عجز العلوم عن قراءة لغة الغيب

                                                                                د. عبد الجبار الرفاعي

يفتح النص الديني أفقا واسعا لفهم الطبيعة عبر مناهج التحقيق العلمي، إذ يمكن دراسة ما يتعلق بالطبيعة في آيات القرآن، من أرض وسماء، وشمس وقمر ونجوم، وليل ونهار، ورياح ومطر، وجبال وبحار، ونبات وحيوان ومعادن، بمناهج تكتشف القوانين الطبيعية، وتدرس من منظور علمي النظام الكوني ودقته المدهشة.كما يتيح التفسير التاريخي، المستند إلى معطيات علم الآثار والجغرافيا التاريخية لعصر النزول، فهم الحوادث والوقائع التي ذكرها القرآن في آياته، والشخصيات التاريخية، والأقوام مثل: قوم نوح وإبراهيم وموسى ولوط وعاد وثمود وقوم صالح وشعيب ويونس وغيرهم، ودراسة الأماكن، كأرض مدين وطور سيناء ومصر والمسجد الأقصى والمسجد الحرام والكعبة ومكة ويثرب وبدر وحنين وتبوك والحجاز، ليفتح أفقًا علميًا لتجديد التفسير، ويؤسس لفهم جديد للوحي. وتتيح مناهج علوم الإنسان المجتمع الحديثة فهم أحوال النفس البشرية، وما تحدثت عنه الآيات القرآنية من ضعف الإنسان وهشاشته وظمئه الأنطولوجي واغترابه الميتافيزيقي، ودراسة وتحليل عوامل نهوض الأمم وسقوطها، وأمثال ذلك فيما يخصّ الإنسان فردًا ومجتمعًا.

كل شيء تتسع له هذه الحقول يمكن دراسته في ضوء مناهج البحث العلمي وآخر معطيات العلوم والمعارف البشرية، لكن من العبث تطبيق هذه المناهج في اكتشاف الحقائق غير المادية وما هو خارج الطبيعة. عوالم الغيب حقائق تنتمي إلى ما وراء الطبيعة، لذلك لا يصح تطبيق مناهج علم النفس وعلم الاجتماع والانثربولوجيا وغيرها من العلوم الإنسانية والطبيعية وأدواتها في الكشف عنها وتحليل مضمونها ومعرفة ماهيتها. عندما تحاول نظريات هذه العلوم تفسير البعد الغيبي في الوحي، فإن أول ما تبدأ به هو نزع مضمونه الغيبي، والنظر إليه في أفق الطبيعة والمادة. أخفقت محاولات اكتشاف الغيب بمناهج العلوم المعروفة، وأدخلت الإنسان في متاهات، تبدأ بالإنكار وتنتهي بالإنكار،كمن يحاول معرفة ذات الله وحقيقته وكنهه بأدوات العلوم ومناهجها المعروفة. الغيب لا يُدرك بالعقل التجريبي، ولا بالأدوات التي صُممت لفهم الظواهر المادية. الغيب يشعر به الإنسان بالتجربة الروحية، ويتجلى في لحظة صفائه الباطني، ويشهده الإنسان بالبصيرة، ويتذوقه بالقلب.

لا يمكن ترجمة الغيب إلى معادلات أو نظريات. إنه سرّ لا يُمسك ولا يُحاط به، ولا يُفهم إلا بعد تجليه على روح الإنسان وقلبه، حين تصفو بصيرته، وتستعد لتلقي إشراقات النور الإلهي. محاولة اختزال الغيب إلى موضوع للبحث العلمي بالمعنى التجريبي تنتزع منه محتواه الميتافيزيقي، وتختزل حضوره في الأرقام والحسابات والمعادلات. الغيب في حقيقته ليس شيئًا يُمتلك، بل معنى يُعاش، وحقيقة يشعر بها الإنسان الذي يؤمن به. الغيب يشهد تجلياته الإنسان في الطبيعة، فينبعث من تجلياته نور يضيء روح الإنسان ويبث السكينة في باطنه. ما لم ندرك أن الغيب لا يُعرف إلا بقدر ما ينكشف لمن يتأهل لمشاهدته، سنظل نبحث عنه في الموضع الخطأ، بأدوات لا توصل الإنسان إليه، ولن يبصر منه إلا ظلالًا باهتة لا تُضيء للإنسان الطريق إليه.

التعرف على الغيب في القرآن إنما يكون من خلال ما تتحدث به آياته، وهكذا في الكتب السماوية التي تتحدث عن الغيب. في الحياة الروحية تنكشف تجليات الغيب في حياة الإنسان وتنعكس تمثلاته، الأفق الذي يتجلى فيه الغيب، بوصفه منبعًا لإرواء الظمأ الأنطولوجي، لا يتحقق في العالم الحسي الذي تحكمه قوانين الطبيعة. لا يخضع الغيب في اكتشاف حقيقته ومعرفة كيفيته للعلم ومناهج البحث العلمي، وإن كانت العلوم هي الأداة الأساسية في التعرف على تأثير الغيب في الإنسان فردًا ومجتمعًا والواقع الذي يعيش فيه، ودراسة تمثلاته في الحياة الفردية والمجتمعية. حضور الغيب لا يُقاس بأجهزة قياس حسية، ولا يبرهن عليه بالبراهين التجريبية، بل يُعاش بالتجربة الروحية، ويُذاق بالتأمل، ويُشهد بالبصيرة. الغيب في حياة الإنسان لا يعبر عن ذاته بلغة الأرقام، بل بلغة المعنى. حين يتحدث الكتاب الكريم عن الغيب، فإنه لا يقدم تقريرًا وصفيًا، بل يوقظ شعورًا، ويبث تذوقًا، ويعيد تشكيل صلة الإنسان بالحقّ، ويهبه أفقًا يتجاوز المحسوس، وينقله من ظواهر الأشياء المادية إلى عمق معانى الوجود والحياة.

لغة الدين المختصة بالغيب ضرب من الترجمة لإشارات الغيب ورموزه، ومحاولة لرسم صورة عنه في لغة الإنسان، وتجلٍّ لكلمة الله بكلمات خلقه. الترجمة لا تطابق الأصل، ولا تعكس صورته كما هي، ولا تكشف كل ملامحه، إنها تومئ إليه، وتعكس شيئًا من ملامحه. يظل فهم الغيب في الكتاب الكريم نسبيًا، المفسّر الذي يمتلك أدوات التفسير لآيات الغيب لا يكون تفسيره لها نهائيًا، لأنه يخضع في تفسيره لمشروطيات الذات، وأحكامها المسبقة، وأفق انتظارها، والزمان، والمكان، والواقع، والعوامل والمعطيات المختلفة التي تؤثر في حياته بوصفه فردًا، وفي حياته بضمن المجتمع الذي ينتمي إليها، وليس بوسعه الإفلات النهائي من تأثير هذه العوامل المتنوعة على فهمه، مهما حاول أن يكون محايدًا. لا يمكن الحديث عن تفسير نهائي أبدي لنصوص الكتب المقدسة، ولا عن قراءة أخيرة لمعاني الغيب، بل نحن بإزاء معانٍ تتجدد بتجدد أدوات القراءة وشروط التلقي، وتنبسط كلما اتسعت الرؤية، وتنقبض حيث يضيق أفق الرؤية.كل فهم نوع من التأويل، وكل تأويل اجتهاد بشري في الإصغاء لما يبوح به النص من دلالات في حالات معينة، وظرف بعينه. هذا التأويل ليس نهائيًا في تفسير الغيب، إنه ليس سوى صورة من صور التلقي المحدود.

لغة الغيب عندما تشرح وتصف تنشد أن ترسم أفقًا للشهود. هذه اللغة رؤيوية، تسعى للقبض على معنى لا محسوس، ولا تاريخي، ولا زماني، ولا مكاني، ولا مرئي، ولا محدود، وإيداعه في قالب محسوس ومرئي وضيق ومحدود. لغة الغيب تتعدد مراتبها، وتنشد تلبية مستويات متنوعة من الفهم، ومراعاة درجات مختلفة للتذوق. هذه اللغة يتخطى نداؤها العقل، إنها نداء يتجه لإيقاد طاقات الروح، وإيقاظ الضمير، وإحياء القلب، وشحذ المشاعر، وإثارة الأحاسيس، وتغذية الروح. إنها لغة لا تشرح بقدر ما تلمّح، ولا تكتفي بإبلاغ المعنى، بل تفتح أفقًا للتأمل في المعنى، تنتقل من ظاهر الحرف إلى دلالاته المحتجبة، فيتحسسها الإنسان في شعوره قبل أن تبلغ عقله. لا تُفسَّر هذه اللغة تفسيرًا واحدًا، بل تتعدد تأويلاتها بتعدد اشراقاتها على القلوب، وتتنوع أنوارها بتنوع البصائر، وتتكشف أسرارها بحسب استعداد المتلقي وقدرته على التذوق. لما كان الغيب لا يتسع له العقل، فإن اللغة التي تحكي عنه تتعدد فيها طبقات المعنى، لذلك تتوسل بالمجاز والاشارة والرمز والإيحاء،كي تستنطق ما لا يُقال بالكلمات، وتوقظ ما خفي، وتفتح أفق الشهود لما لا يُرى.

حين تصير الكلمة مرآةً للغيب، تغدو العبارة طريقًا إلى المعنى، لا قيدًا عليه، وتتحول اللغة من أداة إخبار إلى وسيلة حضور. هذه اللغة لا تنتجها قوالب الجدل الكلامي، ولا تختزل في حدود مقولة اعتقادية، ولا تقف عند ظاهر اللفظ، بل تفيض من عمق التجربة الروحية، وتنبعث من الحاجة الأنطولوجية للإنسان إلى المعنى والسلام والسكينة والطمأنينة والمحبة والرحمة الإلهية. حين ينطق بها القلب، يتدفق من الكلمة دفء، وتنبعث من العبارة حياة، ويشع من النص نور يهدي الإنسان إلى الله، لا بالخوف بل بالشوق، لا بالرهبة بل بالمحبة، لا بالإكراه بل بالوجد.

اللغة التي تتحدث عن الغيب لا تعلّم فقط، بل تُلهم؛ لا تُقنع فقط، بل تُضيء، لا تشرح فقط، بل توقظ شيئًا خفيًا في باطن الإنسان.كل فهم للغيب تأويل، وكل تأويل للغيب هو سفر إلى ما لا يراه الإنسان ولا يدركه بحواسه الظاهرة، لا يُرشد إليه إلا القلب المستعد، والروح والبصيرة المتأهبة لاستقبال النداء الذي لا يسمع بالأذن، بل يدرك في لحظة انكشاف عميق. في هذه اللحظة، تنكشف الكلمة لا بوصفها علامة صوتية، بل ككائن ينبض بالمعنى، وتتحول العبارة إلى قناة للفيض، وتكون الآية مرآة لما وراء الظاهر. هنا لا يعود النص مجرد بنية لغوية، بل يُصبح نداءً روحيًا يشرق بنداء الغيب، ويعود إليه، ويتوسل بالقلب ليفهم، وبالذوق ليُذاق، وبالبصيرة ليُرى. في هذا الأفق، يتبدى الغيب لا كغربة، بل كحنين دائم إلى الحقّ، وسفر لا ينتهي في طلب المعنى، وانتظار مستمر لإشراق الكلمة في ليل الحيرة.

بهذه المناسبة أود الإشارة إلى أنه تأتيني بين حين وآخر أسئلة من قراء مختلفين، يتساءلون عن: التفسير الذي يمكن أن يعتمد عليه الإنسان في فهم القرآن الكريم، ويثق برؤيته ثقة مطلقة؟ وغالبًا ما أكرّر الجواب ذاته، مؤكدًا أن الكتاب الكريم لا يختص به المفسرون دون غيرهم، ولا يمنح أحدًا امتياز احتكار معناه، لأنه نزل لكل الناس، في كل زمان، ولكل من يتلقاه بقلبه وروحه وعقله، من دون تمييز أو وصاية لفرد أو جماعة. لهذا وجه القرآن خطابه لعامة الناس من دون تخصيصه بفئة معينة، فورد بصيغة “يا أيها الناس” عشرين مرة، و”هدى للناس” ثلاث مرات، و”ذكرى للناس” ثلاث مرات أيضًا، و”بيان للناس” مرتين، و”بلاغ للناس” مرتين كذلك.

لما كانت لغة الغيب في القرآن رمزية، انفتح المعنى فيها على تعدد التأويل، وصار كل إنسان يستوحي من رموزها ما يلهمه روحيًا، وما يضيء بصيرته، ويغذي شعوره بصلته بالله. وحين يشكّل القرآن منبعًا أساسيًا للحياة الروحية، وتتفتح هذه الحياة في آفاق ما تلهمه للتجربة الروحية من معانٍ، وما تستلهمه من اللغة الحاكية عن الغيب، تتضح كيفية هذه التجربة بوصفها تجربة شخصية لا ينوب فيها أحد عن أحد، ولا يقدر إنسان أن يهبها لغيره، ولا أن يؤديها نيابة عنه. لذلك يغدو من الطبيعي أن يبني الإنسان صلته بالقرآن بنفسه، ويتلقى نداء الله كما ينكشف له، وينصت لصوته بوصفه نورًا ينبثق في داخله، لا كما يُملى عليه من خارج ذاته، ولا كما يتلقاه من وصيّ على الفهم.

التجربة الروحية تنبع في داخل الإنسان، وتتخلق بحسب تذوق قلبه، وبصيرة روحه، واستعداد وعيه، وما يتسع له وعاء وجوده. لا تنشأ هذه التجربة خارج الذات، ولا تهبها قراءة التفسير جاهزة، ولا يكتمل معناها بتكرار قراءة تفاسير آيات الغيب. يبني الإنسان صلته بالله بنفسه، في سياق آيات الغيب في كتابه بوصفها خطابًا شخصيًا موجهًا إليه، ويصغي لصوت الله كما يتردد صداه في أعماقه، ويتعرف عليه بقلبه، ويتذوق بهجة حضوره في روحه.

القرآن ليس كتابًا خاصًا بالمفسرين، ولا يحتكر معناه أحد، لأنه نزل لكل إنسان، ولكل من ينصت لصوت الله فيه. إذا استعصى عليك فهم بعض مفرداته، يمكنك الرجوع إلى معاجم اللغة لاستيضاح معناها، من دون أن تبتعد عن نداء الله في القرآن، أو تستسلم لفهم المفسّر، كما لو كان هو المتلقى الوحيد لكلمات الله. الرجوع إلى التفسير في كل آية، واستعارة معنى جاهز من خارج التجربة الروحية، يضعف صلتك المباشرة بالقرآن، ويحوّل اللقاء بالله إلى وعي مستعار لا ينبع من ذاتك. التفاسير اجتهادات بشرية متنوعة ومتباينة، تتعدد بتعدد ثقافات المفسرين، ومذاهبهم، وعصورهم، وآفاقهم المعرفية، وكيفيات انتظاراتهم من معاني الآيات.

لا يعني هذا الكلام دعوة إلى إهمال ما أنجزه المفسرون من جهود كبيرة، أو تجاهل الإفادة منها، إنما أنشد هنا التنبيه إلى أن الحياة الروحية لا تنبع من وصاية أحد، ولا يهبها أحد لغيره، ولا يكتمل معناها إلا إذا أنشأ الإنسان صلته المباشرة بالله، وتلقّى كتابه كما لو كان نازلًا عليه.

https://alsabaah.iq/118252-.html

 

تجليات الأسماء الإلهية في لغة الغيب

     د. عبد الجبار الرفاعي

حين يتجمد معنى لغة الغيب في حرفيته، وتنغلق مجازاته، ويتحول إلى فهم كلامي جدلي، لا يترك للقلب مساحته في الشهود، ولا يفتح للروح بصيرتها في التفاعل مع المعنى. لغة الدين الحاكية عن الغيب لا تنطق بذاتها، بل تتكلم عبر قارئها، وتتجلى في ضوء وعيه وبصيرته، وتشرق بمرآة القلب الذي يتذوقها. ليست الدلالة في الحرف بحدّ ذاته، بل فيما يشع من المعنى وراء الحرف، ولا تكون الدلالة في ظاهر القول، بل فيما يفيض منه على روح الإنسان وقلبه. لغة الغيب إشراق نوراني، لا يُلمس بالحواس، بل يُعاش بالشعور، ويجري تذوقه في لحظة تتحقق فيها الكلمة بحضورها كضوء، وتتحول العبارة إلى مرآة لما وراءها. الأسماء والصفات الإلهية حاضرة بكثافة في لغة الغيب، لكن قراءتها في سياق كلامي تغلق نوافذ البصيرة وتحجبها عن استلهام ما يفيضه معناها.

عندما تُفسَّر أسماء الله الحسنى وصفاته الجمالية والجلالية في سياقات المعجم الكلامي، تنطفئ دلالاتها، وتفقد قدرتها على إيقاظ المشاعر، واستنهاض الوجدان، وإلهام الإنسان المحبة والسلام. ويتحول مدلول اسم الله من كونه نداءً يتدفق من خلاله أسمى ما في الإنسان، إلى رمز سلطوي يُحمَّل بدلالات الترهيب والعقوبة والعذاب. ويمسي الكلام الإلهي من دعوة إلى الرحمة والجمال والطمأنينة والسكينة والسلام، إلى خطاب مشبع بالتسلط، منزوعة منه الحميمية والدفء والعفو والمغفرة. ما لم تتحرر لغة الغيب من أسر هذا المعجم المتراكم عبر السنين في اللاشعور الجمعي، وتُبعث فيها الدلالات الرؤيوية المنبعثة من إشراقات الأسماء الحسنى والصفات الإلهية، سيظل حضور الله في الشعور الديني محصورًا في صورة الحاكم المتسلط، لا الحبيب المحب، والرحمن الرحيم، والجميل الذي يتذوق الإنسان تجلياته المضيئة في الوجود، وينصت إلى صوته يتردد في أستغاثات وآهات الضحايا، ويشرق نوره في أعماق كيان البؤساء.

استحواذ الرؤية الكلامية على معاني النصوص الدينية أبعد الدين عن رسالته، وضيّق مجاله في بناء صلة بالله تستلهم أسمائه وصفاته وتجلياته الرحمانية، حتى غدت هذه الصلة، في المخيال الجمعي، مصدرًا لتغذية الخوف، وتكريس كابوس العقاب، بدلًا من أن تكون علاقة مفعمة بالمحبة والرحمة والسلام والطمأنينة. لم تعد أسماء الله تنبض بما تبثه من نور، وما تفيضه من سكينة، وما توقظه من شعور عميق بمعنى الحياة والوجود، بل استُهلكت في الجدل، وتخشبت في الحرف، وخبا فيها وهج اثراء الصلة بالله، ودفء الصلة الحميمة بمحبته ورحمته.

الدين لا يحقق حضوره في حياة الإنسان إلا حين ينعش في كيانه المعنى الروحي، ويوقظ ضميره الأخلاقي، ويغذي ذائقته الجمالية، ويعيد إليه إحساسه بغبطة الحياة بشهود النور الإلهي. عندما يختزل الدين في حدود المقولات الكلامية، تنطفئ الأنوار الرحمانية المنبثة بلغة الغيب، ويتحوّل إلى عبء ثقيل، بدلًا من أن يكون رسالة حب ورحمة وسلام وشفاء. الحياة الروحية لا تتكرس في مناخ يغيب فيه حضور الله بوصفه ملاذًا للمحب، ومصدرًا للطمأنينة، ومرفأً لسكينة الروح المتعبة.كما لا تنبعث القيم الأخلاقية من خطاب يحاصر الإنسان بالممنوعات، ويثقله بالوعيد والتهديد، بدلًا من أن يرشده بلطف ورفق إلى الخير، ويستنهض في أعماقه النداء الأخلاقي.

لا يشرق الجمال من لغة تصف الله بعبارات تقريرية جافة، لا تتصل بمشاعر الإنسان، ولا ينصت فيها إلى صوت الله، ولا يشهد أنواره. لغة كهذه تغلق أبواب التأمل، وتطفئ جذوة الشوق، ولا تتيح للإنسان تذوق النور الإلهي في لحظات الصفاء ونداءات القلب. إن استعادة وظيفة الدين بوصفه مسارًا لتتسامي بالنفس، وإنقاذ الإنسان من ظمئه الأنطولوجي وغربته الميتافيزيقية، لا تتم إلا بإحياء الأفق الرؤيوي للغة الغيب، تلك اللغة التي يستفيق بها ضمير الإنسان، وتستنهض وعيه، وتوقظ فيه الإحساس بالدهشة، وتبني صلة حيّة بينه وبين ربه، لا عبر الرهبة، بل من خلال المحبة والرحمة والعطف والرفق والسلام. اللغة التي ينبعث منها معنى يشد الإنسان إلى الله، ويضيء له درب النجاة، ويمنحه القدرة على استعادة ذاته في عالم يضج بالصخب، ويقسو فيه العيش، هي وحدها القادرة على مداواة القلب المنهك، وإنقاذ الإنسان من التيه، وإعادته إلى مكانته في الوجود.

لا يمكن استعادة حضور الله في قلب الإنسان إلا بتجديد تفسير لغة الغيب والأسماء الحسنى والصفات الإلهية الجمالية خارج أفق التراث المتراكم حول دلالاتها لدى المتكلمين، وتحريرها من أسر المعجم الكلامي،  وإيقاظ دلالاتها التي تكرس الإيمان، وإحياء رمزيتها، وإزاحة الحجب التي تراكمت على تلك الأسماء والصفات، والانتباه إليها بوصفها منبعًا لما يمنح الحياة معناها، ويوقظ فيها الإحساس العميق بحضور بالله في الوجود. عندها فقط يمكن أن نستنطق هذه الأسماء في سياقها القرآني، ونفهمها بوصفها منارات للهداية، وشفاءً للروح، ومصدرًا لبناء علاقة محبة بين الإنسان والله، تتجلى فيها الرحمة قبل العقاب، والسلام قبل التسلط، والصلة الحميمة قبل الرهبة.

إعادة تأويل لغة الغيب ليست رفاهية يمكن تأجيلها، بل ضرورة ملحّة، لأن الدين لا يُعاش بعمق إلا إذا تحدّث بلغة تخاطب مشاعر الإنسان، وتسكن إليها روحه، وتعبر عن آلامه، وتفهم معاناته، وتجيبه بإغاثة ظمئه الوجودي، لا بلغة موروثة غريبة عن متطلباته الروحية واحتياجاته الوجودية. يفقد الدين أثره حين يصبح مرآة تنعكس عليها الرؤية الكلامية، ولا يسعف الإنسان في غربته، ولا يضيء عتمة وجوده، ولا يمنحه سلام الباطن.

اللغة الكلامية، بما هي لغة مقولات اعتقادية، لا تتسع للمعنى الغيبي الذي ترمز إليه آيات القرآن، ولا تحتمل طاقة الإيحاء الكامنة في أسماء الله الحسنى وصفاته الجمالية والجلالية، ولا تفتح أفقًا للحياة الإيمانية الحيّة، والتعددية الدينية. لا تنتج هذه اللغة تدينًا ينبض بالسلام، بل تدينًا مسكونًا بالخوف، يفتقر إلى الدفء، وتشح فيه منابع الرحمة والمحبة والرفق والعفو والمغفرة والسلام الباطني، واحترام المختلف في المعتقد.

تجليات الأسماء الإلهية في لغة الغيب لا تنتهي للاعتقاد بأن مَن يعتقد بمقولات فرقة كلامية معينة هو الوكيل الوحيد لله، والناطق الحصري باسمه في الأرض، وأنه هو فقط من له الحق بامتلاك الحقيقة دون سواه، بل تمنحه تجليات الأسماء الإلهية في لغة الغيب رؤية فسيحة تسمح له بقبول تعددية المعتقَد واحترام الآخَر المختلف، بوصف الآخر مظهرًا وجوديًا لاسم من الأسماء الإلهية المتنوعة، فتكون التعددية في الأرض انعكاسًا لتعددية الأسماء في العالم الربوبي. الأسماء الإلهية مرآة تتجلى فيها الأنوار الإلهية بحسب استعداد القلب وصفاء الروح للتلقي. لأن لغة الغيب لغة رمزية رحبة، فإن الرؤية لله في سياقها تتنوع، وهكذا تتنوع الطرق إلى الله وتتعدد، كذلك تتنوع أنماط عبادة الله وتتعدد بحسب الأديان والمعتقدات. التعددية الدينية ليست نقيضًا لوحدانية الله، بل هي نتيجة لتعدد الطرق إليه، وتعدد تجلياته، وتنوع صوره في قلب الإنسان. حين تكون اللغة دالةً على الغيب، لا يمكن أن تنغلق على تأويل واحد، لذلك يختلف تلقيها، كما يتنوع تفسيرها، وتتعدد فيها طرق الصلة بالله، وتتنوع منازل الأرواح ومشاهدات القلوب. لا تعني التعددية الدينية تعدد الحقيقة، بل تعني تعدد الطرق إلى الحقيقة الواحدة، وتنوع طرائق تلقيها.كلُّ تجربة روحية صادقة مرآة ينعكس فيها شيء من اشراقات النور الإلهي، وكلما كانت تلك التجربة مشبعة بالمحبة والرحمة والرفق والعفو والسلام،كانت أسرع إلى شهود الأنوار الإلهية.

موضوعات الغيب في القرآن تشكّل ركنًا أساسيًا في الإيمان، إذ يفتتح القرآن وصف المتقين بقوله: “الذين يؤمنون بالغيب” (البقرة: 3). الغيب في القرآن ليس غيابًا عدميًا، بل هو شهود نوراني لعالم ما وراء المادة. يظهر في القرآن تقابل واضح بين عالم الغيب الغائب عن الحس، وعالم الشهادة المحسوس. تتصدر لغة الغيب كلمات: الله، والأسماء الحسنى، والصفات الجمالية والحلالية، والعرش والكرسي، واللوح المحفوظ. لا تتوفر لدي معطيات دقيقة حول المساحة التي تحتلها موضوعات الغيب ولغته في القرآن، غير أن بعض التقديرات تذهب إلى حضوره بحدود 30٪ من آياته، ويعد الغيب من أوسع المحاور التي تتناولها آياته. أحاول أن أشير إلى كثافة حضور الله، وأسمائه الحسنى، وصفاته، في سياق آيات الكتاب الكريم، ولا أتحدث عن موضوعات الغيب الأخرى في الكتاب مثل القيامة واليوم الآخر، بغية التدليل على أن محاولات تفسير هذه الآيات في ضوء الرؤية الكلامية تخرجها من سياقها، ولا تضيء دلالاتها، ولا تفتح أفقًا للإطلالة على ما تنشده من بناء الإيمان وتكريسه، وإثراء الحياة الروحية، خلافًا لما لو فسرناها في ضوء رؤيتنا لآيات الغيب في سياقها القرآني.

يتكرر لفظ الجلالة “الله” في القرآن الكريم 2699 مرة. إجمالي 2699 مرة يتضمن 114 مرة في البسملة، و2585 مرة في غير البسملة. أما إجمالي تكرار أسماء الله الحسنى فيبلغ أكثر من 1800 مرة تقريبًا، حسب اختلاف طرق العد الدقيقة والتكرار في السياق. الأسماء الجمالية في القرآن هي: الرحمن، الرحيم، الرؤوف، اللطيف، الحليم، الكريم، الأكرم، الغفور، الغفار، العفو، الشكور، التواب، البر، الودود، الوهاب، الجواد، الحفي، الجميل، الصبور، النافع، المجيد، القريب، المجيب، الولي، الهادي، النصير، الوكيل، الكفيل، الحافظ، الحسيب، الكافي، الرازق، الفتاح، الباسط، المعطي، البديع، النور، الواسع، الحي، القيوم.

أما الأسماء الجلالية فهي: الله، الأحد، الصمد، الإله، الملك، المالك، مالك يوم الدين، العزيز، الجبار، المتكبر، القهار، القادر، القدير، المقتدر، القوي، المتين، العظيم، العلي، الأعلى، الكبير، الظاهر، الباطن، الأول، الآخر، الحق، الحكم، الحسيب، الشهيد، الرقيب، الحفيظ، المقيت، القائم، المنتقم، سريع الحساب، ذو الطول، ذو الجلال والإكرام، الغني، المغني، المانع، القابض، المذل، العدل، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، المحيط، البصير، السميع، العليم، الخبير. “الله” هو الاسم الأعظم الجامع لسائر الأسماء الحسنى والصفات العليا، ولا يُطلق إلا على الحقّ جلّ شأنه، وهو الاسم الأصل الذي ترجع إليه بقية الأسماء والصفات. وقد ورد في القرآن الكريم 60 اسمًا من أسماء الله الحسنى بصيغة الاسم الصريح.

ما ورد في القرآن الكريم من الصفات هي 81 صفة إلهية صريحة، تنوعت صيغها بين الاسم، والفعل، والجملة الوصفية والخبرية، فعبرت عن ذات الله وصفاته بأشكال متعددة. وما ورد بصيغة الاسم المباشر، في آيات القرآن: الرحمن، الرحيم، الغفور، العفو، التواب، الحليم، اللطيف، الكريم، الودود، الشكور، البر، القريب، المجيب، السلام، الهادي، العليم، السميع، البصير، الخبير، العزيز، الحكيم، العدل، الحق، القدير، الوكيل، الرقيب، الشهيد، القوي، المتين، الغني، الرازق، الفتاح، الوهاب، الحسيب، الحميد، الوارث، البديع، الظاهر، الباطن، الأول، الآخر، الحي، القيوم، الله، ذو الجلال والإكرام… وغيرها، وقد بلغ عددها 60 صفة. ومن الصفات ما ورد بصيغة الفعل، أو الجملة الوصفية أو الخبرية، في القرآن، مثل: كتب على نفسه الرحمة، وسعت رحمته كل شيء، يغفر الذنوب جميعا، يعفو عن كثير، لا يعجل بالعقوبة، يحب المحسنين، يحب التوابين، يحب المتطهرين، يدعو إلى دار السلام، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، يعلم ما توسوس به النفس، يعلم السر وأخفى، غافر الذنب وقابل التوب، قريب مجيب، لطيف بعباده، رزّاق ذو القوة المتين، أرحم الراحمين، أحسن كل شيء خلقه، أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد…، وغير ذلك، وقد بلغ عدد هذه الصفات 21 صفة. مادام الله واحدًا في ذاته، متعددًا في تجلياته.

 

لغة الغيب في سياق مقولات الخلاص الكلامية

 د. عبد الجبار الرفاعي

تسيّدت الحياةَ الدينية في الإسلام، منذ العصور التي تلت عصر البعثة، لغةٌ مشبعة برؤية المتكلمين، وأحكامٌ تستمد مشروعيتها من الفقه المؤسَّس على تلك الرؤية. لذلك يحضر في الذهن، عند التفكير في أي واقعة أو موقف أو فعل، معجمٌ محكوم بمقولات كلامية، ومشحون بدلالات فقهية. حين يواجه المسلم حادثةً ما، أو يريد أن يتخذ موقفًا معينًا، يتبادر إلى ذهنه السؤال: هل هذا حلال أو حرام؟ من دون أن يفكر غالبًا في دلالات الموقف الأخلاقية، أو معطياته الروحية، أو آثاره الجمالية. هكذا يغيب البُعد الأخلاقي في التفكير الديني، ويُقصى البُعد الروحي، ولا يتذوق الإنسان تجليات الله في الوجود. وتختزل العلاقة بالدين إلى منظومة أوامر ونواهٍ، يُختبر فيها الفعل بمعيار الحِلّ والحرمة، لا بأثره في الضمير، أو أثره في بناء الحياة الروحية، أو مساهمته في الحياة الأخلاقية.

تتكرر مفردات هذا المعجم في اللغة الدينية المتداولة في التعليم الديني، وخطب الجمعة، والدروس الدينية، ومنابر المساجد، ووسائل الإعلام والتواصل التي تتحدث في قضايا دينية، حتى غدت لغة الغيب أسيرة لذلك المعجم، مغلقة في حدوده، لا دلالة لها خارج مداراته. ما إن يُذكر الغيب أو أي شأن ديني، حتى يتداعى إلى ذهن المتلقي قاموس مألوف، تشبّع فيه لاوعيه الفردي والجمعي. قلّما يتخطى المتكلم أو الكاتب في الدين هذا المعجم، كذلك تلبث المعاني التي تتبادر إلى وعي المتلقي رهينة للدلالات المشبع فيها ذهنه.

في الحياة اليومية، حين يتحدث المسلم عن مسألة دينية، فإنه يعيد إنتاج المفاهيم ذاتها التي صاغها المعجم الكلامي، ويتحدث بلغته، سواء في أقواله أو في كتاباته، إن لم يمده وعيه الظاهر، تستفيق في وعيه الباطن مفردات ذلك المعجم. وحتى عندما يكتب كاتب يتوخى التعبير عن تجربة إيمانية، أو تأمل روحي، أو قلق وجودي، فإنه غالبًا ما يعيد تدوير مفردات ذلك المعجم، ويستنطق مفاهيمه، ويتكلم بلسانه، من غير أن يتحرر من رؤيته، ولو كانت تجربته الإيمانية تستدعي لغة مغايرة، أكثر إنصاتًا لنداء القلب، وأشد قربًا من

أشواق الروح إلى الأنوار الإلهية، وأرحب انفتاحًا على مكاشفات المعنى.

عند تأمل اللغة المتداولة في الكتابات العربية حول الدين، نلحظ أنها مشبعة بمقولات المتكلمين، ومقيدة بتراث جدلي مشروط بسياقاته التاريخية، ما يجعلها محدودة الدلالة، وأقل قابلية للتعبير عن أعماق التجربة الإيمانية. هذا النمط من الاستعمال يفقر لغة الغيب من طاقتها الرمزية، ويضيّق أفقها في الكشف عما تنطوي عليه آيات الغيب من إشارات وإيحاءات تتجاوز ظاهر المعنى. اللغة التي تشكلت في أفق الرؤية الكلامية غالبًا ما تعيد إنتاج المفاهيم ذاتها، ولا ترى في آيات الغيب إلا ما تسمح به أدوات علم الكلام التقليدي، ويُستعمل المصطلح الديني في الغالب في سياق هذا الأفق، الذي يحجب إمكانات الإيحاء، ويقفل نوافذ التأمل، ويختزل الدين في معايير الجدل وتفصيلات الأحكام.

قلّما تُستمد معاني المفاهيم الدينية من قيم القرآن التي تنير القلب، أو يُنظر إلى الآيات الحاكية عن الغيب بوصفها إشارات إلى أعماق التجربة الروحية، لا مجرد موضوعات للجدل الكلامي. اللغة التي رسّخها المتكلمون، وإن كانت اجتهادًا بشريًا في قراءة النصوص، لكنها ترسّبت في الوعي الفردي والجمعي في الحياة الإسلامية، واستحوذت على الفضاء الديني، حتى غدت تفهم كما لو أنها هي الدين نفسه. بذلك تعطلت دلالات كثير من الآيات الحاكية عن الغيب، وتجمدت في قوالب تلك اللغة، وانحسرت منابع التأمل، وخفَت الشعور بمعنى يتجاوز ظاهر اللفظ، وتراجع الوعي بما يشكّل جوهر التجربة الدينية. وانحسر حضور أسماء الله الحسنى، بوصفها ترسم صورة جميلة لله مشبعة بالرحمة والمحبة والجمال واللطف والعفو والمغفرة والسلام، وتغيّب أثرها في بناء الوعي الروحي. وبدلًا من ذلك غلبت على أسمائه، في التصور العام، دلالات التسلط والعقوبة والعذاب، ولم يتجلَ كما تشير إليه أسماؤه في هذه المعاني، وما تمنحه من طمأنينة للقلب وسكينة للروح.

تحوّلت أسماء الله الحسنى من رموز يتجلى من خلالها الحضور الإلهي، وتضيء بها مسالك القلب، وتنفتح بها نوافذ الوعي الروحي، إلى مفاهيم مغلقة تُشرح بمنطق الجدل، وتضيق دلالاتها في حدود المحاججات الكلامية، فخبت إشراقتها، وتراجعت طاقتها الرمزية في إنعاش الروح، وتنوير الضمير، واستنهاض الإيمان الحي. وبدلًا من أن تُفهم هذه الأسماء بوصفها شواهد على الرحمة والجمال والمحبة والسلام، غلب عليها المعنى السلطوي، وانحسرت صورتها في ضمير المؤمن إلى هيئة قاضٍ يعاقب ويعذب، وغابت عن هذه الأسماء صورة الله بوصفه الملاذ الآمن للمحبين، والملجأ الحميم للمنكسرين، والنور الذي تتضمّد به جراحات القلوب. وعلى الرغم الحضور الكثيف لأسماء الله الحسنى وصفاته، وما يتصل بالغيب في آيات الكتاب الكريم، فإن اللغة الدينية المتداولة، المشبعة برؤية المتكلمين للغيب والقوالب المسبوكة فيها هذه الرؤية، تحجب دلالات هذه الأسماء، وتكفّ إشاراتها عن الإيحاء، وتغلق نوافذها الرمزية، فلا تعود تنبض بالمعنى، ولا تُلهم القلب، ولا تسقي التجربة الروحية. ويتراجع بشكل كبير بعدها التأويلي، ويتآكل أفقها في بناء الإيمان، وتفقد قابليتها على وصل الإنسان بربه، والانعتاق من غربته الوجودية.

مادام مضمون لغة الدين في الإسلام لا يتجاوز علم الكلام، فإن تعريف الدين ومفهومه وحدوده ووظيفته في الحياة، وأدوات تفسير القرآن والسُّنة، ودراسة وتدريس علوم الدين، ودراسة التراث وتفسيره، تظل حبيسة رؤية المتكلم، ولا تتسع لاستيعاب الدلالات العميقة في آيات الغيب وتجلياتها على القلب. اللغة التي يُعاد من خلالها إنتاج صورة الله في وعي المسلم وتترسب في لاوعيه لا تستلهم دلالات نور الله في القرآن، لذلك لا تخاطب القلب، ولا توقظ الإحساس، ولا تهتم بالتذوق، بل تكرّر معجمًا كلاميًا موروثًا، جرّد لغة الغيب من طاقتها الإيحائية، وأضعف أثرها في الحياة الباطنية للإنسان. هذا المعجم، الذي تكرسه المؤسسة الدينية، وتسوده مقولات الكلام التقليدي، ولا تخرج عن اطار فهمه المبسط أدبيات الإسلام السياسي، لا يفسح المجال لتأويل يتجاوز ظاهر اللفظ، ولا يسمح بفهم الدين بوصفه تجربة حيّة تستجيب لما يعانيه الإنسان من ظمأ وجودي، وتخفض غربته الميتافيزيقية، وتعيد إليه شيئًا من الطمأنينة، وتنقذه من القلق الوجودي، واضمحلال المعنى.

مقولات انحصار الخلاص بفرقة واحدة، كما صاغها علم الكلام التقليدي، ترسّبت في اللاوعي الفردي والجمعي، وأعادت تشكيل وعي المسلم بالدين، حتى غدت مرجعيةً ضمنية يُحتكم إليها في تفسير النصوص الدينية، وتأويل الغيب، وإنتاج الأحكام. تلك المقولات عطّلت تبلور التصورات التي لا تتناغم مع منطق “الفرقة الناجية”، وأعاقت القراءة الرمزية والتأويل الروحي للآيات التي تتحدث عن الغيب والمصير والنجاة. بفعل هذا الإرث الكلامي، تشكّل وعيٌ ديني يعجز عن الانفتاح على إمكانات التعدد الديني، ويختزل صور الله في صورة أحادية محتكرة، محجوبة في إطار فرقة واحدة، لا ترى في الدين معنى خارج ما تراه هي، ولا تعترف بالخلاص خارج حدودها. لكن حين تُفسر آيات الغيب في سياقها القرآني، وبعيدًا عن إسقاطات مقولات المتكلمين الانحصارية، تتبدى هذه الآيات مصدرًا حيويًا لإنتاج تصورات رحبة عن الله، تتسع لاحتضان تنوع التجارب الدينية، وتبعث رؤية تحرر الخلاص من الانحصار بالفرقة الناجية، وتعيده إلى رؤية رحمانية، تتسع فيها الرحمة لكل شيء، كما تنص على ذلك الآيات القرآنية. لغة الغيب، كما تجلت في القرآن، لا تنتج تصورًا واحدًا لله، بل تنفتح على تصورات متنوعة، تتلون بأفق المتلقي، وبيئه، ومختلف المعطيات السائدة فيها، وتتجلى بقدر ما يتأهل القلب لاستقبالها. كلُّ قراءة تتذوق هذا البُعد الرؤيوي في لغة الغيب، تكتشف أن النص القرآني نداءٌ للرحمة، ودعوة للاعتراف بإنسانية المختلف، وإقرارٌ بتنوع سبل الهداية إلى الله.

انسداد آفاق التعددية الدينية، واحتكار الخلاص بفرقة واحدة، يفضي إلى تعطيل مختلف أنماط التعددية في المجتمع. انسداد آفاق التعددية الدينية يساهم في تجفيف روافد التعددية السياسية، والثقافية، واحتكار المجال العام، ولا يثري التنوع والتعدد في المجتمع، ولا يبنني أرضية لتوالد حق المواطن في أن يكون مختلفًا. حين تتجذر مقولات الفرقة الناجية في وعي الجماعة، ينغلق مفهوم الحقيقة على تصور أحادي، ويجري استبعاد أية رؤية أو تفسير لا ينسجم مع معتقد الجماعة. التعددية في المجال العام لا يمكن أن تنمو في بيئة يتسلّط فيها فكر ديني إقصائي، يحتكر الحقيقة بفهمه، ويختزل النصوص الدينية في تأويل واحد، ويعجز عن الاعتراف بالمساواة الإنسانية مع المختلف في معتقده. احتكار الخلاص يؤسّس نظامًا لإنتاج المعنى يحتكر الحق في رؤية الجماعة وفهمها، ويمنحها احتكار تمثيل الإرادة الإلهية، وتكليفها ضمنيًا بمحاسبة المخالفين ومصادرة حريتهم. إن تفكيك بنية هذا الاحتكار يبدأ من إعادة تأويل آيات الغيب بوصفها نداءً للرحمة، وشهادة على تنوع سبل الهداية، وإقرارًا بتعدد وجوه الإيمان، وتجليات الحضور الإلهي. لذلك فإن تحرير لغة الغيب من أسر مقولات الخلاص الانحصاري، يُعد شرطًا لتوليد وعي جديد، ينفتح على رحابة الحياة، وكرامة الإنسان وحريته، وحقه في أن يكون ذاته، بلا وصاية، ولا قسر، ولا إكراه.

حين تنغلق اللغة الدينية على مقولات الخلاص الكلامية، يغيب البعد الوجودي في لغة الغيب، ويتلاشى الأفق الذي كانت تنفتح من خلاله لغة الغيب الإلهية على إشارات لا تُدرك بالعبارة، بل تتذوقها الروح، ويتدفق بها ضوء البصيرة. وحين يغلق النص على التفسير الحرفي، وتنحبس دلالاته في قوالب المتكلمين، ينحسر إشعاع لغة الغيب، ويتراجع أثرها في القلب، وتتعطل قابليتها على بث الحياة الروحية في أعماق الإنسان. الكلمات الإلهية لا تنكشف للروح وتتجلى للقلب إلا بمقدار ما تنفتح عليها بصيرة القارئ، ويتأهل لتذوق أنوارها القلب، وتتهيأ لتلقي اشراقاتها الروح.

ما لم تتحرر لغة الغيب من أسر المعجم الكلامي، وتعاد قراءتها بوصفها إشراقات تتكشف فيها الرحمة والمحبة والجمال والسلام، وتستنير بتجربة الإيمان الحي، سيبقى حضور الله باهتًا في وعي الإنسان، ويتحول الدين إلى سلسلة ممنوعات تصادر عليه شيئًا مما تتطلبه طبيعته البشرية من احتياجات، وتعجز عن أن تروي ظمأ قلبه، ولا تضيء ضميره، ولا تنقذه من غربته الوجودية. هناك حاجة ملحّة اليوم تتمثل في استعادة البُعد الرمزي للغة الغيب، وإحياء إشاراتها التي توقظ الشعور بحضور الله، وتبعث على التأمل، وتلهم الروح طمأنينة تستدعي شهود أنوار الله بوصفه الحبيب، والجميل، والرحمن الرحيم، والسلام، والملاذ الذي لا يخذل من لاذ به. الدين الذي لا يداوي جراح قلب الإنسان، وقلقه المرير، ولا يروي عطش المعنى، ولا يمنح الإنسان بصيص أمل في الغربة الموحشة للوجوده، يظل غريبًا عن مقاصد الوحي، وبعيدًا عن أهداف رسالة الأنبياء.

 

https://alsabaah.iq/117510-.html

اللغة بوصفها أفقًا لرؤية العالم

                                                                             د. عبد الجبار الرفاعي

اللغة ليست قوالب فارغة، ولا وعاءً محايدًا يُملأ بأي معنى، إنها طاقة خلاقة، ترسم خارطة الذهن، وتوجه مسارات التفكير، وتعيد تشكيل الوعي. ليست اللغة أداةً محايدة لنقل الأفكار، بل هي بوصلة الفهم، ومِرآة الإدراك، ومَعبر لرؤية الذات والعالم. تسهم اللغة في صوغ هويتنا، وتشكيل علاقتنا بالعالم، وتحديد موقعنا فيه.كلّ تحول في اللغة يواكبه تحوّل في التفكير، اللغة لا تنقل المعنى فحسب، بل تساهم في خلقه. إنها ليست ظلًا للواقع، وإنما شريك في تشييده، وتلوين ملامحه، وإنتاج صورته في أذهاننا. الرؤية التي تشكّلها اللغة ليست مغلقة أو نهائية، بل تتسع وتضيق تبعًا لتحولات الوعي، وتجدد المفاهيم، وتنوع الألسنة، وثراء الحياة الروحية والأخلاقية والمعرفية والعاطفية والجمالية. حدود اللغة حدود الفكر، الفكر لا يتخطّى ما لا تعبّر عنه اللغة. الواقع لا ينعكس تلقائيًا في اللغة، كما أن اللغة لا تنشأ من فراغ. العلاقة بينهما جدلية تفاعلية، كلٌّ منهما يُعيد إنتاج وتشكيل الآخر. تتغذى اللغة من التجربة، وتغذي الوعي، وتعيد رسم صورة العالم في ذهن الإنسان. ليست اللغة أداةً ثانوية نلجأ إليها بعد تبلور الفكرة، بل هي المعمل الذي يعمل على المساهمة بتشكيل المفاهيم والرؤى والأفكار، إنها مهد المعنى، ومسرح تشكّل الرؤية. ليست اللغة انعكاسًا خالصًا للعالم، بل هي شريك في صناعة رؤيتنا له.

تصوّراتنا عن الزمان والماضي والحاضر والمستقبل، والمكان، ومختلف المعطيات في الواقع المعيش وما نتطلع أن يكون عليه غدًا، ليست مرآة تعكس صورة محايدة عنها، بل هي مشروطة بلغة الدين والاسطورة والعلم والمعرفة والثقافة التي ننتمي إليها. مثلًا مفهوم الزمن الدائري يعكس رؤية للكون متكررة، تبدأ من حيث تنتهي، وتنتهي من حيث تبدأ. الزمن في بعض الثقافات القديمة لم يكن يُرى بوصفه خطًّا يمتد من ماضٍ إلى حاضر ثم مستقبل، بل كان يُتصوَّر دائرةً مغلقة، تعود فيها الأحداث وتتكرر في نسقٍ أبدي. في هذا الفهم، لا تتجه الحياة نحو غاية نهائية، بل تسلك مسارًا دائريًا، تبدأ من حيث انتهت، وتنتهي من حيث بدأت. ينبع هذا التصور من معاينة الطبيعة، فالفصول تتعاقب، والنهار يعقبه الليل، والموت يتبعه ميلاد، والكون كله يُرى بوصفه مسرحًا لدورات أبدية من التجدد والانبعاث. هذا التكرار المنتظم أوحى للإنسان القديم أن الزمن لا يتحرك إلى الأمام، بل يدور حول نفسه. لذلك تشكّل وعيه الزمني في إطار هذه الدورات، لا في أفق التقدم أو التطور. وكان للغة أثر عميق في انتاج هذا التصور الذي يرسم تفسير الحياة والمصير، حيث تُفهم الكوارث والخلاص، والموت والمصير، لا كمراحل منفصلة، بل كمحطات في دورة كونية كبرى، يتجلى فيها معنى الوجود بوصفه عودةً أبدية، لا سيرًا إلى مستقبل مغاير.

بينما يؤسس تصور الزمن الخطي في العصر الحديث لفهمٍ تطوّري للأحداث، ونظرة متسلسلة للتاريخ. إذ تشكَّل تصور الزمن الخطي في العصر الحديث بوصفه وعيًا جديدًا بالزمن، يرى الأحداث تتتابع في خط متصاعد لا يعود إلى نقطة البدء، بل يمضي إلى الأمام على نحو متواصل، ما أفضى إلى نشوء فهم تطوّري للتاريخ، يقوم على التراكم، والتقدم، والتحول المستمر. هذا التصور انبثق من تحوّل جذري في رؤية الإنسان للعالم، حين لم يعد الواقع يُقرأ من خلال الأسطورة أو الميتافيزيقا، بل من خلال العقل والعلم والتجربة. ولّد هذا التحوّل إحساسًا بأن الحياة قابلة للتغيير، وأن المستقبل ليس تكرارًا للماضي، بل أفقًا مفتوحًا للإنجاز. في هذا الفهم، لم يعد الزمن دورانًا يعيد إنتاج ذاته، بل صار مسارًا يُبنى بالتجربة، ويتشكّل بالوعي، ويتجه نحو غاية قابلة للتحقيق. وهكذا نشأ وعي حديث بالتاريخ بوصفه سيرةً للتقدم البشري، لا سلسلة من التكرارات، وصار الزمن الخطي خلفيةً لفكرة الإنسان الفاعل، القادر على تجاوز ما كان، وصناعة ما سيكون. هذا الاختلاف في تصور الزمان والماضي والحاضر والمستقبل، والمكان، ومختلف المعطيات في الواقع المعيش، وما نتطلع أن يكون عليه غدًا، ليس مجرّد اختلاف لغوي، بل هو اختلاف في الوعي بالذات، وتفسير الحياة، وتأويل المصير الإنساني.

مثلما تسهم اللغة في صياغة تصوراتنا عن الزمان والمكان، وما كان وما سيكون، فإنها تتجلى في الذكاء الاصطناعي بكيفية أخرى مغايرة لما مضى. هذا الذكاء لا يعيد تشكيل أدوات التعبير فحسب، بل يُعيد تكوين بنية الوعي، ويستولد أنماطًا جديدة من التفكير، ويغيّر شروط إنتاج اللغة والمعنى. لم تعد اللغة محصورة في التفاعل الإنساني المباشر، بل باتت تُنتَج في بيئة رقمية هجينة، تتداخل فيها النصوص والصور والرموز والإشارات، وتتدخل فيها الخوارزميات بوصفها وسيطًا جديدًا لصياغة المعنى. يفرض العصر الرقمي على اللغة إيقاعًا مختلفًا، يتناغم مع منطق السرعة، واختزال الزمن، وتكثيف التعبير، ويؤسس لوعي لغوي يتلاءم مع لحظة لم تعد تتسع فيها اللغة الغارقة بالفائض اللفظي، ولا تحتمل غزارة المرادفات والمحسنات البديعية. في هذا السياق، تُعاد صياغة لغة الإنسان على نحو مستمر، بنحو تتناغم مع منطق السرعة، وتكثيف المعنى، واختزال الزمن، وتواكب التحول العميق في أنماط الإدراك والتفكير والتواصل، وتحاكي متطلبات العيش في عالم لا يكفّ عن التبدل. وما دامت اللغة كائنًا حيًا يتفاعل مع الواقع، فإنها تغدو مرآةً لتجارب الإنسان في كل تحولاته، وعدسةً تتكشف من خلالها رؤيته المتجددة للعالم، بوصفها امتدادًا لوعيه، وتجسيدًا لصورته عن ذاته في أفق تكنولوجي جديد. في هذا السياق، تُعاد صياغة لغة الإنسان باستمرار، لتواكب الإيقاع المتغيّر للعالم، وتحاكي تحوّلاته العميقة. وفي ضوء هذا التفاعل المستمر بين اللغة والواقع، تغدو اللغة مرآةً تنعكس فيها التجارب الوجودية والروحية والأخلاقية والعاطفية والجمالية للإنسان، وعدسةً تتكشف من خلالها رؤيته للعالم، بما هي رؤية نابعة من صميم وعيه، ومجسدة لصورة ذاته في مرآة اللغة.

لم يَعُد اختزالُ اللغة بوصفها أداةً تواصليةً محضة مقبولًا في نظر جماعة من الفلاسفة، منذ أن أدركوا أن اللغة ليست مجرد قناة تمرّر المعاني، بل هي حقلٌ خلاق ينتج المعنى، ويعيد تشكيل الوعي، ويؤسس لرؤية الإنسان للعالم.كان الفيلسوف والشاعر واللاهوتي الألماني يوهان غوتفريد هردر (Johann Gottfried Herder)، “1744–803″، أول من نبّه إلى أن اللغة ليست أداةً محايدةً لنقل المعنى، بل هي أفقُ الرؤية.كلُّ أمة، كما يرى، تُبصر العالم بلغتها، وتنشأ رؤيتُها للعالم من داخل نسيج لغوي يعكس روحها، ويعبّر عن ذاكرتها وهويتها. في رسالته عن أصل اللغة سنة 1772، بيّن أن اللغة لا تعكس الواقع، بل تبتكر صورته، وتصوغ رؤية الإنسان للعالم، وتحدّد ما يمكن أن يُقال.

ثم جاء الفيلسوف، واللساني، والدبلوماسي الألماني، فيلهلم فون همبولت (Wilhelm von Humboldt)، “1767 – 1835″، فاستلهم من هردر هذا الوعي، ووسعه في إطار فلسفة لغوية شاملة، ذهب فيها إلى أن كل لغة تحمل رؤيةً خاصةً للعالم، مؤكدًا أن اللغة ليست مرآةً، بل عنصر مبدع للفكر، وقوة تكوّن الإنسان من داخله. اللغة في نظر همبولت ليست وسيلة لنقل الفكر فحسب، بل هي قوة خالقة للفكر ذاته، وأن الإنسان لا يُدرك العالم إلا من خلال اللغة التي يتكلمها، لأنها تصوغ رؤيته وتُنتج تجربته للوجود. همبولت من أوائل من وعى أن اللغة لا تعكس الفكر فقط، بل تصوغه وتنتجه، وأن الإنسان لا يُبصر العالم إلا من خلال اللغة التي يتكلمها، إذ ترسم كل لغة أفقًا خاصًا للوجود، وتخط خارطة الرؤية، وتكوّن الصورة الذهنية للعالم. لا تمثل اللغة عند همبولت أداةً محايدة تنقل ما سبق تكوينه في الذهن، بل هي الفضاء الذي تُصاغ فيه الأفكار ذاتها، والمجال الذي تتشكل فيه خبرة الإنسان بالواقع. ليست اللغة وعاءً جامدًا للفكر، بل هي كيانٌ حيّ، يتغذى من التجربة، ويعيد إنتاجها بصيغة رمزية تفتح الوعي على معنى العالم ومكان الإنسان فيه. ومن هنا، فإن اختلاف اللغات لا يعود إلى تنوع الكلمات أو القواعد فقط، بل إلى اختلاف الرؤى التي تُنتجها كل لغة للعالم.كل لغة تتضمن رؤية ضمنية للعالم، وتُنتج تصورًا خاصًا بها للوجود والإنسان والله. وهذا ما يجعل للغة وظيفة تكوينية لا مجرد تواصلية. يتكلم الإنسان بلغته، لكن لغته في الوقت نفسه تتكلم فيه، تشكله، وتبني صورته عن نفسه وعن محيطه.

هذه الرؤية تتردد أصداؤها في مقولات لاحقة لفلاسفة، مثل الفيلسوف النمساوي لودفيغ فيتغنشتاين (Ludwig Wittgenstein)، “1889 – 1951″، الذي شكّلت أعماله منعطفًا حاسمًا في فلسفة المعنى، إذ بدأت رؤيته من تصور منطقي صارم للغة في عمله المبكر “رسالة منطقية فلسفية”، حيث رأى أن اللغة تكتسب معناها من قابليتها لتصوير الواقع، وأن الجملة ذات المعنى هي التي تماثل حالة واقعية ممكنة. لكن هذه الرؤية تغيّرت بعمق في كتاباته المتأخرة، وخصوصًا في “تحقيقات فلسفية”، حيث تخلى عن فكرة المعنى بوصفه تطابقًا بين اللغة والعالم، وذهب إلى أن المعنى لا يسكن الكلمات بذاتها، بل ينبثق من طريقة استعمالها في الحياة اليومية. في هذا الإطار، صاغ عبارته الشهيرة: “حدود لغتي هي حدود عالمي”، مشيرًا إلى أن الإنسان لا يُدرك العالم إلا من خلال اللغة التي يفكر ويتكلم بها، وأن ما لا يمكن التعبير عنه بوضوح لا يمكن التفكير فيه أو تشكيل وعي حيّ به. المعنى لا يُفهم خارج سياق الاستعمال، ولا يستقر في الكلمات بوصفها رموزًا ثابتة، بل يُنتَج داخل ما سمّاه “ألعاب اللغة” (Sprachspiele)، أي الأنشطة المختلفة التي تُمارَس فيها اللغة، مثل الوعد، والسؤال، والاعتذار، والتعليم، والدعاء، وغيرها. كل “لعبة لغوية” تمثّل نظامًا خاصًا من المعاني، محكومًا بقواعد ضمنية يتشاركها المتكلمون. وهكذا، يتحوّل المعنى من كونه علاقة ثابتة بين الكلمة والشيء، إلى كونه فعلًا بشريًا حيًا، لا يُفهم إلا في ضوء الممارسة والسياق والتفاعل. وبذلك تتحول اللغة من أداة لنقل الفكر إلى أفق لتكوّن الفكر ذاته، ومجال تتشكل فيه رؤية الإنسان للعالم.

أما مارتن هايدغر (Martin Heidegger)، “1889 – 1976″، فقد أعاد التفكير في معنى الكينونة من منظور أنطولوجي جذري، إذ جعل فيه اللغة ليست أداةً للتعبير أو وسيلةً للتواصل فحسب، بل شرطًا أساسيًا لانكشاف الوجود وظهور المعنى. يرى هايدغر أن الفهم الإنساني لا يُختزل في نشاط ذهني مجرد أو عملية تمثيل معرفي داخلي، بل هو نمط من الوجود في العالم، حيث لا يكون الإنسان كائنًا مفصولًا عن العالم، بل مندمجًا فيه منذ البداية، في علاقة حية ومباشرة مع ما حوله. نحن لا نفهم العالم من خارجه، بل من داخل اندماجنا العملي به، بوصفنا كائنات منخرطة في شؤون الحياة، نتعامل مع الأدوات، وننشغل بالآخرين، ونتحرك ضمن أفق من التوقعات والغايات والماضي الشخصي. هذا الانخراط العملي هو ما يتيح للفهم أن يحدث بوصفه انكشافًا للوجود؛ فالكائنات لا تُفهم بوصفها موضوعات منفصلة، بل تتجلى لنا في ضوء علاقاتنا بها، وفي سياق استخدامنا لها، ومعانيها بالنسبة لنا. الفهم، بهذا المعنى، ليس تصورًا نظريًا لما هو موجود، بل هو طريقة في ظهور الموجود من داخل علاقة وجودية بين الإنسان والعالم. ما يجعل الفهم ممكنًا ليس قدرة الإنسان على التفكير الذهني فحسب، بل كونه كائنًا مهمومًا، منشغلًا بوجوده، قلقًا على مصيره، لا يعيش على هامش العالم بل في صلبه. الفهم عند هايدغر هو شكل من أشكال انكشاف الوجود، حيث ينكشف الوجود للكائن الإنساني بوصفه منفتحًا عليه ومشاركًا فيه، لا بوصفه مراقبًا خارجيًا. في هذا السياق، قال عبارته الشهيرة: “اللغة بيت الكينونة” (Die Sprache ist das Haus des Seins). لا تعني هذه العبارة أن اللغة تحيط بالكائنات أو تصفها وحسب، بل إن الإنسان لا يسكن العالم إلا باللغة، وأن الكلمة، في نظره، ليست مجرد إشارة لشيء خارجي، بل حدث وجودي يوقظ الكينونة، ويضيء المعنى، ويفتح أفقًا لفهم الذات والعالم. في تصور هايدغر، ما لا يُقال لا يُفهم، وما لا يظهر في اللغة يظل محجوبًا عن الحضور. ليست اللغة إضافة على الفكر، بل هي التي تمنحه إمكانية الظهور، وتُهيئ للكينونة أن تُقال. الإنسان لا يملك اللغة، بل تسكنه اللغة، ويقترب من الوجود بقدر ما تُنير له اللغة طريق الرؤية. وهكذا، تتحوّل اللغة إلى بيت يؤوي فيه الإنسان وجوده، ومجال تتجلى فيه الحقيقة، ومرآة ينعكس فيها المعنى. بهذه الرؤية، تتجاوز اللغة وظيفتها الأداتية إلى أن تغدو أفقًا للكينونة، ومجالًا لانكشاف الوجود، ومرآةً لتجليات المعنى، حيث لا يدرك الإنسان نفسه والعالم إلا بقدر ما تتجلى له اللغة بوصفها بيتًا للوجود.

وعمل أحد أبرز فلاسفة التأويل في القرن العشرين، وأقصد هانز غيورغ غادامير (Hans-Georg Gadamer) “1900–2002″، في عمله الأهم “الحقيقة والمنهج”، على إعادة بناء مفهوم الفهم، منتقدًا التصورات التي اختزلت المعرفة في قواعد علمية صارمة. إذ يرى غادامير أن الفهم لا يتم خارج التاريخ، بل هو دائمًا مشروط بتاريخية الوعي، بما ينطوي عليه من تحيزات ومسبقات تشكل أفق المتلقي وتوجّه تأويله. الفهم، بحسب غادامير، لا يحدث من خلال استنطاق المعنى بمعزل عن الذات، بل يتولد من تفاعل “أفق القارئ” مع “أفق النص”، وهذا التفاعل يولد ما يسميه “تلاقي الآفاق”، حيث ينبثق المعنى من الحوار بين الماضي والحاضر، بين النص والتجربة، بين اللغة والحياة. اللغة عند غادامير ليست أداة محايدة تنقل المعنى، بل هي الحقل الذي يتكشف فيه المعنى ويتجلى من خلاله الوجود. الإنسان لا يقف خارج اللغة، بل يسكنها، وكل فهم للواقع مشروط باللغة التي نتكلم بها. التأويل إذن لا يتم من موقع حيادي، بل هو انخراط كلي في حوار حيّ مع النص، ومع التقليد الذي ننتمي إليه. من هنا لا تكون الحقيقة شيئًا يُمتلك، بل شيئًا يتجلى في الحوار، بوصفه فعلًا وجوديًا لا معرفيًا فقط. تلتقي رؤية غادامير مع تصورات فيلهلم فون همبولت، الذي رأى أن كل لغة ترسم تصورًا خاصًا للعالم، وأن الإنسان لا يبصر الوجود إلا من داخل لغته، كما تتلاقى مع تأويلية أستاذه هايدغر في اعتبار اللغة بيت الكينونة، ومع فلسفة فيتغنشتاين المتأخرة التي تؤكد أن المعنى لا يوجد خارج الاستعمال، بل يُولد في ألعاب اللغة وسياقاتها. بهذه الرؤية، تتحول اللغة من أداة وصف إلى أفق للفهم، ويتحوّل التأويل من تقنية إلى حدث وجودي، يتخلق فيه المعنى في كل لحظة لقاء حيّ بين النص والقارئ.

تتردد أصداء هذه الرؤية أيضًا في أعمال لاحقة لفلاسفة مثل، الفيلسوف الفرنسي بول ريكور (Paul Ricoeur)، “1913 – 2005″، الذي يذهب إلى أن الرمز والاستعارة في اللغة ليسا زينة، بل أدوات توليد المعنى، مما يجعل اللغة مصدرًا للفكر لا مجرد ناقل له. ولدى عالم اللسانيات الأميركي، #بنيامين_لي_وورف (Benjamin Lee Whorf)، “1897 – 1941″، الذي يرى أن بنية اللغة تؤثر في بنية الفكر والإدراك، وهي صيغة حديثة لفكرة همبولت عن “رؤية العالم من خلال اللغة”. وكذلك نقرأ هذه الرؤية في مؤلفات فلاسفة لغة آخرين.

تلتقي هذه الرؤية للغة مع ما تنهض به فلسفة الدين التأويلية، في سعيها الدؤوب إلى تحرير لغة الدين من أسر المعجم التراثي، وتخليصها من القوالب التي عطلت رؤيا لغة الغيب، وتعطلت معها منابع الذوق والحدس والمشاهدة. لا تنظر فلسفة الدين إلى لغة الغيب بوصفها مجرد ناقل للحقيقة، بل ترى فيها أفقًا ييتشكل فيه المعنى، ومسارًا تتجلى فيه تجارب القلب، وتشفّ من خلالها تجليات الحضور الإلهي. في ضوء هذه الرؤية، لا تُختزل اللغة الدينية في الوظيفة التقريرية أو الإخبارية، بل تُبعث فيها الحياة الروحية بوصفها حقلًا من الرمز، ومجالًا للتعبير عن مكاشفات الروح، وتجليات الغيب، وتذوق نكهة المحبة في مقام الحضرة الإلهية، وتجليات الجمال الإلهي في الوجود. لا تعود اللغة سلطة تُلقِّن، بل تتحول إلى رؤية تُلهِم، وتوقظ القلب، وتفتح بصيرة المتلقي على عوالم تتجاوز حدود العبارة، وتتسع لما لا يُقال، وما لا يُختصر في المنطق الجدلي. بذلك تخرج اللغة من ضيق المعنى الحرفي إلى سعة التأويل، ومن التصور المغلق إلى الانفتاح على التجربة الروحية الحية، فتصير اللغة أفقًا يتخلّق فيه المعنى، لا حجابًا يحجبه، وتغدو علاقة الإنسان بالله علاقة إشراق نورانية، لا إملاءً وتلقينًا، ومجالًا لتذوق المحبة والرحمة والسلام والجمال.

 

https://alsabaah.iq/117144-.html

لغة الغيب غير لغة العلم

د. عبد الجبار الرفاعي

نتحدث عن لغة الدين الحاكية عن الحقائق الغيبية، وهي لغة تسعى لتصوير ما لا صورة له، وتعتمد على التلميح والإشارة والكناية والمجاز والتمثيل والتشبيه والترميز. هذه اللغة تختلف عن لغة العلم، فمهمة لغة العلم الكشف والتفسير والتوصيف والبيان بأوضح العبارات وأصرح الكلمات وأبسط التراكيب. لغة العلم تنأى عن التلميح والإشارة والمجاز والترميز، وتحرص على أن تبوح بمعانيها بجلاء، وتحذر من المواربة والغموض والالتباس، وتستبعد ما لا يصرّح بما يريد قوله. تسعى ألفاظها لأن تتطابق مع مفاهيمها، بما لا يفسح المجال لانصرافها إلى معنى بديل. لغة العلم تنشد التطابق، ما أمكن، بين الدال والمدلول، وبين اللفظ والمعنى. وهي لغة مباشرة في التعبير عن مراميها، واضحة في قوانينها ومعادلاتها وحساباتها. ولشدة وضوحها يوازي تصورها وفهمها التصديق بها، لأن موضوعاتها لا تفارق عالم المادة، كما هو الشأن في الفيزياء والكيمياء والأحياء وغيرها من العلوم الطبيعية.

أما لغة الدين التي تتحدث عن الغيب، فلا تشبه لغة العلم، لا في بنيتها ولا في وظيفتها. هذه اللغة لا تهدف إلى الكشف عن حقائق قابلة للاختبار أو المشاهدة أو الفحص التجريبي، بل تسعى إلى إيقاظ الحنين لما وراء العالم المحسوس، وتغذية التوق إلى الوجود المطلق، وتكثيف حضور المعنى في حياة الإنسان، وبث الرجاء في قلبه، وشحنه بطاقة روحية تضيء عتمة وجوده. لغة الغيب لا تفسِّر بل تتذوق، لا ترسم خرائط ولا تضع حدودًا، بل تلمّح وتوحي وتومئ. لا تستغرق في البراهين، بل تشرق لحظة صفاء روحي، حين تتسع آفاق البصيرة لإدراك شيء مما لا صورة له، وتتهيأ الروح لمشاهدة الأنوار. هذه اللغة لا تبوح بمعانيها لمن يقرأها بعين العقل المجرد فقط، بل تنفتح على من يسكنه شوق لا يخبو إلى معنى لا ينطفئ، وعلى من تجاوز ظاهر الألفاظ إلى ما وراءها. محاولة تسوية لغة الدين بلغة العلم، وقراءة الغيب بأدوات العلم ولغته، تفضي إلى تفريغ الدين من بعده الغيبي، وتجعل النص الديني نصًا تقريريًا فاقدًا لسحره وأفقه ورؤياه وثرائه الرمزي. الدين، في جوهره، تجربة وجودية عميقة، لا تشرحها المعادلات، ولا تختصرها القوانين، بل تسكن القلب، وتضيء الداخل، ويعيشها الإنسان في أفق البصيرة، لا بأدوات النظر كما يرى الأشياء المحسوسة.

مدلولات كل كلمة تتحدث عن الغيب تشي بحقائق مفارقة للمادة، خارج فضاء الحس، تنشد اتساع قدرة النسبي لاكتشاف آفاق المطلق، وتحاول ترجمة المحدود للامحدود، وتجلي الإلهي في البشري، وحضور الغيب اللامادي وانعكاسه في العالم المادي، وتجسيد اللامرئي في المرئي، واستيعاب اللامحسوس في المحسوس، ومحاولة تصوير ما لا صورة له، ورسم ملامحه كأبعاد الصور الحسية، واستكناه ما لا يكتنه، ورؤية ما لا يُرى، ومعرفة الحواس بما لا يمكن اكتشافه بالحواس. إنها رؤيا تتخطى مشاهدة العين البصرية، ومعرفة ذوقية عابرة للعقل وبراهينه ومحاججاته، وضرب من صلة أنطولوجية يتجلى فيها الغيب بشكل يستطيع معها أن يتذوقه مَن يؤمن به، إذ يتمكن مَن يؤمن عبر هذه اللغة أن يحقق شكلًا من أشكال الاتصال المباشر وشهود الغيب.

لا يتحقق شهود الغيب إلا إذا استطاعت اللغة أن توقظ الروح، وتتكلم بكلمات القلب، وتبعث في الإنسان بصيرته الباطنية. الغيب لا يشهد آفاقه من حبس نفسه في حدود الحواس وحدها، ولا يتذوقه من جف قلبه عن نور المعنى، واغترب عن ذاته، وغابت عنه دهشة الوجود. اللغة الحاكية عن الغيب ليست أداة توصيل بين إنسان وإنسان، بل وسيلة تواصل مع الله، وبوابة عبور، ونافذة إلى عوالم لا تفتح إلا لمن أعدّ نفسه للتذوق، وصاغ قلبه بوجد واشتياق لا يهدأ إلى الوجود المطلق. تكتسب اللغة الدينية، حين تحكي عن الغيب، وظيفة إنشائية إضافية، لا إخبارية فقط، فهي لا تكتفي بالإخبار، بل تنشئ صلة وجودية، وتعيد تشكيل وعي الإنسان بذاته، وتكشف له موقعه في الوجود، وتعيد ترتيب سلم الموجودات، وترسم إمكانات وحدود الموجود، وتعيد إنتاج معنى الحياة والموت والخلود. إنها لغة ترشد الإنسان إلى موقعه ومكانته بالنسبة إلى الوجود الحقّ، وتمنحه إشراقة نور، ونداء عميقًا يوقظه من سباته، ويستحثه على السفر الروحي إلى الله.

لغة الدين المختصة بالغيب تتكشف فيها مراتب أعمق من الوجود لا تتكشف للإنسان باللغة العادية، وتشير إلى معانٍ متعالية على الواقع المادي وحدوده الحسية الضيقة، ولا ييتحدث عن المعاني المحسوسة التي تختنق فيها اللغة. لغة الدين هي اللغة الوحيدة القادرة على التعبير عن حقائق العالم الأخرى اللامرئية، بنحو تعجز فيه كل أشكال اللغة الأخرى عن الإفصاح عنها. لا لغة كلغة الغيب تبوح بشيء من أسرار الوجود المطلق، وتتجلى فيها إشراقاته. لا تتحدث هذه اللغة عن الغيب بوصفه موضوعًا منفصلًا عن الذات، بل تكشفه كعلاقة حيّة تتجلى في القلب، وتتكشف في أعماق الروح. اللغة هنا ليست أداة خارجية، بل شيفرة للوجود ينفذ بها الإنسان إلى ما وراء الحس، وينصت عبرها إلى النداء الخفي للعالم اللامحسوس. وكلما تسامى الإنسان وارتقى من مضايق الحرف الجامد، وانفتح على الإيقاع الباطني لكلمة الغيب، تسرب إليه المعنى من حيث لا يدري، فاستحال النص مسارًا للعبور إلى ما لا يُحاط به، وأفقًا يتنفس فيه القلب دفء الطمأنينة. في لغة الغيب، لا معنى خارج ما تتذوقه، ولا دلالة بدون شعور باطني، ولا فهم بدون حضور وجداني. الغيب لا يُدرك بعقل خالص، بل بروح حيّة، ولهذا تظل لغة الغيب، في أعمق تجلياتها، نداءً لما هو أسمى من كل وصف، وإنصاتًا لمن هيأ قلبه لسماع الهمس الخفي في كلمات الله.

لا تنشد لغة الدين المختصة بالغيب التطابق بين الدال والمدلول، واللفظ والمعنى، لضيق الدال وقصوره، إذ يعجز اللفظ أن يتسع لما يختنق فيه فضاؤه، ويستوعب ما لا يمكنه تصويره كما هو، وتمثّل ما لا يمكنه تمثّله، ويفشل في نقل ما يضيق به ظرفه، واحتواء ما لا يتسع له وعاؤه. لغة الدين المختصة بالغيب يتنزل بها المعنى من نشأة أعلى إلى نشأة أدنى، لأن اللغة البشرية من شؤون العالم المادي، وليست من شؤون عوالم الغيب، وظرفها لا يتسع لمعاني تلك العوالم. إن السعة الوجودية للغيب يضيق بها كل ما ينتمي إلى العالم المادي، أي إن هذه اللغة لا يتجلى فيها المعنى إلا بكيفية تماثل حقيقتها البشرية، على نحو تنزّل على شاكلتها. ولأنها تنزل، فهي تلبس المعنى ثوبها، وتكسوه بألفاظ محدودة، وتجعل ما لا يُحدّ قابلًا للفهم بمقدار ما تسمح به أدوات الإنسان في هذا العالم. لا يمكن للغة أن تنقل المعنى الغيبي كما هو، بل تشير إليه بقدر ما تحتمله طبيعتها المادية، وقدرة الإنسان على التلقي. وما لم يتنبه القارئ إلى هذا الفرق الجوهري بين المعنى في ذاته، والمعنى كما يتجلى في اللغة، ينغلق عليه باب التأويل، ويحبس فهمه ظاهر النص، ولا ينتبه إلى ما يشير إليه الرمز أو المجاز. وما الرمز إلا قنطرة، يعبر منها من ألهمته رؤيته وأشرقت بصيرته، إذا تحرر من أسر الحرف، وتطهر قلبه من ظلمة التكرار، فغدا النص لديه كائنًا حيًا، ينبض بالمعنى، ويشع بالأنوار. ذلك هو ميدان التذوق لا الحفظ، ومجال الحضور لا الغياب. في هذا المقام، تصير اللغة مرآة لما وراءها، ومظهرًا لما خفي عن دلالاتها المتبادرة من كلماتها، وشاهدًا على أن الغيب لا يُدرَك بالكلام، بل يُشهد بالبصيرة.

 

https://alsabaah.iq/116562-.html