مسارُ القلبِ غير مسارِ العقلِ التساؤلي التشكيكي الذي لا يهدأ. طريقُ القلب أقصرُ وأسهل وأجمل الطرق إلى الله، وأسرعُها حضورًا في ملكوته، طريقُ القلب يجعل الدينَ مُلهِمًا للمحبة والنور والفرح. ‏هذا طريقٌ يعرفه ذوو التجارب الروحية، وهو منبعُ طمأنينة القلب وسكينة الروح والسلام الذي يعيشونه في حياتهم.

الإيمانُ نورٌ يكشفُ للإنسان وجودَ الله ويوصله به، ويشكّلُ المنبعَ الأغزرَ لمعنى وجود الإنسان ولحياته ومصيره وأمله بالخلود، وهو حالةٌ يعيشها الإنسانُ وحقيقةٌ يتذوقها، هذه الحقيقة أمرٌ وجوديٌ، وهي تختلف عن التصور الذهني أو الشعور النفساني. الإيمانُ نورٌ ينعكس فيه تجلي الإلهي في البشري، وشهودُ البشري للإلهي، “وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ”. يقول خافيير زوبيري: “كلُّ وجود انساني هو تجربةٌ للألوهية… العقلُ يعجز لوحده عن الادراك المباشر لله، فلا يُتمثَل اللهُ عن طريق العقل وحده، لكن أيضا عن طريق التجربة”. “أقوى برهان على وجود الله هو إمكانُ تجربته وإدراك حضوره. الله معطى تجريبي، ومضمون محسوس للتجربة، وحالة روحانية”، حسب تعبير المتصوّف الهندوسي رادها كريشنان.

الإيمانُ ليس فكرةً نتأملها، أو معرفةً نتعلمها، أو معلومةً نتذكرها. الإيمانُ حالةٌ للروح نعيشها، وتجربةٌ للحقيقة نتذوقها، ثمرةُ الإيمانِ تُعرف بمقدار إثرائه للسلام الباطني. تبتهجُ للإنسانِ الأرضُ لحظةَ يبتهجُ قلبُ الإنسان بأنوار الإيمانِ. الإيمانُ يختزنُ كنوزَ الله في القلب، أجملُ وأرقّ لغة يتجلى فيها الإيمانُ هي لغةُ القلب. لغةُ القلب تتسعُ لحالاتٍ لا تتسعُ لها الكلماتُ، إنها أعذبُ لغة مشتركة بين كلِّ الناس في كلِّ زمان ومكان.

يحتاج الناسُ إلى من يتعلمون منه كيف يستمعون الى نداء قلوبهم. القلبُ هو الطريقُ إلى الله، مادام القلبُ يحتضنُ الإيمانَ فلا جدوى من تكرار محاججات المتكلمين غير المنتجة لطمأنينة القلب وسكينة الروح.كلُّ دليلٍ على الله لا يمكن أن يوصلنا إلى الله بالشكل الذي يوصلنا فيه القلبُ إلى الله، يعجز الدليلُ خارج القلب عن كشف الصلةِ الوجودية للخلق بالحق، ولا تنكشفُ في مثل هذا الدليل تجلياتُ جمال الله في الوجود، ولا يمكن أن تشرق بواسطته أنوارُه على القلوب.

ورد في دعاء عرفة المروي عن الإمام الحسين “ع”: “اِلهى تَرَدُّدى فِى الآثارِ يُوجِبُ بُعْدَ الْمَزارِ، فَاجْمَعْنى عَلَيْكَ بِخِدْمَة تُوصِلُنى اِلَيْكَ، كَيْفَ يُسْتَدَلُّ عَلَيْكَ بِما هُوَ فى وُجُودِهِ مُفْتَقِرٌ اِلَيْكَ، اَيَكُونُ لِغَيْرِكَ مِنَ الظُّهُورِ ما لَيْسَ لَكَ، حَتّى يَكُونَ هُوَ الْمُظْهِرَ لَكَ، مَتى غِبْتَ حَتّى تَحْتاجَ اِلى دَليل يَدُلُّ عَليْكَ، وَمَتى بَعُدْتَ حَتّى تَكُونَ الاْثارُ هِىَ الَّتى تُوصِلُ اِلَيْكَ”. مَنْ يحاول الاستدلالَ على الله بمخلوقاته، كمَنْ يحاول الاستدلالَ على النور خارج النور، النورُ يكشفُ عن نفسه، وينكشفُ فيه كلُّ شيء غيرَه. “اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ”، “أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ”. اللهُ هو الدليلُ على اللهِ، لا دليلَ أجلى منه عليه، ولا طريقَ أقرب منه إليه، هو القريبُ في بُعده، البعيدُ في قُربه. الكلُّ مدعوون للقاءِ الله، لا البُعد يُقصيهم، لا القُرب يُدنيهم. ما أكثف شذرة النفري وأغناها وهي تكشف للإنسان عن توهمه بوجود مسافة وبُعد مكاني يبعده عن الحقّ: “القُربُ الذي تعرفه مسافةٌ، والبُعد الذي تعرفه مسافةٌ، وأنا القريبُ البعيدُ بلا مسافة”. ويرسم جلال الدين الرومي صورة بهيجة لشهوده لله: “هو الذي توطّن مدينةَ القلب فأين أُسافر. هو الذي سكنَ حدقةَ العين فإلام أنظر”. أما عبد الحق بن سبعين فيوبخ الإنسانَ المستريب: “يا هَذَا، غُضّ بَصَرَ إدراكِكَ عن غيرِ اللهِ، ثم قُلْ لنفسِكَ: يا خَسِيسَةَ المنزلة، متى ثَبَتَ سِوَاهُ حَتَّى تستريبي فيه، وتَغُضِّي بَصَرَكِ عنه؟! هو الله! فلا هو إلا هو، ولا يمكن غيرُ ذلك”.

اللهُ هو الدليلُ على اللهِ، يُعرَف هذا الدليل على وجود الله ببرهان الصِّدِّيقين. أول مَنْ صاغ هذا البرهانَ ابنُ سينا، وهو من أطلق عليه هذه التسمية، وأعاد بيانَه فلاسفةٌ مسلمون، وفلاسفةٌ مسيحيون، مثل: توما الأكويني، وفلاسفةٌ يهود، مثل: موسى بن ميمون. وأخيرًا أعاد بيانَه بتصويرٍ جديد ملا صدرا الشيرازي، وواصل بيانَه ملا هادي السبزواري، ومحمد حسين الطباطبائي.

الإيمانُ كما يعيشُهُ ويتذوقُهُ أصحابُ التجارب الروحية المضيئة مسعىً أبدي لاستبصارِ تجلياتِ الحبِ والخير والجمال في كلماتِ الله التدوينية والتكوينية. الإيمانُ ظاهرةٌ تفشلُ وسائلُ الكشفِ العلمي المتاحة عن إدراك كنهها وتحليلِ جوهرها، وإن كانت تدرسُ آثارَها المتنوعة في حياة الفرد والمجتمع. الإيمانُ من جنس الحالات الوجودية، و”قوالب الألفاظ والكلمات لا تتسع لمعاني الحالات”، حسب تعبير محيي الدين بن عربي.

الإيمانُ تجربةٌ روحية، كلُّ تجربةٍ روحية هي تجربةٌ وجودية تفشل اللغةُ في التعبير عنها، وإن تحدثت عنها فإنها تخون دلالتَها في التوصيل والإيضاح، لأنها لا تستطيع أن تتحدث عنها إلا بكلمات وعبارات ضبابية مبهمة غامضة. الرموزُ أشدُّ دلالةً على الإيمان، وعلى كلّ تواصلٍ وجودي مع الله والغيب، بل إن الكلماتِ والعبارات عندما تتحدث عن الله أو الغيب تستعير دلالةَ الرموز، لأنها تشير إلى ما هو مجرّد عن المادة وآثارها، الغيبُ لا يتمكن الإنسانُ أن يتواصل معه بالمعاني الظاهرة للغة القاطنة في فضاء الزمان والمكان والحواس.

الطريقُ العقلي إلى الله لا جذوةَ فيه، ولا ينتج سكينةَ الروح وطمأنينةَ القلب. لا يتمسك فلاسفةٌ مشاهيرُ بطريق العقل، ويرون أنه يخذلنا ولن يوصلنا إلى الله، أمثال: إيمانويل كانت، وسورين كيركيگورد، وغيرُهما. ولا يعبأ عرفاءُ في مختلف الأديان بطريق العقل، أمثال: محيي الدين بن عربي، وجلال الدين الرومي، ومايستر إكهارت، وغيرُهم. يقول جلال الدين الرومي: “إن قدمَ أصحاب العقل والاستدلال قدمٌ خشبيةٌ مهزوزة غير ثابتة”. و”يروى أن الفخرَ الرازي مرَّ في الطريق وحوله أتباعه وتلامذته الكثيرون، فرأته عجوز مؤمنة في جانب الطريق فسألت: من هذا؟ فقالوا: هذا الفخر الرازي، الذي يعرف ألف دليل ودليل على وجود الله تعالى، فقالت: لو لم يكن عنده ألف شك وشك لما احتاج إلى ألف دليل ودليل، فلما سمع الفخر الرازي بذلك، قال: اللهم ايمانًا كإيمان العجائز”.

الإيمانُ حالةٌ روحية متسامية، الإيمانُ جوهرةٌ كيفية لا تخضع لقياسات كمية مادية، إنه شروعٌ في سفر وجودي للعروج نحو الحقّ. حينما لا يحيا الإنسانُ الدينَ كصلة حيّة متوثبة بالحق، بل يُقدّم للمرء بوصفه مقولات ومفاهيم وأفكارًا وشعارات، يجب أن يعتنقَها الكلُّ، ويحفظَها الكلُّ، ويتطابقَ فيها الكلُّ، فلن يرتوي القلبُ بالإيمان ولن يبتهج بلذة وصال الحق. يصير العقلُ مستودعًا يختزن مجموعةَ محفوظات، هي بمثابة مومياءات محنطة مفرّغة من أية شعلة روحية متوهجة. يكتب محيي الدين بن عربي: “إن الإيمان نور شعشعاني، ظهر عن صفة مطلقة لا تقبل التقييد، والمؤمنون فيه على قسمين: مؤمن عن نظر واستدلال وبرهان، فهذا لا يوثق بإيمانه، ولا يخالط نورُه بشاشةَ القلوب، فإن صاحبَه لا ينظر اليه إلا من خلف حجاب دليله، وما من دليل لأصحاب النظر إلا وهو معرّض للدخل فيه والقدح ولو بعد حين، فلا يمكن لصاحب البرهان أن يخالط الإيمان بشاشة قلبه، وهذا الحجاب بينه وبينه. والمؤمن الآخر الذي كان برهانُه عينَ حصول الإيمان في قلبه، لا أمر آخر، وهذا هو الإيمان الذي يخالط بشاشة القلوب، فلا يتصور في صاحبه شك، لأن الشكَ لا يجد محلًا يعمره فإن محله الدليل”.

الإيمانُ لايتحقّق بالنيابة، خلافاً للفهم والمعرفة، ففي عملية الفهم يمكن أن يتلقى الإنسانُ معارفَه من شخص آخر، أو يقلّد غيرَه في آرائه، الإيمانُ تجربةٌ تنبعثُ في روح الإنسان، إنه صيرورةٌ تنبعثُ بها الروحُ وتتوهجُ.

كما أن القلبَ هو الطريقُ إلى الله، هو أيضًا بوصلةُ بناء وترسيخ أثرى العلاقات الإنسانية في الحياة وأخصبها، وأغناها بالحميمية والتراحم،كعلاقات الأمهات والآباء بالأبناء، وكلِّ العلاقات الإنسانية في إطار العائلة الواحدة.كلُّ علاقة إنسانية أصيلة لا يمكن أن تنمو وتتغذّى وتتجذّر إلا بعواطف ومشاعر نبيلة تستقى من القلب.

يظنُ بعضُ الناس خطأ أن الإيمانَ يمكن أن يتحقق ويُعبّر عن حضوره الفاعل في حياة الإنسان بلا دين، وبلا أن يتجسدَ كسلوك. الإيمانُ في آثاره العملية هو الدينُ في أفقه الروحي والأخلاقي. الإيمانُ حالةٌ وجودية كالفرح والمحبة، وليس صورةً ذهنية مجردة،كلُّ حالة وجودية لها آثار على شاكلتها، الفرح مثلًا تظهر آثارُه في مشاعر الإنسان، وتنعكسُ آثارُه على وجهه وتعبيرات جسده. تاريخُ الأديان لا يخبرنا بوجود إيمان يمكن أن يتحقّقَ في روح الإنسان من دون أن تنعكس آثارُه في حياته، وفي الواقع الذي يعيشُ فيه. الإيمانُ يتخذُ شكلًا من أشكال الحياة الروحية والأخلاقية، وهذا النوع من الحياة الروحية والأخلاقية هو ما نعنيه بالدين.

ليس بالضرورة أن يكون هذا الدينُ نسخةً لأحد الأديان المعروفة، إذ يمكن أن يتخذ الإنسانُ لنفسه دينَه الخاص، لكن هذا الدين الخاص يعجزُ عن الإفلات كليًا من البنية اللاشعوريّة لدين أهله، ولا تختفي نهائيًا آثارُ ذلك الدين المترسبة في أعماقه. يظل الدينُ الذي ورثه من أهله ومجتمعه وبيئته المولود فيها يعبّر عن نفسه في لغته وثقافته وعاداته وعلاقاته الاجتماعية، وأوضح تعبيراته تتجلى في الوفاء للقيم الإنسانية السامية في ذلك الدين. حتى في كتابات مفكرين أعلنوا إلحادَهم لا تختفي آثارُ دين الولادة والنشأة الأولى الكامنة في أعماقهم، ويمكن للخبير أن يقرأ ما تحجبه كلماتُهم ويتوارى في نصوصهم من إشارات لما هو غاطس من الدين.

لا يمكن أن يظل الإيمانُ حالةً خاملة أو كسولةً أو مضمرةً لا أثر لها في حياة الإنسان، الإيمانُ يكرّسُ الحياةَ الروحية والأخلاقية، الإيمانُ يتجسدُ في مواقف إنسانية نبيلة. الإيمانُ تتسامى فيه شخصيةُ الإنسان فيتخذ شكلَ تديّن رحماني وأخلاقي.كلُّ إيمان يكشف عن حضوره العملي في تديِّن الإنسان،كلُّ إيمان يتحقق في تديّن، وإن لم يكن كلُّ تديّن مرآةً ينعكس فيها الإيمانُ الأصيل، ‏التديّنُ الشكلي والشعبوي يضمحلُ فيه الإيمانُ المُلهم لأعذب معاني الحياة.

كي تظل جذوةُ الإيمان متوهجةً، ويواصل الدينُ حضورَه وفاعليته وتأثيره في الحياة يحتاجُ إلى وقود، العبادةُ هي الوقود. الدينُ كالمصباح الذي لا يضيء إلا عند اتصاله بمصدر الطاقة، في أية لحظة يتوقف وصولُ الطاقة ينطفيء ضوءُ المصباح. إنه كأصناف النباتات التي لاتعيش إلا إن كانت أرضُها مشبعةً بالماء. الدينُ كائنٌ حيٌّ يحتاج إلى ما يغذّيه، وإلى ما يوقظ نبضَ الحياة فيه على الدوام، إنه لا يستمدّ حضورَه وفاعليته وتأثيره إلا بالعبادة. في لقاءِ الله تُبهِجُ الأرواحَ المتعبَةَ السكينةُ، والقلوبَ المضطربةَ الطمأنينةُ، “فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ”.

العبادةُ مكونٌ أساسي في ماهية كلِّ دين، حيثما كان الدينُ كانت العبادةُ والطقسُ، لأن الدينَ يعبّر عن الحاجة للصلة بموجود لا متناهٍ في وجوده وقدرته وعلمه وكلِّ شيء. ‏العبادةُ هي التعبيرُ الحي عن هذه الصلة. الصلةُ الوجودية مالم تظل متدفقةً دائمةَ الفيض، فإنها تتبدّد وتتلاشى، ومالم تظل مضيئةً باستمرار، فإنها لو انطفأت تصاب روحُ الإنسان بالوهن والعجز، ومالم تظل منهمرة، فإنها لن تبلغ غايتها فتروي الظمأ الوجودي.

العبادةُ الحقيقية تُثري رؤيةَ الدينِ للعالَم، ففي الإسلام تُثري الصلاةُ الصادقة رؤيةَ المسلم للعالَم، وتُلهمها بمعناها الروحي والأخلاقي، وتجعل من هذا المعنى أفقًا تتشكّل في ضوئه حياةُ الإنسان الخاصة وعلاقاتُه الاجتماعية المتنوعة. وحسب تعبير علي عزت بيغوفيتش: “ليست الصلاةُ مجرّد تعبير عن موقف الإسلام من العالَم، إنما هي أيضًا انعكاسٌ للطريقة التي يريد الإسلامُ بها تنظيمَ هذا العالَم”.

الإيمانُ كائنٌ حيّ يقظٌ فوّار، وهو أمرٌ وجودي، لا يتحقّق ويزدهر من دون روافد يستقي منها وجودَه، وتتجدّد بها حياتُه. إنه جذوةٌ مشتعلة، وهذه الجذوةُ بلا صلاة وطقوس تظلّ تذوي شيئاً فشيئاً حتى تنطفئ. مالم تتكرّر الطقوسُ والصلاةُ في سياق تقليدٍ عباديٍّ مرسومٍ، يذبل الإيمانُ ويذوي حتى يصير حطاماً. الإيمانُ بمثابة حديقة الأزهار، مالم نواظب على سقيها تذبل وتموت وتندثر. الصلاةُ والطقوسُ كأنها ينابيعُ مياه عذبة صافية تسقي حديقةَ الإيمان، لولاها لاندثر وأصبح هشيماً تذروه الرياح.

اهتمَ كلُّ دين معروف اهتمامًا واضحًا بالعبادة، وحرصت كلُّ الأديان على رسم تفاصيلها بجلاء، وحذّرت مَنْ يتبع الدينَ من أدائها كيفما يشاء خارج رسمَها المحدّد، لأنه يهدرُ وظيفتَها ويمسخُ هويتَها. القولُ بأن لكلِّ شخص عبادته وصلاته الخاصة كلامٌ غريبٌ على منطق الأديان، وما ترمي إليه العبادةُ فيها، وأغربُ منه محاولات بعض الناس ترقيع والتقاط عناصر متضاربة من أديان مختلفة في عباداتها وطقوسها وشعائرها، وخلطها ببعضها ولصقها بصورة متناشزة مشوّهة، وممارستها بشكل يمحقُ الدينَ، وينتحلُ حالةً زائفة للإيمان.

إن تاريخ الأديان الطويل ينبؤنا بأن العبادات تشكِّل رافدًا يغذي الصلة الوجودية الحيّة بالوجود المطلق، الذي يتجلى في كلِّ دين على شاكلة شريعة أتباعه. وأن ما تتميز به العباداتُ يكمن في اشتراك ماهيتها وصورتها بين أتباع الدين الواحد. ولم يصادف أن نجد دينًا أتاح لمعتنقيه أن يختاروا عباداتهم خاج اطار شريعتهم، أو يلتقطون عناصرها من أديان متنوعة كيفما يشاؤون.

في ضوء هذا المفهوم للعبادة في الأديان، نجد الهندوسي يؤدي طقسَه وعبادتَه الخاصة في معبده، وفي المسيحية يؤدي المسيحي قدّاسَه في كنيسته، وفي الإسلام يؤدي المسلمُ صلاتَه في مسجده.كيفيةُ القداس الذي يؤديه المسيحي في الكنيسة، تختلفُ عن كيفيةِ طقس الهندوسي في معبده، وتختلفُ عن كيفيةِ صلاة المسلم في مسجده، وهكذا الحالُ في الأديان الأخرى.

لا ننكر التشابه في بعض عناصر العبادات والطقوس والشعائر في الأديان، الذي يعبر عن مشتركات الأديان والثقافات في المجتمعات المختلفة، إلا اننا لم نجد تطابقًا وتماثلًا كليًا بينها، لكلٍّ عبادة بصمتها الخاصة ولونها الذي يعكس صورةَ الديانة المشتقة منها. لكلِّ إنسان حياته الروحية، روحُ الإنسان تتغذّى من العبادات المشتركة في ديانته. صلاةُ الحلاج والبسطامي والنفري وابن عربي وجلال الدين الرومي ومحمد حسين الطباطبائي، وغيرهم من العرفاء، هي صلاةُ الإسلام ذاتها، غير أنهم تهذبوا وتسامت أروحهم بنور الله، وابتهجوا بمحبّته.

الحياةُ الروحية تتحقّق في سياق شريعة محدّدة، الحياةُ الروحية تتطلب أن تستقي على الدوام من العبادة الخاصة بهذه الشريعة، بوصفها من سنخها وترتسم فيها صورةُ الديانة، وينعكس فيها شيءٌ من عناصر البنى اللاشعورية للديانة الراسخة في باطن الإنسان. فلو ركّبَ الإنسانُ على ديانته تقليدًا عباديًا مستعارًا من ديانة أخرى،كما لو أن مسلمًا كان يمارس تقليدًا طقوسيًا هندوسيًا أو العكس، سيفضي ذلك إلى التناشز بين طقس ترتسم فيه صورةُ ديانة غير ديانته، والحياة الروحية في أفق ديانته. لكلِّ ديانة طقسٌ خاص من جنسها، بمعنى أنه مشتقٌّ من طبيعة البنى اللاشعورية للديانة الراسخة في باطن الإنسان، وكيفية رؤيتها للعالَم، وبصمة الحياة الروحية فيها.

الحياةُ الروحية للأديان في مختلف المجتمعات تُدلّل على ذلك، ففي المجتمعات الغربية التي يُمنَح الأشخاصُ فيها حريةً دينيةً واسعة، لا تسودها ظواهر، مثل: مسلم يصلي في معبد هندوسي، أو هندوسي يؤدي طقسَه في المسجد. وقلّما نعثر على أشخاص يتخبطون في تجريب الأديان وطقوسها، بغيةَ إرواء ظمئهم الأنطولوجي، وعادةً ما يعيش مثل هؤلاء ضياعًا وتمزقًا وقلقًا واضطرابًا، ذلك أنهم كشارب ماء البحر، كلّما شرب منه اشتدّ ظمؤه.

يُشاع أن العرفاء يبلغون مقامًا في سلوكهم الروحي يهجرون فيه العبادةَ، وهذا غير صحيح، لأن ذوي البصائر من العرفاء يشددون على أن: الشريعةَ توصل إلى الطريقة، إلا أن الشريعةَ لا تتعطّل عند بلوغ الطريقة، وأن الطريقةَ توصل إلى الحقيقة، إلا أن الشريعة لا تتعطّل عند بلوغ الحقيقة. لا طريقةَ بلا شريعة، لا حقيقةَ بلا طريقة. الشريعةُ غطاءُ الطريقة، الطريقةُ غطاءُ الحقيقة. هذا ما فسّروا فيه ما هو منسوب للنبي الكريم “ص”: “الشريعةُ أقوالي، والطريقةُ أفعالي، والحقيقةُ أحوالي”. “الشريعةُ أمرٌ بالتزام العبودية، والحقيقةُ مشاهدةُ الربوبية، وكلُّ شريعةٍ غيرُ مؤيدة بالحقيقة فأمرها غير مقبول، وكلُّ حقيقةٍ غيرُ مقيدةٍ بالشريعة فأمرها غير محصول. والشريعةُ جاءت بتكليف من الخالق، والحقيقةُ إنباءٌ عن تصريف الحق. فالشريعةُ أن تعبده، والحقيقةُ أن تشهده. والشريعةُ قيام بما أمر، والحقيقةُ شهود لما قضى وقدّر، وأخفى وأظهر”. حسب تفسير أبو القاسم القشيري. ويقول أحمد زروق: “الشريعةُ أن تعبده، والطريقةُ أن تقصده، والحقيقةُ أن تشهده. أو تقول: الشريعةُ لإصلاح الظواهر، والطريقةُ لإصلاح الضمائر، والحقيقةُ لإصلاح السرائر”.

سألني أحدُ تلامذتي:كيفَ يمكنني أن أكونَ معلّمًا للأخلاق والمحبّة؟

قلت له: لا تكون معلّمًا للأخلاق والمحبّة إلا أن تكون صادقًا مع نفسك أولًا، صادقًا مع الناس ثانيًا، وصادقًا مع الله ثالثًا. الحُبّ يبدأ بحُبّ الذات أولًا، ثم حُبّ الناس ثانيًا، ليصل إلى حُبّ الله ثالثًا. مَنْ لا يحُبّ ذاتَه لا يحُبّ الناس، ومَنْ لا يحُبّ الناسَ لا يحُبّ الله. الحُبّ هو إسعادُ الناس، الطريقُ إلى الله يمرُّ عبر الناس، مالم يكرّس الإنسانُ جهودَه من أجل سعادةِ الناس، والعملِ على أن تكون حياتُهم أجمل، وعيشُهم أسهل، لن يصل إلى الله. إسعاد الناس أقصر الطرق إلى الله. الحُبُّ عطاء، إسعاد الناس لا يتحقّق إلا بالعطاء، العطاء بمعناه الأشمل، سواء أكان ماديًا أو معنويًا، بحسب ما يحتاجه مَنْ يستحق العطاء. مَنْ يحتاج خبزًا ودواءً وإغاثةً يُعطى الخبز والدواء والاغاثة. مَنْ يحتاج المعنى يُعطى المعنى، إشباعُ حاجة الإنسان للمعنى تنقذه من الشعور المرير باللاجدوى والضياع والقلق والكآبة.

كلُّ إنسان هو أثرُه، الأثرُ النبيل لا يُمحى وإن أصرّ الكلُّ على محوه. العطاءُ يُحدِث أثرًا مضاعفًا، فهو في الوقت الذي يُسعِد مَنْ يُعطَى يُسعِد المُعطي أيضًا، وربما يكون إسعاده للإنسان المُعطي أكثر من إسعاده لمَنْ يُعطيه. أخلاقية الإنفاق والعطاء تظهر ثمرتُها المباشرة في تسامي الإنسان، وإثراء حياته بالسلام الداخلي، وشعوره الدائم بالسعادة، “مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ، الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ”. الآيةُ تؤكدُ على نفي الخوف والحزن، والسعادةُ في أبسط معانيها تعني نفيَ الخوف والحزن. الخوفُ والحزنُ سجنٌ مظلمٌ يُنهِك القلبَ. مَنْ يستبدُ به الخوفُ والحزنُ يموتُ قبلَ موته.

بعضُ البخلاء يعوّضون عجزَهم عن الإنفاق والعطاء المادي والمعنوي بالغرق في صلوات وعبادات خارجَ الفرائض، ودعاء وذكر. الصلواتُ والعبادات والدعاء والذكر تهدفُ إلى تنمية وترسيخ أخلاقية الإنفاق والعطاء، إلى أن تصيرَ هذه الأخلاقيةُ حالةً يتصف بها الإنسانُ، وسلوكًا ينعكس على مواقفه وعلاقاته الاجتماعية المتنوعة، “لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ”.

تعرّفت على أغنياء بخلاء لا هدفَ لهم في الحياة إلا تكديس المال ومراكمته، أشحةً على أنفسهم وأهليهم والناس، تنمو أموالُهم في البنوك أرقامًا صامتة، وأسهم وسندات وأوراقًا مالية مكدسة. لا ينتفعون من الأموال في حياتهم، يصرعهم الموت بغتةً، وهم غارقون في سكرة فائض الثروة. فجأة يختفي كلُّ شيء، لا بصمةَ تُخلِّد الذكرَ في الدنيا، لا نورَ يضيء الآخرة.

مَنْ يعجزُ عن حُبّ ذاته يعجزُ عن حُبّ غيره مهما كان، سواء أكان بشرًا أو إلهًا. في القرآن الكريم إشارةٌ واضحة إلى أن اللهَ يبدأ بحُبّ الإنسان ليحُبّه الإنسان: “يُحبّهُمْ وَيُحبّونَهُ”. يقول محيي الدين بن عربي: “إن الله هو الذي بدأنا بالمحبة تفضلًا منه فخلقنا، هو لا يخلق إلا ما أحب، ومِن حُبِّه لنا: بعثَ الرسل إلينا، لتعلِّمنا الأعمال التي تؤدي إلى سعادتنا، ثم أخبرنا أن رحمته سبقتْ غضبه، وأن أشقى الأشقياء مشمول بالرحمة والعناية وإلا هلك”.                                                                    شاقٌّ جدًا أن يكون الإنسانُ معلّمًا للأخلاق والمحبّة، بل يتعذّرُ على الناس المصابين بأمراض نفسية ذلك، وإلا لأصبح كلُّ الناس معلّمين للأخلاق والمحبّة. الأخلاقُ والمحبّةُ يتمناها الناسُ جميعًا، إلا أن مُعظمَهم لا تطاوعه نفسُه للظفر بذلك، ويشقُّ عليه قهرُ نفسِه لتتجرّع ما يؤذيها. النفسُ تستفزُّها نجاحاتُ الآخرين، وتثيرُها منجزاتُهم، وتنفرُ من تفوقهم، وتؤذيها سعادتُهم. الأخلاقُ تحثّ على الاحتفاء بنجاحات الآخرين، الحُبُّ يهب الإنسانَ السعادة بكلِّ ما يُسعِد الآخرين. هنا يقعُ التناقضُ بين ما يرغبُ فيه الإنسانُ ويتمناه، وما تنفر نفسُه منه، وما تفرضه عليه طبيعتُه بوصفها ملتقى الأضداد.

ترويضُ الطبيعة الإنسانية بالتربية الروحية والأخلاقية والجمالية يكفلُ احتواءَ هذا التناقض إلى حدٍّ كبير، عندما يخفض من فاعلية عناصر الشرّ، ويغذّي ويكرّس عناصرَ الخير في هذه الطبيعة. التربيةُ عمليةٌ ديناميكية وليست ميكانيكية. إنها كالمعادلات الكيمياوية التي تختلفُ نتائجها تبعًا لاختلاف كيفيات وكميات عناصرها، فقد تكون ثمرتُها الاستعباد، كما هو نمط تربية أكثر المؤسسات في مجتمعنا الوارثة لتقاليد الاستبداد وثقافته، وقد تكون ثمرتُها الحرية، وهذه قليلًا ما نعثر عليها في مجتمعنا. التربيةُ إن كانت ترتكز على معطيات العلوم والمعارف الانسانية، والقيمِ الأخلاقية والروحية والجمالية، فإنها تكون تربيةً خلّاقة، تثري الرأسمالَ البشري الذي هو أثمن رأسمال في العالم. وحين تغيب في التربية القيمُ والمعايير والاستراتيجيات والأساليب العلمية، وتجهل روحَ عصرها، فإنها تصير كجرعة السمّ التي تقوّض الحياةَ العقلية، وتمرض الحياةَ الروحية، وتطفئ الضميرَ الأخلاقي، وتفسد الذائقةَ الجمالية.

أحيانًا لا يعجز الإنسانُ عن الحُبّ فقط، بل يعجز عن الخلاص من كراهية الناس والحقد عليهم. تجده يتعذّب بكُرْه كلِّ الناس، ولو فرضنا أنه في يوم ما لم يجد مَنْ يكرهه فإنه يعود إلى نفسه ليكرهها. بعضُ الناس عاجزٌ عن إنتاج الحُبّ، على الرغم من حاجته الشديدة إليه، ربما يكون عاطفيًّا بلا حدود، ربما يمتلكُ حساسيةً فائقةً يفتقر إليها كثيرٌ من الناس. غير أن عجزَه عن إنتاج الحُبّ يعود لعقدٍ نفسيةٍ وعاهاتٍ تربوية، وجروحٍ غاطسة في البنية اللاشعورية في أعماقه، تفرض عليه حياةً خانقة كئيبة، لا يمكنه الخلاصُ منها أو تخفيفُ وطأتها إلا بمراجعة مصحّ نفساني.

ما دام هناك إنسانٌ فإن حاجتَه لمعنىً لحياته تفوق كلَّ حاجة معنوية، لا يستطيع الإنسانُ العيشَ بسلامة نفسية من دون معنىً لحياته، ولا معنى للحياة أثرى وأجمل من الحُبّ والعطاء، صلة الحُبّ بالعطاء صلة عضوية، الحُبّ أحد أعذب أشكال العطاء المعنوي. لغةُ الحُبّ لغةُ القلوب، لغةُ القلوب لا تخطئ، لغةُ القلوب لا يمكن التشكيكُ في صدقها، يتذوقها بغبطةٍ وابتهاج مَنْ تفيض عليه حُبّك، ولا ينجذب إليك مَنْ لا يتذوقها منك.كلّما استثمر الإنسانُ المزيد في الحُبّ كلّما امتلك المزيدَ من القلوب، وتنامت ثقةُ الناس فيه وثقتُه فيهم.

الحُبُّ كالضوء يكشفُ عن نفسه، وينكشفُ فيه كلُّ شيء ويظهره بجلاء. الحُبُّ لا يحتاج إلى من يكشفه ويظهره، بوصفه أوضحَ وأظهرَ من كلِّ شيء، وإن حاول أحدٌ تفسيرَه فهو عصيٌّ على التفسير. الحُبُّ حالةٌ، والحالاتُ أشياء وجودية. كما أن مفهومَ الوجود واضحٌ، وحقيقتَه عصيةٌ على الفهم، هكذا الحُبّ مفهومُه واضحٌ كنهُهُ مبهمٌ. مثلما يُعرفُ الوجودُ بآثاره ومظاهره وتجلياته وتعبيراته، يُعرفُ الحُبّ بآثاره ومظاهره وتجلياته وتعبيراته وثمراته في حياة الكائن البشري.

تعدّدت طرائقُ فهمِ الحُبّ وتفسيرِه وبيانِ آثاره المتنوعة على القلب والروح والضمير والعقل والجسد، فكلّ فن وعلم يفسّره من منظور يتطابق مع الوجهة التي يتجلى له فيها، الحُبّ لا يتجلى إلّا جميلًا مُلهِمًا. وكأن الحُبّ مرآةٌ لا يرتسم فيها إلّا ما هو رؤيوي مضيء. الحُبّ محُبوبٌ لكونه حُبًّا لا غير. الحُبّ حاجةٌ أبدية، وكلُّ شيء يحتاجه الإنسانُ بهذا الشكل لا يحتاج سببًا آخر غيرَه يدعوه للظفر به.

أشبع العرفاءُ الحُبَّ في كلّ الأديان بحثًا وتحليلًا، وما زال تحليلُهم لماهية الحُبّ هو الأجمل والأبهج والأعذب والأثرى، وهكذا أنشده الشعراءُ في قصائدهم وتغنوا فيه بغزلياتهم، وتوغل في تصوير حالاتِه وأطوارِه وثمراته ومواجعِه أعظمُ الروائيين مثل دوستويفسكي في أعماله الخالدة، ونهض بتفسيره الفلاسفةُ في علم النفس الفلسفي، واهتم بالكشف عن آثارِه المتنوعة ومظاهرِه وتعبيراتِه في حياة الفرد والمجتمع، كلٌّ من: علماء النفس، والاجتماع، والأنثربولوجيا، والأخلاق، وأخيرًا قدّم له علماءُ الأعصاب والدماغ تفسيرًا بايولوجيًّا.كلُّ علم وفن يفسّره من منظوره، الكلُّ يشددّ على عدم استغناء الإنسان عنه في أي مرحلة من مراحل حياته، وفي أية حالة يكون فيها، وفي أية محطة تصل حياتُه إليها. تظلّ الحاجةُ للحُبّ مزمنة، تولد مع الإنسان ولا تنتهي. يتطلعُ الإنسانُ كلَّ حياته إلى مَنْ يُحبّه في الدنيا، مثلما يتطلعُ إلى مَنْ يلبث يُحبّه فيُخلِّد ذكراه بعد وفاته.

في معاشرةِ الناس نحتاجُ القلبَ أكثر من العقل، نحتاجُ لغةً تتقن مخاطبة العواطف أكثر من لغة المنطق والفلسفة والرياضيات والعلم، نحتاجُ المشاعرَ أكثر من الفكر، ‏نحتاجُ الكلماتِ الحيّة المهذبة أكثر من كلمات المجاملة المنطفئة، ‏ونحتاجُ المعاني الأصيلة الصادقة أكثر من الفائض اللفظي الذي يمكن أن تقول الألفاظُ فيه كلَّ شيء من دون أن تقول شيئًا جميلًا. الحكيمُ في هذا العالَم هو من يعمل من أجل أن تكون حياتُه والعالَمُ الذي يعيش فيه أجمل، ولا تكون حياتُه أجملَ إلا إن كانَ قادرًا على صناعة الجمال في حياة غيره. صناعةُ الجمال تتطلب أن ‏يعطي الإنسانُ ما هو أجمل في كلِّ كلمة يقولها، في كلِّ حرف يكتبه، في كلِّ فعل يفعله، وفي كلِّ قرار يتخذه، في كلِّ شيء يقدمه لغيره. وهذا سلوكٌ شاقٌّ على النفس.

الحُبُّ ليس صعبًا فقط، بل هو عصيٌّ على أكثر الناس، لا يسكن الحُبّ الأصيلُ إلا الأرواحَ السامية، ولا يناله إلا مَنْ يتغلّب بمشقةٍ بالغةٍ على منابع التعصب والكراهية والعنف الكامنة في أعماقه. حُبُّ الإنسان من أشقِّ الأشياء في حياة الإنسان، لأن هذا الكائنَ بطبيعته أسيرُ ضعفه البشري، يصعب عليه أن يتخلّص من بواعث الغيرة في نفسه، وما تنتجه غيرتُه من منافسات ونزاعات وصراعات، وما يفرضه استعدادُه للشرِّ من كراهياتٍ بغيضة، وآلامٍ مريرة.

مادام الحُبّ أثمنَ ما يظفر به الإنسانُ وأغلاه، فإن نيلَه يتطلب معاناةً شاقةً وجهودًا مضنية. الإنسانُ أعقدُ الكائنات في الأرض، وأغربُها في تناقضاته، وتقلّب حالاته. تناقضاتُه لا تنتهي، لأنها تتوالد منها تناقضاتٌ باستمرار، مالم يفلح الإنسانُ بالتغلب عليها بمزيدٍ من صلابة الإرادة، ووعي الحياة، واكتشافِ مسالكها الوعرة، والخلاصِ من ضغائنها، والعملِ على الاستثمار في منابع إلهام الحُبّ، ونحوٍ من الارتياض النفسي والروحي والأخلاقي الذي يسمو بالإنسان في مراتب الكمال.

حُبُّ الناس صعبٌ، حُبُّ الناس، إن ظفرَ به الإنسانُ، حالةٌ يعيشها الإنسانُ ويتحقّقُ بها في طور وجودي جديد، وهي لا تتكرّس إلا بالتربيةِ والتهذيب، والصبرِ الطويل بإكراه النفس على العفو والصفح، والتدريب المتواصل على إخماد نيران التعصب وتحطيم الأغلال المترسبة في باطنه، والعملِ الدؤوب على اكتشاف منابع إلهام الحُبّ وتنميتها. ومن أثرى هذه المنابع النظر لما هو مضيء في مَنْ تتعامل معه، والعفوُ، والصفحُ، والغفرانُ عن الإساءة، والانهمامُ بالذات، وعدمُ الانشغال بالغير وشؤونه وأحواله، والكفُّ عن التدخلِ في الحياة الخاصة للناس وانتهاكها، ومطاردتِهم بالأحقاد،كما يفعل البعضُ الذي ينصّب نفسَه وكأنه وصيٌّ على الناس، يترصد كلَّ شيءٍ يصدر عنهم فيحاسبهم عليه. وهو لا يعلم أن كلَّ فعلٍ يرتدُّ على فاعله، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.

الحُبُّ أنجعُ دواءٍ تحمي فيه نفسَك وتحمي فيه غيرَك من آلام وشرورِ البشر. الحاجةُ للحُبّ من أشدِّ الحاجات العاطفية للإنسان، غير أن اشباعها لا يتحققُ بسهولة. الاستثمارُ في الحُبّ أثمنُ استثمار في إنتاج معنىً للحياة. العفو والصفحُ والحُبُّ أيسرُ دواءٍ يشفي الإنسانَ من آلامِ القلبِ وجروحِ الروح، مَنْ يجرّب العفوَ والصفحَ في المواقف المتنوعةٍ يجدهما كثيرًا ما يتغلّبان على حنقِ الناس، والشفاءِ من أحقادهم.كان وما زال العفوُ والصفحُ والحُبُّ أنجعَ دواءٍ لشفاء الإنسان وشفاء علاقاته في المحيط الاجتماعي من الأمراضِ التي تتسببُ بها الضغينةُ والبغضاءُ والكراهية. يُنسب للقديس أغسطينوس القول: “الكراهيةُ كمَنْ يشرب السُمَ على أمل أن يموتَ الآخرَ، فأول مَنْ يتسمَّم بالكراهية صاحبُها”.

أعترف أني جرّبتُ العفوَ والصفحَ مع بعض الناس الذين لا يعيشون إلا بالضغائن والأحقاد ففشلتُ، وجربّتُ العفوَ والصفحَ معهم ثانيةً وثالثةً ورابعةً وخامسةً وسادسةً وسابعةً ففشلتُ، وربما سأفشل لو كررتُ التجربةَ، لكني كنتُ وما زلتُ متشبثًا بقناعتي الراسخة التي تشتدّ كلَّ يوم بأن العفوَ والصفحَ هما الدواء الذي يشفي القلوبَ من الضغائن والأحقاد المتفشية في مجتمعنا، وهما الدواءُ الذي يكفل الشفاءَ من أغلب الظواهر المقيتة لسأم الناس من الحياة وجزعهم.

أعرفُ أحدَ الأشخاص المعقدين المغرورين المشاكسين، كان لا يطيقه الأقرباءُ والأصدقاءُ وجميعُ الناس الذين يتعامل معهم،كلُّ شيء يراه أو يسمعه من غيره ينقلب قبيحًا لديه. طالما سمعته يذم كلَّ شيء، لا يرى الجميلَ عند غيره إلا قبيحًا، وإذا استمع حديثًا من صديق، يعقّب عليه بقوله: “هذا خطأ، أنت تجهل هذه الأشياء”، وإذا قرأ نصًا لغيره سَخِرَ منه، بلا أن يفكِّر ويتثبت ويدقّق في مضمونه، ومتى رأى شيئًا جميلًا يزدريه. لا يبادر في العطاء، وعندما يتلقى هديةً جميلة يفتّش بعناية عن أيّ نقص أو عيب فيها، وإن لم يعثر على عيب يفتعل عيبًا كي يذمها.كان يترقب على الدوام أن يُقدِّم له الناسُ كلَّ شيء، ويمدحه الناسُ على كلِّ شيء، من دون أن يفكِّر يومًا أن يقدم شيئًا لأحد، أو يمتدح أحدًا على فعل حَسَن. انتهى مصيرُ هذا الإنسان في شيخوخته إلى أن يعيش منفيًّا في داخله، منبوذًا من الكلِّ، بعد أن نفر الكلُّ منه حتى أقرب الناس إليه.

سألني أحد تلامذتي: ما أجملُ لغة ومواقف أكسب بها قلوبَ الناس، وتترسّخ بها صلتي بهم، ويستطيع الإنسانُ من خلالها أن يعزّز الصدقَ والثقة والسلام والمحبة بين الناس؟ قلت له: الحُبُّ شفاءٌ للقلب من الغِلّ والضغينة، الحُبُّ عطاءٌ يسمو بمَنْ يحِبّ على مَنْ يعجز عن الحُبّ. إن أردت أن تعيشَ سلامًا في داخلك، وتعيشَ سلامًا في علاقاتك بالناس، حاول أن تمنحَ الإنسانَ أعذب ما يبهجه، حاول أن تكتشفَ الجميلَ في كلِّ إنسان ممن تتعامل معه، ‏وتعرب له عن جماله.كلُّ إنسانٍ يعيشُ سلامةً عقلية ونفسية وعاطفية نعثر على صفاتٍ حَسَنة في شخصيته ومواقفَ جميلة في سلوكه، وحين نترجم حضورَها لديه في كلماتنا بصدق نهديه أعذبَ ما يتمنى أن يسمعه منا. الإنسانُ بطبيعته يفرحُ كالأطفال ‏حين يرى أو يستمع إلى ما يكشف له عن جماله، ويتمنى أن تفرحَ الأرضُ وتحتفلَ بفرحه.

مادامت الطبيعةُ الإنسانية ملتقى الأضداد، فليس من السهل أن يعفو الإنسانُ عن إساءة الغير إليه. لأنه يتطلب أن يعملَ الإنسانُ سنواتٍ طويلةٍ بترويض نفسه على العفو، وإن كان هذا الترويضُ شديدًا مزعجًا مريرًا شاقًا مُنهِكًا، وليس سهلًا أبدًا. الترويضُ على العفو والصفح هو الأشقّ، خاصةً مع الأعداء المتطوعين، لا يمكن تجرعُه في بعض المواقف إلا كعلقم، إلا أنه كان وما زال يطهّر الإنسانَ من سمومِ الكراهية، وينجي من بعض شرور هؤلاء الأعداء، الذين هم كأشباح لا ملامح واضحة لهم. العفو والصفحُ يعكس أخلاقية رفيعة وسموًا نبيلًا، لا يظفر به كلُّ أحد، وإلا لتسامى إليه كلُّ الناس. العفو والصفحُ إحسانٌ، المُحْسِنُ يتسامى إلى مقام المحبة في قربه من الله، “فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ”.

لا دواءَ يخفضُ الآثارَ الفتاكةَ للشرّ، ولا سبيلَ لتخفيفِ آلام الكراهية، ولا وسيلةَ لتقليل النتائج المرعبة للنزعة العدوانية في أعماق الكائن البشري سوى المزيد من الاستثمار في العفو والصفحِ والحُبِّ، بالكلمات الصادقة، والمواقف الأخلاقية النبيلة، والأفعال المهذبة الجميلة، والإصرار على تجرّع مراراتِ العفو والصفحِ والغفران، على الرغم من صعوبتها، ونفور المشاعر منها.

العفو والصفح شديدان على النفس عندما تتكرّر الإساءة، ربما يجد الإنسانُ نفسَه يتلقى طعناتٍ غادرة متكرّرة ممن لم يتعامل معهم على الدوام إلا بالإحسان إليهم. الصفحُ عن هؤلاء صعب، ومحبتُهم أصعب، محبتُهم أشقُّ وأقسى المواقف وأشدُّها مرارةً في النفس، لا يطيقها الإنسانُ إلا في بعضِ الحالات الاستثنائية التي يرى فيها تحوّلًا في سلوكهم، وتلك حالات نادرة. طالما أشفقت على مثل هؤلاء، لحظةَ أكتشف أن حاجتهم للكراهية تفوق حاجتهم للمحبة، وأنهم لا يعيشون إلا بكراهية من حولهم، بل حتى كراهية أنفسهم، أثر اعتلالِ صحتهم النفسية، وانهيارِ حياتهم الأخلاقية، إنهم كحالة بعض الكائنات الحية التي لا تعيش إلا في الظلام أو في الأماكن القذرة.

الحريقُ لا يمكن إطفاؤه إلا بالماء، الحربُ لا يمكن إطفاؤها إلا بالسلام، الكراهيةُ لا يمكن شفاؤها إلا بالعفو والصفح والغفران، الصفحُ ممكنٌ وإن كان شاقًّا. المحبةُ أشقّ، وأحيانًا ليست ممكنةً، غير أن العملَ على إثراء منابع إلهام المحبة وتكريسها غيرُ مستحيل عبر الحرص على تغذية هذه المنابع باستمرار. أثرى منابع المحبة أن تكون صادقًا مع نفسك، صادقًا مع الناس، صادقًا مع الله. عندما تكون صادقًا في كلِّ كلماتك ومواقفك تكون معلِّمًا للأخلاق، وملهمًا للمحبة في هذا العالَم الموحش.

مَنْ لا يعرفُ الإنسانَ لا يعرفُ الله. مَنْ يعرفُ شيئًا عن غرابة ‏الإنسان وغربته الوجودية وفقره وهشاشته، ويعرفُ شيئًا من الطبيعة الإنسانية، يمكنه أن يصلَ إلى الله. ‏معرفةُ الطبيعةِ لا تكفي لمعرفة الله.

يتنكرُ بعضُ المثقفين للميتافيزيقا وما وراء الطبيعة، على الرغم من أنه لا يعرف عنها شيئًا، وينفي وجودَ الله، لأنه لم يصل إليه بأدوات العلم التجريبي التي يثق بها فقط، ولا يثق بسواها. يجزم بالنفي من دون أن يتواضعَ ويكشفَ عن إخفاق عقله في إدراك ما لم يتمكن هو من إدراكه. لا يدري هؤلاء بأن البحثَ في الميتافيزيقا وما وراء الطبيعة خارجَ أدوات العلم، وخارجَ وسائل اكتشاف العالَم الفيزيقي وقوانينه.

يُعلِن بعضُهم بصرامة بأنه لا يؤمن بوجود الله، ويقطع بعدم وجود ما وراء الطبيعة، بلا تأمّل وتدبّر وتبصّر، وينسى بأن الميتافيزيقا وعالَم ما وراء الطبيعة هو الموضوع الأثير للفلسفة منذ بدايات التفلسف حتى اليوم، وأن سؤالَ الايمان والإلحاد ليس سؤالًا علميًا، وأن أسئلةَ الميتافيزيقا وعالَم ما وراء الطبيعة أسئلةٌ فلسفية.كلُّ سؤال وجواب خارج عالَم الطبيعة سؤالٌ وجوابٌ فلسفي. إعلانُ الإلحاد ضربٌ من الجواب الميتافيزيقي، الإلحادُ يعكسُ ضراوةَ القلق الوجودي، وأقصى مديات ‏حيرة الجواب الميتافيزيقي. لحظةَ يعلن أحدٌ عن إلحادِه ينتقل من التفكير العلمي إلى التفكير الفلسفي، من دون أن يتنبه لذلك. نفيُ عالَم ماوراء الطبيعة كإثباته، الإثباتُ حكمٌ فلسفي، والنفيُ حكمٌ فلسفي. التفكيرُ في ماهية العلوم الطبيعية وماهية أيّ علمٍ هو تفكيرٌ فلسفي، العلمُ لا يُفكّر في ماهيته، التفكيرُ في ماهية العلوم خارجَ مجال العلوم، كلُّ تفكيرٍ من هذا النوع تفكيرٌ فلسفي.

في مقابلةٍ تلفزيونية على إحدى الفضائيات العربية مع معماري عراقي مثقف واسع الاطلاع، تحدّث فيها عن إلحاده بصراحة. يقول رفعت الجادرجي: “أنا ملحد بكل ما للكلمة من معنى”. ويضيف: “أن لديه وصية مكتوبة بأن تحرق جثته بعد موته ولا يُدفَن ولا يُصلَى عليه”[1].

ولد ونشأ المهندس المعماري رفعت الجادرجي في محيطٍ تقليدي ببغداد، أبوه كامل الجادرجي كان سياسيًا ومثقفًا غير تقليدي، وهو من أبرز رواد الديمقراطية ودعاتها في العراق. سمعتُ الحوارَ كلَّه بتأمل أكثر من مرة، رأيته يفسِّر الدينَ والمقدّسَ، وحاجةَ الإنسان للصلة بوجودٍ الله تفسيرًا سيكولوجيًا وسوسيولوجيًا وأنثربولوجيًا. لا يغور رفعت الجادرجي فلسفيًا ليرى الأبعادَ العميقةَ للحاجة الى الدين في وجود الإنسان، ولا يذهب تفكيره بعيدًا ليطلّ على الميتافيزيقا وعالَم ما وراء المادة. حاجةُ الإنسان للصلة بوجودٍ مطلق يفرضها نوعُ وجوده، ونتيجةً لها يفرض الدينُ حضورَه الأبدي، وينتقم لنفسه كلّ مرة تجري إزاحتُه فيها ليعود عاصفًا، مهما كانت محاولاتُ بعض الفلاسفة والمفكرين لرفضِه، والكشفِ عن بؤس تمثلاته وتطبيقاته العملية. الحاجةُ الوجودية لله أسعدتْ كبارَ ملهمي الروح المعلمين في إطار الأديان المعروفة وغيرَهم ممن عاشوا مُتيّمين بحب الله، وأشقت بعضَ البشر، عندما زجّتهم في صراعٍ مع أنفسهم والناس والعالَم من حولهم.

لا أريد أن أحكم على تفسيرِ رفعت الجادرجي وشعورِه وتعبيرِه الصريح عن موقفه، لأن كلَّ تفسيرٍ لا يمكن أن يتحرّر كليًا من بصمةِ الذات، وكيفيةِ نشأتها وتربيتها، وتكوينِها المعرفي، والبنى اللاشعوريّة الغاطسة فيها، واحتياجاتِها المتنوعة.

‏ الظواهرُ الدينية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية، ‏وكلُّ تمثلات الدين المجتمعية، تدرسها علومُ الإنسان والمجتمع الحديثة، ‏مثل: سوسيولوجيا الدين، انثربولوجيا الدين، سيكولوجيا الدين، وغير ذلك. التفسيرُ السيكولوجي والسوسيولوجي والأنثربولوجي والاقتصادي والسياسي والتاريخي للظواهر الدينية شديدُ الأهمية، لأننا لا يمكن أن ندرس تمثلاتِ الدين وتعبيراته في حياة الفرد والجماعة من دونه، غير أن هذا التفسيرَ لا نستطيع أن نرى بأدواته منشأَ الحاجة الوجودية لله، ولا يسعفنا في اكتشاف الجذرِ العميق لهذه الحاجة، لأنه يقف خارجَ فضاء الميتافيزيقا.

جذرُ هذه الحاجة وأصلُها لا تتمكن من الغوص في مدياته إلا الرؤيةُ الفلسفية، لأنها يمكن أن تطلّ على الميتافيزيقا. التفكيرُ في حقيقة الأشياء وماهياتِها تفكيرٌ فلسفي. ماهيةُ الدين لا يمكن التفكيرُ فيها خارجَ السؤال الفلسفي، أعمقُ سؤال فلسفي السؤالُ ميتافيزيقي، لا يستطيع العقلُ أن يفكِّر في العالَم الميتافيزيقي بلا منظارٍ فلسفي. ولا يحضر جوهرُ الدين الروحي إلا باستبصارات العرفاء وإشراقات تجاربهم المضيئة الآسرة.

اللهُ، الوحيُ، النبوةُ، الآخرةُ، وغيرُ ذلك من عوالم الغيب، تبحثها فلسفةُ الدين، لأنها تحاول أن تغوص في ما هو ميتافيزيقي.كما تبحث فلسفةُ الدين كيفيةَ تجلي الإلهي في البشري،‏ وكيفيةَ شهود البشري للإلهي، ونمط ‏الحالة الروحية والعاطفية لحظة شهود البشري للإلهي.

العلومُ الطبيعية والبحتة والتطبيقية وعلومُ الإنسان والمجتمع لها مدياتٌ قصوى تقف عند تخومها ولا تتخطاها، إنها تظلّ مقيمةً في آفاق الزمان والمكان والحركة والمادة وأبعادها وخصائصها وشؤونها. يقول علي عزت بيغوفيتش: “إن علمَ الحفريات، وعلمَ هيئة الإنسان، وعلمَ النفس، كلَّها علومٌ تصفُ من الإنسان فقط الجانبَ الخارجي الآلي الذي لا معنى لهُ… إننا لا نستطيعُ تفسيرَ الحياةِ بالوسائل العلمية فقط، لأن الحياةَ معجزةٌ وظاهرة معًا. الإعحابُ والدهشةُ هما أعظمُ شكلٍ من أشكال فهمنا للحياة”.

مادامت مناهجُ وأدواتُ ووسائل العلم تجريبيةً فهناك قصورٌ ذاتي في هذه المناهج والأدوات والوسائل عن أن تطلّ على عوالم الميتافيزيقا، لذلك يعجز العلمُ عن عبور فضاء المادة وأحوالها وما يتصل بها، ولا يمكنه الكشفُ عن ماهية الأشياء وجوهرها، كما لا يمكنه الجواب عن السؤال الميتافيزيقي. ما يتناوله العلمُ يلبث في حدود المادة، بخلاف الفلسفة واللاهوت التي بوسعها إدراكُ شيء من أبعاد الميتافيزيقا وعوالمها وشؤونها. وفي العرفان تنكشف مواطنُ أشواق الروح البشرية وأحوالها واحتياجاتها العميقة، لحظة يعلن جوهرُ الدين عن حضوره المُضِيء باستبصارات العرفاء وإشراقات تجاربهم المبهجة.

علّق هايدغر على عبارته المشهورة: “العلم لا يفكّر”، (بقوله: “إن هذه العبارة التي خلّفت كثيرًا من الضجيج إثر نطقي بها، تعني أن العلم لا يشتغل في إطار الفلسفة، إلا أنه، ومن غير أن يعلم، ينْشدّ إلى ذلك الإطار. فعلى سبيل المثال: إن الفيزياء تشتغل على المكان والزمان والحركة. إلا أن العلم، بما هو كذلك، لا يمكنه أن يحدّد ما الحركة، وما المكان، وما الزمان”. العلمُ إذًا لا يفكّر، بل إنه لا يمكن أن يفكّر في هذا الاتجاه باستخدام وسائله. لا يمكنني على سبيل المثال أن أقول ما الفيزياء باتّباع مناهج الفيزياء. ماهية الفيزياء لا يمكنني أن أفكّر فيها إلا عن طريق سؤال فلسفي)[2]. وكما يقول فتحي المسكيني: “الفلسفةُ شيء لا علاقةَ له بالعلم. وبعبارة واحدة لهيدغر: العلم لا يفكّر. والقصد هو لا يفكّر بشكل كوني في الكينونة، رغم أنّه ينتج معرفةً كلية بالكائن”.

تتوقف التفسيراتُ العلميةُ للدينِ عند معاينةِ حضورهِ الفردي والمجتمعي، ودراسةِ وتحليل آثاره المتنوعة في حياة الإنسان ومختلف تعبيراته، لكنها تخفقُ في البحث عن المديات الأعمق لأصل الحاجةِ للصلة بالله في الكينونة الوجودية العميقة للكائن البشري. تقودُ هذه التفسيراتُ بعضَ الناس أحيانًا إلى نفي الحاجةِ للدين، ويتمادى بعضُ مَنْ يتبناها ليقولَ بنفي وجود الله، من دونِ أن يسوقَ أيَّ برهانٍ على هذا النفي. ويزعمُ أناسٌ آخرون إن الإيمانَ مجردُ شعورٍ نفساني، تفرضُه على الإنسان سيكولوجيتُه وبيئتُه وتربيتُه وثقافتُه، وهي محاولةٌ أخرى لنفي وجودِ الله بلا دليلٍ.

الإنسانُ ليس عقلًا محضًا، الإنسانُ كائنٌ تتحكم فيه المشاعرُ والإنفعالاتُ والمصالحُ أكثرَ من العقل، الإنسانُ كائنٌ عاطفي قبل أن يكون كائنًا عقلانيًا. أسرف التنويرُ الغربي في الاعلاء من مكانة العقل والعلم، وتجاهلِ العواطف والمشاعر والأحاسيس والانفعالات، والمتخيل والأسطورة والذاكرة، بنحو تسيّد العقلُ والعلمُ واستبدّا، فصادرا كلَّ شيء خارج حدودهما، وصار كلُّ شيء لا يصدق عليه عقل وعلم منسيًا. قراراتُ ووقائعُ حياة الإنسان تكذِّب ذلك، لأن الشعرَ والفنَ، والمتخيل والأسطورة والذاكرة، ومكاشفاتِ الروح وإشراقاتها، لا يصدر كثيرٌ منها عن العقل. القرارات المصيرية في حياة الإنسان تصدر أحيانًا لحظةَ انفعال عاطفي، وطالما اتخذ الإنسانُ فردًا وجماعةً مواقفَ تغيب فيها حساباتُ العقل والعلم تمامًا.

ـــــــــــــــــــــــــ

[1] في مقابلة أجراها معه الإعلامي: ريكاردو كرم، متاحة على اليوتيوب.

[2] عبدالسلام بنعبدالعالي، “العلم هل يفكّر؟ كل ما يمكن أن يصبح ممكنًا تقنيًا لا يمكن السماح به”، مجلة الفيصل، 1 يناير 2021.

التسميات ليست محايدة

كلُّ تسميةٍ تفرضُ سلطتَها، التسمياتُ ليست محايدةً، تسميةُ “علم الكلام المعاصر” تحاول تحوير موضوع علم “علم الكلام الجديد”، وتشدّد على توجيه غاياته بعيدًا عن غاياته التي ينشدها، وتحاول سكبه في قوالب علم الكلام القديم، واستدعاء مناهجه وموضوعاته ومسائله وطرائق التفكير فيه ولغته ومصطلحاته القديمة ورؤيته الكلاسيكية للعالَم.

يحرص باحثون أشدّ التصاقًا بالتراث وتشبثًا بكلِّ ما فيه، وحرصًا على استئنافه كما هو، على استعمالِ مصطلح “علم الكلام المعاصر”، وغيرِ ذلك من تسمياتٍ تستبدل كلمةَ “الجديد” بما يوازيها في محاولةٍ منهم للخلاص من الحمولةِ الدلالية لمصطلح “علم الكلام الجديد”، وما تشي به من قطيعةٍ مع معظم كلاسيكيات علمِ الكلام القديم، ودعوةٍ لإعادةِ بناءٍ شاملة لعلم الكلام، تتخطى المنطقَ الأرسطي لتنتقل للمنطق والفلسفة الحديثَين، والتحرّرِ من سطوةِ الطبيعياتِ القديمة، والرؤيةِ القديمة للعالَم، بتوظيفِ مكاسب العلومِ والدراساتِ الإنسانية والرؤيةِ الجديدة للعالم، وتبعًا لذلك يتحوّل منهجُ علمِ الكلام وبنيتُه، وتتبدّل كثيرٌ من مسائله، بل يحدث تحوّلٌ في طبيعة وظيفته، فبدلًا من انشغالِه في الدفاع عن العقائد، تصبح وظيفتَه الجديدةُ شرحُ وبيانُ وتحليلُ المعتقدات، والكشفُ عن بواعث الحاجة للدين، ومختلف الآثار العملية لتمثلاته وتحولاته في حياة الفرد والجماعة، تبعًا لأنماطِ الثقافةِ وطبيعةِ العمران والاجتماعِ البشري.

وبتعبير آخر تنتقل مهمةُ علم الكلام من كونها أيديولوجية دفاعية، تنطلق من مسلّمات ثابتة، لا غرضَ لها سوى التدليلِ على المعتقدات، ونقضِ حجج الخصوم، إلى مهمةٍ معرفية لا تنشغل بنقض حجج الخصوم، بل يتمحور غرضُها حول تعريفِ المعتقدات وتوصيفِها وتحليلِها، بالاعتماد على الفلسفة والعلوم والمعارف الجديدة، والتعرّف على منابعِ إلهامِ المعتقدات، ومجالاتِ اشتغالها، وأشكالِ فعلها في سلوك الفرد والجماعة.

في ضوءِ ذلك يتضح أننا أمامَ عِلمين: “علم الكلام القديم”، و”علم الكلام الجديد”، وليس عِلمًا واحدًا، فعلى الرغم من اشتراكهما بالاسم، لكن توصيفَ “الجديد” يجعله مفارقًا للقديم بشكلٍ كبير، فهو وإن كان يشترك معه في بحثِ جملةٍ من الموضوعات نفسِها، لكنه لا يضيف موضوعاتٍ جديدةً لم يعرفها علمُ الكلام القديم فحسب، بل إن طريقةَ بحثه ونتائجَه ومراميَه مختلفةٌ، ذلك أن كلًا منهما له مقدماتُه المعرفية، ومنهجُ بحثه، وأدواتُ تفسيره، ومفاهيمُه المفتاحية، وكيفيةُ رؤيته للعالم.

ربما يُقال إن الإصرار على تسميةٍ دون أخرى لا يغيّر من المحتوى شيئًا، لكن هذا الكلام غير دقيق، لأن كلَّ تسميةٍ تفرضُ سلطتَها المعرفية، التسميةُ تحدد وجهةَ السير وكيفيته، التسميةُ بوصلةٌ ترسمُ خارطةَ الطريق التي يسلكها الباحث وفي ضوئها يهتدي في خطواته وغاياته.

“علم الكلام الجديد” هو التسميةُ التي أتبنّاها، ويتبنّاها كلُّ من يعتقد بعجزِ علم الكلام القديم، ويعرفُ قصورَه عن الوفاء بالمتطلبات الاعتقادية للمسلم اليوم، ومن يدعو لمفارقةِ ذلك العلم، وبناءِ علم كلامٍ بديل يكون جديدًا في مقدماتِه المعرفية ومعناه ومبناه ونتائجه.

لا أستعمل تعبير “علم الكلام المعاصر”، لأن “علم الكلام الجديد”، الذي مضى على استعماله أكثرُ من قرن في كتابات الباحثين المسلمين في الهند وإيران والبلاد العربية، صار مصطلحًا مستقرًا في اللغات الأردية والفارسية والعربية وحتى الانجليزية ولغات اخرى يتداولها المسلمون بشكل واسع، ينطبق على هذا عنوان علم الكلام الجديد خاصة، لا على غيره، مضمونه لا يتطابق مع مضمون “علم الكلام المعاصر”، وإن كان يشتركُ معه في بعض دلالاته.

إن تعبيرَ “علم الكلام المعاصر” يلجأ إليه من يذهب إلى أن تجديدَ علم الكلام يتحقّق برفده بمسائل وحجج جديدة، مع الاحتفاظ ببنيتِه التراثية، وطرائقِ تفكيره، ولغتِه الخاصة، ورؤيته للعالم. لذلك لجأ هؤلاء إلى استعمال كلمة “المعاصر” حذرًا من الدعوةِ للخروج على علم الكلام القديم، واستبدالِه بعلم يستجيب لإشباع حاجة المسلم إلى رؤية توحيديةٍ لا تكرّر أكثرَ المقولات والجدالات المعروفة عند المتكلمين قديمًا.

يشعر البعضُ بالقلق من تسمية “علم كلام جديد”، ولا أريد أن أتحدثَ كثيرًا عن ضرورة هذه التسمية، لأنها صارت بحكم الأمر الواقع، بعد أن كُتِب فيها عددٌ كبير من البحوث والمؤلفات، واستقرت كمقرر دراسي في عدة معاهد وجامعات لعلوم الدين، وصارت تخصصًا معروفًا كتب فيه التلامذة في الجامعات الإسلامية وغيرها رسائل متنوعة في الدراسات العليا.

ولولا شيوع مصطلح “علم الكلام الجديد” في الاستعمال، لكان الأجدر استعمال مصطلح “اللاهوت الجديد”، علمًا أنّ مصطلح “الإلهيات” متداول في الفلسفة الإسلامية منذ فلاسفة الإسلام المتقدمين، ومازالت كليات علوم الدين في إيران وتركيا وغيرهما تسمى بـ “كلية الإلهيات”. وملخص الكلام في هذا الموضوع أنّ “علم كلام جديد” هو محاولة للاجتهاد في علم الكلام اليوم، كما اجتهد مؤسسو الفرق الكلامية في الماضي، فدونوا تصوراتِهم ومفاهيمَهم لأصول الدين المشتقة من عقلانية وعلوم ومعارف عصرهم، فلماذا لا يجوز أن يجتهد علماء الدين في عصرنا لإنتاج تصوراتهم في التوحيد والمعتقدات.

لا أستغرب ذلك ممن يصر على غلق باب الاجتهاد في الفقه، ومازال لا يجرؤ على الخروج على فتاوى أئمة المذاهب وفقهاء الأمس المعروفين، إذ أن من ينكر الاجتهاد في فروع الدين كيف يقبل الاجتهاد في الأصول، الذي هو أبعد مدى وأعمق من ذلك بكثير.

علم كلام أو عقيدة

عمل الحضورُ الواسع لأهل الحديث وتفشي التيار السلفي في عالم الإسلام إلى ترك استعمال “علم الكلام” واستبداله بـ “أصول الدين”، أو “العقيدة” أو “العقائد”، لأن أهل الحديث كانوا ومازالوا مناهضين لعلم الكلام، على الرغم من أن استعمال “علم الكلام” أدق، بوصف “العلم” و”الكلام” كلمتين محايدتين، مضافًا إلى الحضور التاريخي لهذا المصطلح منذ نشأته، واستقلاله كعلم من علوم الدين في وقت مبكر. أما ترك تسمية علم الكلام واستبداله بمصطلحات: “أصول الدين”، أو “العقيدة” أو “العقائد”، ففرضته عوامل بعيدة عن الروح العلمية، لأن كلَّ هذه التسميات تحيل إلى مفاهيم تشي بمعنى ديني، والديني هنا يحيل إلى المقدس المتعالي على التاريخ. لذلك لا يكون موقف الباحث عند استبعاد تسمية علم الكلام واعتماد تسمية تشي بمعنى ديني محايدًا، كما ينبغي أن يكون عليه موقف كل باحث علمي بالنسبة إلى موضوع بحثه، بل يتحدد موقفه في إطار معتقدات مقررة سلفًا، وليس له من موقف إلا الدفاع عنها والتشبث بها بمختلف الحجج والمجادلات. وذلك يعني وضع “أصول الدين”، أو “العقيدة” أو “العقائد”، خارج الأسئلة والنقاشات العلمية، وتلقينه وكأن مفاهيمه حقائق نهائية. لذلك أمسى تلميذ “أصول الدين”، أو “العقيدة” أو “العقائد” في معاهد التعليم الديني والجامعات الإسلامية يتلقى اليوم اجتهادات مؤسسي الفرق بوصفها القول الفصل في “معرفة الله وصفاته وأسمائه والوحي والنبوة” وما يتصل بذلك من مباحث.

ينطبق معنى “علم” على “علم الكلام الجديد”، كما ينطبق عليه معنى “كلام”، ومعنى “الجديد”. فهو “علم” لأنه يعتمد مناهج البحث العلمي الحديثة، ويوظّف كل ما يحتاجه الباحث من مكاسب المعرفة البشرية، بلا ارتياب أو حذر.

وهو بحث علمي في الـ “كلام” الإلهي لأن موضوعه “الوحي” كما قررنا ذلك في كتابنا الصادر هذا العام: “مقدمة في علم الكلام الجديد” والذي تبنته عدة جامعات في التعليم العالي. “الوحي” هو الموضوع المحوري في علم الكلام الجديد كما شرحنا ذلك في الكتاب المشار إليه، والـ “كلام” الإلهي مبحث أساسي في بيان حقيقة الوحي وإمكانية تواصل الله مع الإنسان بلغة بشرية.

وهو علم “جديد” بوصفه لا يستنسخ مناهج الكلام القديم، ويتحرر من رؤيته للعالم، وكثير من مسائله وجدالاته المكررة، ويتسع لمسائل جديدة تتصل بأسئلة ميتافيزيقية توالدت في ذهن إنسان اليوم ولم يعرفها إنسان الأمس، خاصة الأسئلة المتصلة بمعنى وجود الإنسان وحياته ومصيره.

فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد في المجال العربي

قبل أكثر من 30 عامًا بدأتُ الحديثَ لتلامذتي في دروسي ولزملائي في الحوزة عن فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد. كنت أشدد على أن الآراء والمقولات الاعتقادية لمؤسسي الفرق والمتكلمين الأوائل تفرض حضورها في تشكيل صورة الله وصياغة رؤية المسلمين للعالَم، لأنها مازالت متجذرة في أعماق لا شعورهم. وكل تجديد في علوم الدين لا يبدأ بفتح باب الاجتهاد في علم الكلام ينتهي إلى طريق مغلق.

ثم انتقلتُ لكتابة ونشر وترجمة بعض المقالات والكتب باللغة العربية في ذلك. كان قراء من تلامذة وأساتذة الحوزات ومعاهد التعليم الديني وأقسام الفلسفة في الجامعات يتساءلون عن معنى هذين المصطلحين. أسئلةُ أكثرهم لا تخلو من تشكيكٍ وارتياب، لأن هذه الدعوةَ أزعجت تلامذةً وأساتذةً من الأصدقاء وغيرِهم، بل استفزت الضميرَ الديني للمنغلق عقلُه منهم.

بمثابرةٍ صبورة واصلتُ كلَّ هذه السنوات جهودي بهدوء وإصرار، من دون أن ألتفت إلى كتابات وأحاديث وثرثرة يتداخل فيها الارتيابُ بالاستهجان والاتهامات المبتذلة. انتقلتُ من مرحلة الكلام إلى العمل، فأسّست مركزَ دراسات فلسفة الدين، وأصدرتُ مجلةَ قضايا إسلامية معاصرة قبل 24 عاما، صدر من المجلة 74 عددًا. تناولت محاورُ أعداد هذه المجلة منذ صدورها بحثَ وتحليلَ ونقدَ وتقويمَ موضوعات فلسفة الدين والكلام الجديد ومناهجهما ومسائلهما. كما نشر مركزُ دراسات فلسفة الدين عدةَ سلاسل كتب، تتناول هذه الموضوعات بمداخل متنوعة ومعالجات مختلفة، صدر منها حتى اليوم نحو 300 كتابًا. أحد هذه السلاسل المرجعية التي بدأت بالصدور منذ نهاية القرن الماضي بالعربية، كانت تحت عنوان: “فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد”، وتواصلت سنوات عديدة.

انتقلنا منذ سنوات إلى محطة جديدة، توطنت فيها فلسفةُ الدين وعلمُ الكلام الجديد الدراسات الدينية والفلسفية العربية، فصدرت عدةُ دوريات متخصصة في ذلك، وانفتحت أقسامُ الفلسفة وعلوم الدين في الجامعات على هذه الموضوعات في الدرس الأولي والعالي، وتنامى إنتاجُ بحوث ورسائل الدراسات العليا. حتى بعضُ الحوزات ومعاهد التعليم الديني الحذرة من أية محاولةٍ للانفتاح على ما هو جديد، اهتمت بتعليمها ومناقشتها ونقدها. واتسع نطاقُ التعليم والبحث والكتابة في ذلك إلى الحدّ الذي تغافل فيه أشدُّ المناهضين للتجديد عن مواقفهم المتشدّدة، وفرض عليهم الواقعُ غضَّ النظر عنها، بعد أن تمدّد حضورُ فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد وتعزّز، فتنامى عموديًا وأفقيًا في الفضاء العربي.

إن انخراطَ التعليم الديني في هذا المسار الصعب هو ما يمنح الحياةَ معناها الروحي والأخلاقي والجمالي، الذي يتناغم لحنُه واحتياجاتِ روح وقلب وعقل المسلم اليوم، ويحميه من التشدّد والعنف اللذين أهدرا كلَّ طاقات الدين الخلّاقة، وبدّدا قيمَه الإنسانية الكونية.

الحياةُ لغزٌ، الموتُ لغزٌ، طبيعةُ الإنسان لغزٌ. ما أشدَّ غربةَ الإنسان وما أقساها، يعيشُ الإنسان غريبًا ويموتُ غريبًا. الإنسانُ غريبٌ في هذا العالَم، غريبٌ عن وجوده المادي في الحياة، غريبٌ عن الزمان والمكان، غريبٌ بعد الموت في العالَم الآخر. يكتب دوستويفسكي: “إن الإنسانَ سرٌّ بالنسبة لي، وهذا السرُّ ينبغي أن يُفسَّر، أن يُشرَح، وسوف أمضي حياتي كلّها في البحث عن هذا السرّ: من أين جاء الإنسان، ومن هو الإنسان، والى أين المصير؟ ولماذا يعتدي الإنسان على أخيه الإنسان؟ ولماذا يكون طيباً أحيانًا، وشريرًا أحيانًا أخرى؟”.

وحدُه لحظةَ الموتِ يخوضُ الإنسانُ تجربةً وجودية عصيبة للمرة الأولى والأخيرة، تجتمع فيها أشرس تحديات حياته وأقساها، وكأنها تختصر كلَّ تجارب عيشه الباهظة. تجربةُ الموت متفردةٌ في كلّ شيء، لا تحدث للإنسان إلا مرة واحدة، لا تشبهها أيةُ تجربة كان يخوضها الإنسانُ في حياته. الموتُ هو الحدثُ الوحيدُ الذي يختزل كلَّ أحداثِ حياةِ الكائن البشري المريرة، وأيامِه الموحشة، وامتحاناتِه الحزينة، وذكرياتِه الكئيبة، ومحنه القاسية. تجربةُ الموت حدثٌ فردي تتوقف فيه رحلةُ الحياة الدنيا، لا يكرر الموتُ تجاربَ الحياة اليومية، ولا يتموضع في خبرات الكائن البشري المعروفة، ولا تنكشف للإنسان حقيقتُه ما دام حيًا.

الموتُ حدثٌ مذهل يشطبُ فورًا على كلِّ الفوارق العنصرية والثقافية والدينية والسياسية والمالية والاجتماعية والطبقية، وكلِّ تمييز احتقاري فرضه الإنسانُ المستعلي على الإنسان البائس والضعيف والفقير. في الموت يتوحد الكلُّ رغمًا عنهم، يمحو الموتُ لحظةَ حدوثه كلَّ العناوين والألقاب والرتب والامتيازات والفوارق. يتساوى في الموت: الرئيسُ والمرؤوس، الغنيُ والفقير، القويُ والضعيف، الشريفُ والحقير، وغير ذلك من عناوين فرضتها المجتمعاتُ وصنّفت على وفقها الناسَ تراتبيًا. الموتُ يلغي كلَّ قناع زائف يتلفع فيه الطواغيتُ والجبارون والمتكبرون والمغرورون والمتغطرسون، يضعهم بعد علوّهم، يصفع هؤلاء بشراسة فيمزق غطرستهم، يوقظهم ليستفيقوا فزعين من سكرتهم مذعورين، يسقطهم فجأةً من عليائهم، ليجدوا أنفسَهم بحالة مزرية يتمنون عندها لو كانوا كمَنْ ينظرون إليهم بازدراء واحتقار من قبل، الموتُ يختطف كلَّ الأضواء والشهرة والاستعلاء الذي ظنوا أنه أبدي لن يفتقدوه. الموتُ هو اللحظة التي يرضخ فيها الإنسان كُرهًا للإعلان عن هشاشته وفقره الوجودي وفاقته وإملاقه، لحظةَ الموت يستحقّ كلُّ إنسان الشفقةَ والعطفَ مهما كان مقامُه في الحياة الدنيا.

حدثُ الموت يُخرِس كلَّ اللغات، وتكفّ عن دلالاتها عند مداهمته كلُّ الكلمات. كي نفهمَ معنى الموت لا بدَّ أن نمتلك لغةً تحكي خبرةً جديدةً خارجَ سياق ما تعرفه لغتُنا من دلالات. لن تبوح اللغةُ بمعنى الموت مالم تكن منبثقة من فضاء الموت. تعجزُ لغتُنا البشرية عن القبض على حقيقة الموت، لأن هذه اللغةَ ولدت وتنوعت وتغذّت من أحداثِ حياتنا وتجاربِ عيشنا المألوفة. اللغةُ معطى يختزن خبراتِ تعاطي الإنسان مع كلّ ما حوله من بشر وكائنات حيّة وغير حيّة، تتسع اللغةُ لتصوير أكثرِ أفكارِ الإنسان ومشاعرِه وأحلامِه ومتخيلِه، وتعجز عن التعبير عمّا لا يدرك الذهنُ صورتَه، فتنتقل دلالتُها إلى رمزية، كما في دلالتها على الله والغيب.

الموتُ مأزقٌ وجودي، عند مواجهة الإنسان للموت تصمت كلُّ الفلسفات والآداب والفنون والثقافات واللغات، كلُّها تعجز عن إسعاف الإنسان لحظةَ الموت، لا يُسعِف الإنسانَ في تلك اللحظة إلا صوتُ الله والإيمانُ به. سؤالُ معنى الحياة والموت سؤالٌ ميتافيزيقي، وكلُّ سؤالٍ ميتافيزيقي سؤالٌ فلسفي. لا جوابَ مقنعًا لمعنى الحياة والموت خارج الدين، يتعذر تفسير معنى الحياة والموت ميتافيزيقيا وفقًا للعلوم ولقوانين الطبيعة، ‏في الدين فقط يمكن ان نعثر على معنى للحياة، ‏ومعنى للموت بوصفه طورًا جديدًا لوجود الإنسان، وحياةً أخرى على شاكلة ذلك الوجود.

لا يصنع الكائنُ البشري حاجتَه للدين، الحاجةُ للدين مستودعةٌ في أعماق الكينونة الوجودية لهذا الكائن، ما يصنعه هو أشكالُ تديّنه في حياته الفردية والمجتمعية. ويدلّ على ذلك حضورُ الدين ورموزُه وتعبيراتُه المتنوعة في حياته منذ ظهوره على الأرض حتى اليوم. ‏لا يموت الدينُ إلا أن يموتَ الموت، ولا يستطيع الإنسانُ أن يدفع الموتَ عن نفسه مهما حاول.

أقسى أشكال الغربة غربةُ الروح في هذا العالَم، تغتربُ الروحُ بسبب اختناقها في سجنها المادي.  الروحُ حين تفتقرُ للصلة بالله تأكلها وحشةُ الوجود المادي، وتستنزفُ طاقتَها ظلماتُه، فتتيه وينتابها القلقُ والخوفُ والحزنُ والألم، وأحيانًا الهلع. الألمُ قدرُ الإنسان حيثما كان، كلٌ منا يتألمُ على شاكلته، مَنْ لا يتألمُ لا يتكاملُ.

الإنسانُ مخلوقٌ ضعيفٌ هشٌّ يستحقُّ الشفقةَ والعطف والرعاية، عجزُه عن تخليص نفسه من الموت هو ما يفضح هشاشتَه وضعفه. الإنسانُ ضحيةٌ لجهله بنفسه وغربته واغترابه ومصيره. الحياة ُكأنها مكوثٌ في فندق على عجل، لمدة لا تتجاوز ليلة أو ليلتين في أقصى الأحوال، ومثل هذا المكوث السريع جدًا ‏يتطلب: الصمتَ أكثر من الكلام، التأملَ أكثر من الغفلة، الحضورَ داخل الذات أكثر من الحضور بين الناس، السعي الدائم لتأمين منابع إلهام السلام الباطني، وتغذيتها باستمرار بما يثريها ويرسخها. السلامُ الباطني هو المنبع للحياة الهادئة المطمئنة، السلامُ الباطني مفتاحُ سلام المجتمع. حين يفتقدُ الإنسانُ السلامَ الباطني يعيشُ كئيبًا، يتمزقُ من الداخل، يعجزُ عن اطفاء نار الكآبة المستعرة داخله، وتتحول حياتُه إلى سلسلةٍ لا تنتهي من المكابدات النَكَدة المنهكة. ‏

غرورُ الإنسان، وجهلُه بمحدودية قدراته، وعجزُه عن اكتشاف أعماق نفسه، من أشدِّ أسباب غربته في هذا العالَم، وهذه ليست حالةٌ شاذةٌ في بني آدم. لا يتنبهُ الإنسانُ لعجز جسده، وقصورِ معرفته، وهشاشة عاطفته، وخوائِه الروحي. توهمُ الإنسانُ بقوته الخارقة، وغطرسته وتباهيه بأن علمَه يمكن أن يحيطَ بكلِّ شيء، وإحساسُه بأنه يستطيعُ أن يعيشَ في الأرض، ويؤمِّن لنفسه متطلباته المادية والمعنوية، ويتخلص من خوائِه الروحي، من دون أن يحتاح لغيره، وتوهمه بأن الموتَ يمكن أن يقعَ على كلِّ الناس إلا هو، أو على الأقل شعورُه بأن الموتَ يمهله ويمنحه فرصةً بلا نهاية، حتى فراغه من إنجاز كلِّ طموحاته واستيفاء مختلف أحلامه. تتضخم طموحاتُ أكثر الطموحين وأحلامُهم أكثر من قدراتِهم الآنية والمستقبلية بآلاف المرات، ومع ذلك يظلون يلهثون وراءها بلا أن يتوقفوا برهةً ليعيدوا النظرَ في حدود ذواتهم وافتقارهم للإمكانات التي يتعذر عليهم تأمينُها ما داموا أحياء.

غفلةُ الإنسان عن السعي لاكتشاف قدراته، وجهلُه بحدود امكاناته يشعره بعدم القناعة، ويستلب منه الهدوء والشعور بالسلام، ويوقع مشاعره في انفعال متّقد يستنزفه. ما يمكنه إنجازُه بالفعل ضئيل جدًا مقارنةً بما تورطه فيه أوهامُه عن قدراتِه اللامحدودة. يلبث الإنسانُ مسجونًا في اغترابه الوجودي، مادام لا يستطيع التحرّرَ من غروره وجهله بقصور قدراته، ويتنكر لاحتياجه إلى الله. اعترافُ الإنسان بشيء من ضعفه، وانتباهُه لقصور قدراته عن أن تنال كلَّ ما يتمناه من شأنه أن يحرّره من الشعورِ الزائف بالاكتفاء بذاته، والاستغناءِ عن الله، وعدمِ الاحتياج للإيمان الذي ينقذه من اغترابه الوجودي. يقول علي عزت بيغوفيتش: (إن التسليمَ لله هو الطريقةُ الإنسانية الوحيدة للخروج من ظروف الحياة المأساوية التي لا حلَ لها ولا معنى، إنه طريقٌ للخروج بدون تمرد، ولا قنوطَ، ولا عدميةَ، ولا انتحار. إنه شعورٌ بطولي “لا شعور بطل”، بل شعور إنسان عادي قام بأداء واجبه وتقبّل قدره).

للإيمان والدين أثرٌ إيجابي بنّاءٌ على الصحة النفسية، وحمايةِ الإنسان من اضطرابات الشخصية، ولولا الدينُ وما يغذّيه من المحبة والرحمة والشفقة والتضامن وكلِّ القيم السامية، لما استطاع النوعُ الإنساني الاستمرارَ في العيش على الأرض كلَّ هذه الأحقاب التاريخية.

ولا يعني ذلك أن الإيمانَ والدين يقيان كلَّ إنسانٍ من الاكتئاب والقلق والهلع وغير ذلك من الأمراض النفسية. الإيمانُ والدين ليسا بديلين عن العلاج والطب النفسي. للأمراض النفسية أسبابٌ مختلفة وعواملُ معقدة متشابكة، يتطلب الكشفُ عنها والتعرّفُ عليها وسائلَ علمية ومهارات خبراء متخصصون، ولا يمكن الشفاءُ منها إلا بمراجعة عيادات نفسية متخصصة، وأحيانًا يتطلب علاجُ الحالات الحادة سنوات طويلة، وتختلف مدةُ العلاج وأساليبُه تبعًا لنوع المرض وشدّته. الإيمانُ يظهر أثرُه بوضوح إن كان الإنسانُ يتمتع بسلامة نفسية، وفي حالات المرض النفسي غير المستعصية يمكن أن يخفضَ الإيمانُ من ضراوةِ المرض وفتكِه بالإنسان، ويجعلَ طريقةَ العلاج أسهلَ ومدّتَه أقصر.

في حديثا عن العبودية بأقنعتها الحديثة، أشرنا في أكثر من مناسبة إلى ضرورة تشكّل مفهومِ الفرد وتكريسِه، بغيةَ استردادِ كرامته المهدورة، وفضح وسائل عبوديته الجديدة، وتفكيك البنى المتجذرة للتسلط والاستبداد. اقترن حديثُنا بخطورة تفشّي الفردانية المطلقة كحالة مضادّة لما نعنيه بمفهومِ الفرد، وكيف أن الفردانيةَ المطلقة تفضي إلى اللامسؤولية، وأخيرًا تنتهي إلى تَبَرُّمٍ ومَلَل وسأم مُنهِك، وشعورٍ مرضي بلا جدوى كلِّ شيءٍ وعبثيته.

مفهومُ الفرد غير مفهوم الفردانية المطلقة التي يتحلّلُ فيها الفردُ من أية مسؤولية أخلاقية نحو مجتمعه، ويعيش متوحِّدًا لا صلةَ له بغيره. الفردانيةُ المطلقة ضدّ طبيعة الإنسان بوصفه كائنًا اجتماعيًا عاطفيًا، صلاتُه الأصيلة بغيره تحقّق وجودَه وتثريه، وتمنح حياتَه معنى. الإنسانُ يشقى عندما يعيش منكفئًا على ذاته، لا يتصل بأحد، ولا يتصل به أحدٌ من الناس، لا يُشعرُه أحدٌ بمحبتِه الصادقة وعطفه، واعترافِه بأفعاله ومواقفه ومنجزاته. ويكشف التهافتُ على وسائل التواصل، وكثافةُ النشرِ في تطبيقاتها، حاجةَ الإنسانِ الشديدةَ للغير.

الفردانيةُ المطلقة ليست قيمةً إنسانية، لأنها تنتهي إلى مواقفَ أنانية لا مسؤولة حيالَ قضايا الإنسان الأخلاقية العادلة. الفردانيةُ المطلقة تضيعُ معها القيمُ السامية للمحبة والتراحم والعطاء والإحسان والإيثار والوفاء والتكافل والتضامن، وهي قيمٌ تتفسخُ العلاقاتُ الاجتماعية بفقدانها، وتضمحلّ كلُّ المعاني الجميلة المُلهمة في الحياة باختفائها. باختفائها يختفي تقديرُ الإنسان لذاته، عندما لا يجدُ مَنْ يقدّره أو يعترفُ به أو يعطف عليه، ويتبدّد كلُّ معنىً يمكن أن يمنحه بناءُ مفهوم الفرد للإنسان.

إن تهديمَ الصلات الإنسانية، وعدمَ الشعور بأية مسؤولية حيال القضايا الأخلاقية العادلة ينتهي إلى عزلةٍ وتشرّد، لا يرى فيها الإنسانُ إلا ذاتَه الكئيبة، وهي تتخبّط في تيهٍ لا ترى فيه أيَّ معنىً لوجودها. الفردانيةُ المطلقة تعني أن ينفي الإنسانُ نفسَه بإرادته عن‏ مجتمعه وعالَمه الخاص. الفردانيةُ المطلقة تنتهي إلى أنانية مطلقة، الفردانيةُ المطلقة تُنتِج اغترابًا اجتماعيًا، الاغترابُ الاجتماعي يُنتِج اغترابًا وجوديًا، في الاغتراب الوجودي يفتقد الإنسانُ الشعورَ بالأمان.

شيوعُ الدعوة للفردانية المطلقة لدى بعض المثقفين جعلهم يتشبثون بأقوالٍ لفلاسفة ومفكرين ‏وأدباء غربيين، صارت تجري مجرى الأمثال والمسلّمات النهائية في ثقافتنا، ‏بلا تدقيقٍ ‏وغربلةٍ وتمحيص، ومنها قولُ ‏جان بول سارتر “الآخرون هم الجحيم”، الذي تفشّت شعاراتُه وكتاباتُه كموضةٍ ثقافية في بلادنا منتصف القرن الماضي، بنحوٍ أضحى معبودًا عند بعض الأدباء والفنانين، ربما لأننا أمةٌ شاعرة، تتلذّذُ بالفكرة التي تتخذُ من الشعار لافتةً، ينامُ خلفَها العقلُ ويخرسُ اللسان. لم يحضر هيدغر الفيلسوف الرؤيوي العميق كحضورِ ‏مقولات وشعارات سارتر الأديب الفيلسوف. أخطأ سارتر عندما نظر إلى بُعدٍ واحد في العلاقات الإنسانية، ‏نظرَ سارتر إلى بُعد الشرِّ الأخلاقي الذي يصدر عن الإنسان ‏الآخر، لم ينظر إلى بُعد الخير، ولم يتنبّه إلى أنه‏كما يصدر الشرُّ عن الإنسان يصدرُ الخيرُ أيضًا.

الإنسانُ لا يطيق العيشَ من دون الآخر، الآخرُ يمكن أن يكونَ نعيمًا أحيانًا، مثلما يمكن أن يكونَ جحيمًا أحيانًا أخرى. ‏الآخرُ النعيمُ يعبّرُ عن حضوره بشفقة وعطف ومحبة وحنان وتراحم وعطاء الآباء والأمهات والأبناء والازواج والعائلة، وتضامن الأصدقاء الصادقين في علاقاتهم الإنسانية. ‏من دون الآخر لا يتحقّق تقديرُ الذات والاعترافُ والمحبة والرحمة والشفقة والعطف والتراحم والتضامن، ‏ولا نتلمس حضورًا للقيم السامية في الحياة بمعناها الأخلاقي الجميل.

لا شيءَ نهائي ومطلق بالنسبة للإنسان، مادامت الطبيعةُ الإنسانيةُ ملتقى الأضداد فإن تحقيقَ التوازن صعبٌ جدًا بين العقل والروح والقلب، وبين مصالح وحريات وحقوق الفرد ومصالح وحريات وحقوق غيره. تطغى الفرديةُ، إن لم تنضبط بمعايير أخلاقية، ولم يرسم لها القانونُ حدودًا تتحقّق فيها عدالةٌ اجتماعية، تُضمَن فيها حقوقُ الفرد في إطار حقوق الكلّ. غالبًا ما يُنتِج تكريسُ مفهومِ الفرد وتجذيرُه فردانيةً مطلقة، لا يكترث الفردُ معها بما يفرضه الضميرُ الأخلاقي عليه نحو الإنسان الآخر، عندما لا تضبط الفرديةَ القوانينُ العادلة. وذلك ما نراه في دول غربية ترى حقوقَها، من دون أن ترى حقوقًا لناس آخرين يعيشون على الأرض خارجَ حدودها، على الرغم من أن الكلَّ شركاءُ في كلِّ الحقوق الإنسانية. وهذا مثالٌ لما تنطوي عليه طبيعيةُ الإنسان من أضداد تفرض مواقفَ متضادّة.

بناءُ مفهوم الفرد يقعُ بين حدّين متضادين، حدٌّ يضيعُ فيه الفردُ، إن تمادى في فردانية مطلقة، يتحلّلُ فيها من أية مسؤولية أخلاقية حيالَ الإنسان الآخر. وحدٌّ يضيعُ فيه الفردُ إن تم تذويبُ ذاته في غيره، والقضاءُ على شخصيته خارج إطار ما تراه العائلةُ والجماعةُ والسلطة، فيضيع تقديرُه لذاته وحرياتُه وحقوقُه الشخصية.

لا يتكرس الانتماء الإنساني بوصفه مشتركًا بشريًا من دون قبول الاختلاف والتنوع بين الناس. لا معنى لمجتمع تعدّدي من دون بناءٍ لمعنى الفرد، الحقُّ في الاختلاف هو الفضاءُ الطبيعي لتشكّل وتطور مفهوم الفرد،كلُّ مجتمعٍ يتأسّس على معتقدات وثقافة وتقاليد تتنكر للاختلافات بين البشر، يُجهَض فيه أيُّ مسعى لبناء مفهوم الفرد قبل أن يولد. لا يمكن تشكّل مفهوم المواطن من دون تشكّل مفهوم الفرد.

الاختلافُ قانونٌ كوني مشتركٌ بين كلِّ البشر. الإنسانُ ليس صخرة أو شيئًا ماديًا أو آلة ميكانيكية، الإنسانُ ليس حيوانًا أو نباتًا أو كائنًا حيًّا، الإنسانُ إنسانٌ لا غير، إنه كائنٌ مختلفٌ عن كلِّ ما خلقَ اللهُ في العالَم. البشرُ مختلفون في كثيرٍ من تكوينهم النفسي والتربوي والثقافي والاعتقادي والجسدي، إلى الحدّ الذي نرى فيه كلَّ إنسان نسخةً فريدة ذاتَ بصمة خاصة لن تتكرّر أبدًا في العالَم، منذ أول إنسان إلى اليوم، وإذا لبث الناسُ على تكوينهم الوراثي المعروف، ولم تتلاعب في هذا التكوين هندسةُ الجينات، يلبث كلُّ إنسان غيرَ قابل للتطابق مع غيره مهما كانت قرابةُ الدم بينهما، ولن تجد شخصًا يشبه غيرة بكلِّ شيء حتى آخر شخص في هذا العالَم.

كلُّ تعدّديةٍ دينية وثقافية وسياسية لابدّ أن تبدأ بتشكيل مفهوم الفرد، وتعمل على تجذيره تربويًا ونفسيًا وأخلاقيًا وثقافيًا. بناءُ ثقافةٍ تقوم على الحقّ في الاختلاف هي الأساسُ الذي يولد في فضائه ويتشكّل مفهومُ الفرد.

لا معنى لمجتمع تعدّدي متنوع من دون بناء مفهوم راسخ للفرد، ولا معنى لمفهوم الفرد من دون تبجيل كرامة الفرد وتكريسها بوصفها قيمةً إنسانية مرجعيةً عليا تعلو على كلّ قيمة. يضمحلُ معنى الفرد في كلِّ مجتمع تسودُ حياتَه رؤيةٌ واحدةٌ للعالَم، ومعتقدٌ واحد، وفهمٌ واحد للحياة، ونمطٌ واحد للتفكير، وسلوكٌ واحد. مثلُ هذا المجتمع كأن الكلَّ فيه مرايا تعكس صورةً واحدة، ينطمسُ فيها كلُّ اختلاف وتنوّع. وينتهي ذلك إلى حجب المواهب وضمورها، وانسدادِ منابع إلهام العطاء الخلّاق والابتكار والابداع، الذي لا يترسخ إلا بالتفكير المختلف، تفكيرٌ لا يكررُ الايقاعَ المشترك للكلِّ، ولا يكون صدىً لصوتٍ واحد.

الدين أبدي؛ إنه موجودٌ بوجود آدمَ الأوَّل، وسيبقى حتى آدم الأخير. الدين موجود في عصرنا كما كان موجودًا على الدَّوام في كلِّ عصر. يتمكَّن الإنسانُ في هذا العصر من تجديد مناهج فهمه للدين، وتجديد أدوات تفسير نصوصه في ضوء متطلَّبات هذا الواقع، كما فعل الإنسانُ في الماضي.

 

الدينُ كائنٌ حي ينمو ويتطوَّر ويمرض، وقد يصاب بداءٍ مزمن. فكم من ديانةٍ منفتحة انغلقت، وكم من ديانةٍ مغلقة انفتحتْ. مفسّرو النصوص المقدسة تتحكمُ في فهمِهم للدين وتفسيرِهم لنصوصه؛ رؤيتُهم للعالَم وثقافتُهم ونمطُ نشأتهم وتربيتُهم وتكوينُهم المعرفي، وأحكامُهم المسبقة، وآفاقُ انتظارهم من الدين.

من هنا تأتي الحاجةُ إلى تتابع النبوَّات وظهور المجدِّدين والضرورات الأبدية لإصلاح الأديان وتجديد فهمها وإعادة تفسير كتبها المقدسة. ثم إن الضرورة إلى تجديد الفكر الديني تشتدُّ في كلِّ عصر يحتجب فيه الله عن العالم، من أجل تحرير فهم الدين من التعصُّب الأعمى، وبعثِ الإيمان، وحمايةِ الاعتقاد من الاستغلال فيما ينهك الحياة.

إنَّ دراسةَ أثر كلِّ دين وأنماط التديُّن التي تتشكّل في فضائه تتطلَّب أن يعتمدَ الدارسُ معادلةً مثلثةً للفهم؛ إذ لا بدَّ من أن يعاينَ الدارسُ ذلك الدين بوصفه نصًّا مقدَّسًا أولًا، ويتعرّفَ ثانيًا إلى شخصيَّة الإنسان المُعْتَقِد بهذا النصِّ فَرْدًا ومُجْتَمَعًا، ويكتشفَ طبيعةَ الواقع الذي يعيش فيه هذا الإنسانُ وكلَّ ما يحفل به عصرُه ثالثًا. تشكل هذه العناصرُ الثلاثةُ توليفةً متفاعلةً تؤثّر كلٌّ منها في الأخرى وتتفاعل معها. لذلك تختلف أنماطُ التديّن تبعًا لاختلافِ النَّاس أفرادًا ومجتمعاتٍ، ولاختلافِ واقعهم وعصرِهم وثقافتهم، ولطريقة عيش الإنسان ونمط العمران، ولاختلافِ كيفية تلقِّي النصوص المقدَّسة. ربما يكون التديُّنُ دافئًا، ليِّنًا، رقِيقًا، رحيمًا، كما هو لدى قليل من الأشخاص الذي يُولدون في واقعٍ يستمعون فيه إلى صوتِ المَحَبَّة والعطف والشفقة والتَّراحم، ويحظون بتربيةٍ وتعليمٍ سليمَين. وربما يكون التديّنُ شديدًا، قاسيًا، عنيفًا بلا رحمة، كما نجد لدى معظم الأشخاص الذين يتعرَّضون للاضطهادٍ وعنفٍ في العائلة والمجتمع والسلطة السياسية، ولا يحظون بتربية وتعليم سليمَين.

تنشأ الثَّغراتُ في دراسة الأديان من إهمال أحد أضلاع المعادلة المُثلثة للفهم، لذلك تتطلَّب دراسةُ الأديانِ أنْ يتعاطَى الدَّارسُ مع نصوصِها المقدّسةِ وتراثِها الدينيّ بمنطقِ الباحث الذي يعتمدُ مناهجَ البحثِ العلميِّ، وينشدُ فهمَ المغزى العميقِ لهذه النصوص، ويهمُّه التعرُّفُ إلى دلالات التُّراث في فضاء السياقات الخاصّة التي تَشَكَّل فيها، والسعيُ لاكتشاف الآثارِ الروحية والأخلاقية والجمالية التي أنتجتْها نصوصُ هذه الأديان، وكيفياتِ تمثُّلها في الحياة البشرية. ولا أظنُ أن هناك جدوى من دراسة الأديان ومقارنتها وحوارها؛ لو كان الدارسُ مولعًا بالتبشيرِ بمعتقده ولا يريد إلّا ترويجَه، والحرص على إدخالِ المختلف فيه، بوصف معتقده هو الحقّ وكل ما سواه باطل.‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

لم تَعُد المناهجُ المكرّرة في دراسة الأديان تضيف إلى الباحث نتائجَ حاسمة؛ ذلك لأن التراث فيها لا يزال يتحدّثُ إلى التراث. إن الواقع الذي نعيشه اليوم يفرض علينا الاهتمام بدراسة الدين في سياق مكاسب العقل والعلم والمعرفة والخبرة البشرية المتراكمة، ودراسة كيفيةِ نشأته وأنماط حضوره وصيرورته عبر التاريخ، والانتقال في الدِّراسات الدينيَّة من الرؤيةِ التقليديَّة -التي كانت ترى الدين ونصوصَه المقدَّسة مرجعيةً نهائيةً في تفسير كلِّ شيء وفهمه- إلى رؤيةٍ تُخضِع تعبيراتِ الدين وتجلياتِه في الحياة للفهم والتفسير، بوصفها تَمَثُّلاتٍ بشريةً، وكلّ ما هو بشري يقع في مداراتِ عقلِ الإنسان وعلومه ومعارفه وخبراته. إن كانت نصوصُ الدين مقدّسة؛ غير أنَّ تفسيرَها وتأويلَها وفهمَها يتجلَّى فيه الأُفُقُ التاريخيُّ الذي يتموضعُ فيه الإنسان، ولا يمكن أن يكون ذلك الفهمُ عابرًا للإطار المعرفيّ لذلك الإنسان.

إن تطبيقَ المناهج العلميَّة في دراسة الأديان وفِرَقِها ومذاهبها جميعها هو ضرورةٌ يفرضها التعرّفُ إلى كيفية ولادتها وصيرورتها التاريخية، والآثارِ المزمنة لها في الحياة البشرية. تولد الأديان في عصر مؤسِّسيها، لكنها تظلُّ تتخلَّق وتنمو في صيرورةٍ لا تتصرَّم عبر الزمان والمكان في سياقاتِ نسيجِ المتطلَّبات المتنوّعة لحياة الإنسان فردًا وجماعةً، والعلاقاتِ العضويَّة بين السلطة والمعرفة.

ليستْ هناك ديانةٌ أو نصٌّ دينيٌّ خارج طرائق عيش الإنسان وطبائع العمران، فالإنسانُ يخضع لمشروطيَّاتٍ تَفْرِضُ عليه نمطَ حياته، وتؤثّر في سلوكه؛ وهي: العقل، واللغة، والمشاعر، والغرائز، والجسد، والتربية، والتعليم، والثقافة، والاقتصاد، والسلطة، والتاريخ، والمكان، والزمان. لا يتجسَّد الدينُ في حياة الإنسان إلّا تبعًا لهذه المشروطيَّات؛ أي إنَّ فهمَ الدِّين وتفسير نصوصِه يتنوَّع بتنوُّع أنماط حياة النَّاس وطرائق عيشهم. ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬

إن الرؤية اللَّاتاريخية للدين ترى الأديانَ قارَّةً ساكنةً، وكأنَّ الأديانَ تؤثِّر في المجتمعات وتعمل على تغييرها، من دون أنْ تتغيّر هي أو تتأثَّر. الرؤيةُ التاريخيةُ العلميَّةُ تذهب إلى أنَّ الأديانَ تتأثَّر بطبيعةِ المجتمعاتِ الإنسانيَّةِ المتنوِّعَةِ، تبعًا لتنوُّع الزمانِ والمُحيط والإثنيَّة والجغرافيا والثقافة واللغة والاقتصاد والسلطة، وتشرح كيف أنَّ هناك تأثيرًا وتأثُّرًا متبادَلًا بين الدين والمجتمع، فمثلما يؤثّر الدينُ في المجتمع، ويسهم في إنتاجِ رؤيتِه للعالَم، ويعمل على صوغ نمطِ حياتِه، يعمل المجتمعُ أيضًا على إنتاجِ صورتِه الخاصَّة للدين، وصياغةِ نمطِ التديّن الذي يشبهه. مثلًا لو ظهرت البوذيةُ في الجزيرة العربيّة لأضحتْ مُشَابِهَةً للمجتمع العربيّ، ولو ظهرت الهندوسيةُ في اليونان لأضحت مشابهةً للمجتمع اليوناني، ولو ظهرت المسيحيةُ في الصِّين لأضحت مشابهةً للمجتمع الصيني، وهكذا الحالُ في الأديان الأخرى. كما تؤثّر المجتمعاتُ في الأديان؛ تؤثر الأديانُ في المجتمعات، ما فعلتْه الأديانُ في المجتمعات لا يقلُّ عن فعلِ المجتمعات بالأديان.

الموقفُ الأخلاقي يفرض على أتباع كلّ دين الكشفَ عن أرشيفات الماضي، وإعلانَ كلِّ ما يختبئ فيها، وفضحَ منابع التعصب والكراهية في تراثه مثلما يفضحها لدى غيره، والاعترافَ بأخطائه كما يتحدّث عن أخطاءِ غيره.

ليستْ هناك دينٌ يحتكرُ المحبَّةَ والحرياتِ والحقوقَ واحترامَ كرامة الإنسان، وليس هناك تاريخُ دينٍ مُنَزَّهٌ عن التعصُّب والعنف وانتهاك كرامة الإنسان. ففي ميراث الأديان السماوية مثلًا لا يصحّ نسيانُ مظالمِ الفتوحات، مثلما لا يصح نسيانُ مآسي الحروب الصليبية، وجرائمِ الصهيونيّة في فلسطين.

المعروفُ عن البوذية أنها ديانةٌ غيرُ تبشيرية، وأنها من أكثر الديانات في الأرض سِلمًا، لم يتحدّث لنا التاريخُ عن حروبٍ تم خوضُها أو دماءِ أبرياءٍ سُفكت باسمها، كما هو معروف عن دياناتٍ أخرى، لكن مع كلّ ذلك تناقلتْ وسائلُ الإعلام صورًا ومشاهدَ لأعمالِ عنف مأساويّة ضد مُسْلِمِي الروهينغا في ميانمار عام 2017، قامت بها مجموعاتٌ بوذيّة بتحريضِ رهبان بوذيين متطرّفين.

من الضروري الارتقاءِ بالحوار بين الأديان، والانتقالِ به من الكلام المكرّر إلى اعتماد المناهل الروحية والقيم الأخلاقية المشتركة، والبناءِ عليها بوصفها منطلقاتٍ للبحث في دراسة الأديان والحوار بين أتباعها. وفي ضوء هذا الموقف ينبغي رفض مواقفَ كلّ من يستخفّ بمعتقدات أيّ دين آخر أو يسفهها. التفكيرُ في كلّ ديانة يمتلك حججَه وأدلتَه وقناعاتِه داخل تلك الديانة، ولا تصحّ مناقشةُ هذه الحجج والأدلة والقناعات من دون أن ينخرطَ المناقشُ في أفق تفكير الديانة، ويستوعبَ نصوصَها وتراثَها وخبراتها الروحية.

لا يتوقفُ أثرُ الدينِ على حياة الفرد كما يرى جماعةٌ ممن لا ينظرون للواقع بتأملٍ دقيق، ما فعلتْه الأديانُ في حياة المجتمعات لا يقلُّ عن فعلِ الأديان في حياة الأفراد. يحضرُ الدينُ في حياة الفرد مثلما يحضرُ في حياة المجتمع، لا دينَ بلا تديّن فردي ومجتمعي،كلُّ ما يؤثرُ في حياة الفرد يؤثرُ في حياة المجتمع. يُعبِّر الدينُ عن حضوره بشكلٍ ظاهر في تفكير الفرد ولغته وثقافته ومواقفه وسلوكه، كما تظهرُ تمثلاتُ الدين في تفكير المجتمع ولغته وثقافته ومواقفه وسلوكه. يتوغل الدينُ بشكل خفي في اللاشعور الفردي، وهكذا يتوغل بعمق ليكون بنيةً راسخة في اللاشعور الجمعي.

 لا نرى دينًا في الحياة ألا ويكون مؤثرًا ومتأثرًا بكيفيةِ حياة الناس ومتفاعلًا مع طرائقِ عيشهم. لا يستقلُّ الدينُ عن التديّن الفردي والمجتمعي، التديّنُ هو كيفية تَمثُّل الدين وتعبيره في حياة مَنْ ينتمي للدين. حتى أولئك الذين يتمردون على دين مجتمعهم يظلُّ الدينُ مكونًا خفيًّا لهويتهم وغاطسًا في ذاكرتهم، ويعلن عن حضوره أحيانًا في علاقاتهم الاجتماعية ولغتهم وثقافتهم ورؤيتهم للعالَم وطريقة عيشهم، ولا تغيب بصمتُه عن شيء من مواقفهم المتنوعة في الحياة.

كلُّ حضورٍ للدين في حياة الإنسان هو تديّن، لا دينَ في الأرض خارج ذلك، التديّنُ يتحقّق في سلوك الإنسانِ وتفكيره وتعبيره. لا يستقلّ الدينُ عن ثقافةِ الإنسان وذاكرته الفردية وهويته الجمعية ونمطِ تمدّنه وعمرانه. يحضرُ الدينُ في حياة الفرد والمجتمع بأنماط تديّن فردية ومجتمعية متنوعة، ويختلف التديّن باختلاف مستوى ونوع الثقافة، ودرجة التطور الحضاري، وكيفيةِ رؤية العالَم، ومختلفِ العوامل المنتجة لطريقة عيش الفرد والمجتمع.

إن تحقّقَ الدين في الحياة الشخصية يعني تحقّقَه في الحياة الاجتماعية،كلُّ بصيرة ومعنى ديني مُلهِم عندما ينتج تحوّلًا روحيًّا وأخلاقيًّا وجماليًّا في شخصية الفرد فإن هذا التحوّل يجد صداه المباشر في المجتمع. لا نجد تديّنًا فرديًّا مُلهِمًا من دون أن يكون له أثرٌ بنّاء في الفضاء المجتمعي. إن كان التديّنُ يبني الحياةَ الروحيةَ والأخلاقيةَ للفرد ويمنحه رؤيةً جماليةً للعالم، فإن أثرَه الإيجابي سيظهر في بناءِ القيم الروحية والأخلاقيةالسامية في المجتمع وتهذيبِ ذوقه الفني.

فهمُ الدين ونصوصه نسبي، يختلف باختلاف المجتمعات والأفراد. الدينُ ليس نصوصًا مقدّسة فقط، بل هو كائنٌ حيٌّ منخرط في التاريخ. الدينُ كأي ظاهرة تاريخية لا يمكن أن تتخلص من المشروطيات المتنوعة للاجتماع البشري، يخضع الدينُ لنواميس التغيير والتحوّل والتطور، على وفق صيرورة الزمان والمكان والأحوال والبيئة المجتمعية الحاضنة له. تختلفُ تجلياتُه باختلاف المجتمعاتِ وثقافاتِها ودرجةِ تطورها الحضاري، بل يختلفُ التعبيرُ عنه أحيانًا باختلاف الأفراد في مجتمع واحد.

إذا أردنا إنتاجَ فهم روحي وأخلاقي وجمالي للدينِ ونصوصِه المقدّسة يجب العملُ أولًا على تغيير وعي الإنسان وظروفِه المادية وثقافتِه. قلّما نجد فهمًا عنيفًا متوحشًا للدين ونصوصه في مجتمعات متحضِّرة، حتى لو وجدنا في هذه المجتمعات فهمًا عنيفًا للدين أحيانًا، فإنه يظلُّ محصورًا في نطاق أفراد أو جماعات محدودة، ولا يتحول إلى موجٍ يعصف بالبناء الاجتماعي كلِّه،كما يحدث لدى بعض مجتمعاتنا اليوم.

لا يتحقّقُ أيٌّ من الأديان في الواقع إلا في إنسان يعتنقه وتظهر تعبيراتُه في حياته الشخصية والاجتماعية، بوصفه فردًا ينتمي لجماعة تعتنق هذه الديانة. قراءاتُ النصّ الديني وتأويلاتُه هي أولى أشكال تمثّلات الدين في حياة الإنسان، وهي المنبعُ الرئيسُ الذي تُسْتَقَى منه سلوكياتُ ومواقفُ من يعتنق معتقدات هذا الدين. تراثُ الأديان وبعضُ التفسيرات المغلقة لنصوصها هو ما يورّط أكثرَ معتنقيها بكراهية المختلِف في المعتقد. تلك التفسيراتُ رسمتْ صورتَها الخاصة لله، ونمّطتها في إطارٍ يحاكي كلَّ ظروف وملابسات الحياة السائدة في زمان ومكان وبيئة متشدّدة في الماضي، وهي صورةٌ طالما عملتْ على تشريع أشكالٍ متنوعة لمناهضةِ العقل، وقمعِ الإيمان الحرّ، ومصادرةِ الحقوق والحريات، وسوّغت الاستبدادَ والتمييزَ بين البشر.

بمرور الزمان لم تصبح تلك التفسيراتُ للنصّ الديني وحدها مقدّسة، تستعصي على المراجعة والنقد والغربلة، بل غالبًا ما يمسي مفسّرُ النصّ مقدّسًا أيضًا، لا يخضع للمساءلة فيما يقول ويفعل. وهي ظاهرةٌ بشريةٌ عامةٌ لا تختص بدين، بل استبدّتْ في كلِّ الأديان في التاريخ، لكن بعضَ الأديان استطاعتْ الحدَّ منها، عندما شدّدتْ على عدمِ الخلط بين مكانةِ مفسّر النصِّ والنصِّ ذاته، إذ بدأتْ تعمل على وضع كلٍّ منهما في نصابه.

هنا تظهر الحاجةُ ماسّةً لتوظيف الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع في فهمِ الدين وقراءةِ نصوصه، بغيةَ اختراقِ الطبقات الكثيفة للقراءات المتراكمة عليه بمرور الزمان، والعملِ على تحيينه واستحضارِ معناه الذي يتحدّث للمسلم اليوم، ويجيب عن أسئلة عصره، ويصغي لآلامه ومشكلاته باهتمام، وكيف عجزتْ الصورةُ النمطيةُ لله المتوارثةُ من عصور الاستعباد عن حلِّها.

 ينبغي أن نعمل على إحضار صورة الله المغيَّبة، الصورة التي تنشد الحقَّ والخيرَ والعدل والسلام والعطاء والتضامن والرحمةَ والحبَّ والجمالَ. في ضوء هذه الصورة يمكن أن يظهر في حياتنا تديّنٌ لا يخاف العقل، ويتصالح مع الزمان والمكان، ولا يتمسك بمنطق أحاديّ يرفض الواقع. تديّنٌ ليس حَذِرًا أو وَجِلًا من مكاسب الغير في العلوم والمعارف والتكنولوجيا المتنوّعة. تديّنٌ ليس مصابًا بشيزوفرينا من المختلِف. تديّنٌ لا يطلب من المسلم مواجهةَ البشرية وإعلانَ الحرب على العالَم الذي يعيش فيه.

ولا يعني ذلك تسلطَ الدين على الفضاء العام أو تحكّمَه بالحياة الخاصة للفرد. التضحيةَ بفردية الإنسان والغفلةَ عن آثار ما يتركه استلاب الذات من هشاشة في المجتمعات، وما ينتج عن ذلك من تفشّي النفاق والازدواجية في سلوك أفرادها، كما نرى الكثيرَ من ذلك في بلادِنا المستباحةِ فيها الحياةُ الخاصة، والمُنتهكَةِ فيها الكرامةُ الشخصية، بفعل تحكّم القيم المتشددة للقبيلة، والفهمِ المغلق للدين، والتفسيرِ العنيف لنصوصه. لا يمكن القبولُ بأن نضحّيَ بحرية الضمير الفردي، ونبدّدَ حرمةَ حياة الإنسان الخاصة، وننحرَ كرامتَه وحريتَه وحقوقَه لأجل الجماعة. أعلم أنها معادلةٌ صعبةٌ جدًا في مجتمعاتنا، لكن لا يمكن أبدًا قبول ما ينتهي إلى عبوديةِ الفرد للمجتمع ومحوِ الذات لأجل الجماعة.

التمييزُ الذي نشدِّد عليه بين الدينِ بوصفه ظمأً أنطولوجيًّا متجذّرًا في كينونة الإنسان، وتمثّلاتِ الدينِ في حياة الفرد والمجتمع تمييزٌ نظري. ذلك أن تمثّلاتِ الدين في حياة الإنسان ليست سوى ما يظهر في الأفعال والمواقف المتنوعة لحياته، فكيف نفصلُ بين الإنسانِ وأفعالِه ومواقفِه وعلاقاته وطريقة عيشه التي لا يحضرُ إلا من خلالها في العالَم.

تكرّر هذا التمييزُ كثيرًا بصيغٍ عدة في أدبيات عصر النهضة، وما زلنا نسوّغُ به كلَّ سلوك خاطئ يصدر عن المتشدّدين تجاه المجتمعات الأخرى حتى اليوم.كلّما صدر فعلٌ لاأخلاقي ولاإنساني من مسلم في الغرب والشرق نقول هذا فعلٌ لا يمثّلنا، ونعبر عن ذلك بالقول المكرّر: «إن الدين غير التديّن، والمتديّن غير الدين». طالما ناقشني بعضُ الشباب حول السلوك المتوحش للإرهابيين، مثل انتحاريي داعش وغيرهم، ممن يتخذون آثارَ ابن تيمية وبعض الفقهاء والمتكلّمين والمفسّرين والمحدّثين مرجعيةً تسوّغ أفعالَهم اللاإنسانية، من الذين ما زال ميراثُهم حيًّا وفاعلًا ومؤثّرًا في تربية وتنشئة وتثقيف الشباب، وممن تبجّلهم وتحرص على نشر آثارهم جماعاتٌ ومساجدُ ومؤسّساتٌ كثيرة في بلاد متعدّدة، ويعتمدون مؤلفاتِ أولئك الأَعلام وكتاباتِ تلامذتهم أمس واليوم، بوصفها ملهمةً للقيم وموجهةً للفقه الذي يقودهم في الحياة.

يمكن التمييزُ النظري بين إسلام الرسالة وإسلام التاريخ، أو إسلام الرسالة وإسلام التراث، أو إسلام الرسالة وإسلام الفتوحات، أو إسلام الرسالة وإسلام فهم المسلمين، أو إسلام الرسالة الصافية وإسلام التطبيق، وإسلام الرسالة الأصيل والإسلام الدخيل. غير أن هذه الحدود تتطلب تأملًا دقيقًا يدرك أن التمييزَ بينها نظريٌّ يقع على الدوام خارج مجال الفعل والتطبيق، إذ لا رسالةَ بلا إنسان يعتنقها وتنعكس معتقداتُها وقيمُها وشريعتُها على مواقفه وسلوكه، ولا رسالةَ بلا تاريخ، ولا رسالةَ بلا تراث، ولا رسالةَ بلا فهمٍ بشري تتموضع فيه نصوصُها المقدّسة وتعبّر عن حضورها فرديًا ومجتمعيًا.