قراءة سيكولوجية في كتاب

الدين والكرامة الإنسانية للرفاعي

  د. أزهر هاشم العذاري[1]

كتابُ “الدين والكرامة الانسانية” يُعيد الإنسان إلى نصابه الحقيقي، ويفكك بنقدٍ معمق مقولة “إن الأديان تسلب الكرامة من الإنسان”. هذا الكتاب انقلاب على أنساقٍ عُرفت سابقا بمناهضتها للدين وحمّلتهُ مسؤولية هدر كرامة الإنسان وانحداره. يجعل الرفاعي الكرامةَ معيار إنسانيّة الدين، حيث يقول: “المعيارُ الكلّي لاختبار إنسانيّة أيّ دينٍ هو كيفيةُ تعاطيه وإعلائه للكرامة الإنسانية، والموقعُ الذي تحتلّه الكرامةُ في منظومة القيم لديه. إنسانيّةُ الدين تلخّصها نظرتُه للكرامة بوصفها القيمةَ التي تستحضر كلَّ قيمةٍ إنسانيّة، قيمةٍ تتسع لكلّ الحقوق الأساسية… الكرامةُ قيمةٌ أصيلةٌ، إنها أحدُ مقوّمات وجود إنسانيّة الإنسان، حضورُها يعني حضورَ إنسانيّة الإنسان، وغيابُها يعني غيابَ إنسانيّة الإنسان”.

الدين والإنسان ثنائية متلازمة، وحضور دائم في جميع كتابات الدكتور الرفاعي، لذلك نجد أنهما شغلا وبشكلٍ مكثف مساحة واسعة في حقل التجربة الدينية والإنسانية التي توافرت عليها كتاباته. يفتتح الرفاعي كتابه الدين والكرامة الإنسانية بقوله: “لا يمكن أن نفهمَ الدينَ قبلَ أن نفهمَ الإنسانَ أولًا، وحاجتَه لمعنى لحياته، وحاجتَه للكرامة والمساوة والحرية. إعادةُ تعريف الإنسان هي المدخلُ الصحيح لإعادةِ تعريف الدين وكيفيةِ فهمه وتفسيرِ نصوصه، بالشكل الذي يصيرُ الدينُ فيه مُلهِمًا للعيش في أفق المعنى”.

تقصّى الرفاعي وبدقة في كتابه هذا، وكتبه الأخرى حاجة الإنسان ورغبته للدين، وتوصل إلى كون الدين ليس حاجة نفسية، أو فلسفية، أو حاجة تتطلبها الذات من أجل تسكين حالة الخوف من المجهول، أو صنع اطمئنان كاذب تسعى له النفس هروبا من واقع مؤلم، بل الدين بحسب قراءة الرفاعي حاجة وجودية لا يمكن للإنسان الاستغناء عنها أو استبدالها، إذ يوجد في أصل كينونة الإنسان رغبة وعطش وظمأ انطولوجي للدين، ولا يمكن لغير الدين أرواء هذا الظمأ الوجودي.

النتيجة التي توصل إليها الرفاعي تتفق مع عدة دراسات نفسية واجتماعية أثبتت أن الدين حاجة وجودية، تولد مع ولادة الإنسان وتتطور بتطور وجوده، وإن الإنسان بلا ارتباط ديني هو وجود مغترب، وحسب تعبير الرفاعي يسقط الإنسان في الاغتراب الميتافيزيقي عن الوجود المطلق الغني بذاته، وينهك الإنسان القلق الوجودي.

هذا الكتاب يثبت أن الدين باعثٌ للمعنى عند الإنسان، فهو يضيف للحاجة الوجودية للدين الحاجة إلى منح المعنى للحياة. الدين إذن ليس حاجة وجودية تقتضيها طبيعة الكينونة الإنسانية فقط، بل هو حاجة تُنتج المعنى لحياة الإنسان، وتنقذهُ من حالات العدمية والشعور بالعبث والضياع والقلق والاغتراب الوجودي.

يعطي الرفاعي في كتابه “الدين والكرامة الإنسانية” للإنسان مركزية في الأرض، تأتي بعد مركزية الله في الوجود، حسب تفسيره لمفهوم “استخلاف الإنسان في الأرض”. ويجعل من الاعتراف بمقام الإنسان وفهمه بوصفه مقدمة لفهم الدين، ويطلب الرفاعي وبجرأة كبيرة إعادة فهم الإنسان من أجل إعادة فهم الدين، إذ لا يمكن للدين حسب قرائته أن ينتج معناه ما لم نفهم معنى الإنسان وحاجاته الوجودية.

أفاد الرفاعي في قراءته للنص الديني من نتاجات علم النفس الإيجابي، الذي يؤكد على إيقاظ مكامن القوة في الشخصية، والانهمام بما يبعث ويغذي كل طاقة بناءة محتجبة مثل: تقدير الذات والتفاؤل والأمل، والعطاء والقناعة والإيثار، لذا فهو يؤكد على إبراز جانب الرحمة الذي ينطوي عليه النص، ويعمل على استجلاء مفهوم المحبة، وضرورة استحضاره، وعدم تغييبه في أي قراءة للنص الديني.

إن الإسقاطات النفسية للذات، وإحباطات الحياة المؤلمة، والفهم المغلق للنص الديني هو الذي أدى إلى تسيّد صورة مشوهة ومرعبة عن الدين والإله في أذهان الكثير، إذ إن الصورة التي يرسمها المتشائمون، والمنغلقون تشكل اقترانا بحسب المقاربة النفسية السلوكية، يعمل هذا الاقتران على ردع أي سلوك أو رغبة في الانتماء للدين، أو الاقتراب منه بوصفه فعلاً غير مرغوب للنفس، ولا يتوافق معها. الدين وفقا لتلك الصورة يخلق لدى الإنسان سلوكا مقترنا بالألم والانزعاج والنفور، يُظهر تبعا لذلك سلوكات تجنبية رغبة في تجنب الألم النفسي الناتج منه.

من النتائج المثيرة التي توصلت اليها الدراسات النفسية هي أن سلوك التجنب قد يصل إلى مرحلة مستعصية يصعب معها نقصانه، أو زواله، حتى بعد الغياب التام للمثيرات المنفرة؛ لأنها تتحول إلى آلية دفاعية ذاتية وحتى مضمرة، يتحول فيها التنفير إلى بنية داخلية تعمل على شلّ تفكير الإنسان، وتنفر من أي ممارسة للنقد، أو خروج عمّا هو مألوف، رغبة في السلامة وعدم اهتزاز ما ترسخ وتجذر عندها.

نجح الرفاعي في كتاب “الدين والكرامة الإنسانية” في تشخيص واقع الإنسان وحالات الاستلاب والاغتراب والقلق، واهدار الكرامة التي طالت كيانه، ولا تزال تطاله الاهانة والحط من مكانته، وهو ما تسعى إليه الأنظمة التسلطية دينية كانت، أم سياسية، أم عرقية، وتعمل على ترسيخه في نفس الإنسان وتحويله إلى سلوكٍ طبيعيٍ مقبولٍ بواسطة عمليات الإيحاء والترويض النفسي والتدجين،. الأمر الذي يصل بالإنسان وبتسيد مازوخي إلى الدفاع والاستماتة من أجل تبرير أدوات استلابه، وهدر كيانه، بل يصل أيضا إلى حالة مؤلمة من الشعور بالذنب وتبخيس الذات، واتهامها بالتمادي غير المبرر على السلطات، والمساس بقداستها.

لا يغيب لدى الرفاعي الفهم الفرومي “نسبةً إلى الفيلسوف وعالم النفس اريك فروم” للدين، والذي يرى أن في الدين الإنساني والعقلاني حلاً لكل هذه التشوهات التي أحاطت  بكيان الإنسان وعملت على مسخ كينونته. الدين الذي يُعنى بالإنسان هو الذي يعمل على إنمائه، وتأكيد ذاته، وزيادة فاعليتها، وكشف الإمكانات الإيجابية والطاقات الحية واستثمارها في بناء نوعية حياة جديدة جديرة بالعيش والكرامة.

إن أهم العوامل التي تستبيح الإنسان وتهدر كرامته، وتجعله عرضة للاغتراب الوجودي، هو الفهم المغلق للنصوص الدينية، وقراءتها قراءة نكوصية تريد للإنسان العيش في مرحلة عصر النص، ولا تكترث بطبيعة ظروفه والواقع الذي يعيش فيه، وتسعى من خلال هذه الأوالية الدفاعية إلى إعادة تعميم تلك القراءة على الحاضر والمستقبل، في محاولة بائسة لتجاوز الفشل والإخفاق الذي يحيط بالإنسان وإحساسه المزمن بالغربة عن الواقع، وشعوره بتدني هويته مقابل الهويات الأخرى.

وذلك ما لا يرتضيه الدكتور الرفاعي، إذ يرى أن الدين عملية ديناميكية مستمرة تنتج معرفتها باستمرار بمواكبة تغيير الواقع الذي يعيش فيه الإنسان، وهو كفيل بملء كيان الفرد وحماية هويته الوجودية وفردانيتها، دون الانسحاب للعيش في الماضي أو أسطرته، أو الذوبان في هوياتٍ أخرى توهم بخلق وجود إنساني آخر.

إن جوهر إنسانية الدين بحسب المقاربة التي يتبناها الرفاعي هو حماية الكرامة الإنسانية، فالدين الذي لا يحمي الإنسان بما هو إنسان، ولا يحفظ له كرامته مطابق للايديولوجيا، ولا يتضمن معنى الدين. الدين يحمي الكرامة الإنسانية، ويعمل على تعزيزها وانمائها وتطويرها؛ بوصفها قيمة كونية يشترك فيها الجميع، وأي انتهاك لها يُعدّ انتهاكا لكرامة الجميع.

الدين الذي يُعنى بالإنسان وكرامته يعمل على إعادة قراءة الإنسان لذاته ككيان مستقل يفرض على الآخرين الاعتراف بإنسانيته، وعدم المساس بها، فهو يسهم في جبر هشاشة الإنسان وضعف تكوينه وإنقاذه من حالة الخواء التي ترافقه، ويغذي منابع القوة في الإنسان، ويدعم انتاج المعنى في حياته، ويغلق كل الثغرات التي يمكن أن تُستغل في هدر وجوده والانتقاص من كرامته.

إن الحضور الايجابي الفاعل للدين في توليد معنى الحياة، هو حضوره خارج أنساق الأيديولوجيا المغلقة، الأيديولوجيا تطبع الأفكار بمعنى تنتجهُ من خلال صور متخيلة لا تعكس الواقع. الأيديولوجيا كما يراها الرفاعي تزييف للحقيقة، وهي مرض للدين والتدين.

باختصارٍ شديد ان كتاب “الدين والكرامة الإنسانية” يعيدُ قراءة الدين والتدين بما يضمن حضور الإنسان وكرامته، ويسعى إلى إنقاذ الإنسان والدين معا من حالات الاستلاب والهدر التي طالتهما، بفعل تشكلات معرفية صاغتهما نظرتا الفقه وعلم الكلام للإنسان والدين. الإنسانُ في الرؤية القرآنية كما يرى الرفاعي غيرهُ في رؤية الفقه والكلام، لذلك يجتهد الدكتور الرفاعي في انتشال “الإنسان القرآني”، والتعريف به بالشكل الذي يحرر الدين من الطوارئ والإسقاطات التي لحقت به؛ بفعل عمليات الإغراق الإدراكي الذي يوفر حضورا مكثفا لهدر إنسانية الإنسان واستلاب كرامته.

الرفاعي ومن خلال هذا الكتاب يعيدُ ثقة الإنسان بذاته، ويدعوه لاكتشاف مكامن الجمال في روحهِ والعالمِ من حولهِ، ويدعوه لأن يتعامل مع تراثهِ بعقلانية نقدية، بعيدا عن عمليات التجميل والجذب والإبهار والتفخيم. بعيدا عما يجوز لي أن اسميه الغرق في نرجسية التراث، وتوجيه نزوة الحب لهُ فقط، الأمر الذي يجعل ذات الإنسان خاوية مهدورة فاقدة لكلِ معنىً روحيٍ وجماليٍ سامٍ .

 [1] دكتوراه في علم نفس النمو، أستاذ في جامعة ساوة، المثنى، العراق.

 

رابط النشر

 إعادة بناء مفاهيم: “الإنسان، الدين، الكرامة”

في كتاب الدين والكرامة الإنسانية 

ستار الزهيري[1]

لا أعرف ما الذي دفعي الى استحضار عدة استفهامات وأنا اقرأ كتاب (الدين والكرامة الإنسانية) للدكتور عبد الجبار الرفاعي. تساءلت عن عنوان هذا الكتاب: هل ثمة ما يقلق في هذا الشأن؟ أو ما المساحة التي تشغلها الكرامةُ من الدين؟ هل من حدود لتلك الكرامة؟ وتكرّرت (هل) معي وأنا أقرأ الكتاب لأجد إجابات لبعض استفهاماتي، وأجد تعميقًا لبعضها الآخر ينفتح على أسئلة أخرى؟

يجعل الرفاعي الكرامةَ القيمةَ المركزية التي تتفرع عنها كلُّ القيم، مثل: المساواة والحرية واحترام المختلف في الدين والمعتقد، كل ذلك في ضوء تفسيره لآيات القرآن الكريم، يقول الرفاعي: (الكرامة هي القيمة المركزية في حياة الكائن البشري، الإنسان الأصيل يضحي بحياته من أجل ان تُخلِّد ذاكرةُ الوجود كرامتَه، الكرامة مكوّن لهوية الإنسان الوجودية، عنوان تكريم خلق الإنسان هو كرامته لا شئ آخر سواها. انتهاك الكرامة يفضي الى انتهاك كل حريات الإنسان وحقوقه). لا نقرأ هذا الكلام في مدونات تجاهلت أشكالَ الاستعباد المفضوحة، وباتت مدعاة للاستثمارات الايديولوجية ومقاولات الجحيم باسم الدين.

عوّدنا الرفاعي في كتاباته أنه يثير الأسئلةَ عن بديهياتنا عن الإنسان والدين ومنشئها، إذ يتساءل عن طبيعة الإيمان، ومنشأ الحاجة إلى الدين، وكيف يفسّر فهمُنا العميق للتضادّ في طبيعة الإنسان حاجتَنا إلى الدين، يقول: (لا يمكن أن نفهمَ الدينَ قبلَ أن نفهمَ الإنسانَ أولًا، وحاجتَه لمعنى لحياته، وحاجتَه للكرامة والمساوة والحرية. إعادةُ تعريف الإنسان هي المدخلُ الصحيح لإعادةِ تعريف الدين وكيفيةِ فهمه وتفسيرِ نصوصه، بالشكل الذي يصيرُ الدينُ فيه مُلهِمًا للعيش في أفق المعنى).

إذا فهمنا شيئًا عن الإنسان، ففي ضوء هذا الفهم للإنسان يمكن أن نتحدث عن حاجته العميقة للدين الذي يفرض حضورَه في كلّ عصر مهما اشتدّت مناهضتُه ورفضُه.

يتمحور كتابُ الدين والكرامة الانسانية حول إعادة بناء ثلاثة مفاهيم مركزية، هي:

  1. الإنسان.
  2. الدين.
  3. الكرامة.

يحتلّ الحديثُ عن الإنسان المساحةَ الأوسع في هذا الكتاب، ففي الفصل الثاني والرابع والساس كان الإنسانُ محور الحديث، بدأ الرفاعي الحديثَ عن الإنسان في الفقرة الأولى من مقدمة كتابه. وبموازاة الحديث عن الإنسان ظل يلازمه حديثُه عن الدين، وأفرد للحديث عنه الفصل الرابع، ببحث الحاجة للدين وأشكال التدين بتفصيل منتزع من الواقع، لم أجده في مؤلفات اسلامية أخرى. يرى الرفاعي الحاجةَ الى الدين مستودعةً في أعماق الكينونة الوجودية للكائن البشري، إذ يقول: “لا يصنع الإنسانُ حاجتَه للدين، الحاجةُ للدين مستودعةٌ في أعماق الكينونة الوجودية للكائن البشري. ما يصنعه الإنسانُ هو أنماطُ تدينه. كان الدينُ مع آدم الأول وسيبقى مع آدم الأخير في الأرض، الدينُ كائنٌ حي لن يموت مادام هناك إنسان يعيش على الأرض، كلُّ الظنون والتوقعات والآراء بأفول الدين وانسحابه من الحياة بتقدم العلم وتطور معارف الإنسان يكذّبها الواقع. ما يموت هو نمط معرفة بالدين تنتمي للماضي. والدليل على حضور الدين بقوة هو الازدياد المتواصل لعدد أتباع الأديان الذي ينمو كلَّ يوم في العالم”.

وخصص الرفاعي الفصلين الثالث والأخير من كتابه للحديث عن الكرامة الإنسانية، جاء الفصل الثالث بعنوان: “الكرامة جوهر إنسانية الدين” وهو بحث اعتمد فيه على القرآن الكريم. والفصل السادس تناول: “الكرامة الإنسانية والاستعباد”.

يدرس عنوان الكتاب: الكرامة _ الإنسان، وعلاقة الدين بهما، في مستويين، يحاول فيهما أن يعيد بناء مفهوم الكرامة قرآنيًا:

المستوى الاول: يعيد النظر في فهمنا للكرامة، فيكشف الرفاعي أن منشأ الكرامة مرتبط بوجود الانسان، وليس بالمعتقد الذي يعتنقه، الكرامة ذات أصل يلازم الكينونة الوجودية له لأنه المستخلَف في الأرض، لذلك أوجد الله الكرامة ملازمة لوجوده، بغض النظر عن معتقده وعرقه وثقافته وبلده. يكتب الرفاعي: (ينفرد الإنسان في تكريمِه وتشريفه وتفضيله على ما سواه من الخلق كما جاء في الآية: “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، وفَضَّلنَاهُم عَلى كَثِيرٍ مِمَّن خَلَقنَا تَفضِيلَا”. التكريمُ هنا تكريمٌ عامٌّ يتسع لكلِّ بني آدم، وهو مقامٌ وجودي، أي إنه مكوّنٌ ذاتيّ للكينونة الوجودية للإنسان مطلقًا، بغضّ النظر عن جنسه ولونه ومعتقده، وغيرِ ذلك مما هو خارج كينونته الوجودية. وهو غيرُ التكريم العرضيّ المُضاف الذي هو استحقاقٌ يناله الإنسانُ بعملهِ وسعيهِ للكمال، وجهودهِ الخيرة من أجل إسعاد الناس، والمساهمةِ في اثراء القيم وترسيخها، وخلقِ عالَم أجمل للعيش).

المستوى الثاني: مادامت الكرامة ملازمة للكينونة الوجودية للإنسان، وهي مشترك جوهري بين كل البشر، فهي قيمة كونية عابرة للزمان والمكان. الكرامة تنفي مفهوم العبودية بمختلف أشكاله ومراتبه، يقول المؤلف: (لم يتنبه أكثر المتكلمين الى أن القران بوصفه كتابًا مقدسًا، يؤسس قيمًا انسانية كونية عابرة للزمان والمكان، تنظر للكينونة الوجودية للإنسان). ويبين الرفاعي في معرض تناول مفهوم الحرية، فشلَ المنظومة الكلامية القديمة في تقديم فهمٍ صحيح للحرية، إذ يقول: (نرى هذه المراتب الوجودية السامية للانسان على الضد من مفهوم العبودية، بالمعنى الذي أنتجه المتكلمون المسلمون بمختلف فرقهم وما إنتهى إليه ذلك المفهوم من سلب حرية الانسان ومصادرة حقوقه التي كانت استحقاقًا ربانيًا لوجوده من حيث هو إنسان).

أدركتُ حينها أنه لا يمكن أن يفصح كتابٌ واحد عن فهم الآلية التي يشتغل فيها مبضع التشريح لدى الرفاعي، بل لا بدّ من استحضار المنهج الذي يشتغل عليه الرفاعي برمته،كي تتسنى للباحث معرفةُ الأهداف المتوخاة لإي كتاب يصدر عنه، وتتكامل معه معالُم رؤيته لتجديد الدين.

الكرامة هدف الفكر الإنساني بكلّ محطاته، فلو تتبعنا مؤلفات العظماء لوجدنا (الكرامة) مرافقًا حميمًا لمسيرة الكلمات والأفكار لديهم، كما نقرأ ذلك لدى فولتير وتسامحه، وليسنج وتربيته، وروسو وعقده الاجتماعي، وكانط وسلامه الدائم… والقائمة تطول.

أراد عبد الجبار الرفاعي وضعَ بصمته في قائمة أولئك الذين يشيدون أسس الكرامة ويعملون على بناء عمارتها، جعل الرفاعي الكرامةَ القيمةَ المركزية كما نراها لدى الفلاسفة والمفكرين الذين أشادوا بنيانَ الحريات والحقوق في العصر الحديث.

الأطروحة المركزية التي يحاول المؤلف شرحَها وبيانها في كتابه مهمة جدًا، وهي ضرورية لأنها تهدف إلى إكمال بناء سلسلة المفاهيم المحورية في “علم الكلام الجديد” الذي مازال مصرّا على مواصلة الطريق رفقةَ مفكرين آخرين في بنائه. الفكرة الأساسية في هذا الكتاب وغيره من كتابات الرفاعي التي تمثّل أحدَ أسس الكلام الجديد عنده، يلخصها بقوله إنه: “يعيد بناء القيم المركزية في حياة الإنسان مثل الكرامة قرآنيًا، بوصف الكرامة مكونًا للكينونة الوجودية للإنسان، أعيد بناءها خارج علم الكلام والمعتقد والفقه الموروث، بمعنى تفكيك الكرامة والقيم الكونية عن علم الكلام والمعتقد والفقه، بعد تحرير فهم القرآن من سلطة المقولات الكلامية القديمة يستطيع المسلم الاعتراف بالمختلف في المعتقد واحترامه وتكريمه”.

قد يلجأ المتتبع لأفكار الرفاعي الى التدوين، وكتابة الملاحظات، لا لحفظها بل لدمجها مع بعض، وذلك لكي يفهم طبيعةَ المركب المعرفي، والمنهج الذي يختطّه لنفسه في كلّ مدوناته. لا يمكن أن يفصح كتابٌ واحد عن فهم الآلية التي تعدّ المنهجَ والمحرّكَ لكلّ مؤلَف لدى الرفاعي، بل لابدّ من استحضار المنهج الذي يشتغل عليه الرفاعي برمته، كي تتسنى للباحث معرفةُ الأهداف المتوخاة لأيّ كتاب يصدر عنه.

الرفاعي يرفض أدلجة الدين، لكن تجريد الإنسان من الأدلجة عملية في غاية الصعوبة، من حيث إنها تحُدث تغييرًا جذريًا في المتبنيات، وتجرّد التفكيرَ مما التصق به من موروثه الاجتماعي، وقد تسالمت عليه بنيتُه الذهنية، فالواقع والمعيشة متقدّمة على الفكرة لا العكس، والناس يسعون الى تطبيق أذهانهم على الواقع الخارجي لا تطبيق الواقع على أذهانهم، فيرون حياتَهم ومعيشتَهم بعيون عقولهم، وهذا التزيين والتبرير العقلاني هو الذي يسمى أيديولوجيا.

السرّ في قبول الناس للايديولوجيا والمفاهيم اللاعقلانية يكمن في أن الكثيرَ من الناس لا يرغبون أساسًا في تحريك عقولهم والاستفادة منها، إعمالُ العقل والاستفادة منه يثيران فيهم الوحشةَ والخوف، والسرّ في هذه الوحشة هو أننا لم نستثمر عقولَنا بشكل كامل، والحقيقة إذا تحركت من موقع العقلانية المحضة، ودخلت الميدان، واتبعت أحكام العقل فقط، فإن ذلك التحرك ربما يسوقك إلى وادٍ مخيف. الاستفادة من العقل تثقل كاهلَ الإنسان لأنها تجعله مسؤولا، ذلك ما قام به المفكرون العظام فهؤلاء قاموا بعمل عظيم يتلخص في تركيزهم الجادّ على استعمال عقولهم، والتواصل في هذا الميدان أثقل وأشدّ من ميدان القتال. يقول إيمانويل كانت: “تجرّأ على استعمال فهمك الخاص”، هذه خلاصة دعوة التنوير، أكثر الناس لا يستعملون فهمهم الخاص. هنا تكمن المشكلة والأهمية في الوقت نفسه،كيف يتجرأ المرءُ على اللجوء إلى عقله واستعمال فهمه الخاص، وكيف نجرّد المرءَ من تراكمات التاريخ، وإنقاذ كرامته المنتهَكة تاريخيًا وحاضرًا، ونحن أمام ذاكرة جمعية لا تقول الا مزيدًا من محاصرته، وقد عملت ذاكرتُه، وهو حبيس الايديولوجيا، على تزييف الأمور. من دون ذاكرة، ومن دون هذا التفسير الذي يبقى على الدوام مختلفًا جوهريًا عن الحياة اليوم المعبَّر عنها بسذاجة، ما كان لذلك الماضي أن يبقى محفوظًا لنا،كان من شأنه أن يحررنا من الحبس المؤبد. الذاكرة الايديولوجية هي التي حفظت لنا الماضي، ذلك الماضي الذي رسم لنا صورةً للإنسان ليست إنسانية، صورة تحطّ من كرامته ومقامه الذي وضعه الله فيه، وكأن الإنسان بالنسبة إليها إنسانًا مفبركًا. وقد تمّ التعاملُ مع الدين والكرامة والإنسانية على أساس معادلة: إن الدين يساوي الشريعة، والشريعة تساوي الأحكام فقهية، والكرامة تدور مدار هذه الأحكام، والإنسان هو المسؤول عن تطبيق كلّ ما ورد في هذه الأحكام الفقهية، بعنوان أنه مكلَّف، لا بعنوان أنه إنسان مكرم! لابد من التميز بين الإنسان بما هو إنسان، والإنسان التاريخي (المكلَّف) بما هو مادة للدرس الفقهي، كما شرح ذلك الرفاعي في كتابه هذا. يتحدث الرفاعي عن صورة للإنسان في ضوء تفسيره للقرآن الكريم، فيكشف (عن بُعدين للإنسان، كلُّ بُعد منهما يُتخَذ موضوعًا لنوع من أحكامه: الأول: الإنسانُ الذي يعبر عن هوياته المتغيرة تبعًا لتغيّر الواقع الذي يعيش فيه، الإنسانُ بالمعنى الفيزيائي والانثربولوجي المتحول بوصفه صيرورةً وتشكّلًا مستمرًا في هوياته المتغيرة، الإنسانُ الذي يخضع لتحولات الظروف والأحوال وأنماط العيش. والثاني: الإنسانُ من حيث هو إنسان أبدي لا يتغيّر في كلِّ الظروف والأزمنة والأحوال، الإنسانُ بغض النظر عن هوياته المتغيرة. الإنسانُ خارج كلّ الهويات المجتمعية، الإنسانُ بوصفه كينونةً وجودية كونية لا تتغيّر مهما تغيّرت الظروف والأحوال والأزمان، ومهما تغيّر الواقع). ويرى الرفاعي بأن الإنسانَ بالمعنى الذي يعبر عن هوياته المتغيرة هو (الموضوع للأحكام الخاصة بعصر البعثة الشريفة وامتداداته الظرفية في زمان الخلفاء وأزمنة لاحقة مماثلة له، تشترك معه في مستوى تطور العلم والمعرفة والثقافة ونمط العيش ومختلف المعطيات السائدة في الواقع). والإنسان (بمعنى ما يكون به الإنسانُ إنسانًا بغضِّ النظرِ عن أي شيءٍ آخر يتدخل في تصنيفِه عرقيًا أو جغرافيًا أو اقتصاديًا أو ثقافيًا أو دينيًا… هو موضوعُ الكرامة والقيم الأخلاقية والروحية والجمالية الكونية المشتركة بين الناس كلّهم). هذا هو المفتاح الأساسي في منهج الرفاعي الذي يعتمده في تفسير القرآن الكريم، وتقديم فهم لآياته يظل يتحدث للإنسان كل يوم.

وهنا ينبغي أن نشير إلى هذه النقطة المهمة، وهي أنه لا شيء من المعرفة أكثر ضررًا وألمًا من أن يتبدّل البحثُ الفكري الى بحثٍ لفظي لا حاصل له، وذلك باستخدام ألفاظ واصطلاحات فضفاضة، أو بشكل مبهم وغامض بحيث تحتمل كلَّ معنى. اتباعَ مثل هذا المنهج في التعامل مع الدين والأنسان، ينتج صورةً لشبح الإنسان وليس حقيقة الانسان. يكتب المؤلف: (في لاهوت المتكلمين يغترب الانسان وجوديًا عن الله، لأن ذلك اللاهوت يبرع في نحت صورة لله تحاكي علاقة السيد بالعبد المكرسة في مجتمعات الأمس، الله في هذا اللاهوت تسلطي كما الملوك المستبدين، نمط علاقته بالانسان كانها علاقة مالك برقيقه، فهو يمتلك الناس كما يمتلك الأسياد الرقيق، ويمتلك أقدارهم، ويمتلك التصرف بكل شي في حياتهم، وقد وُلدت عقيدة الجبر في أفق هذه الرؤية مبكرًا، وأصبحت منبعًا لشرعنة الاشكال المتنوعة للاستبداد في تاريخ الاسلام).

وقد أشاح الفقهُ بوجهيه القديم والحديث، عن أيّ مسعىً يستهدف قراءةَ النصّ الديني قراءة انثروبولوجية وهرمنيوطيقية تراعي السياقَ التاريخي السوسيولوجي والانثربولوجي والقيمي بحيث يأتي تفسيرُ تلك الآية (محايثاً) وليس (مفارقاً) لطبيعة الواقع الاجتماعي المعيش ذلك الوقت، ولم تقرأ بما ينسجم ومنهجية القراءة التاريخية لحضور الدين في الحياة الإسلامية.

غاب الإنسانُ وكرامتُه على وفق هذا الفهم في مدونات الفقه والكلام، لم يراجع أحدٌ ذلك، وأعادت المؤلفاتُ اللاحقة شرحَ المؤلفات السابقة، وكان الإنسانُ وكرامته ضحيةَ ذلك.

من هنا تكمن أهميةُ عمل المؤلف في استنقاذِ مفاهيم الدين والكرامة والانسان في ضوء ما تقوله آياتُ القرآن الكريم، وتحريرِ فهمها مما طالها من تفسير يتحدث عن التاريخ، لا عن الواقع الذي يعيش فيه الإنسان اليوم زمن الحقوق والحريات.

اكتفي بهذا القدر من التعبير عن أهمية كتاب عبد الجبار الرفاعي الجديد، وان كان المؤلفُ بحاجة الى دراسة مستفيضة، تأخذ في اعتبارها المشروعَ الكامل لكلّ مؤلفاته للتعريف بالمنهج الذي يسير عليه، وقد ذكرتُ في مقال سابق أن مشروعَ الدكتور الرفاعي كُتب عليه ألا ينتهي، ولا يتوفر على إجابات نهائية، ذلك ما أخذه على نفسه، وهي ميزة تقرّ بها العلومُ الحديثة، اذ لا توجد أجوبة نهائية في حياتنا، وهو المنهج الذي يترجم احترامَ العقل وإمكانياته، بأن لا تفرض عليه إجابةٌ تغلقه، وتغلق عليه أبواب المعرفة الرحبة.

على وفق هذا الاستنتاج لا يمكن معرفةُ هذه المفاهيم باعتماد القراءات القديمة والتي لا تميز بين الإنسان بما هو إنسان، والإنسان التاريخي بما هو مادة للدرس الفقهي.

هذا الإنسان الذي أرّق الراحل د. حسن حنفي في تساؤله عن غياب الإنسان في تاريخنا الإسلامي، وهو ما جعل الرفاعي منزعجا مما تمّ تعريفُه وبيانه لماهية الانسان في منظومتنا الفقهية والكلامية، وهو ما دفعه الى تأليف هذا السِفر المهم الذي نأمل أن تهتمّ بموضوعاته معاهدُ التعليم الديني في الأزهر والزيتونة والقرويين والحوزات وكليات الدراسات الإسلامية.

 

 [1] ستار الزهيري، كاتب عراقي متخصص في علوم الدين.

رابط نشر المقال