الحق في الكرامة والهوية المغلقة

د. عبد الجبار الرفاعي

الإنسان غاية الدين، وليس وسيلة للدين، ولا أداة للسلطة أو المؤسسة أو الجماعة. كل دين لا يتخذ الإنسان غايته، ولا يجعل صون كرامته بوصلة له، ليس دينًا إنسانيًا. جوهر إنسانية الدين أن يحمي الكرامة، ويرفض كل أشكال التمييز بين الناس، على اختلاف أعراقهم، وأديانهم، وثقافاتهم، وأوطانهم. لا يتحقق دين الرحمة والمحبة والكرامة والمساواة والحرية، من دون مناهضة احتقار الإنسان، ورفض إذلاله، وانتهاك كرامته، وسلب حريته، بسبب اختلاف العقيدة، أو اللون، أو الطبقة، أو الجنس. الكرامة لا تتحقق من دون مساواة، والعدالة لا تقوم بلا كرامة. خلق الله الناس متساوين في إنسانيتهم، لا تفاضل بينهم في أصل الخلق، ولا يكتمل المعنى الروحي الأخلاقي للدين ما لم يحمل هذا الوعي، ويترجمه في الواقع. تختبر أخلاقية أي ديانة بما ترسخه من قيم الكرامة والحرية والمساواة والعدالة والحقوق، وبما تسهم فيه من تحرير الإنسان من الاستعباد بكل صوره، وبقدرتها على حمايته من الإحتقار والإذلال والنبذ والاستعباد.

الدين بمعناه الروحي والأخلاقي والجمالي ليس هوية مغلقة ترفض حق الإنسان في أن يكون مختلفًا، بل هو رسالة روحية أخلاقية جمالية تنشد السلام والسكينة والطمأنينة للناس جميعًا، لا لجماعة دون أخرى. الدين حين يتحول إلى أيديولوجيا يصبح هوية مغلقة، تنكر حق الإنسان في أن يكون مختلفًا في معتقده، أو في تدينه، أو في تميز فهمه للحياة ورؤيته للعالم. العدالة إذا لم تتأسس على المساواة تفرغ من كونها عدالة، لأنها لا تنصف الإنسان، ولا تفي بحقه في الكرامة والحرية. الكرامة ضرورة للفرد كما هي ضرورة للمجتمع، تبدأ بكرامة الفرد وتنتهي بكرامة المجتمع. لا كرامة لأمة تهان فيها كرامة أبنائها، ولا لمجتمع تستلب فيه حرية أفراده وتنتهك إنسانيتهم. لا يمكن تصور وطن كريم وأفراده محتقرون، أو مجتمع متضامن وأفراده مهمشون، أو دولة تروج لحداثة شكلية ومظاهر زائفة للتدين، وهي تهمش إنسانها وتجرده من كرامته. كل مجتمع تنتهك فيه الكرامة الفردية هو مجتمع مهدد في إنسانيته ومعرض لانهيار بنيته القيمية. ما دام الفرد مهانًا فلا كرامة لمجتمعه ولا لمؤسساته ولا لدولته، مهما رفعت من شعارات أو تزينت بأقنعة براقة تخفي تصدعها الأخلاقي.

هناك قيم كونية واحدة تتجلى في الكرامة والحرية والمساواة والعدل. هذه القيم ليست حاجة طارئة تعكس ضرورات ظرفية مؤقتة، ولا منتجًا محليًا لثقافة بعينها، بل هي احتياج وجودي لكل إنسان بما هو إنسان، من دون التفات إلى لونه أو عرقه أو موطنه أو معتقده أو طبقته الاجتماعية أو لغته أو ثقافته. تصنيفات البشر في سلّم هرمي تُمنح فيه القيمة على أساس الهوية أو النسب أو اللون أو الدين لا تنتمي إلى جوهر الدين، بل تعبر عن ترسبات عصور الاستعباد، حين كانت الأديان تستثمر في شرعنة الهيمنة وتكريس الاستعلاء الديني أو العرقي أو الطبقي. لا ينكر حضور الهويات في المجتمعات المختلفة، فهي جزء من البناء الرمزي للشعوب، ومكون طبيعي للذاكرة الجمعية، لكن المرفوض هو تحول الهوية إلى عقيدة استعلائية مغلقة، تقصي الآخر وتنكر عليه حقه في الكرامة والحرية والمساواة، وفي أن يكون مختلفًا، أو أن يفكر خارج إكراهات الجماعة وأسوارها الهوياتية. القيم الكونية لا تلغي الهويات، لكنها تعيد بناء وعينا بها على نحو يحررها من النزعة الاحتكارية ويجعلها قابلة للتعايش، لا وسيلة للإقصاء أو التسلط أو الاستعباد والخضوع.

الكونية هي الميزان الذي تقاس به أبدية القيم الأخلاقية وشمولها وعبورها للزمان والمكان. الكونية تعني ما يمكن أن يكون عامًا من قيم روحية وأخلاقية وجمالية، بوصفها صالحة لكل إنسان في كل زمان ومكان، بغض النظر عن دينه أو إثنيته أو ثقافته أو لغته أو موطنه أو نمط عيشه. الحياة الأخلاقية ليست ممكنة من دون الإيمان بوجود قيم تعبر عن المشترك الإنساني وتخاطب الإنسان بما هو إنسان، لا بما هو تابع لهوية مخصوصة، أو مأسور في سجن انتماء لهوية مغلقة. لم تعد الكرامة والحرية والمساواة والعدالة قيمًا محلية أو غربية أو وافدة، كما يروج بعض دعاة الهوية المغلقة شرقًا وغربًا. هذه القيم ليست نتاج ثقافة مخصوصة، بل ثمرة معاناة الإنسان المريرة وتضحياته المفجعة آلاف السنين، للتحرر من الاستبداد والاستعباد والتمييز والاحتقار، وسجل لصراعه العنيف من أجل أن ينتزع الاعتراف بإنسانيته. الكونية في معناها العميق ليست نفيًا للخصوصية، بل هي اعتراف بإنسانية الإنسان قبل كل انتماء، وإقرار بأن الإنسان لا يستحق الكرامة لأنه مؤمن بمعتقد خاص أو منتم لأيديولوجيا أو هوية مغلقة، بل يستحق الكرامة والحرية والمساواة لأنه إنسان لا غير.

ما يرفع من شعارات عن الخصوصية والأصالة والهوية الثقافية كثيرًا ما تكون قناعًا مموهًا لرفض حقوق الإنسان الكونية، وتبرير التمييز، واستمرار استعباد المختلف، وإعادة إنتاج التفوق الديني أو الإثني أو الثقافي أو الجغرافي، وإن تلبس ذلك بلغة الأصالة أو حماية الذات الحضارية. الخصوصية حين تنقلب إلى أداة لنفي الإنسان تفتقر إلى معناها الإنساني، وتناهض التفاعل الخلّاق بين الثقافات. لا معنى لهوية دينية أو قومية أو ثقافية تنتج الكراهية، وتكرس التمييز، وتقصي المختلف. الكونية لا تلغي التنوع بل تحتضنه، وتؤسس لفهم تعددي للوجود الإنساني داخل إطار احترام الكرامة الإنسانية والحقوق المتساوية. الكرامة لا تكون كرامة إلا إذا شملت الجميع من دون استثناء، ولا يعلق الاعتراف بها على شرط الإيمان أو الطاعة أو الولاء لهوية محددة.

الولادة الثانية للدين في المتخيل الجمعي، كما أنتجتها المؤسسات الدينية، ورسختها المجتمعات الدينية عبر العصور، لا تشبه الولادة الأولى لحظة الوحي. ففي لحظة الوحي كان الدين نداء للحرية، وبشارة بالكرامة، ورسالة للعدل والمساواة. لكن هذه الرسالة شوهت حين أعيد إنتاج التراتبية باسم الدين، وأسبغت شرعية دينية على التمييز والاستعلاء وحتى الاستعباد. وتشوهت طرائق التربية الروحية، التي يفترض بها أن تعبر حدود التراتب وتسمو على الفوارق والامتيازات، فلم تسلم من هذا المرض. العلاقة بين الشيخ والمريد كما تجلت في كثير من الطرق الصوفية كثيرًا ما أعيد إنتاجها بوصفها علاقة سيادة وخضوع، لا علاقة تربية روحية أفقها الحرية، ومداها الأنس بالسير إلى الله. تحول الشيخ إلى رمز مطلق للسلطة الروحية، والمريد إلى تابع مقهور منزوع الإرادة، ينتزع منه صوته باسم الأدب، ويسلب عقله باسم التسليم. لا خلاص من هذه التراتبية المقيتة إلا بإحياء روح الدين ومقاصده الروحية والأخلاقية والجمالية، وقراءة النصوص الدينية في أفق القيم الكونية التي ينشدها الإنسان اليوم، في: الكرامة والحرية والمساواة والعدالة. فكل ما يناقض هذه القيم حتى وإن تستر بالدين هو نقيض لإنسانية الدين ومضاد لجوهر رسالته.

القيم الأخلاقية يحتاجها كل إنسان بوصفه إنسانًا. ليست الأخلاق الكونية خاصة بهوية أو قومية أو جنس أو لون أو ثقافة أو ديانة أو زمان أو مكان. التعبير عن الأخلاق في مواقف الإنسان وسلوكه يعكس وعيه بالحق في الكرامة والحرية والمساواة والعدالة، وسعيه لتجسيد هذه القيم في حياته. كما تعبر الأخلاق عن حق الذات في الكرامة والمساواة والحرية والعدالة، فإنها بموازاة ذلك تعبر عن حق الذات الإنسانية الأخرى بهذه الحقوق بالدرجة ذاتها، مهما كانت مختلفة في الهوية أو القومية أو المعتقد أو الجنس أو اللون أو الموطن. هذه الحقوق هي الأفق الأبدي الذي يسعى الإنسان بما هو إنسان إلى تحقيقه في حياته.

من صور الكرامة المهدورة المتفشية في مجتمعات عديدة اليوم ظاهرة ما يسمى بالخدم، والتعامل معهم وكأنهم لا يفكرون ولا يشعرون ولا يتألمون مثل كل إنسان. عندما لا تحضر كرامة الآخر في الوعي الجمعي يحدث ما يشبه التواطؤ على غض النظر عن إهدار كرامته. كأن أكثر الناس لا يعرفون أن كرامة هذا الإنسان هبة الخالق له، وهي مكون عميق لكينونته الوجودية لا يمكن سلبها منه. هذا الإنسان قد يكون أذكى وأنبل ممن يستخدمه، لكن أكرهته الفاقة والحرمان والجوع، وانعدام فرص العمل الكريم على الزج بنفسه في هذا النوع من العمل المزري الذي يمتهن فيه الإنسان. هذا الإنسان ينفعل، ويتألم، ويحزن، ويكره، ويحب، ويشعر بالسعادة، ويسأم، وينزف قلبه أسى لحظة تعرضه للإهانة والاحتقار والتنكيل. مع ذلك يتعامل كثير ممن يستخدمونه وكأنه محكوم بالاكتئاب والأسى الأبدي. هذا الإنسان له احتياجات جسدية وعاطفية ونفسية وروحية وأخلاقية. يحتاج الحياة العاطفية والجنسية مثلما يحتاجها كل كائن بشري. يحتاج الضحك، والبكاء، والفرح، والحب، والرحمة، والحنان. يحتاج الاعتراف به وبمنجزه مهما كان، يحتاج الاحترام والشكر والتبجيل والتكريم، كما يحتاج ذلك كل إنسان. أحيانًا يحتاج التأوه والتوجع والاستغاثة والصراخ، مثلما يحتاج كل كائن بشري يرزح تحت نير الاحتقار وإهدار الكرامة. هذا الإنسان الضحية محروم من كل ذلك في العلن غالبًا، لأن أكثر مَن يستخدمونه لا يشعرون بضراوة الألم الذي يكابده، ولا بالجروح النازفة في قلبه، ولا بالحريق المتواصل في أعماقه.

يملي علينا الموقف الأخلاقي أن نفضح منابع الكراهية والتعصب والتمييز بين البشر في تراثنا ومواقفنا وسلوكنا، كما نفضحها في تراث غيرنا ومواقفه وسلوكه، وأن نعترف بأخطاء تاريخنا وخطاياه، مثلما ندين أخطاء تاريخ غيرنا وخطاياه. ليس من الإنصاف أن نمارس الانتقاء، فنبرئ تراثنا مما لا نرضاه من غيرنا، وندين سلوك الآخر في حين نتغافل عن سلوكنا، ونتحدث عن القيم وننسى فقرنا الأخلاقي. إن تنمية الوعي الأخلاقي وإيقاظ الضمير تستدعي مراجعة ما ترسب في تراثنا من عنف باسم المقدس، وأحكام إقصائية، ورؤى مغلقة، ومقولات تحرض على الكراهية، وتعيد إنتاج العداوة، وتفرق بين الناس على أساس الدين والمذهب والهوية.

لا يمكن أن نقدم فهمًا إنسانيًا للدين ما لم نعترف بما في تراثنا من أخطاء مريرة أسهمت في تشويه صورة الدين، وتحويله إلى أداة للهيمنة وشرعنة الظلم والاستعباد، بدل أن يكون منبعًا للرحمة والمحبة والكرامة والحرية والمساواة والعدالة. الدين، كما أفهمه، ليس مدونة أحكام فقط، ولا هو خزان لمرويات العنف، بل هو طاقة روحية وأخلاقية ملهمة، تستنهض في الإنسان ضميره الحي، وتوقظ فيه الشعور بالمسؤولية تجاه نفسه وتجاه الآخر، أيا كان دينه أو انتماؤه. إن أول الطريق لتحرير الدين من تواطئه مع العنف، هو الاعتراف الصريح بما في ماضينا من عنف ومظالم باسم المقدس، ومراجعة تراثنا الذي كرست مقولاته الكلامية وأحكامه الاستعلاءَ المذهبي والديني والعرقي، ورفضت حق الآخر في أن يكون مختلفًا.

 

https://alsabaah.iq/124494-.html

يولَدُ الإنسانُ مُكرّمًا ولا يكتسبُ الكرامةَ بعدَ ولادته

د. عبد الجبار الرفاعي

‏ الكتاباتُ الدينية في كثيرٍ منها تنشغلُ بالحديث عن الغيب وعوالمه، وكلِّ ما يشير ويرمز إليه، ‏من شخصيات وكتب وأماكن وأزمنة وأشياء مقدسة، وتستغرقُ في الحديث عن ذلك العالَم المحجوب عنا، إلى الحدّ الذي تنسى فيه الإنسانَ نسيانًا كليًّا، ‏وأحيانًا تُعطِّل عقلَ الإنسان إلى الحدّ الذي يتيه في اللامعقول. الكتاباتُ التي لا تؤمن بالغيب تنشغلُ بالإنسان، وتتمحور حول احتياجاته المادية. وأحيانًا تنسى ‏احتياجاتِ الروح والقلب والعاطفة،كما تنسى الغيبَ نسيانًا كليًا، وتجهل ‏ما يرمزُ إليه في عالمنا.

أكثرُ الكتاباتِ المتمركزة حول الإنسان تنسى الدين، وأكثرُ الكتاباتِ المتمركزة حول الدين تنسى الإنسان. الدينُ يبدأ باكتشاف الإنسان وإعادة تعريفه ليصل إلى الغيب، ولا يبدأ بالغيب ليصل إلى الإنسان. يحاولُ اكتشافَ الإنسان أولًا، في ‏ضوء معطيات الفلسفة والعلوم والمعارف البشرية المتنوعة والمتجدّدة، ليحدّد ما هو مادي من ‏احتياجاته، وما هو عقلي، وما هو عاطفي، وما هو روحي. لا يتجاهلُ الكتابُ أن أحدَ احتياجات الإنسان الأساسية هي الحاجةُ للاتصال بالله والإطلالةُ على آفاق الغيب، ‏ليرتوي ظمأ الروح، ويطمئن القلبُ بالإيمان، وتشبع احتياجاته للمعنى الذي يوقظ الروح والقلب والعقل.

هذا كتابٌ ينطلقُ من الإنسان إلى الدين، مفتاحُ فهمه للدين ونصوصه هو الكرامةُ الإنسانية بوصفها مقصدَ مقاصد الدين.‏ الإنسانُ يولَدُ ويموتُ مُكرّمًا، لا يكتسبُ الإنسانُ الكرامةَ بعدَ ولادته، الكرامةُ توجدُ بوجودِ الإنسان وتلبث معه أبدًا حيثما كان. الكرامةُ رديفةُ الاستخلاف، خليفةُ الله في الأرض جعله قَيِّمًا وحافِظًا ووكيلًا ونائبًا عنه في الأرض.

يرى هذا الكتابُ أن تجديدَ فهم الدين يتطلب: إعادةَ تعريف الإنسان، وإعادةَ تعريف الدين، وإعادةَ قراءة نصوصه في أفق العصر، وإعادةَ تحديد وظيفته في الحياة، والكشفَ عما يمكن أن يقدّمَه الدينُ للإنسان من احتياجاتٍ روحية وأخلاقية وجمالية، وما يترقبه الإنسانُ من عواطفٍ ورفقٍ وشفقة ورحمة يمنحها الدينُ للحياة، وما يُلهِمَه للروح من سكينة، وللقلب من طمأنينة.

كتابُ الدين والكرامة الإنسانية وغيرُه من كتاباتي تتبنى تعريفَها الخاص للدين، بوصفه: “حياةً في أُفق المعنى، تفرضُه حاجةُ الإنسان الوجودية لإنتاجِ معنىً روحي وأخلاقي وجمالي لحياتِه الفردية والمجتمعية”. حيثما يرد الدينُ في كتاباتي فإنه يبتني على هذا التعريف، ويؤسّس عليه كلَّ شيء أقوله وأكتبه في الدين. من هذا التعريف يبدأ الدينُ وإليه ينتهي، هو المعيارُ الذي يجري اختبارُ وفاء الدين بوعوده في ضوئه، وعلى أساسه يتم اختبارُ تعبيره عن معناه في حياة الفرد والمجتمع. هذا الفهم للدين مفتاحُ فهم النصوص الدينية لدي، وقبول أو رفض ما تشكّل من تراث متنوع وواسع لشرحها وتفسيرها وتأويلها.

لا كرامةَ بلا مساواةٍ، خلقَ اللهُ الناسَ متساوين في إنسانيتهم، فليس هناك إنسانٌ كاملُ الإنسانية وآخرُ إنسانيتُه ناقصة، وليس هناك إنسانٌ كاملُ الكرامة وآخرُ كرامتُه ناقصة. تُختبَر أخلاقيةُ أية ديانةٍ بما ترسّخه من قيمةٍ للكرامة والحرية والحقوق، وبجهودِها من أجل تحريرِ الإنسان من الاستعباد، وقدرتِها على حمايته من الإذلال والاحتقار. أيُّ مسعىً لتحقيق العدالة اليوم بلا تحقيقِ المساواةِ لا تتحقّق به عدالةٌ ولا يحمي كرامةَ الإنسان.

الكرامةُ قيمةٌ أصيلةٌ، إنها أحدُ مقوّمات تحقّق إنسانيّة الإنسان، حضورُها يعني حضورَ إنسانيّة الإنسان، وغيابُها يعني غيابَ إنسانيّة الإنسان. لا تعني الكرامةُ عدمَ الإهانة فقط، عدمُ الإهانة أحدُ الآثار المترتبة على حضورِ الكرامة، وثمرّةٌ من ثمرات تحقّقها في الحياة البشرية. لا قيمةَ سامية تعلو على قيمةِ الكرامة، هتكُ الكرامةِ والاحتقارُ يثيران الفزعَ في كيان أيّ إنسان، مهما كان بَليدًا وأبْلَهًا في نظر البعض، إلا إذا كان ذلك الإنسانُ مُدجّنًا على التنازل عن كرامته ليقبلَ الاستعبادَ طوعًا. نصابُ الكرامة في القيم يتفوّق على كلِّ ما سواه،كلُّ القيم تجد معناها في حمايتِها للكرامة وصيانتِها من كلِّ ما ينتهكها، الكرامةُ لا غير هي ما يُرسِّخ الشعورَ بأهمية الحياة، وتجعلها تستحقُّ أن تعاش، وهي شرطٌ لتذوّق معناها.

كما أوضحتُ في هذا الكتاب أن الكرامةَ ضرورةٌ للفرد وكذلك للأمة، تبدأ الكرامةُ بكرامةِ الفرد لتنتهي بكرامة الأمة، لا كرامةَ لأمةٍ بلا كرامةٍ لأفرادها. عندما تُنتهَك كرامةُ الأفراد، تحت أيّة ذريعة، فلا كرامةَ للأمة.كلُّ مجتمع تكون كرامةُ الأفراد الشخصية فيه مستلبةً هو مجتمعٌ مُستلَب الكرامة. مادام الفردُ مُهانًا فلا كرامةَ لمجتمعه أو وطنه أو دولته.

الإنسانُ بوصفه إنسانًا لا غير يستحقُّ الكرامةَ والحرياتِ والحقوق. الإنسانيةُ قيمةٌ كونية عابرة للأعراق والثقافات والأديان، الكرامةُ هي الإطارُ الأخلاقي الذي تتوحّد فيه قيمةُ الإنسان ومكانتُه، وتقديرُه لذاته وتقديرُ الغير له. الكرامةُ تضمن إنسانيةَ الإنسان، وتحميها من كلِّ تمييزٍ وتعصب واحتقار ينشأ على أساس الجنس أو العرق أو الثقافة أو الجغرافيا أو الدين أو غير ذلك.

المعيارُ الكلّي لاختبار إنسانيّة أيّ دينٍ هو كيفيةُ تعاطيه وإعلائه للكرامة الإنسانيّة، والموقعُ الذي تحتلّه الكرامةُ في منظومة القيم لديه. إنسانيّةُ الدين تلخّصها نظرتُه للكرامة بوصفها القيمةَ التي تستحضر كلَّ قيمة، وتتسع لكلِّ الحقوق الأساسية، وتضع الحريةَ غايةً تتطلّع لاستردادها على الدوام كاملةً غيرَ منقوصة. والخلاصُ في شريعته من أيّة محاولةٍ لتسويغ العبودية المُعلَنة أو المقنَّعة، والإكراهية أو الطوعية. تكريمُ الإنسان بوصفه إنسانًا واجبٌ أخلاقي وليس مِنّةً أو تفضّلًا من أيّ أحد. الكرامةُ قيمةٌ إنسانيةٌ عليا، معناها واحدٌ صريحٌ يتساوى فيه كلُّ الناس، بغضّ النظرِ عن دينهم وثقافتهم وجنسهم وموطنهم ولونهم ومهنتهم. إن انتهاكَ كرامةِ أيّ كائنٍ بشري هو انتهاكٌ يطالُ كرامةَ غيره من البشر أيضًا. الكرامةُ قيمةٌ كونيةٌ، لكلِّ انسان نصابُه فيها، لذلك يفرضُ الضميرُ الأخلاقي على الكلِّ حمايتَها،كلٌّ حسب موقعه، ووفقًا لإمكاناته وقدراته.

احترامُ الكرامة الإنسانية مقصدُ مقاصدِ الدين وأسمى أهدافه، وذلك يفرض أن يُعاد تفسيرُ كلِّ نصٍّ ديني بما لا ينقض الكرامةَ أو ينتقص منها.كلُّ نصٍ يتعارضُ مع هذا المقصد الكلي، ويقوم على التمييز بين البشر، سواء كان آيةً أو رواية، مثل تشريع الرقّ وما يماثله، يُطرح وينتهي العملُ بأحكامه، لأنه ينتمي للتاريخ ويعكسُ ظروفَ مجتمع عصر البعثة الشريفة.كلُّ كتابٍ مقدّس يتضمنُ ما هو عابرٌ للزمان والمكان والواقع الذي ظهرَ فيه،كما يتضمنُ ما هو زماني ومكاني وتاريخي. في الفصل الرابع من هذا الكتاب شرحنا المفتاحَ المنهجي الذي نعتمدُه في تفسيرِنا للقرآن الكريم وفهمِ الأحاديث والروايات، وكيفيةِ التمييز بين ما هو ثابتٌ من القيم الروحية والأخلاقية الأبدية، وما هو متغيّرٌ من أحكام تنتمي إلى ظروف وأحوال مجتمع عصر النزول.

بعد أشهر من صدور الطبعة الأولى لهذا الكتاب وازدياد طلب القراء عليه يصدرُ بطبعة جديدة.كلُّ طبعةٍ تخضع لمبضع الجراحة مجدّدًا، أعود للمراجعة والتدقيق والتنقيح والتمحيص. أعرف أن كلَّ كتابة لن تبلغ كمالَها ولن تصل إلى نهاياتها، لأن كاتبَها ليس كاملًا. تحمّلُ الكاتب لمسؤولية الكتابة يفرضُ عليه أخلاقيًّا أن ينشغلَ بما يكتب، ويعطي كلَّ ما يمتلكه من قدرة وخبرة متراكمة حين يكتب، وأن يكون صادقًا مع ضميره، صادقًا مع الناس، صادقًا مع الله.

ليست هناك كتابةٌ مكتفية بذاتها، أعترف أن كتابتي جهدٌ لا يختصّ بي ولم أنجزه وحدي. للقراء الأذكياء دورٌ مهم في ترصينها وإثرائها وتكاملها. إنها جهدٌ يشتركُ فيه كلُّ مَنْ يقرؤها وهي مخطوطة وبعد نشرها، وينبهني إلى الوهن في شيء من كلماتها وعباراتها وأفكارها، ويقترح استبعادَها، أو معالجتَها، أو توضيحها، أو إثراءَها، أو التدليل عليها، أو اختزالها.

ما يسعدني هو تواصل قراء أذكياء أتعلّمُ من إشاراتهم وتنبهاتهم ومقترحاتهم، ذلك هو ما يحفزّني لإعادة النظر في كلِّ كلمة أو جملة كتبتها في أحد نصوصي لأعود لتمحيصها مجدّدًا. ما يشعرني بالرضا لحظةَ قراءتي الأفكار في كتاباتي هو إدراكي بأنها نضجت في الذهن، بعد أن أثمرتها عمليةُ تفكير حرة، وغربلتها واختبرت واقعيتها تجاربُ عملية، وتفاعلت بآفاق مطالعات متواصلة في شتى ألوان المعرفة، قبل التعبير عنها ورسمها على الورق.

‏   ما أكتبُه يظلُ مفتوحًا ينضجُ ببطء وهدوء، ولن يصل إلى نهايات مغلقة. لا تكون الفكرةُ ناجزةً مكتملة قبل أن أشرعَ بالكتابة، أدقُّ الأفكار تتبلورُ وتتجلى حالةَ الكتابة، وحالةَ العودةِ ثانية إلى الكتابة. انشغالُ لغتي بصياغة العبارات وانتقاءِ الكلمات، ليس أقلَّ من انشغال ذهني بالتفكير والتأمل والسياحة في تكوّن وصيرورة الأفكار، خاصة إن كانت هذه الأفكارُ تتضمن فكرةً أو نقدًا أو مصطلحًا صغتُه، ولم يصادفني قبل ذلك في مطالعاتي.

يظلُّ النصُّ مفتوحًا ينمو باستمرار تبعًا لاستنارة آفاق الكاتب واتساع رؤيته، وانطباعات ونقد القارئ، تثريه المزيدُ من القراءة والمراجعة والتأمل. يتطور النصُّ بالتدريج ويتكامل، وإن كان لن يبلغ نهاياتِه ويكتفي بذاته مهما امتدّ عمرُ الكاتب. الكتابةُ لا تولد مكتملةً عند الكاتب الجاد، الولادةُ الأولى لحظةَ الفراغ من الكتابة تليها سلسلةُ ولادات متوالية. النصُّ كائنٌ حيٌّ يظلُّ مفتوحًا يتكثفُ ويتوالد، تثريه من جهة مثابرةُ الكاتب، ويقظةُ ضميره الأخلاقي تجاه القراء من جهة أخرى، ويصفّيه من الشوائب نقدُ القراء الخبراء، ويضيء إبهامَه ما يعزّز رصيدَ لغة الكاتب من قراءات نوعية. وتثريه من جهة أخرى النصوصُ المشتقة منه. النصُ الرصين يظلُّ ينمو ويتكامل، ولن يبلغ مدياته القصوى.

 

 مقدمة الطبعة الثانية لكتاب: الدين والكرامة الإنسانية، يصدر قريبًا عن دار الرافدين ببيروت، ومركز دراسات فلسفة الدين ببغداد. هذه الطبعة مزيدة ومنقحة في 378 صفحة، كانت الطبعة الأولى في 288 صفحة.

 

رابط النشر: