اللغة ولغة الدين: رؤية للعالم وفضاء لتنوع الفهم والتعددية 

د. عبد الجبار الرفاعي

 تتعدّد اللغات بتعدّد المجتمعات والثقافات والأديان والقوميات الناطقة بها، كما تتأثر ببنية السلطة، وأنماط العيش، وتكوين الطبقات، واختلاف مجالات التداول وسياقات الاستعمال. حتى اللغة الواحدة لا تبقى كيانًا ساكنًا، إذ تتلّون بلهجاتها، وتتحوّل دلالاتها بتغير الاستعمال، وتتعدّد وظائفها تبعًا للحقول التي تتحرك فيها. ففي كل علم ومعرفة وتكنولوجيا ودين وثقافة وفن وأدب تنشأ شبكة لغوية خاصة، تُنحت فيها مصطلحات، وتتكوّن فيها علاقات دلالية تعكس متطلبات الاستعمال ورؤية ذلك الحقل للعالم. لذلك لا تكون اللغة أداة محايدة لنقل المعنى، لأن الكلمة لا تحمل الدلالة ذاتها في مختلف السياقات، فما تعنيه في المجال العلمي يختلف عما تشير إليه في المجال الديني أو الفلسفي أو الأدبي أو الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي. من هنا نرى بعض المصطلحات، حين تنتقل من حقل إلى آخر، تتبدّل دلالاتها وتكتسب معاني جديدة تبعًا للسياق الذي تُستعمل فيه.

في ضوء طرائق التداول وكيفياته تتنوع مجالات اللغة وسياقات استعمالها في: الفلسفة، والقانون، والسياسة، والاقتصاد، والعلم، والدين، والأخلاق، والأسطورة، والأدب، والفن، وغيرها. كما تتنوع داخل كل مجال وسياق، فمثلًا تتنوّع لغة العلم بعدد العلوم المعروفة وتطورها وامتدادها أفقيًا وعموديًا، وما يمكن أن يولد من العلوم مستقبلًا. لغة الرياضيات مثلًا تتميز بمصطلحاتها ومعادلاتها ورموزها واستعمالاتها المتنوعة على وفق كل نوع من أنواع الرياضيات، فسياقات الاستعمال في الحساب ومصطلحاته ومعادلاته ورموزه مثلًا غيرها في الجبر وغيرها في الهندسة، وهكذا في الأنواع الأخرى. الأمر كذلك في: الفيزياء، والكيمياء، والجيولوجيا، والأحياء، وعلم الأعصاب، والطب، وغيرها من العلوم الطبيعية والبحتة والتطبيقية. كذلك الحال في التكنولوجيا، إذ تتنوع اللغات وسياقات الاستعمال بعدد التكنولوجيات الجديدة، وتنشأ لغة مع كل ولادة لتكنولوجيا جديدة. في العصر الرقمي اليوم ولدت لغات وسياقات استعمال في الإنترنت، والذكاء الاصطناعي، وتتوالد لغات وسياقات استعمال مع تطور مجالات هذا الذكاء وتقدمه الفائق السرعة.

يمتد تنوّع اللغات إلى الفلسفة والعلوم الإنسانية والآداب والفنون والدين. لغة الفلسفة تنشغل بتجريد المفاهيم الكلية، ولغة العلوم الإنسانية مرآة لفهم الإنسان لذاته وأنماط عيشه وعلاقاته، أما لغة الآداب والفنون فهي أفق تتجلى فيه خبرة الإنسان وقدرة متخيّله على إبداع الصور بالكلمات والألوان، والتعبير عما تختزنه أعماقه، وفي الدين يعثر الإنسان على معنى فيما يبدو بلا معنى. هكذا تتحول اللغة إلى فضاء للإيحاء وبناء المعنى، وتغدو أفقًا تتشكل في ضوئه المعرفة، وتنكشف فيه رؤية الإنسان للعالم.

في هذا السياق يشير مصطلح “لغة الدين” إلى الكيفية التي يتحدث بها الإنسان عن الله والغيب، وكيف تُستخدم اللغة للتعبير عن المفاهيم الدينية وما يتصل بها من ظواهر وتجارب روحية. مصطلح لغة الدين غير متداول على نطاق واسع في الدراسات الدينية والفلسفية والألسنية العربية، على الرغم من كونه أحد الموضوعات المحورية في فلسفة الدين الحديثة. توطين هذا المفهوم في دراساتنا الدينية يوفر لنا مرآة نرى فيها نصوص الكتب السماوية وغيرها في الأديان المتنوعة من زاوية مغايرة للنظر المكرر إليها من زاوية علوم الدين التراثية، ويفتح لنا نافذة على فهم يتخطى الرؤية السطحية، بمقاربة مفاهيم هذه النصوص، وبيان ما إذا كانت تخضع لمنطق اللغة العرفية، أم أنها لغة تنفرد بمنطق داخلي خاص، تعكس معانيها بطريقتها، وإن تشاركت ألفاظها مع ألفاظ اللغة المتداولة.

ينبغي التمييز بين “لغة الدين” و”اللغة الدينية” بوصفهما نمطين من التعبير عن الدين؛ أحدهما يتصل بالمطلق، والآخر يتشكّل في الزمان وأنماط التدين وظروف العيش وتغير الواقع. “لغة الدين” هي اللغة التي نصغي فيها للصوت الإلهي في أصل حضوره الأول، وهي لغة رمزية جمالية تستجيب لظمأ الإنسان إلى المعنى، وتخاطب القلب والروح والشعور، وتعيد بناء صلة حيّة بالله عبر التجربة الروحية للإنسان. في الدين تتخذ اللغة أفقًا أعمق، فهي تؤسس صلة الإنسان بالغيب، وتعكس تجليات الحضور الإلهي في القلب والروح، لذلك تنفتح على المجاز والكناية والاستعارة والرمز والإشارة، لأن ما تشير إليه يتجاوز الحس المباشر وحدود التعبير الحرفي.

“لغة الدين الحاكية عن الغيب”: هي لغة الكتب المقدسة، كالقرآن الكريم والتوراة والإنجيل وغيرها، حين تتحدث عن الله والغيب والوحي والنبوة والحياة الآخرة. تتخذ هذه اللغة طابعًا رمزيًا ومجازيًا وإيحائيًا؛ لأن حقائق الغيب تتجاوز حدود اللغة البشرية، ولا تستوعبها الألفاظ المتداولة في الحديث عن عالم الشهادة. تستعير لغة الغيب مفرداتها وصورها من عالم الإنسان، ثم تنقلها إلى أفق دلالي يتجاوز معانيها الحسية والمباشرة. لا يطابق اللفظ فيها الحقيقة الغيبية، ولا يحيط بها، لكنه يومئ إليها ويقربها إلى وعي الإنسان بما تسمح به قدراته اللغوية وحدود إدراكه. يظل المعنى فيها أوسع من العبارة، وتظل الحقيقة أغنى من الصورة التي تتمثل فيها. الرمز هنا ليس حجابًا يحجب المعنى، ولا زخرفة لغوية، فهو جسر يصل عالم الشهادة بعالم الغيب، ويفتح أمام الإنسان آفاقًا متعددة للفهم والتأويل. تتجدد دلالات هذه اللغة بتجدد وعي الإنسان ومعارفه وأسئلته وتجاربه الروحية، من دون أن يستنفد أي تفسير ما تختزنه من معانٍ، أو يدعي الإحاطة النهائية بحقائق الغيب.

الآيات الحاكية عن الله منبع لتنوع صوره في وعي الإنسان؛ لأنها تتحدث عنه بأسماء وصفات واستعارات وصور متعددة، فتظهر صورة الإله الخالق والرازق والرحمن والغفور والحكيم والعادل والقريب والمجيب، وتظهر بموازاتها صور الجبار والقهار والمنتقم وشديد العقاب. لا تمثل أي صورة منها الله في ذاته، لكنها تكشف وجهًا من وجوه حضوره في وعي المؤمن، وفقًا لما تمنحه اللغة وما يستقبله الإنسان في ضوء تكوينه النفسي وثقافته وتجربته وزمانه التاريخي. كل صورة تكشف معنى وتحجب معاني أخرى، وتضيء وجهًا وتترك وجوهًا خارج أفق الرؤية. حين تنتقل هذه الصور من النص إلى الوعي يعاد تأويلها وتركيبها، فيغلب لدى بعض المؤمنين إله الرحمة والحب، ويغلب لدى آخرين إله الغضب والعقاب، وتتكون بينهما صور لا حصر لها.

من هنا تغدو الآيات الحاكية عن الله منجمًا لـ “التعددية الدينية”؛ إذ لا تنشأ التعددية من اختلاف الكتب المقدسة والأديان فقط، بل تنشأ أيضًا داخل الدين الواحد، من تعدد طرائق تلقي النص، وتنوع التجارب الروحية، واختلاف صور الله في ضمائر المؤمنين. لا يعني ذلك تعدد الله في ذاته، فهذا تعدد لصوره وتجلياته في الوعي البشري؛ الحقيقة الإلهية واحدة، غير أن مرايا الإنسان متعددة، وكل مرآة تعكس من النور بمقدار صفائها واتساعها ومقام شهودها. يمنح ذلك التعددية الدينية أساسًا معرفيًا وروحيًا، ويحرر المؤمن من توهم أن صورته عن الله تطابق الله، أو أن فهمه يستنفد الحقيقة الإلهية، ويدعوه إلى التواضع في الاعتقاد، والاعتراف بحق الآخر في أن يرى من وجوه الحقيقة ما لم يره هو.

لغة الدين الحاكية عن الغيب يتجاوز المعنى فيها اللغةَ فلا تتسع له، وتضيق عن استيعابه، وتعجز عن الإحاطة بما ينطوي عليه من عمق وثراء. يكون المعنى أكبر من العبارة، ويظلّ القول قاصرًا عن احتواء ما يتكشف في الذات من دلالات. لغة الغيب، حين تفيض بالمعنى، لا تجد وعاءً يتسع لها في الكلمات، فتضيق العبارة عن استيعابها، ويتردد التعبير أمام غزارة الدلالة وثرائها، فيبقى المعنى أوسع من اللفظ، وأغنى من أن تُحيط به الكلمات.

يتكوّن المعنى في لغة الدين الحاكية عن الغيب كتجربة حيّة لا صيغة منجزة، تجربة تتجاوز الألفاظ لحظة تتسامى الروح. حين يكون المعنى أوسع من اللغة يعيش الإنسان قلق البحث عن كلمة لم تولد بعد، وحين تكون اللغةُ أوسع تفتح للمعنى أفقًا جديدًا للرؤية، فلا تقوم العلاقة بين المعنى واللغة على تماثل ولا غلبة، وإنما على معادلة دقيقة يتقدّم فيها أحدهما ويتأخر الآخر. عندما يبلغ هذا التوتر أقصاه، تتراجع اللغة أمام فيض المعنى وتضيق عن حمله، فينفتح مقام الغيب، كمقام لا تحدّه عبارة ولا تحتويه فكرة، فيه يصير الصمت لغة الذات، والكلام إشارة، ويطلّ المعنى من وراء الحروف كما يطلّ النور من وراء الحجب. هناك يشهد القلب ما لا تحتمله العبارة، ويقف الإنسان بين حدّ اللغة وحدّ الفكر، ثم يتجاوزهما إلى أفق أعمق، حيث يغدو شاهدًا على غيب يتجلّى ولا يُحاط به، ويمنح المعنى من دون أن ينحصر في قول أو فكرة.

من الضروري تحرير لغة الدين الحاكية عن الغيب من أسر المعجم التراثي، وتخليصها من القوالب التي عطلت رؤيا الغيب، وتعطلت معها منابع الذوق والحدس وشهود الأنوار. لغة الغيب ليست مجرد ناقلة للحقيقة، بل ترى فيها أفقًا يتشكل فيه المعنى، ومسارًا تتجلى فيه تجارب الروح وإشراقات القلب، وتشفّ من خلالها تجليات الحضور الإلهي. في ضوء هذه الرؤية، فإن لغة الدين التي تتحدث عن الغيب تبعث الحياة الروحية، بوصفها حقلًا من الرموز، ومجالًا للتعبير عن مكاشفات الروح، وتذوق نكهة المحبة في مقام الحضرة الإلهية، وتجليات الجمال الإلهي في الوجود.

لا تعود اللغة سلطة تُلقِّن، وإنما تتحول إلى رؤية تُلهِم، وتحيي القلب، وتفتح بصيرة المتلقي على عوالم تتجاوز حدود العبارة، وتتسع لما لا يُقال، وما لا يُختصر في المنطق الجدلي، وبذلك تخرج اللغة من ضيق المعنى الحرفي إلى سعة التأويل، ومن التصور المغلق إلى الانفتاح على التجربة الروحية الحية، فتصير اللغة أفقًا يتخلق فيه المعنى، لا حجابًا يحجبه، وتغدو علاقة الإنسان بالله علاقة إشراق نورانية، لا إملاءً وتلقينًا، ومجالًا لتذوق المحبة والرحمة والسلام والجمال.

أما “اللغة الدينية” فهي نتاج تراكم التاريخ المؤسسي للفقه وعلم الكلام، حيث يتحول الدين إلى منظومة مغلقة من الأحكام والمقولات العقائدية، تتمحور حول ضبط السلوك ومراقبة الاعتقاد، وتحجب البعد الوجودي والجمالي للغيب حين تفرغه من رموزه، وتحيله إلى مسلّمات ذهنية كأنها مومياءات محنطة. اللغة الدينية تصوغها الجماعة الدينية عبر الزمان لتشرح، وتفسّر، وتعلّم، وتقنّن؛ هي لغة المؤسسات الدينية، والمدارس، ومعاهد التعليم الديني، والمنابر، والكتب الدينية. حين تُختزل اللغة في قوالب كلامية وفقهية مغلقة تنكمش دلالاتها، وتفقد قدرتها على إيقاظ المعنى وإثراء الحياة الروحية. أما حين تتحرر وتستعيد طابعها الرمزي والروحي والجمالي، فإنها تستعيد طاقتها في الكشف عن آفاق الغيب، وتغدو ممرًا يعبر به الإنسان من ظاهر اللفظ إلى عمق المعنى، فيعيش الإيمان حضورًا حيًا يتجدد بتجدد تجربته واتساع قلبه وانفتاحه على المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي.

“اللغة الدينية” صناعة بشرية، يعبّر بها الإنسان عن تفسيره للكتاب المؤسس، وفهمه للدين، وإيمانه به، وتمثله لقيمه، وممارسته لطقوسه وشعائره. تشمل هذه اللغة في الإسلام لغة علم الكلام والفقه والتفسير والوعظ والخطابة والتعليم الديني، ولغة الدعاء والمناجاة والذكر والابتهال، وما يعبّر به الإنسان عن تجاربه الروحية والشعورية. تنشأ هذه اللغة من قراءة النصوص الدينية وتفسيرها وتأويلها، ومن تفاعل الإنسان مع الدين في حياته الفردية والمجتمعية، فهي ثمرة فهم بشري، لا انعكاس مباشر للخطاب الإلهي في تعاليه ونقائه الأول، ولا تطابق لغة الكتاب المؤسس أو تمتلك مكانته.

تتشكل اللغة الدينية في أفق ثقافة الإنسان ومعارفه وتجاربه وبيئته وعصره، وتتأثر بالسياقات التاريخية والاجتماعية والسياسية والمؤسسات الدينية، وتتعدد دلالاتها بتعدد المفسرين والمتكلمين والفقهاء والمذاهب والقراء والأزمنة والمجتمعات. لا تعبّر هذه اللغة عن المعنى الديني إلا في حدود ما ينكشف للقارئ وما يتيحه وعيه وأفقه الثقافي، فتظل نسبية متغيرة، قابلة للنقد والمراجعة والتصويب وإعادة البناء، تبعًا لتطور الوعي واتساع الخبرة. وقد تتحول، حين تحتكرها المؤسسة الدينية وتوظفها في صراعات الاستحواذ على المعنى والسلطة والثروة، إلى أداة لحماية الدين المؤسسي وتكريس نفوذه، فتختزل الدين في القوانين، وتهدر فاعلية في إرواء ظمأ الروح وإيقاظ الأخلاق، وتخبو بذلك جذوة الإيمان وطاقته الملهمة، ويغدو الدين منظومة اعتقادية مغلقة. وحين يخلط الإنسان بين اللغة الدينية ولغة الكتاب المؤسس، يضفي على فهمه البشري مكانة نصوص هذا الكتاب، ويرفع تفسيره النسبي إلى مرتبة الحقيقة النهائية، مع أن نصوص الكتاب أوسع من فهم المتدين، وأثرى من تفسيره.

أما “لغة الإيمان”: فهي نمط تعبيري من أنماط اللغة الدينية، يولد من تجربة المؤمن الروحية الحية وشعوره بصلته بالله، ويكشف عما يفيض في باطنه من رجاء وخوف وحب وطمأنينة وشوق وامتنان. تظهر هذه اللغة في الدعاء والمناجاة والابتهال والذكر والترانيم والشهادات الإيمانية، وفي التعبير عن التجارب الروحية. لا تتمثل وظيفة لغة الإيمان في إقامة البراهين المنطقية أو صياغة الأحكام التشريعية أو نقل المعارف الدينية؛ لأنها لغة اعتراف وبوح ونداء، تتكلم في فضاء الإيمان لا عنه، وتعبر عن حضور الله وأثره في وجدان الإنسان وحياته. لا تصف هذه اللغة التجربة الروحية من خارجها، وإنما تنطق بما يعيشه المؤمن في أعماقه، وتمنح خبرته الروحية صورة يمكن التعبير بها والتواصل من خلالها. تتسع في لغة الإيمان دلالات الرمز والاستعارة والصورة والإيحاء؛ لأن التجربة الإيمانية أعمق من أن تستوعبها العبارات التقريرية المباشرة، ويظل ما يعيشه القلب ويروي الروح فيها أغنى مما تستطيع الكلمات الإفصاح عنه.

الكتب السماوية لا تتحدث بلغة رمزية في كل ما تتناوله، إذ تبقى في كثير من موضوعاتها قريبة من اللغة العرفية المباشرة الواضحة، غير أن الرمزية تتكثّف حين تلامس هذه الكتب حقائق الغيب، فتغدو لغتها مشحونة بالإشارة أكثر من التصريح، وتلجأ إلى المجاز بدل البيان الحرفي، لأن الغيب لا يُقال بعبارة تقريرية، ولا يحاط به بحدود الألفاظ، وإنما يشار إليه بلغة تتجاوز المعنى الظاهر للكلمات، وتفتح أفقًا يتسع لتجلياته في وعي الإنسان وتجربته.

أمّا حين تتناول الكتب السماوية موضوعات الطبيعة، وما فيها من كائنات، وتضاريس جغرافية، وجبال، وبحار، وأنهار، ومناخ، شمس وقمر وكواكب، وليل ونهار، وأمثالها، أو تتحدث عن النباتات، والحيوانات، والكائنات التي تعيش على الأرض، أو تتحدث عن النفس البشرية، وأحوالها، والكيفية المخلوقة فيها، وما يكتنفها من هشاشة، وقوة، وعن تكريم الإنسان، وإناطة مهمة الاستخلاف به، أو ما يتصل بأحوال القلوب، وتذبذب أحوال النفس، والعلاقات الاجتماعية، والقيم الروحية والأخلاقية، والعبادات والمعاملات، أو تستعرض أحوال الإنسان وحياته على الأرض فردًا وجماعة، فإن اللغة المستعملة في هذه الموارد وأمثالها في الكتب السماوية لا تتجاوز دلالاتها العرفية، وتظلّ ألفاظها تشير إلى معانيها التي وضعت لها في الاستعمال المتعارف.

باستثناء الآيات الحاكية عن الغيب يمكن تفسير ما تتحدث عنه آيات القرآن الكريم ونصوص الكتب السماوية في الموضوعات المشار إليها في ضوء الفهم العرفي للغة. ودراسة ما تتحدث عنه الآيات، في ضوء المناهج العلمية التي تكتشف القوانين الطبيعية، وتدرس من منظورها النظام الكوني ودقته المدهشة.كما يتيح التفسير التاريخي، المستند إلى معطيات علم الآثار والجغرافيا التاريخية لعصر النزول، فهم الحوادث والوقائع التي ذكرها القرآن في آياته ونصوص الكتب السماوية، والشخصيات التاريخية، والأقوام.

لغة الدين أحد الأركان الأساسية في فلسفة الدين الحديثة. ومن أبرز مآزق الأديان إصرار أتباعها على أحادية قراءة نصوصها، واحتكار تفسيرها في معنى واحد أبدي، يُفرض على كل من يؤمن بها. دراسة لغة الدين تحررنا من وهم المعنى الواحد، وتكشف تعدد دلالات النص الديني وتنوع تفسيراته، تبعًا لاختلاف الأزمنة والثقافات وآفاق الانتظار والتلقي. فالنص الديني لا يتكلم خارج التاريخ، ولا يتلقى في فراغ، إذ يتشكل فهمه في فضاء لغة القارئ ومعارفه وأفق انتظاره وأسئلته وتجربته ورؤيته للعالم. وكل قراءة تستضيء بالنص، مثلما تحمل إليه شيئًا من عالم قارئها وأسئلة عصره. لهذا لا تنتهي دلالات النص الديني بقراءة واحدة، ولا تستنفدها معرفة مفسّر مهما اتسعت.

في هذا الكتاب حاولت أن أتناول لغة الدين في سياق فلسفة الدين الحديثة، بأسلوب مدرسي واضح، أجيب فيه عن أسئلتي أولًا، كما هي عادتي في كتاباتي، وعن أسئلة متنوعة ما زالت تردني من قراء نابهين حول لغة الدين. لم أدّعِ أن ما أقدمه أجوبة نهائية، سعيت إلى فتح أفق للتفكير في هذه اللغة، والكشف عما تختزنه من طبقات دلالية، وما تتيحه من إمكانات للتأويل وتنوع الفهم. لذلك حرصت على شرح بعض اتجاهات الفكر اللغوي الحديث التي انشغلت باللغة والتأويل، وأعدت التفكير في اللغة بوصفها الأفق الذي يتشكل فيه المعنى، وينكشف من خلاله وجود الإنسان في العالم. رأيت أن عرض هذه الاتجاهات في الفصول الأولى ضروري لفهم لغة الدين، والتعريف بطبيعتها، وبيان تنوع المواقف في تفسيرها وتأويلها. حاولت في فصول الكتاب توضيح أن تفسير لغة الدين الحاكية عن الغيب لا يتحقق بالقراءة الحرفية، ولا بإهدار دلالتها، بل يتطلب اكتشاف منطقها الداخلي، والتمييز بين مستويات خطابها، والانتباه إلى صلة معانيها بأفق القارئ وسياقه التاريخي والثقافي وتجربته الروحية. أردت للكتاب أن يكون مدخلًا للتفكير في لغة الدين واكتشاف ثرائها الدلالي، وبيان أن تعدد تأويلاتها ينشأ من غنى بنيتها، وتنوع آفاق قرائها وعصورهم وتجاربهم وصورهم عن الله والإنسان والعالم.

درستُ النحو وبعض علوم العربية سنوات طويلة في الحوزة، وتتلمذت فيه على عدد من الأساتذة، وتدرجت في دراسته من كتاب “الآجرومية” لابن آجروم، إلى “قطر الندى وبل الصدى” لابن هشام، ثم “شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك”، و”شرح ابن الناظم”، كما درستُ كما درستُ كتاب “مختصر المعاني” للتفتازاني في البلاغة. وتوليت تدريس أغلب هذه المتون عدة سنوات لمجموعات من الطلاب. واهتممت مبكرًا بعلم اللغة الحديث وفلسفة اللغة واللسانيات. أحاول في هذا الكتاب الإجابة عن الأسئلة التي رافقتني في تعلّم العربية وتعليمها، واستكشاف ما تتيحه المناهج اللغوية الحديثة من آفاق أرحب لاكتساب اللغة وفهمها وتعليمها.

ويعود اهتمامي بدراسة لغة الدين إلى سنوات طويلة، إذ أصدرنا في عامي 2017 و2018 عددين من مجلة “قضايا إسلامية معاصرة” خصصناهما لهذا الموضوع، كما خصصتُ الجزء السادس من: “موسوعة فلسفة الدين” للغة الدين. حررتُ الموسوعة، وصدرت سنة 2025 في ثمانية أجزاء عن مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد، وتتولى توزيعها دار الرافدين في بيروت. وما يزال هذا الحقل ينتظر حضورًا يتناسب وأهميته في الدراسات الدينية العربية. وكان سؤال لغة الدين، وما زال، يتجدد في ذهني ويعاود حضوره في كتاباتي؛ لأنه مدخل أساس لفهم النص الديني، وكيفية تعبيره عن الله والغيب، وحدود اللغة البشرية في تمثيل الحقيقة المتعالية. لا يصل المعنى الديني إلى الإنسان خارج اللغة، وحين يدخل الغيب فضاء اللغة يدخل أفق الفهم البشري، فتتعدد قراءاته وتأويلاته تبعًا لتعدد الثقافات والتجارب والأسئلة، واختلاف الأزمنة وآفاق الانتظار والتلقي.

المكتبة العربية فقيرة في موضوع لغة الدين؛ إذ لا نكاد نقرأ فيها مؤلفات تعرّف بلغة الدين بأسلوب تعليمي، كما أن الكتابات المترجمة في هذا الموضوع لا تزال شحيحة جدًا، وما اطلعت عليه منها مكتوب بلغة لا تخلو من إبهام والتباس، تطغى فيها فقرات من آراء فلاسفة الدين واللسانيين الغربيين مبتورة من سياقها أحيانًا، مع شيءٍ من التعليقات التي تزيد من غموضها، ولم أعثر حتى اليوم على كتاب تعليمي في لغة الدين ضمن هذه المؤلفات. وما تزال دراسة لغة الدين منسية في جامعاتنا ومراكز أبحاثنا، مع أنها تمثل مدخلًا أساسيًا لفهم النصوص الدينية وتعدد وتنوع قراءاتها.

 

 

مقدمة كتاب: “اللغة ولغة الدين: رؤية للعالم وفضاء لتنوع الفهم والتعددية”، د. عبد الجبار الرفاعي، صدر الكتاب عن مركز دراسات فلسفة الدين، ودار نابو ببغداد. 

 

https://al-aalem.com/%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%BA%D8%A9-%D9%88%D9%84%D8%BA%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D8%B1%D8%A4%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D9%88%D9%81%D8%B6%D8%A7%D8%A1-%D9%84%D8%AA%D9%86/

 

موسوعة فلسفة الدين تعيد بناء الرؤية الدينية للعالم

الدكتور محمد بشاري[1]

في لحظةٍ فكريةٍ يندر أن تتكرر في فضائنا العربي، تطلّ علينا «موسوعة فلسفة الدين» التي أعدها وحرّرها الدكتور عبد الجبار الرفاعي، بوصفها ثمرةَ ربع قرنٍ من العمل الدؤوب والبحث المعمّق. ليست هذه الموسوعة مجرّد مشروعٍ أكاديميٍّ ضخم، بل هي حدثٌ معرفيٌّ يعيد فتح الأسئلة الأولى التي تأسّس حولها العقل الإسلامي، من قبيل: معنى الإيمان، وحدود العقل، ووظيفة الدين، وعلم الكلام القديم، وموقع الإنسان في شبكة الوجود. إنّها إعلانٌ عن عودة العقل العربي المفكِّر بعد طول غياب، لا في شكل تكرارٍ للماضي، بل في هيئة استئنافٍ فلسفيٍّ جديدٍ لإمكان التفكير في الدين بوصفه سؤالاً مفتوحًا، لا يقينًا مغلقًا.

تأتي «موسوعة فلسفة الدين» للدكتور عبد الجبار الرفاعي كفعل تأسيسيٍّ يوقظ في الفكر العربي وعيَه الغائب بذاته، ويعيد للعقل الإسلامي وظيفتَه الأولى: أن يفكّر لا أن يكرّر، وأن يؤمن على بصيرة لا على استسلام. ليست هذه الموسوعة تراكماً معرفياً بقدر ما هي انقلاب في وجهة النظر إلى الدين، من كونه منظومة مغلقة إلى كونه تجربةً وجوديةً مفتوحةً على المعنى.

إنّ «موسوعة فلسفة الدين» ليست مجرد حدث معرفي، بل لحظة كينونة يستعيد فيها العقل العربيُّ قدرتَه على النظر إلى نفسه في المرآة دون خوف. إنها ميلاد عقلٍ متكلّمٍ جديد، لا يتكلم بلسان الماضي ولا بلهجة الغرب، بل ببيانٍ إنسانيٍّ جديدٍ يزاوج بين نور الوحي وصفاء الفكر. وبهذا المعنى يغدو الرفاعي واحداً من القلائل الذين لم يضيفوا كتاباً إلى المكتبة العربية، بل أضافوا للعقل العربي قدرةً على أن يكون ذاتَه من جديد.

لقد أراد الرفاعي أن يعيد لعلم الكلام روحَه التي ذوت حين انقلب من علم للتفكير في الإيمان إلى علمٍ للدفاع عن العقائد، فجاء مشروعُه ليكسر هذا الطوقَ ويحرّر المتكلمَ من محكمة الموروث، جاعلاً الفلسفة شريكاً في إنتاج المعنى لا خصماً في جدله. بهذا المعنى، يواصل مشروعه الكبير الذي بدأه في كتبه السابقة حول «علم الكلام الجديد»، حيث دعا إلى أن يتحول المتكلم من محامٍ عن الموروث إلى صانعٍ للأسئلة والأجوبة الجديدة. الموسوعة التي صدرت اليوم ليست استكمالًا تقنيًا لذلك المشروع، بل هي تحوّلٌ نوعيٌّ فيه؛ إذ تجعل من الفلسفة شريكًا أصيلاً في حوارٍ مع الكلام، وتدعو إلى تأسيس أنطولوجيا جديدة للإنسان العربيّ داخل أفقٍ كونيٍّ رحب.

في هذا العمل يلتقي العقلُ بالكشف، والبرهانُ بالشهود، إذ يضع الرفاعي الفيلسوفَ والمتكلمَ على مائدة واحدة بعد أن فرّق بينهما تاريخ طويل من الشكوك. فحيث كان المتكلم القديم يبحث عن دليل الوجود، صار الفيلسوف الحديث يسائل معنى الوجود ذاته، وبين السؤالين تمتدّ جسورُ الرفاعي، فتعيد بناءَ العلاقة بين الله والإنسان والكون في أفقٍ من الحوار لا الخصومة. هكذا تصبح «فلسفة الدين» عنده فضاءً ثالثاً يتجاوز الثنائيات: بين النقل والعقل، بين الإيمان والحرية، بين الموروث والكوني، ليصوغ من هذا التداخل «عقلاً تأويلياً» قادراً على إعادة ترتيب العلاقة بين المعرفة والقداسة.

ليس غريبًا أن يختار الرفاعي فلسفة الدين ميدانًا لإعادة بناء العقل، لأنّها تمثّل المنطقة الحدّية بين ما هو إيمانيٌّ وما هو عقليّ، بين ما هو ذاتيٌّ وما هو كونيّ. في هذا الميدان تتجسّد أزمة الفكر العربي: كيف يمكن للمؤمن أن يظلّ وفيًّا لمقدّسه، دون أن يغلق باب التفكير؟ وكيف يمكن للفيلسوف أن يتأمل في الوجود دون أن يستبعد البعد الروحي من معادلة المعنى؟ هذه هي معضلة العقل المسلم الحديث، التي حاولت مدارس الإصلاح والتنوير أن تجيب عنها جزئيًا، فجاء مشروع الرفاعي ليقدّم إجابةً أكثر تركيبًا، تستند إلى التداخل بين العقل الفلسفي والعقل الكلامي والعقل الوجودي، لا إلى فصلها كما فعلت النهضات السابقة.

ولعلّ ما يجعل هذه الموسوعة حدثًا تأسيسيًا هو أنها لا تترجم النصوص وحسب، بل تُعيد توطينها داخل أفقٍ عربيٍّ جديد. فترجمةُ الفكر ليست نقلًا لغويًا، بل تحويلًا في الوعي. الترجمة هنا فعلُ ولادة جديدة للفكر، تُنقل فيه المفاهيم من كونها واردات أجنبية إلى أدوات لبناء رؤية عربية للعالم. وبذلك تتحوّل الموسوعة من مرجع أكاديمي إلى «مختبر للعقل» العربي، يعيد تعريف الدين لا بوصفه سلطةً بل بوصفه سؤالاً عن المعنى، ويستعيد الإنسانَ في قلب التجربة الدينية بعد أن استُبعد دهراً باسم النص.

والرفاعي يدرك أن تأسيس «عقل عربي جديد» لا يمكن أن يتحقق ما لم يتحرّر من ثنائية النقل والتكرار، فينتقل إلى فضاء التأويل المنتج الذي يعيد صياغة المفاهيم من داخل حاجاتنا المعاصرة. ولذلك، فإن موسوعته ليست مجرد مرجعٍ علمي، بل هي أداة لإعادة تشكيل رؤية المسلم إلى العالم والإنسان والدين؛ رؤيةٍ تستعيد القيم الروحية التي تاهت في خضمّ صراعات الأيديولوجيا، وتستوعب المناهج الفلسفية الغربية دون الارتهان لها. إنّ ما يميّز هذا المشروع أنه لا يترجم النصوصَ بقدر ما يترجم الوعيَ نفسَه.

ما فعله الرفاعي في جوهره هو ردّ الروح إلى الكلام والفكر معاً. لقد أعاد تعريفَ المتكلم لا كحارس للعقيدة بل كصائغ للأسئلة الكبرى، والفيلسوف لا كعدو للوحي بل كشاهد على اتساعه. وبذلك يعيد المشروعُ ترتيبَ المقامات بين الله والإنسان: فليس المطلوب الدفاع عن الله، بل البحث عن الإنسان في حضرة الله. وهذا هو التحوّل من «لاهوت الدفاع» إلى «لاهوت المعنى»، من تكرار النص إلى ابتكار الفهم، ومن وهم امتلاك الحقيقة إلى شجاعة السعي إليها.

في هذا العمل، يلتقي المتكلم القديم بالفيلسوف الحديث في حوارٍ غير مسبوق: فحيث كان المتكلم يطلبُ البرهان على وجود الله، أصبح الفيلسوف المعاصر يسأل عن معنى هذا الوجود في تجربة الإنسان. وبين السؤالين تمتدّ جسور الرفاعي؛ جسورٌ من الترجمة والتأويل والمراجعة، تحاول أن تُعيد للعقل العربي ثقته بذاته، وتمنحه شجاعة التفكير من الداخل، لا عبر استنساخ الآخر. بهذا المعنى، لا تمثّل موسوعة فلسفة الدين حدثًا معرفيًا فحسب، بل حدثًا أنطولوجيًا، لأنّها تمسّ جوهر كينونتنا الفكرية، وتذكّرنا بأنّنا لا نوجد إلا بقدر ما نفكّر في وجودنا. إنّ الرفاعي لا يقدّم مشروعًا نخبويًا، بل يضع لبنةً في صرحٍ حضاريٍّ يعيد تعريف علاقة المسلم بالعالم. فبينما انغلق بعض الفكر الديني في أسوار النصّ، وانقطعت الفلسفة عن الروح، جاءت موسوعته لتقول: إنّ طريق النهضة لا يمرّ إلا عبر تصالح العقل والإيمان.

ولعلّ هذا هو ما يجعلها لحظةً فاصلة في مسار الفكر الإسلامي الحديث، تذكّرنا بمشروعات كبار المفكرين من أمثال محمد إقبال وعبد الرحمن بدوي ومحمد عابد الجابري وغيرهم ، لكنها تتميّز عنها بكونها عملًا جماعيًا معرفيًا متعدّد اللغات والثقافات. إننا إذ نقرأ هذه الموسوعة، لا نقرأ كتابًا في فلسفة الدين فحسب، بل نقرأ مستقبل الفكر العربي حين يتصالح مع ذاته، فكلّ جزءٍ منها هو إعلانٌ عن ولادة عقلٍ لا يخاف من السؤال، ولا يهرب من التعدد، عقل يعيد الإنسان إلى مركز الرؤية بعد أن غاب طويلاً في ظلال السلطة والطقوس. ومن هنا، فإنّ ما أنجزه عبد الجبار الرفاعي ليس مجرّد إضافةٍ إلى المكتبة العربية، بل هو إحياءٌ لملكة التفكير الفلسفي في الدين التي تعطّلت قرونًا، وإشارةٌ إلى أن مشروع النهضة لا يمكن أن يكون بلا تأسيسٍ معرفيٍّ عميق. ولعلّ هذه الموسوعة ستغدو «نقطةَ انعطافٍ في تاريخ العقل المسلم»، لأنها تربط ما انقطع بين المتكلم والفيلسوف، وتفتح بابًا لتجديد علم الكلام بما يجعله علمًا للإنسان لا جدلًا حول العقيدة فقط. بهذا يتحقق ما يمكن أن نسمّيه تحولًا من لاهوت الدفاع إلى لاهوت المعنى، أي من الدفاع عن الله إلى البحث عن الإنسان في حضرة الله.

إنّ ما فعله الدكتور عبد الجبار الرفاعي هو ما يفعله الكبار في لحظات التحوّل التاريخي: يزرعون السؤال حيث عمّ الصمت، ويوقظون الفكر في زمن الركود. وموسوعته هذه ليست خاتمة مشروعه، بل بدايته الفعلية، لأنّها ستفتح الباب أمام أجيال جديدة من الباحثين لتعيد اكتشاف الدين بوصفه تجربةً وجودية، لا منظومة مغلقة. وهكذا، فإنّنا أمام حدثٍ ثقافيٍّ يشبه النهضة الصغيرة في قلب العتمة، مشروعٍ يعيد الثقة للعقل العربي بأنّ الفلسفة ليست ترفًا بل ضرورة، وأنّ الكلام لا يزال حيًّا ما دام الإنسان يسأل عن نفسه وربّه. فهنيئًا للعقل العربي بهذا الميلاد الجديد، وهنيئًا لعبد الجبار الرفاعي بهذا الخلود الفكري الذي سيزدهر طويلًا في ذاكرة الأمة الباحثة عن المعنى. 

[1] محمد البشاري دكتوراة في الفقه وأصوله، أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة وأمين عام المؤتمر الإسلامي الأوروبي، وقد اختير من ضمن 50 شخصية إسلامية الأكثر تأثيرًا في العالم، كاتب في جريدة الاتحاد الإماراتية. الجنسية فرنسية، من مواليد سنة 1967 بمدينة وجدة بالمغرب.

https://al-aalem.com/%D9%85%D9%88%D8%B3%D9%88%D8%B9%D8%A9-%D9%81%D9%84%D8%B3%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D8%AA%D8%B9%D9%8A%D8%AF-%D8%A8%D9%86%D8%A7%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A4%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84/

عجز العلوم عن قراءة لغة الغيب

                                                                                د. عبد الجبار الرفاعي

يفتح النص الديني أفقا واسعا لفهم الطبيعة عبر مناهج التحقيق العلمي، إذ يمكن دراسة ما يتعلق بالطبيعة في آيات القرآن، من أرض وسماء، وشمس وقمر ونجوم، وليل ونهار، ورياح ومطر، وجبال وبحار، ونبات وحيوان ومعادن، بمناهج تكتشف القوانين الطبيعية، وتدرس من منظور علمي النظام الكوني ودقته المدهشة.كما يتيح التفسير التاريخي، المستند إلى معطيات علم الآثار والجغرافيا التاريخية لعصر النزول، فهم الحوادث والوقائع التي ذكرها القرآن في آياته، والشخصيات التاريخية، والأقوام مثل: قوم نوح وإبراهيم وموسى ولوط وعاد وثمود وقوم صالح وشعيب ويونس وغيرهم، ودراسة الأماكن، كأرض مدين وطور سيناء ومصر والمسجد الأقصى والمسجد الحرام والكعبة ومكة ويثرب وبدر وحنين وتبوك والحجاز، ليفتح أفقًا علميًا لتجديد التفسير، ويؤسس لفهم جديد للوحي. وتتيح مناهج علوم الإنسان المجتمع الحديثة فهم أحوال النفس البشرية، وما تحدثت عنه الآيات القرآنية من ضعف الإنسان وهشاشته وظمئه الأنطولوجي واغترابه الميتافيزيقي، ودراسة وتحليل عوامل نهوض الأمم وسقوطها، وأمثال ذلك فيما يخصّ الإنسان فردًا ومجتمعًا.

كل شيء تتسع له هذه الحقول يمكن دراسته في ضوء مناهج البحث العلمي وآخر معطيات العلوم والمعارف البشرية، لكن من العبث تطبيق هذه المناهج في اكتشاف الحقائق غير المادية وما هو خارج الطبيعة. عوالم الغيب حقائق تنتمي إلى ما وراء الطبيعة، لذلك لا يصح تطبيق مناهج علم النفس وعلم الاجتماع والانثربولوجيا وغيرها من العلوم الإنسانية والطبيعية وأدواتها في الكشف عنها وتحليل مضمونها ومعرفة ماهيتها. عندما تحاول نظريات هذه العلوم تفسير البعد الغيبي في الوحي، فإن أول ما تبدأ به هو نزع مضمونه الغيبي، والنظر إليه في أفق الطبيعة والمادة. أخفقت محاولات اكتشاف الغيب بمناهج العلوم المعروفة، وأدخلت الإنسان في متاهات، تبدأ بالإنكار وتنتهي بالإنكار،كمن يحاول معرفة ذات الله وحقيقته وكنهه بأدوات العلوم ومناهجها المعروفة. الغيب لا يُدرك بالعقل التجريبي، ولا بالأدوات التي صُممت لفهم الظواهر المادية. الغيب يشعر به الإنسان بالتجربة الروحية، ويتجلى في لحظة صفائه الباطني، ويشهده الإنسان بالبصيرة، ويتذوقه بالقلب.

لا يمكن ترجمة الغيب إلى معادلات أو نظريات. إنه سرّ لا يُمسك ولا يُحاط به، ولا يُفهم إلا بعد تجليه على روح الإنسان وقلبه، حين تصفو بصيرته، وتستعد لتلقي إشراقات النور الإلهي. محاولة اختزال الغيب إلى موضوع للبحث العلمي بالمعنى التجريبي تنتزع منه محتواه الميتافيزيقي، وتختزل حضوره في الأرقام والحسابات والمعادلات. الغيب في حقيقته ليس شيئًا يُمتلك، بل معنى يُعاش، وحقيقة يشعر بها الإنسان الذي يؤمن به. الغيب يشهد تجلياته الإنسان في الطبيعة، فينبعث من تجلياته نور يضيء روح الإنسان ويبث السكينة في باطنه. ما لم ندرك أن الغيب لا يُعرف إلا بقدر ما ينكشف لمن يتأهل لمشاهدته، سنظل نبحث عنه في الموضع الخطأ، بأدوات لا توصل الإنسان إليه، ولن يبصر منه إلا ظلالًا باهتة لا تُضيء للإنسان الطريق إليه.

التعرف على الغيب في القرآن إنما يكون من خلال ما تتحدث به آياته، وهكذا في الكتب السماوية التي تتحدث عن الغيب. في الحياة الروحية تنكشف تجليات الغيب في حياة الإنسان وتنعكس تمثلاته، الأفق الذي يتجلى فيه الغيب، بوصفه منبعًا لإرواء الظمأ الأنطولوجي، لا يتحقق في العالم الحسي الذي تحكمه قوانين الطبيعة. لا يخضع الغيب في اكتشاف حقيقته ومعرفة كيفيته للعلم ومناهج البحث العلمي، وإن كانت العلوم هي الأداة الأساسية في التعرف على تأثير الغيب في الإنسان فردًا ومجتمعًا والواقع الذي يعيش فيه، ودراسة تمثلاته في الحياة الفردية والمجتمعية. حضور الغيب لا يُقاس بأجهزة قياس حسية، ولا يبرهن عليه بالبراهين التجريبية، بل يُعاش بالتجربة الروحية، ويُذاق بالتأمل، ويُشهد بالبصيرة. الغيب في حياة الإنسان لا يعبر عن ذاته بلغة الأرقام، بل بلغة المعنى. حين يتحدث الكتاب الكريم عن الغيب، فإنه لا يقدم تقريرًا وصفيًا، بل يوقظ شعورًا، ويبث تذوقًا، ويعيد تشكيل صلة الإنسان بالحقّ، ويهبه أفقًا يتجاوز المحسوس، وينقله من ظواهر الأشياء المادية إلى عمق معانى الوجود والحياة.

لغة الدين المختصة بالغيب ضرب من الترجمة لإشارات الغيب ورموزه، ومحاولة لرسم صورة عنه في لغة الإنسان، وتجلٍّ لكلمة الله بكلمات خلقه. الترجمة لا تطابق الأصل، ولا تعكس صورته كما هي، ولا تكشف كل ملامحه، إنها تومئ إليه، وتعكس شيئًا من ملامحه. يظل فهم الغيب في الكتاب الكريم نسبيًا، المفسّر الذي يمتلك أدوات التفسير لآيات الغيب لا يكون تفسيره لها نهائيًا، لأنه يخضع في تفسيره لمشروطيات الذات، وأحكامها المسبقة، وأفق انتظارها، والزمان، والمكان، والواقع، والعوامل والمعطيات المختلفة التي تؤثر في حياته بوصفه فردًا، وفي حياته بضمن المجتمع الذي ينتمي إليها، وليس بوسعه الإفلات النهائي من تأثير هذه العوامل المتنوعة على فهمه، مهما حاول أن يكون محايدًا. لا يمكن الحديث عن تفسير نهائي أبدي لنصوص الكتب المقدسة، ولا عن قراءة أخيرة لمعاني الغيب، بل نحن بإزاء معانٍ تتجدد بتجدد أدوات القراءة وشروط التلقي، وتنبسط كلما اتسعت الرؤية، وتنقبض حيث يضيق أفق الرؤية.كل فهم نوع من التأويل، وكل تأويل اجتهاد بشري في الإصغاء لما يبوح به النص من دلالات في حالات معينة، وظرف بعينه. هذا التأويل ليس نهائيًا في تفسير الغيب، إنه ليس سوى صورة من صور التلقي المحدود.

لغة الغيب عندما تشرح وتصف تنشد أن ترسم أفقًا للشهود. هذه اللغة رؤيوية، تسعى للقبض على معنى لا محسوس، ولا تاريخي، ولا زماني، ولا مكاني، ولا مرئي، ولا محدود، وإيداعه في قالب محسوس ومرئي وضيق ومحدود. لغة الغيب تتعدد مراتبها، وتنشد تلبية مستويات متنوعة من الفهم، ومراعاة درجات مختلفة للتذوق. هذه اللغة يتخطى نداؤها العقل، إنها نداء يتجه لإيقاد طاقات الروح، وإيقاظ الضمير، وإحياء القلب، وشحذ المشاعر، وإثارة الأحاسيس، وتغذية الروح. إنها لغة لا تشرح بقدر ما تلمّح، ولا تكتفي بإبلاغ المعنى، بل تفتح أفقًا للتأمل في المعنى، تنتقل من ظاهر الحرف إلى دلالاته المحتجبة، فيتحسسها الإنسان في شعوره قبل أن تبلغ عقله. لا تُفسَّر هذه اللغة تفسيرًا واحدًا، بل تتعدد تأويلاتها بتعدد اشراقاتها على القلوب، وتتنوع أنوارها بتنوع البصائر، وتتكشف أسرارها بحسب استعداد المتلقي وقدرته على التذوق. لما كان الغيب لا يتسع له العقل، فإن اللغة التي تحكي عنه تتعدد فيها طبقات المعنى، لذلك تتوسل بالمجاز والاشارة والرمز والإيحاء،كي تستنطق ما لا يُقال بالكلمات، وتوقظ ما خفي، وتفتح أفق الشهود لما لا يُرى.

حين تصير الكلمة مرآةً للغيب، تغدو العبارة طريقًا إلى المعنى، لا قيدًا عليه، وتتحول اللغة من أداة إخبار إلى وسيلة حضور. هذه اللغة لا تنتجها قوالب الجدل الكلامي، ولا تختزل في حدود مقولة اعتقادية، ولا تقف عند ظاهر اللفظ، بل تفيض من عمق التجربة الروحية، وتنبعث من الحاجة الأنطولوجية للإنسان إلى المعنى والسلام والسكينة والطمأنينة والمحبة والرحمة الإلهية. حين ينطق بها القلب، يتدفق من الكلمة دفء، وتنبعث من العبارة حياة، ويشع من النص نور يهدي الإنسان إلى الله، لا بالخوف بل بالشوق، لا بالرهبة بل بالمحبة، لا بالإكراه بل بالوجد.

اللغة التي تتحدث عن الغيب لا تعلّم فقط، بل تُلهم؛ لا تُقنع فقط، بل تُضيء، لا تشرح فقط، بل توقظ شيئًا خفيًا في باطن الإنسان.كل فهم للغيب تأويل، وكل تأويل للغيب هو سفر إلى ما لا يراه الإنسان ولا يدركه بحواسه الظاهرة، لا يُرشد إليه إلا القلب المستعد، والروح والبصيرة المتأهبة لاستقبال النداء الذي لا يسمع بالأذن، بل يدرك في لحظة انكشاف عميق. في هذه اللحظة، تنكشف الكلمة لا بوصفها علامة صوتية، بل ككائن ينبض بالمعنى، وتتحول العبارة إلى قناة للفيض، وتكون الآية مرآة لما وراء الظاهر. هنا لا يعود النص مجرد بنية لغوية، بل يُصبح نداءً روحيًا يشرق بنداء الغيب، ويعود إليه، ويتوسل بالقلب ليفهم، وبالذوق ليُذاق، وبالبصيرة ليُرى. في هذا الأفق، يتبدى الغيب لا كغربة، بل كحنين دائم إلى الحقّ، وسفر لا ينتهي في طلب المعنى، وانتظار مستمر لإشراق الكلمة في ليل الحيرة.

بهذه المناسبة أود الإشارة إلى أنه تأتيني بين حين وآخر أسئلة من قراء مختلفين، يتساءلون عن: التفسير الذي يمكن أن يعتمد عليه الإنسان في فهم القرآن الكريم، ويثق برؤيته ثقة مطلقة؟ وغالبًا ما أكرّر الجواب ذاته، مؤكدًا أن الكتاب الكريم لا يختص به المفسرون دون غيرهم، ولا يمنح أحدًا امتياز احتكار معناه، لأنه نزل لكل الناس، في كل زمان، ولكل من يتلقاه بقلبه وروحه وعقله، من دون تمييز أو وصاية لفرد أو جماعة. لهذا وجه القرآن خطابه لعامة الناس من دون تخصيصه بفئة معينة، فورد بصيغة “يا أيها الناس” عشرين مرة، و”هدى للناس” ثلاث مرات، و”ذكرى للناس” ثلاث مرات أيضًا، و”بيان للناس” مرتين، و”بلاغ للناس” مرتين كذلك.

لما كانت لغة الغيب في القرآن رمزية، انفتح المعنى فيها على تعدد التأويل، وصار كل إنسان يستوحي من رموزها ما يلهمه روحيًا، وما يضيء بصيرته، ويغذي شعوره بصلته بالله. وحين يشكّل القرآن منبعًا أساسيًا للحياة الروحية، وتتفتح هذه الحياة في آفاق ما تلهمه للتجربة الروحية من معانٍ، وما تستلهمه من اللغة الحاكية عن الغيب، تتضح كيفية هذه التجربة بوصفها تجربة شخصية لا ينوب فيها أحد عن أحد، ولا يقدر إنسان أن يهبها لغيره، ولا أن يؤديها نيابة عنه. لذلك يغدو من الطبيعي أن يبني الإنسان صلته بالقرآن بنفسه، ويتلقى نداء الله كما ينكشف له، وينصت لصوته بوصفه نورًا ينبثق في داخله، لا كما يُملى عليه من خارج ذاته، ولا كما يتلقاه من وصيّ على الفهم.

التجربة الروحية تنبع في داخل الإنسان، وتتخلق بحسب تذوق قلبه، وبصيرة روحه، واستعداد وعيه، وما يتسع له وعاء وجوده. لا تنشأ هذه التجربة خارج الذات، ولا تهبها قراءة التفسير جاهزة، ولا يكتمل معناها بتكرار قراءة تفاسير آيات الغيب. يبني الإنسان صلته بالله بنفسه، في سياق آيات الغيب في كتابه بوصفها خطابًا شخصيًا موجهًا إليه، ويصغي لصوت الله كما يتردد صداه في أعماقه، ويتعرف عليه بقلبه، ويتذوق بهجة حضوره في روحه.

القرآن ليس كتابًا خاصًا بالمفسرين، ولا يحتكر معناه أحد، لأنه نزل لكل إنسان، ولكل من ينصت لصوت الله فيه. إذا استعصى عليك فهم بعض مفرداته، يمكنك الرجوع إلى معاجم اللغة لاستيضاح معناها، من دون أن تبتعد عن نداء الله في القرآن، أو تستسلم لفهم المفسّر، كما لو كان هو المتلقى الوحيد لكلمات الله. الرجوع إلى التفسير في كل آية، واستعارة معنى جاهز من خارج التجربة الروحية، يضعف صلتك المباشرة بالقرآن، ويحوّل اللقاء بالله إلى وعي مستعار لا ينبع من ذاتك. التفاسير اجتهادات بشرية متنوعة ومتباينة، تتعدد بتعدد ثقافات المفسرين، ومذاهبهم، وعصورهم، وآفاقهم المعرفية، وكيفيات انتظاراتهم من معاني الآيات.

لا يعني هذا الكلام دعوة إلى إهمال ما أنجزه المفسرون من جهود كبيرة، أو تجاهل الإفادة منها، إنما أنشد هنا التنبيه إلى أن الحياة الروحية لا تنبع من وصاية أحد، ولا يهبها أحد لغيره، ولا يكتمل معناها إلا إذا أنشأ الإنسان صلته المباشرة بالله، وتلقّى كتابه كما لو كان نازلًا عليه.

https://alsabaah.iq/118252-.html

 

لغة الغيب في سياق مقولات الخلاص الكلامية

 د. عبد الجبار الرفاعي

تسيّدت الحياةَ الدينية في الإسلام، منذ العصور التي تلت عصر البعثة، لغةٌ مشبعة برؤية المتكلمين، وأحكامٌ تستمد مشروعيتها من الفقه المؤسَّس على تلك الرؤية. لذلك يحضر في الذهن، عند التفكير في أي واقعة أو موقف أو فعل، معجمٌ محكوم بمقولات كلامية، ومشحون بدلالات فقهية. حين يواجه المسلم حادثةً ما، أو يريد أن يتخذ موقفًا معينًا، يتبادر إلى ذهنه السؤال: هل هذا حلال أو حرام؟ من دون أن يفكر غالبًا في دلالات الموقف الأخلاقية، أو معطياته الروحية، أو آثاره الجمالية. هكذا يغيب البُعد الأخلاقي في التفكير الديني، ويُقصى البُعد الروحي، ولا يتذوق الإنسان تجليات الله في الوجود. وتختزل العلاقة بالدين إلى منظومة أوامر ونواهٍ، يُختبر فيها الفعل بمعيار الحِلّ والحرمة، لا بأثره في الضمير، أو أثره في بناء الحياة الروحية، أو مساهمته في الحياة الأخلاقية.

تتكرر مفردات هذا المعجم في اللغة الدينية المتداولة في التعليم الديني، وخطب الجمعة، والدروس الدينية، ومنابر المساجد، ووسائل الإعلام والتواصل التي تتحدث في قضايا دينية، حتى غدت لغة الغيب أسيرة لذلك المعجم، مغلقة في حدوده، لا دلالة لها خارج مداراته. ما إن يُذكر الغيب أو أي شأن ديني، حتى يتداعى إلى ذهن المتلقي قاموس مألوف، تشبّع فيه لاوعيه الفردي والجمعي. قلّما يتخطى المتكلم أو الكاتب في الدين هذا المعجم، كذلك تلبث المعاني التي تتبادر إلى وعي المتلقي رهينة للدلالات المشبع فيها ذهنه.

في الحياة اليومية، حين يتحدث المسلم عن مسألة دينية، فإنه يعيد إنتاج المفاهيم ذاتها التي صاغها المعجم الكلامي، ويتحدث بلغته، سواء في أقواله أو في كتاباته، إن لم يمده وعيه الظاهر، تستفيق في وعيه الباطن مفردات ذلك المعجم. وحتى عندما يكتب كاتب يتوخى التعبير عن تجربة إيمانية، أو تأمل روحي، أو قلق وجودي، فإنه غالبًا ما يعيد تدوير مفردات ذلك المعجم، ويستنطق مفاهيمه، ويتكلم بلسانه، من غير أن يتحرر من رؤيته، ولو كانت تجربته الإيمانية تستدعي لغة مغايرة، أكثر إنصاتًا لنداء القلب، وأشد قربًا من

أشواق الروح إلى الأنوار الإلهية، وأرحب انفتاحًا على مكاشفات المعنى.

عند تأمل اللغة المتداولة في الكتابات العربية حول الدين، نلحظ أنها مشبعة بمقولات المتكلمين، ومقيدة بتراث جدلي مشروط بسياقاته التاريخية، ما يجعلها محدودة الدلالة، وأقل قابلية للتعبير عن أعماق التجربة الإيمانية. هذا النمط من الاستعمال يفقر لغة الغيب من طاقتها الرمزية، ويضيّق أفقها في الكشف عما تنطوي عليه آيات الغيب من إشارات وإيحاءات تتجاوز ظاهر المعنى. اللغة التي تشكلت في أفق الرؤية الكلامية غالبًا ما تعيد إنتاج المفاهيم ذاتها، ولا ترى في آيات الغيب إلا ما تسمح به أدوات علم الكلام التقليدي، ويُستعمل المصطلح الديني في الغالب في سياق هذا الأفق، الذي يحجب إمكانات الإيحاء، ويقفل نوافذ التأمل، ويختزل الدين في معايير الجدل وتفصيلات الأحكام.

قلّما تُستمد معاني المفاهيم الدينية من قيم القرآن التي تنير القلب، أو يُنظر إلى الآيات الحاكية عن الغيب بوصفها إشارات إلى أعماق التجربة الروحية، لا مجرد موضوعات للجدل الكلامي. اللغة التي رسّخها المتكلمون، وإن كانت اجتهادًا بشريًا في قراءة النصوص، لكنها ترسّبت في الوعي الفردي والجمعي في الحياة الإسلامية، واستحوذت على الفضاء الديني، حتى غدت تفهم كما لو أنها هي الدين نفسه. بذلك تعطلت دلالات كثير من الآيات الحاكية عن الغيب، وتجمدت في قوالب تلك اللغة، وانحسرت منابع التأمل، وخفَت الشعور بمعنى يتجاوز ظاهر اللفظ، وتراجع الوعي بما يشكّل جوهر التجربة الدينية. وانحسر حضور أسماء الله الحسنى، بوصفها ترسم صورة جميلة لله مشبعة بالرحمة والمحبة والجمال واللطف والعفو والمغفرة والسلام، وتغيّب أثرها في بناء الوعي الروحي. وبدلًا من ذلك غلبت على أسمائه، في التصور العام، دلالات التسلط والعقوبة والعذاب، ولم يتجلَ كما تشير إليه أسماؤه في هذه المعاني، وما تمنحه من طمأنينة للقلب وسكينة للروح.

تحوّلت أسماء الله الحسنى من رموز يتجلى من خلالها الحضور الإلهي، وتضيء بها مسالك القلب، وتنفتح بها نوافذ الوعي الروحي، إلى مفاهيم مغلقة تُشرح بمنطق الجدل، وتضيق دلالاتها في حدود المحاججات الكلامية، فخبت إشراقتها، وتراجعت طاقتها الرمزية في إنعاش الروح، وتنوير الضمير، واستنهاض الإيمان الحي. وبدلًا من أن تُفهم هذه الأسماء بوصفها شواهد على الرحمة والجمال والمحبة والسلام، غلب عليها المعنى السلطوي، وانحسرت صورتها في ضمير المؤمن إلى هيئة قاضٍ يعاقب ويعذب، وغابت عن هذه الأسماء صورة الله بوصفه الملاذ الآمن للمحبين، والملجأ الحميم للمنكسرين، والنور الذي تتضمّد به جراحات القلوب. وعلى الرغم الحضور الكثيف لأسماء الله الحسنى وصفاته، وما يتصل بالغيب في آيات الكتاب الكريم، فإن اللغة الدينية المتداولة، المشبعة برؤية المتكلمين للغيب والقوالب المسبوكة فيها هذه الرؤية، تحجب دلالات هذه الأسماء، وتكفّ إشاراتها عن الإيحاء، وتغلق نوافذها الرمزية، فلا تعود تنبض بالمعنى، ولا تُلهم القلب، ولا تسقي التجربة الروحية. ويتراجع بشكل كبير بعدها التأويلي، ويتآكل أفقها في بناء الإيمان، وتفقد قابليتها على وصل الإنسان بربه، والانعتاق من غربته الوجودية.

مادام مضمون لغة الدين في الإسلام لا يتجاوز علم الكلام، فإن تعريف الدين ومفهومه وحدوده ووظيفته في الحياة، وأدوات تفسير القرآن والسُّنة، ودراسة وتدريس علوم الدين، ودراسة التراث وتفسيره، تظل حبيسة رؤية المتكلم، ولا تتسع لاستيعاب الدلالات العميقة في آيات الغيب وتجلياتها على القلب. اللغة التي يُعاد من خلالها إنتاج صورة الله في وعي المسلم وتترسب في لاوعيه لا تستلهم دلالات نور الله في القرآن، لذلك لا تخاطب القلب، ولا توقظ الإحساس، ولا تهتم بالتذوق، بل تكرّر معجمًا كلاميًا موروثًا، جرّد لغة الغيب من طاقتها الإيحائية، وأضعف أثرها في الحياة الباطنية للإنسان. هذا المعجم، الذي تكرسه المؤسسة الدينية، وتسوده مقولات الكلام التقليدي، ولا تخرج عن اطار فهمه المبسط أدبيات الإسلام السياسي، لا يفسح المجال لتأويل يتجاوز ظاهر اللفظ، ولا يسمح بفهم الدين بوصفه تجربة حيّة تستجيب لما يعانيه الإنسان من ظمأ وجودي، وتخفض غربته الميتافيزيقية، وتعيد إليه شيئًا من الطمأنينة، وتنقذه من القلق الوجودي، واضمحلال المعنى.

مقولات انحصار الخلاص بفرقة واحدة، كما صاغها علم الكلام التقليدي، ترسّبت في اللاوعي الفردي والجمعي، وأعادت تشكيل وعي المسلم بالدين، حتى غدت مرجعيةً ضمنية يُحتكم إليها في تفسير النصوص الدينية، وتأويل الغيب، وإنتاج الأحكام. تلك المقولات عطّلت تبلور التصورات التي لا تتناغم مع منطق “الفرقة الناجية”، وأعاقت القراءة الرمزية والتأويل الروحي للآيات التي تتحدث عن الغيب والمصير والنجاة. بفعل هذا الإرث الكلامي، تشكّل وعيٌ ديني يعجز عن الانفتاح على إمكانات التعدد الديني، ويختزل صور الله في صورة أحادية محتكرة، محجوبة في إطار فرقة واحدة، لا ترى في الدين معنى خارج ما تراه هي، ولا تعترف بالخلاص خارج حدودها. لكن حين تُفسر آيات الغيب في سياقها القرآني، وبعيدًا عن إسقاطات مقولات المتكلمين الانحصارية، تتبدى هذه الآيات مصدرًا حيويًا لإنتاج تصورات رحبة عن الله، تتسع لاحتضان تنوع التجارب الدينية، وتبعث رؤية تحرر الخلاص من الانحصار بالفرقة الناجية، وتعيده إلى رؤية رحمانية، تتسع فيها الرحمة لكل شيء، كما تنص على ذلك الآيات القرآنية. لغة الغيب، كما تجلت في القرآن، لا تنتج تصورًا واحدًا لله، بل تنفتح على تصورات متنوعة، تتلون بأفق المتلقي، وبيئه، ومختلف المعطيات السائدة فيها، وتتجلى بقدر ما يتأهل القلب لاستقبالها. كلُّ قراءة تتذوق هذا البُعد الرؤيوي في لغة الغيب، تكتشف أن النص القرآني نداءٌ للرحمة، ودعوة للاعتراف بإنسانية المختلف، وإقرارٌ بتنوع سبل الهداية إلى الله.

انسداد آفاق التعددية الدينية، واحتكار الخلاص بفرقة واحدة، يفضي إلى تعطيل مختلف أنماط التعددية في المجتمع. انسداد آفاق التعددية الدينية يساهم في تجفيف روافد التعددية السياسية، والثقافية، واحتكار المجال العام، ولا يثري التنوع والتعدد في المجتمع، ولا يبنني أرضية لتوالد حق المواطن في أن يكون مختلفًا. حين تتجذر مقولات الفرقة الناجية في وعي الجماعة، ينغلق مفهوم الحقيقة على تصور أحادي، ويجري استبعاد أية رؤية أو تفسير لا ينسجم مع معتقد الجماعة. التعددية في المجال العام لا يمكن أن تنمو في بيئة يتسلّط فيها فكر ديني إقصائي، يحتكر الحقيقة بفهمه، ويختزل النصوص الدينية في تأويل واحد، ويعجز عن الاعتراف بالمساواة الإنسانية مع المختلف في معتقده. احتكار الخلاص يؤسّس نظامًا لإنتاج المعنى يحتكر الحق في رؤية الجماعة وفهمها، ويمنحها احتكار تمثيل الإرادة الإلهية، وتكليفها ضمنيًا بمحاسبة المخالفين ومصادرة حريتهم. إن تفكيك بنية هذا الاحتكار يبدأ من إعادة تأويل آيات الغيب بوصفها نداءً للرحمة، وشهادة على تنوع سبل الهداية، وإقرارًا بتعدد وجوه الإيمان، وتجليات الحضور الإلهي. لذلك فإن تحرير لغة الغيب من أسر مقولات الخلاص الانحصاري، يُعد شرطًا لتوليد وعي جديد، ينفتح على رحابة الحياة، وكرامة الإنسان وحريته، وحقه في أن يكون ذاته، بلا وصاية، ولا قسر، ولا إكراه.

حين تنغلق اللغة الدينية على مقولات الخلاص الكلامية، يغيب البعد الوجودي في لغة الغيب، ويتلاشى الأفق الذي كانت تنفتح من خلاله لغة الغيب الإلهية على إشارات لا تُدرك بالعبارة، بل تتذوقها الروح، ويتدفق بها ضوء البصيرة. وحين يغلق النص على التفسير الحرفي، وتنحبس دلالاته في قوالب المتكلمين، ينحسر إشعاع لغة الغيب، ويتراجع أثرها في القلب، وتتعطل قابليتها على بث الحياة الروحية في أعماق الإنسان. الكلمات الإلهية لا تنكشف للروح وتتجلى للقلب إلا بمقدار ما تنفتح عليها بصيرة القارئ، ويتأهل لتذوق أنوارها القلب، وتتهيأ لتلقي اشراقاتها الروح.

ما لم تتحرر لغة الغيب من أسر المعجم الكلامي، وتعاد قراءتها بوصفها إشراقات تتكشف فيها الرحمة والمحبة والجمال والسلام، وتستنير بتجربة الإيمان الحي، سيبقى حضور الله باهتًا في وعي الإنسان، ويتحول الدين إلى سلسلة ممنوعات تصادر عليه شيئًا مما تتطلبه طبيعته البشرية من احتياجات، وتعجز عن أن تروي ظمأ قلبه، ولا تضيء ضميره، ولا تنقذه من غربته الوجودية. هناك حاجة ملحّة اليوم تتمثل في استعادة البُعد الرمزي للغة الغيب، وإحياء إشاراتها التي توقظ الشعور بحضور الله، وتبعث على التأمل، وتلهم الروح طمأنينة تستدعي شهود أنوار الله بوصفه الحبيب، والجميل، والرحمن الرحيم، والسلام، والملاذ الذي لا يخذل من لاذ به. الدين الذي لا يداوي جراح قلب الإنسان، وقلقه المرير، ولا يروي عطش المعنى، ولا يمنح الإنسان بصيص أمل في الغربة الموحشة للوجوده، يظل غريبًا عن مقاصد الوحي، وبعيدًا عن أهداف رسالة الأنبياء.

 

https://alsabaah.iq/117510-.html

لغة الغيب لغة رمزية

                                                                              د. عبد الجبار الرفاعي

كأننا في لغة الغيب أمام أستاذ فيزياء يشرح نظرية أينشتاين لتلميذ في الصف الأول الابتدائي، أو يحاول أن يفسر له أعقد المسائل الرياضية. في حالة كهذه، لا بد أن يتحدث الأستاذ بلغة تحاكي استعداد ذهن الطفل وإمكاناته في الفهم، فيلجأ إلى التعبير بكلمات مبسطة تعبّر عن رؤية الطفل المحدودة للعالم من حوله، كي تكون هذه الكلمات قادرة على إنتاج معنى يتناسب واستعداد ذهنه للتفكير والاستيعاب. هكذا تتنزل كلمة الله في أفق اللغة البشرية، لا لتنقل الحقيقة الغيبية كما هي في ذاتها، بل لتشير إلى شيء منها يمكن للإنسان أن يلتقطه. وما لغة الدين الحاكية عن الغيب إلا رموز وإشارات ومجازات وتشبيهلت، تنقل المعنى لا بصورته، بل بصيغة تمثيلية تفتح باب التذوق، وتحفز القلب على الحضور، وتستنهض البصيرة لتلمح ما وراء ظاهر العبارة. لأن هذه اللغة ليست مطابقة للغيب، فإن كل ما يُفهم من نصوصها يظل نسبيًا، مشروطًا بحدود اللغة، واستعداد المتلقي، وسعة مرايا قلبه. لا يُفهم النص الإلهي إلا بقدر ما تنفتح له الروح، وتتحرر القلوب من مضايق الرؤية الكلامية للغيب، وتتهيأ لالتقاط ما تشي به الكلمة من نور. إذا جمدت هذه اللغة في الحرف، وانغلقت على ظاهرها، وانطفأت رمزيتها، نضب فيها المعنى، وفقد النص قدرته على ملامسة المشاعر، وتحول البعد الغيبي في الدين إلى كلمات مفرغة من قدرتها على إرواء الروح، ومقولات مغلقة، وأوامر لا تترك مجالًا للمحبة، ولا توقظ ضميرًا، ولا تفتح أفقًا على الجمال. الدين لا يُعاش بعمق إلا حين تكون لغته نداءً للقلب، تمنحه المعنى الذي يبحث عنه في غربة الوجود، وتعيد إليه صلته بما وراء العالم المرئي، بما لا يُقال، لكنه يُذاق، ولا يُشرح، لكنه يُشهد في لحظة صفاء عميق.

يمكن التعرّف على شيء من ملامح الغيب وصفاته ومظاهره وتجلياته بما تتحدث به آيات القرآن والكتب المقدسة. الآيات القرآنية تتحدث عن الغيبيات بلغة رمزية، تستعين أحيانًا بالمحسوسات، بغية تقريب ما لا صورة له بصورة المحسوس وخصائصه وصفاته. الصور المحسوسة يدركها الإنسان بالحواس، لكنه لا يعرف حقائق الغيبيات وذواتها لأنها لا صورة لها، وإن كان يمكن تشبيهها للذهن بالتمثيل بالأشياء المادية، وتقريب فهمها بالمحسوسات. وما هذا التمثيل إلا محاولة للشعور بالغيب بغية إيقاظ البصيرة، لا لعرض صورة لما لا صورة له. المجاز، والتمثيل، والتشبيه، والإشارة، ليست تفسيرات علمية، بل أدوات رمزية تستنفر الخيال، وتستحث القلب، وتدعو الإنسان إلى تأمل ما وراء الظاهر. الغيب لا يُحاط به، بل يُلمح، لا يُدرك بوصفه شيئًا ذا هيئة، بل يُذاق بوصفه حضورًا ينعكس على مرآة القلب، ويضيء البصيرة، ويبعث في الإنسان شعورًا تعجز الكلمات عن وصفه بدقة.

لغة الغيب حين تستعمل صورًا مادية للتعبير عنه، فإنها لا تهدف إلى تقديم صورة حقيقية لماهيته، بل تشير إليه في إطار ما يفهمه الإنسان، وتفتح له بابًا للتأويل والتذوق، وتمنحه لغة تؤنسه، وتقرب إليه المعنى، وإن لم تطابقه. الغيب لا يُقال كما هو، بل يُشار إليه، ويشهد الإنسان آثاره في حياته الروحية، ويشعر بحضوره في لحظات الصفاء والسكينة. كل قراءة حرفية لآيات الغيب تُغلق باب التأويل، وتُطفئ جذوة التذوق، وتختزل الغيب في صورة حسية، تفقده إيحائه ورؤيويته. الغيب، كما تقدمه الكتب المقدسة، أفق مفتوح، يعبر عن سعة وجودية، لا تستوعب شيئًا من تجلياته إلا حالات الروح. يظل الغيب دائمًا في حدود المعرفة الذوقية، حاضرًا في النداء، قريبًا بالروح، بعيدًا عن الإدراك العقلي.

كلمة الله حين تتجسد في لغة بشرية تلتبس بما هو بشري، فلا تنقل هذه اللغة كلمة الله كما هي، بل تشير إليها بما يتناسب مع وعاء اللغة وخصائصها المحدودة. إن كلمة الله لا يمكن أن تستوعبها اللغة البشرية ما لم تتنزل إلى عالم الإنسان المحسوس، فتتشكل معانيها بهيئة يمكن للغة البشرية أن تشير إليها بما يتلاءم وكيفيتها، حتى لو كانت تعجز عن البوح بحقيقتها. العجز ناتج عن ضيق ظرف الكلمات، وقصور الوعاء اللغوي البشري عن احتواء ما هو إلهي لا تحده حدود.

الرمز يتكفل بتزويد الإنسان بمعانٍ تضيق بها اللغة، فهو يغذي المتخيل ويتغذى منه. لغة الأديان، والآداب، والفنون، والأساطير، منجم الرموز، لذلك غدت لغتها من أثرى منابع توليد المعنى في حياة الإنسان. الحقائق الغيبية أسرار الوجود، والأسرار لا تنكشف كما هي، بل تعلن عن ذاتها بالرموز. الله لا يعلن عن نفسه إلا بالرموز، الله “غيب الغيوب”. لأن الغيب لا يُدرك، فإن كل ما يُقال عن الله لا يمكن أن يكون إلا تمثلًا بشريًا، يحاول الاقتراب من صورته، من غير أن يدعي الإحاطة أو التطابق. لغة الغيب ليست مجرد أداة للتعبير عن الله من خلال إحالات رمزية، بل هي الوعاء الحي الذي يحتضن تنوع تصورات الإنسان عن الله، والأفق الرحب الذي تتشكل فيه التعددية الدينية بألوانها وأشكالها. إنها النسيج الذي ينسج منه البشر صورهم عن الذات الإلهية، متأثرين بتنوع الأديان، والثقافات، واختلاف العصور، وتباين السياقات الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، والنفسية، والروحية، فضلًا عن تطور المعارف والعلوم، وتنامي الوعي الإنساني. هذه التصورات عن الله، وإن كانت من صياغة العقل البشري، فإنها لا تطابق الذات الإلهية، بل تظل رموزًا، وصورًا، ومجازات، وتشبيهات، تشير إلى المطلق من دون أن تحيط به.كل تصور عن الله هو محاولة بشرية لتمثل الغيب، لكنه يبقى قاصرًا عن استيعاب ذات الله، فالله كما تشير الآية: “ليس كمثله شيء”. تتنوع أسماء الله في مختلف اللغات والتعبيرات والكلمات، لكنها جميعًا تشير إلى الواحد الأحد.

هذه التعددية تعكس غنى اللغة البشرية في محاولتها للاقتراب من الغيب. لكن لغة الغيب ليست مجرد تعبير عن التنوع، بل هي أيضًا جسر يربط بين البشر في سعيهم المشترك نحو المعنى الأسمى. إنها تدعو إلى التأمل في حدود اللغة ذاتها، فكل كلمة أو رمز عن الله هو إشارة غير حصرية إليه. الدين، بوصف كتابه يتضمن لغة غيب، يتسع لتنوع وتعدد التصورات الإلهية في سياق هذه اللغة. لغة الغيب، في منظور فلسفة الدين، لا تعبّر عن الحقيقة المطلقة من خلال تعابير حرفية مغلقة، بل تلمح إليها بإشارات رمزية، وتفتح أفق التأويل لتعدد المعاني والصور والتجليات. تلك هي اللغة التي تستبطن الإيمان بوحدة المقصد الإلهي، رغم اختلاف الطرق وتنوع التعبيرات. وقد عبر جلال الدين الرومي عن هذا المعنى بلغة شعرية رمزية، حين قال: “المصابيح متنوعة، لكن النور واحد”. المعتقدات ليست سوى مصابيح متعددة الأشكال، بينما نور الحقيقة الذي تستقي منه جميعها واحد. وقال ابن الفارض: “عباراتنا شتى وحسنك واحد، وكل إلى ذاك الجمال يشير”، مشيرًا إلى أن الجمال الإلهي يتجلى في صور متنوعة. لغة الغيب، بناء على رمزيتها، تصبح فضاء للتعددية، إذ لا تختزل الإله في صورة واحدة، ولا تزعم احتكار الحقيقة المطلقة، بل تدعونا إلى رؤيته في تجليات متعددة، بحسب استعداد المتلقي وقابليته الروحية والمعرفية، والسياقات الدينية والثقافية والسياسية والاقتصادية والمجتمعية والزمانية.

في ضوء ذلك ينبثق الأصل المعرفي للتعددية الدينية؛ فطالما أن الله لا يُحاط به، ولا يُستنفد في صورة أو عقيدة أو تصور أو مذهب، فإن كل دين أو مذهب أو تجربة روحية إنما تشير إليه، وإن لم يكن بوسعها، في ضوء هذا الفهم، أن تحتكره. التعددية ليست نفيًا للحقيقة، بل إقرار بأن الحقيقة أوسع من أن تُحتكر، وأغنى من أن تُختزل، وأعمق من أن تُستنفد في قراءة واحدة أو صيغة واحدة، أو أن يؤدي إليها طريق واحد دون سواه من الطرق. في هذا السياق، تتولد التعددية الدينية لا من نزاع عقلي بين الأديان، بل من طبيعة اللغة الدينية الحاكية عن الغيب، ومن كون الحقيقة تنكشف فيها عبر المجاز والرمز والإشارة والتشبيه والتمثيل.

الحقيقة الإلهية، كما نبّه فلاسفة الدين والمتصوفة، لا تتسع لها عبارة، بل تتجلى في تنوع الصور، وانعكاسات المعنى في مرايا القلوب. من هنا، تكون التعددية في الرؤية إلى الله، وفي التعبير عنه، ثمرة أصيلة للغة الغيب، لا انحرافًا عنها. لا تُفهم لغة الغيب بوصفها خطابًا يقدم معاني حرفية مغلقة، بل هي نسيج رمزي، يعتمد الإشارة لا التقرير، والتلميح لا التصريح. وحين يدرك الإنسان أن الحديث عن الغيب ليس وصفًا مباشرًا، بل ترجمة رمزية لتجارب روحية وحالات شعورية وتأويلات بشرية، يتبين له أن هذه اللغة لا تنتج تصورًا واحدًا لله، بل تنفتح على تعددية الصور والتجليات والتجارب. إن تنوع التصورات الإلهية في التراث الديني ليس خروجًا عن الحقيقة، بل هو شاهد على ثراء لغة الغيب، وقدرتها على احتضان الاختلاف التأويلي المشروع، وفقًا لما يتيحه النص من إمكانات رمزية، وما تستجيب له الروح من معانٍ.

الدين حين ينفتح على الرمز، ويتحرر من وهم التعيين الصارم لمعاني الغيب، ويعي أن خطابه لا يتجاوز الإشارة ولا يملك تمثيل المطلق، يخرج من ضيق العبارة إلى سعة التجربة الروحية، ومن ادعاء الامتلاك الحصري للحقيقة إلى تواضع البحث عنها. يتخذ الإيمان آنذاك مضمونه الحقيقي، ليكون نداءً للروح، يروي القلب بالطمأنينة، والروح بالسكينة، لا مقولة مغلقة يُلقَّنها الإنسان، ولا عقيدة تُفرض بالقوة، ولا سلاحًا يُشهر في وجه المختلف. في هذا الأفق، لا تعود لغة الغيب أداة تطابق لفظي بين الدال والمدلول، بل تصير جسرًا رمزيًا إلى الغيب، يحيل إلى ما لا صورة له، ويوقظ ما خفي في أعماق الإنسان من أشواق الروح.

يتكلم الغيب بلسان المجاز، لا بعبارة صريحة، ويفصح بالرؤيا لا بالنظر، وبالبصيرة لا بالبصر. القرآن، في حديثه عن الغيب، يتحدث بلغة التقريب الرمزي، لأن الغيب ليس معطى مدركًا بالحواس، بل حضورًا يتذوقه القلب، وتشهده الروح ببصيرتها. ومثلما لا يستطيع الإنسان أن يرى ذاته إلا إذا انعكست في مرآة، لا يمكنه أن يبصر الغيب إلا إذا شعّ من الرمز إلى وجدانه. حينئذ، يتحول الدين من وسيلة قهر إلى نداء محبة، ويصير رسالة رحمة لا منصة قضاء، ويكون دعوة إلى التزكية لا إلى الهيمنة، وحقلًا للتعدد في الفهم، لا ساحة لإقصاء كل من لا يطابق الإنسان في صورة معتقده والألفاظ المعبرة عنه. وحين يصغي الإنسان إلى دلالة الغيب بوصفها رمزًا، يصير أكثر رحمة، وأقل شعورًا بالاستعلاء على المختلف في المعتقد، وأكثر إنسانية، وأبعد عن التوحش باسم الله.

نبّه بول تيليش، وغيره من فلاسفة الدين، إلى رمزية لغة الدين، وأن الرمز الديني لا يشرح الحقيقة، بل يشير إليها، ولا يملكها، بل يحيل عليها. وذهب بول ريكور إلى أن الرمز الديني لا يقدم وصفًا مباشرًا للحقيقة الإلهية، بل يفتح أفقًا للتأويل، ويحيل إلى الحقيقة عبر تأويل مستمر، لا عبر امتلاكها، ويشير إلى المعنى العميق دون أن يستنفده. ويرى جون هيك أن الرموز الدينية تعبيرات بشرية تشير إلى الحقيقة المطلقة، لكنها لا تتسع لها. وسار على هذا المنهج الرمزي عدد من فلاسفة الدين في الغرب. فتغنشتاين، خاصة في أعماله المتأخرة، يؤكد أن المعنى لا يوجد خارج اللغة، بل يتولد من “ألعاب اللغة” وسياقات استعمالها. ويرى أن اللغة الدينية لا تُستخدم لتقرير حقائق علمية، بل لتوجيه الحياة وتكوين رؤية للعالم، أي أنها رمزية تتجاوز الدلالة المباشرة. أما كارل ياسبرز، فيرى أن الحقيقة الإلهية لا تُدرك إلا بالتلميح والرمز، ويؤكد أن لغة الدين تتحقق من خلال الرموز التي تشير إلى ما لا يمكن الإمساك به مباشرة. ويُنبّه إلى أن هذه اللغة لا تُحيط بالحقيقة، بل تضيء أفقها، وتكشف حدود العقل الإنساني أمامها.

في التصوف المسيحي، كتب مايستر إيكهارت أن كل حديث عن الله هو حديث بالرمز، وكل صورة له ينبغي تجاوزها، لأن الحقيقة الإلهية لا تُقال، بل تُذاق، وهي ليست معلومة تُكتسب، بل حضور يتجلى في الصمت والذوق. وفي الإسلام تحدث المتصوفة وبعض الفلاسفة عن رمزية لغة الغيب، فشيخ الاشراق السهروردي تحدث عن الرمز النوري في التعبير عن الحقائق الغيبية، الأنوار في فلسفته ليست مجرد استعارات بل وسائط رمزية لتقريب الحقيقة الغيبية من الذهن والحدس. الرمز النوري مفهوم مركزي في فلسفته الإشراقية، التي تجمع بين الفلسفة والعرفان والرمزية. يستخدم السهروردي النور كرمز أساسي للتعبير عن الحقائق الغيبية، مستنداً إلى أن النور هو جوهر الوجود والحقيقة الإلهية. النور هو أصل الوجود، وأكثر المفاهيم وضوحاً وتجلياً. النور لا يحتاج إلى تعريف لأنه ظاهر بذاته، وكل شيء يُعرف من خلاله. الحقيقة الإلهية، التي يسميها “نور الأنوار”، هي المصدر الأعلى لكل وجود ومعرفة. السهروردي يقسم الأنوار إلى مراتب: النور الأعلى (الإلهي)، ثم الأنوار العقلية (الملائكية)، والأنوار النفسية، وصولاً إلى الأنوار المادية (كالشمس والنجوم). أما النفّري فيرى أن العبارة عاجزة عن استيعاب سعة الرؤية، وهذا ما يتكشف لنا من حياته الروحية ومواقفه في شهود الأنوار الإلهية، وتعبيراته عنها بلغة شذرية، في كتابه: “المواقف والمخاطبات”. شذراته تلمح أكثر مما تصرح، وأن ما لا يُقال فيها أكثر مما يُقال، وبكون الصمت أصدق في التعبير عن الغيب من البيان. ويذهب جلال الدين الرومي إلى أن الكلمات لا تُدرك إلا بمقدار ما تهب الإنسان من ذوق داخلي، إذ يقول: “كل صورة رمز إلى معنى، وكل لفظ ظل لنور لا يُرى”، الرمز لا يشرح أو يطابق، بل يحيل إلى شيء أعمق لا يُدرك بالحس أو العقل وحده،كما النور لا يُدرك مباشرة بل يُستدل عليه بآثاره وظلاله، وفي ضوء ذلك يكون الرمز هو السبيل الوحيد للعبور في لغة الغيب من ظاهر العبارات إلى أفقها الغيبي.

في مؤلفات محيي الدين بن عربي نعثر على منجم واسع يتحدث عن رمزية لغة الغيب بتعبيرات ثمينة، فهو يرى أن اللغة التي تتحدث عن الله إنما هي رموز وإشارات إلى الحقيقة الإلهية، لا يمكن أن تتسع للتعبير عن الذات الإلهية إلا بحدودها كلغة بشرية، لأن الذات تتجاوز كل تصور بشري. ويذهب ابن عربي إلى أن الأسماء الإلهية مراتب للتجلي، فيقول: “فإن الأسماء كلها ليست إلا مراتب التجلي، والحق متعالٍ عنها في ذاته، فما يُعرف منه إلا ما تجلى به، وما تجلى به ليس هو في ذاته، بل هو صورته في مرايا القلوب”. ويؤكد على أن: “كل ما يُقال في الحقّ من وصف أو اسم، فإنما هو إشارة إلى ما يتجلى منه، لا إلى ذاته، فإن الذات لا تُحاط، والعبارات عنها ظلال تُشير إلى النور”. ويرى أن “الإنسان خُلق على صورة الحقّ، فهو مرآة لتجلياته، والأسماء التي يُعرف بها الحقّ ليست هي الحقّ في ذاته، بل هي مظاهر تجليه في العالم”. وهنا يشرح ضيق اللغة والصورة عن أن تتسع للحق، لذلك ليست الصورة أو الكلمة إلا إشارة إليه: “والحق متجلٍّ في كل صورة، وكل صورة رمز له، لكن لا صورة تملكه، فإن اللغة حدود العقول، والحق بلا حدود”.

https://alsabaah.iq/116950-.html

لغة الغيب غير لغة العلم

د. عبد الجبار الرفاعي

نتحدث عن لغة الدين الحاكية عن الحقائق الغيبية، وهي لغة تسعى لتصوير ما لا صورة له، وتعتمد على التلميح والإشارة والكناية والمجاز والتمثيل والتشبيه والترميز. هذه اللغة تختلف عن لغة العلم، فمهمة لغة العلم الكشف والتفسير والتوصيف والبيان بأوضح العبارات وأصرح الكلمات وأبسط التراكيب. لغة العلم تنأى عن التلميح والإشارة والمجاز والترميز، وتحرص على أن تبوح بمعانيها بجلاء، وتحذر من المواربة والغموض والالتباس، وتستبعد ما لا يصرّح بما يريد قوله. تسعى ألفاظها لأن تتطابق مع مفاهيمها، بما لا يفسح المجال لانصرافها إلى معنى بديل. لغة العلم تنشد التطابق، ما أمكن، بين الدال والمدلول، وبين اللفظ والمعنى. وهي لغة مباشرة في التعبير عن مراميها، واضحة في قوانينها ومعادلاتها وحساباتها. ولشدة وضوحها يوازي تصورها وفهمها التصديق بها، لأن موضوعاتها لا تفارق عالم المادة، كما هو الشأن في الفيزياء والكيمياء والأحياء وغيرها من العلوم الطبيعية.

أما لغة الدين التي تتحدث عن الغيب، فلا تشبه لغة العلم، لا في بنيتها ولا في وظيفتها. هذه اللغة لا تهدف إلى الكشف عن حقائق قابلة للاختبار أو المشاهدة أو الفحص التجريبي، بل تسعى إلى إيقاظ الحنين لما وراء العالم المحسوس، وتغذية التوق إلى الوجود المطلق، وتكثيف حضور المعنى في حياة الإنسان، وبث الرجاء في قلبه، وشحنه بطاقة روحية تضيء عتمة وجوده. لغة الغيب لا تفسِّر بل تتذوق، لا ترسم خرائط ولا تضع حدودًا، بل تلمّح وتوحي وتومئ. لا تستغرق في البراهين، بل تشرق لحظة صفاء روحي، حين تتسع آفاق البصيرة لإدراك شيء مما لا صورة له، وتتهيأ الروح لمشاهدة الأنوار. هذه اللغة لا تبوح بمعانيها لمن يقرأها بعين العقل المجرد فقط، بل تنفتح على من يسكنه شوق لا يخبو إلى معنى لا ينطفئ، وعلى من تجاوز ظاهر الألفاظ إلى ما وراءها. محاولة تسوية لغة الدين بلغة العلم، وقراءة الغيب بأدوات العلم ولغته، تفضي إلى تفريغ الدين من بعده الغيبي، وتجعل النص الديني نصًا تقريريًا فاقدًا لسحره وأفقه ورؤياه وثرائه الرمزي. الدين، في جوهره، تجربة وجودية عميقة، لا تشرحها المعادلات، ولا تختصرها القوانين، بل تسكن القلب، وتضيء الداخل، ويعيشها الإنسان في أفق البصيرة، لا بأدوات النظر كما يرى الأشياء المحسوسة.

مدلولات كل كلمة تتحدث عن الغيب تشي بحقائق مفارقة للمادة، خارج فضاء الحس، تنشد اتساع قدرة النسبي لاكتشاف آفاق المطلق، وتحاول ترجمة المحدود للامحدود، وتجلي الإلهي في البشري، وحضور الغيب اللامادي وانعكاسه في العالم المادي، وتجسيد اللامرئي في المرئي، واستيعاب اللامحسوس في المحسوس، ومحاولة تصوير ما لا صورة له، ورسم ملامحه كأبعاد الصور الحسية، واستكناه ما لا يكتنه، ورؤية ما لا يُرى، ومعرفة الحواس بما لا يمكن اكتشافه بالحواس. إنها رؤيا تتخطى مشاهدة العين البصرية، ومعرفة ذوقية عابرة للعقل وبراهينه ومحاججاته، وضرب من صلة أنطولوجية يتجلى فيها الغيب بشكل يستطيع معها أن يتذوقه مَن يؤمن به، إذ يتمكن مَن يؤمن عبر هذه اللغة أن يحقق شكلًا من أشكال الاتصال المباشر وشهود الغيب.

لا يتحقق شهود الغيب إلا إذا استطاعت اللغة أن توقظ الروح، وتتكلم بكلمات القلب، وتبعث في الإنسان بصيرته الباطنية. الغيب لا يشهد آفاقه من حبس نفسه في حدود الحواس وحدها، ولا يتذوقه من جف قلبه عن نور المعنى، واغترب عن ذاته، وغابت عنه دهشة الوجود. اللغة الحاكية عن الغيب ليست أداة توصيل بين إنسان وإنسان، بل وسيلة تواصل مع الله، وبوابة عبور، ونافذة إلى عوالم لا تفتح إلا لمن أعدّ نفسه للتذوق، وصاغ قلبه بوجد واشتياق لا يهدأ إلى الوجود المطلق. تكتسب اللغة الدينية، حين تحكي عن الغيب، وظيفة إنشائية إضافية، لا إخبارية فقط، فهي لا تكتفي بالإخبار، بل تنشئ صلة وجودية، وتعيد تشكيل وعي الإنسان بذاته، وتكشف له موقعه في الوجود، وتعيد ترتيب سلم الموجودات، وترسم إمكانات وحدود الموجود، وتعيد إنتاج معنى الحياة والموت والخلود. إنها لغة ترشد الإنسان إلى موقعه ومكانته بالنسبة إلى الوجود الحقّ، وتمنحه إشراقة نور، ونداء عميقًا يوقظه من سباته، ويستحثه على السفر الروحي إلى الله.

لغة الدين المختصة بالغيب تتكشف فيها مراتب أعمق من الوجود لا تتكشف للإنسان باللغة العادية، وتشير إلى معانٍ متعالية على الواقع المادي وحدوده الحسية الضيقة، ولا ييتحدث عن المعاني المحسوسة التي تختنق فيها اللغة. لغة الدين هي اللغة الوحيدة القادرة على التعبير عن حقائق العالم الأخرى اللامرئية، بنحو تعجز فيه كل أشكال اللغة الأخرى عن الإفصاح عنها. لا لغة كلغة الغيب تبوح بشيء من أسرار الوجود المطلق، وتتجلى فيها إشراقاته. لا تتحدث هذه اللغة عن الغيب بوصفه موضوعًا منفصلًا عن الذات، بل تكشفه كعلاقة حيّة تتجلى في القلب، وتتكشف في أعماق الروح. اللغة هنا ليست أداة خارجية، بل شيفرة للوجود ينفذ بها الإنسان إلى ما وراء الحس، وينصت عبرها إلى النداء الخفي للعالم اللامحسوس. وكلما تسامى الإنسان وارتقى من مضايق الحرف الجامد، وانفتح على الإيقاع الباطني لكلمة الغيب، تسرب إليه المعنى من حيث لا يدري، فاستحال النص مسارًا للعبور إلى ما لا يُحاط به، وأفقًا يتنفس فيه القلب دفء الطمأنينة. في لغة الغيب، لا معنى خارج ما تتذوقه، ولا دلالة بدون شعور باطني، ولا فهم بدون حضور وجداني. الغيب لا يُدرك بعقل خالص، بل بروح حيّة، ولهذا تظل لغة الغيب، في أعمق تجلياتها، نداءً لما هو أسمى من كل وصف، وإنصاتًا لمن هيأ قلبه لسماع الهمس الخفي في كلمات الله.

لا تنشد لغة الدين المختصة بالغيب التطابق بين الدال والمدلول، واللفظ والمعنى، لضيق الدال وقصوره، إذ يعجز اللفظ أن يتسع لما يختنق فيه فضاؤه، ويستوعب ما لا يمكنه تصويره كما هو، وتمثّل ما لا يمكنه تمثّله، ويفشل في نقل ما يضيق به ظرفه، واحتواء ما لا يتسع له وعاؤه. لغة الدين المختصة بالغيب يتنزل بها المعنى من نشأة أعلى إلى نشأة أدنى، لأن اللغة البشرية من شؤون العالم المادي، وليست من شؤون عوالم الغيب، وظرفها لا يتسع لمعاني تلك العوالم. إن السعة الوجودية للغيب يضيق بها كل ما ينتمي إلى العالم المادي، أي إن هذه اللغة لا يتجلى فيها المعنى إلا بكيفية تماثل حقيقتها البشرية، على نحو تنزّل على شاكلتها. ولأنها تنزل، فهي تلبس المعنى ثوبها، وتكسوه بألفاظ محدودة، وتجعل ما لا يُحدّ قابلًا للفهم بمقدار ما تسمح به أدوات الإنسان في هذا العالم. لا يمكن للغة أن تنقل المعنى الغيبي كما هو، بل تشير إليه بقدر ما تحتمله طبيعتها المادية، وقدرة الإنسان على التلقي. وما لم يتنبه القارئ إلى هذا الفرق الجوهري بين المعنى في ذاته، والمعنى كما يتجلى في اللغة، ينغلق عليه باب التأويل، ويحبس فهمه ظاهر النص، ولا ينتبه إلى ما يشير إليه الرمز أو المجاز. وما الرمز إلا قنطرة، يعبر منها من ألهمته رؤيته وأشرقت بصيرته، إذا تحرر من أسر الحرف، وتطهر قلبه من ظلمة التكرار، فغدا النص لديه كائنًا حيًا، ينبض بالمعنى، ويشع بالأنوار. ذلك هو ميدان التذوق لا الحفظ، ومجال الحضور لا الغياب. في هذا المقام، تصير اللغة مرآة لما وراءها، ومظهرًا لما خفي عن دلالاتها المتبادرة من كلماتها، وشاهدًا على أن الغيب لا يُدرَك بالكلام، بل يُشهد بالبصيرة.

 

https://alsabaah.iq/116562-.html

رؤيا الغيب في لغة الدين

                                                                              د. عبد الجبار الرفاعي

لغة الدين المختصة بالغيب تعجز عن التعبير عن حقيقة الغيب بنحو تعكسه كما هو، وهذا العجز حكاية لعجز الإنسان عن تصور الحقيقة غير المحسوسة كما هي. يتصور الإنسان الغيب على شاكلته، لا على شاكلة الغيب، لأن إدراكه لا يتسع لحقيقة ما لا يُدرك بالحواس، كما يتصور الإنسان الغيب بكيفيته، لا بالكيفية التي عليها الغيب. إشراق الغيب رؤيا لا تبوح بما تكتنزه، وليس رؤية محسوسة تدل الإنسان على أبعاد صورتها، رؤيا لما لا يراه الإنسان ولا يسعه أن يحيط بحدوده.كل ما يقال عن الغيب يظل رمزيًا وتلميحيًا، لا يطابق ذات الغيب وما هو عليه. ما يكتب عن الغيب هو تقريب له بلغة الإنسان، لا لغة الغيب. لذلك تتكئ النصوص الدينية التي تتحدث عن الغيب على الرمز والمجاز، وتجنح إلى التعبير التمثيلي، فتستخدم لغة تشي بما وراءها، وتدعونا إلى التأمل في إشاراتها، لا التوقف عند دلالتها الحرفية. أية محاولة لتجسيد الغيب حسيًا، أو تحويله إلى صورة مرسومة بوضوح في العقل الكلامي، تعجز عن رسم صورة الغيب، ولا تكتنه معناه خارج الإشارة، وتفرغه من أثره في إثراء الروح، وايقاظ الضمير الأخلاقي. الغيب رؤيا لا تُمتلك، وليس بوسع الإنسان اكتشاف حدودها في ضوء المنطق الصوري، ولا تتسع لها مقولات علم الكلام. الغيب لمن يؤمن به، يبرق في البصيرة كضوء ساطع، يتذوق القلب ومضاته، ويعيش حالاته، وكل ما هو من جنس الحالات لا يمكن أن تتسع له الكلمات والمقولات الجاهزة. ما لم يتحرر العقل الديني من إسار الرؤية الكلامية والفقهية التي أحكمت قبضتها على فهم الغيب، يظل الغيب مجرد كلمات منطفئة، لا تفتح له أفقا على عوالم النور، ولا تسقي القلب ببهجة معانقة النور، وتعمل على خفض وتيرة قلقه الوجودي، وتعيد إليه سلامه، وللروح سكينتها.

إثر عجز الإنسان عن تصور الذات الإلهية كما هي، كانت لغة الدين المختصة بالغيب رمزية. الرموز لا تبوح بالمعنى، بل تؤشر إلى شيء مما يتذوقه الإنسان لحظة تجلي الغيب له، وغياب الإنسان في عالم الرؤيا عن أقواله، وكأن ما يحدث رؤية لمعان البرق في ليلة حالكة الظلام. لغة الإشارات لغة رمزية، يتذوقها من يتسامى من الحروف إلى الحالات، إنها لغة مشبعة بمعنى يبهج الإنسان الشغوف بالأنوار. اللغة الرمزية لا تصور الغيب كما هو، لكنها تلمح إليه، وتهمس به، وتشي بشهوده، إنها لغة لا تشرح بل توقظ، لا تفسّر بل تقودك للبصيرة. أي تعبير ديني عن الغيب مسعى لتصوير ما لا يمكن تصويره، واستيعاب ما لا يتسع وعاء الإنسان له، وترميز ما لا تدركه الحواس، ولا تبلغه اللغة العادية. لغة الغيب لا تستجيب لمقاييس البرهنة، ولا تخضع لموازين المحاججات العقلية، بل ترتوي من معين التذوق، وتستنير بما ينكشف للقلب في لحظة الصفاء من تجليات، وتنهل من إشراقة الروح حين تتخطى الحواس. تظل اللغة الدينية في تعبيرها عن الغيب محتجبة، لا تنفتح إلا لمن اتسعت آفاق رؤيا بصيرته، وتطهر من غشاوة الحرف، وتجاوز ظاهر الكلمات. حين تتجمد الرموز، وتختزل دلالاتها في معنى ظاهر، تفقد اللغة قدرتها على الإيحاء، ويتحول الغيب إلى مقولة كلامية بلا إيحاء، تعبر عنه لغة مقولات جاهزة، ويتحول التديّن إلى ممارسة شكلية لا أثر لها في تطهير النفس، ولا تهذيب الروح، ولا رعشة القلب، ولا بناء علاقة حب صافية بين الله والإنسان.

مصطلح “لغة الدين” غير متداول على نطاق واسع في الدراسات الدينية والفلسفية والألسنية العربية، على الرغم من كونه أحد الموضوعات المحورية في فلسفة الدين الحديثة. توطين هذا المفهوم في دراساتنا الدينية يوفر لنا مرآة نرى فيها نصوص الكتب السماوية من زاوية مغايرة للنظر المكرر إليها من الزاوية ذاتها، ويفتح لنا نافذة على فهم يتخطى الرؤية السطحية، عبر مقاربة ماهية هذه النصوص، وبيان ما إذا كانت تخضع لمنطق اللغة العرفية، أم أنها لغة تنفرد بمنطق داخلي خاص، تعبّر عن معانيها بطريقتها، وإن تشاركت ألفاظها مع ألفاظ اللغة المتداولة.

الكتب السماوية لا تتحدث بلغة رمزية في كل ما تتناوله، الرمزية تبرز حين تلامس هذه الكتب الحقائق الغيبية، فتصبح اللغة الدينية فيها مشحونة بالإشارة لا التصريح والإيضاح، وتلجأ إلى المجاز لا البيان الحرفي، إذ لا سبيل إلى التعبير عن الغيب إلا بلغة تتجاوز المعنى الظاهر للكلمات. أما حين تتناول الكتب السماوية موضوعات الطبيعة، وما فيها من كائنات، وتضاريس طبيعية، وجبال، وبحار، وأنهار، وجغرافيا مناخية، أو تتحدث عن النباتات والحيوانات، والكائنات التي تعيش على الأرض، أو تتحدث عن الطبيعة البشرية، وأحوالها، والكيفية المخلوقة فيها، وما يكتنفها من هشاشة، وقوة، وعن تكريم الإنسان، وإناطة مهمة الاستخلاف به، أو ما يتصل بأحوال القلوب، وتذبذب أحوال النفس، والعلاقات الاجتماعية، والقيم الروحية والأخلاقية، والعبادات والمعاملات، أو تستعرض أحوال الإنسان وحياته على الأرض فردًا وجماعة، فإن اللغة المستعملة في هذه الموارد للكتب السماوية لا تتجاوز دلالاتها العرفية، وتظل ألفاظها تشير إلى معانيها التي وضعت لها في الاستعمال المتعارف.

التمييز بين لغة الغيب بوصفها موضوعًا للغة الرمزية، وبين اللغة العرفية بوصفها موضوعًا للطبيعة وما فيها من كائنات وغيرها، وأحوال الإنسان وحياته الأرضية، في النصوص الدينية، ضرورة يفرضها فهم لغة الدين فهمًا ينأى عن التبسيط والتعميم، ويساعد على إدراك ما تنشده هذه اللغة من معانٍ تسعى إلى توصيلها، حسب اختلاف موضوعها. لا يصح تفسير اللغة الدينية التي تتحدث عن الغيب، كما تفسر ما يتحدث عن الأخلاق، أو المعاملات، أو أحوال الإنسان في الأرض، أو الطبيعة وغيرها. الغيب لا يُدرك بالحس، ولا تحيط به التجربة، ولا تشرحه اللغة العادية، بل يومئ إليه النص بإشارات لا يصح اختزالها بحرفية الألفاظ.

لغة الدين المختصة بالغيب بوصفها حكاية عن عوالمه، تخاطب روح الإنسان وقلبه وعواطفه ومشاعره، وتوقظ حواسه الباطنية، لذلك ينبغي البحث عن حضور آثارها في الشعور قبل غيره. لا تتحدث هذه اللغة عن الأشياء الملموسة إلا عندما تحاول رسم صورة لما هو مجردا، فتعمل على محاكاتها بالمحسوسات لتقريب المعنى المجرد بما هو ملموس،كما في آية النور: “اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ” [النور: 35]. التمثيل في هذه الآية لا يراد به رسم صورة بأشياء مادية لله، بل يراد به تقريب المعنى المجرد بصورة تتقبلها المخيلة، وتتهيأ له الذائقة الباطنية، وتستعد له البصيرة، ويتذوق نوره القلب. المجاز وسيلة لتهذيب الحس، وفتح الأفق على دلالات لا تختزلها العبارة، ولا تقدر اللغة العادية على القبض عليها. حين تتكلم الكتب السماوية عن الغيب، فإنها لا تتحدث عنه كما تتحدث عن الظواهر الطبيعية، وأحوال الإنسان وحياته الأرضية، بل تشير إلى الغيب بلغة الرمز، وتقربه بلغة المشابهة، وتدعونا لاكتشافه لا بوصفه معلومة، بل بوصفه شهودًا يشعر به الإنسان، ويتجلى لمن صفا قلبه، وأشرقت روحه لترى فيه نورًا لا يراه غيرها.

في ضوء ما تقدم لا يصح أن يُفهم الغيب فهمًا حرفيًا، ولا ينبغي تفسير دلالاته بأدوات تفسير تغلقه على معنى واحد، أو مقولات علم الكلام، وكأنه شيئًا محسوسًا، بل يحتاج تلقي الغيب إلى لغة شعورية، ورؤيا باطنية، وشوق لا ينطفئ لمعنى لا يحدّه شكل، ولا تحيط به صورة. أية محاولة لإغلاق دلالة الغيب على معنى واحد، تنفي عنه عمقه الدلالي وتعدد وتنوع تجلياته، وتحوّله إلى مجرد مفهوم لا يبوح بمعنى يعيشه شعور الإنسان، ويضئ بصيرته. الغيب في لغة الدين أفق رحب، لا يتجلى إلا بحدود ما تتسع له البصيره، ولا يُمتلك، أو تتكشف أبعاد صورته، بل يُشار إليه، ويتذقه القلب حالة الصفاء، وترتوي منه الروح كلما اشتاقت إلى النور، واشتد اشتياقها إلى تجليات الجمال الإلهي.

 

https://alsabaah.iq/116161-.html