تحية للجيل الجديد

د. عبد الجبار الرفاعي

حللتُ ضيفًا في ندوةٍ على الجمعية الفلسفية المصرية، بدعوةٍ كريمة من سكرتير الجمعية الصديق حسن حنفي، مساء الأحد 16 يناير 2011، حضر الندوةَ نخبةٌ من أستاذات وأساتذة الفلسفة المعروفين. أدار هو الندوة، وعقّب عليها الصديقُ علي مبروك. قدّمتُ في الندوة ورقةً نقديةً لفكرِ حسن حنفي وفكرِ علي شريعتي، بعنوان: «اختزال الدين في الأيديولوجيا: نقد لاهوت التحرير عند حسن حنفي وعلي شريعتي»، وهي آخر ندوة تحدثتُ فيها قبل غيابٍ عن ندوات مصر 12 سنة. وعلى الرغم من دعواتٍ متنوعة تلقيتُها للمشاركة، إلا أني لم أشأ الحضورَ لأسباب متعددة، تعود لمزاجي الشخصي، الذي ينفر من المدن المفزعة بالضجيج، والمختنِقةِ بالتلوث وتكدّسِ طوابير المركبات في الشوارع. وللشعور بأن مصر لم تعد رائدة الفكر العربي، بعد تمركزِها على نفسها، وانتزاع المغرب الكبير ِهذه الريادةَ منها، بإنتاج مفكرين فرض فكرُهم قوةَ حضوره في المشهد الثقافي والأكاديمي العربي، أمثال: عبد الله العروي ومحمد عابد الجابري في المغرب، ومحمد أركون في الجزائر، وعبد المجيد الشرفي في تونس، وغيرهم. استطاع الفكرُ العربي مع هؤلاء المفكرين أن ينعطف نحو صيرورةٍ لم يعرفها من قبل، ويطلّ على آفاق جديدة، ويتوغل في حفريات البنية التحتية للتراث، إثر التوظيف الذكي للفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع الحديثة في دراسة التراث وقراءة النصوص، والنظر بعمق في الواقع. أضحت الكتابةُ تعلن مناهجَها بوضوح، وتحدّد أدواتها ومفاهيمها، وتتحدث عن مراميها بصراحة، بلا مرواغات وتلفيقات وتوفيقات متعسفة، تركب وتدمج وتخلط كلَّ شيء بكلِّ شيء.

يعود الفضلُ لناقدٍ وأديب من الجيل الجديد، بتشويقي للاطلاع على جديد الحياة الثقافية بمصر، ومواكبة الروح المتوثبة لجيله. الناقد هو الصديق قحطان الفرج الله، الذي يقوم متطوعًا بمهمة: “سفير الثقافة المصرية للعراق وسفير الثقافة العراقية لمصر”. يحرص قحطان على وضع كلِّ ما يأتي به من انتقاء خبيرٍ للإنتاج الفكري والأدبي المصري بين يديّ. أستعير مجموعةً وأطلع عليها، وأعيدها لأطلع على غيرها، لا أعرف أكثرَ أسماء الكتاب والمترجمين، ودور النشر الجديدة. في معرض القاهرة للكتاب، المنعقد في “24 يناير 2024 – 6 فبراير 2024″، أقنعني قحطان مشكورًا بعمل ندوةٍ لأول مرة في المعرض، أدهشني المعرضُ الذي رأيته أخصبَ كرنفالٍ ثقافي عربي، إن من حيث كثافة الفعاليات والندوات والمحاضرات، أو من حيث غزارة أعداد عنوانات الكتب المعروضة وتنوعها، أو من حيث أعداد دور النشر وبلدانها، أو أفواج الزائرين المكتظة بهم قاعاتُ عرض الكتب، والفعاليات الموازية. اقترحت إدارةُ المعرض لإدارة الندوة أستاذَ الفلسفة في جامعة طنطا الصديق أحمد سالم، وهو باحث جادّ، وخبيرٌ بمشاريع إصلاح وتجديد الفكر الديني في الإسلام. أسعدتني حيويةُ وتدفق وعي الجيل الجديد ممن امتلأت بهم القاعة، خاصة التلامذة الأندونيسيين في الأزهر، الذين حضروا بمعية السفير الأندونيسي بتونس، وتفاعلهم مع رؤيتي للتجديد، وتبنيهم لترجمة أعمالي للأندونيسية.

في الأسبوع الماضي تحدثتُ في “كرسي قنواتي” بمعهد الدراسات الشرقية للآباء الدومنيكان بالقاهرة عن: “الأديان والعلوم الإنسانية”، وهي سلسلة ندوات يقيمها هذا الكرسي، ويقدّمها متخصصون. الندوة تستغرق يومًا دراسيًا من الصباح إلى المساء، في إطار برنامج “شهادة الأديان والعلوم الإنسانية”. مكتبة المعهد أغنى مكتبة في القاهرة، تستوعب 300000 كتابًا. في المعهد جناحٌ مخصّص لزمالات بحثية لتلامذة الدكتوراه، وما بعد الدكتوراه، كلُّ من يظفر بهذه الزمالة، يتكفل المعهدُ سفرَه وإقامتَه المريحة لعدة أشهر، ويوفّر له ظروفًا ملائمة للمطالعة والبحث والكتابة، لا يريد المعهدُ من الباحث أيَّ شيء. يوم الجمعة 17-5-2024 قدمتُ ورقةً في جلستين: صباحية لمدة ثلاث ساعات، وبعد الظهر لمدة ساعتين، لإعادة بناء علم الكلام في ضوء رؤيتي لـ “الإنسانية الإيمانية”، وأعني بها: “مركزية الله في الوجود ومركزية الإنسان في الأرض في سياق مركزية الله في الوجود” على تفصيلٍ شرحتُه في الفصل الرابع: “الكرامة جوهر إنسانية الدين”، لكتاب: “الدين والكرامة الإنسانية”. الحضور من الجيل الجديد بمصر يناهز الخمسين، تلميذات وتلامذة دكتوراه بمختلف التخصصات في العلوم الإنسانية والأديان. أراهم يبعثون روحًا حيّة في الثقافة المصرية، لفتتني يقظتُهم العقلية، وحيويتُهم الخلّاقة، وأسئلتُهم ونقاشاتُهم الشجاعة. قلّما أطيق التحدثَ أكثر من ساعة، الفضاء الحيوي للدارسين أرغمني على مواصلة الكلام مدة طويلة، لا شك أنه أرهقني لاعتلال صحتي، غير أني كنتُ مبتهجًا لانتعاش الأمل بولادة جيلٍ جديد في أوطاننا، يمتلك شجاعةَ تحطيم الأحلام الرومانسية وأوهام أيديولوجياتنا نحن الآباء، والعبور إلى آفاق العصر، ووعي تحديات الواقع. وجدتُ نفسي أتعامل مع جيلٍ متوثب لديه قدراتٌ استثنائية للعبور وتمزيق الأوهام. لم ألجأ لكلماتٍ مبهمة أو عموميات في الندوة، كنت أسمي الأشياءَ بأسمائها، وكانوا يزدادون اهتمامًا وتفاعلًا وإنصاتًا، ولم أرَ من أحدٍ منهم استنكارًا أو احتجاجًا. قال لي أحدُ المستمعين في الاستراحة: “لأول مرة أستمع لمثل هذا الكلام، لو تحدث دعاة الأديان بهذه الأفكار لاكتست الأرضُ ثيابَ السلام الأبدي”.

منذ رفاعة رافع الطهطاوي “1801-1873” انفتحت مصرُ على الثقافة العالمية، بلا عقدٍ وارتياب وذعر، إثر ذلك الانفتاح احتلت مصرُ الريادةَ في الفكر العربي الحديث، وهيمن إنتاجُ المصلحين والمجددين من العلماء والمفكرين والأدباء والكتّاب على الفضاء العربي، وكانت المجلاتُ الثقافية والأدبية المصرية توزع في العواصم والمدن العربية في الشرق والغرب بآلاف النسخ، وحتى المجلات الصادرة خارج مصر مثل مجلة العربي وعالم الفكر وسلسلة المسرح العالمي الكويتية، وغيرها في دول أخرى، كان محرّروها وأغلبُ كتّابها مصريون. وتسيّدت الدراما والفنونُ السمعية والبصرية المصرية وسائلَ الإعلام المرئية والمسموعة في العالم العربي. وكثيرٌ من الجامعات العربية كان أبرزُ أساتذتها ومؤسسوها الأوائل من الأكاديميين المصريين.

في الخمسين سنة الأخيرة بدأ تمركزُ الثقافة المصرية على ذاتها، وانحسر بالتدريج ألقُها عربيًا، ونساها الجيلُ العربي الجديد، بعد نسيان هذه الثقافة لتواصلها الغزير لقرنٍ ونصف مع الثقافات والعلوم والمعارف والجامعات العالمية العريقة. تمركزُ الثقافة المصرية على ذاتها أنتجته عواملُ سياسية ودينية وثقافية واجتماعية واقتصادية ونفسية وجغرافية متنوعة. اعتزازُ الشخصية المصرية بالانتماء لأرض مصر وحضارتها العريقة، ولنهر النيل بوصف “مصر هبة النيل” كما قال المؤرخ الشهير الملقب بأبي التاريخ هيرودوت “484 ق.م – 420 ق.م”، كان ومازال ملهمًا للهوية الوطنية المصرية، ومصدرَ قوة يحمي وحدةَ الشعب المصري من التصدّع والانقسام، غير أن المغالاةَ في هذا الانتماء وتضخّمه وطغيانه ينتج أضدادَه، كما يحدث لكلِّ شيء يطغى ويتضخم خارجَ حدوده. تفاقمُ هذا التضخم بعد نكسة حزيران 1967 تعويضًا عن الهزيمة، كان أحدَ عوامل تمركز مصر وثقافتها على ذاتها وانغلاقها، وشعورها بالاستغناء عن الثقافات العالمية.

وكان أحدَ أعمق عوامل هذا التمركز أثرًا شدةُ سطوة التيار الأصولي، وتسيّدَ حضوره الثقافي والإعلامي عبر منابر الجمعة ووسائل الإعلام، وانتشار مطبوعاته بأسعار زهيدة، وشبكاته التنظيمية المتشعبة الواسعة الامتداد جماهيريًا، ومؤسساته المالية المعقدة، وروافدها المغذية في مجتمعات الخليج والسعودية منذ النصف الثاني من القرن العشرين. أطلق التيار الأصولي موجة صاخبة من الشعارات التعبوية، والكتابات والمطبوعات المتنوعة، تشدّد على ضرورة رفض الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع الحديثة، بوصفها “معارفَ جاهلية”، كما عبّر الأخوان قطب؛ سيد ومحمد، واشتهر عنوان: “جاهلية القرن العشرين”، وهو كتاب للأخ الثاني محمد قطب، بعد منتصف القرن الماضي.كما صدرت سلاسلُ متوالية من الكتابات التحريضية الرثة، تحذّر من كلِّ معرفةٍ وعلمٍ مستوردة من المختلِف في المعتقد، وتعاظم التفسيرُ التآمرِيّ لنشأة العلوم والمعارف الحديثة، ممن يعتقدون أن حضورَ هذه المعارف والعلوم في مدارسنا وجامعاتنا وثقافتنا أحدُ أدوات شباك الإمبريالية للهيمنة على العالم، وهذا الرأي تلتقي فيه كتاباتٌ يسارية وقومية وأصولية.

وجرى تغييبٌ جائر للكتابات العقلانية لأمثال: طه حسين، وأمين الخولي، وعلي عبد الرازق، وعبدالرحمن بدوي، ومحمود أمين العالم، وزكي نجيب محمود، وفؤاد زكريا، وعبد الغفار مكاوى، ومراد وهبة، ونصر حامد أبو زيد، ومئات من مفكري وأدباء ونقاد مصر العقلانيين. بعد تغوّل التيار الأصولي وقعت الفلسفةُ وعلوم الإنسان والمجتمع الحديثة ضحيةَ التخويف من تخريبها للدين والتراث وتهديم القيم، وعندما تفشى التخويفُ شعبويًا انكفئت مصرُ وتقوقعت على نفسها. رحل الكبار، ولم يعد الكتابُ المصري قادرًا على المنافسة في أسواق الكتاب العربية.

البشرى أن جيلَ العصر الرقمي في مصر وغيرها بدأ يحطم بالتدريج أسوارَ تمركز مصر وانغلاقها ثقافيًا على نفسها، وأصبح يرى الأنوارَ بلا حجب، ولم تعد لديه عقدُ النفور من المختلِف في الدين والثقافة. صار هذا الجيلُ يرى آفاقَ الدنيا، بلا أوهامِ الهوية المغلقة وأغلالِ المعتقدات المتشدّدة. تطبيقاتُ وسائل التواصل المتدفقة كشلالٍ تزوّده بجديد العلوم والمعارف وكلِّ شيء مبهِر، ولا تقوى على عنادها الهوياتُ مهما كان تصلّبُها.

الحضارة تختصرها شجاعةُ الذات بعبورِ ذاتها، وقدرتِها على الانفتاح والاستيعابِ النقدي للآخر. لا معرفةَ مكتفية بذاتها، لا ثقافةَ مكتفية بذاتها، لا حضارةَ حيّة مكتفية بذاتها. كلُّ حضارة حيّة مركب تنصهر فيها عصارةُ حضارات. الحضارة لا تزدهر إلا بولادة تفاعلٍ خلّاق للمعارف والعلوم والثقافات والخبرات الإنسانية العالمية المشتركة، تلتقي كلُّها بمركبٍ أكثف وأثرى لتنتج أثمنَ ما ابتكره وأنجزه الإنسانُ في تطوره الحضاري. موكب الحضارات عالميّ في الوقت الذي هو محلي، ومحليٌّ في الوقت الذي هو عالمي. التكنولوجيا، والعلوم الطبيعية والعلوم الصرفة كونية، الكونيُّ في العلوم الإنسانية أكبر بكثير من المحليّ، وإن كانت لا تخلو من بصمةِ ذات العالِم وثقافته وهويته. حين تنغلق الحضارةُ على نفسها تدخل مسارَ انحطاطها وموتها واندثارها[1].

 [1] الرفاعي، عبدالجبار، مفارقات وأضداد في توظيف الدين والتراث، ص 180، 2023، منشورات تكوين بالكويت، دار الرافدين ببيروت.

 

https://alsabaah.iq/97400-.html