تديّن السكينة والتديّن الكئيب عند عبد الجبار الرفاعي وبوريس سيرولنيك  

د. كوثر فاتح[1]

وأنا أطالع الصفحات الأولى من كتاب عبد الجبار الرفاعي “الدين والكرامة الإنسانية” استوقفتني مطولا عبارة صاغها في الصفحة الرابعة عشرة من الكتاب متحدثا عن: تدين كئيب يغمر الروح بالأسى، وكأني به فقع دمامل الغبن والكآبة[2]. قد لا أبالغ إن قلت إن تلك العبارة لخصت كل ما نعانيه اليوم نحن المسلمون من: تدني شغف ديني، غياب لوعة وجودية، ونضوب سكينة إيمانية:  “في زمن قلما تفرح فيه الروح، كما قال الرفاعي صادقا في الصفحة عينها.

تديننا كئيب وكئيب جدا، واقعنا فقير جدا، على الرغم من أن تراثنا غني جدا. فكيف نفسر عوز تديننا؟ هل هي المادية المتغولة؟ هل هي الفردانية الزاحفة؟ أم هو قصور الفهم الديني؟ أهو عيب دين أم عيب تدين؟

دعونا لا نقفز باتجاه استنتاجات متسرعة قبل ان نسافر في جغرافيا كتابات الرفاعي، وذكريات ماضينا، لنعود لتشخيص واقعنا ثم الأمل في حلول ممكنة. أتذكر هنا ما كتبه الرفاعي عن والدته في كتاب “الدين والظمأ الأنطولوجي“، حيث اعترف بفضل تدين أمه البسيط عليه، وما ألهمه من سكينة إيمانية، (الظمأ الانطولوجي ، ص 47-48)؛ مدافعا عن: “تدين فطري عفوي بريء شفيف، (ص 48)، ومذكرا إيانا ببساطة التديّن الشعبي وتلقائيته.

أعرج على ما سرده في كتابه الأخير “الدين والكرامة الإنسانية” عن قصة موسى النبي مع الراعي، ثم قصة فخر الدين الرازي مع المرأة العجوز، (الدين و الكرامة الإنسانية، ص25-23).

أحيا لدي الرفاعي ذكرى أجدادي، وانتبهت فجأة إلى أن تديني كئيب جدا وجدا.  أذكر أن جدي كان من دراويش زاوية الهادي بنعيسى “الزاوية العيساوية”.كان له ورد صباح وورد مساء. كان ما إن يفرغ من عمله حتى يهرع للزاوية للقاء الأحبة. كانت له طقوسه قبل وبعد الصلاة. حتى أدعيته كانت متميزة ببساطتها وكثافة معناها. ما إن يقترب موسم “الشيخ الكامل” بمكناس حتى يغادرنا جدي “باسيدي” متخليا عن الأهل والزوج. لا تفارقه سبحته ولا ابتسامته. كان محدثا بليغا ورجلا حكيما بشهادة من عاصروه. والأهم من هذا وذاك كان مرحا، لأن تديّنه كان تديّن سكينة للروح وطمأنينة للقلب.

لا أتذكر انه في إحدى حكاياته لنا أو جلسات سمرنا معه قد حدثنا عن جهنم أو نار أو عقاب. لم يكن جدي مهووسا بجهنم، لأنه كان متيقنا من رحمة الله ومن عوضه الجزيل. لم يحدثنا عن الدين، لأنا كنا نراه في أفعاله. لم يفتش كثيرا في عيوب فهم الدين، لأنه سلم بأن دينه يخاطب روحه. أما عقله الصرف فقاصر عن أن يدرك أفق  المعنى الديني. هذه ليست دعوة لتعطيل العقل وإنما اعتراف بحدوده. دون شك ليس في عرفان دراويش الحاضر حل لما نكابده.

جدتي لوالدتي أيضا كانت متدينة مرحة. وأذكر أن أحد أخوالي قد أصابه لفترة ما وباء التطرف الشديد، ومنعها من مشاهدة حفل “سهرة السبت”، الذي تعرضه قناتنا الوطنية الأولى نهاية كل أسبوع، بدعوى حرمة الموسيقى، لكنها انتفضت في وجهه وصرخت: “إن كان الأمر بيني وبين الله فدعني وخالقي، سأخبر الله أني أحب سهرة السبت في التلفاز”. لم تشغل جدتي بالها كثيرا بحلال وحرام، كانت تستمتع بتدينها، لأنها آمنت بالله وسلّمت برحمته. هذه ليست دعوة لتحليل أو تحريم، بل قد يكون الحل في الانعتاق من جدلية حلال وحرام هذه التي أنهكت أفهامنا. هي حكايات كثيرة يمتلكها كل واحد منا لأب، أو أم، أو جد، أو عم وخال، كان تديّنه تديّن سكينة للروح وطمأنينة للقلب.

تخبرنا أمي أن جارات وصويحبات الحي كن يقمن حفلة متى وضعت قطة إحداهن، أو عندما يكسر صغارهم أول كأس، حين يحلقون رؤوسهم أول مرة، وعندما يحفظ طفلهم أول حزب من القرآن … كن يغتنمن كل مناسبة للقاء الفرح والمرح.كانت النسوة تلتقي بشغف،كن يمرحن بسبب وبدونه، أما نحن فأغلب حواراتنا إما شكوى مرض أو زوج أو أبناء أو وطن.كانت النسوة متدينات محتشمات دون مبالغة، والأهم كان تديّنهن تديّن سكينة للروح وطمأنينة للقلب. نحن النسوة اليوم نتأرجح بين نقاب، حجاب، وتبرج. وبين هذا وذاك ضاع الحياء.

عدت أيضا إلى سنة مضت، عندما قامت بنيتي بأخذ كتاب زميلتها في الفصل سهوا، ووضعته في حقيبتها وحملته معها إلى المنزل، فجاءتني باكية: “أمي هل هذه سرقة؟ هل سأدخل جهنم لأني اخذت كتاب مريم؟”.

مهلا بنيتي، فلست أذكر يوما أني قلت لك: “إن جهنم بالمرصاد”، بل طالما رددت على مسامع أبنائي :”رحمة ربي وسعت كل شيء”.

لا أذكر أنى أحدث ابنتي ذات السنوات السبع عن جهنم ونارها.كل ما أذكره لأبنائي هو عن رحمة الله ولطفه بعباده. ولا تذكر هي من أغلب فصول حصص التربية الإسلامية إلا العذاب والعقاب.  لا أعيب اجتهاد معلمتها، ولكن أعيب أسلوبها في التربية الدينية. نحن في مدارسنا نعاني “حالة المعلم المبشّر”، الذي تجرفه لوعة النصيحة أحيانا، فيغفل عن أن أطفالنا يقلدون أفعالنا، وأن نصائحنا لابد وأن تظهر في أفعالنا نحن الراشدين أولا. وذلك ما يسمى في سيكولوجيا التربية المعاصرة بـ “Congruence ” ، أي ان أسمع أفعالك وأشاهد أقوالك فاراها فيك .**  هي المطابقة إذن بين القول والفعل. قد نكون نحن اليوم بعيدون جدا عن ذلك .

هو عصاب اجتماعي يتفشى عندما نغرق تربيتنا في خطابات الوعظ والإرشاد والترهيب، ويكون واقع أفعالنا متعارضا كلية مع جميل ما ندعو إليه. لا يعني هذا أن نلغي حضور المقدس في تربيتنا، بل أن نحوله من “مقدس” الى “ممكن بشري”، ونحد من الهوة الشاسعة بين جمال ديننا وكآبة تديننا.

هي المدرسة إذن تثقل عقول الأبناء بخطابات الترهيب. لنتساءل بعد ذلك لم التطرف؟ لم النفور من الدين؟ لم اللاتدين؟

دعونا لا نخوض في الأسباب التاريخية، والاجتماعية، والأنثروبولوجية، والسياسية، لنفصل في علل “خطابات الرعب” حتى لا نوقض حساسيات أيديولوجية تزيغنا عن غرض هذه الاسطر.

كيف نعرف تديّن السكينة؟

قد يكون من باب أولى ان نُعرِّف تديّن السكينة بنقيضه، وهو التديّن الكئيب . يميل الرفاعي لوصف واقعنا بـ: الرتابة المادية، القلق الوجودي، الفقر الانطولوجي، وإنطفاء المتعة“، (الظمأ الانطولوجي، ص22). هو شغف الوجود وقد خمد، والقبح وقد أغرق العالم. هي الفردانية وانغماسنا المبالغ فيها، وفي العقلانية، وانسحاب العرفان والمحبة من حياتنا. نحن قد حققنا  “الكفاية المعيشية “، وأعوزنا  الظمأ الانطولوجي، وإن كان ظمأنا هذا ظمأ جوع بعد شبع. فما أفقرنا!، (الظمأ الانطولوجي ص 20).

يعزي الرفاعي كل هذا إلى: “ان الصياغة الأيديولوجية للدين تخفض طاقته المقدسة، بعد ان تهتك سحر العالم، وتطفئ شعلة الروح التي يلتمسها الانسان فيه، وتجفف منابع ما يولد روح المعنى في مداراته، فيصاب الكائن البشري بالسأم والإحباط والضجر والغثيان، بعد ان يموت كل شيء من حوله، ويفتقر الى ما يلهمه مزيدا من الطاقة“، (الظمأ الأنطولوجي، ص 21).

هو شح المعنى في رأي الرفاعي، ذاك الذي يفسر ما نعانيه من اغتراب عن ذواتنا. يكتب: “انسان اليوم يفتقر لتدين عقلاني أخلاقي رحماني ينقذه، لأنه يعيش في عالم يضمحل فيه معنى كل شيء في الحياة، عالم تزداد فيه كآبة الإنسان ويشتد اغترابه”، (الدين والكرامة الإنسانية ص 8) . نحن إذن بحاجة إلى بناء فهم  جديد لتديننا، نحيي معانيه الإيجابية، التي أخمدتها تأويلات تغالي في الترهيب، وشوّهت صورة الله الرحيمة. نحن بحاجة لإعادة تشكيل صورة الله في مخيالنا الديني كما يصر على ذلك الرفاعي، حتى نتحرر من: علاقة مسكونة بالخوف الى صلة تتوطن مقام المحبة“، (مقدمة في علم الكلام الجديد، ص 40) .**

قد يبدو من السهل اسقاط هذه الدعوى عبر اتهامها بانها أيديولوجيا شغف روحي توجه سهامها ضد أيديولوجيا شغف عقلي. دعونا نتحول إلى قراءة أخرى تلتقي كثيرا وتصور الرفاعي، وان كانت تختلف عنها من حيث الأدوات الابستيمولوجية والمقاربة النظرية.

قراءة لا يعنيها المقدس بقدر ما يعنيها الانسان

لنعرج على كتاب  Psychothérapie de Dieu العلاج النفسي بالله، للطبيب النفسي الفرنسي  المتخصص في علم النفس العصبي Boris Cyrulnik  الذي خصه للحديث عن علاقة الانسان بالله، وعن علاقة العلاج النفسي بإيمان الفرد*** . يستحضر هذا الخبير النفساني في كتابه دور الايمان في تعزيز القدرة على “المثابرة La résilience”، أي الصمود في مواجهة المحن وتخطيها . هو مفهوم مركزي عند سيرولنيك، يحيل على القدرة الإنسانية على تحمل الحياة وتجاوز الاحتضار النفسي،  (سيرولنيك، ص 15). يرى سيريلنيك أن للبعد الإيماني دورا مهما في تعزيز هذه القدرة وتنميتها. إنه يميل الى التأكيد على أن الانسان المعاصر فقير جدا انطولوجيا، وأن حاجته للدين قبلية أساسية؛ منتفضا  ضد كل إقصاء للدين في أدبيات العلاج النفسي.

يستعرض سيرولنيك حالات إكلينيكية واكبها، وساعدها الإيمان على تجاوز محنها النفسية ،ثم يعود لذكريات طفولته القاسية التي عرف فيها اليتم والعنف في أبشع صوره، ليقيم تقابلا بين الإيمان واللا-إيمان، على مستوى مواجهة صعاب الحياة. هكذا يخلص إلى مقاربة الدين بوصفه «un tuteur de développement» أي وصي على التطور يحيل على عالم ميتافيزيقي توجد فيه قوة مطلقة، (سيرولنيك، ص   293- 48). هي قوة رحيمة تغذي الحاجة للشعور بالأمان . أما ذلك العالم الميتافيزيقي فهو عالم يقي الانسان صحراء اللامعنى، ويعطي لأحلامه وأهدافه معاني وغايات.  هو إذن يحمي الانسان من انغلاق عالمه النفسي على ذاته، (ص 51). لذلك يصرح سيرولنيك بضرورة إعادة الصلة بالله، واستثمارها في العلاج النفسي . لكن  سيرولنيك يعترف بأن الدين ينقذ البعض، لكنه قد يكون مسؤولا عن مآسي كبرى بسبب تعصب تأويلي، (سيرولنيك ص 38). لهذا يذكرنا بأننا نحتاج الى صورة إله  “يشعرنا بالأمن يعزز ثقتنا بأنفسنا و يرشدنا لطريق السعادة“، (ص 63). يحدثنا سيرولنيك في كتابه مرة أخرى عن قيمة الطقوس الجماعية في تعزيز الحس الاجتماعي للفرد واحساسه بالانتماء، (ص 84 و96). ليس الدين في نظره للإيمان  فقط ، إنه ايضا للسعادة وللغيرية… هو صلة بين الإنسان والعالم ببعديه المادي والميتافيزيقي. هو مبرر وغاية وجودنا.

بهذا المعنى يتضح لنا كيف تلتقي القراءة الفلسفية للرفاعي مع المقاربة السيكولوجية لسيرولنيك، ولا يبرر هذا التشابه إلا السعي وراء معنى للوجود الإنساني.

يذكرنا الرفاعي بأننا نسينا الإنسان. في حين يذكرنا سيرولنيك بأننا نسينا الله  .ويذكرنا تديننا بأننا نسينا الشغف.

أخيرا ،كيف نتحرر من التديّن الكئيب؟

تحمل لنا رباعية مؤلفات الرفاعي عن الدين: “الدين والظمأ الانطولوجي- الدين والاغتراب الميتافيزيقي  – الدين والنزعة الإنسانية –  الدين والكرامة الإنسانية” تشخيصا لما نعانيه اليوم من أزمة حضارية كأمة إسلامية. نحن في قطيعة مع الإنسان بداخلنا؛ اطفأنا شغف إنسانيته بمادية مفرطة، وعقلانية بخيلة المعنى.

قد يكون الحل في إعادة بناء هويتنا الدينية. لن يتحقق ذلك دون مغامرة تأويلية جديدة لماضينا بشرط المسافة النقدية مع هذا الماضي والجرأة على الاعتراف بالأخطاء التاريخية والنواقص البشرية. ولعلنا أيضا  بحاجة الى هيرمينوطيقا إيجابية للدين .  يقول الرفاعي: الدينُ يمكن أن يكون عاملًا أساسيًا في البناء، كما يمكن أن يكون عاملًا أساسيًا في الهدم، ويعود الاختلافُ في ذلك إلى الاختلاف في طريقةِ فهم الناس للدين، ونمطِ قراءتهم لنصوصه، وكيفيةِ تمثلهم له في حياتهم“، (مقدمة في علم الكلام الجديد، ص 5).

قد يكون الخلاص كذلك في ان نعترف أولا للماضي بوزر الخطأ، ونسمح للحاضر بالحق في الشغف، ونتصالح مع سحر العالم؛ فنتحرر من شطحات العقلانية، وهلوسات الفردانية، وغرور المادية  .

أخيرا، قد يكون ترياق التديّن الكئيب هو الظفر بجرعة إنسانية زائدة. وذلك ما يدعو إليه الرفاعي في ما يصطلح عليه بـ: “الإنسانيَّة الإيمانية”.

مراجع

-عبد الجبار الرفاعي (2021)  .الدين والكرامة الإنسانية، مركز دراسات فلسفة الدين – بغداد، دار التنوير – بيروت.

– عبد الجبار الرفاعي (2021). مقدمة في علم الكلام الجديد، مركز دراسات فلسفة الدين – بغداد، دار التنوير – بيروت.

-عبد الجبار الرفاعي (2018) .الدين والظمأ الانطولوجي، مركز دراسات فلسفة الدين – بغداد، دار التنوير – بيروت.

B.Cyrulnik (2019).Psychothérapie de Dieu.Odile Jacob. Paris

*يخص عبد الجبار الرفاعي هذا المبحث بجزء مهم في كتابه “مقدمة في علم الكلام الجديد” حيث يطالب و بإلحاح بضرورة إعادة تشكيل صورة الله والتحرر من صور البطش والترهيب التي اورثتنا إياها مدارس تأويلية بعينها  . وقد لا تكتمل مطالب التخلص من هذا التديّن الكئيب دون التخلص أولا من ارث تأويلي، ومن أدوات ابستيمولوجية انتهت صلاحيتها.

**مفهوم نجده حاضرا بقوة عند كارل روجزCarl Rogers في مقاربته المتمركزة على الشخص ضمن السيكولوجيا الإنسانية التي ينتمي اليها، وفي مدارس التربية الإيجابية التي نهلت كثيرا من مقاربته النفسية .

***هي نقاط تشابه كثيرة بين أطروحة سيرولنيك في هذا الكتاب ومفهومي الظمأ الانطولوجي والاغتراب الميتافيزيقي عند الرفاعي، وقد يكون الانخراط في قراءة مقارنة لهذين المفكرين مغامرة شيقة. وان كان تدخل سيرولنيك هذا قد قوبل بنوع من الاعتراض في الساحة الفكرية الفرنسية المعاصرة المعروفة بتغليبها للكوجيطو ، الا ان هذا التوجه الروحاني في العلاج النفسي حاضر بقوة في المدارس النفسية الانجلوساكسونية خاصة في علم النفس الإيجابي .

هوامش:

كوثر فاتح دكتوراه في الفلسفة التأويلية / الهرمنيوطيقا – أكاديمية فاس – مكناس، المغرب.[1]

في الفصل الثالث من كتابه الجديد: الدين و الكرامة الإنسانية، تناول عبدالجبار الرفاعي أشكال التديّن، وتمثلات الدين في حياة الفرد والمجتمع، فأورد ثمانية أشكال للتديّن، وكشف عن ملامح كل واحد منها ومنابعها بالتفصيل ، وأشار في أكثر من مورد إلى التديّن الذي ينتج الكآبة، والتديّن الملهم لسكينة الروح وطمأنينة القلب. [2]

 

رابط النشر:

من لاهوت الموت إلى لاهوت الحياة

قراءة في فكر صوفي غير متصوّف

 

د.كوثر فاتح[1]

اكتشفتُ المفكر العراقي عبدالجبار الرفاعي صدفة، وأنا أُنقّب عن آثار شلايرماخر في فكرنا العربي المعاصر. أضعتُ شلايرماخر، ووجدتُ لاهوتيًا وفيلسوفًا يقاسمني الدين والهواجس، همُ الانتقال من تدين الشكل إلى تدين الجوهر. فنعم الرحلة هي، ولتطل ما شاء الله لها ان تطول!

يُفكّر عبدالجبار الرفاعي خارج جغرافيا العقيدة أو الطائفية، بل أحيانًا خارج جغرافيا الدين نفسه. فكره من الدين داخل الدين. لذلك فهو يعلو فوق سجون الـ “هنا، اذ يؤسّس الرفاعي لفلسفة دين، بعيدًا عن أسوار القراءات وعراقيل التخصصات. قد لا أبالغ إن قلتُ إني أجدُ فيه “بول ريكور” آخر. هو لاهوتي الحوزة وفيلسوف الجامعة، هو الأكاديمي البيداغوجي والمنظر التربوي. هو المفكر الموسوعي المتنور، في ظل جامعات فلسفة عربية أنهكها إرث التخصّص ورذيلة القطائع المعرفية التي لا نكاد نجدها إلا في أوطاننا العربية المريضة بعصاب الانتماء الواحد.

هو المؤمن و كفى!

لن أعود إلى ما قيل عن كتبه السابقة، وقد أسهب الباحثون في ذلك من شتى بلاد العرب. لكني أتمنى أن أقف عند مقاربته “التصحيحية” للتصوّف. بجرأة قد تزعج الكثيرين، ينتفض الرفاعي ضد تصوّف الاستلاب، مناديًا بتصوّف حرية، حتى نروي “الظمأ الانطولوجي”، الذي يجد فيه الرفاعي أصلَ ما نعانيه من اغتراب، ولنقل من تطرّف؛ منشؤه سوء فهم لوظيفة الدين، وسوء قراءة لنصوصه.

هل التصوّف هو الحل؟

إذا  كان الحلُّ في الهروب نحو الأعلى فقد انهكنا الهروبُ إلى الخلف، نحو ماضي نتوهمه فردوسيًا. فهل تغيير الباردايم المكاني باتجاه صاعد هو الحلّ للحاضر المريض؟

يجيب الرفاعي من خلال هندسة عرفانية صاعدة هابطة، لا تبرح الأرضَ وتتخطى المكان. هو بذلك يقدّم لفهمٍ جديد لتجربة التصوّف؛ اذ يرى الرفاعي أن التصوّفَ في معناه التقليدي متعاليًا على الواقع و مستلِبًا للإنسان. بدلًا عن ذلك يقدّم هو لتصوّف يتأسّس انطلاقا من الواقع، لا يغادره إلا ليعود اليه. تتجلى أطروحةُ الرفاعي بوضوح في مداخلته: “التصوّف بصيرة ملهمة انطفأ ضوؤها في زوايا العزلة و الغياب عن العالم”، المقدمة  ضمن كتاب: “الصوفية اليوم  قراءة معاصرة في مجتمع التصوّف ونماذجه” عن  مؤسّسة فريدريش ايبرت (2020( . ينطلق الرفاعي في مداخلته هذه من قراءة “تطورية” للدين، بدءا بلحظة التأسيس وانتهاءا بفوضى التأويلات، يرى فيها الرفاعي: “اهدارًا للمعنى الروحي الأخلاقي و الجمالي للدين” (ص16 ). ويرجع الرفاعي جمود المعنى هذا لتبعات المأسسة الفقهية والابستيمولوجيا  الكلامية للدين، منتفضًا ضد ادعائها الإجابة عن كلِّ الأسئلة ومتحدّثا عن: “عمليات الوضع”، وكأننا بصدد “موضعة فقهية كلامية” للدين تحشره داخل زاوية المعنى النهائي. يكتب الرفاعي: “ترسخت صلة  الفقه بالسلطة وتفاعلت مع مختلف الأزمنة فانعكس ذلك على الفقه باتساع مساحة التحريم وضيق مساحة الإباحة… وكان من نتائج زحف الفقه على الفضاء الروحي والأخلاقي خارج حدوده ضمور العقل وإخضاع كل شيء في حياة المسلم إلى الموقف الذي يقرره الفقه  …أُنهك العقل بفرض حدود لتعبيره عن أفكاره، وتبعًا لذلك ضاق فضاء المعنى في الدين بسبب شح حضوره في الفقه”. ( ص 20). موقفه تنديدٌ بانغلاق الدلالات وانغلاق الإمكانات عبر الاقتصار على جدلية عقيمة لا تبارح ثنائية التحليل والتحريم. ينادي الرفاعي اذن بالانتقال إلى رحابة الهرمنيوطيقا بعيدًا عن أحفوريات الخطابات الفقهية.

كما ويرفض الرفاعي الترخيصَ للإجابات الفقهية كقواعد دين وأنماط تدين، من دون أن يغفل التنديدَ بالزواج السعيد بين بعض الفقهاء ورجال السياسة، ومعترضا على الشكل الثاني للمأسسة: السياسية  هذه المرة، والتي يعدّها الرفاعي شرعنةً للسلطة باسم الدين ومطالبا بدولة العقل. لكن ينبغي أن نوضح أن الرفاعي لا يرفض الفقهَ أو التصوّف، بل يرفض “تصلبَ المعنى” ووصايةَ الفقه أو السياسة على الدين. باختصار الدين عنده قضيةٌ هرمنيوطيقية.

من زاوية أخرى، نجد عند الرفاعي اهتمامًا بالتجربة الدينية التي خصّها بمجلد كبير[2]، حيث يلتقي مع مفكرين تأويليين من أمثال ديلتاي وشلايرماخر. الدين عنده تجربةٌ متسامية، لكنها لا تأخذ معنى انتفاء الموجود أو الأنا في الكينونة المطلقة كما هو الشأن في الصوفية، بل بوصفها تجربةً انطولوجية. هي إذن تجربة فردية، تجربة متوحد داخل الجموع، خلافًا لمتوحد ابن باجة المنعزل. هي تجربة الأنا مع النحن داخل المطلق.

في السياق نفسهِ، يذهب  الرفاعي للحديث عن التجربة الدينية مزاوجًا بين خطاب وجودي وخطاب صوفي عرفاني، وهذا واضح في تعريفه للتجربة الدينية وحديثه عن جلال الدين الرومي. نقرأ قوله:  “لذلك لا يُفهم الايمان إلا في فضاء الايمان، ولا تُفهم التجربة الدينية إلا في فضاء التجربة الدينية، فما لم نتحقق  بهذه التجربة ليس بوسعنا تقديم فهم واضح لها، مثلما لا يفهم الحب إلا من يتذوق الحب ولا يفهم البهجة إلا من تشرق نفسه ابتهاجا بالنور، ولا يفهم القلق إلا من يمزقه” (ص 22 ). ليسترسل في صفحات لاحقة مصرّحًا بخصوص مولانا جلال الدين: “ينبغي ان نستقي من الرومي تدفق قلبه بالعشق الإلهي، وما يصوره بيانه من لوحات متلألئة بالمحبة والجمال والتراحم والسلام وكل معنى انساني بهيج”. ص28 . والشواهد على ذلك  كثيرة لا يسعنا المجال هنا لنعود اليها جميعا. لنقول باختصار: إن التجربة الدينية عنده هي: “رحلة الكينونة إلى الحق”. ص23.

هو العاشق إذن، فلِمَ ثورته على التصوّف!

لا يرفض الرفاعي التصوّفَ بقدر ما يرفض الاستعباد. إذ يميز المفكر العراقي بين تصوّف الاستعباد وتصوّف الحرية على أساس الثراء الروحي. التجربة الدينية كما يصفها هو تتعالى على الفعل باتجاه الكينونة. تتعطل المادةُ وتنطلق الروح. هنا يكمن الفرقُ بين تصوّف الاستعباد وتصوّف الحرية. لينتقل الرفاعي للتمييز بين شكلي التصوّف هذين. تصوّف الاستعباد تصوّف تبعية لشيوخ طريقة هو:  “خسران للذات”. ( ص 24 ).كونه تصوّف دراويش، كما يرى الرفاعي، الذي  يربطه بعصر الانحطاط والعزلة ،كنوع من مازوشية اجتماعية، تحت غطاء طقوسية دينية. انه استنزاف للتجربة الدينية.

يتحدث الرفاعي بلا تردّد عن: “وثنية صوفية”، كما هو الشأن عند المولويين الذين يجدهم الرفاعي يعانون مرضًا روحيًا وأخلاقيًا. يسمح بعدها الرفاعي لخوفه أن يخونه متوجسًا عودةَ: “دراويش فوضويون يتسكعون في الأسواق والشوارع بين الناس، بهيئة ولباس غريب من أسمال بالية أو قطع مزركشة بألوان متناشزة”. (ص 25 ). ليطمئن قلبك فدراويشنا اليوم غارقون في الاستهلاكية، ودروشتهم مناسباتية فقط.

يذهب بعد ذلك الرفاعي ليندّد  بـ “ميثولوجيا التصوّف”. ( ص 26 )، مقدّمًا لمقاربة سوسيولوجية تقيم الدين على أساس عبادة الأسلاف، أو فلنقل مع الرفاعي: “عبادة الأقطاب”. لهذا الغرض يعود الرفاعي بجلال الدين الرومي إلى التاريخ ويحرّره من شطحات الميثولوجيا؛ كأننا به يجعل من التصوّف ظاهرةً تاريخية تسلبها كلَّ تعالٍ على الزمان والمكان والواقع الذي كانت تعيش فيه بكلِ ظروفه المتنوعة. يبرئ الرفاعي الرومي من إثم الدراويش وذنب المشيخة، ويجعله ملهمًا وليس معلّمًا باهتًا، مدافعًا بذلك عن تصوّف الحرية. إنه تصوّف واعٍ، تصوّف “يوقظ الانسان داخل الإنسان”. (ص 31 )، هو إذن تصوّف يزاوج بين المعرفة والعرفان. فهل مازال لأهل الوجد وأهل النظر أن يلتقيا؟

إجمالا التصوّف عند الرفاعي ذريعة للمطالبة بلاهوت جديد. لاهوت مسكون بالحياة، يبتهج بالفرح،  يرحب بالتعدّد، ينشد السلامَ الروحي. خلافًا للاهوت الموت، المولع بالتحريم، الغارق في الاجترار.

فهل لمشروعه ان يكتمل، وإنسان ما بعد الإنسانية يلوح في الأفق؛ منذرًا بإنسان غارق في المجهول؟

هل ستلفظنا الأرض الرحبة التي يرغب الرفاعي في أن يعيدنا إليها، أم ستلتقطنا السماء وقد طال الهجران؟

 

 

د.كوثر فاتح: دكتوراه في الفلسفة التأويلية / الهرمنيوطيقا – أكاديمية فاس – مكناس، المغرب.  [1]

  المجلد الثاني من مجلدات “موسوعة فلسفة الدين” التي يحررها ومازالت تصدر، بعنوان: “الايمان والتجربة الدينية”. [2]

 

رابط النشر: