عبد الجبار الرفاعي وإعادة تعريف المفاهيم الدينية

بهاء سوادي[1]

عندما نقرأ عن تجديد علم الكلام، نعيش لحظات استثنائية تتخللها الدهشة والإعجاب بهذا الجهد النقدي والفلسفي العميق الذي يقدّمه الدكتور عبد الجبار الرفاعي. فهو يمارس التجديد عقل الناقد، ورؤية الفيلسوف، وشخصية المفكر الذي يغوص في أعماق الفكر الديني، محللًا ومفككًا بنياته ومفاهيمه. لا يكتفي الرفاعي بالنظر إلى الجوانب السطحية للموضوع، بل يتجاوزها إلى ما هو أبعد وأعمق؛ إذ تتجه رؤيته النقدية إلى البنية التحتية الكامنة في أعماق الفكر الديني، فيعيد النظر في المسلّمات والبديهيات التي اعتاد كثيرون التعامل معها على أنها مفاهيم ثابتة لا تقبل التغيير. في سياق ذلك، يعمد إلى نقد تعريفاتها، باحثًا في عوامل نشأة هذه التعريفات، والأحوال السياسية والاقتصادية والاحتماعية، ومختلف الإكراهات التاريخية التي أسهمت في تشكيل دلالاتها وبناء معانيها. ويعيد تعريفها في ضوء فلسفة الدين الحديثة.

بدأ الرفاعي مشروعه في تجديد الفكر الديني بإعادة تعريف الدين تعريفًا يحرّره من الاختزال العقدي والفقهي والأيديولوجي، حين عرّفه بأنه: “الدين حياة في أفق المعنى، تفرضها حاجة الإنسان الوجودية لإنتاج معنى روحي وأخلاقي وجمالي لحياته الفردية والاجتماعية”. وانطلاقًا من هذا التفسير للدين، أعاد بناء منظومته الفكرية على أساس أن الدين يستجيب أولًا لحاجة الإنسان الوجودية إلى المعنى، قبل أن يكون منظومة أحكام أو مؤسسة سلطة أو هوية مغلقة. لذلك انشغل بإعادة تعريف المفاهيم المحورية في الدين، المتمثلة بـ : الإيمان، والوحي، والنبوة، والشريعة، والتكليف، سعيًا إلى اكتشاف دلالاتها الحيّة القادرة على إشباع حاجة وجود الإنسان إلى المعنى في عالم متغير.

لم يتعامل الرفاعي مع هذه المفاهيم باعتبارها معاني نهائية مكتملة أُنجز فهمها في الماضي، وإنما نظر إليها بوصفها مفاهيم مفتوحة تتجدد قراءتها بتجدد علوم ومعارف وخبرة الإنسان وتحول شروط حياته وأسئلته. لذلك عمل على توسيع آفاقها الدلالية، وكشف ما تختزنه من إمكانات روحية وأخلاقية وجمالية، بما يجعلها أكثر قدرة على التفاعل مع تحولات العصر والاستجابة لتحديات الإنسان المعاصر. هكذا انتقل بهذه المفاهيم من فضاء التكرار والاستنساخ إلى فضاء الاجتهاد المواكب للواقع، حيث يغدو الدين مصدرًا لإثراء المعنى، وتحرير الإنسان، وحماية كرامته، وإيقاظ وعيه، بدل أن يتحول إلى أداة للوصاية أو الإقصاء أو إعادة إنتاج الماضي. في سياق هذه القراءة سعى الرفاعي إلى بناء فهم للدين يظل وفيًّا لجوهره الروحي، وفي الوقت نفسه منفتحًا على متطلبات الحياة الحديثة وأسئلة الإنسان المتجددة.

إن تجديد الفكر الديني يعني إعادة إحياء فاعليته الفكرية والاجتماعية والثقافية في حياة المسلم. وهذا التجديد مرهون بتجديد علم الكلام، كما أن تجديد علم الكلام مرهون ببذل جهد استثنائي وفريد، يستمد فرادته من الجرأة والقدرة على مقاربة المفاهيم الدينية الأساسية والحساسة، ونقدها، وإعادة النظر فيها، وصياغة تعريفاتها من جديد. يقتضي ذلك عدم الخضوع للرؤى الكلامية التقليدية المهيمنة على الفكر الديني الإسلامي، التي غدت رؤاها وتعريفاتها بمنزلة خطوط حمراء لا يجرؤ كثيرون على المساس بها أو الاقتراب منها.

عندما نتحدث عن علم الكلام، فهذا يعني أننا نتحدث عن “نظرية المعرفة في الإسلام” حسب رأي الرفاعي، لذلك يشدد على: “أن أية محاولة لتجديد الفكر الديني الإسلامي تتجاوز علم الكلام، فإنها تقفز إلى النتائج دون المرور بالمقدمات”. علم الكلام، الذي يبحث في أصول العقيدة الإسلامية والدفاع عنها، يشكّل أساسًا للبنية التي تصوغ الرؤية للعالم في الدين الإسلامي. علم الكلام هو من يبحث عن: الله ووجوده، والقضاء والقدر، والثواب والعقاب، واليوم الآخر، والبعث والحساب. ويعرّف: النبوة والوحي، ويتجاوز ذلك إلى الشريعة والتكليف، مؤسسًا الأساس الذي تستنبط منه الأحكام الشرعية المتصلة بمختلف شؤون حياة الإنسان الدينية.

علم الكلام التقليدي، الذي تطوّر مع الأشاعرة والمعتزلة والماتريدية والإمامية وغيرهم من مؤسسي الفرق، انبثق في سياقات دينية وسياسية وثقافية خاصة، تعكس الأسئلة العقائدية في عصره، والتي فرضتها مرحلة تاريخية محددة على مجتمع بعينه، مما يعني أن جميع المفاهيم الدينية، مثل: الوحي، والنبوة، ومصير الإنسان، والقضاء والقدر، والبعث، وغيرها، يتلقاها الإنسان ويفهمها ضمن أفقه المعرفي وقدراته الذهنية والثقافية. من هنا فإن طرائق فهم هذه المفاهيم والتعبير عنها ليست ثابتة، وإنما تتأثر بتطور العلم والمعرفة وتبدّل السياقات التاريخية والثقافية. وفي ضوء هذا الفهم، يرى الرفاعي أن هناك حاجة ضرورية تدفعنا باستمرار إلى تجديد علم الكلام، وإعادة النظر فيه، ونقده، وإعادة بنائه.

يشرح الرفاعي الفرق بين ثلاثة مفاهيم، هي: الإحياء والإصلاح والتجديد. فالتجديد في نظره عملية ابتكار وتطوير، تتضمن تجديدًا في اللغة والمنهج والهدف والموضوع، وتسعى إلى إعادة بناء فهم الدين بما يستجيب لروح العصر ولتحولات الإنسان والعالم. أما الإصلاح فينشغل بمراجعة ما اعتراه من خلل أو انحراف في الفكر أو الممارسة الدينية، والعمل على تقويمه وتصحيحه داخل البنية القائمة، من دون أن يفضي بالضرورة إلى إعادة تأسيس المفاهيم أو إنتاج رؤى جديدة. في حين أن الإحياء هو “استئناف ما كان في الماضي كما هو”. أي إن الإحياء يتحول، وفق هذا الفهم، إلى توسيع لحضور الدين في مختلف مجالات الحياة وعلومها ومعارفها، وتدخله في شتى نشاطات الإنسان، على نحو يفضي إلى إهدار المعنى الديني الروحي والأخلاقي والجمالي في حياة الإنسان. وفي ضوء ذلك يميز الرفاعي بين الإصلاح الذي يستهدف تصحيح القائم، والتجديد الذي يبتكر آفاقًا جديدة للفهم، والإحياء الذي يسعى إلى استعادة ما كان في الماضي وإعادة حضوره.

في ضوء ذلك لا يمكن تصنيف الرفاعي في إطار الإحياء أو الإصلاح بالمعنى الشائع لهذين المفهومين، وإنما يتموضع في أفق التجديد بوصفه مشروعًا فلسفيًا ومعرفيًا يسعى إلى إعادة بناء التفكير الديني في إطار الفلسفة والعلوم الإنسانية الحديثة. الرفاعي مجدد يمارس التجديد بوصفه فعلًا نقديًا، لا يكتفي بمراجعة الأجوبة الموروثة، وإنما يذهب إلى الأسئلة المؤسسة التي أنتجتها، ويعيد فحص منطلقاتها ومقدماتها في ضوء التحولات الكبرى التي شهدها وعي الإنسان الحديث ومعارفه. وينشغل الرفاعي بمشروع متكامل للتجديد الديني، يهدف إلى إعادة اكتشاف المعنى الروحي والأخلاقي والجمالي للدين، بعد أن حجبتْه في كثير من الأحيان قراءات مغلقة ومقولات تراثية استُهلكت تاريخيًا. لذلك يدعو إلى إعادة التفكير في المفاهيم الدينية الأساسية، وإعادة صياغتها بلغة جديدة تستوعب تحولات الإنسان والعلوم والمعارف، وتفتح أفقًا أرحب لفهم الدين بوصفه مصدرًا للمعنى والحرية والكرامة والحب والرحمة. في سياق هذا المسعى يعمل على بناء وعي ديني أكثر قدرة على الحوار مع العصر، وأكثر استعدادًا للاستجابة للأسئلة الوجودية والروحية التي يواجهها الإنسان اليوم.

[1] كاتب عراقي، طالب في المرحلة السادسة بكلية الطب في جامعة البصرة.

https://al-aalem.com/%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%a8%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%81%d8%a7%d8%b9%d9%8a-%d9%88%d8%a5%d8%b9%d8%a7%d8%af%d8%a9-%d8%aa%d8%b9%d8%b1%d9%8a%d9%81-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%81%d8%a7/

عبد الجبار الرفاعي .. مفكر أم مثقف؟

أ. د. محمود محمد علي[1]

المفكر والمثقف يبدوان للوهلة الأولى متشابهين، لكن بينهما فروق في الوظيفة وطريقة التعامل مع المعرفة والواقع. المفكر، حسب اعتقادي، هو ذلك الرجل الذي يتمتع بمواهب لا تنكر، وطلاقة فلسفية حقيقية، بحيث يفرض على الجميع أن يكون أحد الأسماء المهمة واللامعة في فكرنا المعاصر، وأن يسهم بقسط وافر في بناء هذا الصرح، بحيث تكون اللبنات الفكرية التي يضعها بمثابة الأساس الذي يبني عليه الكثيرون، وألا يكون مجرد مفكر يدعي أنه نذر حياته للبحث عن الحكمة متذرعًا بمبادئ الحق والخير والجمال، بل لا بد أن يكون إنسانًا في تفلسفه، وفيلسوفًا في إنسانيته.

علاوة على ذلك، فإن المفكر في نظري يجب أن يتمتع بصفات أخرى، منها: أن يكون مغامرًا لا يحده خوف، ومناضلًا لا تتعبه خيبة، ومقاومًا لا تكسره شراسة الأيام، وأن يخوض بمفرده أشرس المعارك الفكرية، وأن يتحمل ما يكفي من معاناة أزهرت فيما بعد كتبًا لم تكن في الحسبان، بحيث يكون سلاحه الاحتراف والاشتغال على الذات، وأن يكون صاحب فكر متقد انتهج النقد سبيلًا، والتجديد أسلوبًا، والكشف عن المنسي هدفًا، وألا يرضى بالبكاء على الأطلال، ولا التغني بنهضة سبقت، إنما يسن قلمه وينهض بنفسه في حراك لا يهدأ، سفرًا وبحثًا وإنتاجًا، وأن تكون له حركة هادرة لا تعرف الراحة، وأن تكون لديه القدرة على الدوران في المعنى، والاستنطاق المستدام الذي لا يعرف السكون، وأن يكون جيشًا من الفاعلين، وأن يكون مبدعًا في أكثر من مجال، وكأنه مركز أبحاث أو خلية نحل.

بينما نجد المثقف يتميز بعدة ميزات من أهمها :

1- المثقف شخص يكوّن عبر سنوات عمره مخزونًا معلوماتيًا يحوي بيانات ومعلومات وأفكار المفكرين والمتخصصين والفلاسفة وغيرهم. فهو شخص يحمل العلم، لكنه لا يصنعه أو يصوغه أو يخلقه أو يبدعه.

2- المثقف وسيط بين المعرفة والمجتمع، يقرأ ويطلع على الفلسفة والأدب والتاريخ والعلوم الاجتماعية، ثم يعيد صياغة هذه المعارف في شكل خطاب موجه إلى الجمهور، مثل المقالات والمحاضرات والدروس المميزة والبرامج الإعلامية والمحاضرات الثقافية وغيرها.

3- المثقف ينشر الوعي ويدخل الأفكار في الفضاء العام، ويحول النقاش النظري إلى قضية رأي عام. قد يكون المثقف مبدعًا في أسلوبه ومناقضًا للواقع، لكنه غالبًا ما يعتمد على رصيد فكري أنتجه آخرون، ثم يعيده في ثوب سياق اجتماعي محدد.

مع ذلك، فالعلاقة بين المثقف والمفكر ليست علاقة قطيعة تامة. في أحسن الأحوال يتداخل الدوران، وذلك حين يخرج المثقف من برجه النظري ليخاطب المجتمع، ويكون المثقف مفكرًا عندما يتجاوز مجرد التعليق على الأحداث إلى إنتاج أسئلة جديدة وهدم بنى فكرية راسخة. لكن التمييز بين المفهومين يبقى مهمًا لكي نفهم أن امتلاك رصيد معرفي واسع، أو الظهور في الإعلام، لا يعني بالضرورة أن صاحبه مفكر، وأن العمل الفكري لا يقاس بعدد المتابعين، بل بقدرة الفكرة على إعادة تشكيل طريقة فهمنا للعالم.

في اعتقادي أن عبد الجبار الرفاعي (مع حفظ الألقاب) مفكر من طراز فريد، ووريثًا لسلسلة من المفكرين العراقيين النوابغ، أمثال: هبة الدين الشهرستاني، ومحمد رضا المظفر، ومحمد باقر الصدر، وغيرهم من الذين آثروا الخروج بفكرهم واجتهاداتهم عن الخط التقليدي الذي يغلب في خطابه العقلي الفلسفي على النقل. وذلك من حيث مناشدته في كل كتاباته التي كتبها لفكرة التغير الجذري الرامية إلى إحداث خلخلة الثوابت الجامدة، وزعزعة الأفكار السائدة، وتأسيس نوع من الانقطاع الإبستمولوجي بين المعارف القديمة من جانب، والمعارف الجديدة من جانب آخر، مستهلًا الجديد الجذري الذي يطرح سؤال المستقبل بقوة على الفكر، نفيًا لتقاليد الأتباع، وتأسيسًا لقيم الابتداع.

لقد كان عبد الجبار الرفاعي بارعًا في ذلك، سيما أنه نجح في تقديم أعسر الأفكار على الهضم العقلي للقارئ العربي في عبارات أدبية مشرقة، وفكَّ أصعب مسائل قضايا العقيدة، وجعلها في متناول قارئ الصحيفة اليومية. واستطاع بكتاباته أن يخرج علم الكلام الجديد من بطون الكتب وأروقة المعاهد والجامعات، ليؤدي دوره في حياتنا الفكرية المعاصرة، وذلك من خلال سعيه إلى تقديم قراءة تأويلية إنسانية للنصوص، بعيدة عن التوظيف الأيديولوجي والسياسي، تهدف إلى استعادة البعد الروحي والأخلاقي والجمالي للدين، وذلك ضمن تجربة ورؤية واعية ومركبة، ومسلحة بمعرفة تراثية وعصرية، تكره الخضوع لآليات المناهج الفلسفية والمنطقية التي لا تفصل بين الديني والدنيوي، أو بين المقدس والمدنس.

لذلك تميز المشروع العقدي عند عبد الجبار الرفاعي، كما قال كاظم عبد النبي لعيبي وعلي عبد الهادي المرهج، برؤية نقدية تتناول جذور الأزمات الفكرية التي أنتجت خطاب العنف، مع تأكيده على ضرورة تجديد آليات التفكير الديني لتكون أكثر انسجامًا مع المتغيرات الحضارية والإنسانية.كما يعد من الأصوات القليلة التي سعت إلى تفكيك العلاقة بين الدين والأيديولوجيا، محذرًا من مخاطر التوظيف السياسي للنصوص في إذكاء الصراعات. ويبرز في فكره اهتمام خاص بالبعد الإنساني للدين، إذ يرى أن الأديان جاءت في جوهرها لترسيخ قيم الرحمة والعدل وصون كرامة الإنسان. ومن هنا تكتسب دراسة مشروعه أهمية خاصة في ظل التحديات الراهنة التي تواجه المجتمعات العربية والإسلامية في التصدي للفكر المتطرف.

عبد الجبار الرفاعي مفكر وفيلسوف عراقي معاصر، ولد عام 1954 في محافظة ذي قار بجنوب العراق. يُعنى بقضايا تجديد علم الكلام والفكر الديني، ويُعرف بدعوته إلى أنسنة الدين وتطوير الفكر الديني ليكون أكثر انفتاحًا على قيم الرحمة والحرية والعقلانية. نشأ في بيئة دينية ريفية، ودرس العلوم الدينية في الحوزة العلمية والجامعات، وله مؤلفات عديدة في الفكر الديني وفلسفة الدين.

والسؤال الآن: ما مبرراتي وإصراري على جعل عبد الجبار الرفاعي مفكرًا من الطراز الأول؟

أعتقد أن ذلك يعود إلى عدة أسباب، من أهمها:

أولا: أن عبد الجبار الرفاعي من المفكرين الذين جعلوا من إنتاج الأفكار مهمتهم الأولى، وذلك حين انطلق في مشروعه في فلسفة الدين بأجزائه المتعددة من أسئلة كبرى حول الإنسان والمجتمع والمعنى، ويشتغل على بناء مفاهيم جديدة أو تفكيك مفاهيم سائدة، مستخدمًا أدوات الفلسفة والنقد والتحليل المنهجي.

ثانيًا: أن ما يميز عبد الجبار الرفاعي أنه لا يكتفي بنقل المعرفة أو تلخيصها، بل يحاول إعادة بناء الإطار النظري نفسه، حيث يبتكر ويشكك ويعيد الصياغة ويقترح رؤى بديلة. لذلك كثيرًا ما نجده في صراع مع السائد واللغة اليومية، ومع البنى الراسخة في الثقافة والدين والسياسة.

ثالثًا: أن عبد الجبار الرفاعي منتج للمعنى، وليس ناقلًا ومنظمًا ومفسرًا له؛ لذلك فهو يهتم بالبنية العميقة للفكرة والأسئلة الأولى مثل: ما الحرية؟ وما الحقيقة؟ وما العدالة؟ ما الدين؟ ما الإنسان؟ وغيرها. لم يهتم بترجمة هذه الأسئلة إلى مواقف وممارسات، مثل: كيف ندافع عن الحرية في هذا البلد، أو كيف نصلح التعليم، أو كيف نواجه الاستبداد والفساد.

رابعًا: أن عبد الجبار الرفاعي غالبًا ما يظهر في كتاباته ومقالاته على المستوى النظري التجريدي، لا العمومي العملي؛ لذلك كثيرًا ما أجد لديه حديثًا عن علاقة بالسلطة والجمهور. الرفاعي غالبًا ما يكون معزولًا، يعمل في صمت، ويكتب نصوصًا قد يصعب على الجمهور الواسع قراءتها، لأنها تفكك المسلمات، وتستعمل لغة مفهومية دقيقة.

خامسًا: إن عبد الجبار الرفاعي يصر دائمًا على أن يجعل دوره كمفكر متصلًا بحركة الحياة، وهداية المجتمع، وتغيير الإنسان وإنضاجه أو تحسين حاله. وفي الوقت نفسه، أراه يتقمص وظيفة المثقف والعالم، الرامية إلى إدارة الحياة، ودفع المجتمع إلى التقدم، وتحصيل القوة والمنفعة والرفاهية، وتحسين أوضاع الإنسان.

سادسًا: أن وظيفة المفكر تتصل بحركة الحياة، وكأن عبد الجبار الرفاعي كان مصرًا على تأكيد قول علي شريعتي في كتابه “العودة إلى الذات” (2006)، بأن السمة البارزة فيه هي معرفة مجتمعه معرفة حقيقية ومباشرة، ويحسن التفاهم مع قومه، ويتقن معرفة عصره، ويعيش الإحساس بآلام العصر، ويدرك في أي مرحلة من التاريخ يعيش مجتمعه، ويكون واعيًا بزمانه الاجتماعي.

سابعًا: إن أهم ما يميز فكر عبد الجبار الرفاعي أيضًا هو ما أسماه علي حرب في كتابه “أوهام النخبة أو نقد المثقف” (1996م) بـ”جبهة الممتنع”، ويقصد به ما يتصل بعالم الفكر والتفكير. لذلك يهتم الرفاعي بتفكيك العوائق الذاتية للفكر، كما تتمثل في عادات الذهن، وقوالب الفهم، وأنظمة المعرفة، وآليات الخطاب، وكأنه في النهاية مفكر صانع أفكار، أو مبتكر مفاهيم، أو خالق بيئات مفهومية. لذلك لم أكن مبالغًا حين نعتُه بأنه: “نحّات المفاهيم الجديدة”.

ثامنًا: من الأمور التي جعلتني أصف عبد الجبار الرفاعي بأنه مفكر من الطراز الأول نقدُه لأدلجة الدين، من خلال قضية ترحيل الدين من مجاله الأنطولوجي العميق إلى سياقات وظيفية ضيقة يُستلب فيها ويُسخَّر لخدمة أهداف محدودة، ما يميت رحمانيته ورحابته الأنطولوجية، ويجعله أكثر عنفًا وانغلاقًا ونبذًا للآخر. ومن هنا جاء نقده لـ علي شريعتي تحت عنوان: “المثقف الرسولي علي شريعتي: ترحيل الدين من الأنطولوجيا إلى الأيديولوجيا”. ونفس الشيء يُقال عن حسن حنفي حين اختزل الدين في الأيديولوجيا.

تاسعًا: كذلك لا ننسى براعة عبد الجبار الرفاعي في تأسيس فهمه للدين على: إعادة تعريف الإنسان، وإعادة تعريف الدين، وإعادة تعريف الوحي والنبوة، وإعادة قراءة نصوصه في أفق العصر، وإعادة تحديد وظيفته في الحياة، والكشف عما يمكن أن يقدمه الدين للإنسان من احتياجات روحية وأخلاقية وجمالية، وما يترقبه الإنسان من عواطف ورفق، وما يمنحه للروح من سكينة، وللقلب من طمأنينة. في ضوء ذلك يعيد الرفاعي تعريفه الخاص للدين، بوصفه شفقة ورحمة تمنحها الأديان للحياة، فيراه في كتاباته: “حياة في أفق المعنى” استجابة لحاجة الإنسان إلى المعنى.

عاشرًا: وأخيرًا وليس آخرًا، أرفع القبعة لـ عبد الجبار الرفاعي في جمال دعوته نحو تعريف منظور حداثي للدين، حيث انتقل فيه الرفاعي من كون الدين منظومة مغلقة من الأحكام والطقوس إلى كونه تجربة وجودية مفتوحة تستجيب لحاجات الإنسان في أبعاده العميقة. فحين يعرف الدين بأنه “حياة في أفق المعنى”، فهو يعيد ربطه بالأسئلة الكبرى للوجود، ويخرجه من أسر الصراعات الأيديولوجية أو التفسيرات الجامدة إلى فضاء أرحب يلتقي فيه الروحي مع الجمالي والخلقي مع الإنسان… وللحديث بقية..

[1] مفكر مصري.