أين أصبحت الأنسنة في الفكر العربي المعاصر؟

وقفة مع محمد أركون وعبد الجبار الرفاعي

 

د. نايلة أبي نادر[1]

وسط الشعور بالغربة، غربة الإنسان الواعي عن نفسه، عن بلده، عن مجتمعه، هذه الغربة التي ترمي به في دوائر الأسئلة المؤرقة، الأمر الذي يزيده اغتراباً، يكثرُ الكلام على موت الإنسان الطبيعي، أو عن تراجع قيمته وكفاءاته في مقابل نموٍّ متزايد للإنسان الآلي. فالذكاء الطبيعي بات في انحسار أمام مدّ الذكاء الاصطناعي، وتضاعفِ ميزاته وانتشارِ أعماله.

بات التوقّف عند الأنسنة والبحث في تجليّاتها إن في الفكر الديني أم في الفكر الفلسفي ضرباً من التشبّث بسلالة مهدّدة بالانقراض، أو بجوهرة محفوظة في متحف التاريخ، نخشى عليها من السرقة أو الضياع. إن المشهدية الدامية التي تحيط بنا تضعنا في مواجهةٍ شرسةٍ مع الأسئلة المُرهقة: لماذا كلّ هذا الدمار؟ أإلى هذا الحدّ انهارت قيمة الإنسان مقابل قيمة الصفقات أو المشاريع العالميّة؟ أإلى هذا الحدّ بات البشر على الأرض مجرّد عملة على طاولة البورصة، ترتفع قيمتها أو تنخفض وفق العامل الجغرافيّ، أو القوميّ، أو السياسيّ، أو الدينيّ؟ هل فعلاً كلّ ما قيل عن العدالة والمساواة مزاحٌ، أو كلامٌ فارغٌ لا مضمون له يمتّ إلى الإنسانيّة بصلة؟ هل كلّ هذا الحبر الذي سال والصفحات التي عبقت بالمعاني كان مجرّد مواكبة لما هو رائجٌ في الغرب، أم هو نوعٌ من اللجوء إلى زاوية آمنة بعيداً عن واقعٍ مؤلمٍ خائبٍ يحمل في طيّاته أسباب تفجيره من الداخل؟

الكلام على الإنسان في السياق العربي المعاصر يضعنا أمام أسئلة محرجة تدفعنا إلى البحث عن موقعه في ما يتمّ إنتاجه من خطابات إن في المجال الفلسفي أو السياسي أو المجتمعي، من دون أن نغفل عن المجال اللاهوتي. لماذا التوقّف عند الإنسان؟ ما هو التصوّر الراسخ في الذهن حول مفهوم الإنسان؟ إلى أيّ مدى يمكننا التحدّث عن تيّار إنسيّ عربيّ معاصر؟

أسئلة تشغلني منذ مدّة، وهي تواجهني بإلحاح، بخاصة بعد أن لحظنا تراجع الخطابات التي تنهمّ بشأن الإنسان على حساب القضايا الكبرى، والصراعات المحتدمة، وتعاظم الأزمات التي تضرب المنطقة. هل الكلام على الإنسان يعدُّ اليومَ ضرباً من الهروب من مواجهة الواقع وتحدّياته؟ هل هو انكفاء في اتجاه التأمّل وبناء عالمٍ نظريٍّ تسود فيه معايير مختلفة تسمح بالتفرّغ للتفكير بالإنسان؟ بتعبيرٍ آخر، هل هو انفصامٌ عن الواقع؟ هل ما طرحه التوحيدي في كتابه “الهوامل والشوامل” حول الإنسان ما زال يحثّ الباحث على التفكير في عمق هذا القول: “الإنسان أشكل عليه الإنسان”؟

 

انطلاقاً من انشغالي بدرس نصوص محمد أركون اخترت التوقّف عند تصوّره للإنسان، وكيفيّة مقاربته لعمق معنى الأنسنة. كذلك، إن من يقرأ نصوص عبد الجبار الرفاعي لا بدّ من أن يلفت انتباهه هذا الإصرار على الأنسنة، والكرامة الإنسانية، والنزعة الإنسانية. من هنا، يهدف هذا المقال إلى إعادة تسليط الضوء على مفهومَي الإنسان والأنسنة في الفكر العربي الإسلامي المعاصر انطلاقاً من علٍَمين اثنين عملا بجهد على إرساء نظرة إنسيّة تقارب موضوعات عدّة من زاوية تعيد الاعتبار للإنسان، ولكرامته ودوره وقيمته في المجتمعات العربية المعاصرة.

في أهميّة الأنسنة عند أركون والرفاعي.

في ما يتعلّق بمحمد أركون، نلحظ عند قراءة كتبه أنه نادراً ما نجد واحداً منها لم يذكر فيه الأنسنة، بشكلٍ أو بآخر. فالأنسنة عنده تعني إعمال العقل، والتجرّؤ على التفكير بما هو مستحيلٌ التفكير فيه، وهي ركنٌ من أركان التنوير، تقوم على ممارسة التفكير النقديّ. وهي تجربة فكرية منفتحة على عالم المعرفة، تنهمّ بكلّ ما يُنتجه العقل البشريّ من دون تمييز ولا تهميش.

تأثّر أركون بشخص أبي حيّان التوحيدي، وتوقّف عند درس فكره، وما تركه من أثر من بعده. عمل بجهدٍ مميّز على إبراز نزعة الأنسنة في القرن الرابع الهجري، مشيراً إلى أن هناك تأصيلاً عربيَاً ما لهذه النزعة، وهي ليست بالتالي غريبة عن الفكر العربي. إن التركيز على اختبار الأنسنة في الفكر العربي يهدف، حسب ما نعتقد إلى تسليط الضوء على الجهد الكبير الذي قام به مفكرون مثل الجاحظ والتوحيدي ومسكويه وغيرهم في حقبة مفصليّة من تاريخ الفكر العربي الإسلامي. لم يغفلوا عن الإنسان، ولا عن قوّة عقله في الاستدلال. لقد التزموا بعمق في معالجة قضايا الإنسان كإنسان.

أشار أركون إلى أن “الأنسنة كما فهمها وجسّدها التوحيديّ مثلاً تثور على الإنسان عندما يصبح العدوّ الأخطر للإنسان”.[2] يعكس هذا التوجّه نقداً واضحاً لممارسة العنف التي تنزع عن الإنسان إحدى أهمّ خاصيّة لديه، وهي إنسانيّته. فالعنف، للأسف، ممارسة عرفتها مختلف المجتمعات البشرية، عبر التاريخ، وعلى وسع الجغرافيا. من هنا يأتي عدم الاكتفاء بما عُرِف بـ”الأنسنة الشكليّة” التي تشير إلى الانفصام بين الكلام على القيم الإنسانية، والتغنّي بالفنون، من جهة، وبين السكوت عن الظلم والاضطهاد والاستعباد، من جهة أخرى. هذه الأنسنة الشكليّة التي عرفتها أوروبا مثلاً، وهي غريبة عن واقع ما يحدث في المجتمع، أدّت في نظر أركون إلى الإعلان عن “موت الإنسان”. فالغرق في تنظير الفلاسفة المثاليين والأدباء واللاهوتيين أدّى إلى الابتعاد عن واقع العنف والظلم الذي ما زال مستمرّاً حتى اليوم. إن كلّ ممارسة للعنف باسم الحقيقة أو الهوية أو القيم أو الدين أو الاصالة أو القومية هي غرق في الإيديولوجيا، ونكرانٌ للأنسنة.

في سياق كلامه على الدين والأنسنة يقول أركون: “إن الدين الذي يهمل الاجتهاد الفكري المبدع والنقّاد لجميع ما ينتجه العقل يصبح لا محالة آلة خطرة يستغلّها المتلاعبون بالنفوس والقامعون للحريات الأساسيّة التي يتطلّبها كلّ إنسان لكي يرتقي إلى درجة الأنسنة”.[3] واضحٌ في ما تقدّم التركيز على أهميّة إعمال العقل والاجتهاد الفكري وممارسة النقد بحريّة من أجل الارتقاء إلى مستوى الأنسنة. واضحٌ أيضاً التصدّي للسلطة الدينية التي تقمع أبرز تجليّات أنسنة الإنسان، ألا وهي التفكير المبدع الذي يمارس النقد لمختلف ما سبق الفكر البشريّ أن أنتجه. إن اعتماد المنهج النقدي ليس ضرورة فقط بالنسبة إلى التفكير الفلسفي، إنما هو من صلب تحقّق إنسانيّة الإنسان، أيّاً كان مجال عمله وانشغاله الفكريّ.

أما في ما يتعلّق بعبد الجبار الرفاعي، فيمكن أن نقول إنه من الصعب جداً التحدّث عن الأنسنة عنده خارج الكلام على الدين، فهو يصرّ على الربط بين جوهر الدين وبين الأنسنة، بين كرامة الإنسان وبين الوحي، بين الظمأ الأنطولوجي الذي يختبره الإنسان وبين الدين. نجده يؤكّد في أكثر من مناسبة على أن “الإنسان غاية الدين، وليس وسيلة للدين، ولا أداة للسلطة أو المؤسّسة أو الجماعة”. كذلك نجده يشدّد على أن “كلّ دين لا يتّخذ الإنسان غايته، ولا يجعل صون كرامته بوصلة له، ليس ديناً إنسانيّاً. جوهر إنسانيّة الدين أن يحمي الكرامة، ويرفض كلّ أشكال التمييز بين الناس، على اختلاف أعراقهم، وأديانهم، وثقافاتهم، وأوطانهم”.[4] هذا الكلام يشير إلى وضع الإنسان في صلب التفكير الديني، وإلى أن احترامه واجبٌ، والإنسان هنا، ليست له هوية محدّدة، ولا قوميّة معلنة، ولا انتماء محصور بوطن معيّن.

كلام عبد الجبار يعبّر عن توقٍ إلى العالميّة ولا يرضى بالتقوقع داخل السجون التي يفرضها بعض الماسكين بمفاتيح العلم والمعرفة والسياسة. نجده ينحاز بوضوح إلى الإنسان، ويدافع عن كرامته، إذ من دونها سوف يفقد قيمة أيّ عمل يقوم به، حتى ولو كان هذا العمل يصنّف في إطار التديّن. كلّ دين لا يسعى أتباعه إلى مناهضة العنف، ومنع إذلال الناس، والحفاظ على حرياتهم، فهو دينٌ لا يمكنه تحقيق الرحمة على الأرض. يؤكّد على أن الله خلق”الناس متساوين في إنسانيّتهم، لا تفاضل بينهم في أصل الخلق، ولا يكتمل المعنى الروحي الأخلاقيّ للدين ما لم يحمل هذا الوعي، ويترجمه في الواقع”.[5]

ينتقد الرفاعي بشدّة، وفي أكثر من موضع، عمليّة تحويل الدين إلى إيديولوجيا، ويعتبرها خيانة لجوهر الدين ولقيمة الإنسان وكرامته على حدّ سواء. إن احترام حرية الإنسان تكمن في احترام الحقّ في الاختلاف في المعتقد، لذا، إن أيّ إكراهٍ على تبنّي تعاليم محدّدة أو عقائد معيّنة من دون سواها، فهو يُعتبر طعناً في كرامة الإنسان، وبالتالي إنه طعنٌ في جوهر الدين الذي ينظر إليه كـ “رسالة روحيّة أخلاقيّة تنشد السلام والسكينة والطمأنينة للناس جميعاً، لا لجماعة دون أخرى”.[6]

هذا الربط بين الدين والكرامة الإنسانيّة يمكن اعتباره تجلّياً واضحاً وصريحاً للنزعة الإنسانيّة عند الرفاعي، وهو يشير في الوقت عينه إلى وسع الرؤية لديه، وإلى انهمامه بالإنسان، أيّ إنسان. فالنقد الذي يوجّهه إلى عمليّة الانغلاق الإيديولوجيّ والتقوقع داخل جدران هويّة محدّدة “مصطفاة” يتمّ رفعها إلى ما فوق الهويات الأخرى، يٌعتبر إشارة واضحة إلى البعد الأخلاقي الذي يشكّل محوراً رئيساً في فلسفة عبد الجبار الرفاعي. لا يكتفي بالمناداة بالبعد الأخلاقي، والإشارة إلى أهميّة البعد الروحي في الدين، إنما نجده يسعى إلى ترجمة ذلك على أرض الواقع من خلال العمل على ترسيخ قيم “الكرامة والحرية والمساواة والعدالة”، وغيرها بهدف تحرير الإنسان من مختلف أشكال الاستعباد وحمايته من الإذلال والاستعباد.

نجد في هذا الإصرار الظاهر بوضوح في كتبه نوعاً من الشهادة لحقيقة الإنسان، ولحقيقة الدين في آن معاً. هذا الإصرار يحمل القارئ على أن يجد في الدين طريقاً إلى السلام بدلاً من الاحتراب، وملاذاً آمناً للكرامة الإنسانية بدلاً من الإذلال والاستعباد والقهر والاستغلال. إنها دعوة صريحة للتحرّر من كلّ ما يهين الإنسان، باسم ايّ سلطة كانت. هناك كرامة إنسانيّة يجب التوقّف عندها، احتلااماً لها، لأنه عند احترامها تُحترم كرامة كلّ إنسان، وفي انتهاكها، تُنتهك كرامة كل إنسان.

أما في ما يتعلّق بمحمد أركون فنجد أنه كان مهتمّاً في سياق كلامه على الأنسنة بأن يشدّد على الجانب الفكري للفظ “أدب” كما كان متعارفاً عليه بالمعنى الكلاسيكي. فالأدب كان يشمل، في زمن التوحيدي، البعد المعرفي والفكري والأخلاقي والروحي والشرعي والجمالي والسياسي الذي يتّصف به الأديب. كانت هناك متابعة واضحة لمختلف نشاطات الإنسان وإبداعاته بما فيها الصالح والضّار. يشير أركون إلى أهميّة هذا الجانب الفكري لكلمة أدب وذلك بهدف “حماية الإنسان من عدوان أخيه الإنسان، وباطله، وغطرسته، وفرعونيّته، وعنفه”. كذلك فهو يلفت الانتباه إلى “الشروط العقليّة التي يجب ان يحترمها -الإنسان- أو يتقيّد بها في معاملته لنفسه أو معاملته مع الآخرين في الحياة الاجتماعيّة”.[7]

عمل أركون على لفت الانتباه إلى الفرق بين ذهنيّة التعاطي مع كلمة أدب في العصر الكلاسيكي زمن الجاحظ ومسكويه والتوحيدي وغيرهم، من جهة، وبين واقع الحال في معظم المجتمعات العربية الإسلاميّة المعاصرة، من جهة أخرى. كان هناك التزامٌ كاملٌ، في نظره، “بقضايا الإنسان كإنسان”، إذ تمّ وضعه في صلب الانهمام الفكريّ للمشتغلين بالأدب، في معناه الواسع. أما ما يحدث في الفترة المعاصرة، فهو، حسب رأيه، “يدلّ دلالة واضحة على غياب النزعة الإنسانيّة”، إن في الخطابات اليوميّة، أو في كتب علماء السياسة المتعلّقة بالدساتير الرسميّة.

يقول بأنه اقترح مصطلح الأنسنة لكي يشير إلى الأبعاد الفكرية الغائبة بعد أن ازدهرت في العهد الكلاسيكي، عهد الأدب والأدباء العرب والمسلمين. أراد مكن خلال التحدّث عن ذلك أن يدعو إلى “إحياء الموقف الفلسفيّ في الفكر العربي خاصة، والفكر الإسلاميّ عامة”. وهو لديه اعتقادٌ راسخٌ “بأنه لا سبيل إلى الاعتناء بمصير الإنسان اعتناءً شاملاً، نقديّاً، منيراً، محرّراً، بدون التساؤل الفلسفيّ عن آفاق المعنى التي يقترحها العقل ويدافع عنها”.[8]

من هنا يبرز واضحاً هذا الجمع بين العقلانية والأنسنة، إنها عمليّة بناءٍ ذهني ترتكز على العقل الفلسفيّ الذي يبحث عن المعنى بحرية، ويضع قضايا الإنسان في صلب انشغالاته. ميّز محمد أركون بين التفكير الفلسفيّ في الإنسان والتفكير الدينيّ فيه. فالموقف الديني يهتمّ بالإنسان من أجل الهداية نحو الطريق الصحيح. وكأن لدينا أنسنة فلسفيّة وأخرى دينيّة، لكلّ منهما السبيل الخاص في طرح ومعالجة قضايا الإنسان. تربط الأنسنة الأولى، أي الفلسفية، مصير الإنسان بخياراته، بمسؤوليّته، وبالقرارات التي يتخذها بوعيٍ ودراية. بينما تربط الثانية، أي الإنسنة الدينيّة، مصير الإنسان بما تبشّر به التعاليم الالهيّة المنزلة. يرتكز حال العقل في الأنسنة الأولى على التفاعل مع العقول الاخرى المتعدّدة من حوله، ضمن الإطار السياسيّ الديمقراطيّ، في ظلّ دولة القانون والمؤسّسات، في إشارة واضحة إلى العقل التواصلي عند هابرماس. لفت الانتباه إلى “أن الاعتراف بالتعدّدية المذهبيّة والثقافيّة واللغويّة هو صفة من الصفات الأساسيّة والتأسيسيّة للموقف الإنساني. وكانت هذه التعدّدية سائدة، مقبولة، معرَّفاً بمنافعها في فجر الإسلام وضحاه”.[9] أما ما جرى في ما بعد فكان مغايراً لنهج الانفتاح وتقبّل الرأي الآخر، بخاصة ما يتعلّق بالقضايا اللاهوتيّة والشرعيّة.

أشار أركون في أكثر من مناسبة إلى العلاقة التي جمعت بين السلطة الدينيّة والسلطة السياسيّة في التاريخ الإسلامي، واعتبر أنه كلّ ما ساد “التضامن الإيديولوجي” وقوي الاتفاق بينهما، كانت النزعة الإنسانيّة في تراجعٍ ملحوظ، والتفكير الفلسفي يسير نحو التهميش، والفكر النقدي نحو التغييب. إن التكافل بين الدولة والسلطة الدينيّة أدّى إلى انتشار ذهنيّة التحريم والتقديس في المجتمعات، وفق ما بيّن ماكس فيبر. إن الفكر النقديّ مبنيّ على حريّة التفكير والتعبير والنشر، وهو يفتح المجال أمام تعدّد الجمعيّات في المجتمعات المدنيّة. 

في النظر إلى الدين من زاوية الأنسنة.

يرى عبد الجبار الرفاعي أن الإنسان لا يصنع حاجته للدين لأن “الحاجة للدين مستودعة في أعماق الكينونة الوجودية لهذا الكائن، ما يصنعه هو أشكالُ تديّنه في حياته الفردية والمجتمعيّة. ويدلّ على ذلك حضور الدين ورموزه وتعبيراته المتنوّعة في حياته منذ ظهوره على الارض حتى اليوم”.[10]   نلحظ أن الرفاعي يتكلّم على الدين انطلاقاً من الإنسان، من الشعور بالقلق والاغتراب الوجوديّ. هذا الكائن الضعيف والهش الذي يعجز عن إنقاذ نفسه من الموت. أنه يقع باستمرار ضحيّة جهله بنفسه كما بمصيره. من هنا نجده يتوقّف عند أهميّة السلام الداخلي باعتباره منبعاً للحياة المطمئنّة التي تتغلّب على الكآبة والمعاناة المنهكة. إن هذه الحال التي دفعت الإنسان الواعي إلى الاعتراف ببعض ضعفه وقدرته المحدودة التي تحول دون حصوله على ما يتمنّاه. فالوضع النفسي للإنسان وما يعاني منه من اضطراب وقلق واغتراب وجوديّ، كلّ ذلك لعب دوراً، برأي الرفاعي، في اللجوء إلى الإيمان والدين. هذا ما أمّن له الحماية وغذّاه بالمحبة والرحمة والقيم السامية، وأسعفه في الاستمرار التاريخي.

من ناحيته، ينظر أركون إلى الدين مميّزاً بين التركيبات اللاهوتيّة التي تضعها السلطة الدينية بالتنسيق مع السلطة الرسميّة، وبين الوظيفة الروحانيّة للدين. يستعين بميشال ميسلان الذي عرّف الدين باعتباره “التجربة البشريّة لما هو الهي”، مشدّداً على المعنى الروحي المنزّه والمتعالي الذي يتمّ تحريفه أو استغلاله من قبل السلطات الرسميّة. فالدين بالعنى الروحاني هو بمثابة “الرعشة الدينيّة العالية والمنزّهة” التي عاشها الأنبياء كما كبار المفكرين والعلماء. نجده بالتالي يفرّق “بين معنيين للدين: المعنى الروحي المنزّه والمتعالي/ والمعنى القانوني، الرسمي، السلطوي، أو الذي يخلع المشروعيّة على السلطات السياسيّة”.[11]

ملفت جداً هذا التعاطي مع الدين وعدم حصر لحظة الوحي بالأنبياء من دون سواهم، نلحظ أن أركون وسّع من دائرة الكشف والاختبار الروحي لكي تشمل أيضاً العلماء عندما يأتون بما هو جديد في سياق بحثهم عن الحقيقة. كما أنه كان قد شدّد على تاريخيّة الفكر الديني، أي على البعد الإنساني لهذا الفكر، ومحدوديّته في الزمان والمكان، وعلى الشروط الاجتماعية والسياسية والثقافية المحيطة به، والتي أدّت إلى تبلوره في الشكل الذي ظهر فيه. فالتركيز على التاريخية أمرٌ يحيل بالضرورة إلى الأنسنة، وفق نظرنا. كذلك التركيز على العلمنة في كتابات أركون باعتبارها “الموقف الحر والمفتوح للروح أمام مشكلة المعرفة”[12] يمكن اعتباره بمثابة إشارة واضحة إلى أهميّة الأنسنة والمقاربة الإنسانيّة للمسائل السياسية والاجتماعية والفكرية.

نودّ أن نشير، في ما يتعلّق بنظرة الرفاعي للدين إلى أنه ينتقد بشدّة كل تلك المحاولات في تشويه الدين، والتي تقوم بها السلطات الدينية في مجال تعليم مبادئ الشريعة، في مختلف المؤسّسات. لا يمكن بالنسبة إليه أن نقدّم مفهوماً إنسانيّاً للدين ما لم نتوقّف عند الأخطاء التي اقترفتها السلطات الدينيّة  من أجل نقدها بعمق. فالأنسنة تقتضي هذا النقد وتفرضه على الباحث الرصين الذي يتحلّى بالموقف الأخلاقيّ. يعلن بوضوح ما يأتي: “يملي علينا الموقف الأخلاقيّ أن نفضح منابع الكراهية والتعصّب والتمييز بين البشر في تراثنا ومواقفنا وسلوكنا، كما نفضحها في تراث غيرنا ومواقفه وسلوكه، وأن نعترف بأخطاء تاريخنا وخطاياه، مثلما ندين اخطاء تاريخ غيرنا وخطاياه. ليس من الإنصاف أن نمارس الانتقاء، فنبرّئ تراثنا مما لا نرضاه من غيرنا، وندين سلوك الآخر في حين نتغافل عن سلوكنا، ونتحدّث عن القيم وننسى فقرنا الأخلاقيّ”.[13]

إن مجرّد التأمّل في مضمون هذا النص كفيلٌ في أن يوضح للقارئ أهميّة الأنسنة وعمق تجذّرها في مقاربة الرفاعي للدين، وللفكر الديني. وما تشديده على البعد الأخلاقيّ إلا خير دليلٍ على ذلك. فالمعاملة بالمثل، والبدء بتطبيق النقد على الذات تماماً كما نطبّقه على الآخر، وتعرية الذات من أوهامها، كلها خطوات منهجيّة تفيد في التأسيس للأنسنة المعاصرة على مبادئ راسخة.

يصرّ الرفاعي على أهميّة المراجعة النقدية للتراث الديني، وعلى إبراز الأخطاء التي أدّت إلى تشويه صورة الدين، هذه الأخطاء والممارسات التي أبعدت الدين عن جوهره فحوّلته إلى “أداة للهيمنة وشرعنة الظلم والاستعباد، بدل أن يكون منبعاً للرحمة والمحبة والكرامة والحرية والمساواة”. من الجدير ذكره في هذا السياق أن الدين كما يفهمه الرفاعي “هو طاقة روحيّة وأخلاقيّة مُلهمة، تستنهض في الإنسان ضميره الحي، وتوقظ فيه الشعور بالمسؤوليّة تجاه نفسه وتجاه الآخر، أيّاً كان دينه أو انتماؤه”.[14]

في الختام، يمكن القول إن هذا الكلام كفيلٌ في تظهير صورة مشرقة عن الأنسنة في الفكر العربي المعاصر، وهو يلتقي بعمق مع طروحات محمد أركون الخاصة بالدين والتنوير والعلمنة والأنسنة. لذا، في خلاصة هذا المقال، يمكن أن نتلمّس، من خلال ما سبق من فقرات، نهجاً إنسانيّاً واضح المعالم في مقاربة قضايا الدين والمجتمع، وهو يقدّم أسساً صلبة يمكن البناء عليها، ومتابعة ما بدأ به كلٌّ من أركون والرفاعي من أجل إستعادة المبادرة، والعمل على إرساء تفكيرٍ إنسانيٍّ يخفّف من هول التحدّيات الراهنة، ويشقّ طريقاً نحو الأمل بمستقبلٍ إنسانيٍّ أفضل، يقينا شرّ الفراغ واللامعنى والعنف المستفحل الذي يستبيح كلّ شيء من دون رادع.

 

[1]  أستاذة الفلسفة في كلية الآداب بالجامعة اللبنانية.

[2] – محمد أركون، معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلاميّة، ترجمة هاشم صالح، بيروت، دار الساقي، ط1، 2001، ص 8-9.

[3] – محمد أركون، معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلاميّة، م.س. ص 8.

[4] – عبد الجبار الرفاعبي، الهويّة في شِراك الإيديولوجيا، بغداد، الرافدين، ومركز دراسات فلسفة الدين، ط1، 2025، ص 111.

[5] – عبد الجبار الرفاعي، الهوية في شراك الإيديولوجيا، م.س. ص 111.

[6] – عبد الجبار الرفاعي، الهوية في شراك الإيديولوجيا، م.س. ص 111.

[7] – محمد أركون، معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلاميّة، م.س. ص 12.

[8] – محمد اركون، معارك من اجل الأنسنة في السياقات الإسلاميّة، م.س. ص 12-13.

[9] – محمد أركون، معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلاميّة، م.س. ص 14.

[10] – عبد الجبار الرفاعي، الدين والكرامة الإنسانية، بغداد، دار الرافدين ومركز دراسات فلسفة الدين، ط2، 2023، ص 42.

[11] – محمد أركون، قضايا في نقد العقل الديني، كيف نفهم الإسلام اليوم؟، ترجمة هاشم صالح، بيروت، دار الطليعة، ط1، 1998، ص 237.

[12] – محمد أركون، الفكر الإسلامي نقدٌ واجتهاد، ترجمة هاشم صالح، بيروت، دار الساقي، ط1، 1990، ص 296.

[13] – عبد الجبار الرفاعي، الهوية في شراك الإيديولوجيا، م.س. ص 116.

[14] – عبد الجبار الرفاعي، الهويّة في شراك الإيديولوجيا، م.س. ص 117.

 

https://taqueen.com/%D8%A3%D9%8A%D9%86-%D8%A3%D8%B5%D8%A8%D8%AD%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%86%D8%B3%D9%86%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%83%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9/