اللغة فضاء لتشكّل السلطة

د. عبد الجبار الرفاعي

تسهم اللغة، بما تمتلكه من تأثير وحضور واسع، في ترسيخ المعتقدات والأنظمة والسلطات، وتوجيه الوعي، وإدارة المشاعر، وتشكيل اللاشعور الجمعي، من دون أن تلفت الانتباه إلى فعلها الخفي. تنسج اللغة في الحياة اليومية شبكات دقيقة من التأثير، وتبني السلطة في مؤسسات المجتمع وأجهزة الدولة، وتنتج البنى الرمزية التي تمنحها معناها، وتسوّغ مشروعيتها، وتصوغ صورتها في المتخيل، وترسخ شرعيتها في الوعي.

اللغة من أعمق أدوات السلطة وأبرعها في بناء الهيمنة وترسيخ النفوذ وتغلغله. السلطة، سياسية كانت أم روحية، قديمة أم حديثة، تتخفى في كلمات اللغة وأساليبها وبياناتها المراوغة، وتحكم بها وعي الأتباع ولاوعيهم، وتوجه أفكارهم ومشاعرهم، حتى يغدو الخضوع استجابة طوعية لا إكراهًا ظاهرًا فيها. تتسلل السلطة إلى الوعي عبر المفردات والشعارات التي تكررها، والتأويلات التي تحتكرها، والمعاني التي تصوغها. حين تستأثر بتعريف المفاهيم، وتمنح الكلمات دلالات تخدم مصالحها، تعيد تشكيل الإدراك، وتصوغ صورتها في المتخيل، وتنتج الانقياد عن اقتناع.

أخطر أشكال السلطة ما يتخفى في اللغة، ويتسلل إلى الوعي في صورة مسلمات وقيم ومفاهيم تبدو محايدة. حين تستوطن لغة السلطة لاشعور الإنسان، يتحول الرقيب الخارجي إلى رقيب داخلي؛ فيخشى أسئلته، ويقمع اختلافه، ويرى العالم بعينيها، ويتكلم بلسانها، وهو يتوهم أنه يعبر عن ذاته. لا تنهض المجتمعات ما لم تسترد اللغة حيويتها، وتتحرر من احتكار المعنى، وتنفتح على السؤال والنقد وتعدد الأصوات. اللغة الحية لا تغلق الوعي على معنى نهائي، ولا تمنح أحدًا حق الاستئثار بالحقيقة؛ إنها تكشف ما تحجبه اللغة المهيمنة، وتمكن الإنسان من تسمية الأشياء بصوته، واكتشاف المعنى وبناء ذاته.

تبدأ مقاومة الهيمنة بنقد لغتها، وكشف المصالح المستترة في مفرداتها، وأنماط الإخضاع المضمرة في مفاهيمها، وتحرير الأسماء من احتكار السلطة. تتحرر اللغة حين تسترد قدرتها على تسمية الأشياء كما هي، وتفضح الأقنعة اللفظية التي تمنح القمع شرعية، والإقصاء قبولًا، والخضوع مظهر الطاعة. لا تتحقق حرية الإنسان ما لم تتحرر لغته من الخوف وادعاء امتلاك الحقيقة، وتعترف بحقه في السؤال والاعتراض وفي أن يكون مختلفًا. تحرير اللغة تحرير للوعي، وتحرير الوعي بداية استرداد الإنسان حريته وكرامته.

لا تعمل السلطة بالقوة وحدها، بل تتغلغل لغتها في حياة الناس، وتشدهم إلى منظومة من المفاهيم والمعاني والقيم التي ترسخ حضورها، وتجعل رؤيتها للعالم تبدو محايدة. اللغة فضاء تتشكل فيه السلطة، وتعيد من خلاله إنتاج ذاتها، وتوجه طرائق التفكير والإحساس، وتحدد ما يجوز قوله وما ينبغي الصمت عنه. لكل سلطة معجمها الخاص وتسمياتها التي تعيد بها رسم الواقع وفقًا لمصالحها؛ لأن احتكار اللغة يفضي إلى احتكار نظام إنتاج المعنى، مَن يحتكر نظام إنتاج المعنى يمتلك سلطة خفية على الوعي.

في اللغة تتخلق البنى الرمزية التي تمنح السلطة معناها، وتسوغ وجودها، وترسخ شرعيتها. لا تفرض السلطة حضورها بالقوة وحدها، إذ تحتاج إلى معجم يعيد تسمية أفعالها، وصور رمزية تكسبها القبول، وسرديات تقنع الناس بأن حكومتها ضرورية للأمن والتنمية، وأن الخضوع لها يضمن الاستقرار والحماية مما يهدد حياة المواطنين وعيشهم. تتغلغل لغة السلطة في التعليم والإعلام والقانون والخطابين السياسي والديني، فتشد الأفراد إلى منظومة من المعايير والشعارات التي تكرس هيمنتها، وتجعلهم يرون الواقع من خلال مفاهيمها وتسمياتها، ويحكمون على الأشياء وفقًا لمعاييرها.

اللغة بهذا المعنى فضاء تتولد فيه السلطة، وأداة تعيد بها إنتاج ذاتها وتشكيل الوعي وترسيخ اللاوعي بما يحفظ مصالحها. تبلغ الهيمنة ذروتها حين تتحول لغة السلطة إلى لغة المجتمع؛ فيتكلم الناس بمفرداتها، ويفكرون بمقولاتها، ويتبنون معاييرها وأحكامها، ويدافعون عن مصالحها، من دون أن يدركوا أنها استوطنت وعيهم، وصاغت إدراكهم، ورسمت حدود ما يحق لهم التفكير فيه والتعبير عنه. عندئذ لا تحتاج السلطة إلى إعلان حضورها في كل مرة؛ لأنها تغدو صوتًا داخليًا يتكلم في الإنسان، ويوجه نظرته إلى ذاته والآخر والعالم.

حين تتشكل العلاقات بين البشر وفق منطق السلطة، تتحول اللغة إلى أداة لتوجيه السلوك وضبط الأفعال. لا تستقر لغة السلطة في صورة واحدة؛ فقد تظهر في صيغة أمر صارم، أو في نبرة استعطاف ولطف، أو تمزج بينهما في خطاب يتخفى فيه القسر وراء لطف يستدرج القبول، وتتوارى فيه إرادة الإخضاع خلف عاطفة مصطنعة. تستعمل السلطات والمؤسسات والجماعات اللغة لفرض معايير تخدم مصالحها، فتمنح نفسها حق تعريف الحقيقة واحتكار تفسيرها، وتحدد للناس كيف يفهمون الواقع، وتحاصر كل رؤية لا تتطابق مع رؤيتها. تعيد اللغة تشكيل الوعي، وتغرس في الإنسان صورًا وتمثلات تتراكم بمرور الزمن، حتى يتلقاها كأنها حقائق نهائية لا تقبل السؤال أو الاختلاف. تبلغ الهيمنة مداها حين يفقد الإنسان القدرة على التمييز بين صوته وصوت السلطة المستوطن في داخله، فيظن أنه يفكر بحرية، فيما تعيد أفكاره إنتاج معاييرها وأحكامها ومصالحها.

كما تعمل السلطة السياسية على بناء سلطتها باللغة، تعمل السلطة الروحية على ترسيخ المعتقدات في العبادات والطقوس والمواعظ والحكايات والأدعية والأمثال، وربطها بالمقدس، وإضفاء الهيبة على مفرداتها ورموزها. بالتكرار تستقر هذه المعتقدات في الوعي وتتكرس في اللاوعي، وتكتسب حصانة رمزية تجعل مساءلتها عسيرة، فيغدو الاعتراض عليها اعتراضًا على المقدس ذاته. لا يقتصر دور اللغة على حفظ المعتقدات ونقلها، وإنما تصوغ مفاهيمها وصورها، وتحدد طرائق تلقيها، وترسم الحدود بين المقدس والمدنس، والإيمان والضلال، والطاعة والعصيان. يستمد المعتقد حضوره من اقترانه بالأماكن والأزمنة والمناسبات الدينية والشعائر الجماعية، فينتقل من فكرة يتلقاها العقل إلى معنى تعيشه الذات في مشاعرها، ويصير جزءًا من ذاكرتها وخيالها ونظرتها إلى نفسها والعالم. حين يقترن المعتقد بالخوف والرجاء، والثواب والعقاب، والقبول والنبذ، يزداد رسوخًا في أعماق الإنسان، وتصير مساءلته تهديدًا لأمنه النفسي ومكانته الاجتماعية وانتمائه إلى الجماعة، لا مراجعة لفكرة.

يتكرس أثر السلطة الروحية حين تتحدث باسم الله، وتمنح تفسيرها صفة القداسة، وتخلع على أحكامها حصانة تعلو على النقد؛ فتغدو طاعتها مرادفة لطاعة الله، ويغدو الاعتراض عليها خروجًا على الإيمان. تستمد هذه السلطة نفوذها من قدرتها على إدارة الخوف والأمل، وتوزيع الاعتراف والحرمان، وتحديد من ينتمي ومن يقصى، ومن يستحق الخلاص ومن يستوجب العقاب. عندئذ تتحول اللغة إلى حارس للمعتقد، يعيد إنتاجه في الضمير والذاكرة، ويمنحه القدرة على البقاء والانتقال بين الأجيال.

خلافًا للمعتقد المغلق الذي يحتكر النجاة، يكون الإيمان الحر منبعًا للمعنى والرحمة والسكينة، وطاقة لتحرير الإنسان من الخوف والاستعباد. يبدأ الانحراف حين تستثمر السلطة الروحية حاجة الإنسان للصلة بالله، وتقدم اجتهادها النسبي كأنه حكم إلهي نهائي. ينشأ عن ذلك تدين يخشى السؤال، ويرى النقد اعتداء على الدين، والاختلاف خروجًا على الجماعة. الإيمان المُحرِّر لا يصادر العقل، ولا يطفئ صوت الإنسان، ولا يحول صلته بالله إلى خضوع لوسيط يتحدث باسمه. تتحرر لغة الإيمان حين تميز بين النص المقدس وقراءاته البشرية، وتعترف بمحدودية المعرفة الدينية وتاريخية فهمها، وتستعيد وظيفتها الروحية والأخلاقية في إيقاظ الضمير، وتغذية الأمل، وصيانة الكرامة، واكتشاف معنى وجود الإنسان وحياته.

https://alsabaah.iq/137915-.html

 

تبديل الاسم يبدّل الحكم على المسمّى

  د. عبد الجبار الرفاعي

يولد الإنسان في لغة تسبقه، فيتعلم أسماء الأشياء قبل أن يسأل عن دلالاتها، ويتلقى تصنيفات الجماعة قبل أن يختبرها. تختزن الكلمات آثار تجارب وصراعات وأحكام فقدت أسبابها، غير أن ظلالها تلبث فاعلة في الاستعمال اليومي. يتوهم المتكلم أنه يتصرف في لغته بحرية، مع أن الموروث اللغوي قد يتكلم من خلاله، ويستدعي على لسانه مفاهيم لم يخترها وأحكامًا لم يفحصها. تبدأ حريته حين يعي المسافة بين صوته وصوت الجماعة في داخله، ويميز ما يعبر عن خبرته مما تفرضه العادة، ثم يعيد ابتكار لغته بما يتسع لتجربته ويحفظ حق الآخر في أن يكون مختلفًا. يقول مارتن هايدغر: “يتصرف الإنسان كما لو كان هو صانع اللغة وسيدها، في حين أن اللغة تظل سيدة الإنسان”[1].

مَن يمتلك سلطة التسمية يوجّه الوعي؛ فالاسم، فضلًا عن دلالته على الشيء، يحدد موقعه في منظومة المعنى، ويستدعي حياله الخوف أو الطمأنينة، والقبول أو الرفض، والحب أو الكراهية. ومَن يحتكر تسمية الأشياء يسيطر على نظام إنتاج المعنى ويستطيع توظيفه، ويمنح المواقف والأفعال شرعيتها أو يسلبها منها؛ هكذا تسمي السلطة المستبدة القمع أمنًا، والاستبداد استقرارًا، والإقصاء حماية للهوية، والاحتلال تحريرًا، والامتياز حقًا، والاعتراض فتنة. تكشف التجارب المريرة للاحتلال، منذ الاستعمار الإمبراطوري القديم إلى الاستيطان الحديث، عن تعمد تبديل أسماء المدن والقرى والمواقع والأنهار والبحار والبحيرات؛ لمحو ذاكرة السكان الأصليين، وطمس هويتهم، وإعادة رسم هوية المكان بلغة المحتل. الاسم ليس علامة محايدة، إنه مستودع للذاكرة، وسجل لتاريخ الجماعة، وشاهد على صلتها بأرضها. حين ينتزع المحتل الاسم من المكان، يحاول اقتلاعه من ذاكرة أهله، وقطع الصلة بين الأجيال وتاريخها، وإحلال روايته محل روايتهم. حماية الذاكرة الوطنية تبدأ باسترداد الأسماء الأصلية، وحماية هوية المكان من المحو، وصيانة حق السكان في رواية تاريخهم بلغتهم وأسمائهم. ترسخت هذه السياسة الموجعة في المناطق التي أخضعتها القوى الأوروبية في الأمريكتين وأستراليا، وتواصلت بأقسى صورها في فلسطين، حيث لا يكون تبديل الاسم عملًا لغويًا محايدًا، وإنما أداة للاستحواذ الرمزي على المكان، وقطع صلته بتاريخه وسكانه الأصليين. لا يستهدف هذا التغيير الأسماء وحدها، بل يسعى إلى محو ذاكرة المكان، وقطع صلته بتاريخه وسكانه، وإحلال رواية المتغلب محل رواية أهله.

لا تغير السلطة الأسماء اعتباطًا؛ لأنها تدرك أن تبديل الاسم يبدل الحكم على المسمى، ويمنح الفعل القبيح مظهرًا مقبولًا. لا تكتفي التسمية بوصف الواقع، وإنما تعيد تشكيله في الوعي، وتحدد موقع الأشخاص والأفعال والأماكن في منظومة القيم. تصير تسمية الأماكن أداة للاستحواذ الرمزي؛ فمن يفرض عليها أسماءه يحاول امتلاك تاريخها، وإعادة صياغة هويتها، والتحكم في صورتها المستقرة في ذاكرة الأجيال. هكذا يتحول الصراع على دلالات الكلمات إلى صراع على القيم والمعايير والمعتقدات، ويغدو تحرير المعجم العام شرطًا لتحرير الإنسان من الخداع والتضليل. تبدأ نهضة المجتمعات حين تسترد كلماتها من قبضة الأيديولوجيا، وتكشف ما تراكم في دلالاتها من تزييف، وتعيد إليها قدرتها على قول الحقيقة، واستيعاب السؤال والاختلاف، وابتكار إمكانات جديدة للحياة.

نقد اللغة ضرب من تفكيك سلطة الأحكام المسبقة؛ الكلمات تكشف طرائق التفكير، وأنماط الشعور، وما يختبئ في اللاوعي من أحكام مضمرة. تهذيب اللغة إعادة تربية للشعور والذوق، وتصحيح لعلاقة الإنسان بذاته وبمن يختلف عنه، وتحرير للوعي من ألفاظ التعصب والاحتقار والإقصاء. كلما تهذبت اللغة اتسعت للاختلاف، وصانت كرامة الإنسان، وفتحت أفقًا للحوار والتفاهم والعيش المشترك. تجديد اللغة ليس استبدال ألفاظ بأخرى فقط، إنه مراجعة لنظام القيم الكامن فيها، وبناء لمعجم يعترف بالإنسان، ويحمي حقه في التعبير عن ذاته، من دون أن تحاصره أحكام الآخرين وتسمياتهم الجاهزة.

لا يتحرر الإنسان من أسر اللغة إلا حين ينتبه إلى ما تخفيه كلماتها من أحكام مضمرة، وينقد دلالاتها الموروثة، ويعيد فهمها في ضوء وعيه وخبراته. الكلمات لا تصف الإنسان والعالم فقط، وإنما تسهم في تشكيل نظرته إليهما، وتحدد مواقفه منهما. حين يراجع الإنسان معجمه، ويطهره من ألفاظ التحقير والكراهية والإقصاء والعنف، يتحرر وعيه من كثير من أوهامه، وتتسع لغته للاختلاف، وتصير أقدر على حماية الكرامة وفتح أفق للتفاهم والعيش المشترك.

قد تتحول الكلمة من وصف للإنسان إلى قدر يلاحقه؛ فالتسمية التي يلصقها الآخرون به تختزله في صفة جارحة، وتضعه في سجن كئيب يحجب مواهبه، ويطمس تنوع شخصيته وثراء تجربته. يحدث ذلك حين يلصقون بفرد أو جماعة تسمية ازدرائية، فلا يقف أثرها عند حدود الحكم العابر، وإنما يمهد للتمييز والعزل والحرمان، وربما يسوغ العنف. تبدأ القسوة في المعجم قبل أن تنتقل إلى السلوك، ويبدأ الاعتراف بالآخر حين ينادى بالاسم الذي يصون كرامته ويقر بحقه في الاختلاف. العناية بالكلمات مسؤولية أخلاقية؛ لأن تهذيب اللغة يسهم في بناء علاقات راسخة، ويحول دون اختزال البشر في قوالب جامدة، ويفتح المجال أمام كل إنسان كي يعبر عن ذاته بصوته، بعيدًا عن الأسماء التي يفرضها عليه الآخرون.

ترسم اللغة للإنسان أفقًا يرى فيه ملامح العالم الذي يود أن يسكنه؛ فقد تسهم في تشكيل صورة جميلة للحياة، وقد ترسم عالمًا كئيبًا يرهقه ويستنزف روحه. اللغة مرآة تنعكس فيها أعماق الإنسان بما تختزنه من نور أو ظلمة، وقوة تسهم في تشكيل هذه الأعماق، وجسر يعبر به من العتمة إلى الإشراق، ومن ضيق الأفق إلى سعته، ومن التيه إلى المعنى الذي يبحث عنه. حين تستيقظ في اللغة طاقة الانكشاف، توقظ البصيرة، وتمنح الإنسان قدرة على رؤية ذاته والوجود بعين أكثر اتساعًا وجمالًا، وتفتح أمامه إمكانات جديدة للفهم والتأويل. اللغة الدافئة تنبه الضمير من غفلته، وتطهر القلب من سموم الكراهية، وترمم ما بددته القسوة والجفاء في العلاقات الإنسانية. في هذه اللغة طاقة خفية تضمد جراح النفس، وتخفف مشاعر القلق والحزن، وتصالح الإنسان مع ذاته والآخرين والحياة. الكلمة الرحيمة لا تغير العالم كله، غير أنها قد تغير عالم إنسان منكسر، وتمنحه سببًا جديدًا للأمل ومواصلة الحياة.

حين تنغلق اللغة في قوالب جامدة، تضيق دلالاتها، وتخبو قدرتها على توليد المعنى، فتتحول إلى عبء يثقل الفكر ويحبس الروح. أما اللغة الحية فتتجدد بتجدد التجربة، وتبتكر كلمات تكشف ما لم يكن مرئيًا، وتمنح الإنسان قدرة على الإفصاح عما يختبئ غامضًا في أعماقه. لا تقاس حيوية اللغة بكثرة مفرداتها، وإنما بقدرتها على الاستجابة لأسئلة العصر، واستيعاب الخبرات الجديدة، وابتكار آفاق للمعنى لم ترها الأجيال السابقة. تموت اللغة حين تكرر أجوبتها القديمة، وتفرضها على أسئلة جديدة، وتحيا حين تصغي إلى الإنسان، وتواكب تحول تجاربه، وتمنحه إمكانات أوسع لفهم ذاته والعالم. تجديد اللغة لا يعني القطيعة مع ميراثها، وإنما تحرير طاقاته الكامنة، وإعادة تأويل كلماته في ضوء حاجات الحاضر وآفاق المستقبل. كل لغة تعجز عن الإصغاء إلى إيقاع الحياة تنغلق وتتحجر تدريجيًا، وكل لغة تستوعب تحولات الإنسان تكون قادرة على إيقاظ العقل وإنتاج المعنى.

[1] هيدغر، مارتن، البناء، السكن، التفكير: كتابات أساسية، ترجمة وتحرير: إسماعيل المصدق، ج 2: ص 222، 2003، المشروع القومي للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة.

https://alsabaah.iq/137527-.html

 

العالم كما ترسمه اللغة

 د. عبد الجبار الرفاعي

ظهر الإنسان العاقل، في صورته البيولوجية الحديثة، عبر مسار تطوري يعود إلى نحو ثلاثمئة ألف سنة، كما يقول الخبراء. غير أن قدرته اللغوية تطورت بالتدريج مع تطور دماغه وتعقد حياته الاجتماعية واتساع وعيه بذاته والعالم. لم تظل اللغة وسيلة للتفاهم، إذ غدت أفقًا تتكون فيه الخبرة، ونظامًا رمزيًا تتشكل فيه معاني الكائنات والأشياء والوجود. تمنح اللغة العالم أسماءه وصوره ودلالاته، وتعيد بناءه في الوعي والذاكرة والخيال؛ فما لا اسم له يظل مبهمًا غائمًا في الإدراك، وما تمنحه اسمًا يغدو قابلًا للفهم والتأويل والتداول. لا تنقل اللغة العالم كما هو، فهي تنتقي منه وتصنفه وتعيد ترتيب عناصره، وتكشف وجوهًا وتحجب أخرى تبعًا لثقافة المجتمع ودينه ونمط عيشه وتاريخه. يصنع الإنسان اللغة بقدر ما تصنعه؛ يبتكر ألفاظها ودلالاتها، وتصوغ تفكيره ورؤيته لذاته وللآخر والعالم.

تسهم اللغة في توجيه إدراك الإنسان، فتحدد ما يراه وما يغفل عنه؛ متى اتسعت اللغة اتسع عالم الإنسان، ومتى ضاقت ضاقت آفاق رؤيته. لا يسكن الإنسان العالم الطبيعي وحده، بل يسكن أيضًا عالمًا تشيّده اللغة والرموز والخيال، وتحفظ فيه خبراته وذاكرته وقيمه وأحلامه. باللغة يختزن تجاربه، وينقلها إلى الأجيال، ويحول الخبرة الفردية العابرة إلى ذاكرة جمعية متراكمة. هكذا غدت اللغة شرطًا لتشكل الثقافة، ونمو المعرفة، وتطور الحضارة، وبناء الهوية، وحضور الأديان وانتشارها؛ فهي ليست مجرد أداة يستعملها الإنسان، وإنما أفق يسكنه، ويرى فيه ذاته والعالم والوجود.

في فضاء اللغة صيغت القوانين، وانتظمت العلاقات والمصالح والمعاملات، وتأسست السلطات والدول والسياسات، وأعلنت القيم الأخلاقية عن أثرها في حياة الفرد والمجتمع، وتشكلت الهوية عبر السرد والخيال والذاكرة الجمعية، وبشّرت الأديان برسالاتها. غدت اللغة نظامًا ينتظم فيه العالم البشري، وتتكون صوره ودلالاته. يتجلى وعي الإنسان بذاته والآخر والعالم من خلالها، فهي حاضنة خبرته، والمشاركة في إنتاج رؤيته للوجود. باللغة يحفظ الإنسان الماضي، ويفسر الحاضر، ويتخيل المستقبل، وتنقل الأجيال معارفها وقيمها ورموزها وأديانها وثقافاتها من عصر إلى آخر.

لا تتولد اللغة وتتطور خارج حياة الإنسان وخبراته وعلومه ومعارفه وثقافته وأديانه؛ فهي تتسع مع اتساع وعيه، وتتجدد بتراكم معارفه وتحول رؤيته للعالم وتبدل أنماط عيشه. بدأت اللغة استجابة لحاجة الإنسان إلى التواصل والإشارة والتعبير، واقترنت في طورها الشفاهي المبكر بالإيماءة والإيقاع، فتكونت فيها البذور الأولى للرمز والخيال والسرد. من هذه البذور تفتحت لغة الدين ولغات الشعر والأدب والفلسفة والعلم، تعبيرًا عن تطور وعي الإنسان، وسعيه إلى فهم ذاته والعالم، وتسمية خبراته ومفاهيمه، والإجابة عن أسئلة وجوده. لا يتحدد ثراء اللغة بكثرة مفرداتها وحدها، فثراؤها يتجلى في توالد دلالاتها، وتجدد مجازاتها، واتساع قدرتها على التعبير عن الخبرات الجديدة، وبناء المعنى وتأويل الوجود. كل تحول عميق في وعي الإنسان يترك أثره في لغته، مثلما يعيد كل تحول في اللغة تشكيل وعيه ورؤيته لذاته والعالم.

تتسع اللغة وتتطور من التعبير الأولي البسيط إلى أفق حضاري تتجلى فيه خبرة الإنسان التاريخية، وينكشف له العالم بما تمنحه من أسماء ودلالات وصور ورموز. لا يقوم التاريخ على الوقائع وحدها، وإنما يتكون في اللغة، ويستعيد حضوره في السرد والتأويل والذاكرة والمتخيل والهوية. لا تحضر الأحداث في وعي الإنسان كما وقعت، بل كما يرويها ويفسرها ويسردها ويمنحها معانيها، وفقًا لما يعيد المتخيل بناءه في فضاء اللغة. هكذا تغدو اللغة أفقًا تتشكل فيه صورة الماضي، ويصوغ الإنسان من خلاله رؤيته لذاته والعالم والمستقبل.

تنقضي الوقائع، غير أن اللغة تحفظ آثارها، وتعيد ترتيبها وتأويلها، وتمنحها دلالات جديدة، وقد تحول حدثًا عابرًا إلى رمز حي في الذاكرة الجمعية، أو تهمشه وتسقطه في قاع النسيان. لا يستعيد الإنسان الماضي كما وقع، وإنما يستحضره كما ترويه اللغة، وتنتقي وقائعه، وتربط بينها، وتصبغها بمعاني الحاضر وأسئلته ومصالحه. كل سرد يعيد بناء الماضي من زاوية مخصوصة، فيضيء وقائع ويحجب أخرى، ويمنح بعض الشخصيات والأحداث حضورًا يتجاوز حضورها الواقعي ومواقفها في التاريخ. مَن يمتلك سلطة السرد يمتلك قدرة واسعة على صياغة صورة الماضي، وتوجيه فهم الحاضر، ورسم آفاق المستقبل؛ فالهيمنة لا تُمارس بالقوة وحدها، وإنما تمارس أيضًا عبر الكلمات التي تسمي الأشياء، والحكايات التي تصنع الذاكرة، والصور التي تشكل الهوية والمتخيل الجمعي. من هنا تصبح اللغة ميدانًا للصراع على المعنى والذاكرة والهوية، ويغدو تحرير الوعي متوقفًا على قراءة نقدية تكشف ما يخفيه السرد، مثلما تكتشف ما يعلنه.

لبثت اللغة أحد أسرار تفوق الإنسان؛ لأنها الفضاء الذي يتشكل فيه المعنى، ويصوغ فيه أساطيره وسردياته المشتركة، التي ربطت ملايين الغرباء بشبكات واسعة من التعاون والتضامن وتبادل المصالح. في فضاء الأسطورة تبلورت ثقافات وآداب وفنون، وغذت الأساطير المتخيّل الديني، ورسخت بعض صوره في لاشعور الإنسان، وأسهمت في امتدادها عبر التاريخ. حفظت الأساطير الذاكرة والهوية، وصاغت الصور الكبرى التي فهم الإنسان من خلالها ذاته والعالم وموقعه في الوجود، ومنحت الجماعات سرديات مشتركة يتماسك بها وعيها الجمعي.

بمرور الزمن استحوذت بعض التأويلات الدينية على مجالات متنوعة من الحياة، وضيّقت فاعلية العقل والخبرات البشرية، حين تحولت إلى يقينيات مغلقة تعطل السؤال، وتحد من حرية التفكير، وتمنع الإنسان من إعادة النظر في فهمه للعالم والحياة في ضوء ما يهديه إليه عقله وعلومه وخبراته. هكذا تكون اللغة قوة رمزية تصوغ الوعي الجمعي، وتعيد تشكيل صورة العالم، وتمكن الإنسان من تحويل خوفه وقلقه وأسئلته الوجودية إلى حكايات ورموز ومعانٍ تتوارثها الأجيال.

غدت اللغة قوة رمزية تصوغ الوعي الجمعي، وتمكن الجماعات من تخيل عالم مشترك، تنشأ فيه الحضارات، وتنتظم العلاقات، وتتراكم المعارف والآداب والفنون والقيم. بها حول الإنسان خوفه إلى حكاية، وتجربته إلى معرفة، وقلقه الوجودي إلى سؤال عن المعنى. لم تحبسه اللغة في الواقع، فقد فتحت أمامه أفق الممكن، فاستطاع تخيّل حياة أكثر أمنًا وعدلًا وجمالًا، وتحويل خياله إلى مشروعات ومؤسسات ومنجزات.

في اللغة تتحول الواقعة العابرة إلى خبرة ذات معنى، والإحساس الغامض إلى وعي يمكن التعبير عنه، والتجربة الفردية إلى ذاكرة قابلة للمشاركة والتوارث. تسهم اللغة في بناء صورة العالم داخل الوعي، وتصوغ علاقة الإنسان بذاته والآخر والطبيعة والوجود. من خلالها يتجاوز الإنسان أسر اللحظة الحاضرة، فيستعيد الماضي، ويتخيل المستقبل، ويفكر في الممكن، ويبتكر بدائل لما هو قائم. هكذا تحرره اللغة من الارتهان للواقع، وتفتح أمامه أفق ما يمكن أن يكون، وتمنحه القدرة على تعريف ذاته، وإعادة فهم العالم وتغيير موقعه فيه.