنسانيّةٌ عُليا، هي مقصدُ مقاصدِ كلّ دين وجوهرُ إنسانيته، معناها واحدٌ صريحٌ يتساوى فيه كلُّ الناس، بغضّ النظرِ عن دينهم وثقافتهم وجنسهم وموطنهم ولونهم ومهنتهم. تكريمُ الانسانِ بوصفه إنسانًا واجبٌ أخلاقي وليس مِنّةً أو تفضُّلًا من أيِّ أحد. حمايةُ كرامة النَّاس معناه حمايةُ كرامتنا من الانتهاك، لأنَّ الكرامةَ واحدةٌ لا تتجزَّأ، كرامتُنا لا تتحقّق من دون تكريم كلِّ الناس.

علمُ الكلام الجديد يخلّصُ المعنى الديني من التكفير واحتكار الخلاص. التكفيرُ يحتكر الخلاص، ويهدرُ كرامةَ الإنسان عندما يستبيح مالَه ودمَه ويحكم بخلوده في النار. التكفيرَ ضربٌ من العنف، وعلى رأي الغزالي “التكفير حكم شـرعي يرجع إلى: إباحة المال، وسفك الدم، والخلود في النار”[1]، التكفير عنفٌ لفظيّ يتضمن قذفًا وتشهيرًا وترهيبًا، وهو حكمٌ إقصائي يغترب المكفَّرُ بسببه عن مجتمعه، عندما يحاصره التكفيرُ ويجتثّه من عالَمه. مَن لا يحترم كرامةَ الإنسان لا يحترمه اللهُ ولا يكرّمه، الكرامةُ أسمى قيمة وجودية وهبها الله لبني آدم، الله يثأر من أولئك الذين يمارسون ضربًا من الاغتيال المعنوي لإنسان آخر، ممن يكفّرونه فيهدرون كرامتَه ويجرّدونه من إنسانيته.

علمُ الكلام الجديد يحرّرُ المسلمَ من أحكام الولاء والبراء المتفشية في مجتمعاتنا أمس واليوم. إذ كيف يعيش المسلمُ في مجتمع متعدد الأديان ومتنوع الفرق والمذاهب، وهو يتمسك بأمثال هذا الرأي: “سئل الشيخ ابن عثيمين، عن حكم السلام على غير المسلمين؟ فأجاب بقوله، البدء بالسلام على غير المسلمين محرم ولا يجوز”[2]. و”سئل الشيخ عبد العزيز بن باز، عن حكم جواز الأكل من ذبائح تارك الصلاة عمدًا؟”، فكان جوابه: “إن الذي لا يصلي لا دين له، ولا تؤكل ذبيحته… فلا تؤكل ذبيحته، ولا يدعى لوليمة، ولا تجاب دعوته؛ بل يهجر حتى يتوب إلى الله وحتى يصلي”[3]. وأمثال هذه الآراء نعثر عليها في التراث الكلامي والفقهي لمختلف الفرق الإسلامية.

مؤلفاتُ الفرق الكلامية ومقولاتُها تفتقرُ لتلبية أكثرِ ما يبحثُ عنه الإنسانُ من معنىً في الدين. مقولاتُ الكلام القديم الاعتقادية لا تورثُ الروحَ سكينتَها، ولا القلبَ طمأنينَته، ولا تكرّسُ التراحمَ والمحبّة، ولا ترى الإنسانَ المختلِف في معتقده مساويًا لغيره. لا ينظرُ الكلامُ القديم إلى الإنسانِ بما هو إنسان، بل ينظرُ إليه بما هو معتنقٌ لمقولات الفرقة الكلامية، ومَنْ لا يعتنقُها لا تصحُّ محبتُه، ولا يجوز الولاءُ له، بل تجبُ البراءةُ منه.

الطبعةُ الأولى لكتاب “مقدمة في علم الكلام الجديد” صدرت بداية سنة 2021 عن دار التنوير ببيروت ومركز دراسات فلسفة الدين ببغداد، وفي منتصف ذلك العام صدرت طبعتُه الثانية عن دار الشؤون الثقافية في وزارة الثقافة ببغداد. تميزت الطبعةُ الثانية بإضافات لا تقلّ عن خمسين صفحة. وفي هذه الطبعة الثالثة تحدثتُ بشكل تفصيلي عن الوحي، وناقشت رأي الدكتور عبد الكريم سروش في الرؤى الرسولية. وأضفتُ الفصلَ الثاني بعنوان: “تجديد علم الكلام”، فأصبح الكتابُ خمسةَ فصول. اعتمدَ الفصلُ الثاني في مادته على شروح وتوضيحات إضافية رأيتُها ضروريةً للكشف عن التباس مفهوم التجديد وتداخله بمفهومَي الإحياء والإصلاح في اللغة العربية، والخلطِ بين هذه المصطلحات الثلاثة، وكيف تتعدّد معانيها بتعدّد أساليبِ توظيفِها وسياقاتِها في الاستعمال. عدمُ التحديد الدقيق للمعنى، والفوضى في استعمال الكلمات والمصطلحات، يتسببان بجدلٍ مضجِر ونزاعات قد تنتهي بمعارك. التعريفُ الواضح يكشفُ عن المضمون بدقة ويرسمُ خارطةً لحدود المعنى المقصود، ويخلِّص الكلماتِ والمصطلحات من الاضطراب والتشويش والغموض والإبهام. لغةُ علم الكلام القديم ليست محايدة، هذه اللغةُ تعكس الأفقَ التاريخي للعصر الذي توالدت فيه مقولاتُ مؤسّسي ومجتهدي الفرق، ومختلف الأحوال والظروف والوقائع السائدة في عصرهم. اللغةُ مرآةُ الواقع مثلما أن الواقعَ مرآةُ اللغة، تصوّرُ اللغةُ ما يسودُ حياةَ المجتمع من عقيدة ورؤية للعالَم واقتصاد وسياسية وثقافة، كما ينعكسُ أثرُ اللغة على الواقع المجتمعي فيعيدُ تكوينَه.

يبتني هذا الكتابُ وغيرُه من مؤلفاتي على محاولةِ فهم الإنسان في ضوء مكاسب الفلسفة والعلوم والمعارف الحديثة. أحاول في ضوءِ هذا الفهمِ التعرّفَ على احتياجات الإنسان غير المادية، ومنها حاجتُه الأساسية للدينِ، وفهمَ نوعِ الدين ونمطِ التدّين الذي يؤمِّن له هذه الحاجة. ما يؤمِّن هذه الحاجةَ هو الدينُ بوصفة حياةً في أفق المعنى تفرضه حاجةُ الإنسان الأبديةُ لمعنى روحي وأخلاقي في حياته الفردية والمجتمعية، وفقًا للتعريف الذي اقترحته. إعادةُ تعريف الدين والوحي والنبوة هو ما يفرضُ بناءَ علم كلامٍ جديد يرفدُ المسلمَ بالمعنى المطلوب لحياته اليوم.

علمُ الكلام الجديد معناه تجديدَ علم الكلام في ضوء إعادة تعريف الدين. وجهةُ التجديد ومنطلقاتُه وأسسُه وأركانُه تختلفُ عن الإحياء والإصلاح اللذين يلتبسان بمفهومه. التجديدُ يعني إعادةَ فهمِ الدين وتحديدِ وظيفته المحورية في الحياة، وبناءَ مناهج تفسير القرآن الكريم والنصوص الدينية، وبناءَ علومِ الدين ومعارفِه، في ضوء الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع ومختلف المعارف الحديثة.

يبدأ علمُ الكلام الجديد بإعادة تعريف الوحي بنحو لا يكرّر تعريفَه في علم الكلام القديم كما هو. اقترحتُ في هذا الكتاب معيارًا يمكن على أساسه أن نصنِّف مفكرًا بأنه “متكلم جديد”، ويتمثل هذا المعيارُ في كيفية تعريف المتكلم للوحي، فإن كان التعريفُ خارجَ سياق مفهوم الوحي في علم الكلام القديم، يمكن تصنيفُ قوله كلامًا جديدًا، لأن طريقةَ فهم الوحي هي المفهوم المحوري الذي تتفرّعُ عنه مختلفُ المسائلِ الكلامية، ومن أبرزها مسألةُ “الكلام الإلهي” وغيرُها من مقولات كانت موضوعًا أساسيًا لعلم الكلام القديم. إن كيفيةَ تعريف الوحي والنبوة والقرآن يتفرع عنها ويعود إليها كلُّ شيء في الدين، لا يبدأ تجديدُ فهم الدين إلا بإعادة تعريف هذه المفاهيم المحورية الثلاثة، في سياق متطلبات الإنسان اليوم للمعنى الديني، واحتياجه لما يثري حياتَه الروحية والأخلاقية والجمالية. إن كلَّ من يقدّم تفسيرًا جديدًا للوحي، بشرط أن يكون مؤمنًا بمصدره الميتافيزيقي، يمكن أن يُصنَّف تفسيرُه على أنه علم كلام جديد. أما من يقدّم تفسيرًا جديدًا للوحي، لكنه لا يؤمن بالله، أو يؤمن بالله لكنه لا يؤمن بمصدر إلهي للوحي والنبوة والقرآن، فهو ليس متكلمًا جديدًا، يمكن أن يكون فيلسوفَ دينٍ لأن المتكلمَ غيرُ فيلسوف الدين، فيلسوفُ الدين يُفكِّر خارجَ إطار الدين، أما المتكلمُ فيُفكِّر في إطار الإسلام،كاللاهوتي في كلِّ دين الذي يُفكِّر في إطار ذلك الدين، وإن كان يستعير مناهجَ بحثه مما أنجزته العلومُ والمعارفُ البشرية.

بعد صدور هذا الكتاب بادر أساتذةٌ كرام في عدة جامعات لتبنِّي الكتاب، وقرّرتْ بعضُ أقسام الدراسات الفلسفيّة والدينية اعتماده في مقرّر “علم الكلام الجديد” في الدراسات العليا.

 

مقدمة الطبعة الثالثة لكتاب: “مقدمة في علم الكلام الجديد”، يصدر قريبًا عن دار الرافدين ببيروت، ومركز دراسات فلسفة الدين ببغداد.

([1]) الغزالي، فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة، بيروت، دار الكتب العلمية، رسائل الغزالي، ج3: ص 136.

[2] الولاء والبراء 1، 18.

[3] مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز 10/ 274.

 

رابط النشر: